← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 96875

تعليقات ابن عثيمين على الكافي لابن قدامة

ابن عثيمين

Полный текст (2 447 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.

стр. 1891

الشيخ: هذا صحيح لأن اللبن المشوب من يستطيع أن يقدره؟ الجواب لا أحد يستطيع، قال الشاعر يصف قوماً استضافهم: حتى إذا جن الظلام واختلط ... جاءوا بمذق هل رأيت الذئب قط يعني جاءوا بلبن مشوب حتى صار مثل. القارئ: الرابع أخلاط مقصودة غير متميزة كالغالية والند والمعاجين فلا يصح السلم فيه لأن الصفة لا تأتي عليه وفي معناه القسي المشتملة على الخشب والقرن والقصب والغزل والتوز فلا يصح السلم فيها للعجز عن مقادير ذلك وتميز ما فيه منها وفيه وجه آخر أنه يصح السلم فيها كالثياب. الشيخ: الواقع أن هذه الأشياء التي ذكرت في القسم الثالث والرابع إذا تطورت الصناعة وصار هذا الخلط المقصود مضبوطاً تماماً فلا بأس فلو ورد في الأسواق أخلاط من الطيب لكنها معروفة بالدقة فلا بأس والآن يوجد شيء يسمى الند وهو عبارة عن أطياب مخلوطة فإذا أسلم إليه مالاً بعيدان الند فلا بأس وإن كانت مخلوطة لكنها معروفة لا تختلف وكل هذه الشروط تُأخذ من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه (وسلم نهى عن بيع الغرر). فصل القارئ: وفي الحيوان روايتان أظهرهما صحة السلم فيه لأن أبا رافع قال (أستسلف النبي ﷺ من رجل بكرا) رواه مسلم ولأنه يثبت في الذمة صداقاً فصح السلم فيه كالثياب والثانية لا يصح لأنه يختلف اختلافاً متباينا مع ذكر أوصافه الظاهرة فربما تساوى العبدان في الصفات المعتبرة وأحدهما يساوي أمثال أصحابه وإن استقصى صفاته كلها تعذر تسلميه.

стр. 1892

الشيخ: في هذا نرجع إلي ما سبق فإذا أمكن وصفه فلا بأس فالحيوان يمكن وصفه وإذا اختلف لا يختلف إلا يسيراً لكن العبيد صعب جداً فمثلاً لو قال أسلمت إليك عشرة آلاف في عبد صفته كذا وكذا فهذا لا يكفي مهما قال أولاً لأنه قد يكون نادراً وثانياً أن وجه الإنسان يختلف اختلافاً عظيماً فبعض الناس تجد وجهه مبتسماً وصدره منشرحاً وإذا رأيته سرك وبعض الناس بالعكس فمثلاً قلت أسلمت لك كذا وكذا في عبد سنه كذا وطوله كذا وعرضه كذا ولونه كذا وعيناه كذا ووجهه كذا فهل يمكن أن الإنسان يدرك أن يأتي بهذا على الوصف المطلوب؟ الجواب لا يمكن أبداً وربما كان هناك عبدان متفقان في الصفات والسن والجسم وكل شيء لكن أحدهما إذا رأيته ربما لا تنام من الحزن والآخر إذا رأيته انشرح صدرك وسررت به فهنا ينبغي أن يقال إذا كان الحيوان إنساناً فلا يصح السلم فيه لصعوبة وصفه وإن كان حيواناً فالأمر سهل حتى الحيوان إذا لم يطب لك فإن كان مما يأكل فما أحسن أن تذبحه وتأكله وإن كان لا يأكل فالبيع. القارئ: وفي المعدود من الجوز والبيض والبطيخ والرمان والبقل ونحوه روايتان إحداهما لا يصح لذلك والثانية يصح لأن التفاوت يسير ويمكن ضبطه بعضه بالصغر والكبر وبعضه بالوزن وفي الرؤوس والأطراف والجلود من الخلاف مثل ما فيما قبله. فصل القارئ: الشرط الثاني معرفة قدره بالكيل إن كان مكيلا وبالوزن إن كان موزونا وللذرع إن كان مذروعاً لحديث ابن عباس ولأنه عوض غير مشاهد يثبت في الذمة فاشترط معرفة قدره كالثمن. الشيخ: حديث ابن عباس (فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم) وحتى لو فرض أنه لم يأتي هذا القيد في الحديث فإنه داخل في العموم أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (نهى عن بيع الغرر). القارئ: ويجب أن يكون ما يقدر به معلوماً عند العامة فإن قدره بإناء أو صنجة بعينها غير معلومة لم يصح لأنه قد يهلك فيجهل قدره وهذا غرر لا يحتاج العقد إليه.

стр. 1893

الشيخ: أي لابد أن يسلم في مكيال معلوم عند العامة كالصاع والمد وما أشبه ذلك فلو قال أسلمت إليك مائة ريال بملء هذا الإناء مائة مرة فلا يصح لأن الإناء ربما يتلف أو يسرق أو يخفيه أحدهما فيؤدي ذلك إلى التنازع فلا يصح وكذلك الصنجة أي ما يقدر الشيء به وزناً لابد أن تكون معلومة والمعلوم عندنا الآن في الوزن هو الكيلو. القارئ: وإن أسلم في المكيل وزنا وفي الموزون كيلا فعنه لا يصح لأنه مبيع اشترط معرفة قدره فلم يجز بغير ما هو مقدر به كالربويات وعنه ما يدل على الجواز لأنه يخرجه عن الجهالة وهو الغرض ولابد من تقدير. الشيخ: هذه الرواية هي الصحيحة أنه يجوز أن يسلم في المكيل وزناً وفي الموزون كيلاً وعمل الناس الآن في المكيل الوزن فصعب على الإنسان أن يكيل آلاف الأصواع ولهذا يقدرونها الآن بالوزن فالصواب أنه يجوز أن يسلم في البر وزناً وفي السكر كيلاً السكر لأن السكر يقدر بالوزن فإذا قدره بالكيل فلا بأس. القارئ: ولابد من تقدير المذروع بالذرع فأما المعدود فيقدر بالعدد وقيل بالوزن لأنه يتباين والأول أولى لأنه يقدر به عند العامة والتفاوت يسير ويضبط بالصغر والكبر ولهذا لا تقع القيمة بين الجوزتين والبيضتين. الشيخ: المعنى أنه لا وقع في القيمة فيقال مثلاً في البيض كل عشرة بريال وإن اختلفت بعض الشيء ولكن الحمد لله الآن مسألة المعدود أصبحت أمراً ظاهراً فهذه الأشياء الآن تقدر بألات معروفة مضبوطة تماماً فإذا قلت مثلاً مائة ساعة موديل كذا نوع كذا فهي منضبطة تماماً. القارئ: فإن كان يتفاوت كثيراً كالرمان والبطيخ والسفرجل والبقول قدره بالوزن لأنه أضبط لكثرة تفاوته وتباينه ولا يمكنه ضبطه بالكيل لتجافيه في المكيال ولا بالحزم لأنه يختلف ويمكن حزم الكبيرة والصغيرة فتعين بالوزن لتقديره.

стр. 1894

الشيخ: خلاصة هذا الشرط أنه لابد أن يكون معلوم القدر بالكيل في المكيل والوزن في الموزون والعد في المعدود والذرع في المذروع وإن خالف بأن جعل المكيل موزوناً أو الموزون مكيلاً فلا بأس على القول الراجح أما المعدود فإن ظهر التفاوت كثيراً فإنه لا يجوز لأنه يؤدي إلى التنازع وإن كان يسيراً فلا بأس وأما المذروع فلابد من ذرعه لا يمكن ضبطه إلا بالزرع. فصل القارئ: الشرط الثالث أن يجعلا له أجلاً معلوما فإن أسلم حالاً لم يصح لحديث ابن عباس. الشيخ: حديث ابن عابس هو قوله ﷺ (إلى أجل معلوم) وهذا مبني على أن هذه الجملة (إلى أجل معلوم) يعود فيها الشرط إلى المعنيين جميعاً وهما الأجل وكونه معلوماً وقال بعض العلماء إن هذا يعود إلى قوله (معلوم) فقط في قوله (إلى أجل معلوم) يعني أنه إذا كان مؤجلاً فليكن الأجل معلوماً وبناءً على هذا القول لا يشترط التأجيل فيصح السلم في الشيء الحال بأن يقول هذه مائة ريال بمائة صاع ولا يقدر أجلاً فهذا لا بأس به على القول بأن الشرط يعود إلى أن يكون الأجل معلوماً لا إلى أجل معلوم. القارئ: ولأن السلم إنما جاز رخصة للرفق ولا يحصل الرفق إلا بالأجل فلا يصح بدونه كالكتابة فإن كان بلفظ البيع صح حالا قال القاضي ويجوز التفرق قبل قبض رأس المال لأنه بيع ويحتمل أن لا يجوز لأنه بيع دين بدين. الشيخ: ما قاله القاضي هو الصحيح والعمل عليه الآن فتجد الرجل يقول لصاحبه أرسل لي كذا وكذا من الحاجات وهو لم يقبضها ولا يعطيه الثمن ثم بعد ذلك يعطيه الثمن فيقول مثلاً بكم تبيع الكيس من الرز فقول البائع أبيعه بمائة فيقول له أرسل لنا كيساً ولا يسلمه الثمن وكذلك البائع لم يحضر المبيع بعد فما قاله القاضي هو الصحيح وهو عليه العمل الآن.

стр. 1895

القارئ: ويشترط في الأجل ثلاثة أمور أحدها كونه معلوماً لقول الله تعالى (إِلَى أَجَلٍ مُسَمّى) وللخبر فإن جعله إلى المحرم أو يوم منه أو عيد الفطر ونحوها جاز لقول الله تعالى (يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاس) وإن قدره بغير ذلك مما يعرفه الناس ككانون وعيد للكفار يعرفه المسلمون جاز لأنه معلوم لا يختلف وقال ابن أبي موسى لا يصح لأنه لا يعرفه كثير من الناس. الشيخ: المؤلف قيد ذلك بأن يعرفه المسلمون مثل شهر كانون فلا بأس لأن كانون علم على شهر معين لكن عيد الكافر ينبغي ألا يصح الأجل إليه لأن العيد شعار ديني عند الكفار فلا يجوز أن تجعل آجال بيوع المسلمين إلى هذا الشعار الديني وإذا قال العلماء يصح أو لا يصح فهل يلزم من قولهم لا يصح أنه حرام؟ الجواب نعم إلا يلزم ذلك فكل شيء فاسد فهو حرام نص على هذا أهل العلم وهو حقيقة لأنه إذا كان فاسداً ثم إنك عملت به صار هذا مضاد للشرع فالقاعدة أن كل فاسد حرام سواء من الشروط أو العقود أوغيرها. القارئ: وإن كان مما لا يعرفه المسلمون كالشعانين وعيد الفطير لم يصح وجهاً واحداً لأن المسلمين لا يعرفونه ولا يجوز تقليد أهل الذمة فبقي مجهولاً. الشيخ: كلام المؤلف جيد في قوله (لا يجوز تقليد أهل الذمة) هذا جيد جداً فمثلاً عيد الميلاد معلوم عند المسلمين لكنه شعار ديني فلا يجوز أن تجعل آجل البيوع والإيجارات وما أشبهها إلى عيد الميلاد وشبهه من الأعياد الدينية عندهم. القارئ: وإن جعلا الأجل إلى مدة معلومة كشهر معين تعلق بأولها ولو قال محله في رمضان فكذلك لأنه لو قال لزوجته أنت طالق في رمضان طلقت في أوله ولو أحتمل غير الأول لم يقع الطلاق بالشك.

стр. 1896

الشيخ: المعنى أنه لو أحتمل غير الأول أي غير أول الشهر لكان احتماله في آخر الشهر مشكوكاً فيه ولا يقع الطلاق بالشك لكن لو أن إنسان عكس قال مادام الأمر محتملاً أن يكون في أول الشهر أو أخره فإيقاعه في أول الشهر مشكوك فيه أيضاً فلا يمكن أن نجزم إلا في آخر الشهر ولو قال قائل إذا كان محله في رمضان فقولوا في الوسط أي وسط رمضان فلا وكس ولا شطط فلا نضر البائع ولا نضر المشتري ولو قيل بهذا لكان جيداً. القارئ: وإن جعله اسماً يتناول شيئين كربيع تعلق بأولهما وإن قال ثلاثة أشهر أنصرف إلى الهلالية لأن الشهور في لسان الشرع فإن كان أثناء الشهر كمل بالعدد ثلاثين والباقي بالأهلة. الشيخ: والصواب أنه بالأهلة مطلقاً سواء في أثناء الشهر أو في أول الشهر ومثل ذلك قوله تعالى (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً) فالصواب أنه لا فرق بين أن يكون ابتداء المدة في أثناء الشهر أو من أوله فهي تكمل كلها بالأهلة. السائل: البلاد التي يكون فيها المسلمون ينطقون بغير العربية يستعملون الشهور غير العربية فما الحكم؟ الشيخ: لا مانع إذا كانوا لا يعرفون إلا أشهر أخرى غير عربية فلا بأس وإن كان ينبغي أن ينقلوا إلى الأشهر العربية. السائل: بالنسبة للآجال التي يقال فيها إلى رأس السنة مثلاً لكن هم لا يقصدون عيد الكفار؟ الشيخ: إذا لم ينص على العيد وقال على رأس السنة فلا بأس لأن حتى أعياد الكفار بالنسبة لرأس السنة تختلف بعض الأعياد تتقدم رأس السنة بأربعة أيام أوخمسة أيام وبعضها يتأخر فالمهم إذا لم يقيد بالعيد فلا بأس. السائل: ما الفرق بين قولهم في الأجل إلى رمضان أو في رمضان؟ الشيخ: إذا قال إلى رمضان فهو يحل في آخر يوم من شعبان أو أول يوم من رمضان وإذا قال في رمضان ينبغي أن يقال أنه إذا قال في رمضان أن يحل في وسط الشهر.

стр. 1897

القارئ: الأمر الثاني أن يكون مما لا يختلف فإن جعله إلى الحصاد والجذاذ والموسم لم يصح لأن ابن عباس قال: لا تتبايعوا إلى الحصاد والدياس ولا تتبايعوا إلا إلى شهر معلوم ولأن ذلك يختلف ويفرب ويبعد فلم يجز جعله أجلاً كقدوم زيد وعنه أنه قال أرجو أن لا يكون به بأس لأن ابن عمر كان يبتاع إلى العطاء ولأنه لا يتفاوت تفاوتاً كثيرا فإن أسلم إلى العطاء يريد به وقته وكان معلوماً جاز وإن أراد نفس العطاء لم يصح لأنه يختلف. الشيخ: هذه المسألة في تأجيل السلم بالحصاد والجذاذ فيه روايتان عن الإمام أحمد ﵀ رواية أنه لا بأس به وراوية أخرى أنه لا يجوز والصواب أنه جائز ولا بأس به لأن وقت الحصاد معلوم والاختلاف فيه يسير ومثل هذا جرت العادة بالتسامح فيه ومثله كذلك قدوم الحجاج في الزمن الأول فإن قدوم الحجاج في الزمن الأول يكون متقارباً أما الآن فإن الحجاج يختلفون اختلافاً كثيراً فلا يصح التأجيل به وأما ما روي عن ابن عباس (لا تبايعوا للحصاد والدياس) فلعله أراد أن يبيع نفس الذي جذ ونفس الذي ديس فيكون النهي مصباً على العين لا على الأجل لأن الفلاح ربما يقول أنا أؤجل السلم حتى أحصد ويعني بذلك أنه يبيع ما حصد أو حتى أحز ويعني بذلك جذاذه وهذا لا شك أنه مجهول أما الحصاد بمعنى وقت الحصاد فالصواب الرواية الثانية عن أحمد أن ذلك جائز وكذلك إذا أسلم إلى العطاء يعني عطاء الديوان ومثله عندنا الآن في الوقت الحاضر الرواتب فهذا لا بأس به لأن الاختلاف فيها يسير أما إذا أراد نفس العطاء فهذا لا يصح لأنه قد يحصل في وقته وقد لا يحصل. القارئ: الأمر الثالث أن تكون مدة لها وقع في الثمن كالشهر ونصفه ونحوه فأما اليوم ونحوه فلا يصح التأجيل به لأن الأجل إنما اعتبر ليتحقق المرفق ولا يتحقق إلا بمدة طويلة.

стр. 1898

الشيخ: قوله (المرفق) يعني مكان الرفق أو ليتحقق الرفق وهذا الشرط فيه نظر وذلك لأن الحديث يقول فيه الرسول ﵊ (إلى أجل معلوم) وأجل نكرة تشمل الكثير والقليل ولكن من المعلوم عادة أنه لابد أن يكون الأجل طويلاً لأن باذل الدراهم سيخفض من القيمة فإذا كان الصاع يساوي درهماً فإنه سوف يخفف من القيمة فلا يعطيه إلا درهماً إلا ربعاً مثلاً إذ أن المبيع سوف يتأخر تسليمه وهذا هو الأغلب أنه لابد أن يكون بأجل له وقع في الثمن والتمثيل بالشهر ونصفه ونحوه أيضاً يختلف فأحياناً تكون السلع غير مستقرة فيكون الأجل القليل له وقع في الثمن وأحياناً تكون مستقرة فلا يكون له وقع في الثمن إلا إذا كان في مدة طويلة وكذلك أيضاً ربما يكون عقد السلم قرب الموسم كموسم الحج مثلاً فهنا لا شك أن المدة القليلة سيكون لها وقع في الثمن بمناسبة الموسم لأن الموسم ترتفع به الأسعار والخلاصة أن القول الراجح أنه لا يشترط الأجل ولا كونه له وقع في الثمن وأن السلم يصح حتى في الحال وسبق الكلام على هذا. القارئ: فإن أسلم في جنس إلى أجلين أو آجال مثل أن يسلم في خبز ولحم يأخذ كل يوم أرطالاً معلومة جاز لأن كل بيع جاز إلى أجل جاز إلى آجال كبيوع الأعيان ويجوز أن يسلم في جنسين إلى أجل واحد لما ذكرنا. الشيخ: يعني يجوز أن يسلم في جنس واحد إلي أكثر من أجل فيقول أسلمت إليك ألف ريال بمائة صاع من البر نصفها يحل في رجب والنصف الثاني في شوال فهذا جائز وكذلك العكس أن يسلم في شيئين إلى أجل واحد كأن يقول أسلمت إليك مائة ريال بخمسين صاعاً من البر وخمسين صاعاً من الشعير تحل في رجب فهذا جائز. السائل: ما هو الجمع بين قول النبي ﷺ (لا تبع ما ليس عندك) وبين إجازتنا أن يعقد على الشيء عقد سلم وهو حال؟

стр. 1899

الشيخ: في السلم هو على شيء موصوف في الذمة فالفرق أن قوله ﷺ (لا تبع ما ليس عندك) يقصد العين أما الموصوف في الذمة فهذا غير معين ولهذا نطالب الذي باع الشيء الموصوف بالذمة نطالبه بإيجاده على كل حال وأما الشيء المعين لو تلف ما نطالبه به. فصل القارئ: الشرط الرابع أن يكون المسلم فيه عام الوجود في محله مأمون الانقطاع فيه لأن القدرة على التسليم شرط ولا تتحقق إلا بذلك فلو أسلم في العنب إلى شباط لم يصح لأنه لا يوجد فيه إلا نادراً. الشيخ: شباط شهر إفرنجي يرافق الشتاء فلو أسلم في العنب إلى شباط فهذا لا يمكن أن يوجد فيه عنب في شباط وذلك في عصر المؤلف ﵀ أما في عصرنا فيوجد وذلك بخزنه في المبردات والثلاجات وعلى كل حال نرجع للأصل لابد أن يكون المسلم فيه موجوداً وقد الحلول في مكانه وهذا المهم لأنه لو أسلم في شيء لا يمكن وجوده في وقته في ذلك المكان صار في هذا تعجيز ومغامرة لكن لابد أن يوجد وهنا نتعرض لمسألة يستعملها المقاولون في البناء يقول مثلاً أبني لي هذا البيت في خلال ستة أشهر فإن انتهت الستة فعليك خصم كل يوم مائة ريال أو ألف ريال أو ما يتفقان عليه فهل يجوز هذا أو لا يجوز؟ الجواب نقول إن ضرب مدة يمكن فيها انتهاء البناء فهذا جائز وإن ضرب مدة لا يمكن فيها انتهاء البناء فهذا لا يجوز لأنه في المسألة الأخيرة يكون المقاول مغامراً ومن المعلوم أنه إذا قصر مدة الإنشاء فسيكون السعر أعلى وحينئذ يكون إما غانماً وإما غارماً وأما إذا كانت المدة في وقت يمكن أن ينتهي فيه البناء فهذا لا بأس به. القارئ: ولا يصح السلم في ثمرة بستان بعينه ولا قرية صغيرة لما روي عن النبي ﷺ أنه أسلف إليه رجل من اليهود دنانير في تمر مسمى وقال اليهودي من تمر حائط بني فلان فقال النبي ﷺ أما من حائط بني فلا ولكن كيل مسمى إلى أجل مسمى رواه ابن ماجه.

стр. 1900

الشيخ: هذا الحديث ليس فيه دلالة على ما ذهب إليه المؤلف لأن كونه من حائط بني قد يكون معجوزاً عنه حين حلول الأجل لكن إذا أراد أن يسلم إليه بتمر من بستانه فإن بستانه يستطيع أن يوفي منه أما من بيع من حائط فحائط بني فلان قد يكون المسلم إليه قادراً على تحصيله وقد يكون غير قادر ولهذا ينبغي أن يكون في ذلك تفصيل فيقال إن عينه مما يملكه المسلم إليه فلا بأس به وإن كان من حائط آخر فإنه لا يجوز لأنه داخل في بيع ما ليس عنده ولا يتمكن من الوفاء وهذا القول الذي ذكرته هو الذي عليه عمل الناس اليوم وفيما سبق كان الفلاحون يأتون إلى التجار ويسلم التجار إليهم دراهم في تمر من نخيلهم أو في حب من زرعهم وهذا لا بأس به فصار في هذا على القول الراجح تفصيل وهو أنه إن عينه من بستانه الذي يملكه فلا بأس بذلك وإن عينه من بستان آخر فإنه لا يجوز لكن لو قال من حائط بني فلان أو ما يماثله فهل يجوز؟ نعم يجوز لأننا علمنا من قوله من حائط بني فلان أو ما يماثله أنه أراد هذا النوع الطيب. القارئ: ولأنه لا يؤمن تلفه فلم يصح كما لو قدره بمكيال معين ولا يصح السلم في عين لذلك ولأن الأعيان لا تثبت في الذمة. السائل: ما حكم السلم في العين؟ الشيخ: السلم في العين لا يصح لأنه إذا أسلم في العين ملكها المشتري وإذا ملكها فكيف تبقى؟ فنقول بدلاً من أن تقول سلم أذكر أنه بيع فقل بعت عليك هذا الشيء ويبقى عنده حسب الشرط. السائل: السلم إذا كان إلى أجل مثلاً إلى سنة فإنه حينئذ ربما يرتفع سعر الشيء الذي أسلم فيه وربما ينخفض جداً فيكون المسلم إما غانماً أو غارماً؟ الشيخ: هذا لا بأس به وليس غانماً أو غارماً لأن الغانم والغارم بمقتضى العقد أما هذا فهو غانم وغارم بحسب السعر وكما يقول العوام حظه ونصيبه. فصل

стр. 1901

القارئ: الشرط الخامس أن يضبط بصفاته التي يختلف الثمن بها ظاهرا فيذكر الجنس والنوع والجودة والرداءة والكبر والصغر والطول والقصر والعرض والسمك والنعومة والخشونة واللين والصلابة والرقة والصفاقة والذكورية والأنوثية والسن والبكارة والثيوبة واللون والبلد والرطوبة واليبوسة ونحو ذلك مما يقبل هذه الصفات ويختلف بها. الشيخ: يقول المؤلف (أن يضبط صفاته التي يختلف الثمن بها ظاهراً) يعني وأما الصفات اليسيرة التي لا يختلف بها الثمن إلا قليلاً فلا يشترط قال الإمام أحمد كل سلم يختلف فلا يمكن أن تضبط الصفات ضبطاً كاملاً كأنما تشاهدها يقول المؤلف (فيذكر الجنس والنوع) والصحيح أن ذكر النوع كافي عن ذكر الجنس لأن الجنس أعم والنوع أخص فمثلاً يقول أسلمت إليك مائة ريال بمائة صاع من البر حنطة والبر كما هو معروف أنواع منه الحنطة والمعيَّا والصماء والقيمي والجرباء فهذه خمسة أنواع فعلى قول المؤلف لابد أن تذكر الجنس والنوع فتقول مثلاً أسلمت إليك مائة ريال بمائة صاع من البر حنطة لكن نحن نقول إذا ذكر الأخص شمل الأعلى فلا يشترط ذكر الجنس فيكفي ذكر النوع لأنه إذا ذكر النوع تحدد الجنس قطعاً ثم قال المؤلف يذكر (الجودة والرداءة والكبر والصغر) وهذا صحيح لابد أن يقول جيد أو رديء وكذلك في الكبر والصغر لابد أيضاً أن يذكر أنه من النوع الكبير أو من النوع الصغير أو من النوع المتوسط وقوله (الطول والقصر) هذا فيما لو أسلم بحيوان أو بإنسان رقيق أما المذروع فلابد أن يحدد الذرع وقوله (العرض والسمك) والعرض والسمك هذا فيما لو أسلم في خشب أو غيره وقوله (النعومة والخشونة) هذا مثاله القماش وقوله (اللين والصلابة ... الخ) وعلى كل حال الصحيح في هذا الشرط أن يذكر الصفات التي يختلف بها الثمن اختلافاً ظاهراً هذا هو الضابط.

стр. 1902

القارئ: الشرط الخامس أن يضبطه بصفاته التي يختلف الثمن بها ظاهرا فيذكر الجنس والنوع والجودة والرداءة والكبر والصغر والطول والقصر والعرض والسمك والنعومة والخشونة واللين والصلابة والرقة والصفاقة والذكورية والأنوثية والسن والبكارة والثيوبة واللون والبلد والرطوبة واليبوسة ونحو ذلك مما يقبل هذه الصفات ويختلف بها ويرجع فيما لا يعلم منها إلى تفسير أهل الخبرة فإن شرط الأجود منها لم يصح لأنه يتعذر عليه الوصول إليه فإن وصل إليه كان نادرا وإن شرط الأردأ فيه وجهان أحدهما لا يصح لذلك والثاني يصح لأنه يمكنه تسليم المسلم أو خير منه من جنسه فيلزم المسلم قبوله. الشيخ: إذا قال المسلم أسلمت إليك مائة ريال بمائة صاع بر أجود ما يكون فإن هذا لا يصح لتعذر الوصول إليه لأنه ما من جيد إلا وفوقه أجود والأجود فوقه أجود وإلى ما لا نهاية فيتعذر الوفاء وإن أمكن فإنه لا يكون إلا نادراً ولكن بعض العلماء قال إنه يصح أن يقول الأجود ويحمل قوله الأجود على أجود ما يكون في السوق في البلد الذي هو فيه وهذا القول هو الصحيح لأن هذا هو المتعارف عليه فأنا إذا قلت أجود ما يكون أو من أجود ما يكون فليس معناه أني أريد أن تطوف بأقطار الدنيا حتى تصل إلى شيء ليس فوقه شيء بل المراد أجود ما يكون في السوق وهذا شيء متعارف عليه ولا يختلف فيه اثنان ولهذا كان القول الراجح أنه لا بأس به فإذا أحضره المُسلَم إليه وقال هذا أجود ما يكون فقال المُسلِم لا انظر الدكان الفلاني فيه أجود منه فنقول الآن للمُسْلِم أن يطالب المُسْلَم إليه بالأجود أما إذا قال اذهب إلى السوق لن تجد أحسن منه فهذا ما الذي يمنع منه، ثم قال المؤلف ﵀ (إذا شرط الأردأ فيه وجهان) فذكر المؤلف الخلاف في الأردأ ولم يذكر الخلاف في الأجود لما سيأتي.

стр. 1903

وليعلم أنه إذا شرط الأردأ فإنه كالأجود في وجوده لأنه ما من رديء إلا وهناك ما هو أردأ منه إذا أحضر له ما هو أجود مما وصف فإنه يلزم المسلم قبوله لأنه أوفاه خيراً من حقه وإذا أوفاه خيراً من حقه لزمه القبول ولهذا لو أنك بعت عليه بقرة وشرط أنها ذات لبن وأنها يحلب منها في اليوم والليلة صاع فأتيت إليه ببقرة يحلب منها في اليوم والليلة صاعان وقال لا الشرط الذي بيني وبينك صاع فهل يلزمه أن يقبل ما تحلب صاعين؟ الجواب نعم يلزمه لأن الزيادة في الصفات يلزم قبولها وهذه هي جادة المذهب أن الزيادة في الصفات يلزم قبولها فإذا اتفق هو وإياه على سلم في أردأ ما يكون فهل يجوز أو لا؟ فيه وجهان المذهب أنه لا يجوز وهناك وجه آخر أنه يجوز وهو في الحقيقة مبني على المذهب لأنه إذا جاء بأردأ ما يكون في السوق فقال المسلم الذي دفع الثمن أنا أشترط عليه الأردأ فإنه لا يلزم المسلم إليه أن يطوف البلاد كلها حتى يجد ما هو أردأ لأنه من المعلوم أنه ما من رديء إلا ودونه ما هو أردأ منه لكن نقول إذا جاء بأجود مما يجب في ذمته لزم القبول حتى لو فرض أنه في البلد نفسه لم يأتِ بالأردأ فإنه يلزمه القبول لأنه إذا أتاه بما هو أجود مما وصف فهذا خير له ولا يرده إلا رجل سفيه والخلاصة الآن نقول إنه إذا أشترط الأجود فعلى كلام المؤلف لا يصح وإن شرط الأردأ ففيه وجهان والصحيح أن شرط الأردأ والأجود كلاهما جائز. القارئ: وإن أسلم في جارية وابنتها لم يصح لأنه يتعذر وجودهما على ما وصف وإن استقصى صفات السلم بحيث يتعذر وجوده لم يصح لأنه يعجز عن تسليمه.

стр. 1904

الشيخ: نستفيد من قولهم ﵏ (أنه إذا وصفه بصفات يندر وجودها ويعز وجودها فإنه لا يصح) نستفيد فائدة يستعملها الآن البناءون فيتفق المقاول والتاجر مثلاً على أن يبني له بيتاً في خلال ستة أشهر فإن لم ينجز ذلك في خلال ستة شهر خصم عليه كل يوم مائة وهذا يفعلونه حماية لهم لئلا يتلاعب المقاول لأنه ربما يتفق معه على ستة أشهر ثم يأخذ مقاولات كثيرة ولا يتمكن فهل يجوز هذا الشرط لأنه إذا جاز هذا الشرط ربما يستوعب الخصم نصف ما تمت به المقاولة أو أكثر فهل يجوز هذا الشرط؟ نقول فيه تفصيل إن حدد مدة يمكن في العادة والعرف أن ينجزه فيها فلا بأس أما إذا حدد مدة لا يمكن فيها ذلك فهذا لا يجوز فمثلاً إذا اتفق معه على أن يبني له فيلا فيها حجر وغرف علوية وسفلية فهذه يقيناً لا يمكن أن يبينها في خلال ستة أشهر مع ذلك جعل المدة ستة أشهر فهل يجوز هذا الشرط؟ الجواب لا لأنه مغامر أما إذا كان يمكن وأنه إذا بناها بناءاً مستمراً وحسب العادة والعرف أمكن ذلك فلا بأس بهذا الشرط وهذا الحكم الذي ذكرناه يمكن أخذه من قول الفقهاء هنا (إن الأوصاف النادرة في السلم لا يجوز اشتراطها). القارئ: الشرط السادس أن يقبض رأس مال السلم في مجلس العقد قبل تفرقهما. الشيخ: رأس مال هو الثمن أي الدراهم التي يبذلها المشتري. القارئ: لقول النبي ﷺ (من أسلف فليسلف في كيل معلوم) والإسلاف التقديم ولأنه إنما سمي سلماً وسلفاً لما فيه من تقديم رأس المال فإذا تأخر لم يكون سلما فلم يصح ولأنه يصير بيع دين بدين فإن تفرقا قبل قبضه بطل وإن تفرقا قبل قبض بعضه بطل فيما لم يقبض وفي المقبوض وجهان بناءً على تفريق الصفقة ويجوز أن يكون في الذمة ثم يعينه في المجلس ويسلمه.

стр. 1905

الشيخ: الشرط هو قبض الثمن وليس تعيين الثمن فإذا قال أسلمت إليك ألف ريال بخمسمائة صاع والدراهم الآن ليست معه لكن جاء بها غلامه وهما بمجلس العقد ثم سلمها لها هل هذا جائز أو لا؟ نقول المؤلف يقول أن يقبض الثمن وليس أن يعنيه فإذا قال أسلمت إليك ألف ريال بخمسمائة صاع وليست الدراهم في يده لكن جاء بها الغلام ثم سلمها له فإن هذا جائز لأنه قبض الثمن ولو أنه قال أسلمت إليك هذه الدراهم بمائة صاع بر فهل هذا جائز أو لا؟ هذا جائز من باب أولى لأن هذه المسألة الأخيرة التي فرضناها فيها تعيين الثمن والمسالة الأولى في الذمة ثم أحضر الثمن. القارئ: ويجب أن يكون معلوماً كالثمن في البيع فإن كان معيناً فظاهر كلام الخرقي أنه يكتفى برؤيته لأنه ثمن عرض معين أشبه ثمن المبيع وقال القاضي لابد من وصفه لقول أحمد ويصف الثمن ولأنه عقد لا يمكن إتمامه وتسليم المعقود عليه في الحال ولا يؤمن أنفساخه فوجب معرفة رأس المال بالصفات ليرد بدله كالقرض في الشركة فعلى هذا لا يجوز أن يكون رأس المال إلا ما يجوز أن يسلم فيه لأنه يعتبر ضبط صفاته فأشبه المسلم فيه. الشيخ: عندنا الآن الدراهم والدنانير معلومة فبمجرد أن أقول لك مائة ريال سعودي مثلاً تعرف أنه على هذا الوصف أي الريال لكن فيما سبق الدراهم والدنانير تختلف صغراً وكبراً وثقلاً وخفة ولذلك لابد من وصفها والتعليل الذي ذكره القاضي جيد لأنه يخشى أن ينفسخ العقد فإذا أنفسخ العقد فالمشتري بأي ثمن يرجع؟ فلابد من وصفه وعلى هذا فنقول لابد من وصف الثمن إذا كان يختلف أما إذا كان لا يختلف فالتعيين كافٍ. السائل: هل يصح أن يشترط المشتري فيقول إن نفع هذا الدواء فإن العقد ينفذ وإلا رجعت عليك بثمن الدواء؟ الشيخ: هل الدواء يلزم منه الشفاء؟ لا يلزم وعليه فالشرط فاسد لأنه شرط لا يقدر عليه. فصل

стр. 1906

القارئ: وكل مالمين جاز النساء بينهما جاز إسلام أحدهما في الآخر وما لا فلا فعلى قولنا يجوز النساء في العروض لأنه يصح إسلام عرض في عرض وفي ثمن فإن أسلم عرضاً في آخر بصفته فجاءه به عند المحل ففيه وجهان أحدهما يلزمه قبوله لأنه أتاه بالمسلم فيه على صفته فلزم قبوله كغيره والثاني لا يلزم قبوله لأنه يفضي إلى كون الثمن هو المثمن وإن أسلم صغيراً في كبير فحل السلم وقد صار الصغير على صفة الكبير فعلى الوجهين.

стр. 1907

الشيخ: الإسلام يكون بالنقد فيسلم النقد ويكون المسلم فيه عرضاً هذا واضح دارهم ببر وقد يسلم عرضاً في عرض مثل أن يسلم براً ببر أو تمراً بتمر فهذا صحيح لكن يبقى عندنا أن المؤلف يقول (كل مالين جاز النساء بينهما جاز إسلام أحدهما في الآخر) وعلى هذا فيكون التمثيل بغير ما يجري فيه الربا فلو أنه أسلم مثلاً ساعة بساعة فهذا عرض بعرض فعند حلول الأجل أتى بنفس الساعة التي هي العرض فهل يلزمه القبول أو لا؟ يقول المؤلف (فيه وجهان أحدهما يلزمه قبوله لأنه أتاه بالمسلم فيه على صفته فلزم قبوله كغيره والثاني لا يلزم قبوله لأنه يفضي إلي كون الثمن هو المثمن) المثال بصورة أخرى أسلمت إليك مثلاً قلم أعطيتك هذا القلم وقلت خذ القلم على أن تأتني بقلم صفته كصفة هذا القلم تماماً فلما حل الأجل وإذا القلم لم يتغير ولم يحصل عليه شيء ينقص القيمة فأتى بالقلم نفسه الذي أنا أعطيته إياه فهل يلزمني قبوله؟ هذا محل الوجهين أحدهما يلزم لأنه أتى بالمسلم فيه على صفته والثاني لا يصح لأنه كون يسلم إليه قلم بقلم يقتضي أن العوض غير المعوض فإذا رد إليَّ ما أسلمته إليه صار الثمن هو المثمن كذلك ثم قال المؤلف (وإن أسلم صغير في كبير فحل السلم وقد صار الصغير على صفة الكبير فعلى الوجهين) مثاله أسلم إليه طفلاً من الضأن وقال أسلمت إليك هذا الطفل من الضأن وله أربعة أشهر بشاة لها ثمانية أشهر والأجل بيننا أربعة أشهر فلمَّا مضت المدة فإذا الطفل الأول الذي له أربعة أشهر قد صار له ثمانية أشهر فجاء به إلي وقال هذا بيني وبينك فهل يصح أو لا يصح؟ يقول المؤلف على الوجهين ففي وجه يصح وفي وجه لا يصح والظاهر لي أنه لا يصح للتضاد والتضاد هو أن الثمن غير المثمن عند جميع الناس

стр. 1908

فكيف يصح أن يكون الثمن هو المثمن وأي فائدة في أن أعطيك طفل الضأن ثم يكبر ثم تأتي به لي دعه عندي ويكبر فعلى كل حال القول الراجح أنه لا يصح وأن للمسلم أن يقول للمسلم إليه لا أقبل. فصل القارئ: ولا يشترط وجود المسلم فيه قبل المحل لا حين العقد ولا بعده لأن النبي ﷺ قدم المدينة وهم يسلفون في الثمار السنة والسنتين فلم ينههم عنه وفي الثمار ما ينقطع في أثناء السنة فلو حرم لبينه ولأنه يثبت في الذمة ويوجد عند المحل فصح السلم فيه كالموجود في جميع المدة. الشيخ: إذا أسلم براً بشعير فإنه لا يجوز لأن كل شيئين حرم النساء بينهما حرم إسلام أحدهما بالآخر لاشتراط القبض. السائل: ما الفرق بين المَحَل والمَحِل؟ الشيخ: المَحَل هو مكان الحلول والمحِل هو زمانه. فصل القارئ: ولا يشترط ذكر مكان الإيفاء لأن النبي ﷺ لم يذكره في حديث ابن عباس ولا في حديث زيد بن سعنة ولأنه عقد معاوضة أشبه البيع ويكون الإيفاء في مكان العقد كالبيع فإن كان السلم في موضع لا يمكن الوفاء فيه كالبرية تعين ذكر مكان الإيفاء ولأنه لابد من مكان لا قرينة تعين فوجب تعيينه بالقول وإن كان في موضع يمكن الوفاء فيه فشرطه كان تأكيدا وإن شرطاً مكاناً سواه ففيه روايتان إحداهما لا يصح لأنه ينافي مقتضى العقد والثانية يصح لأنه عقد بيع فصح شرط مكان الإيفاء فيه كالبيع وبهذا ينتقض دليل الأولى.

стр. 1909

الشيخ: مكان الوفاء هل يشترط في السلم بأن يقول أسلمت إليك مائة ريال بمائة صاع على أن يكون الوفاء في مكة هل هذا شرط؟ نقول ليس بشرط لأن أصل وجوب الوفاء في مكان العقد فمثلاً نحن الآن في عنيزة لا يحتاج أن نقول الوفاء في عنيزة لأن عنيزة بلد يمكن الوفاء فيه فيحمل المطلق على ما يعلم بقرينة الحال ويكون الوفاء في البلد الذي عقد فيه السلم فإن أراده في غيره وقال أنا أريد أن توفيه بمكة مثلاً ففيه روايتان لكن الصحيح أنه لا بأس بذلك لكن إن عقده في مكان لا يمكن الوفاء فيه كأن يعقد في لجة البحر أو في برية فهل يشترط ذكر مكان الوفاء؟ المؤلف يقول يشترط ذكر مكان الوفاء والصحيح أن في هذا تفصيلاً فإن كنا نعلم أن هذا التاجر المُسْلِم له بلد معين تجارته فيه فلا حاجة لذكر المكان لأن قرينة الحال تدل على أن الوفاء في مكان تجارة هذا الرجل فإذا كان الرجل من أهل المدينة وعقد السلم في البر بين مكة والمدينة وهو قد أتى من مكة إلى المدينة ومتجره في المدينة فإننا نعلم علم اليقين أن هذا الرجل لا يريد أن يكون الوفاء بالبر ولا يريد أن يكون الوفاء في مكة إنما يريد أن يكون الوفاء في المدينة فيكتفى بظاهر الحال أما إذا كان الرجل في كل مكان له تجارة فلابد أن يذكر مكان الوفاء. فصل القارئ: يجب تسليم السلم عند المحل على أقل ما وصف به سليماً من العيوب والغش فإن كان في البر قليل تراب أو دقيق تبن لا يأخذ حظاً من الكيل وجب قبوله لأنه لا يقنصه وإن نقص الكيل لم يلزم قبوله لأنه دون حقه وإن أحضره بصفته وجب قبوله وإن تضمن ضررا لأنه حقه فوجب قبوله كالوديعة فإن أمتنع دفعه إلى الحاكم وبرئ لذلك.

стр. 1910

الشيخ: إذا أراد المسلم إليه أن يوفي على أقل ما وصف برئت ذمته وعلى أكثر تبرأ من باب أولى لكن إذا جاء الذي عليه الحق بأحسن مما وجب عليه فهل يلزم من له الحق القبول؟ المؤلف يرى أنه يلزم القبول وسبق الإشارة إلى هذه بقاعدة عامة وهي أن الصفات لا يشترط قبولها لكن لو فرض أن هذا الرجل الذي أتى بأكثر مما يجب عليه أنه صاحب مَن (أي أنه يمن على الناس) وخشي صاحب الحق أن يجعل من ذلك مِنَّةً عليه يقطع بها رقبته كلما حل الذكر فهنا نقول لا يجبر على القبول لما عليه من الضرر. القارئ: فإن كان أجود من حقه في الصفة لزم قبوله لأنه زاده خيرا وإن طلب عن الزيادة عوضاً لم يجز لأنها صفة ولا يجوز إفراد الصفات بالبيع. الشيخ: لو أن المؤلف قال لم يجب لكان أولى أما قوله (لم يجز) نقول ما المانع وأما قوله (لأنها صفة ولا يجوز إفراد الصفات بالبيع) فيقال نعم هي صفة تزيد بها القيمة فإذا جاء بأجود وقال هذا أجود مما اتفقنا عليه ولكني أريد أن تعطيني عوضاً عنه لأن ما اتفقنا عليه الصاع بدرهم واحد وهذا الصاع بدرهم ونصف فأريد أن تعطيني عوضاً عن زيادة الصفة المؤلف يقول لا يجوز والصحيح أنه جائز ما المانع لكن لا يجب المعاوضة فهنا ثلاثة أشياء فهل يجب على المُسْلِم أن يعطي المُسْلَم إليه إذا أتاه بأجود أن يعطيه معاوضة على الزائد؟ الجواب لا يجب وهل يلزمه قبوله؟ على المذهب يلزمه القبول ثم هل يجوز أن يأخذ المسلم إليه عوضاً عن هذه الصفة الجيدة؟ المؤلف يرى أنه لا يجوز والصحيح أنه يجوز لأن الصفة الجيدة لابد أن تزيد بها القيمة وكلام المؤلف ضعيف في هذه المسألة والصواب أن يقال لم يجب قبوله ولكن لو قبل وأعطاه زيادة فلا بأس. السائل: لم أفهم صورة المسألة؟

стр. 1911

الشيخ: أنا مثلاً أعطيتك مائة ريال على مائة صاع بر من الوسط تسلمها لي بعد سنة فلما حل الأجل أعطيتني بر من الجيد فأنا أقبل هذا لأن الرسول ﷺ أعطى خياراً رباعياً لكن لو قلت أنت أنا أعطيتك من الجيد فأريد أن تعطيني الفرق بين الجيد والوسط فعلى كلام المؤلف لا يجوز والصحيح أنه جائز. القارئ: وإن جاءه بأردأ من حقه لم يجب قبوله وجاز أخذه وإن أعطاه عوضاً عن الجودة الفائتة لم يجز لذلك ولأنه بيع جزء من السلم قبل قبضه. الشيخ: هذه المسالة فيها نظر وقوله (إذا جاءه بأردأ من حقه لم يجب قبوله) هذه واضحة يعني كأن الشرط أنه بر من أجود أنواع البر فجاءه ببر رديء فلا يجب عليه أن يقبل لأن العقد خالي ما اتفق عليه الطرفان لكن إذا قال خذ هذا الرديء وأعطيك الفرق بين الجيد والرديء فعلى كلام المؤلف لا يجوز وهذه عكس المسألة التي قبلها والصحيح أنه يجوز فإذا قال ما عندي إلا هذا وأنا لا أشك إن هذا أقل مما اتفقنا عليه لكن خذه وأعطيك الفرق فالمؤلف يرى أنه لا يجوز والصواب أنه جائز لأنه ليس فيه ظلم ولا غرر ولا ربا. القارئ: وإن أعطاه غير المسلم فيه لم يجز أخذه لأن النبي ﷺ قال (من أسلم في شيء فلا يصرفه إلى غيره) رواه أبو داود ولأنه بيع للسلم قبل قبضه فلم يجز كما لو أخذه عنه ثمناً وقال ابن أبي موسى فيه رواية أخرى فيمن أسلم في بر فرضي مكانه شعيراً مثل كيله جاز ولعل هذا بناءً على رواية كون البر والشعير جنسا والصحيح غيرها.

стр. 1912

الشيخ: الصحيح في هذه المسألة أنه يجوز أن يصرف السلم إلى غيره وأنه إذا أعطاه غير المسلم فيه واتفقا على ذلك فلا بأس لكن إذا كان يجري بينه وبين المسلم فيه الربا وجب القبض قبل التفرق مثال ذلك رجل أسلم في مائة صاع بر وعند حلول الأجل قال المسلم إليه أنا ليس عندي بر لكن أعطيك بدله تمراً واتفقا على ذلك فعلى ما مشى عليه الأصحاب العقد باطل ولا يجوز وهو الذي قاله المؤلف وعلى القول الراجح العقد صحيح لكن يجب أن يقبض التمر في مجلس العقد لماذا؟ لأن التمر والبر يجري بينهما ربا النسيئة فلو اتفقا على العقد ثم لم يقبض التمر إلا بعد مجلس العقد صار ذلك باطلاً ودليل هذا قول الرسول ﷺ حين سأله ابن عمر قال (كنا نبيع الإبل بالدراهم ونأخذ عنها الدنانير ونأخذها بالدراهم ونبيعها بالدنانير فقال ﷺ لا بأس أن تأخذها بسعر يومها ما لم تتفرقا وبينكما شيئا) وهذا بيع دين بدين لكن الرسول ﷺ اشترط فنقول دين السلم كغيره فيجوز أن يأخذ عن البر تمراً لكن بشرط التقابض قبل التفرق وألا يكسب يعني ألا يأخذ تمراً عوضه أكثر

стр. 1913

من البر لأنه إذا أخذ تمراً عوضه أكثر من البر فقد كسب فيما لم يدخل في ضمانه وقد نهى النبي ﷺ عن ربح ما لم يضمن، فإن قال قائل بماذا تجيبون عن حديث (من أسلم في شيء فلا يصرفه إلى غيره)؟ قلنا الحديث إن صح فعلى العين والرأس وإن لم يصح فلا حجة فيه لكن إذا صح فإن معنى قوله (فلا يصرفه إلى غيره) أي في سلم غيره والسياق واضح (من أسلم في شيء فلا يصرفه إلى غيره) أي إلى سلم غيره لأن هذا لا يمكن أن يصرفه إلا بزيادة وإذا صرفه بزيادة صار هذا فعل الجاهلية إما أن توفي وإما أن تربي مثال ذلك أسلم مائة ريال بمائة صاع وحل الأجل فالواجب على المسلم إليه الآن مائة صاع قال عندك مائة صاع سنصرفه إلى سلم آخر فاجعل المائة ريال التي أعطيتك في مائة صاع رز فهذا لا يجوز لأنه لا يمكن أن يعمل بهذه المعاملة إلا بزيادة لأنه سوف يتأخر التسليم وهو سيأخذ عن هذا التأخير زيادة فيكون هنا أولاً أنه ربح فيما لم يدخل في ضمانه وثانياً أنه يشبه ربا الجاهلية الذي يقولون فيه إما أن تقضي وإما أن تربي والخلاصة أنه إذا صح الحديث فالجواب عنه أي فلا يصرفه إلي سلم آخر لأنه في هذه الحال لابد أن يزيد فيكون داخلاً في الربا من وجه ورابحاً فيما لم يدخل في ضمانه من وجه آخر وكلاهما منهي عنه وأما إذا صرفه في الحاضر قال بدل التمر أعطيك بر أو بدل البر أعطيك تمراً فما المانع وليعلم أن الأصل في البيوع الحل إلا ما قام الدليل على منعه لقوله تعالى (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا) فأي صورة من البيع يقول لك فيها إنسان ما إنها حرام فإنك تقول له أين الدليل لكن أي صورة تقول إنها حلال فليس عليك دليل يعني لا تطالب بالدليل لأن الأصل الحل والقاعدة أن كل ما كان الأصل فيه شيئاً معيناً فما خرج عن الأصل فعلى من أخرجه الدليل.

стр. 1914

القارئ: وإن أعطاه غير نوع السلم جاز قبوله ولا يلزم وقال القاضي يلزم قبوله إذا لم يكن أدنى من النوع الذي شرطه لأنه من جنسه فأشبه الزائد في الصفة من نوع واحد والأول أصح لأنه لم يأتِ بالمشروط فلم يلزم قبوله كالأدنى بخلاف الزائد في الصفة فإنه أحضر المشروط مع الزيادة ولأن أحد النوعين يصلح لما لا يصلح له الآخر بخلاف الصفة. الشيخ: إذا أتاه بشيء من نوعه لكن الجنس واحد التمر أنواع فإذا أسلم إليه في تمر سكري لكنه أحضر له تمر شقر فالنوع الآن اختلف فإن كان تمر الشقر أردأ فلا شك أنه لا يلزم المُسْلِم أن يقبله لأنه دون حقه وإن كان مثله أو أحسن فإن القول الراجح كما رجحه المؤلف أنه لا يلزمه القبول لأنه اختلف النوع حتى وإن كان هذا النوع أغلى من النوع الذي شُرط لأنه قد يصلح هذا النوع من التمر لشيء والنوع الآخر لا يصلح فالتمور الآن منها مالا يصلح أن تكنزه يعني تجبنها ومنها ما يصلح فتختلف والمهم أنه إذا جاءه بنوع غير ما شرط فإنه لا يلزمه القبول وإن قبله فلا بأس. فصل القارئ: فإن أحضره قبل محله أو في غير مكان الوفاء فاتفقا على أخذه جاز وإن أعطاه عوضاً عن ذلك أو نقصه من السلم لم يجز لأنه بيع الأجل والحمل وإن عرضه عليه فأبى أخذه لغرض صحيح مثل أن تلزمه مؤنة لحفظه أو حمله أو عليه مشقة أو يخاف تلفه أو أخذه منه لم يلزم أخذه وإن أباه لغير غرض صحيح لزمه لأنه زاده خيراً فإن أمتنع رفع الأمر إلى الحاكم ليأخذه لما روي أن أنساً كاتب عبداً له على مال فجاءه به قبل الأجل فأبى أن يأخذه فأتى عمر ﵁ فأخذه منه وقال أذهب فقد عتقت ولأنه زاده خيراً. الشيخ: خلاصة ذلك أن المدين إذا أتى بالدين قبل حلوله فهل يلزم الدائن أن يقبله؟ الجواب يلزمه إلا أن يكون في ذلك ضرراً عليه. فصل

стр. 1915

القارئ: وإذا قبضه بما قدره به من كيل أو غيره برئ صاحبه وإن قبضه جزافا قدره فأخذ قدر حقه ورد الفضل أو طالب بتمام حقه إن كان ناقصا وهل له التصرف في قدر حقه قبل تقديره على وجهين أحدهما له ذلك لأنه قَدْرُ حقه وقد أخذه ودخل في ضمانه والثاني ليس له ذلك لأنه لم يقبضه القبض المعتبر. الشيخ: والظاهر الأول فالظاهر أن له أن يتصرف في مقدار حقه فإذا أتى إليه بكيس وقال خذ حقك منه وأردد الباقي فله أن يتصرف بقدر حقه ويعتبر تصرفه قبضاً فمثلاً هو يطلبه عشرون صاعاً وهذا الكيس يبلغ ثلاثين صاعاً فله أن يبيع منه عشرة أصواع أو خمسة عشر صاعاً لأنه على قدر حقه. القارئ: وإن اختلفا في القبض فالقول قول المسلم لأنه منكر وإن اختلفا في حلول الأجل فالقول قول المسلم إليه لأنه منكر. فصل القارئ: وإن تعذر تسليم السلم عند المحل فللمسلم الخيار بين أن يصبر إلى أن يوجد وبين فسخ العقد والرجوع برأس ماله إن كان موجودا أو مثله إن كان مثليا أو قيمته إن لم يكن مثليا وقيل ينفسخ العقد بالتعذر لأن السلم في ثمرة هذه العام وقد هلكت فأنفسخ العقد كما لو أشترى قفيزاً من صبرة فهلكت والأول أصح. الشيخ: قوله (الأول أصح) ما هو الأول؟ الجواب أي أنه يخير المسلم بين الفسخ أو الصبر لأنه حقه فإن شاء فسخ وإن شاء صبر فإذا كان الأنفع له أن يفسخ فسخ وأخذ الثمن وإن كان الأنفع له أن يصبر صبر

стр. 1916

القارئ: لأن السلم في الذمة لا في عين وإنما لزمه الدفع من ثمرة هذا العام لتمكنه من دفع الواجب منها فإن تعذر البعض فله الخيرة بين الصبر بالباقي وبين الفسخ في الجميع وله أخذ الموجود والفسخ في الباقي في أصح الوجهين لأنه فسخ في بعض المعقود عليه أشبه البيع وفي الآخر لا يجوز لأن السلم يقل فيه الثمن لأجل التأجيل فإذا فسخ في البعض بقي البعض بالباقي من الثمن وبمنفعة الجزء الذي فسخ فيه فلم يجز كما لو شرطه في ابتداء العقد وتجوز الإقالة في السلم كله إجماعا وتجوز في بعضه لأن الإقالة معروف جاز في الكل فجاز في البعض كالإبراء وعنه لا يجوز لما ذكرنا في الفسخ والأول أصح لأن باقي الثمن يستحق به باقي العوض فإذا فسخ العقد رجع بالثمن أو ببدله إن كان معدوما وليس له صرفه في عقد آخر قبل قبضه لقول النبي ﷺ (من أسلم في شيء فلا يصرفه إلى غيره) وقال القاضي يجوز أخذ العوض عنه لأنه عوض مستقر في الذمة فأشبه القرض فعلى هذا يصير حكمه حكم القرض على ما سيأتي. الشيخ: سبق الكلام على هذا الحديث وأنه يجوز أن يأخذ عوض السلم ما شاء إلا أنه إذا كان يجري بينهما ربا النسيئة وجب القبض قبل التفرق. السائل: لو أسلم في بر وأعطاه شعيراً؟ الشيخ: لا يجوز لأن الشعير والبر صنفان. فصل القارئ: ولا يجوز بيع السلم قبل قبضه (لأن النبي ﷺ نهى عن بيع الطعام قبل قبضه وعن بيع ما لم يضمن) رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح ولفظه لا يحل. الشيخ: الصواب جواز بيعه لكن على نفس المسلم إليه أما على غيره فإنه لا يجوز لأنه قد يتعذر القبض فإذا أسلمت مائة ريال بمائة صاع بر في ذمة رجل ثم جاء الرجل وقال إنني لم أحصل البر فبعه عليَّ أشتريه منك فالصواب أن هذا جائز لأنه ليس فيه غرر ولا ربا ولا ربح فيما لم يضمن وأما إذا باعه على غيره فهذا لا يجوز لأنه قد يتعذر الاستيفاء. السائل: لو باعه على المسلم إليه فهل يشترط عدم الربح؟

стр. 1917

الشيخ: نعم يشترط ألا يربح وأن يقبضه في مجلس العقد إذا كان يجري بينهما النساء. القارئ: ولأنه مبيع لم يدخل في ضمانه فلم يجز بيعه كالطعام قبل قبضه ولا تجوز التولية فيه ولا الشركة لما ذكرنا في الطعام ولا الحوالة به لأنها إنما تجوز بدين مستقر والسلم بعوض الفسخ. الشيخ: الصواب جواز الحوالة به والحوالة به أن يكون للمسلم إليه دين في ذمة شخص فيقول المُسْلَم إليه للمُسلِم أحلتك بما في ذمتي لك على فلان فلا مانع في ذلك وأما قوله أنه دين غير مستقر فيقال جميع الديون غير مستقرة فمن يضمن أن فلان الذي عليه الدين يوفني على كل حال؟ القارئ: ولا تجوز الحوالة على من عليه سلم لأنها معاوضة بالسلم قبل قبضه. الشيخ: الصحيح جواز الحوالة عليه وليست بيعاً حتى الناس لا يسمون الحوالة بيع فإذا كان لإنسان على شخص مسلم إليه مائة صاع وآخر يطلب المُسلِم مائة صاع فقال أحلتك بالمائة صاع على ما في ذمة المسلم إليه فلا مانع في ذلك إذا قبل. القارئ: ولا يجوز بيع السلم من بائعه قبل قبضه لقول النبي ﷺ (من أسلم في شيء فلا يصرفه إلى غيره) ولأنه بيع للمسلم فيه فلم يجز كبيعه من غيره. الشيخ: سبق لنا أن الصحيح جواز بيعه ممن هو عليه لكن بشرط ألا يربح وشرط آخر هو التقابض قبل التفرق إذا باعه في شيء يجري بينهما ربا النسيئة وذكرنا قاعدة وهي أن الأصل في البيوع الحل فأي إنسان يقول هذا حرام نقول هات الدليل وذكرنا أيضاً سابقاً أن الأصول التي ينبني عليها النهي في البيوع ثلاثة وهي الغرر والظلم والربا والربا من الظلم لكن قد يأتي أحياناً ربا بلا ظلم. فصل القارئ: وإذا قبضه فوجده معيبا فله رده وطلب حقه لأن العقد يقتضي السلامة وقد أخذ المعيب عما في الذمة فإذا رده رجع إلى ما في الذمة وإن حدث به عيب عنده فهو كما لو حدث العيب في المبيع بعد قبضه على ما مضى.

стр. 1918

باب القرض القارئ: ويسمى سلفاً وأجمع المسلمون على جوازه واستحبابه للمقرض. الشيخ: القرض هو أن يعطي مالاً ويأخذ عوضه على سبيل الإحسان والإرفاق لا على سبيل المعاوضة وإنما هو إحسان وإرفاق وجوازه من محاسن الشريعة لأنه يحتاج إليه المستقرض وينتفع به المقرض فهو مصلحة محضة وليس كما زعم بعض الناس أنه على خلاف القياس بل هو على القياس وأعلم أنه لا يوجد شيء ثبت في الشريعة ويكون على خلاف القياس أبداً بل كل ما في الشريعة فهو على وفق القياس ولا يخرج عن نظائره إلا لسبب وأما قول المؤلف أجمع المسلمون على جوازه هذا باعتبار المستقرض يعني أجمعوا على أنه يجوز للإنسان أن يقول للشخص يا فلان أقرضني كذا لأن النبي ﷺ وهو أشرف البشر استقرض ولو كان في هذا دناءة أو سؤال للغير ما فعله الرسول ﵊ وأما بالنسبة للمقرض مستحب بالإجماع لدخوله في قوله تعالى (وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) وهذا إحسان. القارئ: وروى ابن مسعود أن النبي ﷺ قال (ما من مسلم يقرض مسلماً قرضاً مرتين إلا كان كصدقة مرة) رواه ابن ماجه. الشيخ: لكن هذا الحديث ضعيف والضعيف لا يحتج به ويكفينا عنه ما ذكرناه من الآيات الكريمة (وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ). القارئ: ويصح بلفظ القرض وبكل لفظ يؤدي معناه نحو أن يقول ملكتك هذا على أن ترد بدله فإن لم يذكر البدل فهو هبة وإذا اختلفا فالقول قول المملك لأن الظاهر معه لأن التمليك بغير عوض هبة. الشيخ: قوله (نحو أن يقول ملكتك هذا على أن ترده بدله) نقول عندنا شيئان التمليك واشتراط الرد البدل فإن لم يذكر البدل فهو هبة فإذا اختلفا فالقول قول المُمَلَّك.

стр. 1919

القارئ: ويثبت الملك في القرض بالقبض لأنه عقد يقف التصرف فيه على القبض فوقف الملك عليه كالهبة ولا خيار فيه لأن المقرض دخل على بصيرة أن الحظ لغيره فهو كالواهب ويصح شرط الرهن فيه لأن النبي ﷺ (رهن درعه على شعير أخذه لأهله) متفق عليه. الشيخ: يعني أنه لو قال المقرض لا أقرضك إلا برهن ففعل فلا بأس وأما استدلال المؤلف فهو استدلال يحتاج إلى نظر وهو أن الذي وقع من الرسول ﷺ كان بعقد البيع لكن يقال القياس ظاهر فيه لأن النبي ﷺ لما أخذه بعقد البيع ثبت في ذمته الثمن والمقترض أيضاً يثبت في ذمته الثمن فيقال إذا صح الرهن في الدين الثابت في الذمة بالبيع فليكن كذلك في الدين الثابت بالذمة في القرض فإن قال قائل لو أشترط المقرض الرهن وقال لا أقرضك حتى ترهنني بيتك ففعل فهل يصح القرض؟ نعم يصح ولا تتوهم أن هذا قرضاً جر نفعاً لأن المقرض لم ينتفع بشيء غاية ما هنالك أنه وثق ماله بالرهن وإذا أوفى المقترض فإنه سيوفيه ما أقرضه بدون زيادة وبهذا التقرير يندفع ما ظنه بعض الناس فيما يسمونه بالجمعية والجمعية أن يقوم مجموعة من الموظفين مثلاً ويتفقون على أنهم يقتطعون من رواتبهم جزءاً الأول منهم في الشهر الأول وللثاني في الشهر الثاني والثالث في الشهر الثالث وهلم جرا لكن بعض الناس يظن أن هذا قرض جرّ نفعاً فيقال أين النفع الذي جراه فهذا الرجل أقرض ألفاً ورد عليه ألف والقرض الممنوع هو الذي ينتفع به المقرض فقط أما إذا كان الانتفاع من الطرفين فلا بأس به ولهذا صرح بعض العلماء أنه لو قال أنا لا أقرضك حتى تكون مزارعاً في أرضي لأن المالك يريد أن تعمر الأرض فإذا قال ذلك واتفقا عليه فلا بأس مع أن المالك الآن أنتفع والمقترض أنتفع أيضاً وحينئذ خرج عن الربا لأن الربا إنما يكون فيه الزيادة لآخذ الربا فقط أما هنا فالانتفاع للجميع.

стр. 1920

القارئ: وإن شرط فيه الأجل لم يتأجل ووقع حالا لأن التأجيل في الحال عدة وتبرع فلا يلزم كتأجيل العارية. الشيخ: الصواب في هذا أنه يتأجل فإذا استقرض منه وقال إلى مدة شهر أو سنة فإنه يتأجل ولا يجوز للمقرض أن يطالب به قبل الأجل ودليل ذلك قول الله ﵎ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) ودليله من السنة أن النبي ﷺ (كل شرط ليس في كتاب فهو باطل) وهذا في كتاب الله لأنه لم يستحل حراماً ولم يحرم حلالاً ودليل آخر أن النبي ﷺ قال (آية المنافق ثلاثة _ ومنها _ إذا وعد أخلف) فالصواب أنه إذا أؤجل يتأجل إلى الأجل الذي عيناه ولأننا لو قلنا بعدم صحة الشرط لكان يلزم عليه ضرر كبير على المستقرض فإن الإنسان قد يستقرض مثلاً عشرة آلاف ليشتري بيتاً ويقول للمقرض أجله إلى سنة ثم إذا اشترى البيت قال التأجيل غير صحيح وأريدك أن تعطيني مالي الآن فيلزم من هذا ضرر كبير والضرر منفي شرعاً وعلى هذا فالصواب أنه يلزم بالتأجيل وأما قياسه على العارية فنحن نمنع الأصل وإذا منعنا الأصل منعنا الفرع فنقول العارية تتأجل بالتأجيل أيضاً فلو جاء شخص لإنسان وقال أعرني هذا الإناء ثلاثة أيام لأنه سيأتيني ضيوف فيقول نعم خذه ثلاثة أيام ثم بعد ساعة أو ساعتين قال له هات العارية فهذا لا يجوز فالصواب أن العارية تتأجل والقرض يتأجل إذا أشترطه الطرفان لعموم الأدلة ولا دليل على المنع. القارئ: وإن أقرضه تفاريق ثم طالبه به جملة لزم المقترض ذلك لما قلناه فإن أراد المقرض الرجوع في عين ماله وبذل المقترض مثله فالقول قول المقترض لأن الملك قد زال عن العين بعوض فأشبه البيع اللازم وإن أراد المقترض رد عين المال لزم المقرض قبوله لأنه بصفة حقه فلزمه قبوله كما لو دفع إليه المثل. فصل

стр. 1921

القارئ: ويصح قرض كل ما يصح السلم فيه لأنه يملك بالبيع ويضبط بالصفة فصح قرضه كالمكيل إلا بني آدم فإن أحمد ﵁ كره قرضهم فيحتمل التحريم أختاره القاضي لأنه لم ينقل ولا هو من المرافق ولأنه يفضي إلى أن يقترض جارية يطأها ثم يردها ويحتمل الجواز لأن السلم فيهم صحيح فصح قرضهم كالبهائم. الشيخ: القول يمنع قرض الآدمي أصح لما ذكره المؤلف مما يترتب عليه من المفاسد ومادام أن المؤلف قال في الفصل الذي قبله إذا رد عين ما أقترضه لزم المقرض قبوله فهنا ربما يقترض جارية ويستمتع بها قل في غير الوطئ فيستمتع بها بالتقبيل والمباشرة وغير ذلك وإذا صار في الصباح ردها عليه وقال هذا مالك وهذا شيء غريب فلو فتح الباب فما أكثر الذين يلجونه ويفسدون به فالصواب منع قرض بني آدم ويقال إذا كنت تريد أن تستقرضه فهناك طريق آخر وهو الشراء اشتري بثمن مؤجل ويكون ملكك السائل: أذا طلب الشخص من تاجر أن يشتري له سيارة ويسجلها عليه دين بأكثر فما حكم هذا البيع؟

стр. 1922

الشيخ: صورة المسألة أن شخص يقول أنا أريد السيارة الفلانية من المعرض الفلاني فيقول التاجر نعم ثم يذهب التاجر ويشتريها من المعرض ثم يبيعها على هذا الشخص بدراهم مؤجلة زائدة عن الثمن فإن هذا تماماً هو القرض بعينه لأن حقيقته أنه أقرضه الثمن بزيادة فلو اشتراها نقداً بخمسين ألف مثلاً وباع على هذا الإنسان بستين ألف إلى سنة وهو لا يريد تملكها ولا طرأ على باله ذلك ولولا هذا الذي طلبها ما اشتراها فيكون هذا الشراء وسيلة إلى زيادة القرض الذي أعطاه ولهذا نحن نرى أن هذا أشد مما لو قال أعطني خمسين ألف بستين ألف إلى أجل فهذا أشد لأن هذا فيه حيلة وأعلم أن الحلية على المحرم تجعله أشد تحريماً لأنه يتضمن الوقع في مآثمه ومضاره وزيادة الخديعة والخيانة ولهذا كان كفر المنافقين أعظم من الكفر الصريح قال أيوب السختياني ﵀ إنهم يخادعون الله كما يخادعون الصبيان لو أنهم أتوا الأمر على وجهه لكان أهون وصدق ﵀ لأن الذي يأتي الربا صريحاً على وجهه يعرف أنه عصى الله فيقع في قلبه الخجل من الله ويحدث توبة لكن إذا كان يرى أن هذا العمل حلال وخديعة ماذا يكون؟ لا يتوب ويستمر في عمله ويرى أنه خرج من الحرام والعبرة في الأمور بمقاصدها لا بصورها ولهذا أخبر النبي ﵊ (أنه يأتي أناس يشربون الخمر يسمونها بغير اسمها) وهي الخمر والآن الخمر تسمى بغير اسمها فيسميها المستحلون لها المشروبات الروحية وما أقدرها حتى تكون روحية نعم اللهم عافنا. السائل: ما الحكم فيما لو اقترض الإنسان ديناً وهو يعلم أن دخله المادي لا يساعده على تسديد هذا الدين؟

стр. 1923

الشيخ: هذا لا يجب نقول أنه حرام من جهة القرض لكن نقول كل إنسان يجعل على نفسه وهو غير قادر عليه فإنه إلى الإثم أقرب منه إلى السلامة ولهذا لم يأذن الرسول ﷺ للرجل الذي أراد أن يتزوج المرأة وليس عنده شيء والقصة معروفة فلم يقل له استقرض فدل هذا على أن الرسول لا يريد من الإنسان أن يشغل ذمته بالديون. القارئ: فأما مالا يصح السلم فيه كالجواهر ففيه وجهان أحدهما لا يجوز ذكره أبو الخطاب لأن القرض يقتضي رد المثل وهذا لا مثل له والثاني يجوز قاله القاضي لأن مالا مثل له تجب قيمته والجواهر كغيرها في القيمة. الشيخ: قول القاضي هو الصحيح أنه يجوز ثم إن أمكن أن يرد القرض على صفة ما أقترض فهذا الواجب وإن لم يمكن فالقيمة ولكن متى نقدر القيمة أنقدرها بوقت القرض أم وقت الوفاء؟ الظاهر بوقت القرض لأنه من حين أن دخلت ملك المقترض صارت ثابتة في ذمته قيمتها. القارئ: ولا يجوز القرض إلا في معلوم القدر فإن أقرضه غضة لا يعلم وزنها أو مكيلاً لا يعلم كيله لم يجز لأن القرض يقتضي رد المثل وإذا لم يعلم لم يتمكن من القضاء. الشيخ: هذا معلوم أنه لابد من معرفة القدر لأنه إذا لم يعرف القدر حصل النزاع والشقاق بين المقرض والمقترض. فصل

стр. 1924

القارئ: ويجب رد المثل في المثليات لأنه يجب مثله في الإتلاف ففي القرض أولى فإن أعوز المثل فعليه قيمته حين أعوز لأنها حينئذ ثبتت في الذمة وفي غير المثلي وجهان أحدهما يرد القيمة لأن ما أوجب المثل في المثلي أوجب القيمة في غيره كالإتلاف والثاني يرد المثل لما روى أبو رافع أن النبي ﷺ أستسلف من رجل بكرا فقدمت عليه إبل للصدقة فأمر أبا رافع أن يقضي الرجل بَكْرَهُ فرجع إليه أبو رافع فقال يا رسول الله لم أجد فيها إلا خياراً رباعياً فقال (اعطه إياه فإن من خير الناس أحسنهم قضاء) رواه مسلم ولأن ما يثبت في الذمة في السلم يثبت في القرض كالمثلي بخلاف الإتلاف فإنه عدوان فأوجب القيمة لأنه أحصر والقرض ثبت للفرق فهو أسهل فعلى هذا يعتبر مثله في الصفات تقريبا فإن قلنا يرد القيمة اعتبرت حين القرض لأنها حينئذ تجب. الشيخ: الخلاصة أنه يرد المثل في المثليات فإن أعوز المثل بمعنى تعذر الوصول إليه فله القيمة وقت الإعواز يعني وقت التعذر ووجه ذلك أن المثل ثبت في ذمة المقترض إلى أن تعذر فتجب القيمة حين التعذر أما لو أقترض غير مثلي فإن الواجب القيمة وتكون حين القرض لأنه من حين القرض انتقل ملك هذا المتقوم إلى المقترض فلزمته القيمة وقت القرض فالفرق أن المثلي إذا أعوز وجبت قيمته حين الإعواز والمتقوم تجب قيمته حين القرض والفرق بينهما أنه في المثلي ثبت المثل في ذمة المقترض إلى وقت الإعواز أما المتقوم فإنه من حين أقترض ثبتت القيمة. السائل: ما معنى قوله (لأنه أحصر)؟ الشيخ: أحصر يعني أقرب إلى طلب المثل لأن المثل ربما تطول المدة فيقول هذا مثله أو يقول هذا غير المثل. فصل

стр. 1925

القارئ: ويجوز قرض الخبز ورد مثله عدداً بغير وزن في الشيء اليسير وعنه لا يجوز إلا بالوزن قياساً على الموزونات ووجه الأول ما روت عائشة قالت قلت يا رسول الله إن الجيران يقترضون الخبز والخمير فيردون بزيادة ونقصان فقال (لا بأس إنما ذلك من مرافق الناس) وعن معاذ أنه سئل عن اقتراض الخبز والخمير فقال سبحان الله إنما هذا من مكارم الأخلاق فخذ الكبير واعط الصغير وخذ الصغير واعط الكبير خيركم أحسنكم قضاء سمعت رسول الله ﷺ يقول ذلك رواهما أبو بكر في الشافي. الشيخ: يجوز اقتراض المطعوم فيقترض الخبز ويرد مثله ويقترض التمر ويرد مثله لكن هل يرد الخبز وزناً أو يردها عدداً؟ نقول الأمر في هذا واسع لأنه من المرافق فإذا ردها عدداً فلا بأس وإن ردها وزناً فلا بأس حسب ما يتفق المقرض والمقترض مثلاً الشابورة يجوز اقتراضها لكن هل تكون عدد أو وزنا؟ نقول إذا كانت متساوية فبالعدد وإلا فبالوزن. فصل القارئ: فإن أقرضه فلوساً أو مكسرة فحرمها السلطان وتركت المعاملة بها فعليه قيمتها يوم أخذها نص عليه لأنه منع إنفاقها فأشبه تلف أجزائها فإن لم تترك المعاملة بها لكن رخصت فليس له إلا مثلها لأنها لم تتلف إنما تغير سعرها فأشبهت الحنطة إذا رخصت. الشيخ: هذه المسألة فيما إذا أقرضه فلوساً والفلوس مثل القروش المعدنية فهذه فلوس وقوله (أو مكسرة) يعني مجزئه لأن الدراهم والدنانير كانت تجزأ في الوقت السابق فإذا حرمها السلطان أي منع المعاملة بها فحينئذ سوف لا تساوي شيئاً فماذا يجب على المقترض؟ يقول المؤلف ﵀ (فعليه قيمتها يوم أخذها)

стр. 1926

هكذا قال ﵀ وفي هذا نظر ظاهر بل يجب أن نقول عليه قيمتها حين حرمها السلطان كما قلنا فيما سبق في المثلي عليه قيمته وقت إعوازه فالصواب أن له القيمة حين حرمها السلطان لكن لو حرمها إلى بدل يعني جعل بدل الريال ريال فله البدل لأن هذا البدل هو قيمة ما حرم وقت التحريم فيلزمه البدل وعلى هذا فإذا أستقرض إنسان مائة ريال فضة ثم حرمها السلطان وحولها إلى أوراق وأراد أن يوفي فهل نقول كم قيمة الفضة أو يدفع بالورق؟ الجواب يدفع بالورق لأن الورق هو قيمتها وقت التحريم فهو الواجب لكن ماذا لو لم يمنع السلطان المعاملة بها ولكنها رخصت فماذا يصنع؟ يقول المؤلف أنه يعيدها بنفسها ولو رخصت وسبب ذلك يقول المؤلف (لأنها لم تتلف إنما تغير سعرها فأشبهت الحنطة إذا رخصت) لكن نقول هذا قياس مع الفارق لأنه إذا حرمت المعاملة بها لم تكن نقداً الآن بل صارت كأنها سعلة من السلع كأنها ثوب أو كأنها إناء فالصواب أنه إذا حرمت المعاملة بها فله القيمة وقت المعاملة سواء رخصت أو زادت أو بقيت على سعرها. السائل: إذا أصبحت العملة لا قيمة لها فما هو الحكم؟ الشيخ: هذا يكون مثل المثلي إذا تعذر يعني لو فرض أن نقد الدولة أوراق ثم حرمت المعاملة بها ولم ترد الدولة بدلها للناس أصبحت لا قيمة لها فتعتبر كالمثلي إذا أعوز أو سقطت الدولة وصار النقد لا يساوي شيئاً أو كانت حروب أهليه تنقص العملة فهذه ينظر ما قيمتها وقت إلغائها. فصل القارئ: ولا يجوز أن يشترط في القرض شرطاً يجر به نفعا. الشيخ: قوله (ولا يجوز أن يشترط) أي المقرض (شرطاً يجر به نفعاً) أي لنفسه أي أن المقرض يشترط شرطاً على المقترض يعود بالنفع لنفسه فلا يجوز ذلك لأنه إذا فعل ذلك صار معاوضة ولم يكن إرفاقاً.

стр. 1927

القارئ: مثل أن يشترط رد أجود منه أو أكثر أو أن يبيعه أو أن يشتري منه أو يؤجره أو يستأجر منه أو يهدي له أو يعمل له عملاً ونحوه (لأن النبي ﷺ نهى عن بيع وسلف) رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح. وعن أبي ابن كعب وابن مسعود وابن عباس ﵃ أنهم نهوا عن قرض جر منفعة ولأنه عقد إرفاق وشرط ذلك يخرجه عن موضوعه. الشيخ: إذا شرط منفعة له فواضح أنه أراد المعاوضة والمتاجرة والقرض عقد إرفاق ولهذا يجوز أن يقرضه دينار اليوم ولا يوفيه إلا بعده عشرة أيام ولو أنه باعه دينار على أن يرد بدله بعد عشرة أيام لكان البيع حراماً. القارئ: وإن شرط أن يوفيه في بلد آخر أو يكتب له به سفتجة إلى بلد في حمله إليه نفع لم يجز لذلك فإن لم يكن لحمله مؤنة فعنه الجواز لأن هذا ليس بزيادة قدر ولا صفة فلم يفسد به القرض كشرط الأجل وعنه في السفتجة مطلقاً روايتان لأنها مصلحة لهما جميعا وإن شرط رد دون ما أخذ لم يجز لأنه ينافي مقتضاه وهو رد المثل فأشبه شرط الزيادة ويحتمل إلا يبطل لأن نفع المقترض لا يمنع منه لأن القرض إنما شرع رفقاً به فأشبه شرط الأجل بخلاف الزيادة. الشيخ: هذا الاحتمال هو الصحيح لأن المقترض لابد أن ينتفع وإلا فما فائدته في القرض أما السفتجة فتسمى في عرف الناس الحوالة مثل أن يكون شخص له مال في مكة وهو في المدينة فاقترض من شخص مالاً وأحاله به على ماله في مكة فهذا لا بأس به ويسمى سفتجة والصحيح أنه لا بأس بأخذ عمولة عليها لأن فيها مصلحة للطرفين فالمحيل يستفيد السلامة سلامة ماله الآخر يستفيد الأجرة. القارئ: وكل موضع بطل الشرط فيه ففي القرض وجهان أحدهما يبطل لأنه قد روي (كل قرض جر منفعة فهو ربا) والثاني لا يبطل لأن القصد إرفاق المقترض فإذا بطل الشرط بقي الإرفاق بحاله.

стр. 1928

الشيخ: هذا يعتبر ضابط وهو كل موضع بطل الشرط فيه ففي القرض وجهان والصواب أنه إن أخرجه عن موضعه وهو الإرفاق بطل وإن لم يخرجه فإنه لا يبطل ومعلوم أن المنفعة الخاصة بالمقرض تخرجه عن موضوعه لأن المقرض في هذه الحال لم يقرضه تقرباً إلى الله ولا إحسان إليه وإنما أقرضه للمصلحة المالية فيكون كالمعاوضة تماماً. فصل القارئ: وإن وفى خيراً منه في القدر أو الصفة من غير شرط ولا مواطأة جاز لحديث أبي رافع وإن كتب له به سفتجة أو قضاه في بلد آخر أو أهدى إليه هدية بعد الوفاء فلا بأس لذلك وقال ابن أبي موسى إن زاده مرة لم يجز أن يأخذ في المرة الثانية وجهاً واحداً. الشيخ: إن وفى خير منه فلا بأس يعني بأن أقترض منه صاعاً من البر رديئاً فأعطاه جيداً أو أقترض جيداً فأعطاه أجود فلا بأس وكذلك في القدر لو أقترض منه درهمين فأعطاه ثلاثة بدون شرط فلا بأس بذلك وقال بعض أهل العلم أنه لا تجوز الزيادة في القدر إلا بعد أن يوفيه ثم يعود إليه مرة ثانية ويعطيه ما شاء وعللوا ذلك بأن الهدية لا تجوز إلا بعد الوفاء فإذا قارنت الزيادة الوفاء فإنه حرام ولا شك أن الأولى بالمقرض إذا زاده في القدر أن يرده لئلا يكون ذلك سبباً للربا ومأخذ ابن أبي موسى ﵀ مأخذ جيد أنه إذا زاده مرة لم يجز أن يأخذ منه في المرة الثانية لأنه إذا زاده مرة صار متشوفاً إلى الزيادة فإذا جاء يستقرض منه فهو متشوف إلى أن يزيده فيكون تشوفه إلى هذه الزيادة كالاشتراط. القارئ: ولا يكره قرض المعروف بحسن القضاء. الشيخ: المعنى أنه إذا كان هناك إنسان معروف بأنه رجل كريم يوفي أكثر وأحسن مما وجب عليه فلا يكره أن يقرضه ولذلك لم يكره قرض النبي ﵊ مع أنه أحسن الناس وفاءً.

стр. 1929

القارئ: وذكر القاضي وجهاً في كراهته لأنه يطمع في حسن عادته والأول أصح لأن النبي ﷺ كان معروفاً بحسن القضاء فلم يكن قرضه مكروها ولأن خير الناس أحسنهم قضاء ففي كراهة قرضه تضييق على خير الناس وذوي المروآت. الشيخ: التعليل الذي ذكره المؤلف جيد فالصواب أن من عرف بحسن القضاء والكرم فيه فإنه لا يكره إقراضه وإن كان الإنسان قد يتشوف إلى حسن القضاء والزيادة فيه لكن إذا قلنا بكراهة ذلك صار الرجل المعروف بالبخل الذي إن لم ينقصك لم يزدك يستحب إقراضه والثاني الرجل الكريم المعروف بحسن القضاء يكره إقراضه وهذه مشكلة. فصل القارئ: وإن أهدى له قبل الوفاء من غير عادة أو أستأجر منه بأكثر من الأجرة أو أجره شيئاً بأقل أو استعمله عملاً فهو خبيث إلا أن يحسبه من دينه لما روى الأثرم أن رجلاً كان له على سماك عشرون درهما فجعل يهدي إليه السمك ويقومه حتى بلغ ثلاثة عشر درهما فسأل ابن عباس فقال أعطيه سبعة دراهم. الشيخ: السماك هنا يهدي للرجل من أجل أن يؤجل ولا يطالبه بالدين وقد يكون أهدى إليه من أجل أنه أسدى إليه معروفاً فصار يهدي إليه لكن يجب على المقرض في هذه الحال أن يقيد كل ما أهداه إليه المستقرض ثم يقومه وينزله من دينه. القارئ: وروى ابن ماجه عن أنس قال قال رسول الله ﷺ (إذا أقرض أحدكم قرضاً فأهدي إليه أو حمله على الدابة فلا يركبها ولا يقبله إلا أن يكون جرى بينه وبينه قبل ذلك) فإن كان بينهما عادة بذلك قبل القرض أو كافأه فلا بأس لهذا الحديث. الشيخ: قوله (كافأه) يقصد المقرض أي أن المستقرض أهدي إليه هدية وليس من عادته أن يهدي إليه فكافأه بأن أعطاه ما يقابلها مثل أن يهدي إليه ساعة تساوي عشرين فيكافأه بأن يهدي إليه قلماً يساوي

стр. 1930

عشرين وإلا فلا يأخذ ومن ذلك ما يوجد الآن بعض التلاميذ يهدي إلى الأستاذ هدية فالأفضل أن يردها الأستاذ مادام يدرسه وإن خاف أن ينكسر قلبه فليأخذها وليكافأه بدلاً عنها. فصل القارئ: فإن أفلس غريمه فأقرضه ليوفيه كل شهر شيئاً منه جاز لأنه إنما انتفع باستيفاء ما يستحق استيفاؤه. الشيخ: هذه تقع مثلاً يكون الغريم أفلس فأقرض قرضاً يتجر به وكلَّما حصل من الربح جاء به إلى المقرض فلا بأس لأن هذا المقرض لم يستفيد زيادة بل هو أحسن إلى صاحبه وصاحبه أبرأ ذمته ومن هنا نعرف أن ما يسميه الناس الآن بالجمعية لا تدخل في القرض الذي جر نفعاً لأن جميع المقرضين ما انتفعوا بزيادة كل واحد منهم أقرض الآخر وسيوفيه بدون زيادة وصفتها أن يجتمع عشرة أو أكثر أو أقل ويخصموا من راتبهم شيئاً معيناً يعطونه واحداً منهم ثم في الشهر الثاني يعطون آخر في الشهر الثالث يعطون ثالثاً فهذا لا بأس ولا حرج به إطلاقاً بل هو إحسان وقضاء حاجة لأن الإنسان ربما يحتاج في بعض الشهور أكثر من راتبه. القارئ: ولو كان له طعام فأقرضه ما يشتريه به ويوفيه جاز لذلك. الشيخ: هذا في الحقيقة نادر لأنه إذا كان سيقرضه ما يوفيه به فإنه يؤجله وينظره ولا حاجة أن يقرضه فإذا قال قائل ربما يحتاج الطعام الذي كان أقرضه من قبل؟ قلنا إذا احتاج الطعام الذي كان أقرضه من قبل يشتريه بنفسه. القارئ: ولو أراد تنفيذ نفقة إلى عياله فأقرضها رجلاً ليوفيها لهم فلا بأس لأنه مصلحة لهما لا ضرر فيه ولا يرد الشرع بتحريم ذلك قال القاضي ويجوز قرض مال اليتيم للمصلحة مثل أن يقرضه في بلد ليوفيه في بلد آخر ليربح خطر الطريق وفي معنى هذا قرض الرجل فلاحه حباً يزرعه في أرضه أو ثمناً يشتري به بقراً وغيرها لأنه مصلحة لهما وقال ابن أبي موسى هذا خبيث.
следующие страницы →