← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 96875

تعليقات ابن عثيمين على الكافي لابن قدامة

ابن عثيمين

Полный текст (2 447 стр.). Показаны 2101–2140 · переход к 2106.

стр. 2101

الشيخ: القبول بالقول أن يقول قبلت والقبول بالفعل أن يباشر بالفعل فلو قال وكَّلتُكَ أن تبيع السيارة فقال أيها الناس من يسوم ولم يقل قبلت فإن هذا يكون قبولاً بالفعل وظاهر كلام المؤلف أن إيجابها لا يصح بالقول ولكنه ليس كذلك فإنه حتى التوكيل يصح بالفعل مثاله أن يكون رجلاً قد أعدَّ هذا الدكان لبيع الأشياء ولم يقل أنه أعده لبيع التمر فجاء فوجد في الدكان أكياساً من التمر وهو معروف أنه يبيع في هذا الدكان فهذا يكون وكالة بالفعل لأن صاحب الكيس الذي جاء به لم يقل له وكَّلتُك لكنه مادام أنه وضعه في المكان الذي تباع فيه التمور فهذا يعني التوكيل وعليه فنقول تصح الوكالة بالقول وبالفعل إيجاباً وقبولاً. القارئ: ويجوز تعلقيها على شرط نحو أن يقول إذا قدم الحاج فأنت وكيلي في كذا أو في بيع ثوبي. الشيخ: في نسختي (أو فبع ثوبي) وعلى كل حال قصده أنه يجوز هذا وهذا سواءٌ قال وكلتك أن تبيع ثوبي أو قال فبع ثوبي. فصل القارئ: ولا تصح إلا في تصرف معلوم فإن وكله في كل قليل وكثير لم يصح لأنه يدخل فيه كل شيء فيعظم الغرر وإن كان وكله في بيع ماله كله أو ما شاء منه أو قبض ديونه كلها أو ما شاء منها أو الإبراء منها صح لأنه يعرف ماله ودينه فيعرف أقصى ما يبيع ويقبض فيقل الغرر وإن قال اشتر لي ما شئت أو عبداً بما شئت فقال أبو الخطاب لا يصح حتى يذكر النوع وقدر الثمن لأن ما يمكن شراؤه يكثر فيكثر الغرر وإن قدر له أكثر الثمن وأقله صح لأنه يقل الغرر وقال القاضي إذا ذكر النوع لم يحتج إلى تقدير الثمن لأنه إذن في أعلاه وقد روي عن أحمد فيمن قال ما اشتريت من شيء فهو بيننا أن هذا جائز وأعجبه وهذا توكيل في شراء كل شيء ولأنه أذن في التصرف فجاز من غير تعيين كالإذن في التجارة.

стр. 2102

الشيخ: والصحيح أن ذلك يصح مثل أن يقول وكَّلتُك في كل قليل أو كثير تشتريه من الميناء مثلاً أو من السوق، ومن المعلوم أنه إذا قال وكَّلتُك في كل شيء لا يريد أنه وكَّلَه في طلاق زوجاته أو إعتاق عبيده أو إيقاف أملاكه لا يريد هذا بل يريد في كل شيء يرى أن فيه مصلحة وهذا يقع كثيراً فقد يكون الموكِّل لا يعرف السوق ولا يعرف البيع والشراء فيوكِّلُ شخصاً فيقول أنت وكلي في كل شيء ترى فيه مصلحة فلا بأس بهذا. فصل القارئ: ولا يملك من التصرف إلا ما يقتضيه إذن الموكل نطقاً أو عرفا لأن تصرفه بالإذن فاختص ما تناوله الإذن فإذا وكله في الخصومة لم يملك الإقرار ولا الإبراء ولا الصلح لأن إذنه لا يقتضي شيئاً من ذلك وإن وكله في تثبيت حق لم يملك قبضه لأنه لم يتناوله النطق ولا العرف فإنه قد يرضى للتثبت من لا يأمنه على القبض وإن وكله في القبض فهل يملك تثبيته فيه وجهان أحدهما يملكه لأنه طريق القبض فكان التوكيل في القبض توكيلاً فيه والثاني لا يملكه لما ذكرنا في التي قبلها وإن وكله في البيع لم يملك الإبراء من ثمنه ويملك تسليم المبيع لأن العرف يتناوله ولأنه من تمام العقد وحقوقه ولا يتهم فيه ولا يملك قبض الثمن لأن اللفظ لا يتناوله وقد يرضى للبيع من لا يرضاه للقبض إلا أن تقتضيه الحال بأن يكون بحيث لو تركه ضاع.

стр. 2103

الشيخ: خلاصة هذا الفصل أن من وُكِّلَ في شيء لم يملك سوى ما وُكِّل فيه فإذا وكله في الخصومة فقال خاصم عني فلاناً وهو ما يسمى في العرف بالمحامي فإنه لا يملك الإبراء ولا يملك القبض وإنما يملك الإثبات فقط وما سوى ذلك فلا، وإذا وكَّله في البيع يقول الفقهاء: إنه لا يملك قبض الثمن لأنه قد يرضى للبيع من لا يرضاه لقبض الثمن وهذا صحيح إلا إذا عارضه العرف أو القرينة فمثال ما عارضه العرف أن يكون العرف عند الناس أن البائع وهو الدلال هو الذي يقبض الثمن، أو اقتضته الحال مثل أن يبيعه على شخص لا يعرفه فهنا لا بد أن يوثِّق الثمن وإما أن يقبضه، ولو وكَّلَه في القبض فهل يملك الخصومة أو لا يملك؟ الجواب لا يملك الخصومة لأنه ربما إذا خاصم لم يكن ألحن من خصمه فيغلبه الخصم ويكون المُوكِّل ألحن من الخصم فينتفع. مسألة: هل يجوز أن يوكل الإنسان المحامي عنه؟ نقول إن خاف أن يضيع حقه فلا بأس وإن كان لا يخاف فلا داعي لأنه يُخْشَى أن يجلب له المحامي أشياء ليس لها أصل لكي يغلب بالبيان والقوة. فصل القارئ: فإن وكله في البيع في وقت لم يملكه قبله ولا بعده لأنه قد يختص غرضه به في زمن لحاجته فيه وإن وكله في بيعه لرجل لم يملك بيعه لغيره لأنه قد يقصد نفعه أو نفع المبيع بإيصاله إليه وإن وكله في بيعه في مكان الثمن فيه أكثر أو أجود لم يملكه في غيره لأنه قد يفوت غرضه وإن تساوت الأمكنة أو قدر له الثمن ملك ذلك لأن الغرض فيهما واحد فالإذن في أحدهما إذن في الآخر وإن وكله في بيع فاسد لم يملكه لأنه منهي عنه ولا يملك الصحيح لأنه لم يأذن له فيه وإن قدر له الثمن في البيع لم يملك البيع بأقل منه لأنه لم يأذن له فيه نطقاً ولا عرفا ويملك البيع بأكثر منه سواء كانت الزيادة من جنس الثمن أو غيره لأنه مأذون فيه عرفا لأنها تنفعه ولا تضره.

стр. 2104

الشيخ: قوله (ويملك البيع بأكثر منه ... ) نقول هذا ما لم يُحَدِّدْ له فيقول بعه على فلان بعشرة فهنا لا يجوز أن يبيعه بأكثر لأنه حدد وقد يريد نفع المشتري فقد يريد الموكِّل نفع المشتري ولا يريد أن تأخذ منه شيئاً أكثر فإذا باعه بأكثر فإنه لا يحل، لكن لو قال أبيعه بأكثر وأعطي المالك الذي وكلني العشرة فقط، قلنا هذا أشد جرماً لأنك ضررت الرجل الذي عين ولم تنفع الذي وكَّلك، إذاً نقول إذا باع بأكثر فالبيع صحيح إلا إذا علمنا أن للموكِّل غرضاً في عدم الزيادة فلا تجوز الزيادة. القارئ: وإن باع بعضه بدون ثمن جميعه لم يجز وإن باعه بجميعه صح لما ذكرناه وله بيع باقيه لأنه أذن فيه ويحتمل أن لا يملكه لأنه حصل غرضه ببيع بعضه فلا يبقى الإذن في باقيه وإن وكله في شراء شيء لم يملك شراء بعضه لأن اللفظ لا يقتضيه. الشيخ: قوله (لأن اللفظ لا يقتضيه) نقول إلا إذا دعت الحاجة إلى ذلك مثل أن يقول أريد عشرة كيلو من هذه السلعة فلا يجد عند صاحب الدكان إلا خمسة لكنه يعرف أنه سيجد الخمسة في مكان آخر فهنا نقول لا بأس أن يشتري خمسة من الأول ويشتري من الدكان الآخر خمسة، أما إذا كان فيه احتمال أن لا يجد سوى هذه الخمسة وقد وكَّله في عشرة فإنه لا يشتريها مثل أن يكون الرجل الذي عنده هذه السلعة لا توجد عند غيره ولكن لم يجد إلا خمسة منها فهنا نقول لا تشتر لأنه لم يجد البقية.

стр. 2105

القارئ: وإن قال له بعه بمائة درهم فباعه بعرض يساوي أكثر منها لم يجز لأنه لم يأذن فيه نطقاً ولا عرفا وإن باعه بمائة دينار أو بتسعين درهماً وعشرة دنانير ففيه وجهان أحدهما لا ينفذ لأنه خالفه في الجنس كالتي قبلها والثاني ينفذ لأنه مأذون فيه عرفا لأنه يرضى الدينار مكان الدرهم عرفا وإن وكله في بيع عبيد أو شرائهم ملك ذلك صفقة واحدة وصفقات لأن العرف جاري بكلا الأمرين وإن أمره بصفقة واحدة لم يملك التفريق وإن اشتراهم صفقة واحدة من رجلين جاز لأن الصفقة من جهته واحدة. السائل: لو وكَّله في شراء شيء فاشترى بأكثر مما جرى به العرف فهل عليه الضمان؟ الشيخ: عليه ضمان الزيادة لأنه اشترى بأكثر من ثمنه ولذلك نقول إذا رأى أنه زائد فإنه يجب عليه أن يراجع الموكِّل. السائل: وهل كذلك لو باع؟ الشيخ: نعم وكذلك لو باع بأقل. السائل: هل يجوز للمسلم أن يوكل الذمي أو الكافر فيما يجوز له ويحرم على المسلم في بيع أو شراء أو إجارة ونحو ذلك مثل لباس الذهب للرجال أو الحرير أو الخمر؟ الشيخ: لا يجوز لأن الموكِّل لا يجوز له أن يبيع هذا الشيء. السائل: ذكر أن شيخ الإسلام نقل عن بعض السلف هذه الصورة فهل هذا صحيح؟ الشيخ: لا، فليس كلام شيخ الإسلام في هذا بل هو في مسألة أخرى وهي أنه لمَّا أراد الكفار أن يبذلوا الخمر بدلاً عن الجزية منعهم عمر ﵁ وقال (وَلُّوهُم بيعها وخذوا ثمنها) وقوله (ولوهم بيعها) ليس معناه خذوها وبيعوها بل المعنى هم يبيعونها ويأتون بالدراهم لكم. السائل: لو أن الوكيل أراد أن يتصرف فيما لم يؤذن له فيه ولكنه يعلم أنه إذا تصرف ثم راجع الموكِّل أنه يأذن له فهل له التصرف؟ الشيخ: لا بأس إذا كان فيه مصلحة مثل الرجل الذي وكَّله الرسول ﷺ أن يشتري به شاة أضحية بدينار فاشترى اثنتين وباع واحدة بدينار. فصل

стр. 2106

القارئ: وإن وكله في البيع وأطلق لم يملك البيع بأقل من ثمن المثل لأن أذنه تقيد بذلك عرفا لكون غير ذلك تضييعاً لماله وهو لا يرضاه ولو حضر من يطلبه بأكثر من ثمن المثل لم يجز بيعه بثمن المثل لأنه تضييع لمال أمكن تحصيله وإن باع بثمن المثل فحضر من يزيد في مدة الخيار لم يلزمه الفسخ لأنها زيادة منهي عنها ولا يأمن رجوع صاحبها عنها. الشيخ: قوله (منهي عنها) من قبل مَنْ؟ الجواب من قِبَلِ الزائد لأن الزائد هو المنهي عنه فإذا بِعْتَ هذا الكتاب على شخص ونحن في مجلس الخيار لم يجز لأحد أن يزيد في الثمن ويقول أنت في الخيار افسخ البيع وبع عليَّ لأن النبي ﷺ (نهى أن يسوم الرجل على سوم أخيه) وهذا أبلغ من سومه على سوم أخيه، إذاً الوكيل يتقيد بثمن المثل فلا يجوز النقص وأما الزيادة على ثمن المثل فلا بأس بها لأنها من مصلحة الموكِّل. القارئ: فإن باع بأقل من ثمن المثل أو بأقل مما قدر له فعنه البيع باطل لأنه غير مأذون فيه وعنه يصح ويضمن الوكيل النقص لأنه فوته ويصح البيع لأن الضرر يزول بالتضمين. الشيخ: لو قال بعه بعشرة وباعه بثمانية فهل يصح البيع أو لا؟ قيل إنه يصح ويضمن النقص وهو درهمان وقيل لا يصح لأنه إنما أذن له بمقدار معين فإذا تصرف على غير هذا الوجه فإنه لم يؤذن له فيه وكذلك يقال إذا كانت قيمتها عشرة وباعها بثمانية وإن لم يقدر له فهل يصح البيع أو لا يصح؟ الذي يظهر أن البيع صحيح لأنه في هذه الحال لم يحصل للموكِّل نقص ولو قلنا بعدم الصحة صار في ذلك ضرر على المشتري الذي اشتراه وانتهى وربما لا يعلم أن الموكِّل قد قدَّر الثمن أو لا يعلم أن ثمن المثل هو هذا الذي اشتراه بأقل منه فالقول الراجح في هذه المسألة أن البيع صحيح ويضمن النقص ووجه ذلك أنه لم يفوت على الموكِّل شيئاً هذا وجه وهناك وجه آخر أن الحق تعلق بثالث وهو المشتري.

стр. 2107

القارئ: ولا عبرة بما يتغابن الناس به كدرهم في عشرة لأنه لا يمكن التحرز منه وهل يلزم الوكيل جميع النقص أم ما بين ما يتغابن الناس به ومالا يتغابنون به على وجهين. الشيخ: في هذه المسألة هل نقول لو باع بأنقص إنه يضمن كل النقص أو يضمن ما زاد على ما يتغابن به الناس فمثلاً إذا كان ثمن المثل عشرة وباعه بتسعة ونصف فهل يضمن؟ الجواب لا يضمن لأن هذا مما يتغابن به الناس فنصف من عشرة تعني واحد من عشرين وهذا جرت به العادة فتجد هذا يبيع بعشرة وذا بتسعة ونصف وذا بأحد عشر فهذا ما يتغابن الناس به، لكن إذا قلنا إنه باعه بثمانية فهل يضمن ريال ونصف أو يضمن ريالين فهذه هي المسألة التي ذكر المؤلف أنها على وجهين أي هل يضمن النقص كله أو يضمن النقص الزائد على ما يتغابن به الناس والراجح ما دل عليه الدليل. القارئ: وكل موضع قلنا لا يملك البيع والشراء فحكمه فيه حكم الأجنبي وقد ذكرناه لأن هذا غير مأذون فيه. الشيخ: قوله (فحكمه فيه حكم الأجنبي) يشير المصنف هنا إلى تصرف الفضولي فإذا قلنا أنه لا يصح لكن وافق الموكِّل فالصحيح أنه إذا وافق فلا بأس وأن جميع التصرفات الفضولية إذا أقرها مَن الحق له فهي ماضية نافذة ويدل لهذا أن أبا هريرة ﵁ أذن للذي أخذ من الطعام ولم يضمِّنه الرسول ﷺ بل وافق على فعله. فصل القارئ: وإن وكله في الشراء فأطلق لم يجز أن يشتري بأكثر من ثمن المثل لما ذكرنا وإن اشترى بأقل من ثمن المثل أو أقل مما قدر له صح لأنه مأذون فيه عرفا فإن قال لا تشتره بأقل من مائة لم يملك مخالفته لأن نصه مقدم على دلالة العرف.

стр. 2108

الشيخ: إذا قال لا تشتره بأقل من مائة فالمصنف يرى أنه لا يملك أن يشتري بتسعين لكن هل نقول في هذه الحال يجوز للوكيل أن يشتري بمائة؟ الجواب لا يجوز لأن في هذا ضرر على عامة الناس لأن البائع إذا باع بمائة فسوف يجعل هذا قاعدة يبيع بها وقد كان في الأول يبيع بتسعين فلاحظوا هذه المسألة فإن مسألة البيع والشراء لها تعلق بشخص ثالث فنحن نقول إذا قال اشتر بمائة ولا تشتر بأقل فإننا نقول لا يمكن أن يبذل مائة فيما هو في السوق بتسعين لأن في هذا ضرر على الناس لكن لو علمنا أن قوله اشتر بمائة يعني من الطيب فهنا لا يشتر بأقل وهذا هو الذي يقع عند كثير من العامة يقول اشتر لي من الجيد الذي سعره مائة فمعنى ذلك أي لا تشتر لي من الذي سعره بتسعين أو ثمانين فإذا علمنا أن مراده الجيد فالأمر ظاهر لا بأس به فلا يشتر بأقل. القارئ: وإن قال اشتره بمائة ولا تشتره بخمسين فله شراؤه بما فوق الخمسين لأنه باق على دلالة العرف وإن قال اشتر لي عبداً وصفه بمائة فاشتراه بدونها جاز. الشيخ: قوله (وصفه بمائة) يعني قال اشتر لي عبداً صفته كذا وكذا بمائة وعليه فنقول قوله (وصفه) تابعٌ للذي قبلها ويحسن أن تقف فتقول اشتر لي عبداً وصفه فتقف ثم تقول بمائة. القارئ: وإن خالف الصفة لم يلزم الموكل وإن لم يصفه فاشترى عبداً يساوي مائة بأقل منها جاز وإن لم يساو المائة لم يلزم الموكل وإن ساوى ما اشتراه به لأنه خالف غرضه وإن قال اشتر لي شاة بدينار فاشترى شاتين تساوي إحداهما ديناراً صح لحديث عروة ولأنه ممتثل للأمر بإحداهما والثانية زيادة نفع وإن لم تساو ديناراً لم يصح فإن باع الوكيل شاة وبقيت التي تساوي دينارا فظاهر كلام أحمد صحته لحديث عروة ولأنه وفى بغرضه فأشبه إذا زاد على ثمن المثل.

стр. 2109

الشيخ: لا شك أن ظاهر كلام أحمد هو الصحيح وهذا مما يدل على أن تصرف الفضولي صحيح وجائز إذا أجازه الآخر فما المانع، لأن هذا ليس ممنوعاً لحق الله حتى نقول إنه لا يجوز ولو تراضى الطرفان بل هو لحق آدمي فإذا وافق على البيع أو الشراء فلا بأس. فصل القارئ: وإن وكله في الشراء نسيئة فاشترى نقدا لم يلزم الموكل لأنه لم يؤذن له فيه وإن وكله في الشراء بنقد فاشترى بنسيئة أكثر من ثمن النقد لم يجز لذلك وإن كان بمثل ثمن النقد وكان فيه ضرر مثل أن يستضر بحفظ ثمنه فكذلك وإذا لم يستضر به لزمه لأنه زاده خيرا وإن أذن له في البيع بنقد لم يملك بيعه نسيئة وإن أذن له في البيع نسيئة فباع بنقد فهي كمسألة الشراء سواء وإن عين له نقداً لم يبع إلا به. الشيخ: المعنى أن الشراء إن كان نقداً يوجب نقص الثمن فإنه لا يجوز وكذلك إذا كان النقد يؤدي إلى ضرر الموكِّل بحيث يكون الزمن زمن خوف وإذا قبض الثمن الآن فهو على خطر وإذا تأخر إلى زوال الخوف فهو آمن، فالمهم أنه إذا كان للموكِّل غرض بأن يكون البيع نسيئة فإنه لا يجوز للوكيل أن يبيع نقداً. القارئ: وإن أطلق لم يبع إلا بنقد البلد لأن الإطلاق ينصرف إليه فإن كان فيه نقدان باع بأغلبهما وإن قدر له أجلاً لم تجز الزيادة عليه لأنه لم يرض بها وإن أطلق الأجل جاز وحمل على العرف في مثله لأن مطلق الوكالة يحمل على المتعارف ولا يملك الوكيل في البيع والشراء شرط الخيار للعاقد معه لأنه لا حظ للموكل فيه وله شرط الخيار لنفسه ولموكله لأنه احتياط له. فصل

стр. 2110

القارئ: إذا قال اشتر لي بعين هذا الثمن فاشترى له في ذمته لم يقع للموكل لأنه لم يرض بالتزام شيء في ذمته فلم يجز إلزامه وإن قال اشتر لي في ذمتك ثم انقد هذا فيه فاشتراه بعينه صح للموكل لأنه أمره بعقد يلزمه به الثمن مع بقاء الدينار وتلفه فعقد له عقداً لا يلزمه مع تلفه فزاده خيرا ويحتمل أن لا يصح لأنه أراد عقداً لا يبطل باستحقاقه ولا تلفه ففوت ذلك وإن أطلق فله الأمران لأن العرف جار بهما. الشيخ: هذا الفصل لا يكاد يعرفه إلا طلبة العلم إن عرفوه والعامي لا يفرق بين أن يقول اشتر لي بهذا الدينار أو اشتر لي في ذمتك وانقد هذا الدينار لكن الفقهاء جزاهم الله خيراً يصورون المسائل وقد تكون نادرة الوقوع تمريناً للطالب ولأنه ربما يحتاج إليها في يوم من الأيام. السائل: إذا قال الوكيل لموكله اشتر لي هذه الحاجة بمائة دينار مثلاً فهل للوكيل أن يتصرف لمصلحة نفسه فيشتريها بأقل من مائة ويأخذ الباقي؟ الشيخ: لا يجوز فهذا من الخيانة لأن بعض الناس قد يفعل هذا الشيء فيشتريها بثمن أرخص مما قُدِّر له أو أرخص من قيمة المثل ثم يبيعها على الموكِّل بأكثر وهذه خيانة فالواجب عليه إذا كان يريد أن يستفيد أن يقول وكِّلني أن اشتري لك بعوض وتبرأ ذمته.

стр. 2111

مسألة: لو أن البائع باع على الوكيل بأقل من ثمن المثل مراعاة له لأنه صاحبه ولو علم أن السلعة للآخر الذي وكَّله ما راعاه، فهل نقول في هذه الحال للوكيل أن يأخذ فرق ما بين ثمن المثل وما وقع عليه العقد؟ هذا محل نظر يعني قد يقول الإنسان له أن يأخذ ما بين القيمتين فمثلاً يشتريها من البائع الذي راعاه بثمانية وثمن المثل عشرة ويقول للموكِّل إن الثمن عشرة أو نقول مادام أنه وكله واشتراها الوكيل لموكله فالأعمال بالنيات ويكون ما نزل محاباة لهذا الشخص من حظ الموكِّل وهذا لا شك هو الأبرأ للذمة والأورع لكن إذا أراد أيضاً أن يكون صريحاً فليقل للبائع يا فلان أنا ما اشتريتها لي إنما اشتريتها لفلان فهذا يكون فيه مصلحة للبائع حتى لا ينزل شيء من الثمن وفيه إبراء للذمة ويقول للموكِّل اشتريتها بعشرة. فصل القارئ: وإن وكله في شراء موصوف لم يجز أن يشتري معيبا لأن إطلاق البيع يقتضي السلامة ولذلك يرد بالعيب فإن اشترى معيباً يعلم عيبه لم يقع للموكل لأنه مخالف له وإن لم يعلم بالعيب فالبيع صحيح كما لو اشترى لنفسه فإن علم الموكل فرضي به فليس للوكيل رده لأن الرد لحقه فسقط برضاه وللوكيل الرد قبل علمه لأنها ظلامة حصلت بعقده فملك دفعها كالمشتري لنفسه ولا يلزمه التأخير لأنه حق تعجل له وله أن يرضى به ويسقط خياره فإن حضر الموكل فرضي به استقر العقد وإن اختار الرد فله ذلك لأن الشراء له ولم يرض بالعيب فإن أنكر البائع كون الشراء للموكل فالقول قوله ويرد المبيع على الوكيل في أحد والوجهين لأنه ابتاع المعيب ومنعه الرد لرضاه بعيبه والثاني ليس له الرد عليه لأنه غير البائع وللمشتري أرش العيب لأنه فات الرد به من غير رضاه فإن تعذر ذلك من البائع لزم الوكيل لأنه ألزمه المبيع.

стр. 2112

الشيخ: إذا وكَّله في شراء موصوف بأن قال اشتر لي ناقة فليس له أن يشتري معيبة لأن الإطلاق يقتضي السلامة لكن لو اشتراها وهو لم يعلم فإن له الرد لأنه وكيل ولكن هل للبائع أن يقول أنت اشتريتها لفلان انتظر لا تفسخ العقد حتى تراجع موكِّلك؟ الجواب إذا قال هذا فليس للوكيل أن يقبل فله أن يقول أنا وكيل واشتريت معيباً ولي رده فإن حضر الموكِّل ورضي بالعيب فليس للوكيل رده لأنه إنما اشتراه للموكِّل وقد رضي بالعيب، أما إذا كان معيناً بأن قال اشتر لي جمل فلان أو بعير فلان فاشتراه فلا شيء عليه لأنه عيَّنه له لكن من الأمانة إذا علم أن فيه عيباً أن لا يشتره حتى يؤذنه ويخبره فلا يقول إن الرجل عين لي هذا بل نقول له أنت أمين ثم نقول ربما هو عيَّنه لك وهو لا يدري أن فيه عيباً ومن الأمانة أن تخبره فتقول أنت طلبت مني أن اشتري لك هذا الشيء المعين ولكن تبين لي أن فيه عيباً. القارئ: وإن قال البائع موكلك قد علم بالعيب فرضي به فالقول قول الوكيل مع يمينه أنه لا يعلم ذلك لأن الأصل عدمه فإن قال أخر الرد حتى يعلم موكلك لم يلزمه التأخير. الشيخ: قوله (أنه لا يعلم ذلك) نقول أو كذلك لا يعلم رضاه به فقد يقول أنا أدري أنه عَلِمَ لكن لا أَعْلَمُ أنه رضي فأحلف أنه لم يرض بذلك. القارئ: فإن أخر وقلنا الرد على الفور لم يسقط خياره ذكره القاضي لأنه لم يرض به ويحتمل أن يسقط لتركه الرد مع إمكانه فإن رده فقال الموكل قد كنت رضيته معيباً فصدقه البائع انبنى على عزل الوكيل قبل علمه لأن هذا كذلك وإن أنكره البائع فالقول قوله أنه لا يعلم ذلك وإن وكله في شراء شيء عينه فاشتراه فوجده معيباً ففيه وجهان أحدهما يملك الرد لأنه معيب لم يرض به العاقد والثاني لا يملكه بغير رضى الموكل لأنه قطع نظره واجتهاده بالتعيين فإن قلنا يملكه فحكمه حكم غير المعين. فصل

стр. 2113

القارئ: إذا وكله في قبض حقه من زيد فمات زيد لم يملك القبض من وارثه لأنه لم يتناوله إذنه نطقاً لأنهم غيره ولا عرفاً لأنه قد يرضى بقاء حقه عندهم دونه وإن قال اقبض حقي الذي قِبَلَ زيد فله القبض من وارثه لأن لفظه يتناول قبض الحق من غير تعرض للمقبوض منه. الشيخ: نُلاحظ هنا فرقاً دقيقاً فإذا قال اقبض ديني من زيد ثم مات زيد فإنه لا يملك قبضه من الوارث أما إذا قال اقبض حقي الذي عند زيد ومات فإنه يملك قبضه من الوارث أو قال اقبض حقي الذي قِبَلَ زيد فإنه يملك القبض من الوارث لكن مثل هذه التعبيرات قد يفهمها طالب العلم ولكن العامي لا يفهمها فللقاضي أن يرجع إلى عرف العوام وأنه إذا قال اقبض حقي من زيد فإنه يعني الحق الذي قِبَلَهُ سواء منه في عينه أو من وارثه إن مات. القارئ: وإن وكل وكيلين في تصرف لم يكن لأحدهما الإنفراد به لأنه لم يرض بأحدهما وإن وكله في قضاء دين تقيد بالإشهاد لأنه لا يحصل الاحتياط إلا به فإن قضاه بغير بينة فأنكر الغريم ضمن لتفريطه.

стр. 2114

الشيخ: وظاهر كلام المؤلف ﵀ أنه يضمن سواء كان الدين قليلاً أو كثيراً ولكن تعليله يدل على التفريق بين القليل والكثير فلو قلت يا فلان هذه عشرة ريالات أعْطاه لصاحب هذه البقالة، فَأَعطاهَا له ولم يُشهد ثم إن صاحب البقالة أنكر إما نسياناً أو عمداً فكلام المؤلف يدل على أن هذا الوكيل يضمن سواء كان بأجرة أو بغير أجرة لأنه مفرط والواجب أن يُشهد فيأخذ مثلاً رجلين ليشهدا على عشرة ريالات فالحكم الذي قاله المؤلف يقتضي أنه يُضمِّنه الوكيل والتعليل يقتضي أنه لا يضمن لأن الناس لا يعدون هذا تفريطاً فكل الناس يوفون عشرة وعشرين ريال وما أشبه ذلك بغير بينة ولو أنك قلت لصاحب دكان مثلاً تشتري منه حوائج أنا لا يمكن أن أوفيك إلا بحضور الشهود فإن غالب الظن أنه لا يعاملك فيما بعد أبداً لكن الشيء الكبير كألف ريال وألفين ريال وما أشبه ذلك لابد أن يكون الوكيل مشهداً على القبض والآن والحمد لله صار هناك شيء يسير وهو الفاتورة فالآن ممكن للوكيل أن يقول أعطني فاتورة وتكون هذه الفاتورة سنداً ووثيقةً على الغريم الذي استوفى حتى ولو بخمسة ريالات أو عشرة أو أكثر أو أقل. القارئ: وإن أشهد بينة عادلة فماتت أو غابت لم يضمن لأنه لا تفريط منه وإن قضاه بحضرة الموكل من غير إشهاد ففيه وجهان أحدهما يضمن لأنه ترك التحفظ والثاني لا يضمن لأنه إذا كان المؤدى عنه حاضرا فهو التارك للتحفظ. الشيخ: الصحيح أنه لا يضمن لأن الموكل موجود والتفريط منه فلو قال مثلاً هذه عشرة آلاف ريال اعطها فلاناً وصادف أن فلاناً هذا حضر قبل أن يسلمها إليه وسلمها بحضرته فلا ضمان على الوكيل لأنه إن كان هناك تفريط فهو من الموكِّل. القارئ: وإن قضاه ببينة مختلف فيها ففيه وجهان أحدهما يضمن لأنه ترك التحفظ والثاني لا يضمن لأنها بينة شرعية أشبهت المجمع عليها. فصل

стр. 2115

القارئ: إذا اشترى لموكله ثبت الملك للموكل لأنه قبل العقد لغيره فوجب أن ينقل الملك إلى ذلك الغير كما لو تزوج لغيره ويثبت الثمن في ذمته أصلاً وفي ذمة الوكيل تبعا وللبائع مطالبة من شاء منهما كالضمان في أحد الوجهين وفي الآخر لا يثبت إلا في ذمة الموكل وليس له مطالبة غيره. الشيخ: وظاهر كلامه سواء علم البائع أنه وكيل لفلان أو لم يعلم فله مطالبة الموكِّل والوكيل ولكن الراجح أنه إذا علم أن هذا وكيل فليس له مطالبته وإنما يطلب من الموكِّل فإن علم بعد ذلك أنه وكيل وهذا الوكيل فقير لا يمكن مطالبته فذهب للموكِّل فقال له طريقك على الذي اشترى منك أما أنا ما اشتريت منك، فهل يملك الموكِّل هذا لا؟ الجواب لا يملك لأنه قد علم أنه وكيله فيقول أنت الأصل ومطالبتي للوكيل فرع، لأن الذي ملك هذا المبيع هو الموكِّل. القارئ: فإن دفع الثمن فوجد البائع به عيبا فرده على الوكيل فتلف في يده فلا شيء عليه لأنه أمين وللبائع المطالبة بالثمن لأنه دين له فأشبه سائر ديونه وللوكيل المطالبة به لأنه نائب للمالك فيه. فصل القارئ: والوكالة عقد جائز من الطرفين لكل واحد منهما فسخها لأنه إذن في التصرف فملك كل واحد منهما إبطاله كالإذن في أكل طعامه وإن أذن لوكيله في توكيل آخر فهما وكيلان للموكل لا ينعزل أحدهما بعزل الآخر ولا يملك الأول عزل الثاني لأنه ليس بوكيله وإن أذن له في توكيله عن نفسه فالثاني وكيل الوكيل ينعزل ببطلان وكالة الأول وعزله له لأنه فرعه فثبت فيه ذلك كالوكيل مع موكله وللموكل عزله وحده لأنه متصرف له فملك عزله كالأول.

стр. 2116

الشيخ: هذه المسائل من الأشياء التي تخفى على العوام فإذا أذن له أن يوكِّل صار وكيلاً وإن أذن له أن يوكِّل عن نفسه فالوكيل هو الأول، مثاله إذا قال يافلان أنا وكَّلْتُكَ أن تبيع هذا الشيء ووَكِّل أنت مَنْ شئت، أي وكِّل في بيعه عني فحينئذ يكون للموكِّل وكيلان، الأول والمأذون له أما إذا قال وكِّل عنك فالوكيل الثاني وكيل عن الوكيل الأول فللأول أي الوكيل الأول أن يعزل الثاني لأنه وكيله، ففي الصورة الأولى ليس له ذلك لأنه وكيل الموكل وهذه من العبارات الدقيقة التي يُفَرَّقُ فيها بين عبارتين متقاربتين. السائل: إذا أُعطي الشخص عشرة آلاف لسداد دين فهل يصح له أن يعطي بدلها شيك بالمبلغ ويُبقي العشرة آلاف عنده؟ الشيخ: الظاهر أنه ليس له ذلك لأن ذلك سوف يتعب الغريم بالذهاب إلى البنك وحمل الشيك وما أشبه ذلك فقد يكون فيه ضرر وإذا أراد فعل ذلك فإنه يطلب من الوكيل أن يودعها في حسابه ثم هو يوفي صاحب الدين ويحوِّل المال إلى حسابه. فصل القارئ: وإذا خرج الموكل عن أهلية التصرف لموت أو جنون أو حجر أو فسق في ولاية النكاح بطلت الوكالة لأنه فرعه فيزول بزوال أصله. الشيخ: قوله (لأنه) أي الوكيل (فرعه) أي فرع الموكِّل. القارئ: فإن وجد ذلك أو عزل الوكيل فهل ينعزل قبل علمه فيه روايتان إحداهما ينعزل لأنه رفع عقد لا يفتقر إلى رضاه فلم يفتقر إلى علمه كالطلاق والثانية لا ينعزل لأنه أمر فلا يسقط قبل علمه بالنهي كأمر الشارع.

стр. 2117

الشيخ: الصواب أنه لا ينعزل قبل علمه لأنه يترتب على هذا مفاسد منها لو وكَّل رجلاً في القصاص فذهب الوكيل واقتص من الجاني فعزله الموكِّلُ قبل أن يقتص فإذا قلنا إنه ينعزل قبل العلم وجب عليه القصاص لأنه قتله متعمداً إلا أن يرفع ذلك بالشبهة فهذا شيء آخر وكذلك أيضاً لو أمره أن يبيع بيته ثم باعه وأثبته بالوثيقة عند كاتب العدل أو عند القاضي وكان قد عزله قبل أن يبيع البيت فعلى القول بأنه ينعزل قبل العلم يكون البيع باطلاً، فالصواب أنه لا ينعزل قبل العلم لأنه تصرف تصرفاً لم يثبت زواله والأصل بقاء الوكالة فالرجل غير معتدي ولا ظالم بل هو تصرف بحق، ومن ذلك أيضاً لو حصل من هذا الوكيل أن تصرف وقد أصيب الموكِّلُ بالجنون مثلاً وهو لم يعلم فعلى كلام المؤلف يكون تصرفه غير صحيح على القول بأنه ينعزل وعلى القول الثاني يكون تصرفه صحيحاً. القارئ: وإن أزال الموكل ملكه عن ما وكله فيه بإعتاق أو بيع أو طلاق التي وكله في طلاقها بطلت الوكالة لأنه أبطل محليته. الشيخ: هذه المسألة تنبني على مسألة العزل قبل العلم لكن مراد المؤلف إذا علم الوكيل أن موكِّله أعتق العبد فقال مثلاً خذ هذا العبد بعه ثم إنه أي المالك أعتقه فهنا تبطل الوكالة، أو قال بع هذه الدار ثم علم الوكيل أن صاحبه باعها فإن الوكالة هنا تبطل لأن تصرفه فيها بالبيع يدل على أنه عدل عن الوكالة ولكن لو قال الوكيل أنه قد تعب بالسوم عليها والمناداة وما أشبه ذلك فهل يستحق على ذلك أجرة أو لا؟ الصحيح أنه يستحق لأن الفسخ الآن من قِبَلِ الموكِّل وأما الوكيل فلم يحدث منه أي تقصير، ولو قلنا إنه لا يلزمه لصار كل إنسان يوكِّلُ شخصاً يسوم على هذا البيت فإذا سام عليه وتعب في ذلك ذهب الموكِّلُ إلى آخر ثم باع عليه وترك الوكيل بلا شيء، فالصواب أنه يستحق أجرة المثل أو مما قدِّر له بقدر ما تعب فيه.

стр. 2118

قوله (طلاق التي وكله في طلاقها) مثاله إنسان وكل شخصاً فقال وكَّلتُك في طلاق امرأتي ثم قام الزوج فطلق زوجته فهل يقول الوكيل أنا أطلقها أيضاً؟ الجواب لا، لكن لو قال قائل هي الآن في العدة وهي رجعية والرجعية يلحقها الطلاق على كلام الفقهاء فهل يملك الوكيل أن يطلق الآن؟ الجواب نقول لا يملك ذلك وإن كانت رجعية يلحقها الطلاق لأننا لو قلنا أن الرجعية يلحقها الطلاق فإن الوكيل لا يملك الطلاق كما لو وكَّلَه في طلاقها مرة واحدة فإنه لا يملك أن يطلقها مرتين. القارئ: وإن وطئ الزوجة أو دبر العبد أو كاتبه بطلت الوكالة لأن ذلك يدل على رجوعه إذ لا يجتمع مقصود هذه التصرفات مع البيع والوطء يدل على رغبته في زوجته. الشيخ: في مسألة الوطء قد يقول قائل هذا لا يدل على أنه عدل عن توكيله في الطلاق، وقد يقال أنه عدل لأن كونه يطأ زوجته يمتنع أن يطلق الوكيل في هذه الحال لأن الطلاق في طهر جامع فيه لا يجوز والقاعدة في هذا أن كل تصرف من الموكِّل يدل على رجوعه عن الوكالة فإنه يقتضي بطلان الوكالة. القارئ: وإن وكله في الشراء بدينار فتلف بطلت الوكالة فإن تلف بتفريطه فغرمه هو أو غيره لم يملك الشراء ببدل لأن الوكالة بطلت بتلفه. فصل القارئ: ولا تبطل بالنوم والسكر والإغماء لأنه لا تثبت الولاية به. الشيخ: الإنسان إذا نام فإنه لا يكون لأحد عليه ولاية أو سَكِرَ أو أغمي عليه فإذا كان لا تثبت الولاية عليه بذلك فإنه لا تثبت الوكالة. القارئ: ولا بالردة لأنها لا تمنع ابتداء وكالته فلا تمنع استدامتها ولا بالتعدي فيما وكل فيه كلبس الثوب وركوب الدابة لأن العقد يتضمن أمانة وتصرفا فإذا بطلت الأمانة بقي التصرف كالرهن المتضمن وثيقة وأمانة وإن وكله في بيع عبد ثم باعه المالك بيعاً فاسداً لم تبطل الوكالة لأن ملكه فيه لم يدل ولا يؤول إلى الزوال.

стр. 2119

الشيخ: الصواب أنه إذا باعه بيعاً فاسداً يعتقد صحته فإن الوكالة تبطل لأن هذا تصرف يدل على عدوله عن التوكيل أما إذا باع بيعاً فاسد وهو يعلم أنه فاسد فإن الوكالة لا تبطل كما لو باع الوكيل بعد أذان الجمعة الثاني ما وكله في بيعه فهنا نقول إذا كان الوكيل يعلم أن البيع فاسد فهذا بيع لاغي لا يترتب عليه أثره أما إذا كان لا يعلم فلا شك أن بيعه إياه دال على فسخ الوكالة. القارئ: وإن وكل زوجته ثم طلقها لم تنعزل لأن الطلاق لا ينافي الوكالة ولا يمنع ابتداءها. الشيخ: المعنى أنه وكَّلَ زوجته في بيع شيء أو شراء شيء ثم طلقها فإنها لا تنعزل عن الوكالة لأن الطلاق لا ينافي الوكالة. القارئ: وإن وكل عبده ثم أعتقه أو باعه فكذلك ويحتمل أن ينعزل لأن أمره لعبده استخدام وليس بتوكيل في الحقيقة. الشيخ: الاحتمال الثاني هو الصحيح لأنه حين يأمر عبده ويقول يا فلان بع هذا الشيء فهذا ليس بتوكيل بل هو استخدام ولأن العبد بالعتق ملك نفسه فلا أمر لسيده عليه. فصل القارئ: ويجوز التوكيل بجعل لأنه تصرف لغيره لا يلزمه فجاز أخذ العوض عنه كرد الآبق وإذا وكَّلَه في البيع بجعل فباع استحق الجعل قبل قبض الثمن لأن البيع يتحقق قبل قبضه فإن قال في التوكيل إذا سلمت إليَّ الثمن فلك كذا وقف استحقاقه على التسليم إليه لاشتراطه إياه. الشيخ: ما ذكره أولاً خلاف ما عليه العمل الآن فالوكيل بالبيع لا يستحق الجعل إلا إذا سلم الثمن فالدَّلال الآن لو أنه باع السيارة والسيارة عليها خمسمائة ريال فباعها ثم جاء لصاحبها وقال لقد بعت السيارة أعطني الخمسمائة ريال فعلى كلام المؤلف أنه يُلزم بتسليمه خمسمائة ريال ولكن الصحيح أنه لا يلزم لأن كونه يقول لك على بيعها خمسمائة ريال معروف عرفاً واضحاً أن المراد خمسمائة ريال من الثمن. القارئ: وإن قال بع هذا بعشرة فما زاد فهو لك صح وله الزيادة لأن ابن عباس كان لا يرى بذلك بأسا.

стр. 2120

الشيخ: هذا صحيح بشرط أن يكون الموكِّل عنده علم بالثمن أما إذا لم يكن عنده علم بالثمن فيجب على الوكيل أن يقول يساوي أكثر مثال ذلك رجل اشترى ثوب بعشرة وارتفع السعر ارتفاعاً فاحشاً فصار هذا الثوب يساوي خمسين فوكَّله ببيعه وقال بع هذا الثوب بعشرة وما زاد فهو لك والوكيل يعلم أنه قد زاد ففي هذه الحال يجب أن يقول الوكيل الثوب يساوي أكثر فإذا قال الموكِّل ولو كان يساوي أكثر فإننا ننظر هل الموكَّل الآن يظن أن الفرق يسير فلذلك قال ولو كان يساوي أكثر، فإن كان الأمر كذلك قلنا لابد أن يقول الوكيل يساوي خمسين فيبيَّن له لقول النبي ﷺ (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) ولقول ﷺ (من أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم والآخر وليأتِ إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه) ومثل ذلك ما يفعله بعض الناس في سيارات اللموزين فيقول إتي لي مثلاً اليوم بثلاثمائة وما زاد فهو لك فهذا جائز لكن لو قال وما نقص فهو عليك فهذا حرام ولا يجوز لأنه لا يمكن أن يجمع على هذا العامل بين العمل والتعب وبين الغرم. مسألة: إذا اتفق رجل ما مع مقاول على أن يبني له بيتاً وعين المدة ستة أشهر مثلاً وقال إن لم تكمل البيت في هذه الستة أشهر فما زاد فعليك الغرم مائة ريال لكل يوم فهل هذا يجوز أولا؟ نقول فيه تفصيل وهو إذا كانت المدة المحددة يمكن انقضاء هذا العمل فيها فهذا لا بأس به من أجل أن نحذر من التهاون والتلاعب وأما إذا كانت المدة خيالية بأن قال ابني لي هذه العمارة على أن تكون من عشرة طوابق وفي كل طابق عشرة شقق وفي كل شقة عشرة غرف في كل غرفة عشرة حمامات مثلاً والمدة ستة شهور فهذا لا يجوز لأن هذا مثل القمار. السائل: لو قال صاحب العمارة للمقاول إذا لم يتم البناء خلال المدة المتفق عليها فليس لك شيء إطلاقاً فهل هذا جائز؟

стр. 2121

الشيخ: لا أدري هذه المسألة تحتاج إلى تأمل لأن هذا المقاول سوف يخسر المواد ثم إنه ليس له مهلة فإذا قلنا مثلاً كل شهر يفوت فعليك كذا فإنه يقدر أن يُعجِّل ويقل المبلغ عليه لكن إذا قيل إذا لم يتم البناء فليس لك شيء فهذه خسارة فادحة. السائل: إذا كان لسائق اللموزين راتب شهري وقال له صاحب العمل عليك أن تأتي لي كل يوم بثلاثمائة ريال وما نقص فإنه يؤخذ من راتبك الشهري فهل هذا يجوز؟ الشيخ: لا يجوز لأن الراتب يملكه بالعقد فكأنك أخذت من ماله. فصل القارئ: وليس للوكيل في بيع شيء بيعه لنفسه ولا للوكيل في الشراء أن يشتري من نفسه لأن العرف في العقد أن يعقد مع غيره فحمل التوكيل عليه ولأنه تلحقه تهمة ويتنافى الغرضان فلم يجز كما لو نهاه وعنه يجوز لأنه امتثل أمره وحصل غرضه فصح كما لو باع أجنبيا وإنما يصح بشرط أن يزيد على مبلغ ثمنه في النداء ويتولى النداء غيره لتنتفي التهمة قال القاضي ويحتمل أن لا يشترط ذلك وكذلك الحكم في بيعه لوكيله أو طفل يلي عليه أو ولده أو والده أو مكاتبه أو تزويجه لابنته إذا وكله أن يتزوج له لأنه يتهم في حقهم ويترك الاستقصاء عليهم.

стр. 2122

الشيخ: إذا وُكِّل في بيع فإنه لا يبيع على نفسه فلو قلت خذ هذا الكتاب بعه فإنه لا يشتريه لنفسه لأن المفهوم أنه إذا قال خذ هذا الكتاب بعه أن قصده أن يبعه على آخر إذ لو أراد أن يبيعه على ذلك الوكيل لكان العقد بينهما مباشرة، هكذا علل المؤلف وعلل بتعليل آخر أنه محل تهمة ولكن هناك رواية أخرى أنه يجوز لأن غرض الموكِّل قد حصل وهو البيع بثمن المثل وهذا القول أرجح أنه يجوز بشرط أن لا ينقص عن ثمن المثل وأن لا ينهاه الموكِّل عن الشراء فإن نهاه فإنه لا يشتري لنفسه وإن نقص عن ثمن المثل فإنه حرام ولا يجوز، وسبق أنه هل يبطل البيع أو يصح ويضمن النقص؟ وهل يبيع ويشتري من ولده؟ نقول إن كان شريكاً له في المال فالحكم كما ذكرنا وإن لم يكن شريكاً له فإنه لا يبيع عليه لأنه متهم في حقه ولأن العادة أن الإنسان لا يستقصي مع ولده ووالده وكذلك يقال في الزوج والزوجة، وإذا أردت أن تتخلص من هذا كله فقل للموكِّل ما رأيك إذا أردت أنا أن اشتريها منك فإما أن يقول لا بأس، وإما أن يقول لا، فإن قال لا فلا يشتريها وإن قال لا بأس فالأمر ظاهر. القارئ: وإن إذن له الموكل في هذا جاز لانتفاء التهمة مع صريح الإذن وإن وكله رجل في بيع عبده ووكله آخر في شرائه فله أن يتولى طرفي العقد كما يجوز للأب ذلك في حق ولده الصغير.

стр. 2123

الشيخ: المثال لو قال رجل لآخر اشتر لي كتاب الكافي وقال آخر بع لي كتاب الكافي والكافي الآن معه فهنا يتولى طرفي العقد وكيف يقول؟ هل يقول بعت هذا الكتاب على نفسي بالوكالة عن الموكِّل بالبيع واشتريته بنفسي بالوكالة عن فلان أو يقول بعت هذا على فلان _ يقصد الثاني _؟ نقول لا يحتاج أن يأتي بإيجاب وقبول بل يقول بعت هذا الكتاب على فلان، وفي هذه الحال يُشْهِد لئلا يحصل لبس لأنه إذا قال بعت هذا على فلان أو نوى بقلبه أنه باعه على فلان فهذا لا يُطَّلع عليه ومثل ذلك ابن العم يتزوج بنت عمه ليس لها ولي إلا هو فإنه يقول تزوجت بنت عمي أو زوجت نفسي بنت عمي لكن في النكاح لابد من الشهود. فصل القارئ: فإذا وكل عبد في شراء عبداً من سيده جاز لأنه يجوز أن يشتري من غير سيده فجاز منه كالأجنبي وإن وكله في شراء نفسه جاز لأنه يجوز أن يشتري غيره فجاز أن يشتري نفسه كالأجنبي فإن قال السيد ما اشتريت نفسك إلا لنفسك عتق لإقرار سيده بحريته. الشيخ: قوله (فإن قال السيد ما اشتريتَ نَفْسَكَ إلا لِنفسِكَ عَتَقَ) هذا فيه نظر لأنه قد يكون أراد أن يعتقه وهذه الصيغة لا تقتضي العتق والأصل بقاء الملك وعدم الحرية حتى يوجد شيء صريح ينفي الملك. القارئ: والقول قول السيد في الثمن لأن الظاهر ممن باشر العقد أنه له ولو وكله سيده في إعتاق نفسه أو وكل غريمه في إبراء نفسه صح لأنه وكيله في إسقاط حق نفسه فجاز كتوكيل الزوجة في طلاقها وإن وكل غريمه في إبراء غرمائه لم يملك إبراء نفسه كما لو وكله في حبسهم لم يملك حبس نفسه وإن وكله في تفرقة صدقة لم يملك صرفها إلى نفسه لأنه مأمور بإعطاء غيره قال أصحابنا ولا يملك إعطاء ولده ووالده لأنهم كنفسه ويحتمل جواز ذلك لأن لفظه يعمهم ولا قرينة تخرجهم.

стр. 2124

الشيخ: الظاهر أن الصواب جواز إعطائهم مادام أنه قد اتق الله ولم يحابهم أما كونه يأخذ لنفسه فهذا فيه نظر فما قاله المؤلف صحيح فإذا أعطيت مثلاً هذا الرجل ألف ريال وقلت له فرقه في الزكاة فإنه لا يحل له أن يأخذ لنفسه حتى وإن كان من أهل الزكاة لأن الذي أعطاه لو أراد أن يبَرَّه لأعطاه مباشرة، لكن هل من المستساغ أن يقول لمن أعطاه دراهم يفرقها زكاة أتأذن لي إن كنت من أهلها أن آخذَ منها؟ الجواب هذا ينبني على هل يجوز لمن كان من أهل الزكاة أن يسألها والصواب أنه يجوز لمن كان محتاجاً أن يسأل إذا أصابته فاقة كما جاء في حديث قبيصة. فصل القارئ: والوكيل أمين لا ضمان عليه فيما تلف تحت يده بغير تفريط بجعل وبغير جعل لأنه نائب المالك أشبه المودع. الشيخ: قال المؤلف (بغير تفريط) فهل نقول أن المؤلف نقص العبارة لأنه ينبغي أن يقال بغير تفريط ولا تعدي أو يقال إن التعدي تفريط وزيادة؟ الجواب الثاني لكن لو ذكره لكان أحسن فالوكيل أمين لا ضمان عليه فيما تلف بيده بغير تفريط ولا تعدي والفرق بين التعدي والتفريط أن التفريط ترك ما يجب يعني إهمال ما يجب عليه والتعدي فعل ما لا يجوز مثاله وكَّله في بيع بعير فصار الوكيل يستعمل البعير فهذا متعدي لأنه فعل مالا يجوز، وإذا أهمل الوكيل البعير فصار لا يعطيه أكلاً ولا شرباً فهنا يضمن ونقول أنه مفرط حيث لم يقم بما يجب عليه. القارئ: والقول قوله فيما يدعيه من تلف وعدم تفريط وخيانة لذلك والقول قوله في الرد إن كان متطوعا لأنه قبض المال لنفع مالكه فهو كالمودع وإن كان بجعل ففيه وجهان أحدهما يقبل قوله لأنه أمين أشبه المودع والثاني لا يقبل لأنه قبضه لنفع نفسه أشبه المستعير.

стр. 2125

الشيخ: المعروف أنه إذا كان بِجُعْلٍ لا يقبل قوله في الرد والقاعدة في المذهب أنه إذا كان قبض المال لحظ نفسه فإنه لا يقبل قوله في الرد وإذا كان لحظ مالكه قُبلَ وإن كان لحظهما لم يقبل، مثال الذي يقبضه لحظ مالكه المودع فالمودع قبض المال لحظ مالكه يحفظه له فهذا يقبل قوله في الرد ودليل ذلك قوله تعالى (مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ) ومثال الذي يقبضه لحظهما المستأجر الذي بيده العين المستأجرة فهو قبض العين لحظ نفسه ولحظ مالكها فهي لحظه لأنه يستوفي المنافع التي عقد عليها ولحظ مالكها لأنه سوف يعوض عن هذه المنافع فهذا أيضاً لا يقبل قوله في الرد لأنه قبض المال لمصلحته، ومثال الذي يقبضه لمصلحته الخاصة المستعير فالمستعير قبض المال لحظ نفسه فهذا لا يقبل قوله في الرد. أما مسألة الضمان فالصحيح أن جميع الأمناء لا ضمان عليهم إلا بتعد أو تفريط والأمناء هم كل من قبض المال بإذن الشرع أو بإذن المالك فهذا هو الأمين فهو كل من كان المال تحت يده بإذن من الشارع كوكيل اليتيم أو بإذن من المالك كالوكيل والمستأجر ومن أشبهه. القارئ: وإن قال بعت وقبضت الثمن فتلف في يدي ففيه وجهان ذكرناهما في الرهن وإن اختلفا في أصل الوكالة فالقول قول من ينكرها لأن الأصل عدمها وإن اختلفا في دفع المال إلى الوكيل فالقول قوله لذلك فإن أنكره ثم اعترف به ثم ادعى تلفه أو رده لم يقبل لأن خيانته ثبتت بجحده وكذلك الحكم في المودع.

стр. 2126

الشيخ: لكن لو قال إني أنكرته ناسياً ثم تذكرت فهل يقبل قوله أو لا؟ الجواب نقول ينبغي أن ينظر في هذا إلى حال الشخص إذا كان من أهل الصدق والأمانة قُبِلَ قوله وإلا فلا يقبل لأن النسيان وارد فأحياناً يقول لك الشخص إني كلمتك بكذا فتقول أبداً ما كلمتني أو يقول لك بعت عليك كذا فتقول ما بعت عليَّ أو أعطيتك كذا فتقول ما أعطيتني بناءً على النسيان، فإذا ادعى أنه نفى ناسياً فننظر إذا كان من أهل الصدق والأمانة وجب قبول قوله وإلا فلا يقبل. السائل: إذا أخذ شخص ما مالاً لسداد دينه فوجد أن المال أكثر من دينه فسدد دينه وصرف الباقي على الفقراء والمساكين فهل عمله هذا جائز؟ الشيخ: لا يجوز، لأن من أخذ لشيء لم يصرفه في غيره وهذه هي القاعدة، فَمَنْ أخذ لقضاء الدين فإنه لا يصرفه في حاجة الفقر ومَنْ أخذ لحاجة الفقر فإنه يجوز أن يصرفه في الدين. السائل: إذا لم يستطع رده لنفس المزكي فما هو الحكم؟ الشيخ: يكون هذا من جنس المال الذي جُهِل صاحبه أو عجز عن رده. السائل: رجل أخرج زكاة ماله ثم أعطاها لمستحقيها ولم يخبرهم أنها زكاة ماله فهل تجزئه؟ الشيخ: نعم تجزئه إذا كان من عادتهم أن يأخذوا الزكاة، والعبرة بنيته هو ما داموا هم من أهل الزكاة. السائل: جمع من الناس في قبيلة يخرجون الزكاة كل عام ثم يعطونها واحداً من أفراد القبيلة ثم هو يزكي معهم العام القادم ثم يجمعون زكاة العام القادم ويعطونها واحداً غيره وهكذا فهل هذا جائز؟ الشيخ: هو جائز من الناحية الشرعية فيجوز أن تعطي الزكاة شخصاً تكفيه سنة لكن من الناحية العرفية لا ينبغي هذا. السائل: حتى لو أعطوه مالاً كثيراً جداً بحيث يستطيع أن يشتري مزرعة فقد يصبح تاجراً ثم العام القادم يزكي معهم؟ الشيخ: إذا كانوا يعطونه أكثر من اللازم فهذا لا يجوز لأن الفقير لا يعطى أكثر من مؤنته فلو قدرنا أن هذا الرجل مؤنته كل شهر ألف ريال فإننا نعطيه اثنى عشر ألف ولا نعطيه أكثر من ذلك.

стр. 2127

القارئ: وإن أقام بدعواه بينة ففيه وجهان أحدهما تقبل لأنها شهدت بما لو أقر به لثبت فقبلت كما لو لم ينكر والثاني لا تقبل لأنه مكذب لها بجحده فإن كان جحوده أنك لا تستحق عليَّ شيئا سمع قوله في الرد والتلف. الشيخ: قوله (إن كان جحوده) المعنى أي أنك لا تستحق وليس المعنى أنني لم أقبض منك، فهذا له وجه ولهذا يقبل. القارئ: لأنه لم ينكر القبض فيجوز أن يريد لا تستحق علي شيئا لتلفه أو رده وإن اختلفا في صفة الوكالة فقال وكلتني في بيع هذا فقال بل في بيع هذا أو قال وكلتني في بيعه بعشرين قال بل بثلاثين أو قال وكلتني في بيعه نسيئة قال بل نقدا فالقول قول الموكل لأنه منكر للعقد الذي يدعيه الوكيل فأشبه ما لو أنكر أصل الوكالة ولأنهما اختلفا في صفة قول الموكل فكان القول قوله كما لو اختلف الزوجان في صفة الطلاق ونص أحمد ﵁ في المُضَارَبِ على أن القول قوله. الشيخ: المُضَارَبُ هو الذي يتصرف في المال والمُضَارِبُ هو الذي يعطي المال. القارئ: والوكيل في معناه لأنه أمين في التصرف فكان القول قوله في صفته كما لو اختلفا في بيع الثوب المأذون في بيعه. الشيخ: والراجح أنه ينظر للقرائن فإذا كانت القرينة تدل على قول المُوكِّل عملنا بها وإذا كانت تدل بالعكس عملنا بها فمثلاً إذا قال إنك أذنت لي في بيعه بعشرين فقال بل بثلاثين، ونحن نعرف أن هذا الشيء لا يمكن أن يصل إلى ثلاثين فالقول قول الوكيل، وإذا قال أذنت لي في بيعه نسيئة فقال بل نقداً، فالقول قول الموكِّل ولا شك، وعلى كل حال ينبغي أن ينظر في هذا إلى القرائن فمن دلت القرائن على صدقه كان القول قوله.

стр. 2128

القارئ: وإن قال اشتريت هذا لك بعشرة قال بل بخمسة فالحكم فيه كذلك وإن قال اشتريت هذه الجارية لك بإذنك بعشرة فأنكر الإذن في شرائها فالقول قول الموكِّل فيحلف ويبطل البيع إن كان بعين المال ويرد الجارية على البائع إن صدق الوكيل في أنه وكيل وإن أنكر أن الشراء لغيره فالقول قوله وعلى الوكيل غرامة الثمن لموكله وتبقى الجارية في يده ولا تحل له لأنها ليست ملكاً له فإن أراد استحلالها اشتراها ممن هي له في الباطن فإن أبى بيعها استحب للحاكم أن يرفق به ليبيعه إياها ولا يجبر لأنه عقد مراضاة فإن أبى فقد حصلت في يده لغيره وله في ذمة صاحبها ثمنها فأقرب الوجوه فيها أن يأذن الحاكم له في بيعها ويوفيه حقه من ثمنها لأن الحاكم باعها في وفاء دينه فإن قال صاحبها إن كانت لي فقد بعتكها بعشرين فقال القاضي لا يصح لأنه بيع معلق على شرط ويحتمل أن يصح لأن هذا شرط واقع يعلمانه فلا يضر جعله شرطا كما لو قال إن كانت جارية فقد بعتكها. الشيخ: والصحيح أنه يصح، وحتى البيع المعلق بالشرط المحض صحيح لعموم قول الله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) وقول النبي ﷺ (كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل) وقوله (المسلمون على شروطهم إلا شرطاً أحل حراماً أو حرم حلالاً). فصل القارئ: فإن قال تزوجت لك فلانة بإذنك فصدقته المرأة وأنكره فالقول قول المنكر لأن الأصل معه ولا يستحلف لأن الوكيل يدعي حقاً لغيره وإن ادعته المرأة استحلف لأنها تدعي صداقها عليه فإن حلف برئ من الصداق ولم يلزم الوكيل في أحد الوجهين لأن حقوق العقد تتعلق بالموكل فإن كان الوكيل ضمنه لها فلها مطالبته به وليس لها نكاح غيره لاعترافها أنها زوجته فتؤخذ بإقرارها ولا يكلف الطلاق لأنه لم يثبت في حقه نكاح ويحتمل أن يكلفه لإزالة احتمال لأنه يحتمل صحة دعواها فينزل منزلة النكاح الفاسد.

стр. 2129

الشيخ: الصحيح أنه يُلْزَم بأن يطلق ويقال له لا يضرك شيء فلا يلزمك نفقة وإنما تطلق من أجل أن تفك أسر المرأة لأن كونها تبقى بلا زوج فهذا ضرر عظيم فالاحتمال الثاني هو الصحيح. القارئ: ولو مات أحدهما لم يرثه الآخر لأنه لم يثبت صداقها فترث وهو ينكر أنها زوجته فلا يرثها. باب الشركة القارئ: يجوز عقد الشركة في الجملة لما روى أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال (يقول الله تعالى أنا ثالث الشريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه فإذا خان أحدهما صاحبه فخرجت من بينهما) رواه أبو داود. الشيخ: الشركة هي الاجتماع في استحقاق أو تصرف، فاشتراك الورثة في التركة هو اجتماع في استحقاق وأما شركة المضاربة والعنان وما أشبهها فهي اجتماع في تصرف، فالشركة لا تخرج عن هذين القسمين إما اجتماع في استحقاق وهذه لا تحتاج إلى عقد وإما اجتماع في تصرف وهذه تحتاج إلى عقد والأصل جواز الشركة لقوله تعالى (وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا) فقوله (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا) يدل على جواز الخلطة ثم الحديث الذي ذكره المؤلف واضح وقوله (أنا ثالث الشريكين) كون الله تعالى ثالثهما لا شك أنه يستلزم نزول البركة في هذه الشركة وتيسير الأمور لهما فإذا خان أحدهما الآخر خرج الله من بينهما ونزع البركة من بينهما. القارئ: وتكره شركة الذمي إلا أن يكون المسلم يتولى البيع والشراء لما روى الخلال بإسناده عن عطاء قال (نهى رسول الله عن مشاركة اليهودي والنصراني إلا أن يكون البيع والشراء بيد المسلم) ولأنه لا يأمن معاملتهم بالربا والعقود الفاسدة. الشيخ: الحديث الذي ذكره المؤلف مرسل فهو من أقسام الضعيف لكن لا شك أن الذمي والمراد بذلك الكتابي من اليهود والنصارى تكره مشاركتهم إلا إذا كان تدبير الشركة بيد المسلم فلا بأس. فصل

стр. 2130

القارئ: والشركة على أربعة أضرب أحدها شركة العنان وهو أن يشترك اثنان بماليهما على أن يعملا فيه بأبدانهما والربح بينهما. الشيخ: صورة هذه الشركة هي أن كل واحد منهما يأتي بالمال الذي عنده ويخلطانه ثم يتصرفان فيه فنسمي هذه الشركة شركة عنان لأنها تشبه الفارسين الراكبين على فرسيهما وكل واحد منهما قد أمسك بعنان فرسه فمن كل واحد منهما مال وبدن أي عمل، وإذا قال قائل ما الفائدة من هذه الشركة؟ قلنا الفائدة أنه ربما يُعرض شيء قيمته كثيرة والواحد منهما إذا انفرد لا يستطيع أن يدفع القيمة فيشتركان فتحصل بذلك الفائدة. القارئ: فإذا صحت فما تلف من المالين فهو من ضمانهما وإن خسرا كانت الخسارة بينهما على قدر المالين لأنهما صارا كمال واحد في ربحه فكذلك في خسرانه والربح بينهما على ما شرطاه لأن العمل يستحق به الربح وقد يتفاضلان فيه لقوة أحدهما وحذقه فجاز أن يجعل له حظ من الربح كالمضارب. الشيخ: الخسارة تكون على قدر المالين فإذا كان أحدهما أتى بمائتين والثاني أتى بثلاث وخسرا خمسين فهنا نوزع الخسارة عليهما أخماساً فالذي أتى بمائتين نقول عليه عشرون والذي أتى بثلاث نقول عليه ثلاثون وأما الربح فعلى ما شرطاه فلو قالا الربح بيننا نصفين جاز ذلك ويكون الأكثر مع صاحب الخُمُسينِ لأنه لو كان الربح على حسب المالين لكان لصاحب الخُمُسينِ خُمُسَا الربح، وإنما كان الربح على ما شرطاه لأن أحدهما قد يكون أسد وأعلم بطرق البيع والشراء فيجعل له من الربح نصيباً أكبر من ماله. السائل: بعض أصحاب السيارات يذهب بسيارته لورشة الإصلاح فيقوم صاحب الورشة بإصلاحها وإذا احتاجت إلى قطع الغيار يقوم بشرائها من أصحاب محلات قطع الغيار لكنه يشتريها بسعر أقل من السعر المتعارف عليه ويحسبها على صاحب السيارة بسعرها المتعارف عليه وإذا تلفت هذه القطعة قبل استعمالها في السيارة فإنها تكون من ضمان صاحب الورشة فهل هذا جائز؟

стр. 2131

الشيخ: لا بأس بهذا فله أن يأخذ هو بتسعة ويقول لصاحب السيارة هي بعشرة. السائل: لو شرط أحدهما وهو صاحب المال الأقل أنه ليس عليه خسارة فما الحكم؟ الشيخ: الخسارة لابد أن تكون على قدر المالين فلا يمكن أن يشترط فيها سوى ذلك، لأنه لو صارت الخسارة على واحد منهما لكان ذلك مشكلاً. فصل القارئ: وتصح الشركة على الدراهم والدنانير لأنهما أثمان البياعات وقيم الأموال ولا تصح بالعروض في إحدى الروايتين لأن قيمة أحدهما ربما تزيد قبل بيعه فيشاركه الآخر في نماء العين التي هي ملكه والثانية تصح الشركة بها ويجعل رأس المال قيمتها وقت العقد لأن مقصودها نفوذ تصرفهما في المال المشترك وكون ربحه بينهما وهذا ممكن في العروض. الشيخ: الرواية الثانية هي الصحيحة يعني مثلاً إذا أراد شخصان أن يشتركا شركة عنان فلابد أن يأتيا بالدراهم أو الدنانير فإن أتيا بعروض بأن جاء أحدهما بسيارات وجاء الثاني بمعدات أخرى وقالا نشترك في هذه شركة عنان، فالمذهب لا يصح لأن القيمة قد تزيد وقد تنقص في أحدهما، والصحيح أن ذلك جائز وتُقدَّر القيمة وقت العقد فيقال لصاحب السيارات كم تساوي سياراتك قال تساوي عشرين ألف والثاني يقال له كم تساوي المعدات قال تساوي عشرة آلاف، فيكون رأس مال صاحب السيارات بالنسبة الثلثين والآخر الثلث، ونقول الآن هما اشتركا في مالٍ أحدهما أتى بثلثين والثاني أتى بثلث وهذا هو الذي عليه العمل الآن. القارئ: والحكم في النقرة والمغشوش والفلوس كالحكم في العروض لأن قيمتها تزيد وتنقص فأشبهت العروض ولا تجوز الشركة بمجهول ولا جزاف لأنه لا يمكن الرجوع به عند المفاصلة ولا بدين ولا غائب لأنه مما لا يجوز بيعه والتصرف فيه وهو مقصود الشركة فصل القارئ: ويجوز في المختلفين. الشيخ: (يجوز) أو (تجوز) على نسخة (تجوز) المعنى تجوز الشركة في المختلفين وعلى نسخة (يجوز) نقدر الاشتراك أي ويجوز الاشتراك في المختلفين.

стр. 2132

القارئ: فيكون لأحدهما دنانير وللآخر دراهم أو لأحدهما صحاح وللآخر مكسرة أو لأحدهما مائة والآخر مائتان لأنهما أثمان فصحت الشركة بهما كالمتفقين ويرجع كل واحد منهما عند المفاصلة بمثل ماله نص عليه لأنها أثمان فيجب الرجوع بمثلها كالمتفقين. الشيخ: هذا بناءً على ما كانوا يعرفونه أن الدرهم بالنسبة للدينار لا يزيد ولا ينقص فاثني عشر درهماً عن دينار لا يزيد ولا ينقص، فهنا نقول لا فرق بين أن تكون من هذا دنانير ومن هذا دراهم لأن الظاهر أن قيمة الدينار اثني عشر درهماً بدليل أن الدية ألف مثقال ذهباً وأثنى عشر ألف درهم فضة مما يدل على أن السعر في ذلك الوقت كان الدينار يساوي اثني عشر درهم لا يزيد ولا ينقص لكن في وقتنا الحاضر الدنانير والدراهم تختلف فقد يزيد الذهب وقد ينقص فلهذا نقول لابد أن تقدر القيمة عند الاشتراك فتقدر قيمة الذهب بكم وقيمة الفضة بكم حتى يرجع إليها عند المناضة، فالفقهاء يقولون لا بأس أن يأتي أحدهما بدراهمه والثاني بدنانير لأنه عند المفاصلة يرجع كل إنسان بما جاء به من مال فإذا أتى هذا بمائة دينار والآخر بألف درهم وتمت الشركة وعملا فيها ثم عند المناضة نعطي هذا دراهمه وهذا دنانيره كاملة لأن القيمة لا تتغير، لكن في وقتنا الحاضر ربما تكون عشرة دنانير تساوي مائة درهم الآن وبعد شهر أو شهرين قد تساوي مائتي درهم أو ثمانين درهم، وعليه فنقول لابد من أن تُقَوَّم الدراهم والدنانير عند العقد حتى يرجع كل واحد منهما بقيمة نقده. القارئ: وتجوز الشركة وإن لم يخلطا المالين لأنه يقصد بها كون الربح بينهما فلم يشترط خلط المال كالمضاربة. الشيخ: هذا قياس غير صحيح لأنه في المضاربة أحدهما يعمل والثاني يأتي بالدراهم وأما في شركة العنان فكل واحد منهما أتى بمال وعمل، فهذا قياس مستغرب من المؤلف ﵀ على غزارة علمه وعمق فقهه. فصل

стр. 2133

القارئ: ومبناها على الوكالة والأمانة لأن كل واحد منهما بتفويض المال إلى صاحبه أمنه وبإذنه له في التصرف وكله ولكل واحد منهما العمل في المالين بحكم الملك في حصته والوكالة في حصة شريكه وحكمها في جوازها وإنفساخها حكم الوكالة لتضمنها للوكالة فإن عزل أحدهما صاحبه قبل أن ينض المال فذكر القاضي أن ظاهر كلام أحمد ﵁ أنه لا ينعزل حتى ينض كالمضارب إذا عزله رب المال وقال أبو الخطاب ينعزل لأنها وكالة فإذا عزله فطلب أحدهما البيع والآخر القسمة أجيب طالب القسمة لأنه يستدرك ما يحصل من الربح بالقسمة فلم يجبر على البيع بخلاف المضارب وهذا إنما يصح إذا كان الربح على قدر المالين فإن زاد ربح أحدهما عن ماله لم يستدرك ربحه بالقسمة فيتعين البيع كالمضاربة. فصل القارئ: فإن مات أحدهما فلوارثه إتمام الشركة فيأذن للشريك ويأذن له الشريك في التصرف لأن هذا إتمام للشركة وليس بابتداء لها فلا تعتبر شروطها وكذلك إن مات رب المال في المضاربة فلوارثه إتمامها في ظاهر كلامه ويحتمل أن لا يجوز إتمامها إلا أن يكون المال ناضا لأن العقد قد بطل بالموت وهذا ابتداء عقد فلا يجوز بالعروض وإن مات عامل المضاربة لم يجز إتمامها إلا على الوجه الذي يجوز ابتداءها لأنه لم يخلف أصلاً يبنى عليه ولو كان مال الشركة والمضاربة موصى به والموصى له كالوارث في هذا فإن كانت الوصية لغير معين كالفقراء فليس للموصى الإذن في التصرف لأنه قد وجب دفعه إليهم الشيخ: لم يتبين لي رجحان في الاحتمالين، لأنها عقد جائز إذا شاءوا أمضوها مع الوارث وإن شاءوا فسخوا. فصل القارئ: ولكل واحد من الشريكين أن يبيع ويشتري مساومة ومرابحة وتولية ومواضعة ويقبض المبيع والثمن ويقبضهما ويطالب بالدين ويخاصم فيه.

стр. 2134

الشيخ: المساومة هي أن يسوم هذا الثوب فيسأل ويقول مَنْ يزيد، وأما المرابحة فهي أن يشتري برأس المال مع ربح، والتولية أن يشتري برأس المال بدون ربح، والمواضعة أن يشتري برأس المال مع النقص والمهم أن الشريكين لكل واحد منهما أن يبيع مساومة أو تولية أو مرابحة أو مواضعة. القارئ: ويرد بالعيب في العقد الذي وليه هو أو صاحبه ويحيل ويحتال ويستأجر ويفعل كل ما هو من مصلحة التجارة بمطلق الشركة لأن هذا عادة التجار وقد أذن له في التجارة وهل لأحدهما أن يبيع نساء أو يبضع أو يودع أو يسافر بالمال يخرج على روايتين إحداهما له ذلك لأنه عادة التجار ولأن المقصود الربح وهو في هذه أكثر والأخرى لا يجوز لأن فيه تغريراً بالمال. الشيخ: الصحيح أنه جائز إذا رأى المصلحة فيُقَيَّد ذلك الجواز بما إذا رأى المصلحة، فإذا رأى المصلحة ببيعه نساء أو بالسفر به فلا بأس. القارئ: وهل له التوكيل يخرج على الروايتين في الوكيل لأنه وكيل. الشيخ: الصحيح أن له أن يوكِّل، والفرق بينه وبين الوكيل المجرد أن الوكيل المجرد ليس له حظ في هذا المال الذي وكِّل فيه وهذا شريك له حظ فلن يوكِّل إلا مَنْ يرى أن في توكيله مصلحة فلهذا نقول يجوز لأحد الشريكين في شركة العنان أن يوكِّل سواء أستأذن من صاحبه أم لم يستأذن. القارئ: وإذا وكل أحدهما فللآخر عزله لأنه وكيله وهل له أن يرهن ويرتهن فيه وجهان أحدهما له ذلك لأن الرهن يراد للإيفاء والارتهان يراد للاستيفاء وهو يملكهما فيملك ما يراد لهما والثاني لا يجوز لأن فيه خطرا وفي الإقالة وجهان أصحهما أنه يملكها لأنه إن كانت بيعاً فقد أذن فيه وإن كانت فسخا ففسخ البيع المضر من مصلحة التجارة فملكه كالرد بالعيب والآخر لا يملكها لأنها فسخ فلا تدخل في الإذن في التجارة. الشيخ: الصواب أن هذا جائز وأن لكل واحد منهما أن يتصرف بما يرى أنه مصلحة سواء في البيع نساءً أو في الإقراض أو في الإقالة أو غير ذلك. فصل

стр. 2135

القارئ: وليس له أن يكاتب رقيقه ولا يزوجه ولا يعتقه بمال ولا يقرض ولا يحابي لأن ذلك ليس بتجارة وليس له المشاركة بمال الشركة ولا المضاربة به. الشيخ: لكن إذا وجد مصلحة في هذا جاز، فمصلحة القرض أن يقرضه شخصاً ليحفظ المال لأنه ربما لو بقي المال عنده لتسلط عليه اللصوص والسُّراق أو إذا كان في بلد حكمه جائر تسلط عليه ولي الأمر فإذا أقرضه فقد أَمَّنَهُ، ومن هذا وضع الأموال في البنوك الآن فوضع الأموال في البنوك ليس وديعة في والواقع ولكنه إقراض لأن صاحب البنك يُدخِل هذا المال في صندوقه ويتصرف فيه، وقد ذكر أهل العلم ﵏ أن المودع إذا أذن للمودع في التصرف فهذا قرض وليس بوديعة. القارئ: ولا خلطه بماله ولا مال غيره لأنه يثبت في المال حقوقا وليس هو من التجارة المأذون فيها ولا يأخذ به سفتجة ولا يعطيها لأن فيه خطرا ولا يستدين على مال الشركة. الشيخ: السفتجة هي أن يعطيه الفلوس مثلاً في مكة ويقول حولها لي في المدينة فهذه سفتجة والظاهر أن هذه الكلمة ليست عربية لكن هذا هو معناه عند الفقهاء، والصواب أن له أن يأخذ به سفتجة لأن هذا قد يكون أحفظ للمال فقد يكون الرجل لو أصطحب المال معه في السفر من مكة إلى المدينة يتسلط عليه قُطَّاع الطريق لكن إذا أخذ به سفتجة سلم منهم ولدينا قاعدة عريضة ينبغي أن نعتبرها في هذا وهي أن كل تصرف من مصلحة الشركة فهو جائز.

стр. 2136

القارئ: ولا يشتري ما ليس عنده ثمنه لأنه يؤدي إلى الزيادة في مال الشركة ولم يؤذن فيه فإن فعل فعليه ثمن ما اشتراه ويختص بملكه وربحه وضمانه وكذلك ما استدانه أو اقترضه ويجوز أن يشتري نساءً ما عنده ثمنه لأنه لا يفضي إلى الزيادة فيها وإن أقر على مال الشركة قُبِلَ في حقه دون صاحبه سواء أقر بعين أو دين لأن الإقرار ليس من التجارة وقال القاضي يقبل إقراره على مال الشركة ويقبل إقراره بعيب في عين باعها كما يقبل إقرار الوكيل على موكله به نص عليه لأنه تولى بيعها فقبل إقراره بالعيب كمالكها فإن رد عليه المعيب فقبله أو دفع أرشه أو أخر ثمنه أو حط بعضه لأجل العيب جاز لأن العيب يجوز الرد وقد يكون ما يفعله من هذا أحظ من الرد فأما إن حط بعض الثمن ابتداء أو أسقط ديناً عن غريمهما أو أخره عليه لزم في حقه دون صاحبه لأنه تبرع فجاز في حقه دون شريكه كالصدقة فإن قال له أعمل برأيك فله عمل ما يقع في التجارة من الرهن والارتهان والبيع نساء والإبضاع بالمال والمضاربة به والشركة وخلطه بماله والسفر به وإيداعه وأخذ السفتجة ودفعها ونحوه لأنه فوض إليه الرأي في التصرف بالتجارة وقد يرى المصلحة في هذا وليس له التبرع والحطيطة والقرض وكتابة الرقيق وعتقه وتزوجيه لأنه ليس بتجارة وإنما فوض إليه العمل برأيه في التجارة. السائل: ما معنى قول المؤلف (الإبضاع)؟ الشيخ: الإبضاع هو أن يتصرف في المال ولا يأتيه من الربح إلا قدر ماله فقط. فصل القارئ: الضرب الثاني شركة الأبدان وهو أن يشترك اثنان فيما يكتسبانه بأبدانهما كالصانعين يشتركان على أن يعملا في صناعتيهما أو فيما يكتسبانه من مباح كالحشيش والحطب والمعادن والتلصص على دار الحرب فما رزق الله فهو بينهما فهو جائز.

стр. 2137

الشيخ: قوله (فهو جائز) أي فهذا الضرب جائز وشركة الأبدان ليس فيها مال بل كلها عمل فيشترك اثنان فيما يكتسبان بأبدانهما مثال ذلك صانعين أتيا بآلة وجعلاها في مكان واحد واشتركا، فهذه شركة أبدان، أو اشتركا فيما يكتسبان من المباح كأن يخرجا للصيد ويقولا نحن اليوم شركاء فيما نكتسبه من الصيد، فهذه شركة أبدان، أو خرجا للاحتطاب وقالا نحن اليوم شريكان فيما نحصل من الحطب، فهذا جائز وهو شركة أبدان، ولا يحل لواحد منهما أن يتكاسل أو يتهاون أو يفرط ويقول صاحبي فيه البركة، لأن هذه خيانة بل يجب أن يعمل كأنما يعمل لنفسه أو أشد. وقوله (التلصص على دار الحرب) معناه أن يكونا قريبين مِنْ حدود مَنْ بيننا وبينهم حرب ويقولا نشترك فيما نأخذ من السرقة من أموال الحربيين فيدخلا في الليل مختفيين ويأخذان الغنم والبقر والإبل والأموال فهذا جائز لأن أموال الحربيين حلال لنا. القارئ: لما روى عبد الله بن مسعود قال اشتركت أنا وعمار وسعد فيما نصيب يوم بدر قال فلم أجيء انا وعمار بشيء وجاء سعد بأسيرين رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه واحتج به أحمد. الشيخ: هذان الأسيران صارا ملكاً للثلاثة. القارئ: ومبناها على الوكالة لأن كل واحد منهما وكيل صاحبه وما يتقبله كل واحد من الأعمال فهو من ضمانهما يطالب به كل واحد منهما ويلزمه عمله. الشيخ: إذا عَلِمَ أنهم شركاء فما التزم به أحدهما فهو لازم للجميع، فإذا دخلت على مصنع وتعرف أنه مصنعٌ لفلان وفلان وقد اتفقتَ مع أحدهما على أن يصنع لك باباً، فمن الذي يلزمه تنفيذه هل هو الذي اتفقتَ معه أو يلزم الجميع؟ الجواب: يلزم الجميع. القارئ: قال القاضي ويحتمل أن لا يلزم كل واحد منهما ما لزم صاحبه كالوكيلين. الشيخ: هذا احتمال ضعيف ولا حظ له من النظر بل ما التزم به أحدهما فهو لازم للجميع.

стр. 2138

القارئ: ويصح مع اتفاق الصنائع واختلافها لأنهما اتفقا في مكسب واحد كما لو اتفقت الصنائع وقال أبو الخطاب لا تصح مع اختلافها لأن الشركة تقتضي أن ما يتقبله أحدهما يلزم صاحبه ولا يمكن أن يلزمه عمل صناعة لا يحسنها. الشيخ: اختلاف الصنائع بأن يكون أحدهما نجاراً والثاني حداداً ويشتركان فالمذهب أنه تصح الشركة حتى مع اختلاف الصنائع وقال أبو الخطاب لا تصح مع اختلاف الصنائع وعلل ذلك بأن الشركة تقتضي أن ما تَقَبَّلهُ أحدهما لزم الجميع لكن هذا التعليل فيه نظر لأننا نقول نعم يلزم الجميع فإذا التزم الحداد بصناعة باب من الحديد لزم النجار أن يصنعه إذا لم يقم به مَنْ حصل معه العقد فيقوم ويشتريه من السوق، لكن العلة الصحيحة هو أن اختلاف الصنائع يقتضي اختلاف المكاسب فيحصل الغبن الكثير لأحدهما لأنه قد ترتفع صنعة الحديد وتنخفض صنعة النجارة أو بالعكس فيحصل ضرر على أحدهما فهذا هو الذي ينبغي أن تعلل به المسألة وهو أنه لا تصح ما اختلاف الصنائع لأنه قد يحصل في هذا غبن كثير جداً وهذا واقع فأحياناً ترتفع أسعار الحدادة وأحياناً ترتفع أسعار النجارة. فصل القارئ: والربح بينهما على ما شرطاه من مساواة أو تفاضل لأنهما يستحقان بالعمل والعمل يتفاضل فجاز أن يكون الربح متفاضلا وما لزم أحدهما من ضمان لتعديه وتفريطه فهو عليه خاصة لأن ذلك لا يدخل في الشركة ولكل واحد منهما طلب الأجرة وللمستأجر دفعها إلى أيهما شاء وإن تلفت في يد أحدهما بغير تفريط فلا ضمان عليه لأنه وكيل فصل القارئ: وإن عمل أحدهما دون صاحبه فالكسب بينهما لحديث ابن مسعود حين جاء سعد بأسيرين وأخفق الآخران وإن ترك أحدهما العمل لعجز أو غيره فللآخر مطالبته بالعمل أو بإقامة من يعمل عنه أو يفسخ. الشيخ: فإن لم يطالبه فالكسب بينهما فإذا قال كيف تجعلون الكسب بيننا وهو لم يعمل؟ قلنا كان لك الحق في أن تطالب وأنت الذي فرطت في عدم مطالبتك. فصل

стр. 2139

القارئ: إذا كان لرجلين دابتان فاشتركا على أن يحملا عليهما فما رزق الله تعالى من الأجرة فهو بينهما صح ثم أن تقبلا حمل شيء في ذمتهما فحملاه عليهما صح والأجرة على ما شرطاه لأن تقبلهما الحمل أثبته في ذمتهما وضمانهما والشركة تنعقد على الضمان كشركة الوجوه. القارئ: وإن أجراهما على حمل شيء اختص كل واحد منهما بأجرة دابته ولا شركة لأنه لم يجب الحمل في ذمته وإنما استحق المكتري منفعة هذه البهيمة التي استأجرها ولهذا تنفسخ الإجارة بموتها ولا يصح أن يكون كل واحد منهما وكيل صاحبه في إجارة دابة نفسه ولهذا لو قال أجر دابتك وأجرها بيني وبينك لم يصح فإن أعان أحدهما صاحبه في التحميل فله أجرة مثله لأنها منافع وفاها بشبهة عقد فصل القارئ: فإن دفع دابته إلى رجل يعمل عليها أو عبده ليتكسب ويكون ما يحصل بينهما نصفين أو أثلاثا صح نص عليه لأنها عين تنمي بالعمل عليها فجاز العقد عليها ببعض نمائها كالشجر في المساقاة ونقل عنه أبو داود فيمن يعطي الفرس على نصف الغنيمة أرجو أن لا يكون به بأس ووجهه ما ذكرناه وإن دفع ثيابا إلى خياط ليخيطها ويبيعها وله جزء من ربحها أو غزلاً لينسجه ثوباً بثلث ثمنه أو ربعه جاز وإن جعل معه دراهم لم يجز وعنه الجواز والأول المذهب لأنه لا يجوز أن يشترط في المساقاة دراهم معلومة وإنما أجاز أحمد ذلك تشبيهاً بالمساقاة قال نراه جائزا لأن النبي ﷺ أعطى خيبر على الشطر. فصل

стр. 2140

القارئ: وإن دفع رجل بغلة وآخر راوية إلى رجل ليستقي وما رزقهم الله بينهم فقياس المذهب صحته لأن كل واحد منهما عين تنمي بالعمل عليها فصح دفعها بجزء من النماء كالتي قبلها وقال القاضي لا يصح لأن المشاركة بالعروض لا تصح والأجرة للعامل لأنه ملك الماء باغترافه في الإناء ولصاحبيه أجرة المثل لأنه استوفى منافع ملكهما بشبهة عقد ولو اشترك صانعان على أن يعملا بأداة أحدهما في بيت الآخر والكسب بينهما صح لأن الأجرة على عملهما وبه يستحق الربح ولا يستحق بالآلة والبيت شيء إنما يستعملانها في العمل فصارا كالدابتين في الشركة ولو اشترك صاحب بغل وراوية على أن يؤجراهما والأجرة بينهما لم يصح لأن حاصله أن كل واحد منهما يؤجر ملكه ويعطي والآخر من أجرته وليس بصحيح والأجرة كلها لمالك البهيمة لأنه صاحب الأصل وللآخر أجرة مثله. السائل: ما هو الراجح فيما إذا اشترك اثنان مع اختلاف الصنائع؟ الشيخ: الراجح أنه لا يصح. السائل: وإذا كانت متقاربة ويحتاج بعضها إلى تكميل بعض كالبناءين فهل يجوز ذلك؟ الشيخ: إذا كان بعضها يكمل بعض فهو من جنسه. السائل: لو اشتركا في سيارة ثم حصل على السيارة حادث فاحرقت السيارة وتلفت البضائع التي فيها فعلى من يرجع صاحب البضائع؟ الشيخ: إذا كان بلا تعدي ولا تفريط ليس عليهم شيء وأما بتعدي أو تفريط فإنه يرجع على من تعدى أو فرط. السائل: إذا اشترك اثنان في عمل وترك أحدهما العمل لغير عذر فهل يستحق شيء من الربح؟ الشيخ: على كلام المؤلف يستحق. السائل: وما هو الراجح؟ الشيخ: إذا طالب صاحبه فقد يسوغ للقاضي أن يُضمّنه وإلا فيقال له لماذا لم تطالب. السائل: أشكل عليَّ أثر ابن مسعود مع عمار وسعد ما وجه اختصاص سعد بأسيرين مع أن الغنيمة تقسم بين الغزاة؟ الشيخ: هذا كان في غزوة بدر قبل قسم الغنيمة ثم إن الغنائم قسمت فيما بعد. السائل: متى يعتد بأقوال الصحابي وفعله؟
следующие страницы →