← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 96875

تعليقات ابن عثيمين على الكافي لابن قدامة

ابن عثيمين

Полный текст (2 447 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

الشيخ: ذكر المؤلف ﵀ أن الأفضل التمتع مطلقاً حتى وإن ساق الهدي فالتمتع أفضل لكن ماذا يصنع إذا كان قد ساق الهدي ثم أتى بالطواف والسعي وهو متمتع؟ نقول له أحرم بالحج وتكون متمتعاً وهذا القول يناقض قوله في الفصل الذي قبله إنه يكون قارنا ودائماً الأقوال الضعيفة تتناقض فنقول كيف يصح أن يسميه متمتعاً وهو لم يتمتع بما أحل الله طرفة عين. لأننا قلنا له من حين أن تطوف وتسعى فتلبَّس بإحرام الحج قبل أن تحل فأين التمتع. ولذلك الرواية الثانية عن الإمام أحمد هي المتعيّنة وهي التي يدل عليها الدليل أنه إن ساق الهدي فالقران أفضل لتعذر التمتع في حقه إذ لا يمكن أن يحل بعد الطواف والسعي فالصواب أنه إذا ساق الهدي فالقران أفضل بل لو قيل إنه متعين في هذا الحال لكان له وجه لتعذر التمتع لأن التمتع غير ممكن مع سوق الهدي.

стр. 1367

لكن يبقى النظر هل الأفضل أن يسوق الهدي ولا يتمتع أو أن يترك الهدي ويتمتع؟ الرسول ﵊ ساق الهدي ولم يتمتع ولم يترك الهدي حتى يتمتع ثم إن في سوق الهدي من إظهار الشعائر ولا سيما فيما سبق لما كانوا يسيرون على الجمال وعلى الأرجل من إظهار الشعائر ما لم يكن فيما لو ساقه ثم فيه أيضاً من نفع الفقراء ما لا يوجد إذا لم يسقه فالواقع أن المسألة فيها احتمال أن نقول له سق الهدي واقرن أو نقول لا تسق الهدي وتمتع والغريب أن المؤلف ﵀ استدل بفعل النبي ﷺ على أن التمتع أفضل ولو ساق الهدي فاستدل بأن النبي ﷺ لم يحل وزعم أن الرسول ﵊ كان متمتعاً لكن منعه من الحلّ سوق الهدي ولكن القول المتعين بالنسبة لحج النبي ﵊ ما قاله الإمام أحمد قال: لا أشك أن النبي ﷺ كان قارناً والمتعة أحب إليَّ هذا كلام الإمام أحمد فإن قال قائل ما تقولون فيما ذكره المؤلف عن عمر وعلي وسعد وابن عمر وحفصة وعائشة وعمران بن الحصين أن النبي ﷺ كانت متمتعاً؟ قلنا معنى تمتعه أنه تمتع بترك إحدى السفرتين لأنه حصل له عمرة وحج في سفرٍ واحد ولو فرقهما لكان يأتي لكل واحد بسفر فهو في الواقع متمتع كما أن المتمتع الذي يأتي بالعمرة ويبقى إلى الحج متمتع أيضاً، فالصواب المتعين ما ذهب إليه الإمام أحمد أن النبي ﷺ كان قارناً ويجاب عن تسميته متمتعاً في بعض ألفاظ الصحابة بأحد أمرين إما أن يقال إنه تمتع بسقوط إحدى السفرتين وإما أن التمتع في لسان الصحابة ليس هو التمتع المعروف في لسان الفقهاء وأن التمتع في لسان الصحابة هو الجمع بين نسكين في سفرٍ واحد مطلقاً.

стр. 1368

يقول المؤلف يليه الإفراد وعلل ذلك بأنه يأتي بالنسكين كاملين ويعني هذا أن المفرد إذا حج اعتمر بعد الحج وهذا فيه نظر لأن العمرة بعد الحج لم تكن معروفةً عند السلف ولم تقع إلا في قضيةٍ واحدة معينة ومن المعلوم أن الصحابة منهم المفرد ومنهم القارن ومنهم المتمتع فهل الذين أفردوا خرجوا إلى الحلّ وأتوا بالعمرة بعد الحج؟ لا ولهذا يكون تعليل المؤلف ﵀ بأنه يأتي بنسكين كاملين يكون تعليلاً عليلاً ونقابله بأن القارن يمتاز عن المفرد بحصول نسكين اقتدى فيهما بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وبأن القارن يحصل منه هدي لأن القارن عليه هدي كالمتمتع وهذا زيادة على المفرد فالصواب أن الأفضل التمتع ثم القران وإن لم يسق الهدي ثم الإفراد هذا هو الصواب في هذه المسألة. فصلٌ القارئ: ويستحب للقارن والمفرد إذا لم يكن معهما هديٌ أن يفسخا نيتهما بالحج وينويا عمرةً مفردة ويحلا من إحرامهما بطوافٍ وسعيٍ وتقصير ليصيرا متمتعين لحديث جابر ويروى عن إبراهيم الحربي أنه قال: قال سلمة بن شبيب لأحمد بن حنبل يا أبا عبد الله كل شيءٍ منك حسنٌ جميل إلا خُلةً واحدة تقول بفسخ الحج فقال أحمد قد كنت أرى أن لك عقلاً عندي ثمانية عشرة حديثاً صحاحاً جياداً كلها في فسخ الحج أتركها لقولك فأما من ساق الهدي فليس له ذلك للحديث ولقول الله تعالى (وَلا تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ).

стр. 1369

الشيخ: في هذا الفصل بيّن المؤلف ﵀ أنه يستحب للقارن والمفرد إذا لم يكن معهما هدي أن يحوّل الإحرام إلى عمرة ليصيرا متمتعين فأما إن كان معهما هدي فقد علمتم أنه لا يمكن ذلك لأن من معه الهدي لا يمكن أن يتحلل حتى يبلغ الهدي محله وفي قوله ﵀ ليصيرا متمتعين دليلٌ على أنه لو فسخ الحج مفرد أو قارنٌ ليتخلص من ذلك ويذهب إلى أهله فإنه لا يحل له هذا يعني مثلاً إنسان ذهب إلى مكة وأحرم بالحج مفرداً لكن لما رأى الزحام والمشقة قال أحوّل هذا الحج إلى عمرة ثم أطوف وأسعى وأقصّر وأرجع إلى أهلي فلا يحل ذلك وإنما يحل لمن أراد أن يحج ليصير متمتعاً ووجه الحلّ في هذه المسألة أولاً أمر الرسول ﵊ بذلك. وثانياً أنه ينتقل من مفضولٍ إلى أفضل أي من إقران أو إفراد إلى تمتع وأما من فسخ نية الحج أو القران ليهرب فهذا لم يتحوّل من مفضولٍ إلى أفضل بل تهرب مما يلزمه من إتمام الحج أو العمرة حيث قال الله تعالى (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ). فإن كان معهما هدي فلا يحل أن يفسخا الإفراد والقران إلى عمرة لتعذر التحلل في حقهما لسوق الهدي. فصلٌ القارئ: ويجب على المتمتع دم لقول الله تعالى (فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ) والدم الواجب شاةٌ أو سبع بدنة للآية قال أبو حمزة سألت ابن عباسٍ عن المتعة فأمرني بها وسألته عن الدم فقال فيها جزورٌ أو بقرةٌ أو شاة أو شرْكٌ في دم) متفقٌ عليه. الشيخ: جزور يعني ناقة كاملة بقرة كاملة شاة كاملة شركٌ في الدم يعني سُبع بدنة أو سُبع بقرة. القارئ: ولا يجب الدم إلا بشروطٍ خمسة أحدها أن لا يكون من حاضري المسجد الحرام لقول الله تعالى (ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) وحاضر المسجد أهل الحرم ومن بينه وبينه دون مسافة القصر لأن الحاضر القريب والقريب دون مسافة القصر.

стр. 1370

الثاني أن يعتمر في أشهر الحج لأن المعتمر في غير أشهره لم يجمع بين النسكين فلم يجب عليه دمٌ كالمفرد ولو أحرم بالعمرة في غير أشهر الحج وحلَّ منها في أشهره لم يكن متمتعاً لأن الإحرام نسكٌ لا تتم العمرة إلا به ولأنه أتى به في غير أشهر الحج فلم يصر متمتعاً كالطواف. الثالث أن يحج من عامه فإن أخَّر الحج إلى عامٍ آخر لم يكن متمتعاً لأن المتمتع بالعمرة إلى الحج يقتضي الموالاة بينهما ولم يوال فأشبه المعتمر في غير أشهر الحج. الرابع أن لا يسافر بينهما سفراً يقصر فيه لما روي عن عمر ﵁ أنه قال (إذا اعتمر في أشهر الحج ثم أقام فهو متمتع فإن خرج ثم رجع فليس بمتمتع) ولأنه إذا سافر لزمه الإحرام من الميقات أو من حيث انتهى إليه فلا يترفه بأحد السفرين فأشبه المفرد. الشيخ: في هذا الفصل البحث في مسائل:

стр. 1371

أولاً يجب على المتمتع دم والدليل قول الله تعالى (فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْي فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ) لكن بشروط الأول ألا يكون من حاضري المسجد الحرام لقول الله تعالى (ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَام) يقول المؤلف هم أهل الحرم ومن بينه وبين الحرم مسافة قصر يعني من حدود الحرم إلى ثمانين كيلو أو واحد وثمانين كيلو وقيل حاضروا المسجد الحرام هم أهل الحرم فقط لأن من كان خارجه ليس فيه والآية تقول (حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) وبناءً على ذلك نقول من كانوا في عرفة فليسوا من حاضري المسجد الحرام ومن كانوا في التنعيم فليسوا من حاضري المسجد الحرام وإن كانوا في مكة ويحتمل أن يقال حاضروا المسجد الحرام من كانوا داخل حدود الحرم أو حدود مكة لأنه من البعيد أن نقول إن الذين في التنعيم وقد اتصل بنيان مكة إليهم ليسوا من حاضري المسجد الحرام بل هم من أهل مكة لا شك فيقال حاضروا المسجد الحرام هم من كانوا داخل حدود الحرم أو في مكة حتى لو فرضنا أن مكة اتسعت وخرجت إلى ما وراء الحدود فيعتبر هذا من حاضر المسجد الحرام لأن مكة ولو اتسعت فإن أهلها يعتبرون أهلاً لها وحاضرون وإلا لقلنا إن من خرج إلى أطراف مكة التي خارج الحرم لقلنا إن هذا مسافر يحل له أن يقصر وليس كذلك فالأقرب أن حاضري المسجد الحرام هم من كان داخل حدود الحرم أو داخل حدود مكة.

стр. 1372

الشرط الثاني أن يعتمر في أشهر الحج يعني أن يجمع بين العمرة والحج في أشهر الحج فإن اعتمر قبل دخول أشهر الحج وأتى بحجٍ فقط فليس بمتمتع لقوله تعالى (فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْي) وهذا يدل على أنه لولا هذه العمرة لم يحصل له تمتع بل كان باقياً على إحرامه ولا يمكن أن يبقى على إحرام الحج إلا إذا أحرم بالحج في أشهر الحج على القول الراجح وبهذا نعرف أنه لا بد أن تكون العمرة في أشهر الحج. الشرط الثالث أن يحج من عامه لقوله (فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ) وهذا يدل على أن الحج لولا هذا التمتع لبقي محرماً ولا يمكن أن يحرم هذا العام ولا يؤدي الحج إلا في العام الثاني لأن الحج أشهرٌ معلومات وهذا يدل على أنه لا بد أن يحج في عامه فإن أحرم بالعمرة في أشهر الحج ولكن لم يحج في عامه فليس بمتمتع. الشرط الرابع ألا يسافر بينهما سفر قصر وللعلماء في هذه المسألة ثلاثة أقوال القول الأول ما ذهب إليه المؤلف ألا يسافر بينهما مسافة قصر سواءٌ إلى بلده أو غير بلده وعلى هذا فإذا حج رجلٌ من أهل المدينة متمتعاً وخرج من مكة إلى الطائف ثم عاد من الطائف محرماً بالحج فليس بمتمتع وذلك لأنه سافر بينهما مسافة قصر وإذا لم يكن متمتعاً فليس عليه دم. القول الثاني أنه إن سافر إلى بلده ثم عاد محرماً بالحج فليس بمتمتع وإن سافر إلى غير بلده فهو متمتع فمثلاً إذا حج الإنسان من أهل المدينة ثم خرج إلى الطائف بعد العمرة ورجع من الطائف محرماً بالحج فهو على هذا القول متمتع لأنه لم يسافر إلى بلده وإن رجع إلى المدينة ثم أحرم بالحج في رجوعه من المدينة إلى مكة صار غير متمتع وإذا كان من أهل الرياض فأتى بالعمرة في أشهر الحج ثم ذهب بعد العمرة إلى المدينة ورجع منها محرماً بالحج فهو متمتع على هذا القول الثاني وعلى القول الأول ليس بمتمتع.

стр. 1373

أما القول الثالث فيقول إنه متمتع بكل حال حتى وإن رجع إلى بلده وأحرم بالحج من ميقاته والصواب القول الوسط أنه إذا رجع إلى بلده ثم عاد من بلده محرماً بالحج فليس بمتمتع ووجه ذلك أنه أنشأ للحج سفراً مستقلاً عن الأول فلا يصح بناء الحج على العمرة وهذا هو الثابت عن عمر ﵁ وابنه أنه إذا رجع إلى دويرة أهله فليس بمتمتع وإلا فهو متمتع. السائل: هل يجوز أن ننسخ من الأشرطة التي كتب عليها أن حقوق الطبع محفوظة وهل يتغير الحكم إذا كان النسخ للتوزيع أي للدعوة وليس للتجارة؟ الشيخ: الظاهر لي أنه إذا كان النسخ يعني على وجهٍ خاص شخصي أنه لا بأس وأما إذا كان للاتجار مثل أن ينسخ محل تسجيل هذه الأشرطة فإنه لا يجوز لما في ذلك من الاعتداء على حق أخيه أما طالب يريد أن ينسخ من طالب فلا بأس. السائل: إذا كان حفظكم الله للتوزيع على عامة الناس؟ الشيخ: الظاهر لا يجوز أيضاً لأن التوزيع هذا يؤثر على تجارة الموزع الأول لكن مثل هذا يستأذن فلعل الأول يأذن له إذا كان في الأمر خير. القارئ: الخامس أن يحل من عمرته فإن أدخل عليها الحج لم يجب دم المتعة لما روت عائشة ﵂ قالت (أهللنا بعمرةٍ فقدمنا مكة وأنا حائض لم أطف بالبيت ولا بين الصفا والمروة فشكوت ذلك إلى رسول الله ﷺ فقال انقضي رأسك وامتشطي وأهلي بالحج ودعي العمرة قالت: ففعلت فلما قضينا الحج أرسلني رسول الله ﷺ مع عبد الرحمن بن أبي بكرٍ إلى التنعيم فاعتمرت معه فقال: هذه مكان عمرتك فقضى الله حجها وعمرتها ولم يكن في شيءٍ من ذلك هديٌ ولا صومٌ ولا صدقة) متفقٌ عليه ولأنه يصير قارناً أشبه ما لو أحرم بهما.

стр. 1374

الشيخ: هذا الشرط الخامس أن يحل من عمرته فإن لم يحل من عمرته فإنه ليس بمتمتع ولهذا قال: لم يجب عليه دم المتعة ثم هل يجب عليه دم القران؟ نقول إن كان أدخل الحج على العمرة قبل الشروع في طوافها فصحيح وعليه دم القران وإن كان بعد الشروع في طوافها فإحرامه بالحج لا يصح على المذهب وإذا لم يصح صار معتمراً فقط إلا إذا كان معه الهدي فإنه يصح أن يدخل الحج على العمرة ولو بعد الطواف ويصير قارناً. وفي حديث عائشة ﵂ تقول أهللنا بعمرة فقدمنا مكة وأنا حائض لم أطف بالبيت ولا بين الصفا والمروة كان حيضها في موضعٍ يقال له سرف بين مكة والمدينة فلم تطف بالبيت ولا بين الصفا والمروة، أما عدم طوافها بالبيت فلأنها حائض والحائض لا يمكن أن تمكث في المسجد والدليل على هذا أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أمر النساء أن يخرجن يوم العيد وأمر الحُيَّض أن يعتزلن المصلى فدل ذلك على أن الحائض لا يمكن أن تمكث في المسجد وطوافها بالبيت نوعٌ من المكث وأما السعي فهي لم تسع لأنها لم تطف والسعي بعد الطواف في العمرة ولا يصح أن يقدَّم السعي على الطواف في العمرة وإنما رُخّص في الحج على خلافٍ في ذلك فالحج يجوز أن تقدم السعي على الطواف (لأن النبي ﷺ سأله رجل قال: يا رسول الله سعيت قبل أن أطوف قال: لا حرج) وأما العمرة فلا يصح تقديم السعي فيها على الطواف ومن قاسها على الحج فقد أبعد النجعة لظهور الفرق التام بين الحج والعمرة أولاً أنه لا قياس في العبادات يعني في هيئاتها وصفاتها لا يمكن أن يجري القياس لأنها تعبدية توقيفية. ثانياً أنه لو قدّم السعي على الطواف في العمرة لاختلت لأنه ليس فيها إلا ركنان فقط وهما الطواف والسعي والإحرام فإذا قدّم السعي على الطواف صار هذا انقلاباً مغيّراً تغيراّ كاملاً بخلاف الحج.

стр. 1375

ثالثاً أن الأنساك يوم العيد في الحج كثيرة فكان من يسر هذا الدين أن يرخّص للناس في التقديم والتأخير لأن النسك يوم العيد خمسة أنساك الرمي والنحر والحلق والطواف والسعي فلو ألزم الناس بالترتيب بينها لكان في ذلك نوعٌ من الحرج والمشقة لكن رخّص لهم في أن يقدموا بعضها على بعض فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ما سُئل يوم العيد عن شيءٍ قُدّم أو أُخّر إلا قال (افعل ولا حرج) لذلك لا يصح قياس العمرة على الحج لهذه الوجوه وإن كان روي عن بعض السلف جواز تقديم السعي على الطواف في العمرة إذا كان ناسياً ولكن الذي يظهر لي من الأدلة أنه لا يصح تقديم السعي على الطواف في العمرة ولو كان ناسياً. القارئ: وذكر القاضي أنه يشترط أن ينوي في ابتداء العمرة أو أثنائها أنه متمتع لأنه جمع بين عبادتين فافتقر إلى النية كالجمع بين الصلاتين وظاهر الآية يدل على عدم اشتراط هذا ولأنه يوجد التمتع بدونه والترفه بترك أحد السفرين فلزمه دمٌ كما لو نوى.

стр. 1376

الشيخ: وما ذهب إليه القاضي هو الصواب أنه لا بد من نية التمتع وليس ظاهر الآية كما قال المؤلف ﵀ كما سنبين إن شاء الله، لكن ما الفرق بين قول القاضي وبين ما ذهب إليه المؤلف؟ الفرق هو أنه لو أن رجلاً أتى بعمرةٍ في أشهر الحج وليس من نيته أن يحج وبقي في مكة حتى جاء الحج فحج فعلى كلام المؤلف يكون متمتعاً يلزمه الهدي وعلى قول القاضي لا يكون متمتعاً فلا يلزمه الهدي لأنه نوى عمرةً مفردة لا ينوي التمتع بها إلى الحج فلا يكون متمتعاً وما قاله القاضي ﵀ هو ظاهر الآية الكريمة لأن الله قال (فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْي) وكلمة تمتع إلى الحج يدل على أن هناك قصداً ونية أنه لما كان قدم مكة في أشهر الحج وكان المتوقع أن يحج لأن هذه أشهر الحج لكنه أتى بالعمرة ليحل منها فيتمتع بها إلى الحج فظاهر الآية مع القاضي ﵀ وهو الصواب. فصلٌ القارئ: وفي وقت وجوبه روايتان إحداهما إذا أحرم بالحج لقول الله تعالى (فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْي) وبإحرام الحج يفعل ذلك فيجب الدم والثانية إذا وقف بعرفة لأن الحج لا يحصل إلا به وهو معرضٌ للفوات قبله فلا يحصل التمتع. الشيخ: الفائدة من هذا أننا إذا قلنا وقته كذا أُعتبر كونه قادراً أو غير قادر في ذلك الوقت فإذا قلنا إن المعتبر الإحرام بالحج وأحرم بالحج يوم الثامن وكان غنياً معه مال ثم سُرق منه المال قبل يوم عرفة فلما كان يوم عرفة لم يكن معه مال فعلى القول بأن المعتبر الإحرام بالحج يلزمه الهدي وعلى القول بأن وقت الوجوب عرفة لا يلزمه وفيه قولٌ ثالث أن المعتبر فجر يوم النحر لأنه هو اليوم الذي يكون به النحر فعلى كل حال على اختلاف الأقوال يعتبر قدرته على الهدي أو عدم قدرته بحسب هذا الاختلاف.

стр. 1377

القارئ: فأما وقت ذبحه فقال أحمد: إن قدم مكة قبل العشر ومعه هديٌ نحره عن عمرته لئلا يضيع أو يموت أو يسرق فإن قدم في العشر لم ينحره حتى ينحره بمنى لأن أصحاب النبي ﷺ قدموا في العشر فلم ينحروا حتى نحروا بمنى فجوَّز النحر قبل إحرامه بالحج لأنه حق مالٍ يتعلق بسببين فجاز تقديمه على أحد سببيه كالزكاة. الشيخ: والصحيح خلاف قول الإمام ﵀ في هذا لأن النبي ﷺ علل عدم تحلله بكونه ساق الهدي فلا يحل حتى ينحر والحكم المعلق بسبب لا يزاد عليه سببٌ آخر أما على رأي المؤلف فالسبب أنه ساق الهدي وأنه قدم بعد دخول العشر وعلى كلام الإمام أحمد إذا ساق الهدي يريد به الحج وقدم قبل العشر فله أن ينحره خوفاً من هذا التعليل الذي ذكره أن يسرق أو يضيع أو ما أشبه ذلك لكنه مما يستغرب عن الإمام أحمد ﵀ لأن ظاهر الحديث هو تعليق الحكم بسوق الهدي سواءٌ قدم بعد دخول العشر أو قبله وكون الصحابة قدموا بعد دخول العشر هذا أمرٌ اتفاقي ليس أمراً قصدياً حتى يعلق به الحكم لكن لو قال أنا لا أريد التمتع أنا أريد العمرة فقط وسقت الهدي للعمرة فهل له أن يذبحه؟ نعم لأنه ما ساقه في الحج. فصلٌ القارئ: فإن لم يجد الهدي فعليه صوم ثلاثة أيامٍ في الحج وسبعةٍ إذا رجع لقول الله تعالى (فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُم) وتعتبر القدرة في موضعه لأنه مؤقت له بدل فاعتبرت قدرته في وقته كالوضوء ووقت صيام الثلاثة قبل يوم النحر لقول الله تعالى (فِي الْحَجِّ) والأفضل أن يكون آخرها يوم عرفة ليحصل صومها أو بعضه بعد إحرام وإن قدًَّمها على ذلك بعد إحرام العمرة جاز لأنه وقتٌ جاز فيه نحر الهدي فجاز فيه الصيام كبعد إحرام الحج ومعنى قوله (فِي الْحَجِّ) أي في وقته.

стр. 1378

الشيخ: إذا لم يجد الهدي ولا ثمنه لأن قول الله تعالى (فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِد) أي لم يجد هدياً ولا ثمنه (فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ) قوله (فِي الْحَجِّ) يفسره حديث ابن عمر وعائشة ﵃ (لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن إلا لمن لا يجد الهدي) وعلى هذا فالاختيار أن يكون صومها في أيام التشريق لأن أيام التشريق أيام حج أما ما ذهب إليه المؤلف بأنه يصوم قبل الحج ويكون آخرها يوم عرفة فهذا خلاف الحديث الصحيح الذي ثبت عن النبي ﷺ أنه لم يصم بعرفة وروي عنه أنه نهى عن صوم يوم عرفة بعرفة لكن الفقهاء ﵏ لما قالوا الأفضل أن يكون يوم عرفة اضطروا إلى أمرٍ آخر وهو أن يقدّم الإحرام بالحج بدلاً من أن يكون اليوم الثامن يجعله في اليوم السابع وهذا أيضاً فيه مخالفه للسنة لأن السنة أن يكون الإحرام بالحج في اليوم الثامن وعلى هذا فنرى أن أفضل أوقاتها هي الأيام الثلاثة أيام التشريق.

стр. 1379

وقوله إن قدمها على الإحرام بالحج وبعد الإحرام بالعمرة فلا بأس هذا حق لأن قوله (فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ) مع قول الرسول ﷺ (دخلت العمرة في الحج) يدل على أنه لا بأس أن يصوم هذه الأيام الثلاثة من بعد إحرامه بالعمرة لكن الغريب من كلام المؤلف ﵀ أنه قال: فإن قدّمه بعد ذلك على إحرام العمرة جاز لأنه وقتٌ جاز فيه نحر الهدي فجاز فيه الصيام كبعد الإحرام بالحج هذا غريب لأن هذا التعليل لا ينطبق على المذهب إذ أن المذهب أن وقت ذبح هدي التمتع من بعد صلاة العيد أو قدرها يعني يوم النحر ولا يجوز أن يقدَّم على يوم النحر لكن فيه خلاف بين العلماء إنما كون المؤلف ﵀ على مذهب الحنابلة الذين يرون أنه لا يجوز أن يقدَّم ذبح هدي التمتع على يوم العيد ثم يجعله علة لجواز تقديم الصيام هذا من الغرائب اللهم إلا أن يكون للمؤلف رأيٌ يوافق مذهب الشافعي وغيره من أهل العلم بأنه يجوز أن يذبح هدي التمتع من حين الإحرام بالعمرة كالصيام والراجح أنه لا يجوز أن يقدم الهدي على يوم العيد لأنه لو كان تقديم الهدي على يوم العيد جائزاً لفعله النبي ﵊ ليطيب قلوب أصحابه يعني لنحَر وحَل. القارئ: ولا يجوز تقديم النحر ولا الصوم قبل إحرام العمرة لأنه تقديمٌ له على سببه فأشبه تقديم الزكاة على النصاب. الشيخ: تقديم الزكاة على النصاب يعني لو أن الإنسان يتوقع أنه سيملك نصاباً وليس بيده الآن إلا نصف نصاب فأخرج الزكاة فإنه لا يجزئه لأن هذا تقديمٌ للشيء على سببه ومثله أيضاً لو قدَّم كفارة اليمين على اليمين فإنه لا يجزئه أما لو قدَّم الزكاة قبل الحول فإنه يجزئه لأنه تقديمٌ للشيء على شرطه دون سببه وكذلك لو قدَّم كفارة اليمين على الحنث بعد اليمين أجزأ أيضاً لأنه تقديمٌ للشيء على شرطه بعد سببه وقد أشرنا إلى هذا في منظومة قواعد الفقه.

стр. 1380

القارئ: ويصوم السبعة إذا رجع إلى أهله للآية ولما روى ابن عمر أن النبي ﷺ قال (فمن لم يجد فليصم ثلاثة أيامٍ في الحج وسبعةً إذا رجع إلى أهله) متفقٌ عليه فإن صامها بعد حجه بمكة أو في طريقه جاز لأنه صومٌ واجبٌ جاز تأخيره في حق من يصح منه الصوم فجاز تقديمه كرمضان في حق المسافر. الشيخ: يعني كما يجوز للمسافر أن يصوم في رمضان ولا يؤخره للقضاء فهذا يجوز لكن أيضاً القياس فيه نظر لأن صوم المسافر في رمضان صومٌ في وقته الأصلي وتقديم صوم المتعة تقديمٌ في غير وقته الأصلي لأن وقته الأصلي إذا رجع إلى أهله فلذلك لا يصح القياس وهذا القياس وأشباهه مما يرد علينا كثيراً في كلام المؤلف يسمى قياس الشبه وهو ضعيف جداً في الأقيسة لأنه ليس قياس علة ولا قياس دلالة فهو ضعيف لكن إذا قيل ما هي العلة في جواز التقديم. يقال العلة في جواز التقديم والله أعلم أن الله تعالى إنما أوجب السبعة عند الرجوع لأنه في السفر قد يحتاج إلى الفطر كما رخص له في الفطر في رمضان فإذا قدمه فلا حرج لأن تأخيره إلى الرجوع إلى أهله رخصة وإلا فالأصل أن يبادر لأن الكفارة واجبة في الذمة فالأصل المبادرة. على أن بعض العلماء قال (إِذَا رَجَعْتُمْ) أي من الحج لقوله (صِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ) أي من الحج ولكن الصحابة أعلم منا بمراد الله حيث فسروه بأن المعنى إذا رجعتم إذا رجع إلى أهله.

стр. 1381

القارئ: ولا يجب التتابع في شيءٍ من صوم المتعة لأن الأمر به مطلق فلم يجب التتابع فيه كقضاء رمضان فإن لم يصم الثلاثة قبل يوم النحر صام أيام منى في إحدى الروايتين لقول ابن عمر وعائشة ﵃ (لم يرخص في صوم أيام التشريق إلا للمتمتع إذا لم يجد الهدي) والثانية لا يصومها لنهي النبي ﷺ عن صوم أيام التشريق ويصوم بعد ذلك عشرة أيام وهل يلزمه لتأخيره دم؟ فيه روايتان إحداهما يلزمه لأنه أخر الواجب من المناسك عن وقته فلزمه دمٌ كتأخير الجمار والثانية لا يلزمه دم لأنه صومٌ واجبٌ يجب القضاء بفواته فلم يجب عليه بفواته كفارةٌ كصوم رمضان وقال القاضي: إن أخره لغير عذرٍ لتفريطه لزمه وإن أخره لعذرٍ لم يلزمه. الشيخ: إذاً الأقوال ثلاثة أنه يلزمه دم مطلقاً، والثاني لا يلزمه مطلقاً، والثالث التفصيل إن كان أخره لعذر لم يلزمه شيء وإلا لزمه ولكن قد يقول قائل الرجل إنما صام لأنه لا يجد الهدي فكيف تلزمونه بدم؟ الجواب أنه يبقى في ذمته أو يقال على ما سيأتي أن من لم يجد الدم الواجب لترك واجب فعليه صيام عشرة أيام فعلى هذا التقدير يلزمه أن يصوم عشرين يوماً والصحيح أنه إذا أخرها لعذر فلا شيء عليه كما لو أخر رمضان عن وقته وإذا أخرها لغير عذرٍ فهو آثم. القارئ: وإن أخر الهدي الواجب لعذرٍ من ضياع نفقةٍ ونحوها فليس عليه إلا قضاؤه كسائر الهدي الواجب وإن أخره لغير عذرٍ ففيه روايتان إحداهما لا يلزمه إلا قضاؤه لذلك، والثانية عليه هديٌ آخر لما روي عن ابن عباسٍ أنه قال (من تمتع فلم يهد إلى قابل يهدي هديين) ولأنه من نسكٍ مؤقتٍ فوجب بتأخيره دمٌ كالرمي. فصلٌ

стр. 1382

القارئ: ومن دخل في الصوم ثم قدر على الهدي لم يلزمه الانتقال إليه لأنه صومٌ شرع فيه لعدم الهدي فلم يلزمه الانتقال عنه كصوم السبعة وله الانتقال عنه كصوم السبعة وله الانتقال إليه لأنه الأصل وهو أكمل وإن وجب عليه الصوم فلم يشرع فيه حتى قدر على الهدي ففيه روايتان إحداهما لا يلزمه الهدي لأن الصوم استقر عليه أشبه الشارع فيه والثانية يلزمه لأنه وجد المبدل قبل شروعه في البدل أشبه الواجد له حال الوجوب. الشيخ: والظاهر أنه لا يلزمه الانتقال إلى الهدي بعد استقرار الصوم لكن في الغالب أنه أيسر له من الصيام لأنه تبرأ به ذمته حالاً وهو واجد غني فأما إذا شرع في الصوم مثل أن يكون صام الأيام الثلاثة قبل أن يخرج إلى عرفة ثم رزقه الله مالاً بعد ذلك فإنه لا يلزمه أن ينتقل لأنه شرع في البدل. فصلٌ القارئ: ويجب على القارن دم لأنه يروى عن ابن مسعودٍ وابن عمر ﵄ ولأن القران نوع تمتعٍ فيدخل في عموم الآية ولأنه ترفه بترك أحد السفرين فلزمه دمٌ كالمتمتع ويشترط ألا يكون من حاضري المسجد وحكمه حكم دم المتعة فيما ذكرنا. الشيخ: هذا هو الذي عليه جمهور العلماء أن القارن عليه هدي مثل المتمتع وذهب بعض أهل العلم إلى أنه ليس عليه هدي لأنه يخالف المتمتع بأن المتمتع تمتع بحلٍّ بين العمرة والحج فلزمه الهدي شكراً لله على ذلك وأما القارن فلم يحصل له هذا وهذا هو ظاهر الآية لأن الله قال (فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَج) ولم يقل فمن تمتع بالعمرة والحج وكلمة إلى تدل على الغاية والغاية لها طرفان ابتدائي ونهائي وهذا يدل على أن الهدي إنما يلزم المتمتع الذي حلَّ بين العمرة والحج وأما القارن فلا يلزمه لكن من قاسه على المتمتع فأرجو ألا يكون في قياسه خلل لأن هذا الرجل تمتع بسقوط أحد السفرين عنه. فصلٌ

стр. 1383

القارئ: وإذا حاضت المتمتعة قبل الطواف للعمرة فخشيت فوات الحج أو خشي ذلك غيرها أحرم بالحج مع العمرة وصار قارناً لحديث عائشة ولأنه يجوز إدخال الحج على العمرة لغير عذرٍ فمع خشية الفوات أولى. الشيخ: لكن نقول إنه في هذا الحال إذا كان هذا فرضه وجب عليه أن يدخل الحج على العمرة لئلا يفوته الحج وعلى هذا فالفائدة من هذا الفصل هو أنه إذا كان الذي أحرم بالعمرة يخشى فوات الحج وهذا هو فرضه فإنه يجب عليه أن يدخل الحج على العمرة ويصير قارناً أما إذا لم يكن هذا فرضه فإنه شاء بقي على عمرته ولو فاته الحج لأنه تطوع. فصلٌ القارئ: وتجزئ عمرة القارن وعمرة المفرد من أدنى الحل عن عمرة الإسلام وعنه لا تجزئان لقول النبي ﵇ لعائشة لما أعمرها أخوها: (هذه مكان عمرتك) والصحيح الأول لقول الصُبي بن معبد لعمر إني وجدت الحج والعمرة مكتوبين علي فأهللت بهما. يعني أهللت بالمكتوبتين فقال عمر: هديت لسنة نبيك. ولأنها عمرةٌ صحيحةٌ فكانت مجزئةً كعمرة المتمتع والمكي ولأن الحج مع تأكيده يجزئ الإحرام به من مكة فالعمرة من أدنى الحلّ أولى وأما حديث عائشة فهو حجةٌ على إجزاء إحدى العمرتين المختلف فيهما ولا حجة فيه على عدم الإجزاء في الأخرى لأنه إنما أعمرها من التنعيم تطيّيباً لقلبها لما سألته ذلك ولم يبدأها به. الشيخ: هذا صحيح ووجه ذلك أن الرسول ﵊ قال: (طوافك بالبيت وبالصفا والمروة يسعك لحجتك وعمرتك) فدل هذا على أن العمرة الأولى صحيحة وباقية لكن قال (هذه مكان عمرتك) تطييباً لقلبها لأنها قالت: يا رسول الله ينصرف الناس بحجةٍ وعمرة وانصرف بحج ومرادها بذلك العمرة المستقلة وأما العمرة التي دخلت في الحج وصارت بها قارنة فهذا ليس مرادها. السائل: ما هو الراجح في مسألة تأخير هدي التمتع؟ الشيخ: الصحيح أنه من أخَّره لعذر يذبحه متى ذكر كالصلاة المفروضة وليس عليه أن يذبح هديين.

стр. 1384

الشيخ: سبق معنا في مسألة وقت ذبح هدي التمتع أنه لا يجوز تقديمه على يوم النحر وأما الصوم فيجوز تقديمه من حين الإحرام بالعمرة فيه قولٌ ثاني في الهدي وهو ظاهر تعليل الموفق ﵀ وهو مذهب الشافعي أنه يجوز تقديم الهدي على يوم النحر كالصوم وقد استحسنه بعض العلماء المعاصرين لئلا يضيع اللحم في أيام منى وأفتى بذلك استحساناً وهذا حسن لا شك لكن يعكر عليه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: (إن معي الهدي فلا أحل حتى أنحر) ولو كان النحر جائزاً لنحر ليحل وتطيب نفوس أصحابه وإلا فالقول هذا جيد لولا النص والإنسان مأمور باتباع النص والحسن ما دل عليه النص ولعل الحكمة من ذلك والله أعلم ليتحقق كون يوم النحر يوم نحر ويتحقق كون أيام التشريق أيام أكلٍ وشربٍ وذكرٍ لله . فصلٌ القارئ: ويسن للمحرم التلبية لأن النبي ﷺ لبى ورفع صوته وأمر برفع الصوت بها وصفتها لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك. لما روى ابن عمر أن هذه تلبية رسول الله ﷺ متفقٌ عليه.

стр. 1385

الشيخ: لبيك يعني إجابة وإقامة تتضمن المعنيين لأنها من ألب بالمكان إذا أقام فيه ومن لبى الشخص إذا أجاب دعاءه فهي من المعنيين وثنيت لمطلق التكرار وليس لقصد حقيقة التثنية والإنسان يلبي ربه في كل طاعةٍ يعملها لو سئلت لم توضأت؟ قلت إجابةً لله فلا حصر للتلبية بمرتين فهي مثناهٌ يقصد بها مطلق التكرار ونظيره قوله تعالى (فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (٣) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ) ليس المراد مرتين فقط بل مطلق التكرار وقوله (لبيك اللهم لبيك) أي يا الله (لبيك) تأكيد (لبيك لا شريك لك) فهذا فيه تحقيق الإخلاص لأن نفي الشريك أو نفي الشركة لتحقيق الإخلاص وهذا من النفي المتضمن للإثبات فليس نفياً محضاً أيضاً بل هو نفي يتضمن الإخلاص (إن الحمد والنعمة لك) يروى إن الحمد ويروى أن الحمد والكسر أحسن لأنه أعم وأشمل إذ لو قلت لبيك أن الحمد لقيدت التلبية بكون الحمد له يعني لأن له الحمد فإذا كسرت صارت الجملة استئنافية فتكون أعم والمعنى إن الحمد والنعمة لك في كل حال سواءٌ لبيتك أو لم ألبك (إن الحمد والنعمة لك والملك) الحمد وصفُ المحمود بالكمال والنعمة الفضل والله يحمد على ما له من صفات الكمال وما له من الفضل والإنعام والملك بالضم أو بالنصب يجوز الوجهان لأن إن استكملت العمل في قوله لك وقد قال ابن مالك: وجائزٌ رفعك معطوفاً على ... منصوب إن بعد أن تستكملا فيجوز والملكُ بالضم ويجوز الملكَ بالنصب فعلى النصب تكون معطوفة على اسم إن وعلى الرفع تكون مبتدأ والخبر محذوف والتقدير والملك لك (ولا شريك لك) تأكيد للإخلاص وقول المؤلف إنها سنة هذا أحد الأقوال في المسألة وهناك قول آخر أنها واجب تجبر بدم وهناك قول ثالث أنها ركنٌ لا ينعقد الإحرام إلا بها كتكبيرة الإحرام والأقرب والله أعلم أنها سنةٌ مؤكدة ورفع الصوت بها كذلك لكن للرجال فقط أما النساء فلسن ممن يطلب منهن رفع الصوت.

стр. 1386

القارئ: وتجوز الزيادة عليها لأن عمر زاد لبيك ذا النعماء والفضل الحسن لبيك مرهوباً ومرغوباً إليك لبيك وزاد ابنه لبيك وسعديك والخير بيديك لبيك والرغبة إليك والعمل وزاد أنس لبيك حقاً حقاً تعبداً ورقاً وسمعهم النبي ﷺ فلم ينكر ولا تستحب الزيادة لاقتصار النبي ﷺ عنها. الشيخ: لعله والله أعلم أراد المؤلف لعدم زيادة النبي ﷺ عنها لكن سها وهذا من المسائل التي كنت أقررها واستنكرها بعض الناس وهو جواز الشيء دون مشروعيته فهنا المؤلف يقول يجوز الزيادة والصحابة أيضاً استعملوها زادوا لكن مع ذلك لا تستحب هذه الزيادة مع أن الرسول أقرها وقررنا هذه القاعدة وذكرنا لها أمثلة منها قصة الرجل الذي بعثه النبي ﷺ في سرية فكان إذا قرأ يختم بقل هو الله أحد فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولم ينكر عليه لكن هل شرع ذلك للأمة؟ لا، لا بقوله ولا بفعله. ومنها قصة سعد بن عبادة في استئذانه أن يجعل مخرافه صدقة لأمه فأذن له لكن هل شرع للأمة أن يتصدق الإنسان عن أمه بعد موتها؟ لا وكذلك أيضاً الرجل الذي قال إن أمي افتلتت نفسها ولو تكلمت لتصدقت أفأتصدق عنها. قال نعم ولكن لم يشرع ذلك للأمة. أيضاً هذه التلبية كان لا يزيد على التلبية التي يلبي بها ويسمع أصحابه يزيدون ولم ينكر عليهم ولكن هل يشرع أن نزيد كما زادوا أو أن نقتصر كما قال الرسول؟ الثاني بلا شك لأن الرسول هو الأصل في الأسوة. القارئ: قال جابر (وأهلّ الناس بهذا الذي يهلون ولزم رسول الله ﷺ تلبيته) رواه مسلم ويستحب أن يصلي على النبي ﷺ بعدها لأنه موضعٌ شرع فيه ذكر الله تعالى فشرع فيه ذكر رسوله كالأذان.

стр. 1387

الشيخ: هذا قياسٌ غير صحيح هل كل ما شرع فيه ذكر الله يشرع فيه ذكر الرسول؟ لا بل في بعض المواضع يكره ذكر الرسول عند الذبح تقول باسم الله ويكره أن تصلي على الرسول ﵊ عند الوضوء تقول بسم الله ولا تقول اللهم صل على محمد قياس الشبه ضعيف جداً، ومعناه إذا شابه الشيء الآخر ولو في صورة واحدة جعله قياساً مطرداً وهذا فيه نظر لكن ورد في حديث فيه نظر أنه يصلى بعد التلبية على النبي ﷺ . القارئ: ثم يسأل الله الجنة ويستعيذ من النار. الشيخ: هذا أيضاً ورد فيه حديث لكن في صحته نظر. القارئ: ويستحب ذكر إحرامه في تلبيته لقول أنس سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لبيك عمرةً وحجة) متفقٌ عليه، وقول ابن عباس قدم رسول الله ﷺ وأصحابه وهم يلبون بالحج قال أحمد إذا لبى القارن بهما بدأ بالعمرة لحديث أنس وقال أبو الخطاب لا يستحب ذكر الإحرام فيها. الشيخ: والصحيح أنه يستحب أن يذكر إحرامه وأن يقول لبيك اللهم حجاً إن كان مفرداً لبيك اللهم عمرة إن كان متمتعاً لبيك اللهم عمرةً وحجاً إن كان قارناً إظهاراً لشعائر الله وليس هذا من باب الرياء وإنما هو من باب التأسي برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. مسألة: هل لنا أن نزيد نحن أيضاً على التلبية؟ إن قلنا بالسعة وقلنا ما دام الرسول أقر جنس الزيادة فليزد الإنسان ما شاء بشرط أن لا يكون فيه معارضة لنص إما مثلاً شرك أو ما أشبه ذلك وإن قلنا بأن لا نزيد على ما أقر الرسول ﷺ والصحابة عليه فهو أحسن وهو أولى والأولى بلا شك الاقتصار على تلبية الرسول ﷺ لكن قد روى الإمام أحمد بسندٍ صحيح أنه كان يقول (لبيك إله الحق) أعني النبي ﷺ فإذا زاد هذه الكلمة أحياناً فهو طيب. فصلٌ

стр. 1388

القارئ: ويستحب البداءة بالتلبية إذا ركب راحلته لقول ابن عباسٍ أوجب رسول الله ﷺ الإحرام حين فرغ من صلاته فلما ركب راحلته واستوت به قائمةً أهلّ أي لبى ويستحب رفع الصوت بها لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: (أتاني جبريل فأمرني أن آمر أصحابي أن يرفعوا أصواتهم بالإهلال) حديثٌ صحيح ولا يجهد نفسه في ذلك لئلا ينقطع صوته فتنقطع تلبيته. الشيخ: هذا تعليل لا بأس به لكن هناك دليل أصح أن الرسول ﵊ لما رفع الصحابة أصواتهم بالذكر قال (أيها الناس اربعوا على أنفسكم) أي ارفقوا بها وليت المؤلف استدل بذلك وعلى هذا فقول جابر كنا نصرخ بها صراخاً يعني من غير مشقة وكلفة. القارئ: ولا ترفع المرأة صوتها إلا بقدر ما تسمع رفيقتها لأنها يخاف الافتتان بها ويستحب الإكثار منها لأنها ذكر. الشيخ: العلماء ﵏ هم المربون حقيقة يعني المرأة لا تجهر ولا بالذكر فالذي تتعبد به لله وتتقرب إليه خوفاً من الفتنة فما بالك بالنساء اليوم! ترفع المرأة صوتها حتى بغير الذكر مع أن الفتنة في الوقت الحاضر أشد من الفتنة في عهد الصحابة بلا شك ولهذا ينبغي لنا أن نبين للنساء أن المرأة وإن لم يكن صوتها عورة على القول الراجح لكن المشروع في حقها أن تخفض الصوت في كل مجالات الكلام إلا إذا لم يكن عندها إلا نساء مثل أن تقوم بخطبة أو موعظة في سطة النساء فهذا لا شك أنه جائز.

стр. 1389

القارئ: ولأنه يروى عن رسول الله ﷺ أنه قال: (ما من مسلمٍ يضحي لله يلبي حتى تغيب الشمس إلا غابت بذنوبه فعاد كما ولدته أمه) رواه ابن ماجة ويتأكد استحبابها في ثمانية مواضع إذا علا نَشَزاً أو هبط وادياً أو تلبَّس بمحظورٍ ناسياً وفي دبر الصلوات المكتوبات وإذا التقت الرفاق وفي إقبال الليل والنهار وبالأسحار لأن النخعي قال: كانوا يستحبون التلبية دبر الصلوات المكتوبة وإذا هبط وادياً وإذا علا نشزاً وإذا لقي راكباً وإذا استوت به راحلته ولأن في هذه المواضع ترتفع الأصوات ويكثر الضجيج وقد قال النبي ﷺ : (أفضل الحج العج والثج) وهو حديثٌ غريب والعج: رفع الصوت، والثج: إسالة الدماء، وحكم التلبية دبر الصلوات حكم التكبير في أيام عيد النحر وتجزئ التلبية مرة واحدةً لعدم الأثر في تكرارها ولا بأس بالزيادة لأنها زيادة ذكرٍ وتستحب التلبية في المسجد الحرام ومنى وسائر مساجد الحرم وبقاعه لأنها مواضع النسك ولا يستحب إظهارها في مساجد الحل وأمصاره لما روي عن ابن عباسٍ أنه سمع رجلاً يلبي بالمدينة فقال إن هذا لمجنون إنما التلبية إذا برزت. الشيخ: وقال شيخ الإسلام ﵀ إن التلبية إنما تكون للسائر الماشي وأما الماكث فلا يلبي وذلك لأن التلبية إجابة دعوة والنازل القاعد لم يتحرك حتى يقال إنه مجيبٌ للدعوة وقال إنه لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه لبى وهو مقيم بعرفة أو مزدلفة أو منى إنما كان يلبي في حال سيره لكن قد ثبت عن النبي ﷺ أنه لم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة فمن أخذ بهذا العموم قال إنه يلبي في حال سيره وفي حال إقامته وهذا هو ظاهر كلام المؤلف. السائل: ما حكم المتمتع الذي ليس معه هدي ولم يتمكن من الصيام في الحج؟ الشيخ: يصومها إذا رجع ثلاثاً وسبعاً فتكون عشرة.

стр. 1390

باب محظورات الإحرام القارئ: وهي تسعة أحدها الجماع لقول الله تعالى (فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجّ) قال ابن عباس الرفث: الجماع، وتحرم المباشرة فيما دون الفرج لشهوة لأنه محرمٌ للوطء فحرم المباشرة لشهوةٍ كالصيام ويحرم عليه النظر لشهوة لأنه نوع استمتاع فأشبه المباشرة. الشيخ: قوله باب محظورات الإحرام تكتب بالظاء المشالة لأنها من الحظر وهو المنع ومحظورات الإحرام ممنوعاته وهو من باب إضافة الشيء إلى سببه يعني المحظورات التي سببها الإحرام. وقوله إنها تسعة إذا قال قائل ما هو الدليل؟ قلنا الدليل على ذلك هو التتبع والاستقراء وهذا شيءٌ معروف عند الفقهاء ﵏ فإن قيل لماذا هذا الحصر في المحظورات؟ قلنا لأن السنة جاءت بمثل ذلك فقال النبي ﷺ : (ثلاثةٌ لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذابٌ أليم: المسبل والمنان والمنفق سلعته بالحلف الكاذب) فحصر وعدّد وبيّن وقال ﷺ (سبعةٌ يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله) وذكر الحديث، وهذا أيضاً حصرٌ فهذا مما جاء أصله في السنة والعلماء ﵏ ذكروا ذلك لتقريب العلم لطالب العلم ولا شك أن هذا يقرب لأننا لو قلنا لطالب العلم المبتدئ ابحث أنت في الكتاب والسنة في المحظورات لأمضى أوقاتاً كثيرة وربما لا يستطيع استيعابها فهذا من نعمة الله وتيسيره لعباده أن يسر علماء ثقات يذكرون هذه الأشياء ويبينونها للناس. أولها الجماع وهو أعظمها لما يتبين مما يترتب عليه ودليل ذلك قوله تعالى (فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجّ) والرفث فسره ابن عباس ﵄ وهو من أعلم الأمة بالتفسير بأنه الجماع.

стр. 1391

أما مقدماته فقال إنها تحرم أيضاً المباشرة فيما دون الفرج لشهوة لأنه محرّمٌ للوطء لأنه أي الإحرام محرّم للوطء فحرم المباشرة لشهوةٍ كالصيام وكذلك يحرم عليه النظر لشهوة ولو ممن يحل النظر إليها وعلل ذلك بأنه نوع استمتاع وهو أيضاً ذريعة إلى ما فوقه من مباشرة والمباشرة مع كونها استمتاعاً ذريعةً إلى ما فوقها من الجماع. القارئ: الثاني عقد النكاح لا يجوز للمحرم أن يعقده لنفسه ولا لغيره ولا يجوز عقده لمحرمٍ ولا على محرمة لما روى عثمان بن عفان أن النبي ﷺ قال: (لا ينكح المحرم ولا ينكح ولا يخطب) رواه مسلم ولأن الإحرام يحرّم الطيب فحرم النكاح كالعدة. الشيخ: هذا قياس غريب عندنا دليل عن الرسول ﵊ وهو أنه نهى أن ينكح المحرم أو ينكح أو يخطب. فحرم كل ذريعةٍ يمكن أن توصل إلى الاستمتاع ثم إن الإنسان إذا نكح وهو محرم أين يكون قلبه؟ عند أهله يتلهى بذلك عن تكميل النسك وينشغل عن ذكر الله فلهذا سُد الباب وأيضاً الخِطبة بكسر الخاء حرام يحرم على المحرم أن يخطب امرأة. القارئ: وإن فعل فالنكاح باطل لأن النهي يقتضي فساد المنهي عنه. الشيخ: هذه قاعدة مهمة النهي يقتضي فساد المنهي عنه. القارئ: ولا بأس بالرجعة لأنها إمساكٌ للزوجة بدليل قول الله تعالى (فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ) ولأنها تجوز بغير وليٍ ولا شهود ولا إذنها فلم تحرم كإمساكها بترك الطلاق. الشيخ: معناه قاس الرجعة التي هي رد الزوجة بعد طلاقها على من لم تطلق وعلى كل حال كما قلت لكم من قبل أن غالب قياساته ﵀ في هذا الباب كلها من قياس الشبه الضعيف لكن لا بأس بالرجعة لأنها ليست نكاحاً والأصل فيما لم ينه عنه الحلّ ولهذا أخذوا من هذا قاعدة أن الاستدامة أقوى من الابتداء وهذا صحيح والرجعة استدامة والطيب سبق أنه يسن عند الإحرام ولو بقي بعده وتجديد الطيب بعد الإحرام محرم.

стр. 1392

القارئ: وعنه لا يحل لأنه عقدٌ لإباحة البضع أشبه النكاح. الشيخ: هذه الرواية ضعيفة أنها لا تحل مراجعتها في الإحرام والتعليل بأنها عقد غير صحيح أيضاً لأن العقد لا بد أن يكون بين متعاقدين والرجعة ليست كذلك الرجعة من الزوج فقط، يقول راجعت زوجتي سواءٌ رضيت أم لم ترض. القارئ: ويجوز أن يشهد في النكاح لأن العقد الإيجاب والقبول وليس للشاهد فيهما شيء. الشيخ: صحيح. القارئ: وتكره الخطبة للمحرم وخِطبة المحرمة للخبر. الشيخ: ومقتضى قوله للخبر أن تكون محرمة لأن الحديث واحد (لا ينكح المحرم ولا ينكح ولا يخطب) فكيف نوزعه ونقول النهي في الجملتين الأوليين للتحريم وفي الثالثة للكراهة الصواب أنها حرام فإن قال قائل اشتغال الإنسان بعد عقد النكاح أشد تعلقاً بالمرأة من الخطبة قلنا أيضاً انشغال الإنسان في الخطبة قد يكون أشد لأن الذي عقد استراح لكن الذي خطب دون أن يعلم ماذا كان ربما ينشغل هل أطاعوا هل عصوا، ماذا يريدون وما أشبه ذلك وربما يتردد عليهم فالصواب أن خطبة المحرم حرام. القارئ: ولا يجب بالتزويج فدية لأنه عقدٌ فسد بالإحرام فأشبه شراء الصيد. الشيخ: شراء الصيد لم يحرَّم والمحرم قتل الصيد كما في الآية الكريمة لا شراؤه ولا تملكه وأما قوله لا يجب بالتزويج فدية فنحن معه لأنه لم يذكر فيه فدية والأصل براءة الذمة لكن سيأتينا أنهم أوجبوا في لبس المخيط وفي الطيب الفدية وعللوا ذلك بأنه للترفه وأظن أن ترفه الإنسان بعقد النكاح له لا سيما إذا كان شاباً أبلغ من أن يلبس ثوباً وهو عليه إزار ورداء ولذلك هذا الشاب الذي عقد له النكاح على امرأةٍ كان يرغبها ربما يرى أنه يمشى على الهواء وليس على الأرض من شدة الفرح على كل حال نحن معهم في أنها لا تجب الفدية لأن الأصل براءة الذمة ولو أننا طردنا هذا في جميع المحظورات إلا ما جاء النص به لكان هذا جيداً.

стр. 1393

القارئ: الثالث قطع الشعر لقول الله تعالى (وَلا تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ) نصَّ على حلق الرأس وقسنا عليه سائر شعر البدن لأنه يتنظف ويترفه به فأشبه حلق الرأس وقص الشعر وقطعه ونتفه كحلقه ولا يحرم عليه حلق شعر الحلال لأنه لا يترفه بذلك. الشيخ: الدليل الآن أخص من المدلول ولا يستدل بالأخص على الأعم والعكس صحيح يعني يستدل بالأعم على الأخص ولهذا قلنا العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب لكن الاستدلال بالأخص على الأعم هذا فيه نظر لكن إذا قيل يقاس هذا على هذا ننظر هل تمت أركان القياس وشروطه فنقبله أم لم تتم فإننا لا نقبله فالمنصوص عليه من الشعر الذي لا يحلق هو الرأس، أما غير الرأس كالشارب والإبط والعانة هل يلحق بالرأس؟ قد يقال لا يصح القياس أولاً أن شعر الرأس ليس مما يطلب إزالته بل قال بعض أهل العلم إن شعر الرأس مما يطلب إبقاؤه بخلاف الشعور الأخرى فإنها مما يطلب إزالتها فربما يكون قد نسي أن يتنظف بحلق هذه الشعور وإزالتها ثم يذكر وهو محرم فيحتاج إلى ذلك وإن كان ليس ضرورة. ثانياً أن حلق الرأس إنما حرّم لأنه يتعلق به نسك وهو التحلل لأنه لن يتحلل إلا بحلق أو تقصير وأما الشعور الأخرى فلا يتعلق بها التحلل يتحلل الإنسان بدون أن يزيلها ولهذا ذهب أهل الظاهر إلى أن المحرم إنما هو حلق الرأس فقط دون غيره من الشعور بقي أن يقال هل قص الشعر كحلقه؟ الجواب نعم لا شك أن قصه كحلقه وأننا إذا قلنا لا يحرم إلا الحلق فهذه ظاهريةٌ محضة ليس لها حظٌ من النظر وذلك لأن التقصير أيضاً نسك فلا يقصر الإنسان ولا يأتي بهذا النسك قبل أن يحل منه.

стр. 1394

القارئ: وإن خرج في عينيه شعرٌ أو استرسل شعر حاجبيه فغطى عينيه فله إزالته ولا فدية عليه لأن الشعر آذاه فكان له دفع أذاه من غير فديةٍ كالصيد، وإن كان الأذى من غير الشعر كالقمل فيه والقروح برأسه أو صداعٍ أو شدة الحر عليه لكثرة شعره فله إزالته وعليه الفدية لما نذكره ولأنه فعل المحرم لدفع ضرر غيره فلزمته الفدية كما لو قتل الصيد لمجاعةٍ بخلاف من آذاه الشعر. الشيخ: نعم هذا أيضاً صحيح يعني لو نزل في عينيه شعر وقلنا بتحريم إزالة الشعر من غير الرأس ونزل بعينيه فلا بأس أن يزيله لأن ذلك لدفع أذاه كالصائل عليه كما أن الصيد وهو مؤكدٌ تحريمه إذا صال عليك ولم يندفع إلا بالقتل فلك قتله ومثل ذلك لو نزل شعر الحاجب وكان كثيرا يغطي نظره فله أن يقص منه ما يدفع به الأذى عن نفسه وأما إذا أزال الشعر لدفع أذى غيره مثل أن يكون في الرأس قمل يستظل بهذا الشعر وأراد أن يحلق الرأس من أجل أن يذهب القمل فعليه الفدية وهذا نص القرآن قال الله تعالى (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ) وحديث كعب ين عجرة يفسر ذلك حيث جيئ به محمولاً إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يوم الحديبية والقمل يتناثر على وجهه من المرض والوسخ فقال: ما كنت أرى الوجع بلغ بك ما أرى، ثم أمره أن يحلق رأسه ويفدي لأن هنا إنما أتلفنا الشعر لدفع أذى غيره به ومن هنا أخذ ابن رجب ﵀ قاعدة في قواعد الفقه من أتلف شيئاً لدفع أذاه لم يضمنه وإن أتلفه لدفع أذاه به ضمنه مثال رجل صالت عليه شاة ولم تندفع إلا بالقتل فقتلها لا يضمنها وآخر جاع واضطر إلى ذبح الشاة وهي لغيره وأكلها يضمن فالأولى أتلفها لدفع أذاها والثانية لدفع أذى غيرها أي لدفع أذاه بها.

стр. 1395

القدر الذي يوجب الفدية من حلق الشعر فيه خلاف بعض العلماء يقول إن قطع شعرة فعليه إطعام مسكين وإن قطع شعرتين فإطعام مسكينين وإن قطع ثلاث شعرات فدم يعني دم أو إطعام ستة مساكين أو صيام ثلاثة أيام ولكن هذا القول ضعيف لأن قطع ثلاث شعرات ليس حلقاً ولا تقصيراً أيضاً ولهذا يلزم من قال إن الفدية في ثلاث شعرات أن يقول إن ثلاث شعرات تجزئ في التقصير لكن الصحيح خلاف ذلك وأنه لا تلزمه الفدية في مثل هذا بقي علينا إذا حلقه لحاجة ولكنه لم يستوعب الرأس ولم يحلق إلا جزءاً يسيراً منه مثل أن يحلق محلات محل المحاجم فهل عليه فدية؟ المذهب أن عليه فدية لأنه حلق جزءاً من رأسه بيناً واضحاً فعليه فدية وقال شيخ الإسلام لا فدية عليه وهو الصحيح لأن النبي ﷺ احتجم في رأسه وهو محرم وبالضرورة سيحلق محل المحاجم ولم ينقل أنه فدى والله علق الفدية بحلق الرأس كله (وَلا تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ) وعلى هذا فحلق شعر الرأس إن كان جميعه فعليه الفدية وإن كان بعضه لحاجة فهو مباح ولا فدية عليه وإن كان بعضه لغير حاجة فهو حرام ولا فدية عليه وإن كان شعرة أو شعرتين فهذا ليس فيه شيء إطلاقاً هذا هو القول الراجح في هذه المسألة. القارئ: الرابع تقليم الأظفار يحرم لأنه جزءٌ ينمي ويترفه بإزالته أشبه الشعر وإن انكسر ظفره فله إزالته ولا فدية عليه كالشعر المؤذي وإن قصَّ أكثر مما انكسر فعليه فدية وإن احتاج إلى مداواة قرحة لا يمكنه مداواتها إلا بقص ظفره فعل وعليه الفدية كحالق الرأس دفعاً لأذى قمله.

стр. 1396

الشيخ: الرابع تقليم الأظفار الدليل الترفه فهل الترفه مما نيط به الحكم إن كان كذلك قلنا لا تركب سيارةً مكيفة ولا تغتسل بصابون ولا تغسل وسخ ثوبك ولا وسخ بدنك إذ كل هذا ترفه ولا تنزل بخيمة مكيفة ولا تستعمل المروحة باليد لأن كل هذا ترفه ولا تأكل لحم الدجاج لأنه ترفه فيما سبق على كل حال نقول من قال إن العلة هو الترفه يعني ليس عندنا دليل على تحريم قطع شيءٍ من البدن إلا قوله (وَلا تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ) وقد علمتم أن التعليل الواضح من ذلك هو أن الشعر يتعلق به التحلل فهو نسك ولهذا قياس الظفر على الشعر أضعف من قياس بقية الشعر على شعر الرأس وليس هناك دليل يدل على تحريم قطع الأظفار للمحرم ولا على وجوب الفدية فيها أيضاً لكن على ما قال الفقهاء أو جمهور الفقهاء يقولون إنه حرام يحرم على المحرم أن يقص أظفاره فإذا فعل فعليه الفدية لكن في الظفر إطعام مسكين والاثنان إطعام مسكينين والثلاثة دم ومع ذلك فالدم هذا دم تخيير بينه وبين إطعام ستة مساكين أو صيام ثلاثة أيام فإن انكسر ظفره وآذاه يقص هذا المنكسر فقط الذي يندفع بقصه الأذى ولا شيء عليه لأنه أتلفه لدفع أذى إن كان فيه قرحة كما قال المؤلف تحتاج إلى قص الظفر فقص الظفر من أجل مداواة هذه القرحة جائز للحاجة إلى ذلك ولكن عليه الفدية وهذا مبنيٌ على أن قص الظفر فيه الفدية أما على القول الثاني فلا فدية الراجح عندي عدم التحريم وعدم وجوبه لكني لا أفتي بذلك خوفاً من تهاون الناس، الناس الآن يحترمون الإحرام احتراماً بالغاً ولو قلنا هذا شيء فيه حلال تهاونوا فيه أكثر والإنسان ينظر إلى ما يترتب على الفتوى من آثار وما دمنا لم نرتكب شططاً في هذا الأمر غاية ما هنالك أن الناس يتجنبون قص الأظفار ولو جاءوا وسئلوا بعد أن قصوا الأظفار لقلنا لا شيء عليهم.

стр. 1397

القارئ: الخامس لبس المخيط يحرم عليه لبس كل ما عمل للبدن على قدره أو قدر عضوٍ منه كالقميص والبرنس والسراويل والخف، لما روى ابن عمر ﵁ أن رجلاً قال (يا رسول الله ما يلبس المحرم من الثياب قال رسول الله ﷺ : لا يلبسن القميص ولا العمائم ولا السراويلات ولا البرانس ولا الخفاف إلا أحداً لا يجد نعلين فليلبس الخفين وليقطعهما أسفل من الكعبين ولا يلبس من الثياب شيئاً مسه زعفران أو ورس) متفقٌ عليه.

стр. 1398

الشيخ: الخامس لبس المخيط وهذه العبارة لم ترد لا في القرآن ولا في السنة وإنما قيل أول من تكلم بها فقيه التابعين إبراهيم النخعي ﵀ لكنها ليست في القرآن ولا في السنة ومن أجل العدول عمَّا جاءت به السنة في هذا صار الناس الآن يتساءلون عن الحذاء المخروز ويتساءلون عن الكمر المخروز وما أشبه ذلك ولا يرون بأساً في لبس الفنيلة المنسوجة بدون خياطة لأنها عندهم ليست مخيطة ولو أننا أخذنا بما جاءت به السنة لزال عنا إشكالاتٌ كثيرة وصار أهون من هذا التعميم فيقول ﵀ لبس المخيط يحرم عليه لبس كل ما عُمل للبدن على قدره كالقميص مثلاً أو قدر عضوٍ منه كالسراويل والكم وما أشبه ذلك ثم ضرب أمثلة فقال كالقميص والبرنس والسراويل والخف وهذه منصوصٌ عليها وبقي عليه واحد وهو العمامة ثم ذكر ما رواه ابن عمر (أن رجلاً قال يا رسول الله ما يلبس المحرم) وهذا السؤال ورد على النبي ﷺ وهو في المدينة قبل أن يخرج إلى الحج فقال النبي ﷺ (لا يلبس القميص) والسؤال عن الذي يلبس لا عن الذي لا يلبس فهل في الجواب مخالفة للسؤال؟ لا وذلك لأن اللبس وعدمه نفيٌ وإثبات فإذا نفينا صار الباقي مثبتاً فإذا قيل لا تلبس كذا ولا كذا ولا كذا صار المعنى البس ما سوى ذلك ومن المعلوم أن ما يلبسه المحرم أكثر مما لا يلبسه فلهذا عدل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلى ما يمكن حصره وهو الذي لا يلبس ويكون ما لا يمنع جائزاً وهذا من حسن تعليم الرسول ﵊ وأنه أعطي مجامع الكلم واختصر له الكلام قال (لا يلبس القميص) عندي القمص جمعاً ولكن المعنى واحد والقميص هو الدرع، والدرع ثيابنا التي علينا الآن هذا القميص والثاني (ولا العمائم) وهو ما يكوَّر على الرأس والثالث (ولا السراويلات) بالجمع وهي ما يلبس في الرجلين ويقطَّع لكل رجلٍ كم (ولا البرانس) البرانس جمع برنس قال العلماء وهي ثيابٌ واسعة لها

стр. 1399

أكمام ولها غطاءٌ يتصل بالرأس ويلبسها المغاربة مشهورة عندهم (ولا الخفاف) معروف ما يلبس من الجلد ونحوه على الرجل (إلا أحداً لا يجد نعلين فليلبس الخفين وليقطعهما أسفل من الكعبين) فرخَّص لمن لا يجد النعلين أن يلبس الخفين ولكن يقطعهما أسفل من الكعبين (ولا يلبس من الثياب شيئاً مسه زعفران) والزعفران طيبٌ معروف (ولا الورس) قال العلماء والورس أيضاً حبٌ ينبت في اليمن كثيراً له رائحةٌ طيبة فهو شبيهٌ بالزعفران والمعنى لا يلبس ثوباً مطيباً هذا معنى قوله مسه زعفران أو ورس لكن الرسول ﷺ أحياناً يعبّر بالمثال حتى يلحق به ما كان مثله، لا يلبس خمسة أشياء القميص، العمائم، السراويل، البرانس، الخفاف هذه لا تلبس لذاتها ولا يلبس ما مسه الزعفران ولا الورس لغيره لا لذاته وعليه فلا يلبس رداء مسه الزعفران أو الورس ولا إزاراً الطاقية ليست عمامة لكننا نقول إنها تمنع من قول الرسول ﵊ في الذي مات (لا تخمروا رأسه) وهذا تخميرٌ للرأس بلباس. يجوز أن يلبس إزاراً مخيطاً ليس مفتوحاً يعني فلو أن إنساناً مثلاً خاط إزاره ولبسه فليس بسراويل ولا قميص فيجوز لبسه. لو استعمل هذه الأشياء على غير اللباس يعني تلفف بالقميص مثلاً يجوزلأن الرسول قال لا يلبس واللفافة ليست لبساً ولهذا نرى أنه ينبغي للإنسان أن يعتمد على النص فهو خيرٌ من تعميمٍ يوجب التخليط وهو قولنا لبس المخيط لأنه أشكل على العامة ثم إنه قد يتناول أشياء لا يحرمها الشرع فنقول إذا أردنا أن نحدد الموضوع حقيقةً لا يلبس هذا الشيء ولا نتعدى الحدود والذي يمنع الخلق أو يرخص لهم هو الله أو على لسان رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم الساعة ليست من المنصوص ولا في معنى المنصوص كذلك المناظر وسماعة الأذن.

стр. 1400

فإن قال قائل لم أمر النبي ﷺ بقطع الخفين وهل هذا إلا إفسادٌ لهما؟ قلنا حتى تخرج عن صفة الخفين ولهذا قال: أسفل من الكعبين وتكون أشبه بالنعل. القارئ: وسواءٌ في هذا ما كان من خرقٍ أو جلد مخيط بالإبر أو ملصق بعضه إلى بعض لأنه بمعنى المخيط. الشيخ: خير من هذا أن نقول لأنه في معنى المنصوص عليه لأنه لا يوجد نص يقول المخيط حرام. القارئ: والتبان والران كالسراويل لأنه في معناه. الشيخ: التبان السروال القصير. القارئ: وإن شق الإزار وجعله ذيلين شدهما على ساقيه لم يجز لأنه كالسراويل وتجب الفدية باللبس لأنه محرمٌ في الإحرام فتعلقت به الفدية كالحلق. الشيخ: إيجاب الفدية بلبس المخيط بناءً على هذا القياس العليل نرى أنه لا يصح إلا إذا أجمع العلماء على ذلك فالإجماع حجة وإلا فإيجاب الفدية بلبس المخيط فيه نظر ولكن القياس لو أردنا أن نقيس لقلنا لأن هذا فعل ممنوعاً في الإحرام فلزمته الفدية كالحلق وهو قريبٌ مما قال المؤلف لكن نحن نفتي بلزوم الفدية وهي على التخيير كما تعرفون لئلا يتوان الناس ويتهاونوا لأنه لو قيل لهم لا فدية عليكم هان الأمر على الناس. القارئ: ولا يجوز له عقد ردائه عليه لأن ابن عمر قال: لا تعقد عليك شيئاً ولأنه يصير بالعقد كالمخيط.

стр. 1401

الشيخ: هذا فيه نظر والصواب أنه يجوز أن يعقد الرداء وما روي عن ابن عمر ﵄ فهو على سبيل الاحتياط وابن عمر ﵁ من أشد الصحابة ﵃ فالصواب أن عقد الرداء جائز لكن نظراً للخلاف ينبغي للإنسان أن لا يفعله إلا عند الحاجة وشبكه بدون عقد نقول كالعقد فيكره على ما ذهب إليه المؤلف وهذا إذا كان الشبك في مشبكٍ واحد أما ما يفعله بعض الناس يشبك الرداء من عند الحنجرة إلى العانة ففي جواز هذا نظر لأن هذا صار كالقميص أما إذا عقده الإنسان ولا سيما عند الحاجة فلا بأس لأن بعض الناس يحتاج إلى عقده مثل أن يكون هو الذي يتولّى الطبخ أو إحضار الشاي أو القهوة أو ما أشبه ذلك. القارئ: ولا يجوز له أن يزره عليه ولا يخله بشوكةٍ ولا غيرها ولا يغرز طرفيه في إزاره لأنه في معنى عقده وله أن يعقد إزاره لأنه يحتاج إليه لستر العورة ولذلك جاز للمرأة لبس المخيط في إحرامها لكونها عورة وله أن يشد وسطه بعمامةٍ أو حبل ولا يعقده ولكن يدخل بعضه في بعض. الشيخ: لا شك أن هذا لا دليل عليه يعني كون الإزار له أن يعقده لأنه يحتاج إليه لستر العورة وله أن يشد وسطه بعمامة أو حبل ولا يعقده ولكن يدخل بعضه في بعض هذا لا دليل عليه ولهذا نقول لك أن تشد وسطك بخيط أو عمامة وأن تعقده. القارئ: وله أن يلبس الهميان الذي فيه نفقته ويدخل السيور بعضها في بعض فإن لم يثبت عقده لقول عائشة أوثق عليك نفقتك رواه سعيد بن منصور بمعناه ولأن هذا مما تدعو الحاجة إلى عقده فجاز كالإزار فأما المنطقة وما لا نفقة فيه فلا يجوز عقده لعدم الحاجة إليه فإن احتاج إلى عقد المنطقة لوجع ظهره فعل وفدى نص عليه لأن هذا نادرٌ فأشبه حلق الشعر لوجع الرأس. الشيخ: عرفنا أنه لا يشد على وسطه شيئاً إطلاقاً وأنه إن احتاج إلى شد الشيء فإنه يفعله ولكن عليه الفدية وأما ما فيه النفقة فقد دعت الحاجة إلى ذلك فلا بأس بشده مثل الكمر توضع فيه النفقة وما أشبهها.

стр. 1402

القارئ: فأما القباء ونحوه فقال الخرقي يطرحه على كتفيه ولا يدخل يديه في كميه لأنه لا يحيط ببدنه أشبه الاتشاح بالقميص وقال القاضي عليه الفدية لأنه لبس المخيط على العادة في لبسه فلزمه الفدية كما لو أدخل يديه في كميه. الشيخ: والمشلح مثل القباء كان قديماً يأتي لباس يسمونه الزبون له أكمام يلبسه الإنسان ويدخل كميه لكن العباءة أو المشلح أهون منه إذ أنه ليس لليد كمٌ مستطيل وإنما لليد فتحة كما هو معروف أما القباء فله يد لكن على كل حال الصحيح أنه إذا لبسه على الهيئة المعتادة فإنه لا ينبغي لأنه يخرج بذلك عن كون هيئته هيئة محرم. القارئ: ومن لم يجد إزاراً فله لبس السراويل ولا فدية عليه لما روى ابن عباسٍ أن رسول الله ﷺ قال (من لم يجد إزاراً فليلبس السراويل ومن لم يجد نعلين فليلبس الخفين) متفقٌ عليه ومن عدم الرداء لم يبح له لبس القميص لأنه يمكنه أن يرتدي به على صفته ولا يمكنه أن يأتزر بالسراويل ومتى وجد الإزار لزمه خلع السراويل للخبر. الشيخ: قال (من لم يجد السراويل) وعلى هذا فإذا لم يجد الإزار عند الإحرام ولبس السراويل ثم وجد الإزار فيجب عليه أن يخلعه. مسألة: لا يجوز للمحرم أن يشرب قهوة فيها زعفران قد ظهر ريحه أما إذا زال ريحه بالطبخ فلا بأس. القارئ: ويحرم على المحرم لبس الخفين للخبر فإن لم يجد نعلين لبس الخفين ولا يقطعهما ولا فداء عليه لحديث ابن عباس وعنه لا يلبسهما حتى يقطعهما أسفل من الكعبين فإن فعل افتدى لأن في حديث ابن عمر زيادة والزيادة من الثقة مقبولة.

стр. 1403

الشيخ: والصحيح الأول أنه إذا لم يجد النعلين فليبس الخفين ولا يقطعهما وعلى هذا فيكون الأمر بالقطع منسوخاً ووجه النسخ أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يذكر هذا القيد في عرفة وإنما ذكره في المدينة قبل أن يخرج والناس في عرفة أكثر منهم في المدينة وإذا كان يخاطب الأكثر ولم يأمر بالقطع دل هذا على أن الله خفف على العباد ونسخ الأمر بالقطع وإلا فلو كان القطع واجباً لبلغه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلى الأمة في الجمع الأكثر وهو جمع يوم عرفة وهذا القول هو الراجح أنه لا يقطع كما أن في القطع أيضاً إضاعة لماليتهما لكن لو ثبت وجوب القطع لقلنا هذه الإضاعة ليست إضاعة في الواقع لأنها جاءت امتثالاً للأمر وقوله فإن فعل فدى هذا بناءً على أن جميع محظورات الإحرام ما عدا عقد النكاح فيها فدية وقد سبق لنا أن الذي ينبغي أن لا نلزم المسلمين بالفدية إلا فيما دل عليه الدليل. القارئ: وإن لبس خفاً مقطوعاً مع وجود النعل فعليه الفدية للخبر. الشيخ: إذا لبس خفاً مقطوعاً مع وجود النعل فهو حرام لأن النبي ﷺ لم يبح لبس الخف إلا عند عدم النعل وقال بعض العلماء إن له أن يلبس الخف المقطوع يعني الذي ليس له ساق وهو نازل عن الكعبين قالوا لأن النبي ﷺ أباحه من قبل لأنه كالنعل لما قطع صار كالنعل ولكن الأقرب للفظ الحديث أنه لا يجوز.

стр. 1404

القارئ: وليس له لبس الجمجم واللالكة في ظاهر كلام أحمد لأنه في معنى الخف المقطوع، فإن لم يجد النعلين فله لبس ذلك من غير فداءٍ كالخفين قال أحمد لا يلبس نعلاً لها قيد وهو السير المعترض على الزمام ويقطع العقب يعني الشراك قال القاضي إذا كانا عريضين يستران القدم فلا فدية فيه لأن حكمهما أخف من حكم الخف وقد أباح لبسه عند عدم النعل من غير قطع فهاهنا أولى ومن وجد نعلاً لا يمكنه لبسها لبس الخف وافتدى نص عليه لأن إسقاط الفدية مشروطٌ بعدم النعل والقياس أنه لا فدية عليه لأن العجز كالعدم في الانتقال إلى البدل وقد قام مقامه ههنا في الجواز فكذلك في سقوط الفدية. الشيخ: هذا هو الصحيح لا شك فيه أنه إذا جاز اللبس للعدم جاز اللبس لعدم تمكنه من السير في النعل وليس عليه فدية ولا تحريم. القارئ: فأما المحرمة فلها لبس المخيط كله إلا النقاب والقفازين والبرقع وشبهه لما روى ابن عمر أنه سمع رسول الله ﷺ (نهى النساء في إحرامهن عن القفازين والنقاب وما مس الورس والزعفران من الثياب ولتلبس بعد ما أحبت من ألوان الثياب من معصفرٍ أو خزٍ أو حليٍ أو سراويل أو قميصٍ أو خف) رواه أحمد بإسناده. الشيخ: هذا صحيح المرأة لا يحرم عليها من اللباس إلا النقاب والقفازان لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال (لا تلبس القفازين) وقال (لا تنتقب) وما عدا ذلك من اللباس المباح لها قبل الإحرام فهو مباح لها بعد الإحرام. القارئ: وروى البخاري منه (لا تنتقب المرأة ولا تلبس القفازين) ولأن إحرام المرأة في وجهها فحرم عليها تغطيته.

стр. 1405

الشيخ: قوله لأن إحرام المرأة في وجهها يظنه بعض الناس أنه حديث وليس كذلك ثم على تقدير صحة هذه العبارة إحرام المرأة في وجهها فالمعنى أن المرأة إنما يحرم عليها اللباس المختص بالوجه وهو النقاب وكذلك المختص بالكفين وهو القفازان وأما قوله فحرم عليها تغطيته ففيه نظر والصواب أن الحرام عليها إنما هو لبس النقاب وأما تغطيته فليس حراماً لكن لا شك أن الأفضل إبداؤه أي إبداء الوجه ما لم يمر الرجال قريباً منها فيجب عليها التغطية، وأما تغطية اليدين بغير القفازين فلا بأس وكذلك تغطية الوجه بغير النقاب لا بأس به إلا أن الأفضل أن يبقى الوجه مكشوفاً ما لم يمر من حولها الرجال. القارئ: وإن احتاجت إلى ستره سدلت على وجهها من فوق رأسها ما يستره لما روت عائشة ﵂ أنها قالت كان الرجال يمرون بنا ونحن مع رسول الله ﷺ محرمات فإذا حاذونا سدلت إحدانا جلبابها على رأسها فإذا جاوزونا كشفناه رواه أبو داود، قال القاضي ويكون ما تسدله متجافياً لا يصيب البشرة ولم أجد هذا عن أحمد ولا هو في الحديث والظاهر أنه غير معتبر. الشيخ: لا شك أن هذا هو الصواب أنه غير معتبر وعلى ما ذهب إليه القاضي يجب أن تلف المرأة على رأسها لفافة بحيث إذا سدلت الخمار يكون الخمار بعيداً عن الوجه وهذا مشقة. فصل
следующие страницы →