Полный текст (2 447 стр.). Показаны 2066–2105 · переход к 2071.
стр. 2066
باب الحوالة
القارئ: وهي نقل الدين من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه.
الشيخ: مثال ذلك رجل له دين على زيد ولزيد دين على عمرو فقال زيد للرجل أحلتك على عمرو فقبل فالآن انتقل الدين من ذمة زيد إلى ذمة عمرو وقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (من أحيل على مليء فليتبع).
القارئ: وهي عقد إرفاق منفرد بنفسه ليست بيعا بدليل جوازها في الدين بالدين وجواز التفرق قبل القبض واختصاصها بالجنس الواحد وأسم خاص فلا يدخلها خيار لأنها ليست بيعاً ولا في معناه لكونها لم تبن على المغابنة.
الشيخ: ومن أجل هذا جاز القرض لأنه عقد إرفاق فيجوز مثلاً أن أقرضك عشرة دراهم وتعطيني عوضها بعد شهر أو شهرين أو سنة أو سنتين مع أنني لو بعت عليك دراهم بدراهم لم يجز إلا بشرط القبض في
المجلس ولهذا إذا كان القرض يجر نفعاً إلى المقرض صار محرماً لأنه قصد فيه المعاوضة والمغابنة كما قال المؤلف.
القارئ: والأصل فيها قول النبي ﷺ (مطل الغني ظلم وإذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع) متفق عليه.
الشيخ: قوله ﷺ (مطل الغني ظلم) الغني هو القادر على الوفاء فمطله أي منعه صاحب الدين ظلم ولكن متى يتحقق المطل؟ الجواب يتحقق المطل في الدين الحال إذا طلبه صاحبه وفي الدين المؤجل إذا حل أجله فمثلاً إذا اشتريت من شخص سلعة بثمن مؤجل إلى دخول شهر ذي الحجة وجب على المشتري أن يوفي فور دخول شهر ذي الحجة ولا يؤخر لأن تأجيله يدل على المطالبة به عند حلول الأجل ضِمناً، أما الحال فإنه لا يجب أداؤه إلا بالمطالبة وقيل إن المؤجل إذا حل فهو كالحال من الأصل وأن فائدة التأجيل أن صاحب الدين لا يملك المطالبة مادام الأجل باقياً فإذا تم الأجل ملك المطالبة ولكنه لا يقال إن الذي عليه الدين أنه مماطل حتى يطالب به رب الدين.
стр. 2067
القارئ: ولا تصح إلا بشروط أربعة أحدها أن يحيل على دين مستقر لأن مقتضاها إلزام المحال عليه الدين مطلقا ولا يثبت ذلك فيما هو بعرض السقوط.
الشيخ: قوله (فيما هو لعرض السقوط) المعنى أي ما هو عرضة للسقوط.
القارئ: ولا يعتبر استقرار المحال به.
الشيخ: عندنا الأن دين محال به ودين محال عليه صورة المسألة زيد له في ذمة عمرو مائة ريال فأحاله عمرو على خالد بمائة ريال فالدين الذي على عمرو محال به وعلى خالد محال عليه وعندنا كذلك محال ومحيل فالمحال هو الطالب والمحيل هو المطلوب فصار عندنا دينان وعاقدان فالدينان يقال له محال به ومحال عليه وأما العاقد فيقال محيل ومحال.
القارئ: لجواز أداء غير المستقر ولا تجوز الحوالة بدين السلم ولا عليه لأنه لا تجوز المعاوضة عنه به ولا عنه.
الشيخ: سبق لنا أن القول الراجح أن دين السلم كغيره تجوز المعاوضة به وتجوز المعاوضة عنه وأن الحديث (من أسلم في شيء فلا يصرفه إلى غيره) حديث ضعيف وإن صح فالمراد إذا تضمن ذلك ربا.
القارئ: ولو أحال الزوج زوجته قبل الدخول بصداقها صح وإن أحالت المرأة به عليه لم يصح لأنه غير مستقر وإن أحال المشتري البائع بثمن المبيع في مدة الخيار صح وإن أحال البائع به عليه لم يصح لذلك وإن أحال المكاتب سيده بنجم قد حل عليه صح وإن أحال سيده به عليه
لم يصح لذلك وإن أحيل على المكاتب بدين غير مال الكتابة صح لأن حكمه حكم الأحرار في المداينات وإن أحال من عليه دين على من لا دين عليه فهو توكيل في الاقتراض.
الشيخ: معنى التوكيل في الاقتراض أي أنه وكله أن يقترض من هذا المحال عليه ليستوفي منه مثال ذلك عمرو يطلبك مائة ريال فأحلته على زيد وقلت أحلتك على زيد وليس عنده شيء فهو توكيل في الاقتراض هل يملك المحال عليه أن يقول لا؟ الجواب نعم له ذلك ليس عليه شيء.
стр. 2068
القارئ: وإن أحال من لا دين عليه على من لا دين عليه فهو توكيل في الاقتراض وإن حال من لا دين عليه على من له عليه دين فهو توكيل في الاستيفاء وإن أحال من عليه دين على من لا دين عليه فهو ملتمس إيفاء دينه وليس شيء من ذلك حوالة إذ الحوالة تحول الحق وانتقاله ولا حق هاهنا يتحول وإنما جاز التوكيل بلفظ الحوالة لاشتراكهما في معنى وهو تحول المطالبة من الموكل إلى الوكيل كتحولها من المحيل إلى المحتال.
فصل
القارئ: الشرط الثاني تمثال الحقين لأنها تحويل الحق فيعتبر تحوله على صفته ويعتبر التمثال في ثلاثة أشياء الجنس فلو أحال من عليه أحد النقدين بالآخر لم يصح والصفة فلو أحال على المصرية بأميرية أو عن المكسرة بصحاح لم يصح والحلول والتأجيل فإن كان أحدهما حالاً والآخر مؤجلا أو أجل أحدهما مخالفاً لأجل الآخر لم يصح وإن صحت الحوالة فتراضيا على خير مما أحيل به أو دونه أو تعجيله أو تأخيره أو الاعتياض عنه جاز لأنه دين ثابت فجاز فيه ذلك كغير المحال به.
стр. 2069
الشيخ: هذا شرط أن يتماثل الحقان في الجنس والصفة والحلول والتأجيل وذلك لأنهما إذا اختلفا في الجنس صار هذا بيعاً فيدخل في بيع الدين بالدين مثال ذلك أحال بذهب على فضة إنسان مدين لشخص بعشرة دنانير وله على آخر أي المدين له على آخر مائة درهم فأحال صاحب الدنانير على صاحب الدراهم فهذا لا يجوز لأن حقيقته أنه بيع دين بدين وأيضاً بيع ذهب بفضة بدون التقابض حتى لو فرض أنه من غير الذي يجري بينهما الربا مثل أحال شخصاً يطلبه براً على آخر بتمر فإنه لا يجوز وذلك لأنه يكون بيعاً فيكون بيع دين بدين والأمر الثاني الصفة فلو أحال بشيء أحسن وأسوق بين الناس على ما دونه يقول المؤلف أنه لا يحل ولو كان على ما فوقه فإنه لا يحل أيضاً لأنه لابد من التساوي في الصفة ولنضرب مثلاً بغير الدراهم والدنانير فمثلاً لو كان عليه مائة صاع بر جيد أحال على شخص آخر عليه مائة صاع بر متوسط يقول المؤلف إن هذا لا يجوز وكذلك لو كان عليه مائة صاع بر متوسط أحال على
стр. 2070
مائة صاع بر جيد فإنه لا يجوز وهذا إذا كان على سبيل المعاوضة له وجه لكن إذا كان على سبيل المسامحة ورضي من له الدين بالأنقص أو من عليه الدين بالأكمل فما المانع لا أجد لهذا مانع مادام المسألة على سبيل التسامح فمثلاً هو مطلوب مائة صاع بر رديء أحال على مائة صاع بر جيد ما المانع فهو رضي لنفسه بالأنقص على وأحال على الأكمل وبالعكس أيضاً لو كان عليه مائة صاع بر جيد وأحال بمائة صاع بر رديء فما المانع لأن صاحب الدين الآن رضي بالأقل وأختار هذا وكذلك أيضاً من باب أولى مسألة الحلول والتأجيل إذا كان عليه دين حال مائة درهم حالة وأحال صاحبها على شخص آخر بمائة مؤجلة فهذا كما لو أجلها المستحيل على صاحب الدين فلا مانع إذا قال المستحيل أنا راضي أن تحولني على فلان ولو كان الدين مؤجلاً فما المانع من هذا أو كان عليه دين مؤجل وأحاله على دين حال فما المانع هذا زاده خيراً فالذي يظهر لي أن الحلول والتأجيل والصفة أنها ليست بشرط إلا أن يمنع من ذلك إجماع فهذا لا نخالف الإجماع إما إذا لم تكن المسألة إجماعية فالصحيح أن ذلك جائز وأنه من باب المسامحة.
فصل
стр. 2071
القارئ: الشرط الثالث أن يكون بمال معلوم على مال معلوم لأنه يعتبر فيهما التسليم والتماثل والجهالة تمنعها ولا يصح فيما لا يصح السلم فيه لأنه لا يثبت في الذمة وإنما تجب قيمته بالإتلاف ويصح في كل ما يثبت مثله في الذمة بالإتلاف من الأثمان والحبوب والأدهان وفيما يصح السلم فيه غير ذلك كالمذروع والمعدود وجهان أحدهما لا تصح الحوالة به لأن المثل لا يتحرر فيه ولهذا لا يضمن بمثله والثاني يصح لأنه يثبت في الذمة ويحتمل أن يبني الحكم فيه على القرض إن قلنا يقضي في هذا بمثله صحت الحوالة به لأنه يثبت في الذمة بغير السلم وإلا فلا لأنه لا يثبت في الذمة إلا بالسلم ولا تصح الحوالة في السلم وإن كان عليه إبل من قرض وله مثل ذلك على آخر صحت الحوالة بها لأنه إن ثبت في الذمة مثلها صحت الحوالة وإن ثبت قيمتها فالحوالة بها صحيحة وإن كان له إبل من دية فأحال بها على من له عليه مثلها من دية أخرى صح ويلزمه إعطائه أدنى ما يتناوله الاسم وقال أبو الخطاب في وجه آخر أنه لا صح وإن كان عليه إبل من الدية وله مثلها قرضاً فأحال بها ففيه وجهان أحدهما يصح لأن الخيرة في التسليم إلى المحيل وقد رضي بتسليم ماله في ذمة المقترض والثاني لا يصح لأن الواجب في القرض في إحدى الروايتين القيمة فقد أختلف الجنس وإن أحال المقترض من له الدية بها لم
يصح وجهاً واحدا لأننا إن قلنا الواجب القيمة فالجنس مختلف وإن قلنا يجب المثل فللمقترض مثل ما أقرض في صفاته وقيمته والذي عليه الدية لا يلزمه ذلك.
الشيخ: هذه صور قد يصعب تصورها لكن القاعدة أنه لابد أن يكون في معلوم على معلوم.
السائل: إذا اختلف النوعان على المذهب فهل يجوز الإحالة يعني مثلاً دولار بريال؟
الشيخ: لا يجوز لأن هذه صفة فلا يجوز.
السائل: حتى إذا كان الأمر مبني على المسامحة بينهما؟
الشيخ: والله ما أدري لأن هذه في معاوضة ولأن الجنس اختلف.
стр. 2072
السائل: إذا تفاهما على أنه متى أخذ المبلغ المخالف للمبلغ المحال عليه يحوله ويعطيه؟
الشيخ: إذا كان بشرط فإنه لا يجوز وأما إن اصطلحا على القيمة في وقت القبض فلا بأس.
فصل
القارئ: الشرط الرابع أن يحيل برضاه لأن الحق عليه فلا يلزمه أداؤه من جهة بعينها ولا يعتبر رضى المحال عليه لأن للمحيل أن يستوفي الحق بنفسه وبوكيله وقد أقام المحتال مقام نفسه في القبض فلزم المحال عليه الدفع إليه كما لو وكله بالاستيفاء منه.
الشيخ: عندنا الآن محيل ومحال عليه فالمحيل لابد من رضاه والمحال عليه لا يشترط رضاه وبقي المحتال وهو الطرف الثالث فصله المؤلف ﵀ فلو أن صاحب الحق قال للمطلوب أعطني حقي فقال له ما عندي شيء فقال صاحب الحق لك دين على فلان حولني عليه فهل يلزمه أن يحيله؟ الجواب لا يلزمه أن يحيله لأنه لابد من رضى المحيل أما أن يجبر فلا لكن نقول يجبر على أن يستلم الدين الذي له ثم يوفي إذا طلب الغرماء وأما المحال عليه فلا يشترط رضاه فلو أن المحتال صار أشد إلحاحاً من المحيل ولما أحيل عليه هذا الشريك قال لا أقبل أنا لا أعرفك أنا صاحبي فلان فهل له أن يرفض؟ نقول ليس له ذلك بل للمحتال أن يقول له إن فلان يأخذ حقه بنفسه وبوكيله وأنا اعتبرني وكيلاً له.
القارئ: وأما المحتال فإن كان المحال عليه مليئاً وهو الموسر غير المماطل لم يعتبر رضاه لقول النبي ﷺ (إذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع) ولأن للمحيل إيفاء الحق بنفسه وبوكيله وقد أقام المحال عليه مقامه في الإيفاء فلم يكن للمحتال الامتناع.
الشيخ: المؤلف فسر المليء بأنه الموسر غير المماطل وهذا يحتاج إلى زيادة قيد فنقول الذي يمكن مطالبته فلابد من هذا لأنه قد يحيله على موسر غير مماطل لكن لا تمكن مطالبته لو ماطل، فلو أحيل على أبيه لم
стр. 2073
يلزمه القبول ولو أحيل على أمير لم يلزمه القبول لماذا لأن الأول لا تمكن مطالبته شرعاً الذي هو الأب والثاني لا تمكن مطالبته عادة.
القارئ: وإن لم يكن مليئاً لم يلزمه أن يحتال للحديث.
الشيخ: الحديث دل على هذا بالمنطوق أو بالمفهوم؟ الجواب بالمفهوم ودل على الأمر بالاتباع إذا كان على مليء.
القارئ: ولأن عليه ضرراً في قبولها فلم يلزمه كما لو بذل له دون حقه في الصفة فإن رضي بها مع ذلك صحت كما لو رضي بدون حقه.
فصل
القارئ: إذا صحت الحوالة برئ المحيل من الدين لأنه قد تحول من ذمته فإن تعذر الاستيفاء من المحال عليه لموت أو فلس حادث أو مطل لم يرجع على المحيل كما لو أبرئه.
الشيخ: لماذا؟ لأن المحيل برئ وكونه يعتذر الوفاء فيما بعد فهذا ليس إليه.
القارئ: وإن كان مفلساً حين الحوالة ولم يرض المحتال بالحوالة فحقه باقي على المحيل لأنه لا يلزمه الاحتيال على مفلس وإن رضي مع العلم بحاله لم يرجع لأن الذمة برئت من الحق فلم تعد إلى الشغل كما لو كان مليئاً، وإن رضي مع الجهل بحاله ففيه روايتان إحداهما لا يرجع لذلك والثانية يرجع لأن الفلس عيب في المحال عليه فكان له الرجوع كما لو اشترى معيباً ثم علم عيبه وإن شرط ملاءة المحال عليه فله شرطه لقول النبي ﷺ (المسلمون على شروطهم) رواه أبو داود ولأنه شرط شرطاً مقصودا فإذا بان خلافه ملك الرد كما لو شرطه في المبيع.
الشيخ: الآن فهمنا أنه إذا رضي المحتال بعدم ملاءة المحيل فإنه لا يرجع لأنه دخل على بصيرة وأما إن لم يرض فالمذهب يقولون إنه لا يرجع كذلك لأنه رضي ولماذا لم يحتاط لنفسه فيشترط لكن الصحيح أن له الرجوع لا سيما إذا علمنا أن المحيل قد خدع المحتال وأحاله على غير مليء فإن له الرجوع أما لو شرط فقال أنا أقبل الحوالة بشرط أن يكون مليئاً فله شرطه لأن المسلمين على شروطهم.
فصل
стр. 2074
القارئ: إذا اشترى عبداً فأحال البائع بثمنه أو أحال البائع عليه بثمنه فبان حراً أو مستحقا فالحوالة باطلة لأن البيع باطل ولا دين على المشتري يحيل به أو يحال عليه فإن اتفق المحيل والمحال عليه على ذلك وكذبهما المحتال لم يسمع قولهما كما لو باعا عبداً ثم أقرا بحريته ولا تسمع لهما بينة لأنهما أكذباها لدخولهما في البيع وإن أقامها العبد سمعت وبطلت الحوالة وإن صدقهما المحتال في حرية العبد وأدعى أن الحوالة بدين آخر فالقول قوله مع يمينه لأن الأصل صحة الحوالة فكان صدقه أظهر فإن أقاما بينة بذلك سمعت لأنهما لم يكذباها.
الشيخ: خلاصة هذا أن الحوالة مبنية على أصل فإذا تبينت أن الأصل باطل بطلت الحوالة فإذا أحيل بثمن مبيع أو أحيل به عليه فبان البيع باطلاً فإنه لا حوالة لأنه إذا بطل الأصل بطل الفرع.
فصل
القارئ: وإن اشترى عبداً وأحال البائع بثمنه ثم وجده معيباً ثم رده قبل قبض المحتال من المحال عليه بطلت الحوالة لأنها بالثمن وقد سقط بالفسخ ذكره القاضي ويحتمل أن لا تبطل لأن المشتري نقل حقه إلى ما في ذمة المحال عليه فلم تبطل بالفسخ كما لو أعطاه عن الثمن ثوباً ثم فسخ العقد لم يرجع في الثوب وإن كان الرد بعد قبض المحتال لم تبطل لأن ذمة المحال عليه برئت بالقبض منه ويرجع المشتري على البائع وإن اشترى عبداً فأحال البائع عليه أجنبياً بالثمن فرده المشتري بعيب لم تبطل الحوالة لأن ذمة المشتري برئت بالحوالة من البائع فصار كأنه قبض منه وتعلق به هاهنا حق غير المتعاقدين وهو المحتال بخلاف التي قبلها ويرجع المشتري على البائع بالثمن.
стр. 2075
الشيخ: هنا يفرق بين الفسخ وبين البطلان فإذا تبين البطلان بطلت الحوالة وأما إذا صار فسخاً فالحوالة باقية ولكن لكل منهما أن يحيل على الآخر فإذا فسخ البيع فمعناه أن البائع لا يستحق الثمن وإذا كان لا يستحقه فإنه إن قبض الحوالة أخذت منه وإن قال لا أنا سآخذ الثمن من المحال عليه قلنا خذه لكن يرجع به المشتري عليه، وله أن يحيله يعني فيقول البائع للمشتري _ لما فسخ البيع _ إني أحلتك على الذي أحلتني عليه من قبل.
فصل
القارئ: وإذا أمر رجل بقبض دين له من غريمه ثم اختلفا فقال أحدهما كانت وكالة بلفظها وقال الآخر كانت حوالة بلفظها فالقول قول مدعي الوكالة لأنه يدعي بقاء الحق على ما كان وينكر انتقاله وإن اتفقا على أنه قال أحلتك بالألف وقال أحدهما كانت حوالة حقيقة وقال آخر كانت وكالة بلفظ الحوالة ففيه وجهان أحدهما القول قول المدعي الوكالة لذلك والثاني القول قول مدعي الحوالة لأن الظاهر معه لموافقته الحقيقة ودعوى الآخر المجاز وإن قال أحلتك بدينك فهي حوالة بكل حال.
الشيخ: الصحيح أنه إذا اتفقا على أنه قال أحلتك فإنها حوالة كما لو قال أحلتك بدينك أما إذا قال أمرتك أن تقبض فقال إنك أمرتني على أنها حوالة وقال بل على أنها وكالة فالقول قول مدعي الوكالة لأن الأصل بقاء الحوالة على ما كان عليه.
فصل
стр. 2076
القارئ: وإذا قال المدين لغريمه قد أحلتك بدينك فلاناً فأنكر فالقول قوله مع يمينه فإن أقام المدين بينة بذلك سمعت ليسقط عنه حق المحيل فإن كانت بحالها فأدعى أجنبي على المدين أن رب الدين أحاله به فأنكره فأقام الأجنبي بينة ثبت في حقه وحق الغائب لأن البينة يقضى بها على الغائب ولزم دفع الدين إليه فإن لم تكن له بينة فاعترف المدين له بصحة دعواه ففيه وجهان أحدهما يلزمه الدفع إليه لاعترافه له بوجوب حقه عليه وانتقال دينه إليه فأشبه ما لو قامت به بينة والثاني لا يلزمه الدفع إليه لأنه لا يأمن إنكار المحيل ورجوعه عليه فكان له الاحتياط في تخليص نفسه كما لو أدعى الوكالة فإن دفعه إليه ثم أنكر المحيل الحوالة وحلف ورجع على المحال عليه فأخذ منه لم يرجع المحال عليه على المحتال لأنه معترف له أنه استوفى حقه وإنما المحيل ظلمه وإن أنكر المدين الحوالة انبنى على الوجهين إن قلنا يلزمه الدفع مع الإقرار لزمته اليمين على الإنكار وتكون على نفي العلم لأنها على نفي فعل الغير وإن قلنا لا يلزمه الدفع مع الإقرار لم تلزمه اليمين مع الإنكار لعدم فائدتها وليس للمحتال الرجوع على المحيل لاعترافه ببراءة ذمته ويسأل المحيل فإن صدق المحتال ثبت ثبتت الحوالة لأن رضى المحال عليه غير معتبر وإن كذبه حلف له وسقطت الحوالة وإن نكل المحال عليه عن اليمين فقضي
عليه واستوفي منه ثم أنكر المحيل الحوالة فله أن يستوفي من المحال عليه لأنه معترف له بالألف مدع أن المحتال ظلمه.
فصل
القارئ: فإن كان عليه دين فادعى رجل أنه وكيل ربه في قبضه فصدقه لم يلزمه دفعه إليه لما ذكرنا في الحوالة وإن أنكر لم تلزمه اليمين لأنه لا يلزمه الدفع مع الإقرار فلم تلزمه اليمين مع الإنكار.
стр. 2077
الشيخ: هذا إنسان عليه دين فجاءه رجل فقال إن صاحب الدين وكلني في قبضه منك فقال صدقت أنت رجل صدوق وليس عندي إشكال في صدقك لكن لن أعطيك المال، وهذا يمكن أن يحدث، لماذا؟ لأنه ربما ينكر صاحب الدين الوكالة فيقول ما وكلته، فإذا أنكر الوكالة لزم المدين أن يوفيه فيوفيه ويرجع على أدعى أنه وكيل أما لو ثبت ببينة فإنه يلزمه أن يوفي لأنه لا ضرر عليه لأن قد أثبت ذلك بالبينة نعم وهذا حقيقة قد يستغربها الإنسان كيف يصدقه الوكيل ولا يعطيه لقول نعم لأن فيها طرف ثالث وهو الموكل لأنه قد ينكر والوكالة وحينئذ يلزم هذا أن يضمن.
القارئ: فإن دفعه إليه فأنكر رب الدين الوكالة حلف ورجع على الدافع ثم رجع الدافع على الوكيل إن لم يكن أعترف بصدقه لأنه لم يثبت أنه وكيل وإن كان اعترف له لم يرجع عليه لأنه اعترف بصحة دعواه وأن الموكل ظلمه فلم يرجع على غير ظالمه وإن كان المدفوع وديعة فوجدها ربها أخذها وإن تلفت في يد الوكيل تلزمه مطالبة من شاء منهما فإن طالب الوكيل لم يرجع على أحد لأن التلف حصل في يده فاستقر الضمان عليه وإن طالب المودع وكان قد اعترف بالوكالة لم يرجع على أحد لما ذكرناه في الدين وإن لم يكن اعترف للوكيل رجع عليه.
فصل
القارئ: فإن كان عند رجل دين أو وديعة فجاء رجل فادعى أنه وارث صاحبهما وقد مات ولا وارث له سواه فصدقه لزمه الدفع إليه لأنه لا يخشى تبعة وإن كذبه فعليه اليمين أنه لا يعلم ذلك لأنه لزمه الدفع مع الإقرار فلزمته اليمين مع الإنكار.
فصل
стр. 2078
القارئ: فإن كان لرجل ألف على اثنين كل واحد منها ضامن لصاحبه فأحاله أحدهما بها برئا منها لأن الحوالة كالتقبيض وإن أحال صاحب الألف به على أحدهما صحت الحوالة لأنها مستقرة في ذمة كل واحد منهما وإن أحال عليهما جميعاً ليستوفي من كل واحد منهما نصفها صحت لأن ذلك للمحيل فملك الحوالة به وإن أحال عليهما ليستوفي من أيهما شاء صحت أيضا لأنه لا فضل في نوع ولا عدد ولا أجل وإنما هو زيادة استيثاق فأشبه حوالة المعسر على المليء ولهذا لو أحالاه على واحد صح.
стр. 2079
كتاب الضمان
الشيخ: اعلم أن الأشياء التي يتوثق بها الإنسان لحقه هي الشهادة والكتابة والضمان والكفالة والرهن فكل هذه مما يوثق حق الإنسان فالشهادة أن يشهد عليه والكتابة أن يكتب المحقوق بالحق الذي عليه والرهن أن يعطي من له الحق رهناً والضمان هو الباب الذي نحن فيه والكفالة أيضاً ستأتي إن شاء الله.
القارئ: وهو ضم ذمة الضامن إلى ذمة المضمون عنه في التزام دينه.
الشيخ: لو قال المؤلف ﵀ وهو التزام الإنسان بما على غيره لكان أوضح من ضم ذمة الضامن إلى ذمة المضمون عنه فول قال أن يلتزم ما على غيره من دين كان هذا الضمان.
القارئ: فإذا قال لرجل أنا ضامن مالك على فلان أو أنا به زعيم أو كفيل أو قبيل أو حميل أو هو عليَّ صار ضامناً له وثبت في ذمته مع بقائه في ذمة المدين ولصاحب الدين مطالبة من شاء منهما لقول الله تعالى (وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ).
الشيخ: هذا قاله صاحب العزيز قال (وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ) يعني أنا ضامن.
стр. 2080
القارئ: وقول النبي ﷺ (الزعيم غارم) حديث حسن رواه أبو داود والترمذي وروى سلمة بن الأكوع أن النبي ﷺ أُتي برجل ليصلي عليه فقال (هل عليه دين) قالوا نعم ديناران قال (هل ترك لهما وفاءً) فقالوا لا فتأخر فقيل لما لا تصلي عليه فقال (ما تنفعه صلاتي وذمته مرهونة إلا إن قام أحدكم فضمنه) فقام أبو قتادة فقال هما عليَّ يا رسول الله فصلى عليه النبي ﷺ رواه البخاري ولا يبرأ المضمون عنه بمجرد الضمان في الحياة رواية واحدة وفي الميت روايتان إحداهما يبرأ لأن النبي ﷺ صلَّى على الميت حين ضمنه أبو قتادة والثانية لا يبرأ وهي أصح لما روى
جابر أن النبي ﷺ سأل أبا قتادة عن الدينارين الذين ضمنهما فقال قد قضيتهما فقال (الآن بردت جلدته) رواه أحمد ﵁ ولأنه وثيقة بدين فلم يسقط كالرهن وكحال الحياة ومتى برئ الغريم بأداء أو إبراء برئ الضمان لأنه تبع فزال بزوال أصله كالرهن وإن أبرأ الضامن لم يبرأ المضمون عنه لأن الوثيقة انحلت من غير استيفاء فلم يسقط الدين كالرهن.
فصل
القارئ: ولا يصح إلا من جائز التصرف فأما المحجور عليه لصغر أو جنون أو سفه فلا يصح ضمانه لأنه تبرع بالتزام مال فلم يصح منهم كنذر الصدقة وخرج بعض أصحابنا ضمان الصبي بإذن وليه على الروايتين في صحة بيعه وقال القاضي يصح ضمان السفيه ويتبع به بعد فك حجره وهذا بعيد لأن الضمان مجرد ضرر وتضييع للمال فلم يصح منه كالعتق ولا يصح ضمان العبد والمكاتب بغير إذن سيدهما لأنه التزام فلم يصح منهما بغير إذن كالنكاح ويصح بإذنه لأن المنع لحقه فزال بإذنه ويؤديه المكاتب مما في يده وهل يتعلق برقبة العبد أو بذمة سيده على وجهين.
فصل
стр. 2081
القارئ: ويصح ضمان دين الميت المفلس وغيره لحديث أبي قتادة ولا يعتبر رضى المضمون له ولا المضمون عنه للخبر ولا معرفة الضامن لهما لأنه لا يعتبر رضاهما فأشبه الأجانب ولأن النبي ﷺ لم يسأل أبا قتادة عن معرفتهما ويحتمل أن تعتبر معرفتهما ليؤدي إلى أحدهما ويرجع على الآخر بما غرم عنه ويحتمل أن تعتبر معرفة المضمون له ليؤدي إليه ولا تعتبر معرفة المضمون عنه لعدم المعاملة بينه وبينه ولا يصح إلا برضى الضامن لأنه التزام مال فلم يصح من غير رضى الملتزم كالنذر.
الشيخ: فهمنا المضمون عنه لا يشترط رضاه والضمان يشترط رضاه لأنه هو المتبرع والمضمون له لا يشترط رضاه فإذا قال المضمون عنه للضامن لا تضمني أنا لست مماطلاً ولا معدماً ولا أريد أن تضمني وقال المضمون له بل أنا أريد أن يضمن، فمن يقبل قوله؟ الجواب المضمون له، لأنه لا يشترط رضى المضمون عنه حتى وإن كان بعض الناس يرى أن قيام أحد يضمنه يعتبر قدحاً فيه وأنه مماطل أو معسر لأن
بعض الوجهاء والأعيان يأنفون من أن يقوم أحدٌ فيضمنهم فيقول أنا لست مماطل ولست معسراً والأموال عندي كثيرة والحمد لله وأنا مليء، فهل نقول إن الحق عليك وليس لك وإذا طالب الذي له الحق أن يُضمن له ضُمِنَ له وإذا كنت لا تريد أن يضمنك أحد سَلِّم ما عليك الآن واستريح فالمهم أنه لا يشترط إلا رضى الضامن فقط.
فصل
стр. 2082
القارئ: ويصح ضمان اللازم لخبر أبي قتادة وضمان الجعل في الجعالة لقول الله تعالى (وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ) وضمان كل حق مالي لازم أو مآله إلى اللزوم كالثمن في مدة الخيار وبعدها والأجرة والصداق قبل الدخول وبعده وأرش الجناية نقداً أو حيونا لأنها حقوق مالية لازمة أو مآلها إلى اللزوم فصح ضمانها كالدين والجعل ويصح ضمان الأعيان المضمونة كالغصوب والعواري لأنها مضمونة على من هي في يده فأشبهت الدين ويصح ضمان عهدة المبيع عن كل واحد منهما لصاحبه وهو أن يضمن الثمن الواجب بالبيع قبل تسلميه أو إن ظهر فيه عيب أو استحق أو وجد ذلك في المبيع غرمه الضامن لأن ذلك لازم فإنه إنما يتعلق بالضامن حكم لعيب أو غصب ونحوهما وهذا كان موجوداً حال الضمان فصح ضمانه كالدين وإن استحق الرجوع لأمر حادث كتلف المبيع قبل قبضه أو أخذه بشفعة فلا شيء على الضامن وإن ضمن البائع أو غيره للمشتري قيمة ما يحدثه من غراس أو بناء أو ما يلزمه من أجرة إن خرج المبيع مستحقاً صح ويرجع على الضامن بما لزمه من ذلك لأنه يستند إلى أمر وجودي ويصح أن يضمن الضامن ضامن ثاني لأن دينه ثابت فصح ضمانه كالأول ويصير الثاني فرعاً للضامن حكمه معه حكم الضامن مع الأصيل.
الشيخ: عهدة المبيع معناه أن الإنسان إذا أراد أن يشتري شيئاً من شخص مجهول وخاف أن يكون المبيع مسروقاً أو مغصوباً أو أن يظهر فيه عيب فيتقدم أحد ويقول أنا أضمن العهدة يعني إن ظهر مغصوباً أو مسروقاً أو ظهر فيه عيب فأنا ضمان مع أن هذا شيء معلق لكن المصلحة تقتضي ذلك فإذا كانت المصلحة تقتضي ذلك فلا مانع لأن الأصل في العقود الصحة والجواز إلا إذا اشتملت على غش أو ظلم أو ربا فإنها تحرم وهنا ليس هناك أي محظور.
فصل
стр. 2083
القارئ: ولا يصح ضمان الأمانات كالوديعة ونحوها لأنها غير مضمونة على من هي في يده فكذلك على ضامنه وإن ضمن لصاحبها ما يلزم بالتعدي فيها صح نص عليه أحمد ﵁ لأنها تصير مضمونة على المضمون عنه ولا يصح ضمان مال الكتابة وعنه يصح لأنه يجوز أن يضمن عنه دين آخر والمذهب الأول لأن مال الكتابة غير لازم ولا يفضي إلى اللزوم لأنه يملك تعجيز نفسه ولأن الضمان لتوثيق الحق ومالا يلزم لا يمكن توثيقه وفي ضمان مال السلم روايتان إحداهما يصح لأنه دين لازم فأشبه القرض والثانية لا يصح لأنه يفضي إلى استيفائه من غير المسلم إليه فأشبه الحوالة به.
الشيخ: والصحيح أنه يجوز لضمان دين السلم وكذلك بالنسبة للوديعة يجوز أن يضمن التعدي فيها أو التفريط فيها لأنها إذا تلفت من غير تعدي ولا تفريط فإن المودع لا يضمن وإذا لم يضمن الأصل لم يضمن الفرع أما التعدي أو التفريط فإن المودع إذا تعدى أو فرط فإنه يضمن وحينئذ لو سألك سائل هل يصح ضمان الأمانات يعني الودائع؟ فالجواب أما ضمانها إذا تعدى أو فرط فهذا جائز وأما إذا لم يتعد ولم يفرط فهذا ليس بجائز.
فصل
القارئ: ويصح ضمان المعلوم والمجهول قبل وجوبه وبعده لقوله تعالى (وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ) وحمل البعير يختلف فهو غير معلوم وقد ضمنه قبل وجوبه ولأنه التزام حق من غير معاوضة فأشبه النذر وإن قال ألق متاعك في البحر وعليَّ ضمانه صح لأنه استدعاء إتلاف بعوض لغرض صحيح فصح كقوله أعتق عبدك وعليَّ ثمنه.
الشيخ: قوله (لغرض صحيح) المقصود به هنا خوف الغرق يعني أنه ينجو من الغرق مثاله سفينة محملة تكاد تغرق فقال أحد الركاب لمن له حِملها ألق متاعك وعليَّ ضمانه فهذا يجوز لأنه يشبه أنه اشتراه منه بثمنه.
فصل
стр. 2084
القارئ: ويصح ضمان الحال مؤجلا لأن الغريم يلزمه أداؤه في جميع الأزمنة فجاز للضامن التزام ذلك في بعضه كبعض الدين وإن ضمن المؤجل حالاً لم يلزمه لأنه لا يلزم الأصيل فلا يلزم الضامن ويقع الضمان مؤجلاً على صفته في ذمة الضامن وإن ضمن الدين المؤجل وقلنا إن الدين يحل بالموت فمات أحدهما حل عليه الدين وبقي في ذمة الآخر إلى أجله ولا يملك ورثة الضامن الرجوع على المضمون عنه قبل الأجل لأنه لم يحل
فصل
القارئ: وإذا قضى الضامن الدين بإذن المضمون عنه رجع عليه لأنه قضى دينه بإذنه فهو كوكيله وإن ضمن بإذنه رجع عليه لأنه تضمن الإذن في الأداء فأشبه ما لو أذن فيه صريحا وإن ضمن بغير إذنه وقضى بغير إذنه معتقداً للرجوع ففيه روايتان إحداهما يرجع أيضا لأنه قضاء مبرئ من دين واجب لم يتبرع به فكان على من هو عليه كما لو قضاه الحكام عند امتناعه والثانية لا يرجع لأنه تبرع فلم يرجع به كما لو بنى داره أو أعلف دابته بغير إذنه فإن اختلفا في الإذن فالقول قول من ينكره لأن الأصل عدمه.
الشيخ: الصحيح أنه يرجع عليه مادام نوى الرجوع عند القضاء أنه يرجع سواء كان الضمان بإذن المضمون عنه أو لا، لأنه قضى عنه ديناً واجباً بنية الرجوع فجاز له المطالبة به.
السائل: المؤلف استدل على جواز ضمان المجهول بقوله تعالى (وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ) ألا يقال إن حمل البعير معروف ويحمل على ما جرت به العادة فلا يكون في الآية دليل؟
الشيخ: قوله تعالى (وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ) نقول من الذي جاء به؟ الجواب لا ندري فهو مجهول.
فصل
القارئ: ويرجع الضامن بأقل الأمرين مما قضى أو قدر الدين لأنه إن قضاه بأقل منه فإنما يرجع بما غرم وإن أدى أكثر منه فالزائد لا يجب أداؤه فقد تبرع به.
стр. 2085
الشيخ: هذا الكلام صحيح وواضح لأنه إذا كان الدين المضمون ألفاً ورضي صاحب الحق بثمانمائة فإنه لا يرجع إلا إذا قال صاحب الحق أعطني ثمانمائة والباقي خذه من صاحبك فهنا لا بأس يأخذ من صاحبه الزائد وهو مائتان.
القارئ: وإن دفع عن الدين عرضا رجع بأقل الأمرين من قيمته أو قدر الدين وإن قضى المؤجل قبل أجله لم يرجع قبل الأجل لأنه تبرع بالتعجيل وإن أحال به الغريم رجع بأقل الأمرين مما أحال به أو دينه سواء قبض الغريم من المحال عليه أو لم يقبض لأن الحوالة كالتقبيض وإن ضمن الضامن ضامن آخر فقضى الدين رجع على الضامن ثم رجع الضامن على المضمون عنه وإن قضاه الضامن رجع على الأصيل وحده فإن كان الأول ضمن بلا إذن والثاني ضمن بإذن رجع الثاني على الأول ولم يرجع الأول على أحد في إحدى الروايتين.
فصل
القارئ: وإن ضمن بإذنه فطولب بالدين فله مطالبة المضمون عنه بتخليصه لأنه لزمه الأداء بأمره ولا يملك المطالبة قبل ذلك لأنه لا يملك الرجوع قبل الغرامة فلا يملك المطالبة قبل أن يطالب وإن ضمن بغير إذنه لم يملك المطالبة به لأنه لا دين له ولا هو وكيل صاحب الدين ولا لزمه الأداء بإذن الغريم فأشبه الأجانب.
الشيخ: إذا طُلِبَ الضامن فله أن يطالب المضمون عنه بالوفاء لأنه لزمه الأداء بأمره ولا يملك المطالبة قبل ذلك لأنه لم يطالب.
فصل
القارئ: وإذا دفع المضمون عنه قدر الدين إلى الضامن عوضاً عما يقضيه في الثاني لم يصح لأنه جعله عوضاً عما يجب عليه في الثاني فلم يصح كما لو دفع إليه شيئاً عن بيع لم يعقده ويكون ما قبضه مضموناً عليه لأنه قبضه على وجه البدل فأشبه المقبوض ببيع الفاسد وفيه وجه أنه يصح لأن الرجوع بسببين ضمان وغرم فإذا وجد أحدهما جاز تعجيل المال كتعجيل الزكاة فإن قضى الدين استقر ملكه على ما قبض وإن برئ قبل القضاء وجب رد ما أخذ كما يجب رد الثمن إذا لم يتم البيع.
فصل
стр. 2086
القارئ: إذا أدعى الضامن القضاء فأنكره المضمون له فالقول قوله مع يمنيه لأن الأصل معه وله مطالبة من شاء منهما فإن استوفى من الضامن لم يرجع على المضمون عنه إلا بأحد القضائين لأنه يدعي أن المضمون له ظلمه بالأخذ الثاني فلا يرجع به على غيره وفيما يرجع به وجهان أحدهما بالقضاء الأول لأنه قضاء صحيح والثاني ظلم والوجه الثاني يرجع بالقضاء الثاني لأنه الذي أبرأ الذمة ظاهراً فأما إن استوفى من المضمون عنه فهل للضامن الرجوع عليه؟ ينظر فإن كذبه المضمون عنه بالقضاء لم يرجع لأنه لم يثبت صدقه وإن صدقه وكان قد فرط في القضاء لم يرجع بشيء لأنه أذن له في قضاء مبرئ ولم يوجد وإن لم يفرط رجع وسنذكر التفريط في الوكالة إن شاء الله فإن اعترف المضمون له بالقضاء وأنكر المضمون عنه لم يلتفت إلى إنكاره لأن الدين حق للمضمون له فإذا أقر بقبضه فقد أقر بأنه صار للضامن ولأنه يثبت القضاء بالإقرار فملك الرجوع به كما لو ثبت ببينة وفيه وجه آخر أن القول قول المضمون عنه لأنه منكر.
طالب: وإن كذب المضمون عنه القضاء عند الأداء.
الشيخ: كل باب الضمان يعود إلى ضمان الدين لصاحب الحق وليس ضمان صاحب الدين بل ضمان الدين وعلى هذا فلو أحضر المضمون عنه لم يبرأ حتى يقضي الدين وأما الكفالة فهي التزام بإحضار بدن المكفول وليس دينه وهذا فرق مهم جداً لأن الكفيل إذا أحضر المكفول برئ سواء أوفي أو لم يوف إلا في مسائل ستأتي إن شاء الله.
باب الكفالة
القارئ: تصح الكفالة ببدن كل من يلزمه الحضور في مجلس الحاكم بحق يصح ضمانه لأنه حق لازم فصحت الكفالة به كالدين ولا تصح بمن عليه حد أو قصاص لأنها تراد للاستيثاق بالحق وهذا مما يدرأ بالشبهات.
стр. 2087
الشيخ: قوله ﵀ (وهذا مما يدرأ بالشبهات) فيه نظر وهذا لا يمكن من غير من يجب عليه فمثلاً الكفالة في القصاص لنفرض أن الكفيل لم يقدر على المكفول فهل نقتص منه؟ لا نقتص لكن لو قيل أنه يكلفه فإن لم يكن إحضار بدنه ألزم بالدية فهذا لا بأس لأن هذا أصبح كأنه ضمان إذ أنه التزام بحق مالي يمكن استيفائه من غير من هو عليه وكذلك مسألة الحد فإنه لا عوض عن الحد فلو قال شخص للحاكم مثلاً أخرج فلان من الحبس وأنا أكلفه لك وأحضره لتقيم عليه الحد فإن هذا لا يصح، لماذا؟ لأن هذه
الكفالة في الحقيقة ليس فيها كبير فائدة إذ أنه إذا عجز عن إحضاره لم يستوف الحد من الكفيل ومسألة الدرء بالشبهات فهذه ما فيها شبهة هذه واضحة والمهم أنه لا كفالة في حد وأما القصاص فالصحيح أنه يفصل فيه إذا قال أنا أكفل إحضاره لتقتصوا منه فإن تعذر فلا أكفل لكم إلا الدية ورضوا بذلك صح.
القارئ: ولا تصح بالمكاتب لأنه لا يلزمه الحضور فلا يلزم غيره إحضاره كالأجانب وتصح الكفالة بالأعيان المضمونة كالمغصوب والعواري لأنه يصح ضمانها ولا تصح في الأمانات إلا بشرط التعدي فيها كضمانها سواء.
الشيخ: الكفالة بالأعيان المضمونة تصح كالمغصوب مثلاً إنسان غاصب وغيَّبَ المغصوب وأحضر إلى مجلس الحكم فقال كفيله أنا أكفله لما غصب فهذا جائز لأنه إذا تعذر إحضاره رجعنا عليه بالمال وكذلك العواري أما الأمانات فلا تصح الكفالة فيها لأن الأصل وهو المكفول لا يجب عليه ضمان الأمانات لكن إذا ضمن التعدي فيها جاز.
فصل
القارئ: وإذا صحت الكفالة فتعذر إحضار المكفول به لزمه عليه لقول النبي ﷺ (الزعيم غارم) ولأنها أحد نوعي الكفالة فوجب الغرم بها كالضمان.
الشيخ: لو قال المؤلف ولأننا لو لم نوجب الضمان لم يكن للكفالة فائدة هذا هو الصحيح وهو التعليل الصحيح فنحن لو لم نوجب هذا لكانت الكفالة عديمة الفائدة.
стр. 2088
القارئ: فإن غاب المكفول به أمهل كفيله قدر ما يمضي إليه فيعيده لأن ما لزم تسلميه لم يلزم إلا بإمكان التسليم فإن مضى زمن الإمكان ولم يفعل لزمه ما عليه أو بذل العين التي كفل بها.
السائل: الكفالة هل تصح بأي صيغة أم يشترط لها صيغة معينة؟
الشيخ: بل بكل ما دل عليها فجميع العقود تنعقد بما دل عليها مطلقاً على القول الراجح واستثنى الفقهاء ﵏ النكاح فإنه ينعقد بلفظ أنكحت أو زوجت والصحيح أن جميع العقود تنعقد بما دل عليه وكذلك الفسوخ تنعقد بما دل عليها.
القارئ: فإن مات أو تلفت العين بفعل الله تعالى سقطت الكفالة لأن الحضور سقط عن المكفول به فبرئ كفيله كما يبرأ الضامن ببراءة المضمون عنه ويحتمل أن لا يسقط ويطالب بما عليه.
الشيخ: قوله (إن مات) أي المكفول (أو تلفت العين) أي المكفول بها والصواب أنها تسقط الكفالة إن تعذر تسليم المكفول فإن كان المكفول الرجل فقد مات وإن كان مكفول العين فقد تلفت.
القارئ: وإن سلم المكفول نفسه أو برئ من الحق بأداء أو إبراء برئ كفيله لأن الحق سقط عن الأصيل فبرئ الكفيل كالضمان وإن أبرأ الكفيل صح كما يصح إبراء الضامن ولا يبرأ المكفول به كالضمان وإن قال رجل أبرئ الكفيل وأنا كفيل بمن تكفل به ففيه وجهان أحدهما يصح لأنه نقل الضمان إلى نفسه فصح كما لو أحال الضامن المضمون له على آخر والثاني لا يصح لأنه شرط في الكفالة أن يبرئ الكفيل فهو شرط فاسد فمنع صحة العقد.
الشيخ: والصواب أنه صحيح ولا مانع وفيه فائدة.
فصل
стр. 2089
القارئ: وإذا قال أنا كفيل بفلان أو بنفسه أو بدنه أو وجهه صحت الكفالة وإن كفل ببعض بدنه فقال القاضي لا يصح لأن مالا يسري إذا خص به بعض الجسد لا يصح كالبيع وقال غيره إن كفل بعضو لا تبقى الحياة بدونه كالرأس والقلب والظهر صحت لأنه لا يمكن تسلميه بدون تسليم البدن فأشبه الوجه وإن كفل بغيرها كاليد والرجل ففيه وجهان أحدهما لا يصح لأن تسليمه بدون البدن ممكن والثاني يصح لأنه لا يمكن تسليمه على صفته دون البدن فأشبه الوجه.
الشيخ: الآن هل نقول البعض إذا كان يطلق على الكل صح مثل الوجه والرقبة وإن كان لا يطلق على الكل لم يصح كالأذن والعين والرجل والقدم وهذا أقرب شيء ولو قال قائل إنه إذا كفل البعض صح مطلقاً إلا إذا كان هذا منفصلاً أو في حكم المنفصل كالسن والشعر والظفر كما قالوا في الطلاق أنه إذا طلق جزءاً لا ينفصل وقع الطلاق وإذا كان ينفصل لم يقع وهذه الصور الفقهاء يصورنها وإلا ليس هناك من يقول أكفل لك وجه فلان.
فصل
القارئ: إذا علق الكفالة والضمان على شرط أو وقتهما فقال أنا كفيل بفلان أو ضامن ما عليه فقال القاضي لا يصح لأنه إثبات حق لآدمي فلم يجز ذلك فيه كالبيع وقال أبو الخطاب والشريف أبو جعفر يصح لأنه ضمان أو كفالة فصح تعليقه على شرط كضمان العهدة فعلى
هذا لو قال كفلت بفلان على أني إن جئت به وإلا فأنا كفيل بفلان أو ضامن ما عليه صح فيهما عندهما ولم يصح عند القاضي لأن الأول مؤقت والثاني معلق على شرط.
стр. 2090
الشيخ: الصحيح الجواز والأقيسة التي ذكروها ﵏ منها مالا يصح ومنها ما هو غير مسلم فتعليل القاضي ﵀ بأنه لا يصح التوقيت كالبيع نقول أولاً أن بينهما فرقاً البيع نقل ملك وهذا ضمان والملك باقي ولا ضرر فيه على أحد وثانياً أن نقول من الذي يقول إن البيع لا يصح معلقاً من قال هذا؟ يحتاج إلى دليل والأًصل في الشروط الحل والصحة والإلزام بما التزم به الشارط إلا بدليل فالصواب إن الشروط في جميع العقود صحيحة هذا هو الأصل كما أن جميع العقود الأصل فيها الصحة إلا بدليل فأي إنسان يقول لك هذا شرط غير صحيح فقل له أين الدليل؟ لكن لو أن إنسان تعبد لله بعبادة فإننا نمنعه حتى يأتي بدليل فالواجب إتباع الأصل كما قلنا ذلك في المنظومة (إن يقع شك فأتبع الأصل) فالصواب في هذا أنه يجوز الضمان والكفالة معلقاً وموقتاً ودليلنا على ذلك قول النبي ﷺ (المسلمون على شروطهم إلا شرطاً أحل حراماً أو حرم حلالاً).
فصل
القارئ: وتصح الكفالة ببدن الكفيل كما يصح ضمان دين الضامن وتجوز حالة ومؤجلة كالضمان ولا تجوز إلى أجل مجهول لأنه حق لآدمي فلم يجز إلى أجل مجهول كالبيع.
الشيخ: هذا فيه نظر البيع عقد معاوضة مبني على المشاحة والمقاطعة وهذه عقد توثقة إن حصلت فهذا المطلوب وإن لم تحصل فالحق باقي فالصواب أنها تصح إلى أجل مجهول مثل أن يقول أنا ضامن هذا الرجل إلى أن يحضر أبوه أو أنا كافل به إلى أن يحضر أخيه ليس في هذا مانع إطلاقاً وهذا يقع أيضاً والناس محتاجون إليه فيقول مادام أبوه غير حاضر فأنا ضمان وإذا حضر فأبوه فإنه هو الذي يتولى أمره أيضاً أنا أكفله حتى يأتي أبوه.
القارئ: وتجوز الكفالة مطلقة ومقيدة بالتسليم في مكان بعينه فإن أطلق ففي أي موضع أحضره وسلمه إليه على وجه لا ضرر عليه فيه برئ وإن كان عليه ضرر لم يبرأ بتسليمه وكذلك إذا سلمه قبل المحل قياساً على من سلم المسلم فيه قبل محله أو غير مكانه.
стр. 2091
الشيخ: الله المستعان هذا قياس فيه نظر لو سلم الكفيل قبل المحل لم يبرأ ووجهه أن صاحب الحق لا يمكن أن يطالب الكفيل الآن لأن الدين لم يحل إذاً ما الفائدة من تسليمه؟ فالتعليل الصحيح أن يقال أنه إذا سلمه قبل المحل لا يبرأ لأن صاحب الدين وهو المكفول له لا يمكنه المطالبة بدينه وأي فائدة من الإتيان بالكفيل والدين سيحل بعد سنة أما مسألة الدين قبل محله فهذه مسألة أخرى والصحيح أنه إذا سلمه الدين قبل محله لزمه أخذه إلا إذا كان عليه ضرر.
القارئ: وإن كفل واحد لأثنين فسلمه إلي أحدهما أو أبرأه أحدهما لم يبرأ من الآخر لأنه حق لأثنين فلم يبرأ بأداء حق أحدهما كالضمان وإن كفل اثنان لرجل فأبرأ أحدهما لم يبرأ الآخر كما في الضمان وإن سلمه أحدهما لم يبرأ الآخر لأنه برئ من غير استيفاء الحق فلم يبرأ صاحبه كما لو برئ بالإبراء ويحتمل أن يبرأ كما لو أدى أحد الضامنين الدين وإن قال الكفيل أو الضامن برئت مما كفلت به لم يكن إقراراً بقبض الحق لأنه قد يبرأ بغير ذلك.
الشيخ: قوله (وإن قال الكفيل) الأوجه أن يقال (وإن قال للكفيل) أي قال صاحب الحق فتكون العبارة هكذا (وإن قال للكفيل أو الضامن برئت مما كفلت به لم يكن إقراراً بقبض الحق لأنه قد يبرأ بغير ذلك) وهذه العبارة مشكلة وتحتاج إلى مراجعة.
فصل
القارئ: إذا طولب الكفيل بإحضار المكفول به لزمه أن يحضر معه لأنه وكيل في إحضاره فإن أراد إحضاره من غير طلب والكفالة بإذنه لزمه الحضور معه لأنه شغل ذمته من أجله بإذنه فكان عليه تخليصه كما لو استعار عبده فرهنه وإن كفل بغير إذنه لم يلزمه الحضور معه لأنه لم يشغل ذمته ولا له قبله حق.
الشيخ: ولو قيل بأنه لا يلزم الكفيل الحضور مطلقاً لكان وجيهاً لأن المقصود إحضار المكفول فإذا حضر فسواء حضر الكفيل أو لا، وذلك مثل أن يرسل الكفيل مكفوله مع خادمه أو مع عبده أو ما أشبه ذلك.
فصل
стр. 2092
القارئ: إذا كفل إنساناً أو ضمنه ثم قال لم يكن عليه حق فالقول قول خصمه لأن ذلك لا يكون إلا بمن عليه حق فإقراره به إقرار بالحق وهل يلزم الخصم اليمين فيه وجهان مضى توجيههما فيمن أقر بتقبيض الرهن ثم أنكره وطلب يمين المرتهن والله أعلم.
стр. 2093
كتاب الوكالة
القارئ: يصح التوكيل في الشراء لقول الله تعالى (فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَاماً فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ).
الشيخ: إباحة الوكالة لا شك أنها من محاسن الشريعة ومن تيسيرها وذلك لأن الإنسان قد لا يتمكن من الوصول إلى ما يريد إلا بوكالة وهي تشبه الاستعانة بالغير لأن المُوَكِّل إذا وَكَّلَ شخصاً فقد استعان به وهنا نسأل هل هي مباحة أو مندوبة أو محرمة؟ الجواب أما بالنسبة للمُوكِّل فإنها مباحة وأما بالنسبة للوكيل فإنها سنة لأنها من الإحسان والإعانة وقد قال الله تعالى (وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) واستدل المؤلف ﵀ لجوازها بالآية الكريمة (فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ) فإذا قال قائل القصة هذه ليست لهذه الأمة؟ فالجواب أن ما قصه الله علينا في القرآن الكريم فإنه عبرة لنا فإذا قُصَّ ولم ينكر فهو عبرة لنا يعني لنا أن نفعله، والعلماء ﵏ دائماً يستدلون بما في القرآن الكريم، وفي هذه الآية جواز التوكيل وجواز الاشتراك لقولهم (بِوَرِقِكُمْ) فإن ظاهر أن النقد الذي معهم مشترك وفيها أيضاً جواز طلب الأعلى والأزكى من الطعام وأن هذا لا يعد إسرافاً لقوله (فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَاماً) وفيها أيضاً رد لكلام الفقهاء في باب السلم ﵏ حيث قالوا إنه إذا شرط الأردأ أو الأجود لم يصح لأنه ما من جيد إلا وفوقه أجود منه فيقال إن هؤلاء وكلوه في شراء الأزكى ويُحْمَلُ الأردأ والأجود على ما في السوق وفيها أيضاً جواز التوكيل بالشراء والحمل فلو وكلت شخصاً ليشتري لك شيئاً فإنه من لازم الوكالة أن يشتريه ويأتي به لا أن يشتريه ويضعه في الدكان فالمطلوب أن يحضره ويكون قولهم (فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ) من باب التوكيد.
стр. 2094
القارئ: ولما روى عروة بن أبي الجعد قال (أعطاني رسول الله ﷺ ديناراً اشتري له به شاة) رواه البخاري (أو أضحية) ولأن الحاجة داعية إليها فإنه لا يمكن كل أحد شراء ما يحتاج إليه فدعت الضرورة إليها وتجوز في سائر عقود المعاملات قياساً على الشراء وفي تملك المباحات كإحياء الموات والاصطياد لأنه تملك مال بسبب لا يتعين عليه فجاز التوكيل فيه كالشراء.
الشيخ: أما أحياء الموات فلا شك أنه جائز فلو وَكَّلَ شخصاً أن يحي له مواتاً فلا بأس لكن الاصطياد والاحتشاش قد يتوقف فيهما الإنسان لأن هذا شيء يملكه الإنسان بفعله فيكون لمن اصطاد أو لمن حَشَّ لكن الفقهاء ﵏ يقولون لا بأس به ويكون اصطياده وكالة.
القارئ: وتجوز في عقد النكاح لأن النبي ﷺ وَكَّلَ عمرو بن أمية الضمري فتزوج له أم حبيبة وتجوز في الطلاق والعتاق والخلع والرجعة لأنها في معنى النكاح.
стр. 2095
الشيخ: الخلع هو فراق زوجته بعوض وليس طلاقاً بل هو فسخ واختلف العلماء ﵏ إذا وقع الخلع بلفظ الطلاق هل يكون فسخاً أو يكون طلاقاً فإن قلنا إنه طلاق حُسِبَ من الطلاق وإن قلنا إنه فسخ لم يحسب، ومثاله أن تطلب المرأة من زوجها أن يطلقها بعوض وليكن ألف ريال فطلقها على عوض ألف ريال وكان قد طلقها قبل ذلك مرتين فإذا قلنا إنه طلاق لم تحل له إلا بعد زوج وإذا قلنا إنه فسخ حلت له بعقد والقول الراجح أنه فسخ كالخلع وهو اختيار شيخ الإسلام ﵀ وقال ابن عباس ﵄ (كل ما كان فيه عوض فليس بطلاق) وأما قوله في حديث ثابت بن قيس (اقبل الحديقة وطلقها تطليقة) فهذه الكلمة (طلقها تطليقة) لا تصح وإذا لم تصح بقينا على الأصل أن هذا فراق بعوض فهو فداء كما سماه الله (فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِه) إذاً الخلع هو فراق الزوجة بعوض سواء كان بلفظ الفسخ أو الفداء أو الفراق أو الطلاق على القول الراجح، وأما الرجعة فهي أن تكون امرأة مطلقة فيوكِّل زوجها شخصاً فيقول له راجعها عني.
القارئ: وتجوز في إثبات الأموال والحكومة فيها حاضراً كان الموكل أو غائبا لما روي أن علياً وكَّل عقيلاً عند أبي بكر ﵃ وقال ما قضي عليه فعليَّ وما قضي له فلي ووكل عبد الله بن جعفر عند عثمان وقال إن للخصومة قحماً يعني مهالك وهذه قضايا في مظنة الشهرة ولم تنكر فكانت إجماعا ولأن الحاجة تدعو إلى ذلك بأن يكون له حق أو عليه ولا يحسن الخصومة أو لا يحب حضورها ويجوز التوكيل في الإقرار لأنه إثبات حق فأشبه البيع.
الشيخ: لكن في الإقرار يجب أن يحدد له فيقول أنت وكلي في الإقرار بما يدعيه عليَّ فلان ما لم يتجاوز عشرة آلاف مثلاً وعليه فيتقيد بما قيده الموكِّل.
стр. 2096
القارئ: ويجوز في إثبات القصاص وحد القذف واستيفائهما في حضرة الموكل وغيبته لأنه حق آدمي أشبه المال وقال بعض أصحابنا لا يجوز استيفاؤهما في غيبته وقد أومأ إليه أحمد ﵁ بأنه يجوز أن يعفو الموكل فيكون ذلك شبهة ويجوز التوكيل في حقوق الله تعالى المالية لأن النبي ﷺ بعث عماله لقبض الصدقات وتفريقها.
الشيخ: إذا وكل في القصاص فالإمام أحمد ﵀ أومأ إلى أنه لابد أن يحضر المُوكِّل لأنه ربما يوكله في القصاص في الصباح ثم يشار على المُوكِّل بأن يعفو عن القصاص فيعفو ويكون الوكيل قد أعتمد أن ينفذ القصاص، وما أومأ إليه الإمام أحمد ﵀ قوي خصوصاً في القصاص الذي يتضمن إتلاف نفس ولهذا بعض الناس الآن إذا كان له قصاص على شخص وطُلِبَ منه أن يعفو عنه ويسمح قال لا أسامح لا بد أن يجرى القصاص، فإذا حضر الناس صاح صاحب القصاص وقال اشهدوا أني عفوت عنه ابتغاء وجه الله، لأجل أن يكون هذا أوقع في نفس الذي يراد قصاصه وليكون هذا تشجيع للناس.
القارئ: وفي إثبات الحدود واستيفائها لأن النبي ﷺ قال (واغد يا أنيس على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها) متفق عليه.
стр. 2097
الشيخ: التوكيل في إثبات الحد في قوله (فإن اعترفت) وفي إقامته في قوله (فارجمها) وهذا الحديث استدل به من يرى أنه لا يشترط في الإقرار بالزنا التكرار وهو القول الراجح لا سيما إذا اشتهر كما في قصة هذه المرأة وأما الاستدلال باشتراط التكرار بالقياس على الشهادة وبكون الرسول ﷺ ردد ماعزاً ففيه نظر لأن الشهادة بالزنا لو ثبتت بالواحد لكان في ذلك انتهاك لأعراض الناس فاحتيط فيها بحيث لا يقبل الشهادة في الزنا إلا أربعة رجال وأما قصة ماعز فالظاهر والله أعلم أن الرسول ﵊ شك في أمره لأنه سأله فقال (أبك جنون) ومثل هذا لا يقال إلا لمن هو مشكوك فيه حتى أنه أمر من كان حاضراً أن (يقوم فيستنكهه) يعني يشمه هل هو شارب أو لا، فالصواب أن الإقرار بالزنا مرة واحدة يثبت به الحد لا سيما إذا اشتهر وبان كهذه القصة.
القارئ: ولا تجوز في العبادات البدنية لأن المقصود فعلها ببدنه فلا تحصل من فعل غيره إلا في الحج لما سبق في بابه.
الشيخ: قوله (إلا في الحج) نقول نعم لكن بشروط كما سبق منهما أن يكون عاجزاً عجزاً لا يرجى زواله فله أن يقيم من يحج عنه وقوله (في العبادات البدنية) احترازاً من العبادات المالية كالصدقات فإنه لا بأس بالتوكيل فيها.
فصل
القارئ: ولا تجوز في الأيمان والنذور لأنها تتعلق بعين الحالف فلا تدخلها النيابة ولا في الإيلاء واللعان والقسامة لأنها أيمان ولا في الشهادة لأن غيره لا يقوم مقامه في مشاهدته.
الشيخ: في الشهادة مثل أن يأمر شخص يقول يا فلان اذهب فاشهد عني، والذي يؤدي الشهادة هذا الموكَّل فهذا لا يصح لأن الشهادة يشترط فيها العلم ومثل هذا لا يحصل به العلم أما لو قال اذهب يا فلان اشهد لأني مشغول والذي يؤدي الشهادة هذا الوكيل فلا بأس بها.
القارئ: ولا في الاغتنام لأنه يتعلق بالحضور فإذا حضر النائب كان السهم له ولا في الالتقاط لأنه بأخذه يصير لملتقطه.
فصل
стр. 2098
القارئ: ولا يصح التوكيل في شيء مما لا يصح تصرفه فيه لأن من لا يملك التصرف بنفسه فبنائبه أولى.
الشيخ: قوله (مما لا يصح تصرفه فيه) أيهما يقصد الوكيل أم الموكِّل؟ الجواب يشمل الموكِّل والوكيل لكن مراد المؤلف هنا الموكِّل.
القارئ: فلا يصح توكيل طفل ولا مجنون ولا سفيه لذلك ولا توكيل المرأة في النكاح ولا الفاسق في تزويج ابنته ولا المسلم لذمي في شراء خمر لذلك فأما من يتصرف بالإذن كالعبد والصبي والوكيل فإن أذن لهم في التوكيل جاز وإن نهوا عنه لم يجز وإن أطلق لهم الإذن فلهم التوكيل فيما لا يتولون مثله بأنفسهم أو يعجزون عنه لكثرته لأن تفويضه إليهم مع العلم بهذا إذن في التوكيل وفيما سوى ذلك روايتان إحداهما لا يجوز لهم التوكيل لأنهم يتصرفون بالإذن فاختص بما أذن فيه ولم يؤذن في التوكيل والثانية يجوز لأنهم يملكون التصرف بأنفسهم فملكوه بنائبهم كالمالك الرشيد.
الشيخ: والصحيح أنهم لا يملكون هذا وذلك لأن المُوَكِّل قد يعتمد على فلان ولا يعتمد على فلان فقد يرى أن هذا فيه الكافية في معرفة الأمور والمماكسة وما أشبه ذلك ولا يرى أن غيره يقوم مقامه لكن في مثل هذه الحال إذا كان الوكيل يخشى أن لا يتمكن فليطلب من المُوَكِّل الإذن من قبل فيقول يا فلان أنا مستعد أن أباشر الشيء بنفسي لكن إذا كان هناك مانع أتأذن لي أن أُوكِّلَ غيري، فإذا قال نعم فله أن يُوَكِّلَ، وإن قال لا، فهنا يقول له إذاً لا أتوكل عنك.
وهذا الذي ذكرته يظهر جداً فيما يختلف فيه القصد فلو وَكَّلَ شخصاً يحج عنه لأنه يرضاه في دينه وفي علمه ثم جاء هذا المُوَكَّل ووكَّل آخر ليحج عن الأول فالوكالة غير صحيحة فلا تصح لأني قد أرضى أن يحج عني محمد ولا أرضى أن يحج عني زيد.
القارئ: فإن قال لوكيله اصنع ما شئت ملك التوكيل لأنه مما يشاء وولي اليتيم كالوكيل فيما ذكرناه.
стр. 2099
الشيخ: قوله (وولي اليتيم كالوكيل فيما ذكرناه) فيه نظر ظاهر لأن ولي اليتيم كالمالك إذ أن ولايته ثابتة بإذن الشارع فهي أصلية وأصيلة بخلاف الوكيل فالصواب أن على ولي اليتيم أن يعمل بما يراه أصلح كما قال (وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) وأما أن يقال له لا توكل أحداً!! فإن هذا فيه نظر لأنه قد يرى ولي اليتيم أن من المصلحة أن يوكل غيره.
القارئ: ويملك الولي في النكاح التوكيل فيه من غير إذن المرأة لأن ولايته من غير جهتها فلم يعتبر إذنها في توكيله كالأب وخرج القاضي غير ولاية الإجبار على الروايتين في الوكيل والفرق بينهما ظاهر.
الشيخ: قوله (غير ولاية الإجبار) يعني أن الأخ لا يجبر أخته على النكاح أما البنت فالمذهب أن أباها يجبرها والصحيح أنه لا إجبار.
فصل
القارئ: ومن ملك التصرف لنفسه جاز له أن يتوكل فيه ومن لا فلا فيجوز توكيل الفاسق في قبول النكاح ولا يجوز في الإيجاب لأنه يجوز أن يقبل النكاح لنفسه.
الشيخ: من ملك التصرف لنفسه في شيء من الأشياء جاز أن يتوكل فيه والأمثلة تدل على ذلك ومن لا فلا، وعلى هذا فإذا وكَّل الأب فاسقاً في تزويج بنته فإنه لا يجوز لأنه يشترط في الولي أن يكون عدلاً، ولو وكَّل الزوج فاسقاً في قبول النكاح جاز لأنه لا يشترط في القبول أن يكون عدلاً.
القارئ: وقال القاضي لا يجوز فيهما لأن من لا يجوز أن يكون وكيلاً في إيجابه لا يكون وكيلاً في قبوله كالمرأة.
الشيخ: الصواب الكلام الأول وقول القاضي ضعيف.
القارئ: ويجوز توكيل المرأة في الطلاق لأنه يجوز توكيلها في طلاق نفسها فجاز في غيرها.
стр. 2100
الشيخ: هذا فيه نظر فقياس التوكيل بطلاق غيرها على التوكيل بطلاق نفسها فيه نظر، لأنه من المعلوم أنها إذا وُكِّلت في طلاق نفسها فإنها لن تُطلِّقَ إلا حيث رأت المصلحة في التطليق لكن لو وُكِّلت بطلاق غيرها فقد تُطلِّق هذا الغير وهي تعلم أنه ليس من مصلحته لكن حقداً أو كراهية أو ما أشبه ذلك فالصحيح أن المرأة أن تُوَكَّل في طلاق نفسها كما يجوز أن تُخير، وقد أمر الله نبيه ﷺ أن يخير نسائه، وأما توكيلها في طلاق غيرها ففي صحته نظر ووجه هذا النظر أنها قد لا تراعي المصلحة في طلاق غيرها وربما إذا لم تكرمها هذه المرأة التي وُكِّلت بطلاقها فإنها تُطَلِّقُها على الفور.
القارئ: ولا يجوز للعبد والمكاتب التوكيل إلا بإذن سيدهما ولا الصبي إلا بإذن وليه وإن كان مأذونا له في التجارة لأن التوكيل ليس من التجارة فلا يحصل الإذن فيه إلا بالإذن فيها.
السائل: توكيل الرجل الفاسق في تزويج ابنته هذا يحصل كثيراً خصوصاً لمن لا يعيش في هذه البلاد فهل يشترط في الولي العدالة؟
الشيخ: سيأتينا إن شاء الله أنه ليس من شرط الولي أن يكون عدلاً ولو قلنا بهذا القول فإنه ما بقى أحد يزوج بنته فمن من الناس مَنْ يكون سالماً من الكبائر أو الإصرار على الصغائر إلا نادراً فالغيبة الآن مثلاً هي فاكهة المجالس عند كثير من الناس.
فصل
القارئ: وتصح الوكالة بكل لفظ دل على الإذن وبكل قول أو فعل دل على القبول مثل أن يأذن له في بيع شيء فيبيعه ويجوز القبول على الفور والتراخي نحو أن يبلغه أن فلاناً وكله منذ عام فيقول قبلت لأنه إذن في التصرف فجاز ذلك فيه كالإذن في الطعام.
стр. 2101
الشيخ: القبول بالقول أن يقول قبلت والقبول بالفعل أن يباشر بالفعل فلو قال وكَّلتُكَ أن تبيع السيارة فقال أيها الناس من يسوم ولم يقل قبلت فإن هذا يكون قبولاً بالفعل وظاهر كلام المؤلف أن إيجابها لا يصح بالقول ولكنه ليس كذلك فإنه حتى التوكيل يصح بالفعل مثاله أن يكون رجلاً قد أعدَّ هذا الدكان لبيع الأشياء ولم يقل أنه أعده لبيع التمر فجاء فوجد في الدكان أكياساً من التمر وهو معروف أنه يبيع في هذا الدكان فهذا يكون وكالة بالفعل لأن صاحب الكيس الذي جاء به لم يقل له وكَّلتُك لكنه مادام أنه وضعه في المكان الذي تباع فيه التمور فهذا يعني التوكيل وعليه فنقول تصح الوكالة بالقول وبالفعل إيجاباً وقبولاً.
القارئ: ويجوز تعلقيها على شرط نحو أن يقول إذا قدم الحاج فأنت وكيلي في كذا أو في بيع ثوبي.
الشيخ: في نسختي (أو فبع ثوبي) وعلى كل حال قصده أنه يجوز هذا وهذا سواءٌ قال وكلتك أن تبيع ثوبي أو قال فبع ثوبي.
فصل
القارئ: ولا تصح إلا في تصرف معلوم فإن وكله في كل قليل وكثير لم يصح لأنه يدخل فيه كل شيء فيعظم الغرر وإن كان وكله في بيع ماله كله أو ما شاء منه أو قبض ديونه كلها أو ما شاء منها أو الإبراء منها صح لأنه يعرف ماله ودينه فيعرف أقصى ما يبيع ويقبض فيقل الغرر وإن قال اشتر لي ما شئت أو عبداً بما شئت فقال أبو الخطاب لا يصح حتى يذكر النوع وقدر الثمن لأن ما يمكن شراؤه يكثر فيكثر الغرر وإن قدر له أكثر الثمن وأقله صح لأنه يقل الغرر وقال القاضي إذا ذكر النوع لم يحتج إلى تقدير الثمن لأنه إذن في أعلاه وقد روي عن أحمد فيمن قال ما اشتريت من شيء فهو بيننا أن هذا جائز وأعجبه وهذا توكيل في شراء كل شيء ولأنه أذن في التصرف فجاز من غير تعيين كالإذن في التجارة.
стр. 2102
الشيخ: والصحيح أن ذلك يصح مثل أن يقول وكَّلتُك في كل قليل أو كثير تشتريه من الميناء مثلاً أو من السوق، ومن المعلوم أنه إذا قال وكَّلتُك في كل شيء لا يريد أنه وكَّلَه في طلاق زوجاته أو إعتاق عبيده أو إيقاف أملاكه لا يريد هذا بل يريد في كل شيء يرى أن فيه مصلحة وهذا يقع كثيراً فقد يكون الموكِّل لا يعرف السوق ولا يعرف البيع والشراء فيوكِّلُ شخصاً فيقول أنت وكلي في كل شيء ترى فيه مصلحة فلا بأس بهذا.
فصل
القارئ: ولا يملك من التصرف إلا ما يقتضيه إذن الموكل نطقاً أو عرفا لأن تصرفه بالإذن فاختص ما تناوله الإذن فإذا وكله في الخصومة لم يملك الإقرار ولا الإبراء ولا الصلح لأن إذنه لا يقتضي شيئاً من ذلك وإن وكله في تثبيت حق لم يملك قبضه لأنه لم يتناوله النطق ولا العرف فإنه قد يرضى للتثبت من لا يأمنه على القبض وإن وكله في القبض فهل يملك تثبيته فيه وجهان أحدهما يملكه لأنه طريق القبض فكان التوكيل في القبض توكيلاً فيه والثاني لا يملكه لما ذكرنا في التي قبلها وإن وكله في البيع لم يملك الإبراء من ثمنه ويملك تسليم المبيع لأن العرف يتناوله ولأنه من تمام العقد وحقوقه ولا يتهم فيه ولا يملك قبض الثمن لأن اللفظ لا يتناوله وقد يرضى للبيع من لا يرضاه للقبض إلا أن تقتضيه الحال بأن يكون بحيث لو تركه ضاع.
стр. 2103
الشيخ: خلاصة هذا الفصل أن من وُكِّلَ في شيء لم يملك سوى ما وُكِّل فيه فإذا وكله في الخصومة فقال خاصم عني فلاناً وهو ما يسمى في العرف بالمحامي فإنه لا يملك الإبراء ولا يملك القبض وإنما يملك الإثبات فقط وما سوى ذلك فلا، وإذا وكَّله في البيع يقول الفقهاء: إنه لا يملك قبض الثمن لأنه قد يرضى للبيع من لا يرضاه لقبض الثمن وهذا صحيح إلا إذا عارضه العرف أو القرينة فمثال ما عارضه العرف أن يكون العرف عند الناس أن البائع وهو الدلال هو الذي يقبض الثمن، أو اقتضته الحال مثل أن يبيعه على شخص لا يعرفه فهنا لا بد أن يوثِّق الثمن وإما أن يقبضه، ولو وكَّلَه في القبض فهل يملك الخصومة أو لا يملك؟ الجواب لا يملك الخصومة لأنه ربما إذا خاصم لم يكن ألحن من خصمه فيغلبه الخصم ويكون المُوكِّل ألحن من الخصم فينتفع.
مسألة: هل يجوز أن يوكل الإنسان المحامي عنه؟ نقول إن خاف أن يضيع حقه فلا بأس وإن كان لا يخاف فلا داعي لأنه يُخْشَى أن يجلب له المحامي أشياء ليس لها أصل لكي يغلب بالبيان والقوة.
فصل
القارئ: فإن وكله في البيع في وقت لم يملكه قبله ولا بعده لأنه قد يختص غرضه به في زمن لحاجته فيه وإن وكله في بيعه لرجل لم يملك بيعه لغيره لأنه قد يقصد نفعه أو نفع المبيع بإيصاله إليه وإن وكله في بيعه في مكان الثمن فيه أكثر أو أجود لم يملكه في غيره لأنه قد يفوت غرضه وإن تساوت الأمكنة أو قدر له الثمن ملك ذلك لأن الغرض فيهما واحد فالإذن في أحدهما إذن في الآخر وإن وكله في بيع فاسد لم يملكه لأنه منهي عنه ولا يملك الصحيح لأنه لم يأذن له فيه وإن قدر له الثمن في البيع لم يملك البيع بأقل منه لأنه لم يأذن له فيه نطقاً ولا عرفا ويملك البيع بأكثر منه سواء كانت الزيادة من جنس الثمن أو غيره لأنه مأذون فيه عرفا لأنها تنفعه ولا تضره.
стр. 2104
الشيخ: قوله (ويملك البيع بأكثر منه ... ) نقول هذا ما لم يُحَدِّدْ له فيقول بعه على فلان بعشرة فهنا لا يجوز أن يبيعه بأكثر لأنه حدد وقد يريد نفع المشتري فقد يريد الموكِّل نفع المشتري ولا يريد أن تأخذ منه شيئاً أكثر فإذا باعه بأكثر فإنه لا يحل، لكن لو قال أبيعه بأكثر وأعطي المالك الذي وكلني العشرة فقط، قلنا هذا أشد جرماً لأنك ضررت الرجل الذي عين ولم تنفع الذي وكَّلك، إذاً نقول إذا باع بأكثر فالبيع صحيح إلا إذا علمنا أن للموكِّل غرضاً في عدم الزيادة فلا تجوز الزيادة.
القارئ: وإن باع بعضه بدون ثمن جميعه لم يجز وإن باعه بجميعه صح لما ذكرناه وله بيع باقيه لأنه أذن فيه ويحتمل أن لا يملكه لأنه حصل غرضه ببيع بعضه فلا يبقى الإذن في باقيه وإن وكله في شراء شيء لم يملك شراء بعضه لأن اللفظ لا يقتضيه.
الشيخ: قوله (لأن اللفظ لا يقتضيه) نقول إلا إذا دعت الحاجة إلى ذلك مثل أن يقول أريد عشرة كيلو من هذه السلعة فلا يجد عند صاحب الدكان إلا خمسة لكنه يعرف أنه سيجد الخمسة في مكان آخر فهنا نقول لا بأس أن يشتري خمسة من الأول ويشتري من الدكان الآخر خمسة، أما إذا كان فيه احتمال أن لا يجد سوى هذه الخمسة وقد وكَّله في عشرة فإنه لا يشتريها مثل أن يكون الرجل الذي عنده هذه السلعة لا توجد عند غيره ولكن لم يجد إلا خمسة منها فهنا نقول لا تشتر لأنه لم يجد البقية.
стр. 2105
القارئ: وإن قال له بعه بمائة درهم فباعه بعرض يساوي أكثر منها لم يجز لأنه لم يأذن فيه نطقاً ولا عرفا وإن باعه بمائة دينار أو بتسعين درهماً وعشرة دنانير ففيه وجهان أحدهما لا ينفذ لأنه خالفه في الجنس كالتي قبلها والثاني ينفذ لأنه مأذون فيه عرفا لأنه يرضى الدينار مكان الدرهم عرفا وإن وكله في بيع عبيد أو شرائهم ملك ذلك صفقة واحدة وصفقات لأن العرف جاري بكلا الأمرين وإن أمره بصفقة واحدة لم يملك التفريق وإن اشتراهم صفقة واحدة من رجلين جاز لأن الصفقة من جهته واحدة.
السائل: لو وكَّله في شراء شيء فاشترى بأكثر مما جرى به العرف فهل عليه الضمان؟
الشيخ: عليه ضمان الزيادة لأنه اشترى بأكثر من ثمنه ولذلك نقول إذا رأى أنه زائد فإنه يجب عليه أن يراجع الموكِّل.
السائل: وهل كذلك لو باع؟
الشيخ: نعم وكذلك لو باع بأقل.
السائل: هل يجوز للمسلم أن يوكل الذمي أو الكافر فيما يجوز له ويحرم على المسلم في بيع أو شراء أو إجارة ونحو ذلك مثل لباس الذهب للرجال أو الحرير أو الخمر؟
الشيخ: لا يجوز لأن الموكِّل لا يجوز له أن يبيع هذا الشيء.
السائل: ذكر أن شيخ الإسلام نقل عن بعض السلف هذه الصورة فهل هذا صحيح؟
الشيخ: لا، فليس كلام شيخ الإسلام في هذا بل هو في مسألة أخرى وهي أنه لمَّا أراد الكفار أن يبذلوا الخمر بدلاً عن الجزية منعهم عمر ﵁ وقال (وَلُّوهُم بيعها وخذوا ثمنها) وقوله (ولوهم بيعها) ليس معناه خذوها وبيعوها بل المعنى هم يبيعونها ويأتون بالدراهم لكم.
السائل: لو أن الوكيل أراد أن يتصرف فيما لم يؤذن له فيه ولكنه يعلم أنه إذا تصرف ثم راجع الموكِّل أنه يأذن له فهل له التصرف؟
الشيخ: لا بأس إذا كان فيه مصلحة مثل الرجل الذي وكَّله الرسول ﷺ أن يشتري به شاة أضحية بدينار فاشترى اثنتين وباع واحدة بدينار.
فصل
следующие страницы →