← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 96875

تعليقات ابن عثيمين على الكافي لابن قدامة

ابن عثيمين

Полный текст (2 447 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

الشيخ: فهمنا أن الميت إذا مات ولم يؤدِّ الواجب في الحج فإنه يحج عنه من التركة، من رأس المال وإذا اجتمع مع واجب الحج واجب دَيْن على آدمي فهل يقدم حق الآدمي لأنه مبنيٌ على المشاحة وحق الله مبنيٌ على التسامح؟ أو يقدّم حق الله لقوله ﷺ (اقض الله فالله أحق بالوفاء) لأن أحق اسم تفضيل يدل على ترجيحه بالوفاء وأما حق الآدمي فقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدّى الله عنه) فيؤدي الله عنه أو يتحاصان؟ هذه ثلاثة أقوال وهذا القول الثالث هو أرجحها أنهما يتحاصان ويكون معنى قول الرسول ﵊ (فالله أحق بالوفاء) أنه إذا جاز قضاء دين الآدمي فجواز قضاء دَيْن الله من باب أولى هذا هو معناه، والرسول ﵊ لم يذكر له مسألة تعارض أو اجتماع دَيْن الآدمي مع دَيْن الله، فإذا قدرنا أن عليه ألفاً والحج بألف ولم نجد إلا ألفاً نعطي صاحب الدَيْن خمسمائة ونحج بخمسمائة ومعلومٌ أن الخمسمائة لا تفي بالحج من بلده نقول نحج بها من حيث بلغ على المذهب من نصف الطريق أو ثلثي الطريق حسب ما تبلغ. فصلٌ القارئ: ويستناب عن الميت وإن لم يأذن لأن النبي ﷺ لما أمر بالحج عنه ولا إذن له عُلم أن الإذن غير معتبر. الشيخ: قوله عن الميت وإن لم يأذن هذه العبارة فيها قلق لأن الميت لا يمكن أن يصدر منه إذن ولا عدم إذن وكان التعبير السليم أن يقول وإن لم يوص لكن قد يقال إن الميت يأذن قبل أن يموت مثل أن يحس الإنسان بالموت فيقول لبعض الناس أذنت لك أن تحج عني ثم يموت بعد الحج فعلى كل حال مراد المؤلف ﵀ بقوله وإن لم يأذن أي إن لم يوص بالحج عنه بعد موته أو يأذن في حياته ثم يتأخر موته.

стр. 1332

القارئ: ولا تجوز النيابة عن الحي إلا بإذنه لأنه من أهل الإذن فلم تجز النيابة عنه بغير إذنه كأداء الزكاة وتجوز النيابة عنهما في حج التطوع لأن ما جاز فرضه جاز نفله كالصدقة فأما القادر على الحج بنفسه فلا تجوز له الاستنابة في الفرض لأنه عليه في بدنه فلا ينتقل عنه إلا في موضع الرخصة للحاجة المعلومة وبقي فيما عداه. فصلٌ القارئ: ولا يجوز أن ينوب في الحج من لم يسقط فرضه عن نفسه لما روى ابن عباسٍ (أن رسول الله ﷺ سمع رجلاً يقول: لبيك عن شبرمة فقال رسول الله ﷺ : من شبرمة؟ قال: قريبٌ لي. قال: هل حججت قط؟ قال: لا، قال: فاجعل هذه عن نفسك، ثم حج عن شبرمة) رواه داود، ولا يجوز أن يعتمر عن غيره من لم يعتمر عن نفسه قياساً على الحج، ولا يجوز أن يتنفل بهما من لم يسقط فرضهما ولا أن يؤدي النذر فيهما وعليه فرضهما لأن التنفل والنذر أضعف من حج الإسلام فلم يجز تقديهما عليه كالحج عن غيره فإن أحرم عن غيره أو نذره أو نفله قبل فرضه انقلب إحرامه لنفسه عن فرضه وعنه يقع عن غيره ونذره ونفله لقول النبي ﷺ (إنما لكل امرئ ما نوى) والأول المذهب لحديث ابن عباس في الحج عن غيره ووجود معناه في النذر والنفل.

стр. 1333

الشيخ: من عليه فريضة الحج لا يحج عن غيره، ومن عليه فريضة العمرة لا يعتمر عن غيره، فإن خالف فاعتمر عن غيره أو حج عن غيره وهو لم يؤد الفرض مع كونه فرضاً عليه ففيه خلاف فقيل إنه يقع عن نفسه وقيل يقع عمن نواه ثم يؤدي الفريضة بعده، أما من قال إنه يقع عن نفسه فاستدلوا بحديث ابن عباسٍ ﵄ في قصة شبرمة حيث قال النبي ﵊ هذه عن نفسك ثم حج عن شبرمة وأما من قال إنه يقع حسب ما نوى قال لقول النبي ﷺ (إنما الأعمال بالنيات) وهذا الرجل يلبي من أول إحرامه إلى آخر إحرامه يقول لبيك عن فلان فكيف تقع عن نفسه وهو لم ينو وهذا القول أقيس لا سيما أن الألفاظ في حديث شبرمة مختلفة حتى إنه ليكاد المرء أن يحكم عليها بالاضطراب لكثرة الاختلاف فيها وقوله (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى) نصٌ محكم لا إشكال فيه لكنه يأثم إذا أدّى عن غيره قبل أن يؤدي عن نفسه، أما من لم يكن الحج فرضاً عليه كإنسان فقير استنابه غني في حج فهذا لا بأس أن يحج عن غيره وذلك لأن الحج في حقه ليس واجباً عليه، فإذا حج عن غيره وهو لم يحج عن نفسه عجزاً عن الحج فلا بأس. مسألة: إذا قلنا إنه يقع عن نفسه فإنه يرد النفقة إلى صاحبها. القارئ: ولو أمر المعضوب من يحج عنه تطوعاً أو نذراً وعليه حجة الإٍسلام انصرف إليها لأن فعل نائبه كفعله وهكذا إن حج عن ميت نذراً لله أو نفلاً قبل حجة الإسلام وإن استنيب عنهما من يحج النذر والفرض في عامٍ واحد صح لأنه لم يتقدّم النذر على حجة الإسلام وأي النائبين أحرم أولاً وقع عن حجة الإسلام لتحريم تقديم النذر عليها وإن استنابه اثنان فأحرم عنهما لم يقع عن واحدٍ منهما ووقع عن نفسه لأنه يتعذر وقوعه عنهما وليس أحدهما أولى به من الآخر.

стр. 1334

الشيخ: مثل ذلك لو حج عن أبيه وأمه حجةً واحدة فقال لبيك عن أبي وأمي فإنه لا ينصرف إلى أبيه وأمه بل يكون له لأن النسك الواحد لا يقع عن اثنين. القارئ: وإن أحرم عن أحدهما لا بعينه احتمل ذلك أيضاً لذلك واحتمل صحته، لأن الإحرام يصح مبهما فصح عن المجهول وله صرفه إلى من شاء منهما فإن لم يصرفه حتى طاف شوطاً لم يجز عن واحدٍ منهما لأن هذا الفعل لا يلحقه فسخ وليس أحدهما أولى به من الآخر وإن أحرم عن أحدهما وعن نفسه انصرف إلى نفسه لأنه لما تعذر وقوعه عنهما كان هو أولى به. باب المواقيت القارئ: وللحج ميقاتان ميقات مكانٍ وميقات زمان، فأما ميقات المكان فالمنصوص عليه خمسة لما روى ابن عباسٍ قال (وقَّت رسول الله ﷺ لأهل المدينة ذا الحليفة ولأهل الشام الجحفة ولأهل نجدٍ قرنا ولأهل اليمن يلملم قال فهن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن لمن كان يريد الحج والعمرة فمن كان دونهن فمهله من أهله وكذلك أهل مكة يهلون منها) متفقٌ عليه، وعن عائشة ﵂ (أن رسول الله ﷺ وقَّت لأهل العراق ذات عرق) رواه أبو داود فهذه المواقيت لكل من مر عليها من أهلها ومن غيرهم للخبر. الشيخ: المواقيت مأخوذة من الوقت والوقت هو الزمن لكنه غلب على المواقيت المكانية والزمانية هذه المواقيت وقّتها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهي متفاوتة في القرب من مكة أبعدها ذو الحليفة وهو ميقات أهل المدينة والحكمة في ذلك والله أعلم أن ميقات أهل المدينة كان قريباً من المدينة من أجل أن تتقارب خصائص الحرمين لأن الناس إذا أحرموا من قرب المدينة صاروا من حين أن ينتهوا من حد حرم المدينة يدخلون في خصائص حرم مكة وأما بقية المواقيت فهي متقاربة.

стр. 1335

ذو الحليفة تسمى الآن أبيار علي ووقَّت النبي ﷺ لأهل الشام الجحفة والشام يشمل كل ما كان شمال الحجاز سوريا، فلسطين وغيرها الجحفة قرية كانت قديمة لكن دعا النبي ﷺ حين قدم المدينة أن ينقل الله حمى المدينة إلى الجحفة فنزع أهلها عنها واجتاحتها السيول وخربت فأحدث الناس ميقاتاً آخر وهو رابغ، ورابغ أبعد من الجحفة عن مكة ووقَّت لأهل نجد قرناً وفي لفظٍ قرن المنازل وهو وادٍ معروف ويسمى الآن السيل بعضهم يقول السيل وبعضهم يقول السيل الكبير ووقَّت أيضاً لأهل اليمن يلملم وهو جبل أو مكان يسمى الآن السعدية هذه أربعة ثبتت بها الأحاديث ثبوتاً بيّناً الخامس ذات عرق فقد روى أبو داود أن النبي ﷺ وقَّته لأهل العراق لكن ذلك ليس في الصحيح ولا في أحدهما إنما في الصحيحين أن عمر ﵁ وقَّتها لأهل العراق لأنهم جاءوا إلى عمر وقالوا يا أمير المؤمنين إن النبي ﷺ وقَّت لأهل نجدٍ قرن المنازل وإنه جورٌ عن طريقنا يعني مائل يتعبنا أن نميل إليه فقال: انظروا إلى حذوها من طريقكم فنظروا إلى حذوها من طريقهم فإذا هو ذات عرق فكان توقيتها من عمر ﵁ لكن لا يبعد أن يكون توقيتها من عمر موافقةً لتوقيت النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لأن عمر ﵁ كان دائماً موفقاً للصواب، فإن قال قائل كيف وقَّت النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لأهل الشام وهي لم تفتح ولأهل العراق وهي لم تفتح؟ قلنا هذا من علامات نبوته لأن توقيتها لهم يعني أنهم سوف يحجون هذا البيت بعد إسلامهم فيكون هذا من دلائل نبوة النبي ﷺ ولهذا قال ابن عبد القوي ﵀ في داليته المشهورة قال: وتوقيتها من معجزات نبينا ... لتعيينها من قبل فتح المعدد

стр. 1336

قوله (هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن) حتى إذا جاء الشامي عن طريق المدينة وجب عليه أن يحرم من ذي الحليفة هذا ظاهر الحديث وذهب مالكٌ ﵀ وأصحابه إلى أنه يجوز أن يؤخر الشامي إحرامه إلى الجحفة واختار ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ قال: لأن الشامي إذا مر بالمدينة كان له ميقاتان أصليٌ وبدل، الأصلي الجحفة، والبدل ذو الحليفة فيخيّر بينهما إن شاء أحرم من الأصلي وإن شاء أحرم من البدلي لكن جمهور العلماء على خلاف ذلك وأنه يجب أن يحرم من أول ميقاتٍ يمر به وهذا ظاهر الحديث (ولمن أتى عليهن من غير أهلهنَّ) ثم هو أحوط وأبرأ للذمة فكان أولى لقول النبي ﷺ (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك) ولأن من أحرم من ذي الحليفة لم يقل أحدٌ من الناس أنك أخطأت ولكن من أخّر إحرامه إلى الجحفة قال له بعض الناس إنك أخطأت فكان الأولى أن يقال بالقول الثاني الذي عليه الجمهور وهو أن من مر من ميقاتٍ وجب عليه الإحرام منه ولو كان ميقاته دونه.

стр. 1337

ولكن هل هو من كل من مر به؟ لا بل ممن يريد الحج أو العمرة فلو مر به لا يريد الحج والعمرة ولكن فيما بعد بدا له أن يحج أو يعتمر قلنا له أحرم من حيث بدا لك، وفي هذا الحديث من كان دون هذه المواقيت فميقاته من مكانه حتى أهل مكة يحرمون من مكة وإحرامهم بالحج من مكة ظاهر فإن أهل مكة أحرموا من مكة بالحج وكذلك المحلون من الآفاقيين أحرموا من مكة كالصحابة الذين حلوا من إحرامهم متمتعين أحرموا من مكة لكن بقينا في العمرة هل يحرم أهل مكة من مكة في العمرة أو لا؟ ذهب بعض العلماء إلى ذلك وقال يجوز أن يحرموا من مكة أخذاً بظاهر الحديث ولكن هذا قولٌ ضعيف فالصواب أنَّ أهل مكة يحرمون بالعمرة من الحل ويدل لذلك أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال لأخي عائشة حين أرادت أن تحرم بعمرة ليلة الحصبة قال (اخرج بأختك من الحرم فلتهل بعمرة) فإن قيل إن عائشة من الآفاقيين فالجواب أن هذا ليس بمؤثر لأن الآفاقي إذا أراد الحج وهو في مكة يحرم من مكة فلو كانت العلة كونها من أهل الآفاق لقلنا إن أهل الآفاق يحرمون بالحج من الحل من خارج الحرم ولكن العلة هو أنه لا بد لكل نسكٍ من أن يجمع الإنسان فيه بين الحل والحرم ففي العمرة نقول اخرج إلى الحل وأحرم، وفي الحج نقول إنه سوف يجمع بين الحل والحرم وذلك بالوقوف بعرفة لأن عرفة من الحل ثم إن الوافد إلى البيت لا بد أن يفد إليه من خارج الحرم وإلا لكان طوافه طوافاً غير طواف نسك والدليل أن طواف الإفاضة يكون بعد الوقوف بعرفة فيفد الإنسان إلى البيت من الحل كذلك العمرة نقول لا بد أن تخرج إلى الحل حتى تفد إلى البيت من الحل.

стр. 1338

ومن أراد الحج والعمرة وتجاوز الميقات بلا إحرام فهل هو آثم؟ أو نقول إن الرسول وقَّتها لا على سبيل الوجوب؟ الجواب هو آثم والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وقَّتها على سبيل الوجوب لما روى عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال (يهل أهل المدينة من ذي الحليفة) وهذا خبرٌ بمعنى الأمر والخبر بمعنى الأمر أوكد من إتيان الأمر بصيغته لأن إتيانه بلفظ الخبر يدل على أنه أمرٌ مفروغ منه ولا بد منه فالصواب أنه يجب على من أراد الحج والعمرة إذا مر بهذه المواقيت أن يحرم فإن لم يفعل فهو آثم لا شك لكن هل يجب عليه دم فدية لذلك؟ أكثر العلماء يقولون بهذا وأنه يجب على من ترك واجباً أن يذبح فدية في مكة توزع على الفقراء جبراً لما نقص واستدلوا لهذا بأثر ابن عباس ﵄ المشهور عنه وهو (من ترك شيئاً من نسكه أو نسيه فليهرق دماً) والحقيقة أنه عند تمحيص هذا الخبر بعد صحة نقله إلى ابن عباس ﵄ أن يقال إنه ليس على عمومه وأنتم لا تأخذون بعمومه أيضاً فإن ظاهره أن من ترك شيئاً من نسكه ولو غير واجب فعليه أن يريق دماً وكذلك من نسي ثم نقول (فليهرق دماً) اللام للأمر وهل الأمر للوجوب؟ ليس للوجوب في كل موضع بل قد يكون لغير الوجوب لكن يرشح كونه للوجوب أنه ترك واجباً والواجب لا يجبر إلا بواجب فعلى كل حال الاحتياط أن يؤمر الإنسان بدم يذبحه في مكة ويوزعه على الفقراء وإنما قلنا إن هذا هو الاحتياط لأننا لو قلنا لإنسان تاركٍ لواجبٍ من واجبات الحج أو العمرة ليس عليك دم لكن استغفر الله وتب إليه يقول سهل فقط التوبة أملأ لك منى ومزدلفة وعرفات كلها توبة ولا تأخذ مني ولا قرش، فالحاصل أني أقول إن إلزام الناس بالدم في ترك الواجب لا شك أنه من باب سد الذرائع عن التهاون بالواجبات فنحن نقول للناس قال العلماء كذا وكذا ونحن مقتنعين بأن فيه سداً للذريعة بلا شك وإلا لتهاون الناس بواجبات

стр. 1339

الحج. القارئ: ومن منزله بين الميقات ومكة فميقاته منزله للخبر وميقات من بمكة منها وسواء في ذلك أهلها أو غيرهم للخبر. الشيخ: يعني بالخبر عموم قوله (وكذلك أهل مكة يهلون من مكة). القارئ: ولأن النبي ﷺ أمر المتمتعين من أصحابه فأحرموا منها وعنه فيمن اعتمر في أشهر الحج من أهل مكة أهلّ من الميقات فإن لم يفعل فعليه دم وذكر القاضي فيمن دخل مكة محرماً عن غيره بحجٍ أو عمرة ثم أراد أن يحج عن نفسه أو دخل مكة محرماً لنفسه ثم أراد أن يحرم عن غيره بحجٍ أو عمرة أنه يلزمه الإحرام من الميقات فإن لم يفعل فعليه دم لأنه جاوز الميقات مريداً للنسك لنفسه وأحرم دونه فلزمه دمٌ كما لو تجاوزه غير محرم ولنا الخبر، وأن كل ميقاتٍ لمن أتى عليه فكذلك مكة ولأن هذا حصل بمكة حلالاً على وجهٍ مباح فكان له الإحرام منها بلا دم كما لو كان الإحرامان لشخصٍ واحد. الشيخ: ما قاله المؤلف هو الصحيح أن من أحرم عن نفسه أولاً من الميقات ثم أراد أن يحرم عن غيره بحجٍ أو بعمرة فإنه يحرم من مكة إلا أنه في العمرة يخرج إلى الحل. مسألة: لو تجاوز الميقات وقال أنا أريد أن أزور أقارب لي دون الميقات إلى مكة ثم أرجع إذا جاء وقت الحج فأحرم فلا بأس. القارئ: ومن أي موضعٍ في مكة أحرم جاز لأنها كلها موضع للنسك وإن أحرم خارجاً منها من الحرم جاز أيضاً لأن النبي ﷺ قال لأصحابه في حجة الوداع (إذا أردتم أن تنطلقوا إلى منى فأهلوا من البطحاء) وهي خارج من مكة ولأن ما اعتبر فيه الحرم استوت البلدة فيه وغيرها كالنحر.

стр. 1340

الشيخ: يقول ﵀ ومن أي موضعٍ بمكة أحرم جاز سواءٌ من وسطها أو أطرافها لأنها كلها موضعٌ للنسك وإن أحرم خارجاً منها من الحرم جاز أيضاً يعني خارج مكة لكنه في نفس الحرم جاز أيضاً لأن النبي ﷺ قال لأصحابه في حجة الوداع (إذا أردتم أن تنطلقوا إلى منى فأهلوا من البطحاء) وهي خارجٌ من مكة لكنها ليست خارج الحرم هي في الحرم ولأن ما اعتبر فيه الحرم استوت فيه البلدة التي هي مكة وغيرها كالنحر ولهذا يجوز أن ننحر الهدي في مكة وأن ننحره في منى قال الإمام أحمد مكة ومنىً واحد وفي الحديث عنه ﵊ (فجاج مكة طريقٌ ومنحر). القارئ: وميقات العمرة للمكي ومن في الحرم من الحل لما روت عائشة ﵂ أن النبي ﷺ (أمر أخاها عبد الرحمن فأعمرها من التنعيم) متفقٌ عليه، وكانت بمكة يومئذ ومن أي الحل أحرم جاز لأن المقصود بالإحرام منه الجمع بين الحل والحرم في النسك لأن أفعال العمرة كلها في الحرم إلا الإحرام بخلاف الحج فإنه يفتقر إلى الحل للوقوف بعرفة فيحصل الجمع بين الحل والحرم. الشيخ: صحيح. مسألة: من تجاوز ميقاتين كمن جاء من المدينة وتجاوز ذا الحليفة والجحفة فإنه إذا أراد أن يحرم يرجع إلى ذي الحليفة لأنه الميقات الذي لزمه أن يحرم منه أولاً. فصلٌ القارئ: ومن جاوز الميقات مريداً لموضعٍ قبل مكة ثم بدا له الإحرام أحرم من موضعه كما أن من دخل مكة يحرم منها وإن مر به عبدٌ أو كافرٌ أو صبيٌ فأسلم الكافر وعتق العبد وبلغ الصبي دونه أحرموا من موضعهم ولا دم عليهم لأنهم أحرموا من الموضع الذي وجب عليهم الإحرام فيه فأشبهوا المكي والمتجاوز غير مريد لمكة وعنه في الكافر يسلم يخرج إلى الميقات فإن خشي الفوات أحرم من موضعه وعليه دم والصبي والعبد في معناه لأنهم تجاوزا الميقات غير محرمين، قال أبو بكر وبالأول أقول وهو أصح لما ذكرناه.

стр. 1341

الشيخ: وما ذكر أنه الأصح فهو الأصح، يعني إذا لم يبلغ إلا بعد أن تجاوز الميقات أو لم ينو إلا بعد أن تجاوز الميقات فإنه يحرم من مكانه ولا شيء عليه. القارئ: ومن لم يكن طريقه على ميقات فإذا حاذى أقرب المواقيت إليه أحرم لما روى ابن عمر قال (لما فتح هذان المصران أتوا عمر فقالوا: يا أمير المؤمنين إن رسول الله ﷺ حدَّ لأهل نجدٍ قرنا وهو جورٌ عن طريقنا وإنا إن أردناه شق علينا قال: فانظروا حذوها من طريقكم فحدَّ لهم ذات عرق) رواه البخاري ولأن هذا مما يدخله الاجتهاد والتقدير فإذا اشتبه على الإنسان صار إلى اجتهاده فيه كالقبلة فإن لم يعلم حذو الميقات احتاط فأحرم قبله لأن تقديم الإحرام عليه جائزٌ وتأخيره حرام. الشيخ: صحيح وعلى هذا نقيس نحن الذين يسافرون إلى مكة عن طريق الجو نقول إذا حاذيتم الميقات من فوق فأحرموا كما قال عمر ﵁ (انظروا إلى حذوها من طريقكم) فإذا كان على يمينه ميقات وعلى يساره ميقات فبأيهما يأخذ؟ بالأقرب إليه لا بالأول فإن تساويا أخذ بالأبعد لأنهما إذا تساويا فلا مزية لأحدهما على الآخر وعلى هذا فإذا جاء الشامي من طريقٍ بين الجحفة وبين ذي الحليفة فهل نقول أحرم من حين أن تحاذي ذا الحليفة؟ أو ينتظر حتى يصل إلى الجحفة؟ الثاني لأنها أقرب أما إذا كانت ذو الحليفة أقرب بأن كان ذهب شرقاً بعيداً عن الجحفة فحينئذٍ يحرم إذا حاذى ذا الحليفة. نبّه المؤلف ﵀ على مسألة وهي إذا خفي عليه فإنه يحتاط، وهنا ينبغي أن ننبّه الذين في الطائرة فإن بعضهم يقول أنتظر حتى نصل إلى الميقات ونحاذي الميقات وربما يتجاوز والطائرة كما تعلمون سريعة يتجاوز قبل أن يعقد النية نقول احتط وتقدم أنت مثلاً لو كانت الطائرة تحاذي الميقات بعد أربعين دقيقة من مطارها في القصيم فلا حرج أن تحرم بعد خمسٍ وثلاثين دقيقة ولا تخاطر. فصلٌ

стр. 1342

القارئ: والأفضل أن لا يحرم قبل الميقات لأن النبي ﷺ وأصحابه أحرموا من ذي الحليفة فإن أحرم قبله جاز لأن الصُبيّ بن معبد أحرم قبل الميقات قارنا فذكر ذلك لعمر فقال هديت لسنة نبيك. الشيخ: قد سبق أن مراد عمر (هديت لسنة نبيك) يعني في القران لا الإحرام من الموضع الذي قبل الميقات لكن عمر أقرّه. القارئ: ومن بلغ الميقات مريداً للنسك لم يجز له تجاوزه بغير إحرام لما تقدم من حديث ابن عباس. الشيخ: الواقع أن حديث ابن عمر أوضح في وجوب الإحرام لأن حديث ابن عمر لفظه (يهلّ أهل المدينة .... ) وهو خبرٌ بمعنى الأمر أما حديث ابن عباس فهو يقول (وقَّت) وهذا ليس صريحاً في الوجوب ولهذا لم نقل إن الإنسان يجب عليه أخذ شعره الذي يستحب أخذه قبل أن يتم له أربعون يوماً مع أن الرسول وقَّت في ذلك أربعين يوماً. القارئ: فإن تجاوزه غير محرمٍ لزمه الرجوع ليحرم منه لأن من قدر على فعل الواجب لزمه فإن رجع فأحرم منه فلا دم عليه لأنه أدى الواجب فأشبه من لم يتجاوزه فإن لم يمكنه الرجوع لخوفٍ أو خشية الفوات فأحرم من موضعه أو أحرم من موضعه لغير عذرٍ فعليه دم لأنه ترك الواجب من مناسك الحج فإن رجع بعد ذلك إلى الميقات لم يسقط الدم لأنه استقر عليه بإحرامه من دونه، فأشبه من لم يرجع. الشيخ: الخلاصة الآن أن الإنسان إذا تجاوز الميقات وهو مريدٌ للنسك بلا إحرام نقول يجب عليك أن ترجع فتحرم منه فإن لم يمكن خوفاً على نفسه أو خشية فوات الوقوف بعرفة أو ما أشبه ذلك وكلام المؤلف ﵀ وغيره من العلماء السابقين بناءً على أن السير يكون على الإبل أو الأقدام أو ما أشبه ذلك أما الآن فالأمر سهل يمكن أن يرجع ويحرم منه فإن لم يرجع لعذرٍ أو لغير عذر استقر عليه الدم فإن رجع بعد إحرامه إلى الميقات فإنه لا يسقط عنه الدم لأنه أحرم من دون الميقات فاستقر عليه الدم.

стр. 1343

القارئ: فإن أحرم المكي بالحج من الحلّ الذي يلي عرفة فهو كالمحرم من دون الميقات وإن أحرم من الحلّ الذي يلي الجانب الآخر ثم سلك الحرم فهو كالمحرم قبل الميقات وإن أحرم بالعمرة من الحرم انعقد إحرامه كالذي يحرم بعد ميقاته ثم إن خرج قبل الطواف إلى الحل وعاد ففعل أفعالها تمت عمرته وعليه دم وإن لم يخرج وفعل أفعالها ففيه وجهان أحدهما يجزئه ويجبرها بدم كالذي يحرم من دون ميقاته والثاني لا يجزئه لأنه نسكٌ فكان من شرطه الجمع بين الحلّ والحرم كالحج فعلى هذا لا يعتد بأفعاله وهو باقٍ على إحرامه حتى يخرج إلى الحلّ ثم يأتي بها.

стр. 1344

الشيخ: إن أحرم المكي بالحج من الحل الذي يلي عرفة فهو كالمحرم من دون الميقات يعني أن عليه دماً بناءً على أن المكي يجب أن يحرم بالحج من مكة وإن أحرم من الحلّ الذي يلي الجانب الآخر ثم سلك الحرم فهو كالمحرم قبل الميقات مثلاً أحرم من جهة جدة ثم مر بمكة عابراً إلى عرفة فهو كالمحرم قبل الميقات لأن ميقاته مكة والصحيح أن المكي يجوز أن يحرم بالحج من مكة وأن يحرم بها من الحلّ كذلك من كان آفاقياً فأتى بالعمرة ثم بقي في مكة وأراد أن يحرم بالحج فله أن يحرم بالحج من مكة أو خارج من مكة من الحلّ وبناء ً على ذلك فالمتمتع إذا أراد أن يحرم بالحج من عرفة يوم عرفة فالإحرام صحيحٌ جائز وكذلك المكي لو خرج كالعامل والشرطي وما أشبه ذلك إلى عرفة وهو يريد الحج ولكنه أخَّر الإحرام إلى يوم عرفة فلا بأس ويحرم من عرفة هذا القول هو الراجح يقول وإن أحرم بالعمرة من الحرم انعقد إحرامه كالذي يحرم بعد الميقات ثم إن خرج قبل الطواف إلى الحلّ وعاد ففعل أفعالها تمت عمرته وعليه دم وإن لم يخرج وفعل أفعالها ففيه وجهان أحدهما يجزئه ويجبرها بدم كالذي يحرم من دون ميقاته والثاني لا يجزئه لأنه نسك فكان من شرطه الجمع بين الحلّ والحرم كالحج فعلى هذا لا يعتد بأفعاله وهو باقٍ على إحرامه حتى يخرج إلى الحلّ ثم يأتي بها، ولكن الصحيح أنه يجزئه وعليه الدم. السائل: من أنشأ الإحرام من دون الميقات كأهل جدة فهل يحرم من بيته أو من سائر البلد؟ الشيخ: الأفضل من بيته لكن يجزئه من أي مكان من البلد أما خارج البلد فإن كان من ورائه فلا بأس وإن كان من دونه إلى مكة فلا يجوز. فصلٌ القارئ: وميقات الزمان شوالٌ وذو القعدة وعشرٌ من ذي الحجة لقول الله تعالى (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَات) معناه وقت الحج لأن الحج أفعالٌ وليس بأشهر فلم يكن بدٌ من التقدير وعن ابن مسعودٍ وجابرٍ وابن الزبير أنهم قالوا: أشهر الحج شوالٌ وذو القعدة وعشرٌ من ذي الحجة.

стр. 1345

الشيخ: قول المؤلف ﵀ إن أشهر الحج هي شهران وعشرة أيام فيه نظر وقد ذهب مالك ﵀ إلى أن أشهر الحج ثلاثة شوال وذو القعدة وذو الحجة وهذا القول هو الصواب وذلك لأن الأشهر جمع وأقل الجمع ثلاثة لا اثنان وبعض الثالث ومن المعلوم أن الذين قالوا إن أشهر الحج شهران وعشرة أيام أن في قولهم نظراً وذلك لأن بعض أفعال الحج تقع بعد اليوم العاشر مثل الرمي والمبيت بمنى وكذلك طواف الإفاضة إذا أخره عن يوم العيد والسعي فالقول الراجح أن أشهر الحج ثلاثة وأنه لا يجوز أن يؤخر شيئاً من أفعال الحج عن هذه الثلاثة إلا لعذر وعلى هذا فقول بعض العلماء إن الطواف في الحج لا حد له وأنه يجوز أن يؤخر إلى محرم وصفر وربيع ولكن يبقى عليه بقية المحظورات قولٌ ضعيف والصواب أنه لا يجوز أن يؤخر طواف الإفاضة وسعي الحج عن أشهر الحج إلا لعذر كما لو نفست المرأة قبل أن تطوف وبقيت أربعين يوماً في نفاسها فلا يحل لها الطواف إلا في شهر محرم هذا عذر ولا بأس به أو كان مريضاً لا يستطيع أن يطوف وأخره إلى ما بعد ذي الحجة فلا بأس. القارئ: والاختيار أن لا يحرم بالحج قبل أشهره لأنه تقديمٌ للعبادة على وقتها فكره كتقديمها على ميقات المكان فإن فعل انعقد إحرامه لأنه أحد الميقاتين فانعقد الإحرام بالحج قبله كالآخر. الشيخ: هذا كلام الفقهاء ﵏ عندنا والقول الثاني أنه لا يصح الإحرام بالحج قبل دخول أشهر الحج وهذا أقرب إلى الصواب لأن الله قال (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَات) وإذا كان وقت الحج أشهراً معلومات فلا يقدم عليه كالصلاة لا تقدم على وقتها وعلى هذا القول فإذا أحرم بالحج قبل دخول أشهر الحج انعقد عمرة ونقول طف واسع وتحلل بعد الحلق أو التقصير وهذا القول هو الراجح وأما الاقتصار على الكراهة مع الانعقاد ففيه نظر.

стр. 1346

القارئ: فأما العمرة فلا ميقات لها في الزمان ويجوز الإحرام بها في جميع السنة لأن النبي ﷺ قال (عمرةٌ في رمضان تعدل حجة) متفقٌ عليه (واعتمر في ذي القعدة وفي ذي الحجة مع حجته) رواه أنس وهو حديثٌ صحيح. الشيخ: العمرة ليس لها وقت تفعل في أي وقت من السنة وظاهر كلام المؤلف وغيره أيضاً أنه يجوز أن يعتمر الإنسان بعد التحلل الأول من الحج يعني يعتمر في أيام التشريق وكره بعض العلماء أن يعتمر قبل انتهاء أعمال الحج فلا عمرة في أيام التشريق ولا في ليالي أيام التشريق ولا قبل الطواف والسعي وهذا على قول من يقول إنه لا يصح إدخال العمرة على الحج واضح والأقرب أن يكره الإتيان بالعمرة وقد بقي عليه شيءٌ من أعمال الحج لأنه لايزال متلبساً بنسك أو بعض متعلقات النسك. وقوله ﵀ إن النبي ﷺ قال (عمرةٌ في رمضان تعدل حجة) ليس المراد بالمعادلة المكافأة فلا تجزئ عمرةٌ في رمضان عن فريضة الحج مثلاً لأنه لا يلزم من المعادلة في الثواب المعادلة في الإجزاء ولهذا من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيءٍ قدير عشر مرات كان كمن أعتق أربعة أنفس من ولد إسماعيل ولا تجزئ هذه الكلمات عن رقبةٍ واحدة (وقل هو الله أحد) تعدل ثلث القرآن ولو كررها ثلاثاً لم تجزئ عن القرآن بل لا تجزئ ولا عن الفاتحة لو لم يقرأ الفاتحة في الصلاة.

стр. 1347

وقوله اعتمر في ذي القعدة ثم قال وفي ذي الحجة الصواب أنه لم يعتمر في ذي الحجة وإنما كانت عمره في ذي القعدة كلها عمرة الحديبية كانت في ذي القعدة وعمرة القضاء في ذي القعدة، وعمرة الجعرانة في ذي القعدة وعمرته في حجه في ذي القعدة لأنه أحرم في الخامس والعشرين من شهر ذي القعدة نعم إن أراد المؤلف أن أفعال العمرة من الطواف والسعي لما دخلت في الحج كانت في ذي الحجة فهذا له وجه، إذن اعتمر الرسول ﷺ أربعة عمر، وقد تردد ابن القيم ﵀ أيهما أفضل أن يعتمر في أشهر الحج أو في رمضان؟ توقف فيه ﵀ لأن النبي ﷺ اعتمر في ذي القعدة وقال (عمرةٌ في رمضان تعدل حجة) لامرأةٍ تخلَّفت عن حجها معه فيحتمل الخصوصية لها كما قال في ذلك بعض العلماء قال إن قوله (عمرةٌ في رمضان تعدل حجة) يعني هذه المرأة فقط لكن الأصل عدم الخصوصية إلا أن كون الرسول ﵊ لم يعتمر في رمضان مع تيسره له قد يقول قائل إن العمرة في أشهر الحج أفضل ولكن الذي يظهر لي أن العمرة في أشهر الحج أفضل في عهد الرسول ﵊ لما كان العرب قد تقرر عندهم في عقيدتهم أنه لا اعتمار في أشهر الحج ويرون أن العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور فكرر النبي ﷺ العمرة في أشهر الحج من أجل ترسيخ الجواز في أشهر الحج وإبطال تلك العقيدة وأما كونه لم يعتمر في رمضان فيقال إن الرسول ﵊ ليس كسائر الناس لو اعتمر لاعتمر الناس معه وحصل في ذلك مشقة على الناس في أيام الصيام والرحيل والنزول فلهذا تركه ﵊. فإذا قال قائل لماذا لم يعتمر حين فتح مكة وقد بقي فيها تسعة أيام قبل أن يدخل شهر شوال؟

стр. 1348

قلنا لأن العمرة من مكة ليست مشروعة فهو ﵊ لم يخرج إلى الحلّ ليعتمر لأن هذا غير مشروع ولذلك لم يرد الخروج من مكة للإحرام من الحلّ إلا في قضيةٍ معينة وهي قصة عائشة ﵂ ولولا أنها ألحت على الرسول ﵊ لم يأذن لها لكن ألحت في أمرٍ ليس حراماً فأذن لها. مسألة: الحكم فيمن أحرم ونسي لباسه عليه ثم تذكر في أثناء المسير أن يخلع هذه الثياب ويستمر ولو لم يذكر إلا بعد أن تم النسك فليس عليه شيء لأن محظورات الإحرام يسقط إثمها وفديتها في حال النسيان والجهل والإكراه. السائل: رجل حج مع أمه وما استطاعت الأم أن تطوف طواف الإفاضة وقد طاف طواف الإفاضة ثم رجع بأمه إلى بلده حتى يرجع ليطوف بها الإفاضة وطواف الوداع لنفسه فماذا عليه؟ الشيخ: أما طواف الوداع لنفسه فلا ينفعه لأنه خرج من مكة بغير طواف ووصل إلى بلده لكن عليه دم لترك هذا الطواف يذبح في مكة ويوزع على الفقراء، أما أمه فلا بأس لكن أمه تبقى على إحرامها أي على ما بقي من محظورات الإحرام وهو ما يتعلق بالنساء حتى ترجع وتطوف. السائل: هناك من العلماء من قال إنه لا يوجد دليل يمنع الرمي قبل الزوال وأن الرسول ﷺ رمى يوم العيد ضحىً ورمى أيام التشريق بعد الزوال وخاصةً أن كثيراً من أهل العلم سمحوا بالرمي بعد المغرب فقالوا إنه ليس هناك دليل يمنع الرمي قبل الزوال فما قولكم حفظكم الله؟ الشيخ: نقول بارك الله فيك هناك دليل من السنة ومن أقوال الصحابة، أما من السنة فإن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يأذن للضعفة أن يرموا قبل الزوال مع حاجتهم إلى ذلك لأن وقت الزوال حر وأذن لهم أن يرموا قبل طلوع الشمس يوم العيد. ثانياً أن الرسول ﵊ كان يتحيَّن زوال الشمس فإذا زالت رمى قبل أن يصلي الظهر فكأنه ﵊ ينتظر زوال الشمس بفارغ الصبر ولهذا قدَّم الرمي على الصلاة.

стр. 1349

ثالثاً أن الدين الإسلامي دين السهولة واليسر ومن المعلوم أن رمي الناس من أول النهار أيسر وأسهل لا من جهة برودة الجو ولا من جهة امتداد الوقت ولو كان هذا جائزاً لبينه الرسول ﵊ للأمة بقوله أو فعله. رابعاً أن الأصل في قول الرسول ﵊ (خذوا عني مناسككم) اتباعه إلا بدليل ولا دليل من سنته القولية ولا الإقرارية ولا الفعلية على جواز الرمي قبل الزوال. وأما قوله تعالى (وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ) فهذا مطلق بيَّنه الرسول ﵊ بأن المراد بذكره في أيامٍ معدودات في الرمي خاصة ما بعد الزوال. وأما من قال أنه يمتد إلى الغروب فحجته أن الرسول ﵊ لم يؤقت آخره فلم يقل لا ترموا بعد الغروب وحجة أخرى قال إن الزحام الشديد الموجود الآن في عصرنا الحاضر يقتضي جواز التأخير لأن هذا ضرورة ولا يتمكن أكثر الناس من مزاحمة الناس كما تعلمون الآن قد تحصل وفيات بسبب هذا الزحام. السائل: جزاكم الله خير، شيخنا أقرأ عن السلف أن الصحابة كانت تحج منىً بالتكبير أيام التشريق ومن الملاحظ هذه الأيام أننا لا نكاد نسمع تكبير ونلاحظ أن إذا كبرت مجموعة كأنه لا بد أن يتوافق تكبيرهم مع بعض ولاحظنا أنا إذا فعلنا ذلك أنه يشترك الناس ويرتفع التكبير فهل يجوز التكبير الجماعي ليس لذاته ولكن للتشجيع؟

стр. 1350

الشيخ: والله يا أخي لا يمكن أن نداوي ترك السنة بفعل البدعة فإذا كان الصحابة مع نبيهم ليسوا يكبرون ولا يلبون جماعياً بل قال أنس (منا المكبر ومنا المهل) فإنا لا نبتدع في الدين من أجل أن لا نترك السنة نقول نبيّن للناس أنه سنة وأن الإنسان ينبغي له أن يجهر بالتكبير كما كان الصحابة يفعلون وأنت الآن ترى أن الناس قد ضيعوا هذه السنة مع الأسف في التلبية أيضاً تمر بك قوافل السيارات الكثيرة لا تسمع ملبياً مع أن الصحابة كانوا يصرخون بالتلبية صراخاً كما قال جابر (كنا نصرخ بها صراخاً) ومع ذلك تمر بك قوافل الحجيج مع الأسف لا تسمع من يقول لبيك لما كان الناس في الأول يأتون على الإبل نجد ما شاء الله العج والثج موجوداً تجدهم شعثاً غبراً على ظهور الإبل يلبون حتى تسمع أصواتهم في الجو كله لكن لما جاءت السيارات المريحات والمكيفات والمقطعات خفت الصوت. ولا بأس إذا قلت مثلاً الله أكبر لا إله إلا الله وسمعني الآخر وقال الله أكبر لا إله إلا الله فلا بأس وليس تكبيراً جماعياً المعروف عندنا أن التكبير الجماعي أن يكون واحد يكبر والباقون يتبعونه بصوت واحد. باب الإحرام القارئ: يستحب الغسل للإحرام لما روى زيد بن ثابت (أنه رأى النبي ﷺ تجرّد لإهلاله واغتسل) حديثٌ حسن وعن جابرٍ قال (أتيتنا ذا الحليفة فولدت أسماء بنت عميسٍ محمد بن أبي بكر فأرسلت إلى رسول الله ﷺ كيف أصنع. قال: اغتسلي ثم استثفري بثوبٍ ثم أحرمي) رواه مسلم. فإن لم يجد ماءاً لم يتيمم لأنه غسلٌ مسنونٌ يراد للتنظيف فلا يسن التيمم عند العجز عنه كغسل الجمعة وقال القاضي: يستحب له التيمم قياساً على غسل الجنابة. الشيخ: إذن هذه من مستحبات الإحرام أن يغتسل عند إرادة الإحرام لفعل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأمره النفساء بذلك يدل على أنه سنة حتى للنفساء والحائض أن تغتسلا عند الإحرام.

стр. 1351

فإن قال قائل لو أن الإنسان اغتسل قبل أن يسافر خوفاً من أن يكون هناك ضيق أو لا يكن هناك ماء فهل تحصل السنة؟ نقول إذا كان في مدىً قريب فلا بأس تحصل مثل لو كان اغتسل عند ركوبه للسيارة فهذا الزمن قريب. أما في الطائرة فمن المعلوم أنه لا يتمكن من الاغتسال وحينئذ يغتسل قبل أن يركب الطائرة. وقول المؤلف ﵀: إنه لا يتيمم إذا لم يجد الماء أو تعذر استعماله بمرضٍ أو نحوه أقرب من القول بأنه يتيمم لأن الظاهر من هذا الغسل هو التنظيف ولهذا شرع للحائض والنفساء مع أن الحائض والنفساء لا تطهران فدل هذا على أن المقصود التنظيف. القارئ: ويتسحب له التنظيف بإزالة الشعر والشعث وقطع الرائحة وتقليم الأظافر لأن الغسل شرع لذلك. الشيخ: هذا إذا كان يحتاج إلى ذلك يعني إذا كان الشعر وافراً عنده في الشارب أو في الأبط أو في العانة وأما إذا لم يحتج كما لو كان أزال ذلك عن قرب فلا حاجة لأن النبي ﷺ لم يأمر بهذا التنظيف. القارئ: ثم يتجرد من المخيط في إزارٍ ورداءٍ أبيضين نظيفين جديدين أو غسيلين لما روى ابن عمر (أن رسول الله ﷺ قال: وليحرم أحدكم في إزارٍ ورداءٍ ونعلين) ويستحب أن يتطيب في بدنه لما روت عائشة ﵂ قالت (كنت أطيب رسول الله ﷺ لإحرامه قبل أن يحرم ولحلّه قبل أن يطوف بالبيت وقالت: كأني أنظر إلى وبيص الطيب في مفارق رسول الله ﷺ وهو محرم) متفقٌ عليهما ولا يتطيب في ثوبه فإن فعل فله استدامته حتى ينزعه فمتى نزعه ثم لبسه فعليه الفدية لأن الإحرام يمنع ارتداء الطيب دون استدامته.

стр. 1352

الشيخ: هذا ما ذهب إليه المؤلف ﵀ أنه لا يتطيب في ثوبه وهذا النفي يحتمل التحريم ويحتمل الكراهة ومعلومٌ أنه إن كان بعد عقد الإحرام فهو للتحريم وأما قبل عقد الإحرام فقيل إنه للكراهة وقيل للتحريم والصحيح أنه لا يجوز أن يلبس الإحرام المطيَّب لأن النبي ﷺ نهى عن ذلك فقال (لا يلبس ثوباً مسه الزعفران ولا الورس) فالصواب أنه لا يجوز أن يطيب ثوب الإحرام أما البدن فيطيبه كما ذكر حديث عائشة ﵂ أنها كانت تطيب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لإحرامه قبل أن يحرم. القارئ: ولو نقل الطيب عن بدنه من موضعٍ إلى موضع آخر فعليه الفدية وإن سال بالحر وغيره إلى موضعٍ آخر فلا فدية عليه لأنه ليس من جهته. الشيخ: انتقال الطيب من الموضع الذي تطيب به أولاً له ثلاث حالات: الحال الأولى أن يتعمَّد نقله ليتسع المكان المطيب من البدن. والحال الثانية أن يسيل الطيب بنفسه. والحال الثالثة أن لا يتعمد نقله ولكنه يكون من ضروريات عمله المشروع. أما الأول فلا شك أنه حرامٌ عليه أن يتعمد نقل الطيب من موضع إلى موضع ليتسع مكان الطيب مثل أن يأخذ الطيب من رأسه ويضعه على عضده أو على كفيه أو على صدره فهذا حرام. والحال الثانية إذا سال الطيب على بدنه فإن ذلك لا شيء عليه لأن هذا كان معروفاً في عهد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولا بد منه ولا سيما في أيام الحر.

стр. 1353

الحال الثالثة أن ينقله لعملٍ مشروع بدون قصد مثل أن يتوضأ ويمسح رأسه المضمخ بالطيب ومن المعلوم أنه سوف يعلق بيده فهذا ظاهر كلام المؤلف أن عليه فدية والصحيح أنه لا فدية عليه ولا شيء عليه لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان ينظر وبيص المسك في رأسه وهو محرم وكان يغتسل وهو محرم ويخلل شعره بيده وهو محرم ولازم ذلك أن يعلق بيده ثم هو أيضاً من الحرج أن نقول إنه إذا مسح الإنسان رأسه وعلق بيده طيب يجب عليه أن يزيله فوراً فيكون عنده صابون كلما أراد أن يتوضأ هذا حرج ومشقة. فصلٌ القارئ: ويستحب أن يحرم عقب صلاةٍ إما مكتوبةٍ أو نافلة وروى الأثرم قال: سألت أبا عبد الله أيما أحب إليك الإحرام في دبر الصلاة وإذا استوت به ناقته فقال كلٌ قد جاء في دبر الصلاة وإذا علا البيداء وإذا استوت به ناقته فوسّع فيه كله والمذهب الأول لما روى سعيد بن جبير قال ذكرت لابن عباسٍ إهلال رسول الله ﷺ فقال: (أوجب رسول الله ﷺ حين فرغ من صلاته ثم خرج فلما ركب رسول الله ﷺ راحلته واستوت به قائمةً أهل فأدرك ذلك منه قومٌ فقالوا أهل حين استوت به راحلته وذلك أنهم لم يدركوا إلا ذلك ثم سار حتى علا البيداء فأهل فأدرك ذلك منه قومٌ فقالوا أهل حين علا البيداء) رواه أبو داود وهذا فيه فضل بيانٍ وزيادة علم فيتعين الأخذ به وتقديمه على ما خالفه.

стр. 1354

الشيخ: والصحيح التوسعة في ذلك أن الإنسان إن شاء أحرم عقب الصلاة وإن شاء إذا ركب وإن شاء إذا علت به على البيداء إذا كان من ذي الحليفة لأن ذا الحليفة نازلة ويعلو الإنسان إذا خرج منها وكونه لا يحرم إلا إذا ركب فيه توسعة للإنسان لأن الإنسان ربما يتشاغل بعد صلاته بحوائجه وما أشبه ذلك فيحتاج إلى أن يتطيب مثلاً فإذا قلنا أحرم من حين أن تصلي لم يتمكن من الطيب الذي هو مشروع عند الإحرام وإذا قلنا انتظر حتى تركب تمكن منه فالغالب أن الإنسان يكون معه فسحة والأمر في هذا والحمد لله واسع. فصلٌ القارئ: وينوي الإحرام بقلبه ولا ينعقد بغير نية لقول النبي ﷺ (إنما الأعمال بالنيات) ولأنها عبادةٌ محضةٌ فافتقرت إلى النية كالصلاة فإن لبى من غير نية لم يصر محرما وإن نوى الإحرام من غير تلبيةٍ انعقد إحرامه لأنه عبادةٌ لا يجب النطق في آخرها فلم يجب في أولها كالصوم. الشيخ: غريب مثل هذه الأقيسة الواقع أنه إذا نوى بدون تلبية انعقد النسك لقول النبي ﷺ (إنما الأعمال بالنيات) وهذا نوى الدخول في النسك فإذا نوى الدخول في النسك فقد دخل، وإن لبى بدون نية من غير قصد الإحرام فلا يكون شيئاً، كان الرسول ﵊ إذا رأى ما يعجبه في الدنيا قال: لبيك إن العيش عيش الآخرة. القارئ: وإن نوى إحراماً فسبق لسانه إلى غيره انعقد إحرامه بما نواه دون ما نطق به لأن النية هي الإحرام فاعتبرت دون النطق. فصلٌ

стр. 1355

القارئ: ويستحب أن ينطق بما أحرم به ويعينه ويشترط فيه أن محلي حيث حبستني فيقول اللهم إني أريد النسك الفلاني فيسره لي وتقبله مني وإن حبسني حابسٌ فمحلي حيث حبستني لما روت عائشة ﵂ قالت (خرجنا مع رسول الله ﷺ فمنا من أهلَّ بعمرة ومنا من أهلَّ بحجٍ وعمرة ومنا من أهلَّ بحج) وعنها قالت (دخل النبي ﷺ على ضُباعة بنت الزبير فقالت: يا رسول الله إني أريد الحج وأنا شاكية فقال: حجي واشترطي أن محلي حيث حبستني) متفقٌ عليهما. ويفيد هذا الشرط شيئين أحدهما أنه متى عاقه عائقٌ من مرضٍ أو غيره فله التحلل والثاني أنه إذا حلّ لذلك فلا شيء عليه من دمٍ ولا غيره وغير هذا اللفظ مما يؤدي معناه يجري مجراه قال ابن مسعود: اللهم إني أريد العمرة إن تيسرت لي وإلا فلا حرج علي لأن المقصود المعنى وإنما اعتبر اللفظ لتأديته له. الشيخ: الله أكبر هذه قاعدة مفيدة أن العبرة أن المرجع المعنى دون اللفظ بل إن اللفظ إذا خالف ما في قلبه فالعبرة على ما في قلبه كما سبق لو أراد أن يقول لبيك حجة فقال لبيك عمرة فالعبرة بما في قلبه. هذه القطعة من كلام المؤلف تضمنت مسائل: أولاً يقول: يستحب أن ينطق بما أحرم به ويعينه ويشترط فظاهر كلامه أنه يستحب النطق بالنية ولهذا فسّر هذا المعنى بقوله فيقول: اللهم إني أريد النسك الفلاني فيسره لي فهذا فيه نظر والصواب أنه لا ينطق بالنية لأنه لم يرد أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال اللهم إني أريد النسك ولا أحد من الصحابة وحينئذٍ يكون الحج كغيره من العبادات لا ينطق فيه بالنية وأما التلبية فهي إظهارٌ لما سبق لا إنشاء وإلا فالإنسان يقول لبيك عمرة لبيك حجة لبيك عمرةٌ وحجة وهذا إخبارٌ عما في ضميره وليس إنشاءً.

стр. 1356

المسألة الثانية يقول (يشترط فيه أن محلي حيث حبستني) وهذا أيضاً فيه نظر وقد اختلف العلماء ﵏ في اشتراط من أراد الإحرام هل هو سنة مطلقاً أو منكرٌ مطلقاً أو فيه تفصيل: فمنهم من قال يسن لكل من أراد الإحرام بعمرة أو حج أن يشترط. ومنهم من قال إنه لا يشترط وأنكر ذلك كابن عمر ﵁. ومنهم من قال بالتفصيل فقال إن كان هناك سبب يقتضي ذلك فليفعل وإلا فلا، السبب مثل أن يكون الإنسان فيه أثر مرض ويخشى أن يعجز أو امرأة تخشى أن يأتيها الحيض فتشترط أو ما أشبه ذلك فهذا يسن في حقه أن يشترط لئلا يشق على نفسه ولأن النبي ﷺ قال لضُباعة بنت الزبير قال (حجي واشترطي أن محلي حيث حبستني) وأما من لا يخشى من عائق فلا يشترط لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يشترط هو عند إحرامه فتمام الاقتداء به أن لا يشترط من لا يخاف العائق وأن يشترط من يخاف العائق الأول اقتدى بفعله والثاني اقتدى بقوله وهذا هو الذي تجتمع فيه الأدلة وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيميه ﵀ بقي أن يقال الحوادث في هذا الزمان كثيرة وعلى هذا فنقول كل من أراد أن يحرم فليشترط فيقال هذا غير صحيح بل الحوادث في هذا الزمان قليلة لأنك لو أحصيت السيارات وما فيها من ركاب لوجدت العدد الهائل ولنقل إن الحجاج مليون حاج قد يموت مائة حاج من الحوادث فنسبة مائة لمليون ليست بشيء ثم إن الحوادث موجودة في عهد الرسول ﵊ فها هو الرجل الذي وقصته ناقته في عرفة وعلى هذا فنقول الأفضل أن لا تشترط ولكن لو اشترطت وقلنا بأن الاشتراط ليس بسنة فالظاهر أنه لا ينفعه ما دمنا قلنا إن الاشتراط ليس بسنة إلا لمن خاف من عائق فإنه إذا اشترط فقد عمل عملاً ليس عليه أمر الله ورسوله فيكون مردوداً غير مؤثر ويحتمل أن ينفعه لكن الاحتمال الأول أقرب أنه لا ينفعه.

стр. 1357

الثالث في هذه القطعة هل الاشتراط في العبادات في كل شيء بحيث أنه مثلاً لو أراد أن يدخل في الصلاة وقد توقع أن يزوره إنسانٌ كبير فنوى بقلبه أنه إن استأذن هذا الإنسان الكبير يقطع الصلاة؟ الظاهر لا لأنه لا قياس في مثل هذا إذ أن الحج مدته تطول ومشقته أعظم والصلاة ونحوها مدتها يسيرة ويمكن أن يخفف ويحصل المقصود. الرابع ماذا يستفيد إذا اشترط سواءٌ قلنا إنه يشترط مطلقاً أو لسبب يستفيد فائدتين: الفائدة الأولى أنه يتحلل من إحرامه ويقال البس ثيابك وامش إلى أهلك. الثانية أنه ليس عليه دم إحصار لأنه استثنى على ربه وقد قال النبي ﵊ (إن لك على ربك ما استثنيت). الخامس وهو من أهم ما في هذه القطعة أن العبرة في الألفاظ بمعانيها وما دلت عليه وهذه القاعدة يجب أن تطرد في كل شيء في العبادات والمعاملات في الأنكحة والبيوع والأوقاف وغيرها وبناءً على ذلك نقول لو زوَّج ابنته بقوله ملَّكتك بنتي فقال قبلت فإن القول الراجح أن النكاح ينعقد لأن هذا هو المعنى ولو قال خليت امرأتي فهو طلاقٌ صريحٌ لأن هذا هو العرف وقد يكون قول القائل خليت امرأتي أبلغ من قوله طلقت عند العامة فالحاصل أن الألفاظ قوالب للمعاني والعبرة بالمعاني في كل شيء. السائل: هل يجوز للمشترط أن يتحلل إذا خشي المرض ورأى علاماته؟ الشيخ: لا يجوز أن يتحلل من إحرامه إلا إذا تحقق المرض الذي لا يتمكن معه من إتمام النسك. فصلٌ

стр. 1358

القارئ: ويجوز الإحرام بنسكٍ مطلق وله صرفه إلى أيها شاء وإن أحرم بمثل ما أحرم به فلان صح لما روى أبو موسى قال (قدمت على رسول الله ﷺ وهو منيخ بالبطحاء فقال لي: بم أهللت قال: قلت لبيك بإهلالٍ كإهلال رسول الله ﷺ قال: أحسنت فأمرني فطفت بالبيت وبالصفا والمروة ثم أمرني أن أحل) متفقٌ عليه ثم إن تبين له ما أحرم به فلان فإحرامه مثله وإن تبين أن فلاناً لم يحرم فله صرفه إلى ما شاء كالمطلق لأنه عقد الإحرام وعلَّق عين النسك على إحرام فلان فلما لم يحرم فلانٌ بطل التعيين وبقي المطلق وإن علم أن فلاناً أحرم ولم يعلم بما أحرم أو شك هل أحرم أم لا؟ فهو كالناسي لإحرامه وللناسي لما أحرم به صرفه إلى أي نسكٍ شاء لأنه إن صادف ما أحرم به فقد أصاب وإن صرفه إلى عمرة وكان إحرامه بغيرها فإن فسخه إليها جائزٌ مع العلم فمع الجهل أولى، وإن صرفه إلى قرانٍ وكان إحرامه بعمرة فقد أدخل عليها الحج وهو جائز وإن كان مفرداً فقد أدخل العمرة على الحج وهو لغوٌ لا يفيد ولا يقدح في حجه كما لو فعله مع العلم وإن صرفه إلى الإفراد وكان معتمراً فقد أدخل الحج على العمرة فصار قارناً ولا تبطل العمرة بترك نيتها فإن كان قارناً فهو على حاله لذلك والمنصوص عن أحمد ﵁ أنه يجعل المنسي عمرة قال القاضي: هذا على سبيل الاستحباب لأن ذلك مستحبٌ مع العلم فمع عدمه أولى فعلى هذا إن صرفه إلى عمرة فهو متمتعٌ حكمه حكم من فسخ الحج إلى العمرة وإن صرفه إلى القران لم يجزئه عن العمرة إذ من المحتمل أن يكون مفرداً فلم يصح إدخاله العمرة على حجه ولا يلزمه دم القران لأنه شاكٌ فيما يوجبه ويصح له الحج هاهنا وفيما صرفه إلى الإفراد فإن كان شكه بعد الطواف لم يكن له صرفه إلا إلى العمرة لأن إدخال الحج على العمرة بعد الطواف غير جائز فإن صرفه إلى إفرادٍ أو قران تحلل بأفعال الحج ولم يجزئه عن واحدٍ من النسكين لأنه شاكٌ في

стр. 1359

صحته ولا دم عليه للشك فيما يوجبه إلا أن يكون معه هديٌ فيجزئه عن الحج لأن إدخال الحج على العمرة في حقه جائزٌ بعد الطواف. الشيخ: هذا الفصل فيه مسألة مهمة وهي هل يجوز للإنسان أن يحرم بمثل ما أحرم به فلان وهو لا يدري؟ الجواب نعم لأن أبا موسى الأشعري ﵁ أحرم بما أحرم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وكذلك علي بن أبي طالب أحرم بما أحرم به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وعلى هذا فإذا كان شخصٌ واثقاً برجلٍ في علمه ودينه وأحرم بمثل ما أحرم به فلا حرج لأن هذا عملٌ أجازه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لكن أبا موسى أمره النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يحل متمتعاً وأما علي فقال له إن معي الهدي فلا تحل فأشركه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في هديه ولم يحل لأن من ساق الهدي لا يمكن أن يحل قبل أن يبلغ الهدي محله. فإن جهل ما أحرم به فلان بمعنى أنه لم يتفق بفلان حتى وصل إلى مكة ولم يدر فماذا يجعله؟ نقول الأفضل أن تجعله عمرة لأنه على تقدير أنه أحرم بالحج فإن فسخ الحج إلى العمرة جائز هذا هو الأحسن لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أمر أصحابه أن يجعلوها عمرة. فصلٌ القارئ: وإن أحرم بحجتين أو عمرتين انعقد إحرامه بإحداهما ولا يلزمه للأخرى قضاءٌ ولا غيره لأنهما عبادتان لا يلزم المضي فيهما فلم يصح الإحرام بهما كالصلاتين ولو فسد نسكه ثم أحرم بغيره من جنسه لم يلزمه للثاني شيء ولم يصح لذلك. فصلٌ

стр. 1360

القارئ: وهو مخيرٌ إن شاء أحرم متمتعاً أو مفرداً أو قارنا لحديث عائشة والتمتع هو الإحرام بعمرةٍ من الميقات فإن فرغ منها أحرم بالحج من مكة في عامه والإفراد الإحرام بالحج مفرداً والقران الإحرام بهما معاً أو يحرم بالعمرة ثم يدخل عليها الإحرام بالحج قبل الطواف لما روت عائشة ﵂ قالت (أهللنا بعمرةٍ فقال رسول الله ﷺ : من كان معه هديٌ فليهل بالحج مع العمرة ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعاً) متفق عليه فإن أحرم بحجٍ ثم أدخل عليه عمرةً لم يصح ولم يصر قارناً لأنه لم يرد بذلك أثر ولا هو في معنى ما جاء به الأثر لأن إحرامه بها لا يزيده عملاً على ما لزمه بإحرام الحج ولا يغير ترتيبه بخلاف إدخال الحج على العمرة ومن طاف للعمرة ثم أحرم بالحج معها لم يصح لأنه قد أتى بمقصودها وشرع في التحلل منها إلا أن يكون معه هديٌ فله ذلك لأن من ساق هدياً لا يجوز له التحلل حتى ينحر هديه لقول الله تعالى (وَلا تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ) فلا يتحلل بطوافه ويتعين عليه إدخال الحج على العمرة ويصير قارنا بخلاف غيره. الشيخ: هذا الفصل يتضمن أموراً الأمر الأول أن الإنسان إذا أراد الإحرام فإنه مخيَّر بين ثلاثة أنساك التمتع والإفراد والقران لحديث عائشة قالت (خرجنا مع النبي ﷺ عام حجة الوداع فمنا من أهلَّ بعمرة ومنا من أهلَّ بحج ومنا من أهلَّ بعمرة وحج وأهلَّ رسول الله ﷺ بالحج) وهذا التخيير تخيير إباحة والأفضل كما سيأتي في الفصل الذي بعده الأفضل التمتع وقيل إن الإنسان لا يخيّر بين هذه الأنساك وأنه يجب عليه التمتع إلا أن يكون قد ساق الهدي لكن هذا القول ضعيف لأن الخلفاء الراشدين أجمعوا كلهم على أن التمتع ليس بواجب حتى من ليس معه هدي.

стр. 1361

والعلماء مختلفون في أمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم للصحابة الذي غضب من أجل عدم فعلهم لما أمرهم به فقيل إنه للوجوب وقيل إنه للاستحباب وعلى القول بالوجوب هل هو لهم ولغيرهم إلى يوم القيامة أو لهم فقط. جمهور العلماء على أنه للاستحباب وأعني بجمهور العلماء من يجوزون فسخ الحج إلى العمرة للتمتع لأن بعض العلماء يقول لا يجوز فسخ الحج إلى العمرة ليصير متمتعاً لكن هذا القول ضعيف إذاً هل يجب على الإنسان أن يخلع نية الحج القارن والمفرد إلى تمتع أو لا يجب؟ نقول الصحيح أنه لا يجب. ومن العلماء من قال هو واجب ومنهم من قال هو واجب على الصحابة فقط وهذا القول اختاره شيخ الإسلام بن تيمية ﵀ وهو أصوب من غيره وإنما قلت فيما سبق الصحيح أنه لا يجب أعني لا يجب على الأمة وإنما يجب على الصحابة فقط لأن النبي ﷺ واجههم به ولأنهم لو تمنعوا من ذلك في ذلك الوقت لبطلت مشروعيته لأنهم هم مقدَّم الأمة ولأن أبا ذر سئل عن هذه المسألة هل هي لهم خاصة أو للناس عامة؟ قال بل هي لنا خاصة فيُحمل قوله ﵁ على أن المراد بذلك الوجوب وهذا أعدل الأقوال وأحسن الأقوال وعلى هذا فيكون التمتع ليس بواجب. كذلك أيضاً في هذا الفصل تبين معنى التمتع والإفراد والقران فالتمتع أن يحرم بالعمرة من الميقات في أشهر الحج ويحج من عامه هذه قيود: الأول أن يكون إحرامه بالعمرة من الميقات. والثاني أن يكون في أشهر الحج فالأول الميقات المكاني والثاني الميقات الزمني وعلى هذا لو أحرم بالعمرة في آخر يوم من رمضان وأداها ليلة العيد لم يكن متمتعاً لأنه أحرم بالعمرة قبل دخول أشهر الحج ولو أنه أحرم بالعمرة ولم يحج من عامه وحج في العام الآخر فليس بمتمتع لأنه لم يحرم بالحج في عامه. فإن نوى التمتع وأحرم بالعمرة وحل منها ثم بدا له أن لا يحج فهل له ذلك؟ نعم له ذلك لأنه لم يحرم بالحج والنية بدون عمل لا تلزم.

стр. 1362

أما الإفراد أن يحرم بالحج مفرداً. والقران ذكر المؤلف له صورتين: الصورة الأولى أن يحرم بالعمرة والحج جميعاً. والصورة الثانية أن يحرم بالعمرة أولاً ثم يدخل الحج عليها قبل الشروع في طوافها، أما دليل الصورة الأولى فهو أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (أتاه آتٍ وقال صلِّ في هذا الوادي المبارك وقل عمرة وحجة وفي لفظٍ عمرةٌ في حجة) هذا قران أحرم بهما معاً وأما دليل الصورة الثانية فهو حديث عائشة (أنها أحرمت بالعمرة ثم حاضت في أثناء الطريق قبل أن تطوف فأمرها النبي ﷺ أن تحج) وظاهر الحال أن هذه الصورة لا تصح إلا عند الضرورة إذا تعذر على الحاج أن يطوف لكن العلماء أجمعوا أنه جائز سواءٌ كان ذلك لعذر أو لغير عذر. بقي صورةٌ ثالثة ذكر المؤلف أنها لا تصح وهو أن يُدخل العمرة على الحج يعني أن يحرم أولاً بالحج ثم يدخل العمرة على الحج فهل يكون قارنا؟ ً في هذا للعلماء قولان القول الأول ما مشى عليه المؤلف وهو أنه لا يكون بذلك قارناً بل هو باقٍ على إفراده ولم يذكر دليلاً وإنما ذكر تعليلاً.

стр. 1363

والثاني أنه يصح إدخال العمرة على الحج ويكون بذلك قارناً واستدلوا بأن النبي ﷺ أحرم أولاً بالحج ثم جاءه آتٍ فقال قل عمرة وحجة فأدخل العمرة على الحج وهذا يحتاج إلى تقديم مسلَّمات ربما يذكرها لكنه قولٌ ليس ببعيد إذ أن تعليل المؤلف لا يكفي في المنع فتعليله أنه يقول إدخال العمرة على الحج لا يستفيد به الحاج عملاً زائداً ووجه ذلك أن عمل المفرد وعمل القارن واحد فإذا أدخل العمرة على الحج فإنه لا يستفيد بهذا الإدخال شيئاً يعني لا يستفيد زيادة عمل لكن لو أحرم بالعمرة ثم أدخل الحج عليها وهي الصورة الثانية للقران فإنه يستفيد زيادة الأعمال لأنه لو اقتصر على العمرة لكان يكفيه أن يطوف ويسعى ويقصّر أما لما أدخل الحج عليها صار لا بد أن يقف بعرفة وبمزدلفة ويرمي الجمرات ويبيت بمنى فاستفاد بإدخال الحج على العمرة زيادة العمل لكن هذا قد يقال إنه فرق غير مؤثر وأن الرسول ﵊ قال: (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئٍ ما نوى) وهو إذا طاف بعد إدخال العمرة على الحج سينوي الطواف عنهما وإذا سعى سينوي السعي عنهما وبناءً على ذلك يتبين لي أنه لا بأس من إدخال العمرة على الحج ويصير بذلك قارناً فيكون للقران ثلاث صور: الأولى أن يحرم بهما معاً. الثانية أن يحرم بالعمرة أولاً ثم يُدخل الحج عليها قبل الشروع في طوافها. الثالثة أن يحرم بالحج أولاً ثم يدخل العمرة عليها.

стр. 1364

اشترط المؤلف ﵀ في الصورة الثانية أن يدخل الحج عليها قبل الشروع في طوافها وقال بعض أهل العلم بل ولو بعد الشروع في طوافها واختاره كثيرٌ من العلماء أنه يصح إدخال الحج على العمرة ولو بعد الشروع بعد طوافها بل ولو بعد السعي ما دام لم يتحلل وهذه مسألة خطيرة أضرب لكم مثلاً يتبين بها خطورتها أنه لو طاف للعمرة أولاً طوافاً صحيحاً ثم سعى للعمرة وقصَّر وتحلل وتبين أن السعي غير صحيح إما لنقص الشوط أو لغير ذلك من الأشياء المبطلة ثم أحرم بالحج واستمر وانتهى منه فعلى ما ذهب إليه المؤلف يكون حجه غير صحيح لأنه أدخل الحج على العمرة بعد الطواف وإدخال الحج على العمرة بعد الطواف لا يصح إلا من كان معه هدي كما سنذكر إن شاء الله وعلى القول الثاني يكون حجه صحيحاً ويكون قارناً وعلى هذا فلا يلزمه إلا طواف الإفاضة والسعي لأن السعي الأول غير صحيح فيلزمه السعي ولا شك أن هذا فرقٌ عظيم بين القولين والقول الثاني قد يتعين القول به أحياناً فيما لو أتى إنسان جاهل وأدخل الحج على العمرة وهو لا يعلم أن العمرة فاسدة ثم يمضي مثلاً إلى بلده ويتكلف ويشق عليه إذا قلنا حجك غير صحيح معناه أن فريضة الإسلام لم تسقط عنه إذا كان فريضة. ولا يصح إدخال الحج على العمرة بعد الطواف إلا في حالٍ واحدة وهي إذا ساق الهدي فإذا ساق الهدي فإنه يطوف للعمرة ويسعى ثم يحرم بالحج قبل أن يحلق أو يقصّر لأن الحلق أو التقصير مع سوق الهدي قبل بلوغ الهدي محله لا يجوز وفي هذه الصورة يحرم بالحج قبل الفراغ من العمرة وبعد الطواف والسعي ويكون بذلك كما قال المؤلف قارناً وهذا تسليمٌ من المؤلف ﵀ بجواز الإحرام بالحج بعد طواف العمرة لتعذر التحلل. فصلٌ

стр. 1365

القارئ: وأفضل الأنساك التمتع لما روى جابر أنه حج مع رسول الله ﷺ وقد أهلوا بالحج مفرداً فقال لهم (حلوا من إحرامكم بطوافٍ بالبيت وبين الصفا والمروة وقصروا وأقيموا حلالاً حتى إذا كان يوم التروية فأهلوا بالحج واجعلوا التي قدمتم بها متعة فقالوا: كيف نجعلها متعةً وقد سمينا الحج قال: افعلوا ما أمرتكم فلولا أني سقت الهدي لفعلت مثل ما أمرتكم به ولكن لا يحل مني حرامٌ حتى يبلغ الهدي محله قال: ففعلوا) متفقٌ عليه. وعنه إن ساق الهدي فالقران أفضل لأن النبي ﷺ لم يحل إذ كان معه الهدي، وقد روى أنسٌ (أن النبي ﷺ قرن بين الحج والعمرة) متفقٌ عليه والأول أصح لقول النبي ﷺ (لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي ولحللت) فيدل هذا على فضيلة المتعة وقد روى عمرٌ وعليٌ وسعدٌ وابن عمر وحفصة وعائشة وعمران بن حصين رضوان الله عليهم (أن النبي ﷺ كان متمتعاً وإنما منعه الحلّ سوق الهدي) ومعنى حديث أنس أن النبي ﷺ أدخل الحج على العمرة حين امتنع عليه الحلّ منها ثم بعد التمتع الإفراد لأنه يأتي بنسكين كاملين والقارن يقتصر على عمل الحج ثم القران بعدهما.

стр. 1366

الشيخ: ذكر المؤلف ﵀ أن الأفضل التمتع مطلقاً حتى وإن ساق الهدي فالتمتع أفضل لكن ماذا يصنع إذا كان قد ساق الهدي ثم أتى بالطواف والسعي وهو متمتع؟ نقول له أحرم بالحج وتكون متمتعاً وهذا القول يناقض قوله في الفصل الذي قبله إنه يكون قارنا ودائماً الأقوال الضعيفة تتناقض فنقول كيف يصح أن يسميه متمتعاً وهو لم يتمتع بما أحل الله طرفة عين. لأننا قلنا له من حين أن تطوف وتسعى فتلبَّس بإحرام الحج قبل أن تحل فأين التمتع. ولذلك الرواية الثانية عن الإمام أحمد هي المتعيّنة وهي التي يدل عليها الدليل أنه إن ساق الهدي فالقران أفضل لتعذر التمتع في حقه إذ لا يمكن أن يحل بعد الطواف والسعي فالصواب أنه إذا ساق الهدي فالقران أفضل بل لو قيل إنه متعين في هذا الحال لكان له وجه لتعذر التمتع لأن التمتع غير ممكن مع سوق الهدي.

стр. 1367

لكن يبقى النظر هل الأفضل أن يسوق الهدي ولا يتمتع أو أن يترك الهدي ويتمتع؟ الرسول ﵊ ساق الهدي ولم يتمتع ولم يترك الهدي حتى يتمتع ثم إن في سوق الهدي من إظهار الشعائر ولا سيما فيما سبق لما كانوا يسيرون على الجمال وعلى الأرجل من إظهار الشعائر ما لم يكن فيما لو ساقه ثم فيه أيضاً من نفع الفقراء ما لا يوجد إذا لم يسقه فالواقع أن المسألة فيها احتمال أن نقول له سق الهدي واقرن أو نقول لا تسق الهدي وتمتع والغريب أن المؤلف ﵀ استدل بفعل النبي ﷺ على أن التمتع أفضل ولو ساق الهدي فاستدل بأن النبي ﷺ لم يحل وزعم أن الرسول ﵊ كان متمتعاً لكن منعه من الحلّ سوق الهدي ولكن القول المتعين بالنسبة لحج النبي ﵊ ما قاله الإمام أحمد قال: لا أشك أن النبي ﷺ كان قارناً والمتعة أحب إليَّ هذا كلام الإمام أحمد فإن قال قائل ما تقولون فيما ذكره المؤلف عن عمر وعلي وسعد وابن عمر وحفصة وعائشة وعمران بن الحصين أن النبي ﷺ كانت متمتعاً؟ قلنا معنى تمتعه أنه تمتع بترك إحدى السفرتين لأنه حصل له عمرة وحج في سفرٍ واحد ولو فرقهما لكان يأتي لكل واحد بسفر فهو في الواقع متمتع كما أن المتمتع الذي يأتي بالعمرة ويبقى إلى الحج متمتع أيضاً، فالصواب المتعين ما ذهب إليه الإمام أحمد أن النبي ﷺ كان قارناً ويجاب عن تسميته متمتعاً في بعض ألفاظ الصحابة بأحد أمرين إما أن يقال إنه تمتع بسقوط إحدى السفرتين وإما أن التمتع في لسان الصحابة ليس هو التمتع المعروف في لسان الفقهاء وأن التمتع في لسان الصحابة هو الجمع بين نسكين في سفرٍ واحد مطلقاً.

стр. 1368

يقول المؤلف يليه الإفراد وعلل ذلك بأنه يأتي بالنسكين كاملين ويعني هذا أن المفرد إذا حج اعتمر بعد الحج وهذا فيه نظر لأن العمرة بعد الحج لم تكن معروفةً عند السلف ولم تقع إلا في قضيةٍ واحدة معينة ومن المعلوم أن الصحابة منهم المفرد ومنهم القارن ومنهم المتمتع فهل الذين أفردوا خرجوا إلى الحلّ وأتوا بالعمرة بعد الحج؟ لا ولهذا يكون تعليل المؤلف ﵀ بأنه يأتي بنسكين كاملين يكون تعليلاً عليلاً ونقابله بأن القارن يمتاز عن المفرد بحصول نسكين اقتدى فيهما بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وبأن القارن يحصل منه هدي لأن القارن عليه هدي كالمتمتع وهذا زيادة على المفرد فالصواب أن الأفضل التمتع ثم القران وإن لم يسق الهدي ثم الإفراد هذا هو الصواب في هذه المسألة. فصلٌ القارئ: ويستحب للقارن والمفرد إذا لم يكن معهما هديٌ أن يفسخا نيتهما بالحج وينويا عمرةً مفردة ويحلا من إحرامهما بطوافٍ وسعيٍ وتقصير ليصيرا متمتعين لحديث جابر ويروى عن إبراهيم الحربي أنه قال: قال سلمة بن شبيب لأحمد بن حنبل يا أبا عبد الله كل شيءٍ منك حسنٌ جميل إلا خُلةً واحدة تقول بفسخ الحج فقال أحمد قد كنت أرى أن لك عقلاً عندي ثمانية عشرة حديثاً صحاحاً جياداً كلها في فسخ الحج أتركها لقولك فأما من ساق الهدي فليس له ذلك للحديث ولقول الله تعالى (وَلا تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ).

стр. 1369

الشيخ: في هذا الفصل بيّن المؤلف ﵀ أنه يستحب للقارن والمفرد إذا لم يكن معهما هدي أن يحوّل الإحرام إلى عمرة ليصيرا متمتعين فأما إن كان معهما هدي فقد علمتم أنه لا يمكن ذلك لأن من معه الهدي لا يمكن أن يتحلل حتى يبلغ الهدي محله وفي قوله ﵀ ليصيرا متمتعين دليلٌ على أنه لو فسخ الحج مفرد أو قارنٌ ليتخلص من ذلك ويذهب إلى أهله فإنه لا يحل له هذا يعني مثلاً إنسان ذهب إلى مكة وأحرم بالحج مفرداً لكن لما رأى الزحام والمشقة قال أحوّل هذا الحج إلى عمرة ثم أطوف وأسعى وأقصّر وأرجع إلى أهلي فلا يحل ذلك وإنما يحل لمن أراد أن يحج ليصير متمتعاً ووجه الحلّ في هذه المسألة أولاً أمر الرسول ﵊ بذلك. وثانياً أنه ينتقل من مفضولٍ إلى أفضل أي من إقران أو إفراد إلى تمتع وأما من فسخ نية الحج أو القران ليهرب فهذا لم يتحوّل من مفضولٍ إلى أفضل بل تهرب مما يلزمه من إتمام الحج أو العمرة حيث قال الله تعالى (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ). فإن كان معهما هدي فلا يحل أن يفسخا الإفراد والقران إلى عمرة لتعذر التحلل في حقهما لسوق الهدي. فصلٌ القارئ: ويجب على المتمتع دم لقول الله تعالى (فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ) والدم الواجب شاةٌ أو سبع بدنة للآية قال أبو حمزة سألت ابن عباسٍ عن المتعة فأمرني بها وسألته عن الدم فقال فيها جزورٌ أو بقرةٌ أو شاة أو شرْكٌ في دم) متفقٌ عليه. الشيخ: جزور يعني ناقة كاملة بقرة كاملة شاة كاملة شركٌ في الدم يعني سُبع بدنة أو سُبع بقرة. القارئ: ولا يجب الدم إلا بشروطٍ خمسة أحدها أن لا يكون من حاضري المسجد الحرام لقول الله تعالى (ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) وحاضر المسجد أهل الحرم ومن بينه وبينه دون مسافة القصر لأن الحاضر القريب والقريب دون مسافة القصر.

стр. 1370

الثاني أن يعتمر في أشهر الحج لأن المعتمر في غير أشهره لم يجمع بين النسكين فلم يجب عليه دمٌ كالمفرد ولو أحرم بالعمرة في غير أشهر الحج وحلَّ منها في أشهره لم يكن متمتعاً لأن الإحرام نسكٌ لا تتم العمرة إلا به ولأنه أتى به في غير أشهر الحج فلم يصر متمتعاً كالطواف. الثالث أن يحج من عامه فإن أخَّر الحج إلى عامٍ آخر لم يكن متمتعاً لأن المتمتع بالعمرة إلى الحج يقتضي الموالاة بينهما ولم يوال فأشبه المعتمر في غير أشهر الحج. الرابع أن لا يسافر بينهما سفراً يقصر فيه لما روي عن عمر ﵁ أنه قال (إذا اعتمر في أشهر الحج ثم أقام فهو متمتع فإن خرج ثم رجع فليس بمتمتع) ولأنه إذا سافر لزمه الإحرام من الميقات أو من حيث انتهى إليه فلا يترفه بأحد السفرين فأشبه المفرد. الشيخ: في هذا الفصل البحث في مسائل:
следующие страницы →