كُنْتُمْ) (الحديد: الاية٤). وتنقسم إلى قسمين: عامة وخاصة.
فالعامة هي: الشاملة لجميع الخلق كقوله تعالى:: (وَهُوَ مَعَكُمْ أين مَا كُنْتُمْ). ومقتضى المعية هنا الإحاطة بالخلق علماً وقدرة ً وسلطاناً وتدبيراً.
والخاصة هي: التي تختص بالرسل وأتباعهم كقوله تعالى: (لا تَحْزَنْ أن اللَّهَ مَعَنَا) (التوبة: الاية٤٠). وقوله: (إن اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ) (النحل: ١٢٨). وهذه المعية تقتضي مع الإحاطة النصر والتأييد.
والجمع بين المعية والعلو وجهين:
أولاً: أنه لا منافاة بينهما في الواقع، فقد يجتمعان في شيء واحد، ولذلك تقول: ما زلنا نسير والقمر معنا مع أنه في السماء.
الثاني: أنه لو فرض أن بينهما منافاة في حق المخلوق لم يلزم أن يكون بينهما منافاة في حق الخالق؛ لأنه ليس كمثله شيء وهو بكل شيء محيط.
ولا يصح تفسير معية الله بكونه معنا بذاته في المكان.
стр. 37
أولا: لأنه مستحيل على الله حيث ينافي علوه، وعلوه من صفاته الذاتية التي لا ينفك عنها.
ثانيا: أنه خلاف ما فسرها به السلف.
ثالثا: أنه يلزم على هذا التفسير لوازم باطلة.
معنى كون الله في السماء:
معناه على السماء أي فوقها، فـ (في) بمعنى (على) كما جاءت بهذا المعنى في قوله تعالى: (قُلْ سِيرُوا فِي الأرض) (الأنعام: الاية١١). أي عليها، ويجوز أن تكون (في) للظرفية فالسماء على هذا بمعنى العلو، فيكون المعنى أن الله في العلو، وقد جاء السماء بمعنى العلو في قوله تعالى: (انزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاء) (الرعد: الاية١٧)
ولا يصح أن تكون (في) للظرفية إذا كان المراد بالسماء الأجرام المحسوسة؛ لأن ذلك يوهم أن السماء تحيط بالله، وهذا معنى باطل؛ لأن الله أعظم من أن يحيط به شيء من مخلوقاته.
قول أهل السنة في كلام الله تعالى:
قول أهل السنة في كلام الله: أنه صفة من صفاته لم يزل ولا
стр. 38
يزال يتكلم بكلام حقيقي بصوت لا يشبه أصوات المخلوقين وحروف. يتكلم بما شاء ومتى شاء وكيف شاء، وأدلتهم على ذلك كثيرة منها قوله تعالى: (وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيما) (النساء: الاية١٦٤). وقوله تعالى: (وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ) (الأعراف: من الاية١٤٣). والدليل على أنه بصوت قوله تعالى: (وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانبِ الطُّورِ الأيمن وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّا) (مريم: ٥٢). ومن السنة قوله ﷺ : (يقول الله تعالى: يا آدم. فيقول: لبيك وسعديك. فينادي بصوت أن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثاً إلى النار، فيقول: يا ربي، وما بعث النار). الحديث متفق عليه (١) ودليلهم على انه بحروف قوله تعالى: (وَقُلْنَا يَا ادَمُ اسْكُنْ أنت وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ) (البقرة: الاية٣٥). فمقول القول هنا حروف.
ودليلهم على انه بمشيئة قوله تعالى: (وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى
стр. 39
لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ) (الأعراف: الاية١٤٣). فالتكليم حصل بعد مجيء موسى ﵊.
وكلام الله صفة ذات باعتبار أصله، فإن الله لم يزل ولا يزال قادراً على الكلام متكلماً، وصفة فعل باعتبار آحاده، لأن آحاد الكلام تتعلق بمشيئته متى شاء تكلم. وأكثر المؤلف من ذكر أدلة الكلام، لأنه أكثر ما حصلت فيه الخصومة ووقعت به الفتنة من مسائل الصفات.
قول أهل السنة في القرآن الكريم:
يقولون: القرآن كلام الله منزل غير مخلوق منه بدا وإليه يعود؛ فدليلهم على انه كلام الله قوله تعالى: (وَإن أحد مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ) (التوبة: الاية٩). يعني القرآن. ودليلهم على أنه منزل قولهم: (تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَان عَلَى عَبْدِهِ) (الفرقان: الاية١). وقوله تعالى: (وَهَذَا كِتَابٌ انزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) (الأنعام: ١٥٥). والدليل على أنه غير مخلوق قوله تعالى: (ألا لَهُ الْخَلْقُ والأمر) (الأعراف: الاية٥٤). فجعل الأمر غير الخلق، والقرآن من
стр. 40
الأمر؛ لقوله تعالى: (وَكَذَلِكَ أوحَيْنَا الَيْكَ رُوحا مِنْ امْرِنَا) (الشورى: الاية٥٢). ولأن القرآن من كلام الله؛ وكلام الله صفة من صفاته؛ وصفات الله غير مخلوقة.
ومعنى (منه بدا) أن الله تكلم به ابتداءً. ومعنى (وإليه يعود) أنه يرجع إلى الله في آخر الزمان حينما يرفع من المصاحف والصدور؛ تكريما له إذا اتخذه الناس هزوا ولهوا.
السنة:
السنة لغة ً: الطريقة، وسنة النبي ﷺ شريعته من قوله أو فعله أو إقراره خبر كانت أو طلباً.
والإيمان بما جاء فيها واجب كالإيمان بما جاء في القرآن، سواء في أسماء الله وصفاته أو في غيرها؛ لقوله تعالى: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ) (الحشر: الاية٧). وقوله تعالى: (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطَاعَ اللَّهَ) (النساء: الاية٨٠).
وقد ورد في السنة صفات ليست في القرآن:
فمنها نزول الله إلى السماء الدنيا ودليله قوله ﷺ : (ينزل ربنا إلى السماء الدنيا كل ليلة حين يبقي ثلث الليل الأخير
стр. 41
فيقول: من يدعوني فاستجيب له؟ من يسألني فاعطيه؟ من يستغفرني فاغفر له؟) (١).
ومعنى النزول عند أهل السنة أنه ينزل بنفسه سبحانه نزولا حقيقيا يليق بجلاله، ولا يعلم كيفيته ألا هو. ومعناه عند أهل التأويل نزول أمره، ونرد عليهم بما يأتي:
١. انه خلاف ظاهر النص وإجماع السلف.
٢. أن أمر الله ينزل كل وقت وليس خاصا بثلث الليل الآخر.
٣. أن الأمر لا يمكن أن يقول: من يدعوني فأستجيب له ... الخ.
ونزوله سبحانه إلى السماء الدنيا لا ينافي علوه؛ لأن الله سبحانه ليس كمثله شيء، ولا يقاس نزوله بنزول مخلوقاته.
الفرح والضحك:
ومنها الفرح ودليله قوله ﷺ : (لله أشد فرحا بتوبة عبده من
стр. 42
أحدكم براحلته .. ) (١). الحديث.
وهو فرح حقيقي يليق بالله ولا يصح تفسيره بالثواب، لأنه مخالف لظاهر اللفظ وإجماع السلف. ومنها الضحك ودليله قوله ﷺ : (يضحك الله إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر، كلاهما يدخلان الجنة) (٢).
وفسره أهل السنة والجماعة بأنه ضحك حقيقي يليق بالله وفسره أهل التأويل بالثواب، ونرد عليهم بأنه مخالف لظاهر اللفظ وإجماع السلف. وصورة المسألة التي في الحديث: أن كافراً يقتل مسلماً في الجهاد، ثم يسلم ذلك الكافر ويموت على الإسلام فيدخلان الجنة كلاهما.
العجب ثابت لله تعالى بالكتاب والسنة، ففي الكتاب
стр. 43
بقوله تعالى: (بل عجبتُ) على قراءة ضم التاء، وفي السنة يقول الرسول ﷺ : (عجب ربنا من قنوط عباده وقرب خيره) (١). الحديث.
والممتنع على الله من العجب هو ما كان سببه الجهل بسبب المتعجب منه؛ لأن الله لا يخفي عليه شيء، أما العجب الذي سببه خروج الشيء عن نظائره أو عما ينبغي أن يكون عليه فإن ذلك ثابت لله. وقد فسره أهل السنة والجماعة بأنه عجب حقيقي يليق بالله، وفسره أهل التأويل بثواب الله أو عقوبته، ويرد عليهم بأنه خلاف ظاهر النص وإجماع السلف.
القدم:
ومن الصفات الثابتة قدم الله لقوله ﷺ :
стр. 44
(لا تزال جهنم يلقى فيها وهي تقول: هل من مزيد؟ حتى يضع رب العزة فيها رجله، وفي رواية: عليها قدمه؛ فينزوي بعضها إلى بعض وتقول قط قط) (١).
وفسر أهل السنة الرجل والقدم بأنها حقيقية على الوجه اللائق بالله، وفسر أهل التأويل الرجل بالطائفة ـ أي الطائفة الذين يضعهم الله في النار ـ والقدم بالمقدمين على النار. ونرد عليهم بأن تفسيرهم مخالف لظاهر اللفظ وإجماع السلف وليس عليه دليل.
حديث رقية المريض (٢). وحديث الجارية التي سألها رسول الله ﷺ أين الله قالت في السماء (٣):
في حديث رقية المريض من صفات الله إثبات ربوبية الله وإثبات علوه في السماء، وتقدس أسمائه عن كل نقص، وأن
стр. 45
له الأمر في السماء والأرض فحكمه فيهما نافذ، وإثبات الرحمة وإثبات الشفاء لله وهو رفع المرض. وفي حديث الجارية من صفات الله: إثبات المكان لله وأنه في السماء.
ومن الصفات الثابتة بالسنة كون الله تعالى قِبَلَ وجه المصلى، ودليله قوله ﷺ : (إذا قام أحدكم في الصلاة فلا يبصق قِبَلَ وجهه فإن الله قِبَلَ وجهه .. ) (١). الحديث
وهذه المقابلة ثابتة لله حقيقة على الوجه اللائق به، ولا تنافي علوه، والجمع بينهما من وجهين:
١. أن الاجتماع بينهما ممكن في حق المخلوق كما لو كانت الشمس عند طلوعها، فإنها قبل وجه من استقبل المشرق وهي في السماء، فإذا جاز اجتماعها في المخلوق فالخالق أولى.
стр. 46
٢. أنه لو لم يمكن اجتماعها في حق المخلوق، فلا يلزم أن يمتنع في حق الخالق؛ لأن الله ليس كمثله شيء.
القرب:
قرب الله تعالى وهو دنوه منهم ثابت بالكتاب والسنة، فمن أدلة الكتاب قوله تعالى: (وَإذا سَالَكَ عِبَادِي عَنِّي فَاني قَرِيبٌ أجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إذا دَعَان) (البقرة: الاية١٨٦). ومن أدلة السنة قوله ﷺ : (إنما تدعون سميعاً قريباً) (١).
وهو قرب حقيقي يليق بالله تعالى ولا ينافي علوه؛ لأنه تعالى بكل شيء محيط، ولا يقاس بخلقه؛ لأنه ليس كمثله شيء.
رؤية العباد لربهم ﵎:
رؤية العباد لله تعالى ثابتة بالكتاب والسنة؛ فمن أدلة الكتاب قوله تعالى: (لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ) (يونس: الاية٢٦).
стр. 47
فقد فسر النبي ﷺ الزيادة بالنظر إلى وجه الله، ومن أدلة السنة قوله ﷺ : (إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم ألا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل غروبها فافعلوا) (١).
والتشبيه في هذا الحديث للرؤية بالرؤية لا للمرئي بالمرئي؛ لأن كاف التشبيه داخلة على فعل الرؤية المؤول بالمصدر، ولأن الله ليس كمثله شيء، والمراد بالصلاتين المذكورتين صلاتا الفجر والعصر.
ورؤية الله في الآخرة لا في الدنيا؛ لقوله تعالى لموسى حين سأله رؤيته (لَنْ تَرَاني) (الأعراف: الاية١٤٣). وقوله ﷺ : (واعلموا أنكم لن ترو ربكم حتى تموتوا) (٢).
стр. 48
ورؤية الله لا تشمل الكفار لقوله تعالى: (كَلاَّ انهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ) (المطففين: ١٥).
وفسر أهل السنة هذه الرؤية برؤية العين للأدلة الآتية:
أولا: أن الله أضاف النظر إلى الوجه الذي هو محل العين فقال: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ *إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) (القيامة: ٢٢ - ٢٣).
ثانيا: أنه جاء في الحديث: (إنكم سترون ربكم عياناً) (١). وفسره أهل التأويل برؤية الثواب أي أنكم سترون ثواب ربكم، ونرد عليهم بأنه خلاف ظاهر اللفظ وإجماع السلف، وليس عليه دليل.
مذهب الجهمية والأشعرية والكلابية في كلام الله:
مذهب الجهمية في كلام الله أنه خلق من مخلوقاته، لا صفة من صفاته، وإنما أضافه الله إليه تشريف وتكريم كما أضاف إليه البيت والناقة في قوله: (وَطَهِّرْ بَيْتِيَ)
стр. 49
(الحج: الاية٢٦). وقوله: (هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ) (الأعراف: الاية٧٣).
ومذهب الأشعرية أن الكلام صفة من صفاته، لكنه هو المعنى القائم بالنفس، وهذه الحروف مخلوقة لتعبر عنه، والكلابية يقولون كقول الاشعرية ألا أنهم سموا الألفاظ حكاية لا عبارة، وعلى مذهبيهما ليس كلام الله تعالى بحرف وصوت وإنما هو المعنى القائم بنفسه.
وسطية هذه الأمم:
هذه الأمة وسط بين الأمم في العبادات وغيرها، ودليل ذلك قوله تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أمة وَسَطا) (البقرة: الاية١٤٣). وقوله: (كُنْتُمْ خَيْرَ أمة اخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) (آل عمران: الاية١١٠).
مثال كونها وسطاً في العبادات: ما رفعه الله عن هذه الأمة من الحرج والمشقة اللذين كانا على من قبلهما، فهذه الأمة إذا عدموا الماء تيمموا وصلوا في أي مكان، بينما الأمم الأخرى لا يصلون حتى يجدوا الماء ولا يصلون إلا في أمكنة معينة. ومثال كونها وسطا في غير العبادات: القصاص في القتل كان مفروضا على اليهود، وممنوعا عند النصارى، ومخيراً بينه وبين العفو أو الدية عند هذه الأمة.
стр. 50
فرق هذه الأمة:
فرق هذه الأمة ثلاث وسبعون فرقة، والناجي منها من كان على مثل ما عليه النبي ﷺ وأصحابه، وكلها في النار إلا الناجية لقوله ﷺ : (افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على ثنتين وسبعون فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، قالوا من هي يا رسول الله؟ قال: من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي) (١).
أهل السنة والجماعة وسط بين فرق الأمة:
أهل السنة والجماعة وسط بين فرق الأمة في أصول خمسة:
стр. 51
الأول: أسماء الله وصفاته، فأهل السنة وسط فيها بين أهل التعطيل وأهل التشبيه، لأن أهل التعطيل ينكرون صفات الله، وأهل التشبيه يثبتونها مع التشبيه، وأهل السنة والجماعة يثبتونها بلا تشبيه.
الثاني: القضاء والقدر: الذي عبر عنه المؤلف بأفعال الله، فأهل السنة وسط فيه بين الجبرية والقدرية؛ لأن الجبرية يثبتون قضاء الله في أفعال العبد ويقولون: إنه مجبر لا قدرة له ولا اختيار. والقدرية ينكرون قضاء الله في أفعال العبد، ويقولون: أن العبد قادر مختار لا يتعلق فعله بقضاء الله، وأهل السنة يثبتون قضاء الله في أفعال العبد ويقولون: إن له قدرة واختياراً أودعهما الله فيه متعلقين بقضاء الله.
الثالث: الوعيد بالعذاب، فأهل السنة وسط فيه بين الوعيدية وبين المرجئة؛ لأن الوعيدية يقولون: فاعل الكبيرة مخلد في النار؛ والمرجئة يقولون: لا يدخل النار ولا يستحق ذلك، وأهل السنة يقولون: مستحق لدخول النار دون الخلود فيها.
الرابع: أسماء الإيمان والدين: فأهل السنة وسط فيه بين
стр. 52
المرجئة من جهة وبين المعتزلة والحرورية من جهة؛ لأن المرجئة يسمون فاعل الكبيرة مؤمنا كامل الإيمان، والمعتزلة والحرورية يسمونه غير مؤمن، لكن المعتزلة يقولون: لا مؤمن ولا كافر في منزلة بين منزلتين، والحرورية يقولون: إنه كافر، وأهل السنة يقولون: إنه مؤمن ناقص الإيمان، أو مؤمن بأيمانه فاسق بكبيرته.
الخامس: أصحاب النبي ﷺ فأهل السنة وسط فيه بين الروافض والخوارج؛ لأن الروافض بالغوا في حبِّ آل النبي ﷺ وغلوا فيهم حتى أنزلوهم فوق منزلتهم، والخوارج يبغضونهم ويسبونهم، وأهل السنة يحبون الصحابة جميعهم، وينزلون كل واحد منزلته التي يستحقها من غير غلو ولا تقصير.
طوائف المبتدعة الذين أشار إليهم المؤلف في هذه الأصول السابقة:
أشار المؤلف إلى طوائف من أهل البدع:
أولا الجهمية: وهم أتباع الجهم بن صفوان الذي أخذ التعطيل عن الجعد بن درهم، وقتل في خراسان سنة ١٢٨هـ، ومذهبهم في الصفات إنكار صفات الله، وغلاتهم ينكرون
стр. 53
حتى الأسماء، ولذلك سموا بالمعطلة. ومذهبهم في أفعال العباد أن العبد مجبور على عمله ليس له قدرة ولا اختيار، ومن ثم سموا جبرية.
ومذهبهم في الوعيد وأسماء الإيمان والدين أن فاعل الكبيرة مؤمن كامل الإيمان ولا يدخل النار، ولذلك سموا مرجئة فهم أهل الجيمات الثلاث تجهم وجبر وإرجاء.
ثانيا المعتزلة: وهم أتباع واصل ابن عطاء الذي اعتزل مجلس الحسن البصري حين كان الحسن يقرر أن فاعل الكبيرة مؤمن ناقص الإيمان، فاعتزله واصل وجعل يقرر أن فاعل الكبيرة في منزلة بين منزلتين.
ومذهبهم في الصفات: إنكار صفات الله كالجهمية، ومذهبهم في أفعال العباد أن العبد مستقل بفعله يفعل بإرادة وقدرة مستقلا عن قضاء الله وقدره عكس الجهمية؛ ولذلك سموا قدرية. ومذهبهم في الوعيد أن فاعل الكبيرة مخلد في النار عكس الجهمية القائلين بأنه لا يدخل النار، ولذلك سموا الوعيدية. ومذهبهم في أسماء الإيمان والدين أن فاعل الكبيرة في منزلة بين منزلتين ليس مؤمناً ولا كافراً، عكس الجهمية
стр. 54
القائلين بأنه مؤمن كامل الإيمان، ولذلك سموا أصحاب المنزلة بين منزلتين.
ثالثا: الخوارج: سموا بذلك لخروجهم على إمام المسلمين، ويقال لهم: الحرورية نسبة إلى حروراء موضع بالعراق قرب الكوفة خرجوا فيه على علي بن أبى طالب ﵁. كانوا من أشد الناس تديناً في الظاهر حتى قال فيهم النبي ﷺ لأصحابه: (يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، يقرءون القرءان لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية؛ فأينما لقيتموهم فاقتلوهم؛ فإن في قتلهم أجرا لمن قتلهم إلى يوم القيامة) (١).
ومذهبهم في الوعيد أن فاعل الكبيرة مخلد في النار كافر يحل دمه وماله، ومن ثم استباحوا الخروج على الأئمة إذا
стр. 55
فسقوا.
رابعا: الروافض: ويقال لهم الشيعة الذين يغلون في آل بيت النبي ﷺ ويفضلون على ابن أبى طالب ﵁ على جميع الصحابة، ومنهم من يفضله على النبي ﷺ ، ومنهم من يجعله ربا. وسموا شيعة لتشيعهم لآل البيت، وسموا روافض لأنهم رفضوا زيد ابن علي بن الحسين بن علي بن أبى طالب حين سألوه عن أبى بكر وعمر ﵄ فاثنى عليهما، وقال هما وزيرا جدي يعني النبي ﷺ فانصرفوا عنه ورفضوه.
اليوم الآخر:
اليوم الآخر يوم القيامة، ويدخل في الإيمان به كل ما أخبر به النبي ﷺ مما يكون بعد الموت، ك فتنة القبر وعذابه ونعيمه وغير ذلك. والإيمان به واجب، ومنزلته من الدين أنه أحد أركان الإيمان الستة.
فتنة القبر:
فتنة القبر سؤال الملكين الميت عن ربه ودينه ونبيه، فيثبت
стр. 56
الله الذين آمنوا بالقول الثابت، فيقول المؤمن: ربي الله، وديني الإسلام، ونبي محمد، وأما المرتاب أو الكافر فيقول: هاه هاه لا أدري سمعت الناس يقولون شيئا فقلته.
والفتنة عامة لكل ميت إلا الشهيد ومن مات مرابطاً في سبيل الله، وكذلك الرسل لا يسألون لأنهم المسئول عنهم. واختلف في غير المكلف كالصغير، فقيل: يسأل، لعموم الأدلة؛ وقيل: لا، لعدم تكليفه. واسم الملكين منكر ونكير (١).
قول أهل السنة في نعيم القبر وعذابه:
قولهم فيه أنه حق ثابت لقوله تعالى في آل فرعون: (النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّا وَعَشِيّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ ادْخِلُوا آل فِرْعَوْنَ أشَدَّ الْعَذَابِ) (غافر: ٤٦). وقوله في المؤمنين: (إن الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ ألا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَابْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ) (فصلت: ٣٠)
стр. 57
ولقوله ﷺ في الكافر حين يسأل في قبره فيجيب: (فينادي منادٍ من السماء أن كذب عبدي فافرشوه من النار وافتحوا له بابا إلي النار) وقوله في المؤمن إذا سئل في قبره فأجاب: (فينادي منادٍ من السماء أن صدق عبدي فأفرشوه من الجنة وافتحوا له بابا من الجنة) (١).
والعذاب أو النعيم على الروح فقط، وقد تتصل بالبدن أحياناً. والعذاب على الكافرين مستمر أما على المؤمنين فبحسب ذنوبهم. والنعيم للمؤمنين خاصة والظاهر استمراره.
الجواب على ما ثبت عن توسيع قبر المؤمن وتضيقه على الكافر مع أنه لو فتح لوجد بحاله: الجواب من وجهين:
الأول: أن ما ثبت في الكتاب والسنة وجب تصديقه
стр. 58
والإيمان به سواء أدركته عقولنا وحواسنا أم لا، لأنه لا يعارض الشرع بالعقل لا سيما في الأمور التي لا مجال للعقل فيها.
الثاني: أن أحوال القبر من أمور الآخرة التي اقتضت حكمة الله أن يحجبها عن حواس الخلق وعقولهم امتحانا لهم، ولا يجوز أن تقاس بأحوال الدنيا؛ لتباين ما بين الدنيا والآخرة.
القيامة:
القيامة صغرى كالموت، فكل من مات فقد قامت قيامته، وكبرى وهي المقصود هنا، وهي قيام الناس بعد البعث للحساب والجزاء. وسميت بذلك لقيام الناس فيها، وقيام العدل، وقيام الأشهاد. ودليل ثبوتها الكتاب والسنة والإجماع. فمن أدلة الكتاب قوله تعالى: (ألا يَظُنُّ أولَئِكَ أنهُمْ مَبْعُوثُونَ* لِيَوْمٍ عَظِيمٍ*يوم َ يقُوم النَاسُ لربِ العالًمِين) (المطففين: ٤ - ٦). ومن أدلة السنة قوله ﷺ (إنكم تحشرون حفاة عراةً
стр. 59
غرلاً) (١).
وأما الإجماع فقد اجمع المسلمون وجميع أهل الأديان السماوية على إثبات يوم القيامة، فمن أنكره أو شك فيه فهو كافر. وللقيامة علامات تسمى الاشراط كخروج الدجال ويأجوج ومأجوح، وطلوع الشمس من مغربها. وجعلت لها هذه الاشراط؛ لأنها يوم عظيم وهام فكان لها تلك المقدمات.
حشر الناس:
يحشر الناس يوم القيامة حفاة غير منتعلين عراة غير مكتسين غرلاً غير مختونين؛ لقوله تعالى: (كَمَا بَدَأنا أولَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ) (الأنبياء: الاية١٠٤). وقول النبي ﷺ : (إنكم تحشرون حفاة عراةً غرلاً).
الأشياء التي ذكر المؤلف أنها تكون يوم القيامة:
أولا: دنو الشمس من الخلق بقدر ميل أو ميلين، فيعرق
стр. 60
الناس بقدر أعمالهم، منهم من يصل عرقه إلى كعبيه، ومنهم من يلجمه، ومنهم من بين ذلك، ومن الناس من يسلم من الشمس، فيظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، مثل الشاب إذا نشأ في طاعة الله، والرجل المعلق قلبه بالمساجد.
ثانيا: الموازين ـ جمع ميزان ـ يضعها الله لتوزن فيها أعمال العباد، فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون. والميزان حقيقي له كفتان خلافاً للمعتزلة القائلين بأنه العدل لا ميزان حقيقي. وقد ذكر في القرآن مجموعاً وفي السنة مجموعاً ومفرداً، فقيل: إنه ميزان واحد، وجمع باعتبار الموزون، وقيل: متعدد بحسب الأمم أو الإفراد، وأفرد باعتبار الجنس.
ثالثا: نشر الدواوين ـ أي فتحها ـ وتوزيعها، وهي صحائف الأعمال التي كتبتها الملائكة على الإنسان قال الله تعالى: (وَكُلَّ إنسان ألزمناه طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَأمة كِتَابا يَلْقَاهُ مَنْشُورا*اقرأ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبا) (الإسراء: ١٣ - ١٤). فآخذ كتابه بيمينه وهو المؤمن، وآخذ
стр. 61
كتابه بشماله أو من وراء ظهره لقوله تعالى: (فَأما مَنْ أوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابا يَسِيرا *وَيَنْقَلِبُ إلى أهلهِ مَسْرُورا *وَأما مَنْ أوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ * فسوف يدعو ثبوراً وَيَصْلَى سَعِيرا) (الانشقاق: ٧ - ١٢). وفي آية أخرى: (وَأما مَنْ أوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أوتَ كِتَابِيَهْ) (الحاقة: ٢٥). والجمع بين هذه والتي قبلها إما باختلاف الناس، وأما بكون الذي يأخذها بشماله تخلع يده من وراء ظهره.
رابعا: الحساب وهو محاسبة الخلائق على أعمالهم، وكيفيته بالنسبة للمؤمن أن الله يخلو به فيقرره بذنوبه، ثم يقول (قد سترتها عليك في الدنيا وأنا اغفرها لك اليوم) (١). وأما بالنسبة للكافر فإنه يوقف على عمله ويقرر به، ثم ينادى على رؤوس الأشهاد: هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين. (٢)
стр. 62
وأول ما يحاسب عليه العبد من حقوق الله الصلاة (١). وأول ما يقضى بين الناس الدماء (٢). ومن الناس من يدخل الجنة بلا حساب، وهم الذين لا يسترقون، ولا يكتوون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون، ومنهم عكاشة بن محصن ﵁ (٣).
خامسا: الحوض المورود للنبي ﷺ في عرصات القيامة ـ أي مواقفها ـ يرده المؤمنون من أمته ومن شرب منه لم يظمأ أبداً، طوله شهراً وعرضه شهر، وآنيته كنجوم السماء، وماؤه أشد بياضاً من اللبن، وأحلى من العسل، وأطيب من رائحة المسك. ولكل نبي حوض يرده المؤمنون من أمته، لكن الحوض الأعظم حوض النبي ﷺ .
стр. 63
وقد أنكر المعتزلة وجود الحوض، وقولهم مردود بما تواترت به الأحاديث من إثباته.
سادسا: الصراط وهو الجسر المنصوب على جهنم أدق من الشعر وأحد من السيف (١)
عليه كلاليب تخطف الناس بأعمالهم، يمرون عليه على قدر أعمالهم، فمنهم من يمر كلمح البصر، ومنهم من يمر كالبرق، ومنهم من يمر كالريح، ومنهم من يمر كالفرس الجواد، ومنهم من يمر كركائب الإبل ومنهم من يعدو عدواً ومنهم من يمشي مشياً ومنهم من يزحف زحفاً، ومنهم من يخطف فيلقى في النار فيعذب بقدر عمله (٢). فإذا عبروا الصراط وقفوا على قنطرة بين الجنة والنار، فيقتص لبعضهم من بعض قصاصاً تزول به الأحقاد والبغضاء ليدخلوا الجنة إخواناً متصافين.
سابعا: الشفاعة وهي التوسط للغير بجلب المنفعة أو دفع
стр. 64
مضرة، ولا تكون إلا بإذن الله للشافع ورضاه عن المشفوع له.
وتنقسم إلى قسمين: خاصة بالنبي ﷺ ، وعامة له ولغيره من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.
فالخاصة بالنبي ﷺ ذكر المؤلف منها نوعين:
الأول: الشفاعة العظمى، حيث يشفع في أهل الموقف إلى الله ليقضي بينهم، بعد أن تطلب الشفاعة من آدم فنوح فإبراهيم فموسى فعيسى عليهم الصلاة والسلام فلا يشفعون، حتى تنتهي إلى النبي ﷺ فيشفع فيقبل الله منه (١). وهذا من المقام المحمود الذي وعده الله بقوله: (عَسَى أن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مقاماً مَحْمُودا) (الإسراء: الاية٧٩).
الثاني: شفاعته في أهل الجنة أن يدخلوها.
وأما العامة فذكر المؤلف منها نوعين:
الأول: الشفاعة في من استحق النار من المؤمنين ألا يدخلها.
الثاني: الشفاعة في من دخلها منهم أن يخرج منها.
وهذان النوعان ينكرهما المعتزلة والخوارج بناء على
стр. 65
قولهم: أن فاعل الكبيرة مخلد في النار فلا تنفعه الشفاعة. ويخرج الله أقواماً من النار بغير شفاعة بل بفضله ورحمته، ويبقى في الجنة فضل عمن دخلها من أهل الدنيا فينشئ الله لها أقواماً فيدخلهم الجنة.
الإيمان بالقضاء والقدر:
الإيمان بالقضاء والقدر واجب، ومنزلته من الدين أنه أحد أركان الإيمان الستة، لقول النبي ﷺ : الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن القدر خيره وشره.
ومعنى الإيمان بالقضاء والقدر: أن تؤمن بأن كل ما في الكون من موجودات ومعدومات، عامة وخاصة، فأنه بمشيئة الله وخلقه، وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك.
درجات الإيمان بالقضاء والقدر:
للإيمان بالقدر درجتان كل درجة تتضمن شيئين:
فالدرجة الأولى تتضمن العلم والكتابة، ودليلها قوله تعالى: (الَمْ تَعْلَمْ أن اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأرض أن ذَلِكَ
стр. 66
فِي كِتَابٍ إن ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) (الحج: ٧٠). فالعلم أن تؤمن بعلم الله المحيط بكل شيء جملةًً وتفصيلاً. والكتابة هي أن تؤمن بأن الله كتب مقادير كل شيء في اللوح المحفوظ بحسب علمه. وهي أنواع:
النوع الأول: الكتابة في اللوح المحفوظ قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، ودليلها قوله ﷺ : (أن الله لما خلق القلم قال له: اكتب. قال: رب ماذا اكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة) (١).
النوع الثاني: الكتابة العمرية، وهي ما يكتبه الملك الموكل بالأرحام على الجنين في بطن أمه إذا تم له أربعة أشهر، فيؤمر المَلَك بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أم سعيد، ودليله حديث ابن مسعود ﵁ الثابت في الصحيحين (٢).
стр. 67
وهذه الدرجة ينكرها غلاة القدرية قديماً.
وأما الدرجة الثانية فتتضمن شيئين: المشيئة والخلق، ودليل المشيئة قوله تعالى: (وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ) (إبراهيم: الاية٢٧). ودليل الخلق قوله تعالى: (الله خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ) (الزمر: الاية٦٢).
فأما المشيئة فهي أن تؤمن بمشيئة الله العامة، وأن ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، سواء في ذلك أفعاله وأفعال الخلق، كما قال تعالى في أفعاله: (وَلَوْ شِئْنَا لَاتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا) (السجدة: الاية١٣). وقال في أفعال الخلق: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ) (الأنعام: الاية١١٢). وأما الخلق فهو أن تؤمن أن الله خالق كل شيء سواء مما فعله أو فعله عباده. دليل الخلق في فعله قوله تعالى: (إن رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاواتِ وَالأرض فِي سِتَّةِ ايَّامٍ) (الأعراف: الاية٥٤). ودليل الخلق في أفعال العباد قوله تعالى: (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ) (الصافات: ٩٦). ووجه كونه خالقاً لأفعال العباد أن فعل العبد لا يصدر إلا عن إرادة وقدرة، وخالق إرادة العبد وقدرته هو الله.
стр. 68
مشيئة العبد وقدرته:
للعبد مشيئة وقدرة لقوله تعالى: (فَاتُوا حَرْثَكُمْ أنّى شِئْتُمْ) (البقرة: الآية ٢٢٣). وقوله: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) فأثبت الله للعبد مشيئةً وإرادة وهي القدرة إلا أنهما تابعتان لمشيئة الله تعالى؛ لقوله: (وَمَا تَشَاءُونَ إلا أن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) (التكوير: ٢٩).
من ضل في هذه الدرجة وهي المشيئة والخلق:
ضلَّ فيها طائفتان:
الأولي: القدرية حيث زعموا أن العبد مستقل بإرادته وقدرته ليس لله في فعله مشيئة ولا خلق.
الثانية: الجبرية حيث زعموا أن العبد مجبوراً على فعله ليس له فيه إرادة ولا قدرة.
والرد على الطائفة الأولى القدرية بقوله تعالى: (وَمَا تَشَاءُونَ إلا أن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) وقوله: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ). والرد على الطائفة الثانية الجبرية بقوله تعالى: (لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أن يَسْتَقِيمَ). وقوله: (فَأتُوا حَرْثَكُمْ أنَّى شِئْتُمْ). فاثبت للإنسان مشيئة وقدرة.
стр. 69
الاعتماد على القضاء السابق وترك العمل:
لا يجوز الاعتماد على القضاء السابق وترك العمل؛ لأن الصحابة ﵃ قالوا: (يا رسول الله، أفلا نتكل على الكتاب الأول وندع العمل؟ فقال رسول الله ﷺ : اعملوا فكل ميسر لما خلق له. أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاوة). وتلا قوله تعالى: (فَأما مَنْ أعطى وَاتَّقَى*وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى*فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى*وَأما مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى*وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى*فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى) (١) (الليل: ٥ - ١٠).
مجوس هذه الأمة:
مجوس هذه الأمة القدرية الذين يقولون: أن العبد مستقل بفعله. سموا بذلك لأنهم يشبهون المجوس القائلين بأن للعالم خالقين: النور يخلق الخير. والظلمة تخلق الشر.
стр. 70
وكذلك القدرية قالوا: أن للحوادث خالقين، فالحوادث التي من فعل العبد يخلقها العبد، والحوادث التي من فعل الله يخلقها الله.
الجبرية يخرجون عن أحكام الله حكمها ومصالحها فما وجه ذلك؟
وجه ذلك أن الجبرية لا يفرقون بين فعل العبد اختياراً وفعله بدون اختيار، كلاهما عندهم مجبر عليه كما سبق، وإذا كان كذلك صار ثوابه على الطاعة وعقابه على المعصية لا حكمة له، إذ الفعل جاء بدون اختياره، وما كان كذلك فإن صاحبه لا يمدح عليه فيستحق الثواب، ولا يذم عليه فيستحق العقاب.
الإيمان:
الإيمان لغة ً: التصديق، واصطلاحا: قول القلب واللسان وعمل القلب والجوارح. فقول القلب تصديقه وإقراره، وعمل القلب إرادته وتوكله ونحو ذلك من حركاته؛ وقول اللسان نطقه، وعمل الجوارح الفعل والترك. والدليل على أن الإيمان يشمل ذلك كله قوله ﷺ :
стр. 71
(الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته .. الخ) (١). وهذا قول القلب وقوله ﷺ : (الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول لا اله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان) (٢). فقول لا اله إلا الله قول اللسان، وإماطة الأذى عن الطريق عمل الجوارح، والحياء عمل القلب.
زيادة الإيمان ونقصانه:
الإيمان يزيد وينقص لقوله تعالى: (لِيَزْدَادُوا إيمَاناً مَعَ إيمَانهِمْ (الفتح: ٤). وقول النبي ﷺ في النساء: (ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن) (٣).
стр. 72
وسبب زيادته الطاعة، وهي: امتثال أمر الله واجتناب نهيه، وسبب نقصه: معصية الله بالخروج عن طاعته.
الكبيرة:
الكبيرة كل ذنب قرن بعقوبةٍ خاصة، كالزنا والسرقة وعقوق الوالدين والغش ومحبة السوء للمسلمين وغير ذلك. وحكم فاعلها من حيث الاسم أنه مؤمن ناقص الإيمان، أو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، وليس خارجاً من الإيمان لقوله تعالى في القاتل عمداً: (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ) (البقرة: الاية١٧٨). فجعل الله المقتول أخاً للقاتل، ولو كان خارجاً من الإيمان ما كان المقتول أخاً له، ولقوله تعالى في الطائفتين المقتتلتين: (وَإن طَائِفَتَان مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَاصْلِحُوا بَيْنَهُمَا) (الحجرات: الاية٩). إلى قوله: (إنمَا الْمُؤْمِنُونَ اخْوَةٌ فَاصْلِحُوا بَيْنَ اخَوَيْكُمْ) (الحجرات: الاية١٠). فجعل الله الطائفتين المقتتلتين مع فعلهما الكبيرة إخوة للطائفة الثالثة المصلحة بينهما.
وحكم فاعل الكبيرة من حيث الجزاء أنه مستحق للجزاء المرتب عليها، ولا يخلد في النار، وأمره إلى الله إن شاء عذبه
стр. 73
بما يستحق، وإن شاء غفر له لقوله تعالى: (إن اللَّهَ لا يَغْفِرُ أن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) (النساء: الاية٤٨).
الذي خالف أهل السنة في فاعل الكبيرة:
خالفهم في ذلك ثلاثة طوائف:
١. المرجئة: قالوا: أن فاعل الكبيرة مؤمن كامل الإيمان ولا عقاب له.
٢. الخوارج: قالوا: إنه كافر مخلد في النار.
٣. المعتزلة: قالوا: لا مؤمن ولا كافر، في منزلة بين منزلتين، وهو مخلد في النار.
هل الفاسق يدخل في اسم الإيمان ؟
الفاسق لا يدخل في اسم الإيمان المطلق أي الكامل، كما في قوله تعالى: (إنمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياته زَادَتْهُمْ إيماناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) (الأنفال: ٢). وإنما يدخل في مطلق الإيمان أي في أقل ما يقع عليه الاسم، كما في قوله تعالى: (فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ) (النساء: الاية٩٢). فالمؤمن هنا يشمل الفاسق وغيره.
стр. 74
الصحابي وموقف أهل السنة من الصحابة:
الصحابي من اجتمع مع النبي ﷺ أو رآه ولو لحظةً مؤمناً ومات على ذلك. وموقف أهل السنة من الصحابة محبتهم والثناء عليهم بما يستحقون، وسلامة قلوبهم من البغضاء والحقد عليهم، وسلامة ألسنتهم من قول ما فيه نقص أو شتم للصحابة كما وصفهم الله بقوله: (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِاخْوَاننَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإيمان وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاّ لِلَّذِينَ امَنُوا رَبَّنَا انكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ) (الحشر: ١٠). وقال النبي ﷺ : (لا تسبوا أصحابي، فو الذي نفسي بيده، لو أنفق أحدكم مثل جبل أحد ذهباً ما بلغ مُدَّ أحدهم ولا نصيفه) (١).
اختلاف مراتب الصحابة ﵃:
تختلف مراتب الصحابة لقوله تعالى: (لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ
стр. 75
انفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أولَئِكَ اعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ انفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى) (الحديد: الاية١٠). وسبب اختلاف مراتبهم: قوة الإيمان والعلم والعمل الصالح والسابق إلى الإسلام.
أفضلهم جنسا المهاجرون ثم الأنصار؛ لأن الله قدم المهاجرين عليهم فقال تعالى: (لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْانصَارِ) (التوبة: الاية١١٧). ولأنهم جمعوا بين الهجرة من ديارهم وأموالهم والنصرة. وافضل الصحابة عيناً أبو بكر، ثم عمر بالإجماع، ثم عثمان ثم علي على رأي جمهور أهل السنة الذي استقر عليه أمرهم، بعدما وقع الخلاف في المفاضلة بين علي وعثمان، فقدم قوم عثمان وسكتوا، وقدم قوم عليا ثم عثمان، وتوقف قوم في التفضيل. ولا يضلل من قال بأن علياً أفضل من عثمان لأنه قد قال به بعض أهل السنة.
الخلفاء الأربعة:
الخلفاء الأربعة هم: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي،