Полный текст (2 447 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.
стр. 1401
الشيخ: هذا فيه نظر والصواب أنه يجوز أن يعقد الرداء وما روي عن ابن عمر ﵄ فهو على سبيل الاحتياط وابن عمر ﵁ من أشد الصحابة ﵃ فالصواب أن عقد الرداء جائز لكن نظراً للخلاف ينبغي للإنسان أن لا يفعله إلا عند الحاجة وشبكه بدون عقد نقول كالعقد فيكره على ما ذهب إليه المؤلف وهذا إذا كان الشبك في مشبكٍ واحد أما ما يفعله بعض الناس يشبك الرداء من عند الحنجرة إلى العانة ففي جواز هذا نظر لأن هذا صار كالقميص أما إذا عقده الإنسان ولا سيما عند الحاجة فلا بأس لأن بعض الناس يحتاج إلى عقده مثل أن يكون هو الذي يتولّى الطبخ أو إحضار الشاي أو القهوة أو ما أشبه ذلك.
القارئ: ولا يجوز له أن يزره عليه ولا يخله بشوكةٍ ولا غيرها ولا يغرز طرفيه في إزاره لأنه في معنى عقده وله أن يعقد إزاره لأنه يحتاج إليه لستر العورة ولذلك جاز للمرأة لبس المخيط في إحرامها لكونها عورة وله أن يشد وسطه بعمامةٍ أو حبل ولا يعقده ولكن يدخل بعضه في بعض.
الشيخ: لا شك أن هذا لا دليل عليه يعني كون الإزار له أن يعقده لأنه يحتاج إليه لستر العورة وله أن يشد وسطه بعمامة أو حبل ولا يعقده ولكن يدخل بعضه في بعض هذا لا دليل عليه ولهذا نقول لك أن تشد وسطك بخيط أو عمامة وأن تعقده.
القارئ: وله أن يلبس الهميان الذي فيه نفقته ويدخل السيور بعضها في بعض فإن لم يثبت عقده لقول عائشة أوثق عليك نفقتك رواه سعيد بن منصور بمعناه ولأن هذا مما تدعو الحاجة إلى عقده فجاز كالإزار فأما المنطقة وما لا نفقة فيه فلا يجوز عقده لعدم الحاجة إليه فإن احتاج إلى عقد المنطقة لوجع ظهره فعل وفدى نص عليه لأن هذا نادرٌ فأشبه حلق الشعر لوجع الرأس.
الشيخ: عرفنا أنه لا يشد على وسطه شيئاً إطلاقاً وأنه إن احتاج إلى شد الشيء فإنه يفعله ولكن عليه الفدية وأما ما فيه النفقة فقد دعت الحاجة إلى ذلك فلا بأس بشده مثل الكمر توضع فيه النفقة وما أشبهها.
стр. 1402
القارئ: فأما القباء ونحوه فقال الخرقي يطرحه على كتفيه ولا يدخل يديه في كميه لأنه لا يحيط ببدنه أشبه الاتشاح بالقميص وقال القاضي عليه الفدية لأنه لبس المخيط على العادة في لبسه فلزمه الفدية كما لو أدخل يديه في كميه.
الشيخ: والمشلح مثل القباء كان قديماً يأتي لباس يسمونه الزبون له أكمام يلبسه الإنسان ويدخل كميه لكن العباءة أو المشلح أهون منه إذ أنه ليس لليد كمٌ مستطيل وإنما لليد فتحة كما هو معروف أما القباء فله يد لكن على كل حال الصحيح أنه إذا لبسه على الهيئة المعتادة فإنه لا ينبغي لأنه يخرج بذلك عن كون هيئته هيئة محرم.
القارئ: ومن لم يجد إزاراً فله لبس السراويل ولا فدية عليه لما روى ابن عباسٍ أن رسول الله ﷺ قال (من لم يجد إزاراً فليلبس السراويل ومن لم يجد نعلين فليلبس الخفين) متفقٌ عليه ومن عدم الرداء لم يبح له لبس القميص لأنه يمكنه أن يرتدي به على صفته ولا يمكنه أن يأتزر بالسراويل ومتى وجد الإزار لزمه خلع السراويل للخبر.
الشيخ: قال (من لم يجد السراويل) وعلى هذا فإذا لم يجد الإزار عند الإحرام ولبس السراويل ثم وجد الإزار فيجب عليه أن يخلعه.
مسألة: لا يجوز للمحرم أن يشرب قهوة فيها زعفران قد ظهر ريحه أما إذا زال ريحه بالطبخ فلا بأس.
القارئ: ويحرم على المحرم لبس الخفين للخبر فإن لم يجد نعلين لبس الخفين ولا يقطعهما ولا فداء عليه لحديث ابن عباس وعنه لا يلبسهما حتى يقطعهما أسفل من الكعبين فإن فعل افتدى لأن في حديث ابن عمر زيادة والزيادة من الثقة مقبولة.
стр. 1403
الشيخ: والصحيح الأول أنه إذا لم يجد النعلين فليبس الخفين ولا يقطعهما وعلى هذا فيكون الأمر بالقطع منسوخاً ووجه النسخ أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يذكر هذا القيد في عرفة وإنما ذكره في المدينة قبل أن يخرج والناس في عرفة أكثر منهم في المدينة وإذا كان يخاطب الأكثر ولم يأمر بالقطع دل هذا على أن الله خفف على العباد ونسخ الأمر بالقطع وإلا فلو كان القطع واجباً لبلغه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلى الأمة في الجمع الأكثر وهو جمع يوم عرفة وهذا القول هو الراجح أنه لا يقطع كما أن في القطع أيضاً إضاعة لماليتهما لكن لو ثبت وجوب القطع لقلنا هذه الإضاعة ليست إضاعة في الواقع لأنها جاءت امتثالاً للأمر وقوله فإن فعل فدى هذا بناءً على أن جميع محظورات الإحرام ما عدا عقد النكاح فيها فدية وقد سبق لنا أن الذي ينبغي أن لا نلزم المسلمين بالفدية إلا فيما دل عليه الدليل.
القارئ: وإن لبس خفاً مقطوعاً مع وجود النعل فعليه الفدية للخبر.
الشيخ: إذا لبس خفاً مقطوعاً مع وجود النعل فهو حرام لأن النبي ﷺ لم يبح لبس الخف إلا عند عدم النعل وقال بعض العلماء إن له أن يلبس الخف المقطوع يعني الذي ليس له ساق وهو نازل عن الكعبين قالوا لأن النبي ﷺ أباحه من قبل لأنه كالنعل لما قطع صار كالنعل ولكن الأقرب للفظ الحديث أنه لا يجوز.
стр. 1404
القارئ: وليس له لبس الجمجم واللالكة في ظاهر كلام أحمد لأنه في معنى الخف المقطوع، فإن لم يجد النعلين فله لبس ذلك من غير فداءٍ كالخفين قال أحمد لا يلبس نعلاً لها قيد وهو السير المعترض على الزمام ويقطع العقب يعني الشراك قال القاضي إذا كانا عريضين يستران القدم فلا فدية فيه لأن حكمهما أخف من حكم الخف وقد أباح لبسه عند عدم النعل من غير قطع فهاهنا أولى ومن وجد نعلاً لا يمكنه لبسها لبس الخف وافتدى نص عليه لأن إسقاط الفدية مشروطٌ بعدم النعل والقياس أنه لا فدية عليه لأن العجز كالعدم في الانتقال إلى البدل وقد قام مقامه ههنا في الجواز فكذلك في سقوط الفدية.
الشيخ: هذا هو الصحيح لا شك فيه أنه إذا جاز اللبس للعدم جاز اللبس لعدم تمكنه من السير في النعل وليس عليه فدية ولا تحريم.
القارئ: فأما المحرمة فلها لبس المخيط كله إلا النقاب والقفازين والبرقع وشبهه لما روى ابن عمر أنه سمع رسول الله ﷺ (نهى النساء في إحرامهن عن القفازين والنقاب وما مس الورس والزعفران من الثياب ولتلبس بعد ما أحبت من ألوان الثياب من معصفرٍ أو خزٍ أو حليٍ أو سراويل أو قميصٍ أو خف) رواه أحمد بإسناده.
الشيخ: هذا صحيح المرأة لا يحرم عليها من اللباس إلا النقاب والقفازان لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال (لا تلبس القفازين) وقال (لا تنتقب) وما عدا ذلك من اللباس المباح لها قبل الإحرام فهو مباح لها بعد الإحرام.
القارئ: وروى البخاري منه (لا تنتقب المرأة ولا تلبس القفازين) ولأن إحرام المرأة في وجهها فحرم عليها تغطيته.
стр. 1405
الشيخ: قوله لأن إحرام المرأة في وجهها يظنه بعض الناس أنه حديث وليس كذلك ثم على تقدير صحة هذه العبارة إحرام المرأة في وجهها فالمعنى أن المرأة إنما يحرم عليها اللباس المختص بالوجه وهو النقاب وكذلك المختص بالكفين وهو القفازان وأما قوله فحرم عليها تغطيته ففيه نظر والصواب أن الحرام عليها إنما هو لبس النقاب وأما تغطيته فليس حراماً لكن لا شك أن الأفضل إبداؤه أي إبداء الوجه ما لم يمر الرجال قريباً منها فيجب عليها التغطية، وأما تغطية اليدين بغير القفازين فلا بأس وكذلك تغطية الوجه بغير النقاب لا بأس به إلا أن الأفضل أن يبقى الوجه مكشوفاً ما لم يمر من حولها الرجال.
القارئ: وإن احتاجت إلى ستره سدلت على وجهها من فوق رأسها ما يستره لما روت عائشة ﵂ أنها قالت كان الرجال يمرون بنا ونحن مع رسول الله ﷺ محرمات فإذا حاذونا سدلت إحدانا جلبابها على رأسها فإذا جاوزونا كشفناه رواه أبو داود، قال القاضي ويكون ما تسدله متجافياً لا يصيب البشرة ولم أجد هذا عن أحمد ولا هو في الحديث والظاهر أنه غير معتبر.
الشيخ: لا شك أن هذا هو الصواب أنه غير معتبر وعلى ما ذهب إليه القاضي يجب أن تلف المرأة على رأسها لفافة بحيث إذا سدلت الخمار يكون الخمار بعيداً عن الوجه وهذا مشقة.
فصل
стр. 1406
القارئ: السادس تغطية الرأس لنهي النبي ﷺ عن لبس العمائم ولقوله في الذي مات محرما (لا تخمروا رأسه فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا) ويحرم تغطية بعضه لأن النهي تناول جميعه ولا يجوز أن يعصبه بعصابةٍ ولا سير ولا يجعل عليه شيئاً يلصق به سواءٌ كان فيه دواء أو لا دواء فيه ولا يطينه بطينٍ ولا حناء ولا دواء يستره لأنه نوع تغطية وفيه الفدية لما ذكرنا في اللباس فإن حمل عليه طبقا أو وضع يده عليه فلا بأس لأنه لا يقصد به الستر ولو ترك فيه طيباً قبل إحرامه لم يمنع من استدامته لقول عائشة ﵂ كأني أنظر إلى وبيص الطيب في رأس رسول الله ﷺ وهو محرم ولا يمنع من تلبيده بصمغٍ وعسل ليتلبد ويجتمع الشعر فإن رسول الله ﷺ قال (إني لبدت رأسي) وهو محرم متفقٌ عليه.
стр. 1407
الشيخ: هذا القطعة من كلام المؤلف ﵀ فيها تحريم تغطية الرأس للمحرم ودليلها حديث ابن عباس ﵄ في الذي وقصته ناقته في يوم عرفة فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (لا تخمروا رأسه) أي لا تغطوه وكذلك تحريم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لبس العمامة فإنه يدل على تحريم كل ملبوسٍ على الرأس كالطاقية والغترة ونحوها وأما قوله فإنه لا يعصبه بسيرٍ ونحوه فهذا محل نزاع فإن من العلماء من قال يجوز أن يعصبه بالسير لأن من عصبه بالسير لا يقال إنه غطى رأسه فلا يحرم ودليل ما قاله المؤلف ﵀ أن المنهي عنه يتناول جميع الأجزاء فإذا قلت مثلاً لا تأكل هذه الخبزة فإنه يشمل كل جزءٍ فيها كلها ممنوعة فإذا قيل لا تغطوا رأسه شمل جميع الرأس فلا يغطى بأي شيء ولا شك أن الأحوط ألا يغطيه لكن إذا دعت الضرورة إلى ذلك فلا بأس يعني إذا دعت الضرورة إلى أن يعصب رأسه لوجعٍ كان به أو شج أو ما أشبهها فلا بأس بهذا وقوله لا يحرم عليه إذا حمل عليه طبقاً أو وضع يده عليه لأنه لا يقصد به الستر ومن ذلك إذا وضع عليه العفش فإنه لا بأس ولكن لو أنه أراد الحمل مع الستر فهل يغلب جانب الحظر ونقول إنه ممنوع أو يقال إنه ما دام يريد بذلك الحمل فلا بأس والستر يكون تبعاً؟ الظاهر الأول لقول النبي ﵌ (إنما الأعمال بالنيات) وصورة ذلك أن يقول أنا أستطيع أن أحمل الشنطة على كتفي مثلاً أو الفراش على كتفي لكن أحب أن أغطي رأسي عن الشمس فأحمل على الرأس نقول إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئٍ ما نوى.
стр. 1408
يقول أيضاً ولا يمنع من تلبيده بصمغٍ وعسل ليتلبد ويجتمع الشعر يعني لا بأس أن يضع على شعره صمغاً وعسلاً من أجل أن لا ينتفش ويثبت ومن المعلوم أنه إذا فعل ذلك فسوف يكون هذا الصمغ والعسل مانعاً من مباشرة الماء للشعر لكنه لا بأس به ولهذا أبيح المسح على العمامة مع كونه يمنع مباشرة الرأس وخفف في ذلك بالنسبة للرأس دون اليد والوجه والقدم لأن أصل تطهير الرأس مسامحٌ فيه لا يجب فيه إلا المسح وبناءً على ذلك نقول إذا لبدت المرأة رأسها بالحناء فهل لها أن تمسح عليه عند الوضوء أو نقول لا بد أن تزيل الحناء؟ الأول. لا بأس أن تمسح عليه ولو كان فيه حناء يمنع مباشرة الماء.
القارئ: ولا يمنع من تغطية وجهه لأن عثمان وسعداً وعبد الرحمن بن عوفٍ وزيد بن ثابتٍ أجازوه وعنه يمنع منه لأنه في بعض لفظ حديث ابن عباسٍ في الميت المحرم (ولا تخمروا وجهه ولا رأسه) متفقٌ عليه.
الشيخ: ولا شك أن الاحتياط أن لا يغطي الوجه ولكن لو غطاه فلا بأس لأن اللفظ المتفق عليه (ولا تخمروا رأسه) وأما زيادة (ولا وجهه) ففيها خلاف بين الرواة فمن صححها قال إنه يحرم تغطية الوجه ومن لم يصححها قال إنها شاذة والعبرة بما عليه الأكثر وهذا هو المشهور من المذهب أن تغطية المحرم وجهه ليس بحرام لكن الخروج من الخلاف ولا سيما عند الشبه القوية في الدليل أولى.
стр. 1409
القارئ: وفي تظليل المحمل روايتان إحاداهما ليس له أن يتظلل به لأن ابن عمر قال إضحَ لمن أحرمت له أي ابرز للشمس ولأنه ستر رأسه بما يقصد به الترفه أشبه تغطيته وتلزمه الفدية لما ذكرنا والثانية له أن يتظلل لأنه ليس بمباشرٍ للرأس أشبه الخيمة وله أن يتظلل بثوبٍ على عود لما روت أم الحصين قالت حججت مع رسول الله ﷺ حجة الوداع فرأيت أسامة وبلالاً وأحدهما آخذ بخطام ناقة النبي ﷺ والآخر رافعٌ ثوبه يستره من الحر حتى رمى جمرة العقبة رواه مسلم ولا بأس بالتظلل بالخيمة والسقف والشجر وأشباه ذلك لأنه لا يلازمه أشبه ظل الجبال والحيطان.
الشيخ: إذاً الستر ينقسم على هذا أربعة أقسام مباشر يقصد به الستر، ومباشر لا يقصد به الستر، ومنفصل يقصد به الستر ولكنه ملازم للإنسان، ومنفصل يقصد به الستر لكنه غير ملازم، فالأقسام إذاً أربعة:
الأول ما كان مباشراً يقصد به الستر وهذا حرام لأن هذا تغطيةٌ للرأس وقد قال النبي ﷺ (لا تخمروا رأسه).
الثاني مباشر يعني ملاصقاً للرأس لا يقصد به الستر فهذا لا بأس به مثل حمل المتاع على الرأس ونحوه ومن ذلك أيضاً الحناء لأن الذي يحني رأسه لا يقصد به ستره لكنه يقصد مصلحة أخرى.
الثالث غير ملاصق لكنه ملازم كالاستظلال بالمحمل والسيارة والشمسية وما أشبه ذلك فالمذهب أنه حرام وأنه لا يجوز أن يستظل بهذه الأشياء لأنها ملازمةٌ له فالشمسية بيده تسير بسيره والمحمل أو السيارة هو أيضاً يسير بسيرها فهو ملازم لها فيكون بذلك حراماً.
стр. 1410
الرابع ما كان غير ملازم كالخيمة والشجرة والجبل والصخرة هذه لا بأس بها بالإجماع لأنه ثبت (أن النبي ﷺ ضربت له القبة بنمرة وجلس فيها) ولكن الصحيح أن ما ليس بستر فهو حلال ومعلومٌ أن الستر إنما يكون بالملاصق أما غير الملاصق فهو منفصل والرأس بادي وأما قول ابن عمر إضحَ لمن أحرمت له فهذا على سبيل الاستحباب وليس على سبيل الوجوب ثم لو فرض أن ابن عمر ﵄ يرى وجوب ذلك فإن السنة تدل على عدم ذلك أي على عدم الوجوب وبناءً على هذا يجوز أن يستظل الإنسان بالشمسية وبالسيارة المسقوفة وما أشبه ذلك أما على المشهور من المذهب فلا يجوز حتى السيارة المسقوفة لا يجوز للمحرم أن يركبها إلا إذا كشف السقف فلا بأس.
فصل
стр. 1411
القارئ: السابع الطيب يحرم عليه استعماله في بدنه وثيابه لقول النبي ﷺ في الميت المحرم (ولا تقربوه طيبا) وقوله ﷺ (لا يلبس من الثياب ما مسه ورسٌ أو زعفران) وتجب به الفدية لما ذكرنا في اللباس ويحرم عليه المبخر بالطيب والمصبوغ به قياساًٍ على المزعفر ولا يجوز أن يأكل طيباً ولا أن يكتحل به ولا يستعق به ولا يحتقن به لأنه استعمالٌ للطيب وإن كان في الطعام طيبٌ يظهر ريحه لم يجز أكله لأنه يأكل طيبا وإن لم يظهر له ريحٌ جاز أكله وإن ظهر لونه لأن المقصود ريحه دون لونه وإن ظهر طعمه فظاهر كلام أحمد المنع منه لأن الطعم لا يكاد ينفك عن الرائحة وإن لبس ثوباً كان مطيبا وانقطع ريحه وكان بحيث إذا رش فيه ماءٌ فاح ريحه فعليه الفدية لأنه مطيب وإلا فلا وإن فرش فوق المطيب ثوبٌ صفيقٌ يمنع الرائحة والمباشرة فلا فدية عليه بالنوم عليه وإن كان الحائل بينهما ثياب بدنه فعليه الفدية لأنه يمنع من استخدام الطيب في ثيابه كما يمنع منه في بدنه والطيب كل ما يتطيب به أو يتخذ منه طيب كالمسك والكافور والعنبر والزعفران والورس والورد والبنفسج والأدهان المطيبة بشيء من ذلك كدهن الورد والبنفسج والخيري والزنبق ونحوها وفي الريحان الفارسي روايتان إحداهما ليس بطيب لأن عثمان بن عفان ﵁ قال في المحرم: يدخل البستان ويشم الريحان ولأنه إذا يبس ذهبت رائحته وأشبه نبت البرية والثانية هو طيب لأنه يتخذ للطيب أشبه الورد وفي سائر النبات الطيب الرائحة الذي لا يتخذ منه طيب كالمرزنجوش والنرجس والبرم وجهان قياساً على الريحان وقال أبو الخطاب في الورد والخيري والبنفسج والياسمين روايتان كالريحان والصحيح أنه طيب لأنه يتخذ منه طيبٌ فهو كالزعفران فأما نبت البرية كالشيح والقيصوم والإذخر والخزامى والفواكه كالإترج والتفاح والسفرجل والحناء فليس بطيب لأنه لا يقصد للطيب ولا يتخذ منه طيب فأشبه العصفر وقد ثبت أن
стр. 1412
العصفر ليس بطيب لقول النبي ﷺ (ولتلبس ما شاءت من ألوان الثياب المعصفر) وكان أزواج النبي ﷺ يحرمن في المعصفرات.
الشيخ: الطيب هو الذي يستعمل للطيب ويتخذ منه الطيب هذا الضابط وهذه الأنواع التي ذكرها ﵀ ما هي إلا أمثلة بقي أن يقال هناك أشياء مطيبة هي في نفسها ليست بطيب لكن مطيبة فحكمها حكم ما كان طيباً في نفسه مثل بعض الصابون يكون فيه طيب واضح ليس مجرد نكهة لكن طيب بحيث إن الإنسان إذا غسل به ظهرت ظهر ريحه في يده هذا حكمه حكم الطيب وأما مجرد الرائحة والذي إذا غسل به الإنسان لم يكن له رائحة هذا لا بأس به لأنه من جنس التفاح والنعناع والزهور الطيبة الرائحة.
القارئ: وإن مس المحرم طيباً يعلق بيده فعليه الفدية لأنه طيب يده وإن مس ما لا يعلق بيده كقطع الكافور والعنبر فلا فدية لأنه لم يتطيب.
الشيخ: هذا صحيح وبهذا يجب الحذر من استلام الحجر الأسود لأن بعض الناس نسأل الله لهم الهداية يحسنون ويسيئون بعض الناس يملأ الحجر الأسود طيباً حتى إنه في بعض الأحيان تجده يجري وهذا لا شك أنهم آثمون لأنه سوف يلجؤون المحرمين إلى ترك الاستلام أو يستلمون ثم يتعبون في إزالة هذا الطيب الذي علق بأيديهم فلذلك يجب الحذر أنك إذا قربت من الحجر وشممت رائحة فلا تمسح لئلا يعلق بيدك أما إذا كان لا يعلق فلا بأس مثل قطع الكافور والعود أيضاً وما أشبهها.
القارئ: وإن شمه فعليه الفدية لأنه يستعمل هكذا.
الشيخ: قوله وإن شمه فعليه الفدية في هذا نظر لأن الشم ليس استعمالاً للطيب فهو لم يستعمله في بدنه ولا في ثوبه وإنما شمه شماً وربما يحتاج الإنسان إلى ذلك مثل أن يريد شراء طيب فيحتاج إلى الشم فهل نقول لا تشتر الطيب وأنت محرم أو اشتره بدون شم ففيه نظر.
стр. 1413
القارئ: وإن شم العود فلا فدية عليه لأنه لا يستعمل هكذا ولا تقصد رائحته وإن تعمد لشم الطيب مثل أن دخل الكعبة وهي تجمر أو حمل مسكاً ليشم رائحته أو جلس عند العطار لذلك فعليه الفدية لأنه شمه قاصداً له مبتدئاً به في الإحرام فأشبه ما لو باشره وإن لم يقصد ذلك كالجالس عند العطار لحاجةٍ أخرى أو دخل الكعبة ليتبرك بها أو حمل الطيب من غير مسٍ للتجارة فلا يمنع منه لأنه لا يمكن التحرز منه فعفي عنه.
الشيخ: هذه المسائل أيضاً في بعضها نظر ذكرنا أنه إذا شمه فالصحيح أنه لا بأس به وهذا لا يعد استعمالاً كذلك أيضاً إذا جلس عند العطار ليشم رائحة العطر فإذا قلنا إنه ليس بمحظور فله أن يجلس أما إذا جلس عند العطار ليتحدث إليه في أمرٍ من الأمور أو ليشتري منه أشياء أخرى فلا يضره ذلك كذلك إذا دخل الكعبة وهي تجمر وفيها البخور يتطاير دخانه فإننا نقول لا تتعمد ذلك لأنك إذا تعمدت فإن البخور يعلق بالثوب أما إذا دخلها ليصلي فيها كما فعل النبي ﵌ فلا بأس.
وقول المؤلف ﵀ ليتبرك بها في هذا نظرٌ ظاهر لأن الكعبة لا يتبرك ببنائها إنما يتبرك بدخولها تعبداً لله واستناناً برسول الله ﵌ ولهذا قال عمر ﵁ للحجر الأسود حين قبله قال إني لأعلم أنك حجرٌ لا تضر ولا تنفع ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك ما قبلتك ففي قول المؤلف ﵀ ليتبرك بها نظرٌ ظاهر ولا يتبرك بشيء من الكعبة إطلاقاً ولولا أن الرسول ﷺ مس الركن اليماني والحجر الأسود ما مسسناه.
فصل
القارئ: والثامن الصيد حرامٌ صيده وقتله وأذاه لقوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ) وقوله (وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً).
стр. 1414
الشيخ: (لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ) هذا عامٌ في كل صيد حتى صيد البحر لكن قوله تعالى (وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً) هذا خصص العموم فصار المحرم هو صيد البر أما صيد البحر فلا بأس به.
القارئ: فإن أخذه لم يملكه لأن ما حرم لحق غيره لم يملكه بالأخذ من غير إذنه كمال لغيره وعليه إرساله في موضعٍ يمتنع فيه فإن تلف في يده ضمنه كمال الآدمي للآدمي وإن كان الصيد لآدميٍ فعليه رده إليه لأنه غصبه منه ويحرم عليه تنفيره لقول النبي ﷺ في مكة (لا ينفر صيدها) متفقٌ عليه وهذا في معناه فإن نفره فصار إلى شيء فهلك به ضمنه لخبر عمر ﵁ ولأنه هلك بسببٍ من جهته فأشبه من نصب له شركاً فهلك به ويحرم عليه الإعانة على قتله بدلالةٍ بقولٍ أو إشارةٍ أو إعارة آلة لما روى أبو قتادة (أنه كان مع أصحابٍ له محرمين وهو لم يحرم فأبصروا حماراً وحشيا وأنا مشغولٌ أخصف نعلي فلم يؤذنوني به وأحبوا لو أني أبصرته فركبت ونسيت السوط والرمح فقلت لهم ناولوني السوط والرمح قالوا والله لا نعينك عليه -وهذا يدل على اعتقادهم تحريم الإعانة عليه- ولما سألوا النبي ﷺ قال هل منكم أحدٌ أمره أن يحمل عليها أو أشار إليها قالوا لا قال فكلوا ما بقي من لحمها) متفقٌ عليه ولأن ما حرم قتله حرمت الإعانة عليه كالآدمي.
الشيخ: الحقيقة أن الإنسان بشر لو أتى بآيةٍ من كتاب الله تدل على ما ذكره نصاً وهي (وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) لكان هذا أولى مما ذكره للاستدلال بالقياس والله يقول (وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) ومن أعان محرماً على قتل صيد فهو أعانه على الإثم والعدوان وكذلك من أعان حلالاً على قتل صيد فإنه قد كان له أثرٌ في قتله فحرم عليه.
стр. 1415
القارئ: فإن فعل فقتله حلالٌ فالجزاء على المحرم لأن ذلك يروى عن عليٍ وابن عباسٍ ﵄ ولأن فعله سبب إتلافه فتعلق به الضمان كتنفيره وإن قتله محرمٌ آخر فالجزاء بينهما وإن كان المدلول رأى الصيد قبل الدلالة فلا شيء فيها لأنها لم تكن سبباً لإتلافه وإن ضحك المحرم عند رؤية الصيد ففطن الحلال فلا شيء فيه لأن في حديث أبي قتادة (فبينا أنا مع أصحابي إذ ضحك بعضهم فنظرت فإذا حمار وحش وفي رواية إذ أبصرت بأصحابي يتراءون شيئاً فنظرت فإذا حمار وحش) ويحرم عليه الأكل مما أشار إليه أو أعان عليه أو كان له أثرٌ في ذبحه مثل أن يعيره سكينا لحديث أبي قتادة ويحرم عليه أكل ما صاده أو صيد لأجله لما روى جابرٌ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول (صيد البر لكم حلالٌ ما لم يقصيدوه أو يصد لكم) قال الترمذي هذا أحسن حديثٍ في الباب ويباح أكل ما عدا ذلك للحديثين فإن أكل مما منع من أكله مما لزمه ضمانه كالذي صاده أو دل عليه لم يضمنه بالأكل لأنه قد ضمنه بالقتل فلم يضمنه بالأكل كشاة غيره وكذلك إن وجب على غيره ضمانه وإن لم يكن ضمن بالقتل كالذي صاده حلالٌ من أجله ضمنه بالأكل بمثله لحما لأنه إتلاف جزءٍ للصيد حرمه الإحرام فتعلق به الضمان كإتلاف أجزاء الحي وإن ذبح المحرم الصيد حرم على كل أحد لأنه منع من الذبح لحق الله فلم يبح ذبحه كالمجوسي وما حرم عليه لدلالةٍ أو إعارة آلة أو صيد لأجله لم يحرم على الحلال لأنه لا فعل منه فيه.
السائل: إذا دل المحرم حلالاً على الصيد فصاده الحلال؟
الشيخ: الراجح أنه لا جزاء عليه لأنه لم يباشر القتل خلافاً لما مشى عليه المؤلف ﵀.
فصلٌ
стр. 1416
القارئ: ويحرم عليه شراء الصيد واتهابه لما روى ابن عباس أن الصعب بن جثامة أهدى إلى النبي ﷺ حماراً وحشيا فرده عليه فلما رأى ما في وجهه قال (إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم) متفقٌ عليه ولأنه سببٌ يتملك به الصيد فلم يملكه به المحرم كالاصطياد ومتى ملك الصيد بجهةٍ محرمة حتى حل لم يبح له وعليه إرساله فإن تلف أو أتلفه فعليه فداؤه لأنه تلف بسببٍ كان في إحرامه فضمنه كما لو جرحه فمات بعد حله وإن ذبحه بعد التحلل لم يبح عند القاضي لأنه صيدٌ لزمه ضمانه فلم يبح بذبحه كحال الإحرام وقال أبو الخطاب يباح لأنه ذبحه في حال حله فأبيح كغيره.
الشيخ: الظاهر أن ما قاله أبو الخطاب هو الأرجح لأن إمساكه حرام وإبقاءه في ملكه حرام لكن لما حل صار آثماً بإمساكه وإذا ذبحه فهو حلال فالظاهر أن ما قاله أبو الخطاب أصح.
القارئ: وإن أحرم وفي ملكه صيدٌ لم يزل ملكه عنه لأنه ملكٌ فلا يزول بالإحرام كملك البضع وله بيعه وهبته وإن كان في يده المشاهدة أو قفصٍ أو حبلٍ معه فعليه إرساله فإن لم يفعل فأرسله إنسانٌ فلا ضمان عليه لأنه ترك فعل الواجب فإن تركه حتى تحلل فحكمه حكم ما صاده، وإن مات من يرثه وله صيدٌ ورثه لأن الملك بالإرث يثبت حكماً بغير اختياره ويثبت للصبي والمجنون فأشبه استدامة الملك ويحتمل أن لا يملكه لأنه ابتداء ملكٍ فأشبه الشراء.
الشيخ: والأصح الأول أنه يملكه لأنه كما قال في التعليل يثبت حكماً بغير اختيار.
فصلٌ
القارئ: والصيد المحرم ما جمع ثلاثا أحدهما أن يكون من صيد البر لأن صيد البحر حلال لقوله تعالى (أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ).
الشيخ: قوله ﵀ (صيد البحر وطعامه) لم يتم الاستدلال بهذه الآية لأنه لا يتم حتى يذكر قوله (وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً) فليت المؤلف جاء بهذا.
стр. 1417
القارئ: وصيد البحر ما يفرخ فيه ويأوي إليه وأما طير الماء فهو من صيد البر المحرم لأنه يتعيش في البحر ولا يعيش فيه وفي الجراد الجزاء لأن ذلك يروى عن عمر ولأنه لا يعيش إلا في البر فهو كسائر الطير وعنه لا جزاء فيه لأنه يروى عن ابن عباسٍ أنه من صيد البحر ويروى عن النبي ﷺ من طريقٍ ضعيف.
الشيخ: والصواب الذي لا شك فيه أنه من صيد البر لأنه لا يعيش إلا في البر فما روي عن عمر ﵁ هو الصحيح.
القارئ: الثاني أن يكون وحشيا فأما الأهلي كبهيمة الأنعام والدجاج فليس بمحرم لأنه ليس بصيد ولذلك يباح ذبح الهدايا والأضاحي والاعتبار في ذلك بالأصل لا بالحال فلو تأنس الوحشي كحمار الوحش والغزال والحمام لم يحل وفيه الجزاء ولو توحش الإنسي لم يحرم.
الشيخ: وعلى هذا فالحمام الذي يوجد في مكة يعتبر صيداً لأن أصله وحشي لا يأنس بالآدميين ولا يبقى معهم.
القارئ: الثالث أن يكون مباحا فلا يحرم قتل غيره بالإحرام ولا جزاء فيه لقول النبي ﷺ (خمسٌ من الدواب ليس على المحرم جناحٌ في قتلهن الحدأة والغراب والعقرب والفأرة والكلب العقور) متفقٌ عليه فثبت إباحة هذه الخمسة بالنص وقسنا عليهن ما في معناهن مما فيه أذى فأما غير المأكول مما لا أذى فيه فيكره قتله ولا جزاء فيه لأن الصيد ما كان مأكولا إلا أن ما تولد بين مأكولٍ وغيره كالسِمع وهو ولد الضبع من الذئب والعسبار ولد الذئبة من الضبع يحرم قتله وفيه الجزاء تغليباً لحرمة القتل كما غلبت فيه حرمة الأكل والمتولد بين أهليٍ ووحشيٍ يحرم قتله وفيه الجزاء تغليباً للتحريم.
الشيخ: ما ذكره من المتولد من مأكولٍ وغيره فهو حرام ولا يحرم قتله لأنه لا يسمى صيداً والله إنما حرم علينا الصيد والحرام ليس بصيد فالصواب أنه لا يحرم قتله والغالب أن مثل هذه أيضاً من المؤذيات فتكون داخلةً في الخمس التي أباح النبي ﷺ قتلها في الحل والحرم.
стр. 1418
القارئ: وفي الثعلب الجزاء مع الخلاف في أكله تغليباً للتحريم.
الشيخ: هذا أيضاً ضعيف لأنه إذا كان مختلفاً في أكله فالذي يرى أنه حلال ليس عنده في ذلك شبهة أنه صيد والذي يرى أنه حرام ليس عنده شبهة في أنه ليس بصيد وليس هذا مثل المتولد بين أهلي ووحشي فإن المتولد بين أهليٍ ووحشيٍ يحرم قتله وفيه الجزاء كما قال المؤلف ﵀.
والأقرب في الثعلب أنه ذو نابٍ من السباع لكن النيس حلال لأن النيس ليس له ناب من السباع ولا يأكل إلا الجمار والعلف وما أشبهه ومذهب الحنابلة أن النيس حرام لكن لا يوجد دليل على التحريم.
القارئ: وفي القمل روايتان إحداهما لا شيء فيه لتحريم أكله وأذاه فهو كالبراغيث والثانية فيه الجزاء لأنه يترفه بإزالته وأي شيء تصدق به كان خيراً منه قال القاضي وإنما الروايتان فيما ألقاه من شعره وأما ما ألقاه من ظاهر بدنه أو ثوبه فلا شيء فيه روايةً واحدةً لشبهه بالبراغيث.
الشيخ: والصواب أنه لا يحرم وأنه يجوز للمحرم أن يتفلى ويقتل القمل وهذا من باب إزالة المؤذي وليس من باب الترفه ولهذا يتأذى الإنسان بالقمل ويحب أن يزيله عن نفسه فالصواب أنه لا بأس به ولا حرج فيه.
مسألة: الجراد جزاؤه قيمته وقد يكون غالياً وقد يكون رخيصاً يمكن تكون الواحدة بريال ويمكن تكون عشرة بريال فينظر.
الشيخ: غير المأكول حلال لكن غير المأكول منه مؤذٍ ومنه غير مؤذي:
فالمؤذي يسن قتله لقول النبي ﵌ (خمسٌ يقتلن ليس على المحرم جناحٌ في قتلهن) وفي لفظٍ (يقتلن في الحل والحرم) يدل على الأمر بقتلهن.
стр. 1419
والقسم الثاني غير مؤذي ينقسم إلى قسمين ما نهي عن قتله فينهى عن قتله في الإحرام وغير الإحرام فقد (نهى النبي ﷺ عن قتل النملة والنحلة والهدهد والصرد) وما لم ينهَ عن قتله فهو مسكوتٌ عنه فيكون مما عفي عنه لكن بعض العلماء قال ما لم ينهَ عن قتله ولم يؤمر بقتله فإنه لا يقتل لأنه يسبح الله وفي قتله تفويتٌ لتسبيح الله وأيضاً إذا قتله الإنسان قد يعتاد العدوان على ذوات الأرواح فيكون لا يرحم ذوات الأرواح مع أن من لا يرحم لا يرحم ولا شك أن الأولى عدم قتله أما إذا آذى فإن قتله جائز بل إذا كان من طبيعته الأذى فقتله سنة.
فصلٌ
القارئ: وما حرم من الصيد حرم كسر بيضه وفيه الجزاء لما روي عن النبي ﷺ أنه قال (في بيض النعام يصيبه المحرم يضمنه) رواه الدارقطني ولأنه خارجٌ من الصيد يصير منه مثله فهو كالفرخ وإن كسر بيضاً لم يحل له أكله ولا يحرم على حلال لأنه لا يحتاج إلى ذكاة وقال القاضي يحرم على كل أحدٍ قياساً على الصيد.
الشيخ: الصحيح الأول لأن له مالية ولا يشترط له الذكاة لكن بالنسبة للكاسر لا يحل له أكله لأنه يحرم عليه كسره فمنع منه.
القارئ: وإن كسر بيضاً مَذِرَاً فلا شيء عليه لأنه ليس بحيوانٍ ولا يخلق منه حيوان فهو كالأحجار.
الشيخ: المذر الفاسد ويسمى عند العامة عندنا (مارج) أي فاسد.
стр. 1420
القارئ: قال أصحابنا إلا بيض النعام فإن لقشره قيمة والأول أولى وإن نقل بيض صيدٍ وجعله تحت آخر فحضنه وأفرخ فلا شيء عليه وكذلك إن كسره فخرج منه فراخٌ فعاشت وإن لم تعش الفراخ أو لم تحضنه أو ترك مع بيضه شيئاً نفر منه الصيد فلم يحضنه ضمنه لأنه أتلفه وإن باض في طريقه أو على فراشه فنقله فلم يحضنه الصيد حتى تلف ففيه وجهان أحدهما يضمنه لأنه أتلفه لمصلحته فأشبه ما لو قتله للمجاعة والثاني لا شيء عليه لأنه ألجأه إلى إتلافه فأشبه ما لو صال عليه صيدٌ فدفعه فقتله وإن افترش الجراد في طريقه فقتله بالمشي عليه ففي الجزاء وجهان كذلك.
الشيخ: الراجح أن البيض إذا كسره فهو حرامٌ عليه ويضمنه كما قال المؤلف ولكن ليس حراماً على غيره ولكنه يضمنه ما لم يخرج منه فرخٌ فيعيش فإن خرج منه فرخٌ وعاش فلا جزاء عليه.
السائل: في بعض السنين في المسجد الحرام كان الجراد كثيراً جداً بحيث لا يمكن أن يمشي أحد إلا ويدوس على جراد لتعذر المشي.
الشيخ: إذا تعذر فلا شيء عليه لكن لا يتقصد دهسه وعليه أن يتقي ما أمكن (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ).
مسألة: حمار الوحش قال شيخنا عبد الرحمن السعدي _ أنا أروي لكم عنه _ أنه يقول هو الوضيحي وما زلنا نقول به لكن يمكن يسمى المخطط كذلك، على كل حال كلهن حرام لأنهن من الصيد.
فصلٌ
القارئ: وإن احتاج المحرم إلى لبس المخيط أو تغطية رأسه أو الطيب لمرضٍ أو شدة حرٍ فعله وعليه الفدية قياساً على الحلق وإن اضطر إلى الصيد فله أكله وعليه جزاؤه لأنه أتلفه لمصلحته فأشبه ما ذكرناه وإن صال عليه صيد فقتله دفعاً عن نفسه فلا جزاء فيه لأنه حيوانٌ قتله لدفع شره فلم يضمنه كالآدمي وقال أبو بكرٍ عليه الجزاء لأنه قتله لمصلحة نفسه فأشبه ما لو قتله لأكله والأول أصح.
الشيخ: بلا شك أن الأول أصح وقول أبي بكر ضعيف جداً لأنه ما قتله لمصلحة نفسه قتله للدفاع عن نفسه.
стр. 1421
القارئ: وإن خلص صيداً من سبعٍ أو شبكةٍ ليرسله فتلف ففيه وجهان أحدهما يضمنه لأنه تلف بفعله فيضمنه كالمخطئ والثاني لا يضمنه لأنه تلف بفعلٍ مباحٍ لمصلحته فلم يضمنه كالآدمي يتلف بمداواة وليه.
الشيخ: ولا شك أنه لا يضمنه لأن هذا التصرف لمصلحة الصيد ثم إن المؤلف ﵀ وغيره ممن يعلل بهذا التعليل في غفلةٍ عن قوله تعالى (وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَم) فإن قوله (متعمداً) تخرج هذه الصورة أي فيما لو خلصه من شيء فمات.
إذا اضطر إلى الصيد يعني جائع ولو لم يأكل لمات يحل له أن يقتله والظاهر أنه يكون حلالاً في هذه الحال ولا يكون ميتة لا يحل له منها إلا ما يسد رمقه وعليه الجزاء لأنه قتله لمصلحة نفسه.
فصلٌ
القارئ: يكره للمحرم حك شعره بأظفاره كي لا ينقطع فإن انقطع به شعره لزمته فدية.
الشيخ: وهذا الذي قاله في حك الشعر لا دليل عليه فلا يكره حتى إن عائشة ﵂ قالت لو لم أستطع حكه بيدي لحككته برجلي.
القارئ: ويكره الكحل بالإثمد غير المطيب لأنه زينة والحاج أشعث أغبر وهو في حق المرأة أشد كراهة لأنها محل الزينة ولا فدية فيه لأن وجوبها من الشارع ولم يرد بها هاهنا.
الشيخ: ما أحسن هذا التعليل أن وجوب الفدية من الشارع ولم يرد الشرع بإيجابه هذه القاعدة لو جعلناها في جميع محظورات الإحرام وقلنا جميع محظورات الإحرام إذا لم يرد الشرع بفدية فيها فالأصل براءة الذمة والقياسات قد تكون قياسات مع الفارق وقد تكون قياسات في مقابلة النص وإذا لم يكن هناك دليل للكحل بالإثمد إلا ما ذكره فلا وجه للكراهة لأنه لم يحرم على المحرم الزينة وإلا لقلنا لا تلبس إحراماً نظيفاً أو جديداً ولا تغتسل والأصل عدم الكراهة إذا لم يكن هناك دليل إلا ما ذكره المؤلف وأنا لا أعلم دليلاً سواه فإنه ليس بمكروه.
القارئ: ويكره لبس الخلخال والتزين بالحلي لذلك وهو مباحٌ لحديث ابن عمر.
стр. 1422
الشيخ: وهذا صحيح أن لبس الخلخال والحلي وما أشبه ذلك يؤدي إلى الفتنة وحكمه في الإحرام كحكمه في الحل وعلى هذا فإذا لم يكن محظور ولا فتنة كالمرأة بين النساء فلا بأس.
القارئ: ويكره أن ينظر في المرآة لإصلاح شيء لأنه نوع تزين.
الشيخ: وهذا أيضاً غير صحيح الصواب أنه لا يكره أن ينظر في المرآة وأن التعليل الذي ذكره عليل فمن قال إنه يكره للمحرم أن يتزين؟ وأما (أشعث أغبر) أو (أتوني شعثاً غبراً) فهذا باعتبار الحال لكن هل يشرع للحاج أن يتقصد ذلك؟ لا يشرع وإلا لقلنا امش في الغبار أو الأشياء التي يكون فيها الإنسان أشد شعثاً وغبرة وهذه المسألة ينبغي لطالب العلم أن يتفطن لها فمثلاً قول النبي ﵊ في الرباط (إنه إسباغ الوضوء على المكاره) هل نقول يسن للإنسان أن يتوضأ بالماء البارد وعنده ماءٌ ساخن؟ لا لكن إذا لم يكن عنده إلا الماء البارد وأسبغ الوضوء في هذه الحال دخل في الرباط كذلك مسألة الحاج فالحاج مشغول بنسكه فإذا كان أشعث أغبر من أجل السفر وسير الإبل والغبار وما أشبه ذلك فإنه لا يقال إنه لا ينبغي إزالة ذلك وهو يشبه أيضاً كراهة بعض العلماء التسوك للصائم آخر النهار لئلا يزيل الرائحة فمثل هذه المسائل ينبغي أن يقال إن جاءت بلا قصد فلا بأس بها وأما أن يتقصدها الإنسان فلا ومثل ذلك أيضاً إذا كان للإنسان بيتان أحدهما قريب من المسجد والآخر بعيد لا نقول اذهب إلى البعيد من أجل أن تأتي إلى المسجد بخطوات أكثر أو إذا كان هناك طريقان أحدهما بعيد والثاني قريب نقول الأفضل أن تقصد البعيد أو يقال أيضاً الأفضل أن تقارب الخطى كل هذه من الأمور التي فيها نظر.
القارئ: ويكره أن يدهن بدهنٍ غير مطيب لذلك وعن أحمد في جوازه روايتان إلا أنه يحتمل أن تختص الروايتان بدهن الشعر لأنه يزيل الشعث ويسكن الشعر ويزينه.
الشيخ: وهل تسكين الشعر مكروه والرسول ﷺ قد لبد رأسه في الإحرام!!
стр. 1423
القارئ: ويباح التدهن في غيره لأن للمحرم أكل الدهن فكان له أن يدهن به.
الشيخ: الإدهان يلين الجلد ويزين الملمس فإذا قالوا إنه يكره ماسبق فيكره هنا أيضاً فهذا مما يدل على أن الشيء الذي ليس له أصل من الشرع لا بد أن يكون فيه تناقض.
القارئ: وقد روى ابن عمر ﵁ أن النبي ﷺ ادهن بدهنٍ غير مقتت أي غير مطيب يعني وهو محرم إلا أنه من رواية فرقد وهو ضعيف، ولا فدية فيه بحال لما ذكرنا.
الشيخ: الذي ذكره أن إيجاب الفدية إنما يكون من الشارع ولم يرد.
القارئ: وينبغي أن ينزه إحرامه عن الشتم والكذب والكلام القبيح والمراء لقول الله (فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَج) قال ابن عباس الفسوق المنابزة بالألقاب وتقول لأخيك يا فاسق يا ظالم.
الشيخ: قوله ﵀ وينبغي أن ينزه إحرامه عن الكذب والشتم هذا معناه لمعنىً يخص الإحرام وإلا فإن هذه الأشياء حرام حتى في الحل فالكذب حرام والشتم حرام والكلام القبيح حرام والمراء بالباطل حرام لكن قصده أنها يتأكد طلبها في حال الإحرام وإلا فهي حرام لا شك.
القارئ: والجدال أن تماري صاحبك حتى تغضبه.
الشيخ: والجدال ينبغي أن يفصل فيه فيقال الجدال المأمور به لا بد منه فلو أن رجلاً من أهل البدع جادلك وأنت محرم فلا نقول لا تجادله بل نقول جادله لأن هذا من فعل الخير الذي يكمل به النسك لكن الجدال الذي ليس فيه فائدة هذا الذي ينهى عنه كما يحدث في مجالس كثيرٍ من الناس يتجادلون في كثيرٍ من الأشياء ربما لا يكون فيها فائدة وربما يكون فيها مضرة بسبب فلان قال كذا وفلان قال كذا وما أشبهها أما الجدال لإبطال الباطل أو إثبات الحق فإنه مأمورٌ به في حال الإحرام وغيرها وقد يتعين ببعض المواضع.
القارئ: وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال (من حج فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه) متفقٌ عليه.
стр. 1424
الشيخ: كيومَ بالفتح العلة في ذلك أنها أضيفت إلى المبني ولهذا لو أضيفت إلى معرب أعربت كقوله (إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) فإذا أضيفت إلى مبني فالأفصح البناء على الفتح.
القارئ: ويستحب له قلة الكلام إلا فيما ينفع لقول النبي ﷺ (من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه) ففي حال الإحرام والتلبس بطاعة الله تعالى والاستشعار بعبادته أولى.
الشيخ: وقوله إلا فيما ينفع يشمل ما كان نافعاً لذاته وما كان نافعاً لغيره فالنافع لذاته مثل القرآن والتسبيح والتكبير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتعليم العلم والنافع لغيره هو الذي يقصد به أنس الصحبة والرفقة فهو مباح والمقصود به إدخال الأنس على الرفقة والصحبة ولهذا لو أن أحداً حج مع رفقته وصار كلما جلس مجلساً اشتغل بالقرآن أو بالذكر ولم يدخل عليهم السرور قلنا هذا خلاف هدي النبي ﵊ فهدي النبي ﵊ أنه يدخل السرور على من رافقه وصاحبه.
السائل: هل الأولى للإنسان أن يشتغل بالدعوة في الطواف والسعي لأن هناك منكرات كثيرة أم يشتغل بعبادته الخاصة؟
الشيخ: الأفضل أن يشتغل بالعبادة الخاصة حتى في إجابة الأسئلة إذا كان يلهيه لا ينبغي.
فصلٌ
القارئ: ولا بأس أن يغتسل المحرم بالماء والسدر والخطمي ولا فدية عليه وعنه عليه الفدية والأول أصح لقول النبي ﷺ في الميت المحرم (اغسلوه بماءٍ وسدر) وقال عبد الله بن حنين امترى ابن عباسٍ والمسور بن مخرمة في غسل المحرم رأسه فأرسلوني إلى أبي أيوب الأنصاري أسأله كيف رأيت رسول الله ﷺ يغسل رأسه وهو محرم قال فصب على رأسه مقبلاً ومدبرا وقال هكذا رأيت رسول الله ﷺ يفعل متفقٌ عليه.
стр. 1425
الشيخ: وهذا السؤال غريب يدل على ذكاء المرسل وهو ابن عباس ﵁ لم يقل اسئله هل الرسول يغسل رأسه بل كيف يغسل وكأن الأمر أمرٌ مسلم والظاهر أن ابن عباس كان رواه عن أبي أيوب أو ما أشبه ذلك.
القارئ: ويجوز أن يحتجم ولا يقطع شعراً لما روى ابن عباسٍ (أن رسول الله ﷺ احتجم وهو محرم) متفقٌ عليه.
الشيخ: سبحان الله هل يمكن أن يحتجم في رأسه ولا يقطع شعراً؟ لا يمكن المذهب أنه يحتجم وإذا قطع شعراً فدى والصحيح أنه يحتجم وإذا قطع شعراً فلا فدية لأن النبي ﷺ احتجم ولم ينقل عنه أنه فدى فإن قال قائل لماذا لا تقيسونه على حلق الشعر من الأذى وتقولون إن هذا حلق رأسه لمصلحة نفسه؟ فيقال ظاهر الحديث أن النبي ﵊ لم يفد وليس نصاً في الواقع لأنه ما قال _ ولم يفدِ _ ولهذا لو أن أحداً عارض وقال عدم ذكر الفدية ليس ذكراً للعدم لأننا قد علمنا أن أخذ الشعر من الرأس يوجب الفدية لكن الجواب عن هذا الإشكال وهو إشكالٌ في محله أن يقال إن الله تعالى قال (وَلا تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ) والنسك يتعلق بحلق الرأس كله وهذا هو الذي فيه الفدية أما إذا حلق هذا الجزء اليسير فإنه لا فدية فيه لكن إن كان لغير عذر فهو حرام وإن كان لعذرٍ فهو حلال فالعذر الحجامة أو أن يكون هناك شجة في رأس الإنسان يحتاج إلى أن يقص الشعر حولها أو يحلقه فهذا يكون الحلق حلالاً ولا فدية فيه ولهذا كان أصح المذاهب في هذه المسألة مذهب مالك ﵀ أن الذي فيه الفدية هو الذي يماط به الأذى وهو الذي يشمل ثلثي الرأس أو نحوها أو أكثر وأما ما دون ذلك فلا فدية فيه لكن إما أن يحرم وإما أن يحل فمع العذر يحل ومع عدمه يحرم وهذا هو الذي ذهب إليه شيخ الإسلام في مسألة الحجامة أنه لا يجب عليه الفدية لما حلقه من شعر الحجامة.
стр. 1426
القارئ: ويجوز أن يفتصد كما يجوز أن يحتجم ويتقلد بالسيف عند الضرورة لأن أصحاب رسول الله ﷺ دخلوا في عمرة القضية متقلدين سيوفهم ولا بأس بالتجارة (والتكسب بالصناعة) لقول الله تعالى (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ) قال ابن عباسٍ كانت ذوالمجاز وعكاظ متجراً للناس في الجاهلية فلما جاء الإسلام كأنهم كرهوا ذلك حتى نزلت (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ) في مواسم الحج رواه البخاري.
الشيخ: قوله في مواسم الحج هذه ليست قراءة لكنها تفسير من ابن عباس ﵄ والآية عامة.
فصلٌ
القارئ: ومن جامع أفسد حجه وعليه بدنة سواءٌ كان عالماً أم جاهلا عامداً أم ناسيا لأنه في معنىً يتعلق به قضاء الحج فاستوى عمده وسهوه كالفوات.
الشيخ: هذا هو التاسع من محظورات الإحرام وهو الجماع يقول فمن جامع أفسد حجه وعليه بدنة ولكن هذا مشروطٌ بما إذا جامع قبل التحلل الأول وبماذا يحصل التحلل الأول؟ المشهور من المذهب وعليه أكثر أهل العلم أنه لا يحصل التحلل الأول إلا بالرمي والحلق أما النحر على كلام العلماء ﵏ لا علاقة له بالتحلل لكن الرمي والحلق وقال بعض أهل العلم بل يتحلل بالرمي وحده وعلى هذا فهذه المسألة كبيرة جداً تحتاج إلى تحرير لأن بعض العلماء قال إن التحلل الأول يحصل بالرمي فقط وكتب في ذلك رسالة فالمسألة تحتاج إلى تحرير إذا جامع قبل التحلل الأول فسد حجه ويترتب عليه أعني الجماع قبل التحلل الأول خمسة أمور أولاً الإثم والثاني فساد النسك والثالث وجوب المضي فيه والرابع قضاؤه من العام القادم والخامس بدنة كل هذه تترتب على الجماع قبل التحلل الأول.
стр. 1427
المؤلف يقول من جامع فسد حجه وعليه بدنة سواءٌ كان جاهلاً أوعالماً عامداً أو ناسياً أما قوله فسد حجه فهذا يكاد يكون كالإجماع من الصحابة ﵃ وأما لزوم البدنة فقال بها أيضاً الصحابة روي عنهم عن عدةٍ منهم ولم يروَ عن غيرهم خلافه وأما كونه جاهلاً أو عالماً عامداًَ أو ناسياً فهذا ليس بصحيح والصحيح أنه لا يترتب على الجماع شيء من أحكامه إلا إذا كان عالماً ذاكراً غير مكره لأن هذه هي القاعدة في جميع محظورات العبادات كل محظورات العبادات لا يمكن أن يترتب أثرها إلا بهذه الشروط الثلاثة العلم والذكر وعدم الإكراه.
فإن قال أنا لا أدري أنه يترتب على الجماع هذه الأمور لكني أدري أنه حرام فهل يعذر؟ لا لأن الجهل بالعقوبة ليس بعذر فإن العالم بالحكم قد انتهك الحرمة وقوله لأنه معنىً يتعلق به قضاء الحج فاستوى عمده وسهوه كالفوات هذا غلط يعني تعليلٌ عليل إن لم نقل إنه ميت لماذا لا نقول لأنه محظور من محظورات الإحرام فلا يترتب عليه حكمه إذا كان جاهلاً أو ناسياً أما الفوات فالفوات ترك واجب لأنه إذا فات الحج معناه أنك لم تقم ببقية أركانه فمن فاته الحج يتحلل بعمرة ويحج من العام القادم.
القارئ: وإن حلق أو قلم ناسياً أو جاهلا فعليه الفدية لأنه إتلاف فاستوى عمده وسهوه كإتلاف مال الآدمي ويتخرج أن لا فدية عليه قياساً على اللبس.
стр. 1428
الشيخ: لا شك أن هذا التخريج هو الصواب يقول إذا حلق أو قلم ناسياً أو جاهلاً فعليه الفدية وذكر أنه إتلاف فاستوى عمده وسهوه كإتلاف مال الآدمي وهل حرم الحلق وتقليم الأظفار لأنه إتلاف أو لأنه ترفه؟ هم قالوا لأنه ترف فكيف مرةً يكون إتلافاً ومرةً يكون ترفهاً ثم إذا قدرنا أنه إتلاف فما قيمة قلامة الظفر؟ لا شيء ولهذا يتبين لك ضعف الأقوال إذا كانت بعيدةً عن القواعد الشرعية هناك تعليل آخر أحسن من تعليل المؤلف ومع ذلك فيه نظر قال لأنه إتلافٌ فاستوى فيه العمد وغيره كجزاء الصيد لأن جزاء الصيد من أجل الإتلاف فيكون هذا مثله فنقول هذا قياس مع الفارق أيضاً قلامة ظفر تقيسها بغزالة لا يستقيم هذا ثم إننا نمنع الحكم في الأصل المقيس عليه ونقول إن الصيد إذا كان جاهلاً أم ناسياً فلا ضمان عليه.
القارئ: وإن قتل الصيد مخطئاً فعليه جزاؤه لأنه ضمان مال فأشبه ضمان مال الآدمي وعنه لا جزاء عليه.
الشيخ: نعم هو ضمان مال لا شك لكن لله والله تعالى لما علم عباده (رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) قال قد فعلت بخلاف مال الآدمي فالقياس إذاً قياسٌ مع الفارق فلا يصح.
القارئ: وعنه لا جزاء عليه لقول الله تعالى (وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ) مفهومه أنه لا شيء في الخطأ.
الشيخ: هذا هو القول الصحيح يعني هذه الرواية عن أحمد هي القول الراجح المتعين لأن الله قال (وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً) فقيده بوصفٍ مناسبٍ للحكم وهو العمد فإنه يناسب أن يحكم عليه بالجزاء فكيف نلغي هذا الوصف والله تعالى قد اعتبره وقيد به الحكم فهذه الرواية هي الصواب.
القارئ: وإن تطيب أو لبس ناسياً أو جاهلا فلا فدية عليه لما روى يعلى بن أمية أن رجلاً أتى إلى النبي ﷺ وعليه جبة وعليه أثر خلوق.
الشيخ: خلوق يعني طيب.
стр. 1429
القارئ: فقال يا رسول الله كيف تأمرني أن أصنع في عمرتي قال اخلع عنك هذه الجبة واغسل عنك أثر الخلوق واصنع في عمرتك كما تصنع في حجك متفقٌ عليه ولم يأمره بفديةٍ لجهله وقسنا عليه الناسي لأنه في معناه.
الشيخ: هذا الاستدلال استدلال جيد يقول إنه قال افعل كذا ولم يأمره بفدية مع دعاء الحاجة إلى بيان ذلك لو كان يلزمه وهذه قاعدة ينبغي لطالب العلم أن يسير عليها في كل النصوص لكن أحياناً العلماء ﵏ بعضهم يسير عليها في موضع ولا يسير عليها في موضعٍ آخر ولكن الصواب أنها قاعدة صحيحة وأنها سليمة فليمش عليها وهو أنه إذا دعت الحاجة إلى بيان شيء ولم يبين كان ذلك دليلاً على أنه لا اعتبار به.
القارئ: وعنه عليه الفدية لأنه فعلٌ حرمه الإحرام فاستوى عمده وسهوه كالحلق والأول المذهب.
الشيخ: المذهب أصح.
القارئ: ومتى ذكر الناسي أو علم الجاهل فعليه إزالة ذلك فإن استدامه فعليه الفدية لأنه تطيب ولبس من غير عذر فأشبه المبتدئ به.
الشيخ: لو قال استدامه بلا عذر فأشبه من ابتدأه على كل حال ما ذكره المؤلف صحيح أنه متى ذكر أو علم وجب عليه التخلي عن المحظور سواء كان طيباً أو لبساً أو غير ذلك يغسله وإذا غسله بيده انتقل الطيب إلى يده نقول هذا لا بأس به لأنه للتخلص منه.
القارئ: وحكم المكره حكم الناسي لأنه أبلغ منه في العذر وإن مس طيباً يظنه يابساً فبان رطبا ففيه وجهان أحدهما عليه الفدية لأنه قصد مس الطيب والثاني لا فدية عليه لأنه جهل تحريمه فأشبه من جهل تحريم الطيب.
الشيخ: الصواب لأنه جهل حاله: هذا جهل حال لأنه مسه يظنه يابساً لا يجهل أن الطيب حرام لكن يظنه يابساً فبان رطباً فنقول لأنه جهل الحال فكان كجاهل الحكم والصواب أنه لا شيء عليه لأنه معذور فلو مس طيباً يظن أنه يابس فتبين أنه رطبٌ وعلق بيده فلا شيء عليه ولكن عليه أن يبادر فيزيل ما علق بيده.
стр. 1430
القارئ: ومن طُيب أو حُلق رأسه بإذنه فالفدية عليه لأن ذلك ينسب إليه وإن حلق رأسه مكرهاً أو نائما فالفدية على الحالق لأنه أمانةٌ عنده فالفدية على من أتلفه بغير إذنه كالوديعة.
الشيخ: أما الأول فصحيح أن من طُيب أو حُلق رأسه بإذنه فعليه الفدية لأن ذلك بإذنه ورضاه فهو كالفاعل والآذن والراضي كالفاعل.
وأما الثاني وهو من حلق رأسه مكرهاً أو نائماً فالفدية على الحالق ففيه نظر لأن هذا ليس مالاً وإنما هو تعبد لله تعالى بترك الحلق وهذا الرجل النائم أو المكره لم ينتهك حراماً فلا شيء عليه والحالق لا شيء عليه لأنه ليس بمحرم ولكن قد يعزر هذا الحالق بما يراه الإمام باعتدائه على أخيه.
القارئ: وإن حلق وهو ساكتٌ لم ينكر فالفدية عليه كما لو اتلفت الوديعة وهو يقدر على حفظها فلم يفعل.
الشيخ: هذا صحيح لكن لو علل ذلك بأنه رضي بفعل المحظور فيه لكان أحسن لأن مسألة الوديعة أموال وليست عبادات لكن يقال في هذا الذي حلق وهو ساكت إن سكوته إقرارٌ وإذن.
القارئ: وإن كشط من جلده قطعةً عليها شعرٌ أو قطع أصبعاً عليها ظفرٌ فلا فدية عليه لأنه زال تبعاً لغيره فلم يضمنه كما لو قطع أشفار عيني إنسان فإنه لا يضمن أهدابها.
باب الفدية
القارئ: من حلق رأسه وهو محرمٌ فعليه ذبح شاةٍ أو إطعام ثلاثة أصوع لستة مساكين لكل مسكينٍ نصف صاع أو صيام ثلاثة أيام لقول الله تعالى (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ) وروى كعب بن عجرة عن رسول الله ﷺ أنه قال (لعلك تؤذيك هوام رأسك قال نعم يا رسول الله فقال رسول الله ﷺ احلق رأسك وصم ثلاثة أيامٍ أو أطعم ستة مساكين لكل مسكينٍ نصف صاع تمر أو انسك بشاة) متفقٌ عليه.
стр. 1431
الشيخ: والفدية هنا على التخيير وقد بدأ الله تعالى بالأسهل في ذلك الوقت وهو الصيام ثم الإطعام ثم النسك لكن أيها أعلى باعتبار نفع الفقراء؟ النسك ثم الإطعام ثم الصيام وفي هذه الفدية قدر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم المدفوع والمدفوع إليه، فالمدفوع قدره نصف صاع والمدفوع إليه ستة مساكين.
وقد يكون الواجب مقدراً والمدفوع إليه غير مقدر كالفطرة فالواجب فيها صاع وليس المدفوع إليه مقدراً يجوز أن تعطي الصاع الواحد لعدة فقراء ويجوز أن تعطي الواحد عدة أصواع.
وهناك قسمٌ ثالث يقدر المدفوع إليه دون المدفوع وهذا هو الأكثر ككفارة اليمين إطعام عشرة مساكين وكفارة الظهار إطعام ستين مسكيناً وكفارة الجماع في رمضان.
القارئ: وسواءٌ حلق لعذرٍ أو غيره وعنه فيمن حلق لغير عذر عليه الدم من غير تخيير لأن الله تعالى خير بشرط العذر فإذا عدم الشرط زال التخيير والأول أولى لأن الحكم ثبت في غير المعذور تبعاً له والتبع لا يخالف أصله وإنما الشرط لإباحة الحلق لا التخيير.
الشيخ: هذا هو الأقرب أن الفرق بين المعذور وغيره هو الإثم بالحلق إن كان غير معذور لزمته الفدية مع الإثم وإن كان معذوراً فإنه لا إثم عليه لكن تلزمه الفدية لأنه انتهك هذا المحظور لمصلحة نفسه فلم يسقط عنه فهو كالذي يقتل صيداً ليأكله فإنه لا يسقط عنه جزاؤه.
القارئ: وفي حلق أربع شعراتٍ ما في حلق الرأس كله لأنها كثير فتعلقت بها الفدية كالكل.
стр. 1432
الشيخ: قوله (لأنها كثير) النبي ﷺ قال (الثلث والثلث كثير) فإذا عللنا بالكثرة فيجب أن نربط الحكم بثلث الرأس كما قال به بعض أهل العلم وقال إن الذي فيه الفدية هو ما كان من ثلث الرأس فأكثر لأننا ما دمنا عللنا ذلك بالكثرة فالكثرة بنص الحديث أنها الثلث وإلى هذا ذهب بعض أهل العلم وقال لا فدية فيما دون الثلث ثم إنه إذا قطع ثلاث شعرات من رأسه لا يتبين أنه حلق ولا أنه قطع ولهذا الإنسان يجد في مثل هذه المسائل حرجاً أن يلزم الناس بشيء لم يتبين له في الكتاب والسنة قد يقول الإنسان هذا سهل إطعام ستة مساكين والخير كثير والحمد لله لكن ليست المسألة سهولة المدفوع المسألة هل هو حكم شرعي يقابل الإنسان به ربه يوم القيامة أنه ألزم عباد الله بما لم يلزمهم الله به؟ هذه المشكلة ثم إن هذا الإطعام الذي هو سهل اليوم قد يكون في يوم من الأيام صعباً فالحاصل أني أود من إخواني الطلبة أن ينتبهوا لهذا الشيء أن الله سيسألهم إذا أوجبوا شيئاً لم يدل عليه الدليل سيسألهم لماذا ألزمتم عبادي بما لم ألزمهم به فما الجواب والآية (وَلا تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ)، (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ) وهذا يدل على أن الرأس كله.
القارئ: وفي الثلاث روايتان إحداهما كالكل قال القاضي هي المذهب لأنها يقع عليها اسم الجمع المطلق فهي كالأربع والثانية لا يجب فيها ذلك وهي اختيار الخرقي لأن الثلاثة آخر القلة وآخر الشيء منه.
الشيخ: وعلى ما أومأنا إليه نقول كلها غير صحيحة الأربع ما فيها فدية والثلاث ما فيها فدية وإن قلنا بالوجوب فالثلاث فيها الفدية لأنها جمع وأما قوله إنه زالت بها القلة فصارت تبعاً للقليل فغير صحيح لأنه لما زالت بها القلة بلغت إلى حد الكثرة.
стр. 1433
القارئ: وفيما دون ذلك ثلاث روايات إحداهن في كل شعرة مدٌ من طعام لأن الله تعالى عدل الحيوان بالطعام هاهنا وفي الصيد وأقل ما يجب منه مدٌ من طعام فوجب والثانية قبضةٌ من طعام لأنه لا تقدير له في الشرع فيجب المصير إلى الأقل لأنه اليقين.
الشيخ: ومن قال إن اليقين هو قبضة ثم إن القبضة تختلف بعض الناس يده كبيرة وبعض الناس يده صغيرة ولهذا نقول كل هذا تحكم بلا دليل وأما أن الله عدل الطعام بالفدية فيقال هذا فيما أوجب الفدية وأنتم لا توجبون الفدية فيما دون الثلاثة وهذا يقتضي أن ما دون الثلاثة ليس فيها شيء.
القارئ: والثالثة درهم لأن إيجاب جزءٍ من الحيوان يشق فصرنا إلى قيمته وأقل ذلك درهم.
الشيخ: من يقول أقل ذلك درهم؟! الجزء من الحيوان قد يساوي مائة درهم وقد لا يساوي إلا درهماً وأنا أذكر أنه مر علينا سنوات نشتري الشاة بأربعة قروش أي خُمس ريال.
القارئ: وإزالة الشعر بالقطع والنتف والنورة وغيرها كحلقه لأنها في معناه والأظفار كالشعر في الفدية سواء لأنها في معناها وفي بعض الشعرة أو الظفر ما في جميعه كما أن في القصيرة مثلما في الطويلة وإن حلق شعر رأسه وبدنه فعليه فديةٌ واحدة لأنه جنسٌ واحدٌ فأجزأته فديةٌ واحدة كما لو لبس عمامةً وقميصا وهذا اختيار أبي الخطاب وحكي روايةٌ أخرى أن عليه فديتين اختاره القاضي لأن حلق الرأس يتعلق به النسك دون شعر البدن فيخالفه في الفدية.
الشيخ: الأصح الرأس فقط وشعر البدن ليس فيه دليل على أنه محرم وأن فيه فدية.
القارئ: ومن أبيح له الحلق فهو مخيرٌ في الفدية قبله وبعده كما يتخير في كفارة اليمين قبل الحنث وبعده.
стр. 1434
الشيخ: لأن الله قال (قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ) لكن الكفارة قبل الحنث تسمى تحلة لأنه حل اليمين وبعد الحنث تسمى كفارة لأنه انتهك حرمة اليمين فصارت كفارة، لو قال أنا سأحلف أن لا أخرج من البيت ثم أخرج الكفارة للحلف الذي سيحلفه؟ لا يصح لأنه قبل السبب أما قبل الشرط فلا بأس.
مسألة: لو لبس عمامةً وقميصاً فهل نقول فدية واحدة لأن الجميع لبس أو نقول فديتان لأن هذا على الرأس وهذا على البدن؟ هذا فيه خلاف لكن ينبغي أن يفرق بين ما إذا لبس عمامةً وقميصاً أو غطى رأسه ولبس قميصاً الأول يسمى لبساً فيكون الجنس واحداً والثاني يسمى تغطية ولبساً فيكون بينهما فرق ويكونان جنسين.
فصلٌ
стр. 1435
القارئ: ومن لبس أو غطى رأسه أو تطيب فعليه الفدية مثل حلق رأسه لأنه في معناه فقسناه عليه وإذا لبس عمامةً وقميصاً وسراويل وخفين فعليه فدية واحدة لأنه جنسٌ واحدٌ فأشبه ما لو طيب رأسه وبدنه وإن لبس وتطيب وحلق وقلم فعليه لكل جنسٍ فدية لأنها أجناسٌ مختلفة فلم تتداخل كفاراتها كالأيمان والحدود وعنه إن فعل ذلك دفعةً واحدة ففديةٌ واحدة لأن الكل محظورٌ فأشبه اللبس في رأسه وبدنه وإن كرر محظوراً واحداً فلبس ثم لبس أو تطيب ثم تطيب أو حلق ثم حلق ففديةٌ واحدة ما لم يكفر عن الأول قبل فعل الثاني وعنه إن فعله لأسباب مثل من لبس أول النهار للبرد ووسطه للحر وآخره للمرض ففديات لأن أسبابه مختلفةٌ فأشبه الأجناس المختلفة والأول أولى لأن الحكم يتعلق بالمحظور لا بسببه فأشبه الحالف بالله ثلاثة أيمان على شيء واحدٍ لأسبابٍ مختلفة وقليل اللبس والطيب وكثيره سواء وحكم كفارة الوطء في التداخل مثل ما ذكرنا لأنها ليست ضمانا فأما جزاء الصيد فلا تداخل فيه وكلما قتل صيداً حكم عليه وعنه أنه يتداخل كسائر الكفارات وعنه لا يجب الجزاء إلا في المرة الأولى لقول الله تعالى (وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ) ولم يذكر جزاء والأول المذهب لقول الله تعالى (فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ) وهذا يقتضي كل قاتل ومثل الصيدين أكثر من مثل واحد ولأنه ضمان مالٍ يختلف باختلافه فوجب في كل مرةٍ كضمان مال الآدمي قال أحمد روي عن عمر وغيره أنهم حكموا في الخطأ وفيما قتل ولم يسألوه هل كان قتل قبل هذا أو لا.
стр. 1436
الشيخ: والصحيح أن جزاء الصيد بتعدد المصيد حتى ولو كان بفعلٍ واحد مثل أن يرمي فيصيب عدة طيور فعليه لكل طيرٍ جزاء لأن الله تعالى قال (فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ) وكما يلزم المثل في الصفة والهيئة يلزم المثل في العدد وأما تكرار اللبس فإن كان لبس لعذرٍ دام فلا حرج أن يكرر مثل أن يلبس للبرد في أول النهار وفي وسط النهار لا برد فيعود ويلبس الإزار والرداء ثم في آخر النهار حدث البرد فنقول البس ولا تتعدد الكفارة لأنه إنما استباح لبس المخيط لسبب وهو البرد فكأن هذا المحظور انحل في حقه ولم يبقَ عليه محرماً هذا هو الضابط فيما يتكرر، الجماع أيضاً لو جامع ثم جامع ثم جامع فإنه يتكرر إلا إذا كان لم يكفر عن الأول.
فصلٌ
القارئ: وإذا وطئ المحرم في الفرج في الحج قبل التحلل الأول فعليه بدنةٌ لأن ذلك يروى عن ابن عباسٍ ﵁ وسواءٌ كان الفرج قبلاً أو دبرا من آدميٍ أو بهيمةٍ لأنه وطءٌ في فرج أشبه وطء الآدمية وإن وطئت المحرمة مطاوعةً فعليها بدنة لأنها أفسدت حجها بالجماع فوجبت عليها البدنة كالرجل وإن وطئ الرجل محرمةً مطاوعةً فعلى كل واحدٍ منهما بدنة لأن ابن عباسٍ قال للمجامع اهد ناقة ولتهد ناقة ولأنه إفساد حج شخصين فأوجب بدنتين كالوطء من رجلين وعنه يجزئهما هديٌ واحد لأنه جماعٌ واحدٌ فأشبه ما لو أكرهها فإن وطئها نائمةً أو مكرهةً ففيها روايتان إحداهما أن الواجب هديٌ واحدٌ عليه دونها لأنها معذورةٌ فلم يلزمها كفارةٌ كالمكرهة على الوطء في الصيام والثانية يجب هديان لأنه إفساد حج اثنين فعلى هذا يتحملها الرجل عنها لأن الإفساد وجد منه فكان موجبه عليه كما تجب عليه نفقة قضائها ويحتمل أن تكون عليها لأنها وجبت لفساد حجتها.
стр. 1437
الشيخ: هذا الأخير ثقيل صعب والصواب أنها إذا وطئت نائمة أو مكرهة فلا شيء عليها لأنها معذورة ولا شيء على الرجل أيضاً لأنه جماعٌ واحد من شخصٍ واحد فلا يوجب أكثر من فدية ولكنه يأثم إذا أكرهها أو وطئها نائمة وهل يفسد حجها؟ لا على القول الراجح لا يفسد لأنه عن غير عمد.
القارئ: ويحتمل أن تكون عليها لأنها وجبت لفساد حجها وإن وطئ في العمرة أو وطئ في الحج بعد التحلل الأول فعليه شاةٌ لأنه فعل محظور لم يفسد حجا فلم يوجب بدنةً كالقبلة.
الشيخ: وعليه شاة ويجب أن نعلم أن كل ما أوجب شاةً من المحظورات فهو على التخيير بين الشاة أو صيام ثلاثة أيام أو إطعام ستة مساكين.
القارئ: ومتى وطئ المحرم دون الفرج أو قبل أو لمس لشهوة فلم ينزل فعليه شاةٌ لأنه فعلٌ محرمٌ بالإحرام لم يفسد بالحج فوجبت به الشاة كالحلق وإن أنزل فعليه بدنة لأنه استمتاعٌ بالمباشرة أوجب الغسل فأوجب البدنة كالوطئ في الفرج وإن نظر فلم ينزل فلا شيء عليه وإن نظر فصرف بصره فأنزل فعليه شاة وإن كرر النظر حتى أنزل ففيه روايتان إحداهما شاةٌ يروى ذلك عن ابن عباس ولأنه ليس بمباشرة فلم يوجب البدنة كما لو صرف بصره والثانية فيه بدنة اختارها الخرقي لأنه إنزالٌ بإستمتاعٍ فأوجب البدنة كالمباشرة.
الشيخ: والصواب أنه لا يوجب البدنة وأن البدنة لا تجب إلا في الجماع قبل التحلل الأول في الحج وأما الإنزال بالمباشرة أو الجماع فيما دون الفرج وما أشبه ذلك فلا يوجب البدنة هذا هو القول الراجح في المسألة.
أما إذا كرر النظر فأنزل فينبغي أن تجب الشاة وأما إذا نظر ثم صرف بصره فلا شيء عليه ولو أنزل لأن إنزاله بعد صرف بصره ليس للنظر بل للتفكير في المنظور والتفكير على القول الراجح ليس فيه شيء.
القارئ: وإن فكر فأنزل فلا شيء عليه كما ذكرنا في الصوم وإن أمذى في هذه المواضع فهو كمن لم ينزل لأنه خارجٌ لا يوجب الغسل أشبه البول.
стр. 1438
الشيخ: وفي هذا دليل على أن الإمذاء في الصوم لا يفسد الصوم كما هو الراجح والفقهاء قالوا إن الإمذاء يفسد الصوم والصواب أنه لا يفسده ولا يمكن أن يقاس المذي على المني لاختلافهما في الحكم وفي الحقيقة والماهية والأثر.
فصلٌ
القارئ: ومن لزمته بدنةٌ أجزأته بقرة لأن جابراً قال وهل هي إلا من البدن ولأنها تقوم في الأضاحي والهدايا مقامها فكذا هنا ويجزؤه سبعٌ من الغنم لذلك.
الشيخ: لكن بعض أهل العلم قال في غير جزاء الصيد فاستثنى جزاء الصيد وقال إن جزاء الصيد إذا وجبت فيه بدنة لم تجزئ البقرة لأن الله تعالى قال (فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ) وهذا القول لا شك أنه وجيه لأنه إذا ذبح بقرةً في مقام البدنة لم يكن آتياً بما يلزمه من وجوب المماثلة.
القارئ: وإن لم يجد هدياً فعليه صيام ثلاثة أيامٍ في الحج وسبعة إذا رجع لأن ابن عمر وابن عباسٍ وعبد الله بن عمروٍ قالوا للواطئين اهديا هديا فإن لم تجدا فصوما ثلاثة أيامٍ في الحج وسبعة إذا رجعتم وهم الأصل في ثبوت حكم الوطء وإليهم المرجع فيه فكذا في بدله وقال بعض أصحابنا تقوم البدنة فيشتري بقيمتها طعاماً يتصدق به فإن لم يجد صام عن كل مدٍ يوماً قياساً على البدنة الواجبة في فدية النعامة.
الشيخ: هذا قياسٌ مع الفارق والصواب أن من لزمته البدنة وقدر عليها فليفعل وإلا فلا شيء عليه وما روي عن هؤلاء الصحابة الذين ذكروا فيحمل على الاستحباب.
стр. 1439
باب جزاء الصيد
القارئ: يجب الجزاء في الصيد لقول الله تعالى (وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ) وهو ضربان ما له مثلٌ من النعم وهي بهيمة الأنعام فيجب فيه مثله للآية وهو نوعان الضرب الأول ما قضت الصحابة فيه فيجب فيه ما قضت لأنه حكم مجتهد فيه واجتهادهم أحق أن يتبع فمن ذلك الضبع قضى فيها عمر وابن عباسٍ بكبش وقد روي أن النبي ﷺ قضى فيها بذلك رواه أبو داود وغيره وقال الترمذي هو حديثٌ حسنٌ صحيح.
الشيخ: قال الله ﵎ في جزاء الصيد (فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ) وأول من يدخل في هذا الوصف وهو العدالة الصحابة ﵃ فما قضت به الصحابة لا يجوز العدول عنه أولاً لأنهم هم أعلم منا وأقرب إلى الصواب وأقوى أمانة.
وثانياً أنه لو فتح الباب لكل واحدٍ أن يجتهد لم يقر قرارٌ للناس لكان كل قومٍ يأتون يقول هذا ليس مثل هذا بل مثله كذا فتضطرب الأمة فلهذا نقول ما قضت به الصحابة فلا عدول عنه ومن ذلك الضبع فيها كبش وقضاء الصحابة أن في الضبع كبشاً يدل على أنها حلال وأنها من الصيد وكذلك النبي ﷺ قضى بها كما قاله الإمام أحمد ﵀ إن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قضى فيها بكبش.
القارئ: والنعامة قضى فيها عثمان وعلي وزيد وابن عباس ومعاوية ببدنة.
الشيخ: لأن أقرب ما يكون شبهاً به البدنة.
القارئ: وحمار الوحش فيه روايتان إحداهما فيه بقرة لأن عمر قضى فيه بها والثانية فيه بدنة لأن أبا عبيدة وابن عباسٍ قضيا فيه بها وقضاء عمر أولى لأنه أقرب إلى ما قضي به وعن ابن مسعودٍ أنه قضى في بقرة الوحش ببقرة وقال ابن عباسٍ في الأيل بقرة.
الشيخ: على كل حال الآن اختلف عمر وابن عباس وأبو عبيدة والصواب مع عمر لا شك لأنه أقرب.
стр. 1440
القارئ: وقال ابن عمر في الأروى بقرة وقضى عمر في الظبي بشاة وفي اليربوع بجفرة وهي التي لها أربعة أشهرٍ من المعز.
الشيخ: هذه كلها أنواع من الظباء الآيل والتيتل والأروى كلها أنواع من الظباء.
القارئ: وفي الأرنب بعناق وهي أصغر من الجفرة وفي الضب بجدي.
الشيخ: في الأرنب عناق مع أن الأرنب أكبر بكثير من اليربوع ومع ذلك جزاؤه أقل من أجل المماثلة فهي ليست من باب التقويم بل من باب المماثلة.
القارئ: والضرب الثاني ما لم تقضِ فيه الصحابة فيرجع فيه إلى قول عدلين من أهل الخبرة لقول الله تعالى (يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ) ويجوز أن يكون القاتل أحدهما لدخوله في العموم ولما روى طارق بن شهاب قال خرجنا حجاجاً فأوطأ منا رجل يقال له إربد ضباً ففزر ظهره فقدمنا إلى عمر فسأله إربد فقال له احكم فيه يا إربد قال أنت خيرٌ مني يا أمير المؤمنين وأعلم فقال عمر إنما أمرتك أن تحكم ولم آمرك أن تزكيني فقال إربد أرى فيه جديا قد جمع الماء والشجر فقال عمر فذلك فيه رواه سعيد بن منصور ولأنه واجبٌ لحق الله فجاز أن يكون من وجب عليه أميناً فيه كالزكاة.
الشيخ: وقيل إنه لا يصح أن يكون حكماً إذا كان هو القاتل لأن الله قال (يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ) وقاتل الصيد في الإحرام ليس بعدل حتى يتوب ولأنه متهم فيما يجب عليه والفرق بينه وبين الزكاة أن هذا غرمٌ منفصل وأما الزكاة فهو إخراج واجبٍ في ماله فكان أخف وهذا الأثر إن صح عن عمر فلعله لسببٍ رآه لأن هذه قضية عين فلعله رأى أن إربد تاب لله فصح أن يكون حكما.
القارئ: وفي كبير الصيد كبيرٌ مثله وفي صغيره صغيرٌ مثله وفي كل واحدٍ من الصحيح والمعيب مثله وإن فدى الذكر بالأنثى جاز لأنها أفضل وإن فدى الأنثى بالذكر ففيه وجهان أحدهما لا يجزئ لذلك والآخر يجزئ لأن لحمه أوفر وهو المقصود.
الشيخ: ولكن الأقرب أنه لا يجزئ الذكر عن الأنثى لأن الأنثى أطيب لحماً وأرق.
следующие страницы →