Полный текст (2 447 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.
стр. 1436
الشيخ: والصحيح أن جزاء الصيد بتعدد المصيد حتى ولو كان بفعلٍ واحد مثل أن يرمي فيصيب عدة طيور فعليه لكل طيرٍ جزاء لأن الله تعالى قال (فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ) وكما يلزم المثل في الصفة والهيئة يلزم المثل في العدد وأما تكرار اللبس فإن كان لبس لعذرٍ دام فلا حرج أن يكرر مثل أن يلبس للبرد في أول النهار وفي وسط النهار لا برد فيعود ويلبس الإزار والرداء ثم في آخر النهار حدث البرد فنقول البس ولا تتعدد الكفارة لأنه إنما استباح لبس المخيط لسبب وهو البرد فكأن هذا المحظور انحل في حقه ولم يبقَ عليه محرماً هذا هو الضابط فيما يتكرر، الجماع أيضاً لو جامع ثم جامع ثم جامع فإنه يتكرر إلا إذا كان لم يكفر عن الأول.
فصلٌ
القارئ: وإذا وطئ المحرم في الفرج في الحج قبل التحلل الأول فعليه بدنةٌ لأن ذلك يروى عن ابن عباسٍ ﵁ وسواءٌ كان الفرج قبلاً أو دبرا من آدميٍ أو بهيمةٍ لأنه وطءٌ في فرج أشبه وطء الآدمية وإن وطئت المحرمة مطاوعةً فعليها بدنة لأنها أفسدت حجها بالجماع فوجبت عليها البدنة كالرجل وإن وطئ الرجل محرمةً مطاوعةً فعلى كل واحدٍ منهما بدنة لأن ابن عباسٍ قال للمجامع اهد ناقة ولتهد ناقة ولأنه إفساد حج شخصين فأوجب بدنتين كالوطء من رجلين وعنه يجزئهما هديٌ واحد لأنه جماعٌ واحدٌ فأشبه ما لو أكرهها فإن وطئها نائمةً أو مكرهةً ففيها روايتان إحداهما أن الواجب هديٌ واحدٌ عليه دونها لأنها معذورةٌ فلم يلزمها كفارةٌ كالمكرهة على الوطء في الصيام والثانية يجب هديان لأنه إفساد حج اثنين فعلى هذا يتحملها الرجل عنها لأن الإفساد وجد منه فكان موجبه عليه كما تجب عليه نفقة قضائها ويحتمل أن تكون عليها لأنها وجبت لفساد حجتها.
стр. 1437
الشيخ: هذا الأخير ثقيل صعب والصواب أنها إذا وطئت نائمة أو مكرهة فلا شيء عليها لأنها معذورة ولا شيء على الرجل أيضاً لأنه جماعٌ واحد من شخصٍ واحد فلا يوجب أكثر من فدية ولكنه يأثم إذا أكرهها أو وطئها نائمة وهل يفسد حجها؟ لا على القول الراجح لا يفسد لأنه عن غير عمد.
القارئ: ويحتمل أن تكون عليها لأنها وجبت لفساد حجها وإن وطئ في العمرة أو وطئ في الحج بعد التحلل الأول فعليه شاةٌ لأنه فعل محظور لم يفسد حجا فلم يوجب بدنةً كالقبلة.
الشيخ: وعليه شاة ويجب أن نعلم أن كل ما أوجب شاةً من المحظورات فهو على التخيير بين الشاة أو صيام ثلاثة أيام أو إطعام ستة مساكين.
القارئ: ومتى وطئ المحرم دون الفرج أو قبل أو لمس لشهوة فلم ينزل فعليه شاةٌ لأنه فعلٌ محرمٌ بالإحرام لم يفسد بالحج فوجبت به الشاة كالحلق وإن أنزل فعليه بدنة لأنه استمتاعٌ بالمباشرة أوجب الغسل فأوجب البدنة كالوطئ في الفرج وإن نظر فلم ينزل فلا شيء عليه وإن نظر فصرف بصره فأنزل فعليه شاة وإن كرر النظر حتى أنزل ففيه روايتان إحداهما شاةٌ يروى ذلك عن ابن عباس ولأنه ليس بمباشرة فلم يوجب البدنة كما لو صرف بصره والثانية فيه بدنة اختارها الخرقي لأنه إنزالٌ بإستمتاعٍ فأوجب البدنة كالمباشرة.
الشيخ: والصواب أنه لا يوجب البدنة وأن البدنة لا تجب إلا في الجماع قبل التحلل الأول في الحج وأما الإنزال بالمباشرة أو الجماع فيما دون الفرج وما أشبه ذلك فلا يوجب البدنة هذا هو القول الراجح في المسألة.
أما إذا كرر النظر فأنزل فينبغي أن تجب الشاة وأما إذا نظر ثم صرف بصره فلا شيء عليه ولو أنزل لأن إنزاله بعد صرف بصره ليس للنظر بل للتفكير في المنظور والتفكير على القول الراجح ليس فيه شيء.
القارئ: وإن فكر فأنزل فلا شيء عليه كما ذكرنا في الصوم وإن أمذى في هذه المواضع فهو كمن لم ينزل لأنه خارجٌ لا يوجب الغسل أشبه البول.
стр. 1438
الشيخ: وفي هذا دليل على أن الإمذاء في الصوم لا يفسد الصوم كما هو الراجح والفقهاء قالوا إن الإمذاء يفسد الصوم والصواب أنه لا يفسده ولا يمكن أن يقاس المذي على المني لاختلافهما في الحكم وفي الحقيقة والماهية والأثر.
فصلٌ
القارئ: ومن لزمته بدنةٌ أجزأته بقرة لأن جابراً قال وهل هي إلا من البدن ولأنها تقوم في الأضاحي والهدايا مقامها فكذا هنا ويجزؤه سبعٌ من الغنم لذلك.
الشيخ: لكن بعض أهل العلم قال في غير جزاء الصيد فاستثنى جزاء الصيد وقال إن جزاء الصيد إذا وجبت فيه بدنة لم تجزئ البقرة لأن الله تعالى قال (فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ) وهذا القول لا شك أنه وجيه لأنه إذا ذبح بقرةً في مقام البدنة لم يكن آتياً بما يلزمه من وجوب المماثلة.
القارئ: وإن لم يجد هدياً فعليه صيام ثلاثة أيامٍ في الحج وسبعة إذا رجع لأن ابن عمر وابن عباسٍ وعبد الله بن عمروٍ قالوا للواطئين اهديا هديا فإن لم تجدا فصوما ثلاثة أيامٍ في الحج وسبعة إذا رجعتم وهم الأصل في ثبوت حكم الوطء وإليهم المرجع فيه فكذا في بدله وقال بعض أصحابنا تقوم البدنة فيشتري بقيمتها طعاماً يتصدق به فإن لم يجد صام عن كل مدٍ يوماً قياساً على البدنة الواجبة في فدية النعامة.
الشيخ: هذا قياسٌ مع الفارق والصواب أن من لزمته البدنة وقدر عليها فليفعل وإلا فلا شيء عليه وما روي عن هؤلاء الصحابة الذين ذكروا فيحمل على الاستحباب.
стр. 1439
باب جزاء الصيد
القارئ: يجب الجزاء في الصيد لقول الله تعالى (وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ) وهو ضربان ما له مثلٌ من النعم وهي بهيمة الأنعام فيجب فيه مثله للآية وهو نوعان الضرب الأول ما قضت الصحابة فيه فيجب فيه ما قضت لأنه حكم مجتهد فيه واجتهادهم أحق أن يتبع فمن ذلك الضبع قضى فيها عمر وابن عباسٍ بكبش وقد روي أن النبي ﷺ قضى فيها بذلك رواه أبو داود وغيره وقال الترمذي هو حديثٌ حسنٌ صحيح.
الشيخ: قال الله ﵎ في جزاء الصيد (فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ) وأول من يدخل في هذا الوصف وهو العدالة الصحابة ﵃ فما قضت به الصحابة لا يجوز العدول عنه أولاً لأنهم هم أعلم منا وأقرب إلى الصواب وأقوى أمانة.
وثانياً أنه لو فتح الباب لكل واحدٍ أن يجتهد لم يقر قرارٌ للناس لكان كل قومٍ يأتون يقول هذا ليس مثل هذا بل مثله كذا فتضطرب الأمة فلهذا نقول ما قضت به الصحابة فلا عدول عنه ومن ذلك الضبع فيها كبش وقضاء الصحابة أن في الضبع كبشاً يدل على أنها حلال وأنها من الصيد وكذلك النبي ﷺ قضى بها كما قاله الإمام أحمد ﵀ إن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قضى فيها بكبش.
القارئ: والنعامة قضى فيها عثمان وعلي وزيد وابن عباس ومعاوية ببدنة.
الشيخ: لأن أقرب ما يكون شبهاً به البدنة.
القارئ: وحمار الوحش فيه روايتان إحداهما فيه بقرة لأن عمر قضى فيه بها والثانية فيه بدنة لأن أبا عبيدة وابن عباسٍ قضيا فيه بها وقضاء عمر أولى لأنه أقرب إلى ما قضي به وعن ابن مسعودٍ أنه قضى في بقرة الوحش ببقرة وقال ابن عباسٍ في الأيل بقرة.
الشيخ: على كل حال الآن اختلف عمر وابن عباس وأبو عبيدة والصواب مع عمر لا شك لأنه أقرب.
стр. 1440
القارئ: وقال ابن عمر في الأروى بقرة وقضى عمر في الظبي بشاة وفي اليربوع بجفرة وهي التي لها أربعة أشهرٍ من المعز.
الشيخ: هذه كلها أنواع من الظباء الآيل والتيتل والأروى كلها أنواع من الظباء.
القارئ: وفي الأرنب بعناق وهي أصغر من الجفرة وفي الضب بجدي.
الشيخ: في الأرنب عناق مع أن الأرنب أكبر بكثير من اليربوع ومع ذلك جزاؤه أقل من أجل المماثلة فهي ليست من باب التقويم بل من باب المماثلة.
القارئ: والضرب الثاني ما لم تقضِ فيه الصحابة فيرجع فيه إلى قول عدلين من أهل الخبرة لقول الله تعالى (يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ) ويجوز أن يكون القاتل أحدهما لدخوله في العموم ولما روى طارق بن شهاب قال خرجنا حجاجاً فأوطأ منا رجل يقال له إربد ضباً ففزر ظهره فقدمنا إلى عمر فسأله إربد فقال له احكم فيه يا إربد قال أنت خيرٌ مني يا أمير المؤمنين وأعلم فقال عمر إنما أمرتك أن تحكم ولم آمرك أن تزكيني فقال إربد أرى فيه جديا قد جمع الماء والشجر فقال عمر فذلك فيه رواه سعيد بن منصور ولأنه واجبٌ لحق الله فجاز أن يكون من وجب عليه أميناً فيه كالزكاة.
الشيخ: وقيل إنه لا يصح أن يكون حكماً إذا كان هو القاتل لأن الله قال (يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ) وقاتل الصيد في الإحرام ليس بعدل حتى يتوب ولأنه متهم فيما يجب عليه والفرق بينه وبين الزكاة أن هذا غرمٌ منفصل وأما الزكاة فهو إخراج واجبٍ في ماله فكان أخف وهذا الأثر إن صح عن عمر فلعله لسببٍ رآه لأن هذه قضية عين فلعله رأى أن إربد تاب لله فصح أن يكون حكما.
القارئ: وفي كبير الصيد كبيرٌ مثله وفي صغيره صغيرٌ مثله وفي كل واحدٍ من الصحيح والمعيب مثله وإن فدى الذكر بالأنثى جاز لأنها أفضل وإن فدى الأنثى بالذكر ففيه وجهان أحدهما لا يجزئ لذلك والآخر يجزئ لأن لحمه أوفر وهو المقصود.
الشيخ: ولكن الأقرب أنه لا يجزئ الذكر عن الأنثى لأن الأنثى أطيب لحماً وأرق.
стр. 1441
القارئ: وإن فدى أعور بعينٍ من أخرى جاز لأن المقصود منهما واحد وإن فدى معيباً بمعيبٍ من جنسٍ آخر لم يجز لأنهما مختلفان.
الشيخ: مثال معيب بعيبٍ من جنس آخر مثل لو كان أعور وأعرج فلا يجزيء أحدهما عن الآخر لاختلاف الجنس وأما إذا كان أعرج بيد وأعرج برجل فالظاهر أن الجنس واحد وأنه يجزئ هذا عن هذا.
القارئ: وإن أتلف صيداً ماخضاً ففيه قيمة مثله ماخضاً قاله القاضي لأن قيمته أكثر من مثله وقال أبو الخطاب فيه مثله ماخض للآية.
الشيخ: وقول أبي الخطاب أقرب إلى الصواب ولكن إذا لم يجد بأن وجد أنثى غير حامل ففي هذه الحال يخرجها ويخرج الفرق بين الحامل والحائل.
القارئ: وإن جنى على ماخضٍ فأتلف جنينها ففيه ما نقصها كما لو جرحها وإن خرج حياً ثم مات ضمنه بمثله.
الشيخ: فصارت المماثلة تكون في الجنس وفي الشبه وفي الصغر وفي الكبر وفي العيب والسلامة بقدر الإمكان.
القارئ: والثاني ما لا مثل له وهو الطير وشبهه من صغار الصيد ففيه قيمته إلا الحمام فإن فيه شاة لأن عمر وعثمان وابن عمر وابن عباسٍ قضوا في حمام الحرم بشاة والحمام كل ما عب الماء وهدر كالحمام المعروف واليمام والجوازل والقماري والرقاطي والدباسي والقطا لأن هذا كله حمام وقال الكسائي كل مطوقٍ حمام فعلى هذا يكون الحجل حماما وعلى الأول ليس بحمام وما كان أصغر من الحمام ففيه قيمته لأنه لا مثل له وما كان أكبر منه ففيه وجهان أحدهما فيه قيمته لأن القياس يقتضيها في جميع الطير تركناه في الحمام لقضاء الصحابة ففي ما عداه يبقى على القياس والثاني فيه شاة لأن إيجابها في الحمام تنبيهٌ إلى إيجابها فيما هو أكبر منه وقد روي عن ابن عباسٍ وجابرٍ أنهما قالا في الحجلة والقطا والحبارى شاة شاة وإن نتف ريش طائرٍ ففيه ما نقص فإن عاد فنبت ففي ضمانه وجهان كغصن الشجرة إذا نبت وفي بيض الصيد قيمته.
стр. 1442
الشيخ: فصارت الطيور كلها تضمن بالقيمة إلا الحمام لقضاء الصحابة وإلا ما كان أكبر من الحمام ففيه الوجهان الوجه الأول أنه يضمن بالقيمة لأنه لا مثل له والثاني يضمن بالشاة لأن إيجاب الصحابة ﵃ شاةً في الحمامة يدل على أن ما فوقها من باب أولى والراجح أن مالم تقضِ فيه الصحابة من الطيور ففيه القيمة فقط.
فصلٌ
القارئ: ومن وجب عليه جزاء صيدٍ فهو مخير بين إخراج المثل أو يقوم المثل ويشتري بقيمته طعاما ويتصدق به أو يصوم عن كل مدٍ يوما لقول الله تعالى (فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَاما) فأو للتخيير، وعنه أنها للترتيب فيجب المثل فإن لم يجد أطعم فإن لم يجد صام ككفارة القتل وعنه لا إطعام في الجزاء وإنما ذكره ليعدل الصيام والمذهب الأول لأنه ظاهر النص فلا تعويل على ما خالفه.
стр. 1443
الشيخ: صحيح لكن هل يقوم المثل أو يقوم الصيد؟ المؤلف يقول إنه يقوم المثل وقيل إنه يقوم الصيد لأنه هو الذي حصل به العدوان وأما المثل فلا يقوم ولكلٍ من القولين وجه أما من قال يقوم المثل فقال إن التقويم بدلٌ عن الأصل والأصل هو المثل وأما من قال إنه يقوم الأصل يعني الصيد قال إن المثل إنما جعله الشارع قيمةً للصيد فإذا لم يأخذ به الإنسان فإنه يرجع إلى الأصل وهي قيمة الصيد وأياً كان تارةً يكون قيمة الصيد أكثر وتارةً تكون قيمة المثل أكثر أما إذا تساوت القيمتان فلا يظهر أثرٌ للخلاف لكن إذا اختلفت القيمتان بأن كان هذا الصيد نادر الوجود فأقول إن المسألة محتملة هل يقوم المثل أو يقوم الصيد؟ ولم يظهر لي ترجيح في هذا من زمان ولكن إذا قلنا إنه يقوم المثل فبما يعادله من الطعام إذا لم يختر المثل الطعام ربما يكون كثيراً فإذا قدرنا أنه قوم المثل بمائتي ريال والصاع بريالين فيكون فيها مائة صاع أي أربعمائة مد فنقول لهذا الرجل صم أربعمائة يوم هذا عدل الطعام!! فالنفس في قلق من هذا والله يقول (أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ) وأطلق (أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَاماً) أي ما يعادل إطعام المسكين صياماً وهي في الحقيقة من المسائل التي تحتاج إلى تحريرٍ تام في باب المناسك.
فصلٌ
القارئ: وإن اشترك جماعةٌ في قتل صيدٍ فعليهم جزاءٌ واحد وعنه على كل واحدٍ جزاء لأنها كفارة قتلٍ أشبهت كفارة قتل الآدمي وعنه إن كفروا بالمال فجزاءٌ واحد وإن كفروا بالصيام فكفارات والأولى أولى لأن ذلك يروى عن عمر وابنه وابن عباس ولأنه بدلٌ متلفٌ يتجزأ فيقسم بدله بين المشتركين كالديات وقيم المتلفات.
الشيخ: لكن في الصيام إذا قدرنا أنه سيكون على كل واحد صيام عشرة أيام ونصف يجبر النصف ولا بد لأن الصوم لا يصح إلا يوماً كاملاً فيلزم كل واحد أن يصوم أحد عشر يوما.
стр. 1444
القارئ: وإن اشترك حلالٌ وحرام فلا شيء على الحلال وهل يكمل الجزاء على الحرام أو يكون حكمه حكم المشارك الحرام فيه وجهان.
الشيخ: والأقرب أنه ليس عليه إلا النصف لأن القتل حصل من فعلين.
القارئ: وإن جرح صيداً ضمنه وفي ضمانه وجهان أحدهما يضمنه بمثله من مثله لأن ما وجب ضمان جملته بمثله وجب في بعضه مثله كالمكيلات.
الشيخ: وعلى هذا يكون معنى قوله جرح صيداً أي قطع منه عضواً لأن الجرح لا يكون فيه جزءٌ متلف ولهذا قال يضمنه بمثله من مثله فإذا قطع يده مثلاً وجب عليه يدٌ من مثله أو أذنه وجب عليه أذنٌ من مثله وإن كانت الأذن ليست لها قيمة ولكن قد يكون لها قيمة باعتبار تقويمها مع الجملة.
القارئ: والآخر تجب قيمة قدره من مثله لأن الجزء يشق إخراجه فصرنا إلى قيمته.
الشيخ: لكن هذا يجاب عنه بأنه إذا شق إخراجه عجزنا عن ضبط المماثلة فحيئذٍ يكون كالصيد الذي ليس له مثل يرجع إلى القيمة.
القارئ: وإن جرح صيداً فأزال امتناعه فقتله حلالٌ أو سبع فعلى المحرم جزاء جميعه لأنه سبب تلفه وإن قتله محرمٌ آخر فعلى الأول ما نقصه والباقي على الثاني وإن برئ وزال نقصه فلا شيء فيه كالآدمي وإن نقص فعليه نقصه وإن برئ غير ممتنعٍ فعليه جزاء جميعه لأنه عطله فصار كالتالف وإن غاب ولم يعلم خبره فعليه نقصه لأنه المتيقن.
فصلٌ
القارئ: والقارن والمفرد والمعتمر سواءٌ في جزاء الصيد وسائر الكفارات لأنهم سواءٌ في الإحرام فوجب استواؤهم في ذلك.
فصلٌ
القارئ: وصيد الحرم حرامٌ على الحلال والحرام لما روى ابن عباسٍ أن رسول الله ﷺ قال (إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السماوات والأرض فهو حرامٌ بحرمة الله إلى يوم القيامة لا يختلى خلالها ولا يعضد شوكها ولا ينفر صيدها فقال العباس إلا الإذخر فإنا نجلعه لبيوتنا وقبورنا فقال النبي ﷺ إلا الإذخر) متفقٌ عليه وحكمه في الجزاء حكم صيد الإحرام.
стр. 1445
الشيخ: في هذا الحديث دليلٌ على عظمة تحريم هذا البيت وأن الله حرمه يوم خلق السماوات والأرض فإن قال قائل أليس قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال (إن إبراهيم حرم مكة) فنقول بلى لكن المراد بتحريم إبراهيم مكة أنه أظهر تحريم مكة وبينه وإلا فإن هذا البلد حرامٌ بحرمة الله منذ خلق السماوات والأرض إلى أن تقوم الساعة وفي هذا الحديث دليلٌ على جواز مراجعة الحاكم وولي الأمر لأن العباس راجع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولم ينكر عليه وفيه دليل على أن الفاضل قد يغيب عنه ما يظهر للمفضول مثل قول العباس إلا الإذخر فإنه لبيوتهم وغيره والنبي ﵊ يعلم هذا لا شك لكن قد يغيب على الإنسان الفاضل ما يتبين لمن دونه وفيه دليلٌ على جواز الاستثناء بدون اتصال في المستثنى منه لأن العباس ذكر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بعد انتهاء الخطبة وفيه دليل على أنه لا يشترط في الاستثناء أن ينويه قبل تمام المستثنى منه لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم ينوِ ذلك وهذا والذي قبله هو الصحيح أن الاستثناء يجوز وإن لم ينوه إلا بعد تمام المستثنى منه وأنه يجوز ولو حصل فصل لكن بشرط أن يكون الكلام واحداً فإن استثنى بعد الانقطاع وبعد مفارقة المجلس فإنه لا يصلح الاستثناء بل لا بد من إعادة الجملة السابقة حتى يصح الاستثناء منها وفيه أيضاً في هذا الحديث دليل على أن بعض الناس قد يكون مفتاحاً للخير والتيسير وعلى العكس من ذلك من يكون سبباً للتضييق على الناس ولهذا جاء في الحديث (من أعظم الناس جرماً رجلٌ سأل عن مسألةٍ لم يحرمها الله فحرمت من أجل مسألته) لأنه يكون بذلك سبباً للتضييق على الناس وفيه دليل على حرمة الآدمي في مكة لأنه إذا ثبتت هذه الحرمة للأشجار وهي جماد وثبتت للصيد أيضاً فما بالك بالإنسان وفيه أيضاً دليل على أنه لا يجوز قطع الشوك من الشجر في مكة لقوله (ولا يعضد شوكها) وما لا شوك
стр. 1446
فيه من باب أولى فإن قال قائل الناس يضطرون إلى طريق فيه أشجارٌ كثيرة من الشوك فهل يجوز لهم أن يزيلوها عن الطريق الجواب نعم إذا لم يكن لهم طريقٌ إلا هذا فإنه يجوز كما لو اضطر الإنسان إلى أكل الصيد في الحرم فإنه يقتله ويأكله فإن قال قائل إذا كانت الشجرة في أرضٍ لي نبتت بفعل الله وأنا أريد أن أبني هذه الأرض نقول إذا كان يمكنك أن تبني في الجانب الذي ليس فيه شجرة فافعل وإن كان لا يمكنك بحيث تكون الأشجار منتشرة أو المكان صغيراً فالظاهر أن هذا من جنس الاضطرار وأن له أن يقلعها لا يقال إن لها حرمة لأننا نقول حرمة الآدمي أوكد وأعظم وإذا فرضنا مثلاً أن جميع مكة مفروشة بالأشجار نقول لأهل مكة لا تبنوا هذا فيه صعوبة.
الشيخ: وأضاف في الحديث (خلاها)، (شوكها) هذا إلى مكة ليخرج به ما ينبته الآدمي فإن ما يغرسه الآدمي كالنخل والعنب وما أشبهها ليس بحرام لأن هذا ينسب إلى مالكه الذي غرسه والمراد الأشجار التي نبتت بغير فعل الآدمي كما أن القول الراجح أن الإنسان إذا أدخل صيداً إلى الحرم فإنه ملكه حلال ولا يلزمه إطلاقه وله أن يذبحه.
القارئ: وحكمه في الجزاء حكم صيد الإحرام لأنه مثله في التحريم فكان مثله في الجزاء والسمك في التحريم كصيد البر لعموم قوله (لا ينفر صيدها) ولأن حرمته بمحله وهما في المحل سواء وعنه لا يحرم لأنه لا يحرمه الإحرام فلم يحرمه الحرم كالسباع وسائر الحيوانات كلها.
الشيخ: وهذه الرواية الثانية هي الصواب بلا شك وأن صيد البحر في الحرم ليس حراماً فلو فرض أن بحيرة صارت في الحرم وظهر فيها أسماك فإن الأسماك هذه حلال لأن الله تعالى يقول (أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعاً لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً).
стр. 1447
القارئ: وسائر الحيوانات حكمها في الحرم حكمها في الإحرام فما حرمه الإحرام من الصيد حرمه الحرم وما أبيح فيه من الأهلي وغير المأكول لم يحرمه الحرم ولهذا قال النبي ﷺ (خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم) رواه مسلم، إلا أن القمل لا يحرمه الحرم رواية واحدة.
الشيخ: وسبق لنا أن القمل القول الراجح فيه أنه لا يحرم وأنه يجوز للمحرم أن يتفلى.
القارئ: ويجب الجزاء على كل قاتل في الحرم مسلما كان أو كافرا صغيرا أو كبيرا لأن حرمته لمحله وهو ثابت بالنسبة إلى كل قاتل.
الشيخ: فإذا قال قائل ليس الكافر مكلفا بشرائع الإسلام حتى يسلم قلنا إن هذا من باب ضمان الإتلاف ويستوي فيه الكافر وغيره.
فإن قال قائل كيف يقتل الكافر صيدا في الحرم؟ فالجواب يمكن إما أن يقتله وهو في الحل والصيد في الحرم وإما أن يدخل معاندا وهو كافر فيدخل الحرم المهم أن المقصود التصوير فهل إذا قتل الكافر صيدا في الحرم يلزم بالجزاء؟ الجواب نعم لا تعبداً لله ولكن ضماناً للمتلف.
وإن أحرم الكافر وقتل الصيد وهو محرم؟ نقول لا يصح إحرامه ولا جزاء عليه فيما قتل من الصيد إلا أن يكون في الحرم.
القارئ: ولو قتل محرم صيدا حرميا لزمه جزاء واحد لأن المقتول واحد فكان جزاؤه واحدا كما لو قتله حلال.
الشيخ: وقيل إذا قتل المحرم صيدا في الحرم لزمه جزاءان لأنه اجتمع سببان للتحريم كونه في الحرم وكونه محرما ولكن الراجح أنه جزاء واحد وهذا كما قيل في القارن إنه إذا قتل صيدا لزمه جزاءان لأنه جامع بين الحج والعمرة أي بين نسكين والصحيح أنه لا يلزمه إلا جزاء واحد في المسألتين جميعا.
فصل
القارئ: ومن ملك صيدا في الحل فأدخله الحرم لزمه رفع يده عنه وإرساله فإن تلف في يده أو أتلفه ضمنه وإن ذبحه صار ميتا لأن الحرم سبب لتحريم الصيد فحرم استدامة إمساكه كالإحرام.
стр. 1448
الشيخ: وسبق أن الصحيح أن له الدخول به وأنه ملكه والفرق بينه وبين الإحرام الذي قاسه عليه أن هذا ليس صيد حرم فهو لم يدخل في التحريم أصلاً وأما الإحرام فإن المحرم ممنوع من أن يتملك الصيد وممنوع من أن تكون يده المشاهدة عليه.
القارئ: وإن أمسكه في الحرم فأخرجه إلى الحل لزمه إرساله كالمحرم إذا أمسك الصيد حتى حل.
الشيخ: هذا صحيح.
القارئ: وإن رمى من الحل صيدا في الحرم أو أرسل كلبه عليه فقتله أو قتل صيدا على غصن في الحرم أصله في الحل ضمنه لأنه صيد حرمي معصوم بمحله.
الشيخ: وإن قتله على غصن شجرة أصلها في الحرم والغصن في الحل فلا شيء عليه.
القارئ: وإن رمى من الحرم صيدا في الحل أو أرسل كلبه عليه أو قتل صيدا على غصن في الحل أصله في الحرم فلا ضمان فيه لأنه صيد حل قاتله حلال فلم يضمن كما لو كان قاتله في الحل وقول النبي ﷺ (لا ينفر صيدها) يدل بمنطوقه على تحريمه في الصورة الأولى وبمفهومه على حله في الثانية وعن أحمد فيهما جميعاً روايتان فإن كانا جميعا في الحل فدخل السهم أو الكلب الحرم ثم خرج فقتل صيدا في الحل لم يضمن بحال لأن الصيد والصائد جميعا في الحل وإن رمى صيدا في الحل فدخل السهم الحرم فقتل فيه صيدا ضمنه لأن العمد والخطأ واحد في الضمان.
الشيخ: والصحيح أنه لا يضمن يعني أنه رمى صيدا في الحل وهو أيضا في الحل ثم إن السهم طاش وأصاب صيدا في الحرم فالصحيح أنه لا ضمان عليه لأن الله اشترط في وجوب الضمان أن يكون متعمدا.
القارئ: وإن أرسل كلبه على صيد في الحل فدخل فقتله في الحرم أو قتل غيره ففيه روايتان إحداهما لا يضمن لأن للكلب اختيارا وقد دخل باختياره فلم يضمن جنايته بخلاف السهم والثانية إن كان الصيد قريبا من الحرم ضمنه لتفريطه بتعرضه للاصطياد في الحرم وإن كان بعيدا لم يضمن لعدم تفريطه ولا يؤكل لأنه صيد حرمي وقال أبوبكر عليه الضمان بكل حال.
стр. 1449
الشيخ: الصواب أنه لا يضمن لو دخل الكلب لأن للكلب اختيارا.
السائل: هل الصلاة في الحرم تعدل مائة ألف صلاة في الحل؟
الشيخ: لا الصحيح أنها في المسجد الذي فيه الكعبة فقط لأنه روى مسلم في صحيحه أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال (صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا مسجد الكعبة) فنص على مسجد الكعبة لكن الصلاة في مساجد الحرم أفضل من الصلاة في مساجد الحل والدليل على هذا أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم نزل بالحديبية في جانب الحل منها وكان يصلي في الحرم فدل ذلك على أن الصلاة في الحرم أفضل من الصلاة في الحل لكن المضاعفة المخصوصة إنما هي في مسجد الكعبة ويدل لذلك أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام) ومن المعلوم أن الرحال لا تشد إلى مسجد في مكة غير مسجد الكعبة فالذي تضاعف فيه الصلاة هو الذي تشد إليه الرحال.
السائل: هناك بعض المحلات إذا اشتريت أكثر من خمسين ريالا يعطونك ورقة لسحب جائزة تكون سيارة أو ما شابه ذلك هل هذا يجوز؟
الشيخ: إذا كنت لا تشتري الحاجة إلا لأجل الدخول في المسابقة فهذا لا يجوز أو كان هذا المحل قد رفع قيمة السلعة من أجل المسابقة فلا يجوز أيضا أما إذا كنت محتاجا إلى السلعة وكان ثمنها كالثمن في بقية المحلات فإن ذلك لا بأس به لأنك في هذه الحال إما أن تكون سالما أو أن تكون غانما فلا يكون من الميسر.
السائل: وإذا اشتريت نوعاً من البضاعة يعطونك بعض الأشياء المصاحبة لهذه البضاعة هل هذا جائز؟
الشيخ: نعم هذا جائز أيضا لأنه إذا كان الإنسان إما سالما وإما غانما فلا بأس.
стр. 1450
السائل: مقدار الأضحية في البحرين حوالي مئتين وسبعين ريالا لكنك تشهد الأضحية وفي بنغلاديش والهند وما شابه ذلك حوالي مائة وخمسين ريال لكن من باب التسهيل على المواطنين نريد تنزيل إعلان حتى يكون مقدار الأضحية حوالي مائتين وخمسين ريالا والجمعية لها الحق أن تنحر هذه الأضحية في المكان المناسب هل هذا يجوز؟
стр. 1451
الشيخ: لا يا أخي هذا في الحقيقة تعطيل لهذه الشعيرة المقصود من الأضحية التعبد لله بسفك دمها هذا هو الأصل كما قال الله تعالى (لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ) وليس المقصود مجرد انتفاع الفقير باللحم فمجرد الذبح قربة فلا أرى لكم أن تفتحوا هذا الباب دعوا الناس يضحون في بيوتهم ويظهرون شعائر الإسلام في البيوت ويعرف أن هذا عيد أضحى وأن أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر لله فدعوا هذا وحذروا منه أيضا حتى لا تتعطل الشعيرة لأن أكثر الناس الآن كما تعرف عندهم كسل وإذا أتى الله بقوم يأخذون منه الدراهم يخرجها من جيبه ويذهب إلى بنغلاديش أو غيرها من البلاد ويذبح هناك على أننا لا ندري ماالذي يذبح ولا ندري من الذابح ولا ندري كيف تفرق ولا ندري هل تذبح في الوقت أو بعده كل هذه الاحتمالات واردة كيف نذهب في هذه الشعيرة إلى مثل هذه المخاطر لو أن الناس انكبوا على هذا بقيت البلاد بلا شعيرة أضحية مع أن الله قال (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ) وقال (فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِس) فبدأ بالأكل ومتى يأكل الإنسان إذا كان هو في البحرين أو في المملكة السعودية وتذبح أضحيته في بنغلاديش أو في غيرها من البلاد الإسلامية ومن أراد أن ينفع إخوانه وهو صادق فلينفعهم بدراهم وليتقرب إلى الله تعالى بذبح أضحيته يذكر اسم الله عليها (فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ (٣٦) وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكاً لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ) ما قال لأجل أن ينتفع الفقراء (لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ (٣٤) فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ) فمع الأسف
стр. 1452
أن كثيراً من الناس الآن صاروا يظنون أن الواجبات المالية التي أوجبها الله ما هي إلا انتفاع مادي فقط ولا يشعرون بالتقرب إلى الله والتعبد له بذبح الأضاحي مثلا أو ذبح العقيقة أو إخراج صدقة الفطر في مكانهم وهذا غلط وسفه.
السائل: يا شيخ هل ترون عدم جواز إخراج الأضحية إلى خارج البلد؟
الشيخ: أنا أرى أنها لا تصح بمعنى أنها ليست أضحية كما ضحى النبي ﵊ إذا كان رسول الله ﵊ ضحى في المدينة وذبح أضحيته بيده وسمى وكبر هذه هي السنة ولهذا لما أراد الهدي بعث هدياً إلى مكة لكن في الأضاحي ما بعثها إلى مكة ضحى بها في المدينة.
السائل: هناك من يخبرنا أن من إخواننا في الهند والنيبال وبنغلاديش لا يذوقون اللحم ولا مرة في السنة؟
الشيخ: يا أخي أضف إلى أضحيتك التي تشتريها بمئتين وسبعين ريال مثلا أضف مائة ريال وأرسل المائة ريال إلى النيباليين والبنغلاديشيين وغيرهم واشتروا لهم لحما هناك.
السائل: هل المحاذاة للمواقيت تكون بأن يصل الإنسان إلى نقطة تبعد من مكة قدر بعد الميقات الأصلي؟ أم أن يصل الإنسان إلى نقطة على خط يصل بين ميقاتين أصليين؟ أم أن يصل الإنسان إلى أقرب نقطة في الميقات من الميقات الأصلي في طريقه إلى مكة؟
الشيخ: الجواب إذا كان أقرب المواقيت إليه يبعد عن مكة يومين مثلاً فإذا بقي عليه يومان على مكة أحرم أي على قدر المسافة لكن لا بد أن ينظر إلى أقرب المواقيت إليه.
القارئ: وإن جرحه في الحل فدخل في الحرم فمات فيه لم يضمنه وحل أكله لأنه ذبحه في الحل وإن وقف صيد في الحرم والحل فقتله ضمنه تغليباً للتحريم.
الشيخ: هذه المسائل تكاد تكون فرضية لأنه كيف يتصور أن يعلم الإنسان أن مقدم هذا الصيد في الحرم ومؤخره في الحل يعني ما هناك حد فاصل كحد السيف لكن العلماء ﵏ يذكرون مثل هذه المسائل التي قد لا تقع لأجل التمرين.
стр. 1453
القارئ: وإن أمسك طائرا في الحل فهلك فراخه في الحرم ضمن الفراخ وحدها لأنه أتلفها في الحرم.
الشيخ: هذه الجملة تدلنا على أنه لا ينبغي للإنسان أن يصيد الطيور في وقت فراخها لأن هذا يقتضي هلاك الفراخ لكننا لا نقول إنه حرام لأنه لم يقصد أن يهلك الفرخ ولهذا ترمى المدن والقرى بالمنجنيق وإن قتلت من لا يجوز قتله لأن هذا غير مراد وسبق لنا أن الرسول ﵊ حرق نخيل بني النضير مع أنه قد يكون في النخيل حشرات أو طيور وما أشبه ذلك لأن هذا غير مقصود.
القارئ: وإن أمسك الطائر في الحرم فهلك الفراخ في الحل ضمن الطائر وحكم الفراخ حكم ما لو رمى من الحرم صيدا في الحل لأن صيد الحل هلك بسبب كان منه في الحرم وإن نفر صيدا حرميا فهلك في نفوره بسبع أو غيره في حل أو حرم ضمنه لأنه هلك بتنفيره المنهي عنه.
الشيخ: لكن لو قال قائل هذا يخالف القاعدة إذا اجتمع متسبب ومباشر فالضمان على المباشر والجواب عنه أن نقول المباشر لا يمكن إحالة الضمان عليه هو نفر صيدا في الحرم فأكله السبع نقول الضمان على المنفر لأنه لا تمكن إحالة الضمان على المباشر الذي هو السبع.
القارئ: وإن سكن من نفوره ثم هلك لم يضمنه لأن هلاكه بغير سببه وقد روي عن عمر ﵁ أنه دخل دار الندوة فعلق رداءه فوقع عليه حمام فخاف أن يبول عليه فأطاره فانتهزته حية فقال أنا أطرته فسأل من معه فحكم عليه عثمان ونافع بن عبد الحارث بشاة.
الشيخ: هذا الأثر في نفسي منه شيء أولا أن الحمام لا يبول وإنما يزرط ولهذا يقال زرط الحمام.
وثانيا أن عمر ﵁ قال إني أطرته يعني فضمنه وهذا قد يكون على سبيل الاحتياط وأما على سبيل الوجوب فليس بظاهر لأن هذا إنما أطاره لدفع أذاه وخوفه من أن يتأذى الرداء وهل نقول إن الإنسان إذا أراد أن يتخلص من أذى أحد فعليه الضمان؟ هذا بعيد.
فصل
стр. 1454
القارئ: ويحرم قلع شجر الحرم وحشيشه كله لحديث ابن عباس (إلا الإذخر) وما زرعه الإنسان لأنه كالحيوان الأهلي.
الشيخ: قوله (إلا الإذخر) وجه الاستدلال بهذا الاستثناء على العموم ما ذكره بعض العلماء الأصوليين أنه قال الاستثناء معيار العموم وهذا صحيح لأن الاستثناء يدل أن الحكم يشمل ما سوى المستثنى فيكون في ذلك دليل على العموم وانتبه لقول المؤلف شجر الحرم وحشيشه حيث إن المراد بذلك الشجر المضاف إلى الحرم والحشيش المضاف إلى الحرم فأما شجرالآدمي الذي زرعه وحشيشه فلا يحرم ولهذا قال المؤلف وما زرعه إنسان وقوله لأنه كالحيوان الأهلي هذا في الحقيقة تعليل عليل بل نقول إن ما زرعه الإنسان لم يدخل في لفظ النص لأن لفظ النص أضيف الحشيش والشجر إلى الحرم فلا يحتاج إلى استثناء لأنه لم يدخل أصلا.
القارئ: وإن غرس شجرة فقال أبو الخطاب له قلعها لأنه أنبته الآدميون فأشبه الزرع وإن أخذه من الحرم فغرسه لم يبح قلعه لأنه حرمي ويحتمل كلام الخرقي تحريم قلع الشجر كله لقوله ﵊ (ولا يعضد شجرها).
الشيخ: لكن كلام الخرقي ﵀ الذي ذكر المؤلف أنه يحتمل ضعيف جدا والصواب كلام أبي الخطاب بلا شك أن الشجر إذا غرسه الآدمي فهو ملكه يتصرف فيه بما شاء وكذلك الزرع.
القارئ: وذكر القاضي وأبو الخطاب أنه يباح قطع الشوك والعوسج لأنه بمنزلة السباع في الحيوان والحديث صريح في أنه (لا يعضد شوكها) واتباعه أولى.
الشيخ: أولى هنا بمعنى أوجب ولا شك أنه أوجب إذا كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم نص على الشوك قال (لايعضد شوكها) فكيف يجوز أن نقول يجوز قطع الشوك هذا مخالفة لنص صريح ومعلوم أن القياس في مقابلة النص فاسد الاعتبار.
стр. 1455
القارئ: ولا بأس بقطع ما يبس لأنه بمنزلة الميت وأخذ ما تناثر أو يبس من الورق أو تكسر من الشجر والعيدان بغير فعل الآدمي لذلك وما قطعه آدمي لم يبح له ولا لغيره الانتفاع به في ظاهر كلام أحمد لأنه قطع محرم لحرمة الحرم فأشبه ذبح الصيد ولا يجوز أخذ ورق الشجر الأخضر لأن في بعض الألفاظ (ولا يخبط شجرها) ولأنه يضر بالشجر أشبه نتف ريش الطير.
فصل
القارئ: ويجب الجزاء في ذلك فيجب في الشجرة الكبيرة بقرة وفي الصغيرة شاة لما روي عن ابن عباس أنه قال في الدوحة بقرة وفي الجزلة شاة والدوحة الكبيرة والجزلة الصغيرة وإن قطع غصنا ضمنه كأعضاء الحيوان فإن خلف مكانه فهل يسقط الضمان؟ على وجهين أحدهما لا يضمنه كشعر الآدمي والثاني يضمنه لأنه أتلفه وإن قلع شجرة لزمه ردها إلى موضعها كمن صاد صيدا لزمه إرساله فإن أعادها فيبست ضمنها لأنه أتلفها وإن نبتت كما كانت لم يضمنها كالصيد إذا أرسله وإن نقصت ضمن نقصها كالصيد سواء.
الشيخ: في هذا الفصل بين المؤلف ﵀ الجزاء في شجر الحرم والصحيح أنه لا جزاء فيه لأن ذلك لم يرد عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وما روي عن ابن عباس فإن صح عنه فإنه يحمل على أن هذا من باب التعزير والتعزير بالمال جائز على القول الراجح ويدل لعدم الوجوب أن الأصل براءة الذمة وأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما ذكر تحريم قلع الشجر وقطعه لم يبين للناس جزاءً ولا يصح أن يقاس على الحيوان لأن الحيوان ذو روح مأكول يأكله الآدمي ويتنعم به والنفس تدعو إليه فجعل الجزاء ليكون ذلك أبلغ في الردع عن انتهاك الصيد فالقياس قياس مع الفارق.
السائل: قطع الإذخر لغير حاجة هل يجوز؟
الشيخ: هذا سؤال مهم الظاهر أنه لا يجوز لأن النبي ﷺ إنما أجازه للحاجة.
فائدة: حكم ماتزرعه البلدية في الشوارع كحكم ما يزرعه الآدمي لنفسه.
فصل
стр. 1456
القارئ: ويحرم قطع حشيش الحرم لقول النبي ﷺ (لا يختلى خلاها) ويضمنه بقيمته كما يضمن صغار الصيد بقيمته وإن استخلف، فهل يسقط الضمان؟ على وجهين.
الشيخ: يقول ﵀ ويحرم قطع حشيش الحرم واستدل لذلك بقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (لا يختلى خلاها) وهذا حق والحكمة من تحريم قطع الأشجار والحشائش تأكيد الأمان في هذا المكان لأنه إذا كانت الأشجار والحشائش محترمة في هذا المكان والصيود وهي غير آدمية محترمة فالآدمي من باب أولى فالحكمة من ذلك تأكيد التحريم وتأكيد الأمان في هذا المكان وأما قوله ويضمنه بقيمته كما يضمن صغار الصيد فقد قدمنا أن القول الراجح أنه لا ضمان في شجرالحرم وحشيشه لعدم وجود الدليل في ذلك وأما قوله كما يضمن صغار الصيد فهذا فيه نظر فقد مر علينا في جزاء الصيد أن الصغير يضمن بمثله ولو قال كبيض الصيد لأنه لا مثل له لكان أقرب مع أن الاختلاف بين الحشيش وبين الصيد ظاهر لأن الصيد وردت الشريعة بجزائه وأما الحشيش والشجر فلم ترد.
القارئ: وفي إباحة رعيه وجهان أحدهما يباح لأن الحاجة تدعو إليه فأشبه قطع الإذخر والثاني يحرم لأنه تسبب إلى إتلافه كإرسال الكلب على الصيد.
الشيخ: هذا قياس في مقابلة النص وقياس لا يصح هل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ومعه مائة من الإبل ومعه راحلته والصحابة معهم رواحلهم هل كمموا أفواهها؟ أبدا ولهذا لا حاجة إلى هذا القياس بل نقول إن الرعي لا بأس به بل إنه ثبت أن رسول الله رخص للرعاة أن يدعوا الرمي أيام التشريق بل يرمون يوما ويتركون يوماً إذاً لا شك في جواز الرعي وسواء رعت البهيمة بنفسها أو أرسلها ترعى لا فرق في هذا.
القارئ: وتباح الكمأة لأنه لا أصل لها فأشبهت الثمرة.
الشيخ: الكمأة هي الفقع وقوله الكمأة المراد كل أنواع الكمأة سواء كانت كمأة أو عساقل أو بنات الأوبر لأنها ثلاثة أصناف وإليها يشير الشاعر بقوله:
стр. 1457
ولقد جنيتك أكمأً وعساقلاً ... ولقد نهيتك عن بنات الأوبر
فالمهم أن الكمأة لا بأس بها فإذا وجدت كمأة في الحرم فلا بأس أن تأخذها.
إذا قال قائل إذا كان الحشيش قد ملأ الأرض واحتجت إلى وضع الفراش على هذا الحشيش ومن المعلوم أنه إذا وضع عليه الفراش فسوف يتكسر ويذبل وييبس فهل يجوز لي ذلك؟ نعم يجوز ولا شك في هذا لأن ذلك لا يمكن التحرز منه إطلاقا، وهل يضمن؟ إذا قلنا بالجواز فعلى قول من يرى أن فيه الضمان يضمنه لأنه أتلفه لمصلحة نفسه فهو كالرأس إذا حلقه لمصلحة نفسه ولكن كما علمتم أن القول الراجح أنه لا ضمان في الحشيش والشجر.
فصل
القارئ: ويكره إخراج تراب الحرم وحصاه لما روي عن ابن عمر وابن عباس أنهما كرهاه ولا يكره إخراج ماء زمزم لأنه يستخلف ويعد للإتلاف فأشبه الثمرة.
الشيخ: والصحيح أنه لا يكره إخراج الحصى فإن صح ما روي عن ابن عباس وابن عمر ﵄ فلعلهما خافا من أن يكون هناك غلو في هذه الحصاة وتعلق بها وأما إذا كان أمرا عاديا فلا كراهة لأن الحصى نفسه ليس له حرمة حتى نقول إنه أخرجه من مكان احترامه إلى مكان امتهانه.
فصل
القارئ: ويحرم صيد مدينة النبي ﷺ وشجرها لما روى أنس أن النبي ﷺ أشرف على المدينة فقال (اللهم إني أحرم ما بين جبليها مثلما حرم إبراهيم مكة) وفي لفظ (ولا يقطع شجرها) متفق عليه. ولا جزاء في صيدها وشجرها لأنه موضع يجوز دخوله بغير إحرام فأشبه صيد وج.
الشيخ: هذا التعليل يسمونه تعليل اللقب ليس له تأثير في الواقع (لأنه موضع يجوز دخوله بلا إحرام فلم يكن في صيده جزاء كوادي وج) لكن للقائل أن يعكس فيقول فيه الجزاء لأنه صيد محرم وقد قال النبي ﷺ (مثلما حرم إبراهيم مكة) فجعل تحريم المدينة كتحريم مكة وعلى هذا يكون في صيدها الجزاء وفيه خلاف يذكره المؤلف ﵀.
стр. 1458
القارئ: ولأن الإيجاب من الشارع ولم يرد به وعنه فيه الجزاء وهو سلب القاتل لآخذه لما روي أن سعداً ركب إلى قصره بالعقيق فوجد عبدا يقطع شجرا أو يخبطه فسلبه فلما رجع سعد جاء أهل العبد فكلموه أن يرد عليهم فقال معاذ الله أن أرد شيئا نفلنيه رسول الله ﷺ وأبى أن يرد عليهم رواه مسلم وفي لفظ قال إن رسول الله ﷺ حرم هذا الحرم وقال من وجد أحدا يصيد منه فليسلبه رواه أبو داود.
الشيخ: وهي رواية عن أحمد ﵀ أن فيه الجزاء وهو سلب القاتل ولعل هذا والله أعلم من باب التعزير وليس من باب الواجب.
القارئ: وحد حرمها ما بين لابتيها بريد في بريد وقال أحمد هكذا فسر أنس بن مالك وقد روى أبو هريرة أن رسول الله ﷺ قال (ما بين لابتيها حرام) متفق عليه.
الشيخ: وقد ورد تحديد ذلك بقوله ﵊ (ما بين عير إلى ثور) وعير جبل معروف في المدينة ولا يزال حتى الآن بهذا الإسم وثور قيل أنه جبل صغير وراء أحد وهذه المسافة كما قال المؤلف بريد في بريد والبريد أربعة فراسخ والفرسخ ثلاثة أميال.
السائل: هل يجوز قطع السدر في الحرم للحاجة قياساً على الإذخر؟
الشيخ: إذا عمت الحاجة في ذلك فلا بأس أما الحاجة الخاصة فقد يقال إنه يجوز وقد يقال لا يجوز لأن قطعه متحقق المضرة وهي مخالفة الشرع والانتفاع به في الدواء قد يفيد وقد لا يفيد أما لو اضطر إليه ليأكل فيسلم من الموت فهذا لا شك أنه جائز يعني لو أن إنسانا جائعاً ووجد شجراً له أوراق وهو محتاج إلى أكل هذه الأوراق وإن لم يفعل هلك فحينئذ نقول لا بأس للضرورة.
فصلٌ
القارئ: ويفارق حرم مكة في أن من أدخل إليها صيدا من خارج فله إمساكه وذبحه لأن النبي ﷺ كان يقول (يا أبا عمير ما فعل النغير) متفق عليه وهو طائر كان يلعب به فلم ينكر عليهم إمساكه.
стр. 1459
الشيخ: سبق أن القول الراجح أنه يجوز إدخال الصيد إلى حرم مكة وهو ملك لصاحبه لا يلزمه إطلاقه ويجوز له ذبحه وعلى هذا فلا فرق يعني مثلاً لو اصطاد أرنبا خارج حرم مكة ودخل حرم مكة فهي له يمسكها ويذبحها ويأكلها وكذلك في الجراد لو أنه أمسك جرادا في خارج الحرم وملأ الأكياس منه فلما دخل الحرم فعلى المذهب يجب عليه أن يفك أفواهها ويطير الجراد ولكن هذا الجراد ملكه لو أن أحداً أمسكه خارج الحرم رجع عليه به لأنه ملكه ولكن الصحيح إذا دخل الحرم ومعه صيد فالصحيح أنه ملكه يمسكه ولا حرج عليه وعلى هذا فلا فرق بين مكة وبين المدينة وأما ما ذكره عن النغير فهذا طائر صغير مع شخص صغير يلعب به وكان قد فرح به فرحا كثيرا فمات فاغتم الصبي فكان النبي ﵊ يمازحه يقول (يا أبا عمير ما فعل النغير) فاستدل به العلماء على فوائد كثيرة منها جواز تكنية الصغير لأنه كناه فقال يا أبا عمير ومنها مداعبة الصبيان ومنها جواز تسليط الصبي على الطيور يعني لو أمسكنا عصفوراً وأعطيناه الصبي فلا بأس لكن إذا شاهدناه يعذبه لا نمكنه.
القارئ: ويجوز أن يأخذ من شجرها ما تدعو الحاجة إليه للمساند والوسائد والرحل ومن حشيشها ما تدعو الحاجة إليه للعلف لما روى جابر أن رسول الله ﷺ لما حرم المدينة قالوا يا رسول الله إنا أصحاب عمل وأصحاب نضح وإنا لا نستطيع أرضا غير أرضنا فرخص لنا فقال القائمتان والوسادة والعارضة والمسند فأما غير ذلك فلا يعضد ولا يخبط منها شيء) رواه الإمام أحمد.
الشيخ: ولقائل أن يقول ليس هذا بفرق لأن النبي صلى عليه وسلم استثنى من حرم مكة ما يحتاج الناس إليه كالإذخر وعلى هذا فيكون استثناء ما ذكر في المدينة لأن الناس أصحاب زرع وحرث فهم محتاجون لهذه الأشياء وعليه فلا يكون هناك فرق بين شجر مكة وشجر المدينة.
стр. 1460
القارئ: فأما صيد وج وشجره وهو واد من أودية الطائف فحلال لأن الأصل الحل وقد روي فيه حديث ضعفه أحمد وذكره الخلال في كتاب العلل.
الشيخ: هذا الوادي معروف حتى الآن بوادي وج وهو واد كبير وقد ورد فيه حديث أن الرسول ﷺ حرمه ولكن الحديث ضعيف وعلى تقدير صحته فإنه يحمل على أنه حرمه أي حماه كما كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يحمي بعض الأراضي لإبل الصدقة وإبل الجهاد وما أشبه ذلك.
وعلى هذا فلا يكون هناك حرم في الأرض إلا حرمان حرم مكة وحرم المدينة ويكون في قول بعض الناس إن المسجد الأقصى ثالث الحرمين يكون فيه نظر وذلك لأنه يوهم أنه حرم وإن كان من حيث اللغة لا يوهم لأنه قال ثالث الحرمين ولم يقل ثالث المحرمات فالإضافة إلى الحرمين لكن البعد عن الاشتباه أحسن فيقال ثالث المساجد التي تشد إليها الرحال وهذا يكون مطابقا تماما للحديث.
السائل: قول بعضهم الحرم الجامعي ونحوه هل يجوز ذلك؟
الشيخ: هذا حرم لغوي لا شرعي مثل قول الفقهاء حريم البئر كذا وكذا فهو حرم لغوي لكن إن كان يخشى أن يشتبه على بعض الناس فليتجنب لكن الظاهر الآن أنه صار عرفا اصطلاحيا حرم الجامعة يعني ما ضمه سورها.
السائل: الآن ياشيخ دخلت الأشهر الحرم فهل للصبيان ونحوهم صيد العصافير؟
الشيخ: الطيور وخصوصا العصافير الآن الظاهر أنها ما تصاد لأنها بدأت تفرخ هذا وقت فراخها أما الأشهر الحرم فلا يمتنع فيها الصيد بل إن العلماء اختلفوا هل يحرم فيها القتال أو لا؟ أكثر العلماء على أن تحريم القتال منسوخ في الأشهر الحرم والصحيح أنه ليس بمنسوخ وأنه لا يجوز إبتداء الكفار بالمقاتلة في الأشهر الحرم ويجوز قتال الدفاع ويجوز استمرار القتال السابق عن الأشهر كما في قصة قتال الطائف فإن الرسول ﷺ قاتلهم في ذي القعدة.
стр. 1461
مسألة: حرم المدينة أخف من جهة أن حرم مكة مجمع عليه ومن جهة أن حرم مكة يشرع لقاصده الإحرام ومن جهة أن حرم مكة فيه بيت الله وقبلة المسلمين أما المدينة ففيها خلاف بين علماء السلف والخلف هل هي حرم أو غير حرم ولكن الصحيح أنها حرم.
السائل: الذي يسافر بمفرده بالطائرة في هذه الأيام فهل ينطبق عليه الحديث (المسافر شيطان) علماً بأن الطائرة مزدحمة بالناس؟
الشيخ: لا، كم في الطائرة من راكب؟ أقول هذه ما فيها إشكال، نحن الآن نرى أن المسافر في سيارته في الخطوط المعمورة ليس منفردا يعني مثلا عندنا الآن طريق الرياض القصيم لو ذهب الإنسان وحده في سيارته فهو غير مسافر وحده لأن الخط مملوء فهو كالذي يسير وحده بسيارته في داخل البلد.
السائل: أحسن الله إليكم شيخنا ما حكم إيداع مبلغ من المال في بنك ربوي عندما يأمر المسؤول بذلك؟
الشيخ: الموظفون ليس عليهم ذنب إذا أحيلوا على البنوك والذنب على من أودع في البنوك هذا إن كان في ذلك ذنب لأن الإيداع في البنوك إن كانت لا تتعامل إلا بالربا مائة بالمائة فالإيداع فيها حرام لأن المودع يعلم أن ماله سيذهب في الربا أما إذا كان للبنوك موارد أخري غير الربا كالمقاولات والتجارات وما أشبه ذلك فالإيداع فيها ليس بمحرم لكن تركها أولى.
السائل: أحسن الله إليكم يا شيخنا هل يجوز لشخص يحج مجانا لكونه عاملا أو نحوه أن يحج عن غيره حجة بدل ويستفيد من مال حجة البدل لنفسه؟
الشيخ: نعم إذا وافق من أعطاه المال فلا بأس وإلا فلا يجوز إلا إذا كان ذهابه مع هذه الحملة يعمل يعني بمعنى أنهم أسقطوا عنه النفقة والأجرة من أجل عمله فهنا لا بأس بذلك لأن أهل الحملة في هذا الحال لن يمنوا عليه.
فصل
стр. 1462
القارئ: وما وجب من الهدي والإطعام جزاء للصيد لزم إيصاله إلى مساكين الحرم لقول الله تعالى (هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ) وكذلك دم التمتع والقران لأنه نسك فأشبه الهدي ودم فدية الأذى يختص بالمكان الذي وجب سببه فيه لأن النبي ﷺ أمر كعب بن عجرة بالذبح والإطعام بالحديبية ولم يأمر بإيصاله إلى الحرم ونحر علي ﵁ حين حلق رأس الحسين بالسقباء وفي معناه ما وجب بلبس أو طيب أو نحوه وقال القاضي ما وجب بفعل محظور فيه روايتان إحداهما محله حيث وجد سببه كفدية الأذى والإحصار والثانية محله الحرم لقول الله تعالى (ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ) وقال ابن عقيل إن فعل المحظور لعذر يبيحه فمحل هديه موضع فعله وإن فعل لغير عذر فمحله الحرم وأما هدي المحصر فمحل نحره محل حصره لما روى ابن عمر أن رسول الله ﷺ خرج معتمرا فحالت كفار قريش بينه وبين البيت فنحر هديه وحلق رأسه بالحديبية روى البخاري نحوه وبين الحديبية والحرم نحو ثلاثة أميال ولأنه جاز التحلل في غير موضعه للحصر فيجوز النحر في غير موضع النحر وعن أحمد لا يجوز نحره إلا في الحرم لقول الله تعالى (هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ) فعلى هذا يبعثه إلى الحرم ويواطئ من يبعثه على اليوم الذي ينحره فيه فيحل حينئذ وأما الصيام كله فيجزئه بكل مكان لأنه لا نفع فيه لأهل المكان فلم يختص بالمكان كرمضان.
الشيخ: هذه القطعة تفيد أن الدماء الواجبة تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
الأول ما يجب أن يكون في الحرم وهو جزاء الصيد ودم المتعة والقران وكل دم وجب لترك واجب فهذا يجب أن يكون في الحرم أي داخل حدود الحرم سواء في مكة أو في منى أو في مزدلفة أو في غيرها من الأمكنة المهم أن يكون داخل حدود الحرم.
стр. 1463
والثاني ما يكون حيث وجد سببه وهو دم الحصار إذا أحصر الإنسان أي منع من الوصول إلى مكة فإنه يذبح هدي الإحصار حيث كان حصره ودليل ذلك أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم نحر هديه في الحديبية حيث حصر ولم يرد عن النبي ﵊ أنه كان يدخل الهدي إلى داخل الحرم بل نحره في مكانه ومعلوم أن الحديبية بعضها من الحل وبعضها من الحرم ولهذا كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم نازلا في الحل ويصلي في الجانب الحرمي منها.
الثالث ما وجب لفعل محظور كحلق الرأس ولبس الثياب وما أشبه ذلك غير جزاء الصيد فهذا على المذهب يخير بين أن يذبحه في مكان فعل المحظور لأنه مكان سببه أو في مكة لأن الأصل في الهدايا أن تبلغ الكعبة وهذا هو المذهب وهو الصحيح أن الإنسان يخير في ما وجب لفعل محظور سوى جزاء الصيد بين أن يذبحه في مكانه لوجود سببه فيه أو ينقله إلى مكة لأن الأصل في الهدايا أن تكون بالغة الكعبة.
وذكر المؤلف الخلاف في هذه المسألة أن بعض الأصحاب قال لا بد أن يوصله إلى مكة قياسا على جزاء الصيد وبعضهم قال بالتفصيل إن كان فعله لعذر ففي مكانه لحديث كعب بن عجرة وإن فعله لغير عذر فيجب أن يوصله إلى الكعبة أي إلى الحرم لكن المذهب هو الأول وهو الصحيح.
السائل: قول المؤلف ﵀ وما وجب من الهدي والإحصار جزاء للصيد وجب إيصاله إلى مساكين الحرم فهل يعني هذا أنه لا يجوز إخراج لحم الهدي خارج مكة؟
الشيخ: الهدي الذي يجب توزيع جميعه لا يجوز أن يخرج عن مكة مثل ما وجب لترك واجب أو فعل محظور هذا لا بد أن يوزع جميع لحمه في مكة وأما الذي يجوز الأكل منه مثل دم المتعة فيجوز أن ينقل منه إلى خارج مكة بعد أن يذبح في الحرم لكن يجب أن يعطى فقراء الحرم منه ولكن إذا قبضته الدولة فالدولة نائبة عن الفقراء فإذا قبضته فكأنه قبضه الفقراء وحينئذ لها أن ترسله إلى الخارج.
فصل
(في وجوب الذبح في الحرم)
стр. 1464
القارئ: وما وجب لمساكين الحرم لم يجز ذبحه إلا في الحرم وفي أي موضع منه ذبح جاز لقول النبي ﷺ (كل منى منحر وكل فجاج مكة منحر وطريق) رواه ابن ماجه مفهومه أنه لا يجوز النحر في غيره مما ليس في معناه.
الشيخ: إذاً لا بد فيما وجب في الحرم أن يذبح في الحرم ويفرق في الحرم وبناءً على ذلك لو أن الإنسان ذبح هدي المتعة والقران في عرفة كما فعله بعض الناس لأنها أوسع من منى وأوسع من مزدلفة فلو ذبح هديه في عرفة ثم دخل بلحمه إلى الحرم فإنه لا يجزئه لأنه لم يذبحه في مكان ذبحه.
وقيل إنه يجزئ لأن العلة في ذبحه في الحرم من أجل إيصاله إلى أهل الحرم وقد أوصله إذا دخل بلحمه إلى الحرم لكن الأقرب أنه لا يجزئ لأن المقصود أمران:
أحدهما أهم من الآخر الأمر الأول الذبح لله وهو عبادة مستقلة بنفسه.
والثاني نفع الفقراء فإذا تخلف الأول وذبحه في مكان آخر ومن المعلوم أن الحل دون الحرم في الفضيلة يعني لو أنه ذبحه في الحرم فقد انتقل من مفضول إلى أفضل لكن كونه يذبحه في الحل فيذبحه في مكان مفضول معرضا عن الفاضل فهذا لا يجزئ فالصواب أنه لا يجزئ إذا ذبحه خارج الحرم ولو فرق لحمه في الحرم إذاً ما وجب في الحرم يجب ذبحه وتفريق ما يجب تفريقه من لحمه في الحرم.
القارئ: وإذا نحره وفرقه على المساكين فإن أطلقها لهم يقتطعونها جاز لأن النبي ﷺ نحر بدنات خمسا ثم قال من شاء فليقتطع. رواه أبو داود.
الشيخ: إذاً إذا ذبحه جاز أن يفرقه بنفسه وأن يأذن للمساكين أن يأخذوا منه.
стр. 1465
فإن ذبحه وتركه فإنه لا يجزئه إلا إذا كان حوله مساكين أخذوه أما إذا ذبحه ورمى به فلا يجزئه لأن الله قال (فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا) ومن ذبح ورمى به وليس حوله من يأخذه فلم يطعم فلا يجزئ وعلى هذا ما نشاهده في أماكن كثيرة في منى وحولها مما ذبح وترك لا يجزئ أهله لأنه لا بد من أمرين إما أن يفرق هو بنفسه اللحم الواجب تفريقه وإما أن يأذن لهم بأخذه.
القارئ: ومساكين الحرم من حله من أهله وغيرهم لأن النبي ﷺ أطلقها لمن حضره.
الشيخ: وفيهم من ليس من أهل مكة فالحجاج الذين مع الرسول ﵊ نحو مائة ألف وأهل مكة في ذلك الوقت قليل أقل بكثير من هذا فإذا قيل مساكين الحرم فالمراد من كان في الحرم من المساكين من مستوطن وغير مستوطن.
لم يذكر المؤلف ﵀ ما الذي يجب توزيعه من الهدي فنقول القاعدة كل ما وجب جبرانا فإنه لا يؤكل منه كالدم الذي لترك واجب والدم الذي لفعل محظور فهذا لا يؤكل منه بل يعطى المساكين لأنه لجبران نقص أو انتهاك محرم فيكون كالكفارة وما وجب شكرانا فهذا يأكل منه الإنسان ويهدي ويتصدق مثل دم المتعة والقران فالإنسان يأكل منه ويهدي ويتصدق وما يجب بذله من ذلك فهو أقل ما يقع عليه اسم اللحم.
стр. 1466
أما دم الإحصار فإن غلبنا جانب الجبران قلنا لا يؤكل وإن غلبنا جانب الشكران قلنا إنه يؤكل وإذا نظرنا إلى الأمر وجدنا أننا نغلب جانب الشكران أنه شكر لله على التحلل من النسك الذي تلبس به ولهذا لا يجزئ هذا النسك عن الفريضة ولو كان جبرانا لأجزأ عن الفريضة لأنه يجبرها فهو من باب الشكران ولهذا عبر الله عنه كما عبر عن دم المتعة فقال جل وعلا (فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ) وقال تعالى في التمتع (فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ) وقال في جزاء الصيد وفدية الأذى (فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ) فدل ذلك على الفرق وعليه فدم الإحصار يجوز أن تأكل منه وأن تهدي وتطعم الفقراء لكن لا بد من إطعام الفقراء.
أما الزمن فدم المتعة والقران زمنه كزمن الأضحية يعني في يوم العيد وما بعده ثلاثة أيام.
وأما غيره فوقته وقت وجود سببه مثل ما وجب لفعل محظور أو ترك واجب أو ما أشبه ذلك فحيث وجد السبب.
باب دخول مكة وصفة العمرة
القارئ: ويستحب لمن أراد دخول مكة أن يغتسل ويدخلها من أعلاها من ثنية كَداء ويخرج من أسفلها لما روي عن ابن عمر أنه كان يغتسل ثم يدخل مكة ويذكر أن النبي ﷺ كان يفعله وقال دخل رسول الله ﷺ مكة من الثنية العليا التي بالبطحاء وخرج من الثنية السفلى متفق عليهما.
стр. 1467
الشيخ: أولاً يسن لمن أراد دخول مكة أن يغتسل استعدادا للطواف حول البيت والثاني أن يدخل من أعلاها ودخوله من أعلاها وخروجه من أسفلها هل هذا تعبد أو لأنه أسهل؟ على كلام المؤلف أنه من باب التعبد وعلى هذا فإذا جئت من طريق جدة تدور حول مكة وتدخل من أعلاها من الشرق وقال بعض أهل العلم إن هذا من باب الأسهل وأن الرسول ﵌ دخل من أعلاها وخرج من أسفلها لأنه أسهل فإن تيسر لك أن تدخل من أعلاها وتخرج من أسفلها فهذا هو المطلوب وإن لم يتيسر كما هو الغالب في عصورنا هذه فادخل حيث تيسر لك.
وأما الاغتسال فهل نقول إن الاغتسال في السيل الآن للإحرام يغني عن الاغتسال لدخول مكة لأنه ليس بينه وبين دخول مكة إلا ساعة أو نحوه أو نقول إذا أردت تطبيق السنة عند دخول مكة قف واغتسل؟ هذا محل تردد عندي أنا متردد في ذلك لأن الذين يغتسلون في السيل أو يغتسلون في رابغ يقدمون إلى مكة دون أن يحصل لهم شعث أو غبرة فالمقصود حاصل وفيما لو قلنا بأنه سنة عند دخول مكة مع قرب اغتسالهم للإحرام مشقة على الناس وربما يأتي إنسان يقول أنا أريد أن أفعل السنة ويفعلها الثاني والثالث فيحصل زحام فالظاهر إن شاء الله أنه يكتفى بالاغتسال إذا كان عند ركوبه إلى مكة أما من أحرم من ذي الحليفة فالمسافة بعيدة فيغتسل عند دخول مكة.
القارئ: ويستحب أن يدخل المسجد من باب بني شيبة لقول جابر أن النبي ﷺ دخل مكة ارتفاع الضحى فأناخ راحلته عند باب بني شيبة ودخل المسجد رواه مسلم.
الشيخ: وهذا كالأول هل هو مقصود أم حصل اتفاقا؟
стр. 1468
وباب بني شيبة يقابل الباب الذي يدخل منه الناس الآن من عند المسعى وكان باب بني شيبة أدركناه كان فيه قوس على عمودين قريبا من مقام إبراهيم ومكان زمزم وأنا أتعجب كيف يسع الناس هذا القليل من الأرض يعني باب بني شيبة كان قريبا جدا إلى مقام إبراهيم وإلى مكان زمزم لكن الآن إذا أخذت اتجاها خطا مستقيما تخرج من عند ما يسمونه الآن باب السلام.
القارئ: ويستحب أن يدعو عند رؤيته البيت ويرفع يديه لما روى ابن جريج أن رسول الله ﷺ كان إذا رأى البيت رفع يديه وقال (اللهم زد هذا البيت تشريفا وتعظيما ومهابة وبرا وزد من شرفه وكرمه ممن حجه واعتمره تشريفا وتعظيما وبرا) رواه الشافعي في مسنده.
الشيخ: هذا الحديث ضعيف لأنه مرسل ولهذا لم يستحبه بعض أهل العلم وقال ليس هناك دعاء عند رؤية البيت وإنما يدخل المسجد الحرام ويقول كما يقول في أي مسجد آخر.
القارئ: وعن سعيد بن المسيب أنه كان حين ينظر إلى البيت يقول (اللهم أنت السلام ومنك السلام حينا ربنا بالسلام) ذكر الأثرم هذا الدعاء وزاد (الحمد لله رب العالمين كثيرا كما هو أهله وكما ينبغي لكرم وجهه وعز جلاله الحمد لله الذي بلغني بيته ورآني لذلك أهلا الحمد لله على كل حال اللهم إنك دعوت إلى حج بيتك الحرام وقد جئتك لذلك اللهم تقبل مني واعف عني وأصلح لي شأني كله لا إله إلا أنت) وما زاد من الدعاء فحسن.
الشيخ: ولكن إذا قلنا بأن العبادات توقيفية كما هو واضح فإنه إذا لم يثبت هذا عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فلا يقال لأن هذا سنة قولية وفعلية ومكانية فلا بد من ثبوتها عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وإلا فيقال هذا اجتهاد ممن فعله وليس كل مجتهد مصيباً.
فصل
البدء بالطواف عند القدوم
стр. 1469
القارئ: ويبدأ بالطواف لما روت عائشة (أن النبي ﷺ حين قدم مكة توضأ ثم طاف بالبيت) متفق عليه ولأن الطواف تحية المسجد فاستحبت البداءة به كالركعتين في غيره من المساجد.
الشيخ: أما الأول فصحيح ولا حاجة للتعليل الذي ذكره المؤلف فيكفي حديث عائشة أن النبي ﷺ أول ما يقدم مكة يبدأ بالطواف قبل أن يذهب إلى بيته ينيخ راحلته صلوات الله وسلامه عليه عند البيت ويطوف وأما قوله ﵀ ولأن الطواف تحية المسجد فهذا غير صحيح تحية المسجد الحرام كغيره من المساجد لعموم قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلى ركعتين) لكن من دخل ليطوف فطاف كفته ركعتا الطواف عن تحية المسجد.
القارئ: وينوي المتمتع به طواف العمرة وينوي المفرد والقارن الطواف للقدوم.
الشيخ: والأول ركن والثاني سنة يعني الطواف هذا ركن بالنسبة للمتمتع وسنة بالنسبة للقارن والمفرد والدليل على سنيته حديث عروة بن المضرس أنه سأل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم صبيحة يوم العيد في مزدلفة أنه أتى من جبل طي ولم يدع جبلا إلا وقف عنده ولم يذكر أنه دخل مكة وطاف ولم ينبهه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم على ذلك فدل على أن طواف القدوم ليس بواجب بالنسبة للقارن والمفرد.
القارئ: ويسن الاضطباع فيه وهو أن يجعل وسط الرداء تحت منكبه الأيمن ويتركه مكشوفا ويرد طرفيه على منكبه الأيسر لما روى ابن عباس أن النبي ﷺ وأصحابه اعتمروا من الجعرانة فرملوا بالبيت وجعلوا أرديتهم تحت آباطهم ثم قذفوها على عواتقهم اليسرى رواه أبو داود.
стр. 1470
الشيخ: عمرة الجعرانة كانت في ذي القعدة حين رجع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من الطائف ونزل في الجعرانة فدخل ليلاً مع بعض أصحابه وليس مع الجميع فأتى بعمرة ﵊ واضطبع وكيفية الاضطباع أن يجعل وسط الرداء تحت إبطه الأيمن وطرفيه على كتفه الأيسر في جميع الطواف وليس في الثلاثة الأشواط الأولى منه وليس في السعي بعده ولا في السير قبله خلافاً لما عليه عامة المسلمين اليوم مع الأسف أنهم يضطبعون من حين أن يحرموا ولكن هذا جهل منهم والواجب على طلبة العلم أن ينبهوا على هذا.
القارئ: ويطوف سبعاً يبتدئ بالحجر الأسود فيستلمه لقول جابر حتى أتينا البيت معه استلم الركن فرمل ثلاثا ومشى أربعا ومعنى استلامه مسحه بيده ويستحب تقبيله لما روى أسلم قال رأيت عمر بن الخطاب قبل الحجر وقال إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ قبلك ما قبلتك متفق عليه فإن لم يمكنه تقبيله استلمه وقبل يده لما روي أن النبي ﷺ استلمه وقبل يده رواه مسلم.
الشيخ: المؤلف ﵀ تعبيره بقوله (لما روي) مع أنه في مسلم على غير اصطلاح المحدثين لأن روي إنما تقال في الحديث الضعيف فيجب أن ينتبه لهذا.
القارئ: فإن استلمه بشيء في يده قبله لما روى ابن عباس قال رأيت رسول الله ﷺ يطوف بالبيت ويستلم الركن بمحجن معه ويقبل المحجن رواه مسلم وإن لم يمكنه أشار بيده إليه لما روى ابن عباس أن النبي ﷺ طاف على بعير كلما أتى الركن أشار إليه وكبر.
الشيخ: هذه المراتب أربعة أعلاها أن تستلم وتقبل ثم أن تستلم بيدك وتقبلها ثم أن تستلم بشيء في اليد كمحجن أو مقصرة أو ما أشبه ذلك وتقبلها ثم الإشارة ولا تقبل لأن ذلك لم يرد عن النبي ﵊ ولأنه لا يمكن قياس الإشارة على الاستلام لأن الاستلام قد باشر الحجر.
стр. 1471
فإن قال قائل هل إذا علمت أنني لن أصل إليه بيدي هل يسن أن أحمل عصا حتى أستلم به الحجر وأقبل العصا؟ نقول لا لأن الرسول ﵊ لم يحمل المحجن إلا من أجل البعير فهو لحاجة ثم إنه فيه أذية للناس فلذلك لا يسن أن يحمل الإنسان العصا من أجل أن يستلم بها الحجر.
وفي قول عمر ﵁ إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع إشارة إلى كمال توحيده ﵁ وأن النفع والضرر إنما هو بالله أما الأحجار وغيرها فلا تضر ولا تنفع.
وفيه أيضاً رد لما يفعله بعض الناس الآن من التبرك في مس الكعبة من أي جانب كان وقد رأينا بعض الناس يكون معه أطفاله فيستلم الركن اليماني ثم يمسح أطفاله بيده ولا شك أنه أراد بذلك التبرك وهذا غلط يجب على طلبة العلم إذا رأوا أحدا يفعل ذلك أن يبينوا له أن هذا ليس بمشروع وأن هذه الأحجار لا تنفع ولا تضر ولو أنا قدسنا الكعبة لأنها حجر لكان هذا نوع من الوثنية لكنا نقدسها لأنها بيت الله ولا نقدسها إلا على حسب ما جاءت به شريعة الله فقط.
وفيه أيضا قوة التأسي من عمر رضى الله عنه برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم حيث قال لولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقبلك ما قبلتك.
стр. 1472
وفيه أيضا أن بعض أفعال الحج تعبدي محض لا نعلم له علة إلا مجرد التعبد وكون الإنسان يتعبد الله بما لا يعقل معناه هذا أكمل في العبادة صحيح أن الإنسان إذا علم المعنى وعقله يكون أشد قبولا للعبادة لأن نفسه تطمئن أكثر لكن إذا تعبد بشيء لم يعلم الحكمة منه كان هذا أدل على ذله وخضوعه لله وأنه مسلِّم لشرعه كما هو مسلِّم لقدره ومن ذلك كوننا نأخذ حجرات ونرمي بها مكاناً معيناً وأعنى بذلك الجمرات هل هذا إلا عبادة محضة وتسليم للشرع؟ وأما ما ذكر أن الشيطان تعرض لإبراهيم في هذا المكان وأنه رماه بالحصى فهذا لا صحة له بل يقال أن هذا موضع رماه النبي ﷺ بأحجار فنحن نتعبد لله تعالى متأسين برسوله الله ﵊.
القارئ: ويستحب أن يقول عنده ما روى عبد الله بن السائب أن النبي ﷺ قال عند استلامه بسم الله والله أكبر إيمانا بك وتصديقا بكتابك ووفاءً بعهدك واتباعاً لسنة نبيك محمد ﷺ .
الشيخ: وهذا الحديث فيه ضعف لكنه صح من فعل ابن عمر ﵄ فقوله في الابتداء طيب (بسم الله والله أكبر اللهم إيمانا بك) يعني أفعل هذا إيمانا بك (وتصديقاً بكتابك ووفاءً بعهدك واتباعا لسنة نبيك ﷺ .
القارئ: ويحاذي الحجر بجميع بدنه ليستوعب جميع البيت بالطواف ثم يأخذ في الطواف على يمين نفسه ويجعل البيت على يساره ويطوف سبعا يرمل في الثلاثة الأولى.
стр. 1473
الشيخ: قوله يحاذي الحجر بجميع بدنه هذا المذهب وأنه لا بد أن تحاذي الحجر بجميع البدن وقيل إذا حاذاه ببعض بدنه كفى وهذا ينفعك عند الزحام الشديد ولكن الاحتياط أن تحاذيه بجميع البدن ومن نعمة الله أنه وضع الآن خط بنيّ يعرف به ابتداء الطواف وانتهاء الطواف أيضاً وكان فيما سبق هناك خطان أحدهما على يمين الحجر والثاني على يساره بحيث يكون الحجر متوسط بينهما لكن حصل في ذلك مفسدة فصاروا يبدؤون من الخط الذي دون الحجر وينتهون بالخط الذي قبل الحجر وهذا معناه أنهم لم يكملوا الطواف فيسر الله إزالة الخطين واقتصر على خط واحد يبتدئ من قلب الحجر نسأل الله تعالى أن يوفق الحكومة لما فيه الخير، وأن يديم هذا الخط حتى لا يلتبس الأمر لأنه كان بالأول ولا سيما مع الزحام وبعد الإنسان عن الكعبة يحصل عندهم ارتباك هل أنا وازنت الحجر أم لم أوازنه وتجد الإنسان ربما يأخذ مسافة كبيرة احتياطية مع المشقة الشديدة عليه لكن الحمد لله هذا ريَّح الناس.
القارئ: ويطوف سبعا يرمل في الثلاث الأول منها وهو إسراع المشي مع مقاربة الخطى ولا يثب وثبا.
الشيخ: هذا الرمل له سبب سببه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما صالح قريشا في الحديبية على أن يأتي معتمرا في العام القادم وجاء أراد المشركون أن يشمتوا بالرسول وأصحابه فقالوا إنه يقدم عليكم قوم وهنتهم حمى يثرب يعني حمى المدينة نجلس وننظر فجلسوا نحو دار الندوة من شمال الكعبة فأمر النبي ﷺ أصحابه أن يرملوا في الأشواط الثلاثة من الحجر إلى الركن اليماني وأن يمشوا ما بين الركنين.
أولا لم يأمرهم في إكمال السبعة لئلا يشق عليهم ذلك.
стр. 1474
وثانيا أذن لهم أن يمشوا ما بين الركنين لأنهم في هذا المكان يغيبون عن قريش لا يشاهدونهم والمقصود من الرمل إغاظة المشركين وإذا غابوا عنهم لا يدرون عنهم لكن في حجة الوداع رمل النبي ﵊ في الأشواط الثلاثة كلها من الحجر إلى الحجر فعلم بهذا أن هذه السنة ثابتة ولو زال سببها وأنها أيضا زيدت على ما كانت عليه عند وجود السبب لأنها في ذلك الوقت كانت مبنية على السبب مع التعبد لله بإغاظة المشركين أما في حجة الوداع فهي تعبد محض فهل نحن إذا رملنا نتذكر أن سبب هذا الرمل إغاظة المشركين؟ قليل من يتذكر هذا ولكن ينبغي أن نشعر بهذا أننا نفعله تعبدا لله واتباعا لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ونذكر أننا مأمورون بكل ما يغيظ الكفار بل قد قال الله تعالى (يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ) وقال تعالى (وَلا يَطَأُونَ مَوْطِئاً يُغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِح) فينبغي أن نتذكر هذه المعاني الجليلة أن أصل هذا الرمل هو إغاظة المشركين.
وقول المؤلف في تفسيره إسراع المشي مع مقاربة الخطى هل المعنى أنه يتقصد تقريب الخطى أو المعنى الإسراع بدون مد الخطوة لأنه جرت العادة أن الإنسان إذا أسرع تمتد خطوته؟ يحتمل هذا وهذا والثاني عندي أقرب أن المعنى إسراع المشي لكن بدون أن يمد خطوه بل يكون على العادة وأما ما يفعله بعض الناس الآن في الرمل من كونه يمشي الهوينا ولكن يهز كتفيه كأنه يرقص فهذا لا شك أنه خطأ حتى ولو في الزحام من قال أنه يشرع هز الكتفين؟ في الزحام امش على العادة لا تشق على الناس ولا تشق على نفسك.
стр. 1475
إذا كان محمولا أو كان على عربية فهل يشرع لحامليه أن يرملوا ولمن يدف العربية أن يسرع؟ قال بعض العلماء لا لأن الإسراع إنما المقصود به بيان جلد الطائف وقوته والمحمول لا يتحرك وكذلك المدفوف وعندي في هذا توقف ويحتاج إلى تحرير إن شاء الله تعالى وربما نحرره.
القارئ: ويمشي أربعاً لحديث جابر وروى ابن عمر قال كان رسول الله ﷺ إذا طاف بالبيت الطواف الأول خب ثلاثا ومشى أربعا متفق عليه ولا يرمل في غير هذا الطواف لذلك فإن ترك الرمل في الثلاث لم يقضه في الأربع لأنه سنة فات محلها فلم يقضه في غيره كالجهر في الأوليين لا يقضى في الأخريين.
الشيخ: ولأنه لو قضاه في الأربعة الباقية لفوت السنة في الأربعة لأن الأربعة السنة فيها المشي وكما قال المؤلف سنة فات محلها كما أن الإنسان لو شرع في الفاتحة ونسي الاستفتاح فإنه لا يشرع له قضاؤه ويقال إنه سنة فات محلها وكذلك ما ذكره المؤلف الجهر في الأوليين لا يقضى في الأخريين لأنه لو قضاه لفوت السنة في الأخريين لأن السنة فيها الإسرار.
السائل: هل يشرع الإنكار على من يتمسح مثلاً بالكعبة وما أشبه ذلك وهو يطوف؟
الشيخ: نعم ما لم يصل الحد إلى الإخلال بالطواف مثل أن يكون الناس كثيرين ولو ذهب ينصح كل واحد لفاته مقصود الطواف هذه واحدة والشيء الثاني لا بد أن يغلب على الظن قبول الحاج لأن بعض الناس ما يقبل أبدا وربما يقول لك أنت وهابي.
القارئ: ولو فاته الرمل والاضطباع في هذا الطواف لم يقضه فيما بعده كمن فاته الجهر في الصبح لم يقضه في الظهر ويكون الحجر داخلا في طوافه لأن الحجر من البيت.
следующие страницы →