الشيخ: الصواب الصحة وعدم المنع وإن كانت الدابة أو الرقيق لا يمكن قسمته ولا تمييزه لكن يقال ما المانع من ذلك لأن الأصل الحل في جميع المعاملات والمنع فيها إنما يكون مع وجود الربا أو الظلم أو الغرر.
فصل
القارئ: ولا يجوز قسمة الدين في الذمم لأنها لا تتكافأ والقسمة بغير تعديل بيع ولا يجوز بيع دين بدين.
الشيخ: يقول المؤلف (لا يجوز قسمة الدين في الذمم) مثال ذلك هذا المال مشترك وبيع على زيد وعمرو بيعاً مؤجلاً فأراد أحد الشريكين القسمة وقال لشريكه لك الدين الذي على زيد ولي الدين الذي على عمرو يقول المؤلف إن هذا لا يجوز وعلل بأن الذمم لا تتكافأ وإذا كانت لا تتكافأ فإن القسمة بغير تعديل هي بيع ولا يجوز بيع دين بدين وهذا هو المذهب أنه لا يجوز قسمة الدين في الذمم لأن فيه غرراً لأني قد أقبل الدين الذي في ذمة زيد وأنت تقبل الدين الذي في ذمة عمرو ثم قد يَعْسُرُ عمرو وقد يُسِرُ زيد فيكون أحد الشريكين رابحاً والثاني خاسراً وهذا في الحقيقة هو المحذور من مَنْعِ قَسْمِ الدين في الذمم لكن هذه هي العلة مع ما فيها من المخاطرة وذلك أن كل واحد من الشريكين يظن أن صاحبه الذي تَقَبَّلَ دينه سيوفي ثم قد تُخلِف الحال فيخسر، لكن نقول الراجح جواز قسمة الدين في الذمم لأن غاية ما فيه أن أحدهما رضي بأن يسقط نصيبه من ذمة المدين الذي هو مدين له ولشريكه فهذا غاية ما فيها، فالصواب أن ذلك جائز لكن لابد من رضى الطرفين.
القارئ: وعنه يجوز لأن الاختلاف لا يمنع القسمة قياساً على اختلاف الأعيان ولا يمكن قسمة الدين في ذمة واحدة لأن معناها إفراز الحق ولا يتصور في ذمة واحدة.
الشيخ: ما ذكره المؤلف في هذه الرواية صحيح لأنه إذا كان المدين واحداً لشريكين وقال أحدهما نقسم أنا وإياك الدين فهنا لا يصح ويقال كيف يقسم وهو دين واحد، بخلاف الدين على رجلين فيمكن قسمته.
السائل: ما حكم قسمة العين إذا لم يرض الشريك؟
стр. 2172
الشيخ: لا يُلزم الثاني بذلك إلا إذا كان يمكن أن تنقسم بدون ضرر كأرض واسعة مثلاً أو حبوب ككيس من الرز أو كيس من البر فإذا طلب أحدهما القسمة أجبر الآخر على ذلك أما ما لا يمكن قسمته إلا بضرر فلا بد فيه من الرضى.
السائل: ما علة تحريم بيع الدين بالدين؟
الشيخ: العلة عدم القدرة على الوفاء أي على التسليم.
فصل
القارئ: إذا كان لاثنين دين في ذمة رجل بسبب واحد فقبض أحدهما منه شيئاً فهو بينهما إذ لا يجوز أن يكون المقبوض نصيب من قبضه لما فيه من قسمة الدين في ذمة واحد ولشريك القابض مطالبته بنصيبه منه لذلك وله مطالبة الغريم لأنه لم يبرأ من حقه بتسليمه إلى غيره بغير إذنه ومن أيهما أخذ لم يرجع على الآخر لأن حقه ثبت في أحد المحلين فإذا اختار أحدهما سقط حقه من الآخر وإن هلك المقبوض في يد القابض تعين حقه فيه ولم يضمنه للغريم لأنه قدر حقه فما تعدى بالقبض وإنما كان لشريكه مشاركته لثبوته مشتركا وإن أبرأ أحدهما الغريم برئ من نصيبه ولم يرجع عليه الآخر بشيء لأنه كتلفه وإن أبرأه من نصف حقه ثم قبضا شيئا اقتسماه أثلاثاً.
الشيخ: قوله (وإن أبرأه من نصف حقه ثم قبضا شيئاً اقتسماه أثلاثاً) معناه أن المال بينهما نصفين فأبرأ أحدهما المدين من نصف نصيبه فيبقى ثلاثة أرباع ويكون ربع الكل ثلث الباقي.
القارئ: وإن أخر أحدهما حقه جاز لأنه يملك إسقاطه فتأخيره أولى وإن اشترى بنصيبه شيئا فهو كما لو اشترى بعين مال مشترك بينهما وإن كان الحق ثابتاً بسببين كعقدين أو إتلافين فلا شركة بينهما ولكل واحد استيفاء حقه مفردا فلا يشاركه الآخر فيه (١).
فصل
стр. 2173
القارئ: وما كسب العبد من المباح أو وهب له فقبله ملكه مولاه لأنه كسب ماله فملكه كصيد فهده وإن ملكه سيده مالاً ملكه لقول النبي ﷺ (من باع عبداً وله مال فماله للبائع) رواه مسلم ولأنه يملك البضع فملك المال كالحر وعنه لا يملك لأنه مال فلم يملك المال كالبهيمة.
الشيخ: هذه المسألة وهي هل يملك العبد بالتمليك أو لا؟ فيها ثلاثة أقوال القول الأول المذهب أنه لا يملك ولو كان التمليك من سيده لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (من باع عبداً له مال فماله للذي باعه) وهذا عام، والقول الثاني قالوا إن ملَّكَهُ سيده مَلَكَه وإن مَلَّكَه غيره لم يملك، والقول الثالث قالوا إنه يملك بالتمليك مطلقاً فلو وهب شخص لهذا العبد ساعة أصبحت ملكه، فعلى هذا القول يملكها وله أن يبيعها ويشتري بثمنها ما شاء، وعلى القول بأنه لا يملك تكون الساعة للسيد ويكون العبد كأنه ساقية مرَّ بها الماء، والمؤلف ﵀ قَدَّمَ أنه يملك إذا ملَّكَهُ سيده، والحقيقة أنه إذا ملَّكَهُ سيده فينبغي أن يقال إنه بمنزلة الإباحة أي إباحة المال فيكون أَذِنَ له في استباحة هذا المال وإلا فالعبد وما ملكه للسيد) وإذا قلنا بالتمليك فهل يجوز لسيده أن يرجع في ذلك؟ نقول هل هو أب؟ الجواب لا، فلا يجوز له الرجوع، لكن لو قال أنا أملكك أنت وما معك فهنا نقول له ذلك لأن العبد لا يملك المال منفرداً حتى وإن وهبه سيده أو ملَّكَهُ فإنه لو أراد أن يقول له أنت وما معك ملكي فله ذلك.
القارئ: فإن ملكه سيده جارية لم يملك وطأها قبل الإذن فيه لأن ملكه غير تام فإن أذن له فيه ملكه.
الشيخ: مَلَّكَ السيد عبده جاريةً فهو يملكها وله أن يبيعها لكن ليس له أن يطأها، وذلك احتياطاً للأعراض لأن ملكه عليها غير تام وإذا أراد العبد الوطء فإنه يستأذن من سيده فإن أذن له جاز له الوطء.
стр. 2174
القارئ: قال أبو بكر على كلتا الروايتين لأنه يملك الاستمتاع بالنكاح فملكه بالتسري كالحر وقال القاضي بل هذا بناءً على الرواية التي يملك المال ولا يملك ذلك على الأخرى لقول الله تعالى (إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ) وإن لزمته كافرة فكفارته الصيام لا غير إن لم يأذن له سيده في التكفير بالمال وإن أذن له فيه انبنى على الروايتين في ملكه فإن قلنا لا يملك لم يكفر بغير الصيام وإن قلنا يملك فله التكفير بالإطعام والكسوة وفي العتق وجهان أحدهما يملكه قياساً على الإطعام والكسوة والثاني لا يملكه لأنه يتضمن الولاء والعبد ليس من أهله فعلى الأول إن أذن له في التكفير بإعتاق نفسه فهل يجزئه على وجهين والله تعالى أعلم.
الشيخ: هذه المسألة من غرائب العلم فإذا لزم العبد كفارة عِتْق فقال له سيده أنا مَلَّكْتُكَ نَفْسَكَ وأَعْتِقْهَا عن هذه الكفارة فهل هذا يصح، الظاهر في هذه المسألة الوجه الثاني وهو عدم الصحة.
باب
المساقاة
القارئ: تجوز المساقاة على النخل وسائر الشجر بجزء معلوم يجعل للعامل من الثمر لما روى ابن عمر (أن رسول الله ﷺ عامل أهل خيبر على شطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع) متفق عليه.
стр. 2175
الشيخ: المساقاة صورتها أن يدفع رجل نخله وأرضه لشخص ويقول اعمل فيها ولك نصف الثمرة أو يقول له ولك نصف الزرع فتكون مزارعة ومساقاة وتسمى عندنا الفِلاحَة، وهي جائزة ودليلها ما ذكره المؤلف ﵀ أن النبي ﷺ (عامل أهل خيبر على شطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع) قوله (على شطر ما يخرج) أي على النصف وأهل خيبر في ذلك الوقت كانوا يهوداً حين فتحها النبي ﷺ فقالوا له يا محمد نحن أهل زرع ونعرف الحرث وغير ذلك وأنتم أهل عمل وجهاد دعونا في أرضنا ولكم نصف ما يخرج منها من ثمر أو زرع ففعل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ذلك وقال (نقركم على ذلك ما شئنا) وبقوا وكان النبي ﷺ يبعث إليهم من يخرص عليهم الثمر وأرسل مرة عبد الله بن رواحة ﵁ يخرص الثمر لكي يُعرف حق النبي ﷺ من حقهم فجمعهم عبد الله بن رواحة وقال (جئتكم من أحب الناس إليَّ وإنكم لأبغض إليَّ من عِدَّتكم من القردة والخنازير _ يقول ذلك لهم صراحةً _ وليس حبي إياه وبغضي إياكم بمانعي من أن أعدل فيكم) فقالوا (بهذا قامت السماوات والأرض) فعدل فيهم وقسم.
وقوله ﵀ (بجزء معلوم) ينبغي أن يضاف إليها قيد آخر وهو مشاع فلا بد أن يكون الجزء مشاعاً كالنصف والربع والثلث والثمن وما أشبه ذلك أما إذا كان معلوماً بالكيل والوزن فهذا لا يجوز مثل أن يقول ساقيتك على هذا النخل ولك منه مائة صاع والباقي لي أو لي منه مائة صاع والباقي لك فهذا لا يجوز لأنه قد لا يثمر إلا هذه المائة صاع فيبقى الآخر محروماً فيحتاج أن نزيد ونقول بجزء معلوم مشاع.
القارئ: ولأنه مال ينمى بالعمل عليه فجازت المعاملة عليه ببعض نمائه كالأثمان.
الشيخ: هذا يشبه المضاربة تماماً لأن أصحاب البساتين منهم رأس المال وهو الشجر والمضاربة كذلك فيها رأس مال وفيها عمل.
القارئ: ولا تجوز على مالا يثمر كالصفصاف.
стр. 2176
الشيخ: قوله (لا تجوز على ما لا يثمر) نقول هذا ما ذهب إليه المؤلف ﵀ والصحيح أنها تجوز ويكون للعامل الجزء المشروط، والصفصاف يشبهه شجر الأثل عندنا فإن شجر الأثل وإن كان له ثمر لكنه غير مقصود فلا يقصده الناس وإنما يقصدون الخشب فيكون الخشب المقطوع بمنزلة الثمرة.
القارئ: لأن موضوعها على أن للعامل جزءاً من الثمرة وفي المساقاة بعد ظهور الثمرة روايتان حكاهما أبو الخطاب إحداهما الجواز إذا بقي من العمل ما تزيد به الثمرة لأنها جازت في المعدومة مع كثرة الغرر فمع قلته أولى والثانية المنع لإفضائها إلى أن يستحق جزءاً من النماء الموجود قبل العمل فلم يصح كالمضاربة بعد الربح.
الشيخ: الصواب أنه تصح المساقاة بعد ظهور الثمر حتى وإن لم يبق جزء ينمو به الثمر لأنه سوف يحتاج إلى ماء حتى وإن انتهى نموه فهو يحتاج إلى الماء إلى أن يُجذ فلا مانع من ذلك فليس فيه غرر ولا ظلم ولا ربا.
القارئ: وإن ساقاه على شجر يغرسه ويعمل عليه حتى يحمل فيكون له جزء من الثمرة جاز نص عليه لأن الثمرة تحصل بالعمل عليها كما تحصل على النخل المغروس ولا تصح إلا على شجر معين معلوم برؤية أو صفة لأنها معاوضة يختلف الغرض فيها باختلاف الأعيان فأشبهت المضاربة ولو ساقيتك على أحد هذين الحائطين لم يصح.
الشيخ: قوله (معلوم برؤية) صورتها أن يطلب صاحب البستان من العامل أن ينظر إلى النخل ويراها بعينه وأما قوله (أو صفة) ففيها تردد لأن الصفة قد لا تكون على وجه محدود ومعين فماذا سيقول له، هل يقول النخلة طويلة أو قصيرة أو يقول بعض النخل طويل وبعض النخيل قصير أو يقول بعض النخل نشيط وبعض النخل ضعيف ففي جواز المساقاة بالصفة تردد لأن النخل يتخلف.
فصل
стр. 2177
القارئ: وظاهر كلام أحمد ﵁ أنها عقد جائز لما روي عن ابن عمر أن اليهود سألوا رسول الله ﷺ أن يقرهم بخيبر على أن يعملوها ويكون لرسول ﷺ شطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع فقال رسول الله ﷺ (نقركم على ذلك ما شئنا) رواه مسلم فلو كانت لازمة لقدر مدتها ولم يجعل إخراجهم إليه إذا شاء ولأنه عقد على مال بجزء من نمائه فكان جائزاً كالمضاربة فلذلك لا يفتقر إلى ضرب مدة.
الشيخ: استدلال المؤلف بهذا الحديث على أن المساقاة عقد جائز فيه نظر لأن قول النبي ﷺ (نقركم على ذلك ما شئنا) لا يعود إلى أصل المساقاة إنما يعود إلى إقرارهم في خيبر ولذلك لما نقضوا العهد طردهم عمر ﵁ فيكون هذا الإقرار ليس على المساقاة بل على البقاء أما عقد المساقاة فهو عقد لازم ولا شك لأننا لو قلنا إنها عقد جائز حصل في هذا ضرر لكان الفلاح إذا عمل ورأى أن الثمر أصيب بجائحة أو أنه لا يساوي العمل عليه فسخ العقد وكذلك لو رأى رب الأرض أو رب الشجر أن السهم الذي شَرط للعامل كثير لَفَسَخَ العقد فيحصل في هذا اضطراب، وعمل الناس اليوم على أنها عقد لازم ولهذا يحددون المدة فيقولون مثلاً ساقيتك على هذا النخل خمسُ سنوات أو عشرُ سنوات، وهذا هو الصحيح فالصحيح أنها عقد لازم وأنه لابد من تحديد المدة فيها.
القارئ: وإن وقتاها جاز كالمضاربة.
الشيخ: قوله (جاز كالمضاربة) نقول وعلى القول الراجح إذا وقَّتاها فإنه يجب التوقيت.
القارئ: وتنفسخ بموت كل واحد منهما وجنونه وفسخه لها.
الشيخ: هذا مبني على أن المساقاة عقد جائز أما إذا قلنا إنها عقد لازم فإنه ينتقل الحق إلى الورثة.
стр. 2178
القارئ: فإن انفسخت بعد ظهور الثمرة فهي بينهما لأنها حدثت على ملكهما وعلى العامل تمام العمل كعامل المضاربة إذا انفسخت قبل أن ينض المال وإن انفسخت قبل ظهورها بفسخ العامل فلا شيء له لأنه رضي بإسقاط حقه وإن انفسخت بغير ذلك فللعامل أجرة مثله لأنه منع إتمام عمله الذي يستحق به العوض فصار كعامل الجعالة.
الشيخ: ما ذكره المؤلف ﵀ وهو أن العامل يستحق أجرة المثل فيه نظر والصواب أنه يستحق قسطه من سهم المثل أو قسطه من السهم الذي جعل له وهذا أقرب، ويتبين الفرق فيما لو كان إذا قدر له أجرة المثل فاستوعب مالاً كثيراً أكثر من سهمه الذي كان له في الأول وإن كانت الأجرة رخيصة نقص حقه كثيراً فإذا قلنا إن له قسطه من السهم الذي جعل له كان هذا أقرب إلى العدل فيقال مثلاً هو أعطى نصف الثمرة إذا أكمل العام والآن قطع نصف الشوط فيعطى ربع الثمرة أي نصف نصيبه ويرجع في هذا إلى أهل الخبرة.
القارئ: وقال بعض أصحابنا هو لازم لأنه عقد معاوضة فكان لازما كالإجارة.
الشيخ: قوله (هو لازم) أي عقد المساقاة.
стр. 2179
القارئ: فعلى هذا يفتقر إلى تقدير مدتها كالإجارة ويجب أن تكون المدة تكمل الثمرة في مثلها لأن المقصود اشتراكهما في الثمرة فلا يحصل بدون ذلك فإن شرطا مدة لا تكمل الثمرة فيها فعمل العامل ففيه وجهان أحدهما لا شيء له لأنه رضي بالعمل بغير عوض فأشبه المتطوع والثاني له أجرة مثله لأنه يقتضي العوض فلم يسقط بالرضى بتركه كالوطء في النكاح وإن جعلا مدة تحمل في مثلها فلم تحمل فلا شيء له لأنه عقد صحيح فيه مسمى صحيح فلم يستحق غيره كعامل المضاربة إذا لم يربح وإن جعلا مدة قد تكمل فيها وقد لا تمكل ففيه وجهان أحدهما يصح لأنها مدة يرجى وجود الثمرة فيها فصح العقد عليها كالتي قبلها والثاني لا يصح لأنه عقد على معدوم ليس الغالب وجوده فلم يصح كالسلم في مثله فعلى هذا إن عمل استحق الأجر لأنه لم يرض بالعمل بغير عوض ولم يسلم له فرجع إلى بدله كالإجارة الفاسدة.
فصل
القارئ: ويجوز عقد المساقاة والإجارة على مدة يغلب على الظن بقاء العين فيها وإن طالت لأنه عقد يجوز عاماً فجاز أكثر منه كالكتابة فإذا عقدها على أكثر من عام لم يجب ذكر قسط كل سنة كما لو اشترى أعياناً بثمن واحد وإن قدر قسط كل سنة جاز وإن اختلفت نحو أن يقول ساقيتك ثلاثة أعوام على أن لك نصف ثمرة العام الأول وثلث الثانية وربع الثالثة فإن انقضت المدة قبل طلوع ثمرة العام الآخر فلا شيء للعامل منها لأنها حدثت بعد مدته وإن ظهرت في مدته تعلق حقه بها لحدوثها في مدته.
الشيخ: غالب الناس الآن يقدرون السنوات بسهم واحد فمثلاً يقول ساقيتك على هذا البستان ثلاثة سنوات بالثلث أو بالربع فالغالب أنهم لا يُفرِّقون، لكن قد تدعو الحاجة إلى التفريق مثل أن يكون العمل في هذا البستان في أول سنة أشق وأتعب فهنا سيطلب العامل سهماً أكثر.
السائل: لو قال صاحب الأرض للعامل اغرس هذه الأشجار ثم تكون بيننا مساقاة؟
стр. 2180
الشيخ: هذه يسمونها مغارسة لأنه إذا كان العمل على شجر لم يُغرس تسمى مغارسة ويكون السهم في أصل الشجر.
السائل: إذا لم يحدد في عقد المساقاة المدة فما حكم هذا العقد؟
الشيخ: إذا لم يعين المدة فسد العقد وحينئذ يرجع إلى سهم المثل.
السائل: إذا ترك العامل العمل في المزرعة بعد مدة معينة ولم يقم بما يجب عليه فهل يعطى أجرة المثل فيما عمله فيما مضى من المدة؟
الشيخ: لا يصح لأنها ليست إجارة وهو ما التزم بأنها إجارة بل هو التزم بأنها مساقاة وأن له سهماً على ذلك فإذا قدرنا أنه مضى من المدة نصفها وأن التعب في النصف الباقي كالتعب في النصف الأول استحق نصف السهم.
السائل: هل يجوز تحديد المدة بغير السنوات مثلاً إذا كانت الشجرة تحصد في السنة مرة واحدة فيقول له المدة بيننا ثلاثة حصادات؟
الشيخ: الحصاد لا يسمونه مساقاة بل هذه تسمى مزارعة، لكن هم إذا قالوا سنة ففي الغالب يقصدون سنة الثمرة ولا يقصدون بذلك السنة الهلالية.
فصل
القارئ: وحكم المساقاة والمزارعة حكم المضاربة في الجزء المشروط للعامل في كونه معلوماً مشاعاً من جميع الثمرة وفي الاختلاف في قدره وفساد العقد بجهله وشرط دراهم لأحدهما أو ثمر شجر معين أو عمل رب المال أو غلمانه وفي ملكه للنماء بالظهور لأنه عقد على العمل في مال ببعض نمائه فأشبه المضاربة.
стр. 2181
الشيخ: بين المؤلف أنه في عقد المساقاة لا بد أن يكون المعقود عليه معلوماً ومشاعاً فلو قال ساقيتك على هذا النخل ببعض ثمره فالعقد غير صحيح لأنه مجهول، ولو قال ساقيتك على هذا النخل على أن لك الجهة الشرقية ولي الغربية فهذا غير صحيح لأنه قد يثمر الشرقي كثيراً والغربي دون ذلك أو بالعكس، ولو قال ساقيتك على هذا البستان أو على هذا النخل على أن لك ما على السواقي يعني ما يمر به الماء لم يصح، لأن القاعدة في المشاركة أن يكون الشريكان متساويين في المغنم والمغرم لأنهما إذا لم يتساويا صار من الميسر فالقاعدة في جميع الشركات التي مضت في الأموال وكذلك المشاركات في المساقاة والمزارعة والمغارسة أنه لا بد أن يشترك الطرفان في المغنم والمغرم وإذا شُرِط لأحدهما دراهم أو ثمر شجر معين فإنه لا يصح، لكن لو أن الفلاح استأجر هذا البستان كل سنة بعشرة آلاف وصاحب البستان لن يتعرض لثمره إطلاقاً لأنه إجارة فهل يصح أو لا يصح نقول في هذا خلاف بين أهل العلم فمنهم من قال إنه لا يصح لأنه في الثمر بيع للثمرة قبل بدو صلاحها بل قبل ظهورها وفي الزرع كذلك بيع قبل اشتداد حبه وقبل ظهوره فلا يصح، وقال بعضهم يكون مساقاة في الثمر وأجرة في الأرض يعني الزرع الذي يزرع بالأرض لا بأس أن تؤجر الأرض من أجله وأما في النخل فلا إذ لا بد فيه من المساقاة، وعليه فإنه لابد أن يساقي في النخل ويؤجر على الأرض مثلاً عندي بستان فيه نخل وفيه مكان آخر ليس فيه نخل بل هي أرض بيضاء صالحة للزراعة فإذا ساقيتُ الفلاح على النخل وقلت له لك ثلث ثمر النخل وأما الأرض البيضاء فأنا أؤجرها عليك كل سنة بعشرة آلاف فهذا يصح لأن المساقاة على النخل جائزة وتأجير الأرض لزراعتها جائز ولا إشكال فيه، لكن الإشكال فيما إذا قلتُ له أجرتك هذا البستان كله نخله وبياض أرضه بعشرة آلاف ريال فهل هذا يجوز أو لا؟ المذهب أنه لا يجوز بل لا بد أن يكون العقد على النخل مساقاة وعلى
стр. 2182
الأرض بأجرة أو مزارعة واختار شيخ الإسلام ﵀ أن ذلك جائز أي أن تأجير البستان كله نخله وأرضه جائز فيقول صاحب الأرض خذ هذا البستان أجرتك إياه بعشرة آلاف ريال كل سنة تعطيني عشرة آلاف ريال والثمر لك، واستدل شيخ الإسلام على ذلك بتضمين أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ حديقة أسيد بن الحضير كان عليه دين فضمنها بعض الناس على أن يسلم الآن كذا وكذا من الدراهم وتكون الحديقة له لمدة عشر سنوات أو خمس سنوات، وعمر ﵁ له سنة متبعة وأيضاً نقول إن في ذلك مصلحة والآن قد بدأ أهل الأراضي والنخيل يتعاملون بهذه المعاملة وإلا ففي السابق لا يمكن أن يتعاملوا بهذه المعاملة إلا مساقاة في الشجر وإجارة في الأرض أو مزارعة، لكن الصواب ما ذهب إليه الشيخ ﵀ وفيه مصلحة للطرفين أما صحاب الأرض فيقول أنا آخذ دراهم بدون منازعة وبدون مراقبة للفلاح والفلاح أيضاً يطمئن فيأخذ من الثمر ما شاء ويتصدق بما شاء ويهدي لمن شاء ولا شريك له في ذلك لأن صاحب الأرض قد أخذ الأجرة وقول المؤلف ﵀ (شرط دراهم لأحدهما) هذا في المساقاة أما لو أجره تأجيراً فقد ذكرنا الخلاف في هذه المسألة.
القارئ: ولو شرط له ثمرة عام غير الذي عامله فيه لم يصح كما لو شرط للمضارب ربح غير مال المضاربة وإن قال إن سقيته سيحاً فلك الثلث وإن سقيته بنضح فلك النصف وإن زرعت في الأرض حنطة فلك النصف وإن زرعت شعيراً فلك الثلث لم يصح لأنه عقد على مجهول فلم يصح كبيعتين في بيعة ويتخرج أن يصح بناءً على قوله في الإجارة إن خطته رومياً فلك درهم وإن خطته فارسياً فلك نصف درهم.
стр. 2183
الشيخ: قوله (ويتخرج أن يصح بناءً على قوله) يعني قول الإمام أحمد ﵀، والموفق ﵀ من علماء المذهب الذين هم أهل التخريج والتوجيه فقوله يعتبر وجهاً في المذهب وتخريجه يعتبر تخريجاً على المذهب وهذا التخريج هو الصواب لأنه ليس هناك أي جهالة في هذا فقوله (إن سقيته سيحاً فلك الثلث وإن سقيته بنضح فلك النصف) الفرق فيه واضح فالسيح أنفع للثمر فيكون له الثلث ولصاحب الأرض أي البستان الثلثان وإن سقاه بنضح فله النصف لأن السقي بالنضح يكون أصعب في الغالب فيحتاج العامل إلى زيادة السهم وكذلك أيضاً قوله (إن زرعت حنطة فلك النصف وإن زرعت شعيراً فلك الثلث) هذا أيضاً لا بأس به ولا جهالة فيه فإذا زرع الشعير فله الثلث وإن زرع الحنطة فله النصف فليس هناك جهالة كما لو قال مثلاً في وقتنا الحاضر إن خطته أي الثوب سعودياً فلك كذا وإن خطته قطرياً فبكذا ويقصد بذلك أجرة الخياطة أو قال إن خطته سودانياً فبكذا أو مصرياً فبكذا وكذا وعلى كل حال فإن البلدان تختلف في الخياطة.
فصل
القارئ: وإن ساقاه على بستانين بالنصف من هذا والثلث من الآخر صح أوعلى أنواع جعل له من كل نوع قدراً أو جعل له في المزارعة نصف الحنطة وثلث الشعير وهما يعلمان قدر كل نوع أو كان البستان لاثنين فساقياه على نصف ثمرة نصيب أحدهما وثلث ثمرة الآخر وهم يعلمونه صح لأنه معلوم فصح كما لو كانا في عقدين وإن لم يعلموا لم يصح لأنه مجهول ولو قال ما زرعت فيها من حنطة فلك نصفه وما زرعت من شعير فلك ثلثه لم يصح لأنه مجهول.
стр. 2184
الشيخ: هذه المسألة غير المسألة الأولى فهذا الزرع مختلط حنطة وشعير فقال ما زرعتَ من حنطة فلك نصفه وما زرعتَ من شعير فلك ثلثه، ذكر المؤلف أن هذا لا يصح لأنه قد يزرع مساحة كبيرة في الحنطة ودونها في الشعير أو بالعكس ولكن الصحيح أنه جائز لأنه إذا كان يجوز في كل الأرض فيجوز في بعضها وأي فرقٍ في هذا بين المسألتين فالمسألة الأولى يقول إن زرعتَ الأرض شعير فبكذا أو حنطة فبكذا في كل الأرض والثانية يقول ما زرعتَ من شعير فلك كذا وما زرعتَ من حنطة فلك كذا فالمسألة الأولى على المذهب لا تصح ولكن ذكر المؤلف أنه يتخرج أن تصح والمسألة الثانية لم ذكر فيها التخريج فعلى هذا تكون ممنوعة ولكننا نرى أنه يتخرج أن تصح لأنه إذا صح في كل الأرض صح في بعضها ولا فرق وصورة المسألة الأولى مثلاً أرض مساحتها كيلو في كيلو فأعطيتها هذا الرجل يزرعها وقلتُ له إن زرعتها براً فلك نصفه وإن زرعتها شعيراً فلك ثلثه يصح أو لا يصح؟ نقول على رأي المذهب لا يصح وعلى القول الثاني الذي خرجه المؤلف يصح وهو كذلك الصحيح وأما صورة المسألة الثانية إذا أعطيته الأرض وقلتُ له إنك ستزرعها حنطة وشعيراً فما زرعتَ من الحنطة فلك نصفه وما زرعتَ من الشعير فلك ثلثه فهنا يرى المؤلف أنه لا يصح لأنه ربما يزرع ثلثيها شعيراً والثلث الآخر حنطة أو بالعكس أو يزرع النصف والنصف أو يزرع التسعة أعشار لصنف وعشر واحد لصنف والعلة هي الجهالة فنقول وماذا يضر في هذا فإنه إذا جاز في الكل فليجز في البعض ولا فرق.
السائل: ما هو السيح وما هو النضح؟
الشيخ: السيح هو أن يمشي الماء حتى يروى الزرع فتجعل له ساقية تصب في الحوض ثم تروي الزرع، والنضح يشبه الرش فهو أسهل.
فصل
стр. 2185
القارئ: وينعقد بلفظ المساقاة لأنه موضوعها وبما يؤدي معناه لأن المقصود المعنى ولا يثبت فيها خيار الشرط وإن قلنا بلزومها لأنه لا يمكن رد المعقود عليه إذا فسخ وفي خيار المجلس وجهان أحدهما لا يثبت لأنه لا يثبت فيها خيار الشرط فأشبه النكاح والثاني يثبت لأنه عقد لازم يقصد به المال فأشبه البيع.
الشيخ: القياس بالشبة ضعيف جداً، فالمسألة الأولى يقول المؤلف إنه لا يصح فيها خيار الشرط وهذا فيه نظر بل الصحيح أنه يصح فيها خيار الشرط إذا قلنا باللزوم أما إذا قلنا بغير اللزوم أي بأنها جائزة فلا حاجة لخيار الشرط لأنه متى شاء فسخها لكن إذا قلنا إنها لازمة فالصواب أنه يصح فيها خيار الشرط بشرط أن تكون المدة تنتهي قبل ابتداء عقد المساقاة فمثلاً لو قال ساقيتك على هذا النخل ثلاث سنوات ابتداءاً من شهر رمضان ونحن الآن في جمادى الأولى لكن لي الخيار لمدة شهر، فهذا جائز ولا مانع من ذلك لأن المساقي الآن لم يبدأ العمل والإنسان قد يتعجل في العقد ثم يتروى بعد ذلك لكن لو فُرِضَ أنه قال لي الخيار وابتداء المدة من العقد فهذه المسألة هي التي قد يتوقف فيها الإنسان مع أن الصواب أنها لا بأس بها وحتى في خيار الشرط في الإجارة إذا فسخ العقد مثلاً وقد مضى بعض المدة فإنه تقدر هذه المدة بأجرة المثل فهي لا تضيع عليه بل تقدر بأجرة المثل وقد مرَّ علينا سابقاً أن الأصل في العقود والشروط الحل حتى يتبين التحريم فنقول خيار الشرط في إجارة لا تبتدئ إلا بعد انتهائه أو في مساقاة لازمة لا تبتدئ إلا بعد انتهائه لا إشكال في جوازه وليس فيه مضرة على أحد لكن نقول نعم إذا كانت الإجارة تبتدئ من العقد وفيها شرط لمدة شهر فإذا فسخ العقد بطلت الإجارة ونرجع إلى أجرة المثل في هذا الشهر.
فصل
стр. 2186
القارئ: يلزم العامل ما فيه صلاح الثمرة وزيادتها كالحرث وآلته وبقره واستقاء الماء وإصلاح طرقه وقطع الشوك والحشيش المضر واليابس من الشجرة وزبار الكرم وتسوية الثمرة والحفظ والتشميس وإصلاح موضعه ونحو ذلك.
الشيخ: قوله (زبار الكرم) يعني العنب وهو قطع الأغصان الرديئة التي ليس فيها خير، وقوله (نحو ذلك) نقول كل ما يتعلق بالثمرة من أولها إلى آخرها فهو على العامل.
القارئ: وعلى رب المال ما فيه حفظ الأصل كسد الحيطان وإنشاء الأنهار وحفر بئر الماء وعمل الدولاب ونصبه.
الشيخ: قوله (عمل الدولاب) الدولاب أنا قد شاهدته عندنا هنا في عنيزة وهو عبارة عن عجلة يدور بها بغل أو حمار لها أسنان وعجلة أخرى لها أسنان فالأولى رأسية والثانية أفقية وهذه الأخرى هي من جنس الجنزير الذي يكون في السياكل أي الدراجة وفيه مغارف لكنها ليست كمغارف الطعام صغيرة بل هي مغارف كبيرة تدور حتى تصل إلى الماء فإذا وصلت إلى الماء غَرَفَتْ ثم صبت في الحوض الذي على الأرض ثم ترجع إلي البئر منقلبة ثم إذا وصلت الماء اعتدلت وغرفت من الماء.
القارئ: قال أصحابنا والثور الذي يديره لأن هذا يراد لحفظ الأصل ولهذا من أراد إنشاء بستان عمل هذا كله وقيل ما يتكرر في كل عام فعلى العامل ومالا يتكرر فعلى رب المال والجذاذ والحصاد واللقاط على العامل نص عليه لأن النبي ﷺ دفع خبير إلى يهود على أن يعملوها من أموالهم وهذا من العمل مما لا تستغني عنه الثمرة أشبه التشميس وعنه أن الجذاذ عليهما لأنه يوجد بعد تكامل الثمر وهذا ينتقض بالتشميس.
الشيخ: ما ذكره المؤلف صحيح فالتشميس على العامل فإذا كان التشميس على العامل وهو بعد الجذاذ فالجذاذ من باب أولى.
стр. 2187
القارئ: فإن شرط على أحدهما ما يلزم الآخر فقد نص أحمد ﵁ على أن الجذاذ عليهما ويصح شرطه على العامل فيتخرج في سائر العمل مثل ذلك قياساً عليه وقال القاضي تفسد المساقاة لأنه ينافي مقتضاها أشبه ما لو شرط عمل المضاربة على رب المال.
الشيخ: التخريج الذي ذكر المؤلف ﵀ صحيح وهو أنه إذا شرط أحدهما على الآخر ما يلزمه أي ما يلزم الشارط فلا بأس لأن هذا حق لهما فإذا التزم أحدهما بالقيام به عن الآخر فأي مانع في هذا، وبناءً على هذا نقول لو قيل إنه يُرْجَعُ في هذا إلى العرف والأعراف تختلف في كل زمان ومكان _ فإذا جعلنا الشرط العرفي كالشرط اللفظي _ كما هي القاعدة والشرط العرفي هو أن يكون العرف مطرداً فيكون كالمشروط تماماً لأن العقد المطلق ينصرف إلى المعهود عند العامة وهو العرف المطرد عندهم.
وخلاصة هذا الفصل أن يقال القاعدة على المذهب أن ما يحفظ به الأصل فهو على رب المال وما يحفظ به الثمرة فهو على العامل، وإن شرط أحدهما على الآخر ما يلزمه فهل تصح المساقاة؟ الجواب ذهب القاضي إلى أنها تفسد والصحيح أنها لا تفسد وأن المرجع في ذلك إلى العرف.
فصل
القارئ: والعامل أمين والقول قوله فيما يدعيه من تلف أو يدعى عليه من خيانة أو تفريط وإن ثبتت خيانته ضم إليه من يشرف عليه ولا تزال يده عن العمل لأنه يمكن استيفاؤه منه فإن لم ينحفظ استؤجر من ماله من يعمل عنه لأنه تعذر استيفاؤه منه فاستوفي بغيره وإن هرب فهو كفسخه إن قلنا بجواز العقد وإن قلنا بلزومه رفع الأمر إلى الحاكم ليستأجر من ماله من يعمل عنه فإن لم يكن له مال أقترض عليه.
الشيخ: قوله (أقترض عليه) يعني الحاكم.
стр. 2188
القارئ: فإن لم يجد فللمالك الفسخ لأنه تعذر استيفاء المعقود عليه فأشبه ما لو استأجر داراً فتعذر تسليمها ثم إن فسخ قبل ظهور الثمرة فلا شيء للعامل لأن الفسخ لأمر من جهته وإن كانت ظاهرة فهي بينهما وإن لم يفسخ رب المال استأذن الحاكم في الإنفاق ثم رجع بما أنفق فإن لم يجد حاكما أشهد على الإنفاق بشرط الرجوع ورجع به لأنه حال ضرورة وإن أنفق من غير استئذان الحاكم مع إمكانه ففي الرجوع وجهان بناءً على قضاء دينه بغير إذنه وإن عجز العامل عن العمل لضعفه أو عن بعضه أقام مقامه من يعمله فإن لم يفعل فهو كهربه وإن استأذنه رب المال فأنفق بإذنه رجع عليه.
الشيخ: قوله (وإن استأذنه رب المال فأنفق بإذنه رجع عليه) نقول وذلك في حال ضعفه أو عجزه فيكون المعنى إن استأذن رب المال العامل فأنفق بإذنه أي بإذن العامل رجع عليه.
السائل: هل يصح للشريك أن يقيم مقامه آخر؟
الشيخ: نعم يجوز أن يقيم مقامه آخر بشرط أن لا يتضرر الأصل.
فصل
القارئ: فإن مات العامل أو رب المال وقلنا يلزم العقد قام الوارث مقامه لأنه عقد لازم أشبه الإجارة فإن كان الميت العامل فأبى الوارث الإتمام أو لم يكن وارث استؤجر من التركة من يعمل فإن لم يجد تركة فلرب المال الفسخ ولا يقترض عليه لأنه لا ذمة له وإذا فسخ فالحكم على ما ذكرنا
فصل
القارئ: فإن بان الشجر مستحقاً رجع العامل على من ساقاه بالأجرة لأنه لم يسلم له العوض فرجع على من استعمله.
الشيخ: هذه المسألة سبق نظيرها وهي إذا بان الشجر مستحقاً أي لغير الذي ساقاه فمعلوم أن صاحبه سيأخذه، فبماذا يرجع العامل؟ الجواب المذهب يرجع بالأجرة لأن العقد تبين بطلانه فَيُرجع إلى الأجرة فيأخذها من الذي ساقاه والصحيح كما سبق أنه يُضْرَبُ له سهم المثل من المساقاة.
стр. 2189
القارئ: فإن كانت الثمرة باقية أخذها ربها وإن كانت تالفة ضمنها لمن شاء منهما فإن ضمنها للغاصب ضمنه جميعها لأنه حال بينه وبينه وإن ضمنها العامل ضمنه النصف لأنه لم يحصل في يده غيره ويحتمل أن يضمنه الجميع لأن يده ثبتت عليه وعمل فيه فضمنه كالعامل في القراض.
الشيخ: معنى (ضمنه النصف) يعني أَخَذَ الثمر كلها فيكون الفائت على العامل هو النصف.
باب
المزارعة
القارئ: وهي دفع الأرض إلى من يزرعها بجزء من الزرع.
الشيخ: قوله (دفع الأرض إلى من يزرعها بجزء من الزرع) نقول نحتاج إلى زيادة قيد وهو أن يكون مشاعاً وقيد ثالث أن يكون معلوماً.
القارئ: وتجوز في الأرض البيضاء والتي بين الشجر لخبر ابن عمر ﵄ وما ذكرنا في المساقاة وأيهما أخرج البذر جاز لأن النبي ﷺ دفع خيبر معاملة ولم يذكر البذر وفي ترك ذكره دليل على جوازه من أيهما كان وفي بعض لفظ الحديث ما يدل على أنه جعل البذر عليهم لقول ابن عمر (دفع رسول الله ﷺ نخل خيبر وأرضها إليهم على أن يعملوها من أموالهم) رواه مسلم وفي لفظ (على أن يعملوها ويزرعوها ولهم شطر ما يخرج منها) وعن عمر ﵁ (أنه كان يدفع الأرض على أن من أخرج البذر فله كذا ومن لم يخرجه فله كذا) وظاهر كلام أحمد ﵁ أنه يشترط كون البذر من رب الأرض لأنه عقد يشترك رب المال والعامل في نمائه فوجب أن يكون رأس المال من رب المال كالمساقاة والمضاربة فإن شرطه على العامل أو شرط أن يأخذ رب الأرض مثل بذره ويقتسما ما بقي فسدت المزارعة ومتى فسدت فالزرع لصاحب البذر لأنه من عين ماله ولصاحبه عليه أجرة مثله.
стр. 2190
الشيخ: الصحيح أنه لا يشترط أن يكون البذر من رب الأرض لأنه لا دليل عليه والقياس لا يصح بل ظاهر الدليل أنه ليس على صاحب الأرض لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عامل أهل خبير بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع ولم يذكر أن الحب الذي يزرع يكون عليهم وهذا هو الذي عليه العمل ولهذا قال صاحب زاد المستقنع ولا يشترط كون البذر والغراس من رب الأرض وعليه عمل الناس، وقوله (ولصاحبه عليه أجرة مثله) نقول الصحيح أن له سهم المثل لأن العقد وقع على المشاركة فيجب أن يعطى مثل نصيب مَنْ شارك.
فصل
القارئ: فإن دفع بذراً إلى ذي أرض ليزرعه فيها بجزء لم يصح لأن البذر لا من العامل ولا من رب الأرض فإن قال أنا أزرع أرضي ببذري وعواملي على أن سقيها من مائك بجزء لم يصح لأن المزارعة معاملة على الأرض فيجب أن يكون العمل فيها من غير صاحبها وعنه أنه يصح اختارها أبو بكر لأنه لما جاز أن يكون عوض العمل جزءاً مشاعا جاز أن يكون عوض الماء كذلك وإن كانوا ثلاثة من أحدهم الأرض ومن آخر العمل ومن آخر البذر والزرع بينهم فهي فاسدة لما ذكرنا في أول الفصل.
فصل
القارئ: فإن قال أجرتك هذه الأرض بثلث الخارج منها فقال أحمد ﵁ يصح واختلف أصحابه فقال أكثرهم هي إجارة صحيحة يشترط فيها شروط الإجارة وقال أبو الخطاب هذه مزارعة بلفظ الإجارة فيشترط فيها شروط المزارعة وحكمها حكمها لأن النبي ﷺ قال (من كانت له أرض فليزرعها أو فليزرعها أخاه ولا يكريها بثلث ولا بربع ولا بطعام مسمى) رواه أبو داود ولأن هذا مجهول فلم يجز أن يكون عوضاً في الإجارة كثلث نماء أرض أخرى.
стр. 2191
الشيخ: لو قال آجرتك هذه الأرض بمائة صاع فإنه يصح لأن المائة صاع خارجة عن الزرع الذي زرعه في الأرض، ولو قال آجرتك هذه الأرض بمائة صاع مما يخرج منها فإنه لا يصح لأن هذا شرط معلوم في المزارعة فلا يصح، ولو قال آجرتك هذه الأرض بثلث ما يخرج منها ففيها قولان في مذهب الإمام أحمد قول أنه يصح وهو نص الإمام أحمد ﵀ والقول الثاني أنه لا يصح، ولكن نقول الأصل في المعاملات الحل إلا ما قام الدليل على تحريمه بنص أو قياس صحيح.
فصل
القارئ: وحكم المزارعة حكم المساقاة فيما ذكرناه من الجواز واللزوم وما يلزم العامل ورب الأرض وغير ذلك من أحكامها لأنها معاملة على الأرض ببعض نمائها وإن كانت الأرض ذات شجر فقال ساقيتك على الأرض والشجر بالنصف أو قال ساقيتك على الشجر بالنصف وزارعتك الأرض بالثلث جاز لأنهما عقدان يجوز إفرادهما فجاز جمعهما كعينين.
فصل
القارئ: ومتى سقط من الحب شيء ثم نبت في عام آخر أو سقط من حب المستأجر ثم نبت في عام آخر فهو لصاحب الأرض لأن صاحب الحب أسقط حقه منه بحكم العرف بدليل أن لكل أحد التقاطه فسقط كما لو سقط النوى فنبت شجراً.
стр. 2192
الشيخ: ما ذكره المؤلف صحيح وذلك أن الزرع عند الحصاد لا بد أن يتناثر منه حب فإذا نبت هذا الحب فهو لصحاب الأرض لأن هذا هو العرف والدليل على هذا أنه لو تتبع هذا الحب أحد بعد الحصاد فإنه له كما جرى به العرف لكن لو أصيب هذا الزرع ببرد فحصده حصداً ونبت الحب الذي تأثر بهذا البَرَد فهل نقول إنه لصاحب الأرض أو نقول إن الزرع لمالك الحب؟ الجواب الثاني لأن هذا شيء خارج عن العادة وصورة المسألة نقول هذا إنسان زرع هذه الأرض ثم أرسل الله عليها بَرَداً ثم إن البرد كسر هذا الزرع واختلط الحب بالطين وفي السنة الثانية نبت فهل نقول إنه لصاحب الأرض أو نقول إنه لصاحب الحب؟ الجواب الثاني ولا شك لأن هناك فرقاً بين ما جرت العادة بأنه يسقط ويملكه من لَقَطَهُ وبين هذا الذي تلف على صاحبه بآفة فإنه لازال ملكه عليه.
السائل: قول المؤلف أحمد ﵁ ما حكم هذه العبارة ﵁؟
الشيخ: جرى العادة والعرف أن ﵁ تقال للصحابة وأما من بعدهم فيقال ﵏ إلا أنهم يتساهلون بالنسبة للأئمة فيقولون الإمام أحمد ﵁، الإمام الشافعي ﵁، الإمام مالك ﵁، الإمام أبوحنيفة ﵁، لكن العرف المطرد أن هذا الدعاء ﵁ للصحابة فقط، والأحسن أن يقال عن الأئمة ﵀.
стр. 2193
كتاب الإجارة
القارئ: وهي بيع المنافع وهي جائزة في الجملة لقول الله تعالى (قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ) الآيتين وقول الله تعالى (فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنّ) ولأن الحاجة إلى المنافع كالحاجة إلى الأعيان فلما جاز عقد البيع على الأعيان وجب أن يجوز عقد الإجارة على المنافع.
الشيخ: استدل المؤلف ﵀ على جواز الإجارة بالنص والقياس فالنص صريح وهو قوله تعالى (قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ) وقوله (فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنّ) وأما القياس فهو أن يقال إن الناس في حاجة إلى المنافع كما هم في حاجة إلى الأعيان فلما جاز بيع الأعيان وجب أن يجوز بيع المنافع.
القارئ: وتنعقد بلفظ الإجارة والكرى لأنه لفظ موضوع لها وفي لفظ البيع وجهان أحدهما تنعقد به لأنها صنف منه والثاني لا تنعقد به لأنها تخالفه في الاسم والحكم فلم تنعقد بلفظه كالنكاح.
الشيخ: الظاهر أنها تصح بلفظ البيع إذا أضيف إلى المنافع بأن يقول بعت عليك منافع هذا البيت لمدة سنة فلا مانع في أن نقول إنها إجارة صحيحة لأن هذا هو الذي يدل عليه هذا العقد.
فصل
القارئ: وتجوز إجارة الظئر للرضاع والراعي لرعاية الغنم للآيتين.
الشيخ: قوله (الآيتين) هما قوله تعالى (قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ) هذا في راعي الغنم وقوله تعالى (فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنّ) هذا في الظئر أي المرضعة، والمعنى أنه يجوز أن نستأجر امرأة ترضع هذا الطفل لأن الله نص على الجواز فقال الله ﵎ (وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى) وسبحان الله إن تعاسر الزوج والزوجة في إرضاع الطفل فإن الله تعالى سوف يجعل له من يرضعه من غير أمه ولهذا أكد هذا الحكم فقال (فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى) وفي هذا بشارة لمن عنده طفل وتعاسر مع أمه أن الله سيجعل له فرجاً وسترضع له امرأة أخرى وفي عصرنا الحاضر والحمد لله هناك فرج آخر وهو الحليب الصناعي.
стр. 2194
القارئ: واستئجار الدليل ليدل على الطريق لأنه ثبت (أن النبي ﷺ وأبا بكر استأجرا رجلا رجل من بني الديل هادياً خريتا والخريت الماهر بالهداية وهو على دين كفار قريش وأمناه فدفعا إليه راحلتيهما وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال فأتاهما براحلتيهما صبيحة ليال ثلاث فارتحلا) رواه أحمد والبخاري.
الشيخ: في هذه القصة جواز استئجار غير المسلم وائتمانه وفيها أيضاً الأخذ بقوله لأن هذا الرجل مشرك ويدلهما في أخطر طريق بالنسبة لهما وهو طريق الهجرة لأن قريشاً تطلب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأبو بكر حتى جعلت لمن أتى بهما مائتين من الإبل فيستفاد منه أنه يجوز أن يستأجر الإنسان طبيباً كافراً لدوائه وهو أحد الأدلة التي استدل بها من يرى أنه يقبل قول الطبيب في أن لا يصوم الإنسان وأن لا يصلي قائماً وأن لا يركع وأن لا يسجد إذا كان الطبيب ثقة ولو كان كافراً وهو القول الراجح والعمل عليه الآن.
القارئ: وإجارة كل عين يمكن استيفاء المنفعة المباحة منها مع بقاء عينها دائماً قياساً على المنصوص عليه وتجوز إجارة النقود للتحلي والوزن واستئجار شجر ليجفف عليها الثياب والغنم لتدوس الزرع والطين لأنها منفعة مباحة يجوز أخذ العوض عنها في غير هذه الأعيان فجاز فيها كالبيع.
الشيخ: قوله (إجارة النقود للتحلي) هل يتحلى بالنقود؟ الجواب نعم يُتحلَّى بها وهو معروف عندهم في السابق وأدركنا شيئاً من ذلك فتنظم الدنانير في قلادة وتحلى بها المرأة وقوله (والوزن) هل يوزن بالنقود؟ الجواب نعم يوزن بها وأدركنا هذا أيضاً يقول لك مثلاً وزن الريال بكذا وكذا، قوله (واستئجار شجر ليجفف عليها الثوب والغنم لتدوس الزرع والطين) الغنم تدوس الزرع وذلك بأن ينشر الزرع وتمشي عليه حتى يتميز الحب من العصر وقوله (والطين) المقصود به الحرث وذلك بأن تمشي عليه حتى تلينه بأظلافها.
стр. 2195
القارئ: ولا يجوز عقدها على مالا نفع فيه مثل أن يستأجر للزرع سبخة لا تنبت أو لا ماء لها يكفي فإن كان لها ماء معتاد كماء العيون والأنهار والمد بالبصرة والمطر في موضع يكتفي به جاز وإن كانت الأرض على نهر تسقى بزيادته كالنيل والفرات وتسقيها الزيادة المعتادة جازت إجارتها لأن الغالب وجودها فهي كالمطر لغيرها وإن كان لا يسقيها إلا زيادة نادرة فاستأجرها بعد الزيادة صح لأنها معلومة وإن استأجرها قبلها لم يصح لأنه لا يعلم وجودها فهي كبيع الطير في الهواء وإن استأجرها ولم يذكرها للزارعة وكانت تصلح لغيرها صح وإن لم تصلح لغيرها لم يصح لأن نفعها معدوم وإن غرقت الأرض فاكتراها لزرع مالا ينبت في الماء كالحنطة وللماء مغيض يمكن فتحه فينحسر الماء ويمكن زرعها صح لأنه يمكن زرعها بفتحه كما يمكن سكنى الدار بفتحها وإن علم أنه ينحسر عادة صح لأنه يُعلم بالعادة إمكان الانتفاع فإن لم يُعلم هل ينحسر أو لا لم يصح لما ذكرنا وإن اكترى أرضاً على نهر تغرق بزيادته المعتادة لم يصح لأنه غير منتفع بها عادة فإن كانت بخلاف ذلك صح.
الشيخ: الشرط الذي ذكره المؤلف هنا مهم فيشترط أن يعقد الإجارة على شيء يمكن أن ينتفع به فإن لم يمكن لم تصح لأن ذلك من إضاعة المال وقد نهى النبي ﷺ عن إضاعته، وضرب المؤلف لهذا أمثله مثل أراضي لا يمكن أن يأتيها النهر والمطر فيها قليل فكيف يستأجرها للزرع؟ أما لو أستأجرها وأطلق وهي تصلح للزرع وغيره فهذا لا بأس به والأمثلة التي ذكرها المؤلف وهي واضحة.
فصل
стр. 2196
القارئ: ولا يجوز عقد الإجارة على المنافع المحرمة كالغناء والنياحة والزمر ولا إجارة داره لمن يتخذها كنسية أو بيت نار أو يبيع فيها الخمر ونحوه لأنه محرم فلم تجز الإجارة لفعله كإجارة الأمة للزنا ولا يجوز استئجار رجل ليكتب له غناء أو نوحاً أو شيئاً محرماً لذلك ولا يجوز استئجاره ليحمل خمرا ليشربها لذلك وعنه فيمن حمل خنزيراً أو ميتة لنصراني أكره أكل كرائه ولكن يُقضى له بالكراء وإذا كان لمسلم فهو أشد قال القاضي هذا محمول على أنه استأجره ليريقها أما للشرب فمحظور لا يحل أخذ الأجرة عليه.
стр. 2197
الشيخ: هذا الفصل مهم جداً وهو أن جميع المنافع المحرمة لا يجوز أخذ الأجرة عليها فمثلاً في الغناء لو استأجر رجلاً يغني له غناء حراماً لم يجز وذلك لأن الغناء ليس كله حراماً لكن المقصود هنا الغناء المحرم فلا يجوز لقول الله تعالى (وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَان) وهذا وقوع في التعاون على الأثم والعدوان فلا يصح لأن كل ما نهى الله عنه بعينه فإن العقد عليه لا يصح، قوله (والنياحة) وذلك بأن يستأجر نساء ينحن على ميته فهذا لا يجوز لأن النياحة ملعون فاعلها فإذا استأجر نساءً تنوح على ميته فقد استأجرهن على عمل محرم، قوله (الزمر) يعني الزمر بالمزمار كالموسيقى وشبهها فهذا أيضاً لا يجوز أخذ الأجرة عليه، قوله (ولا إجارة داره لمن يتخذها كنيسة) وذلك بأن يستأجرها النصارى ليتخذوها كنيسة يتعبدون لله تعالى فيها فهذا حرام أيضاً، ولو استأجر دكاناً ليكون بقالة ومن مواد البقالة الدخان فهل يجوز أو لا؟ الجواب إن شرط عليه أن لا يدخل فيه الدخان جاز وإلا فلا لأن هذا العقد جمع في صفقة واحدة بين ما يجوز التأجير عليه ومالا يجوز، قوله (أو بيت نار) وذلك بأن يجعلها بيت نار للمجوس يتعبدون لله فيها، قوله (أو يبيع فيها الخمر ونحوه لأنه محرم فلم تجز الإجارة لفعله كإجارة الأمة للزنا) إجارة الإماء للزنا حرام لأن النبي ﷺ (نهى عن مهر البغي) لكن لو استأجرها للزنا وزنى بها أيقام عليه الحد أو لا؟ الجواب قال بعض أهل العلم أنه لا يقام عليه الحد لأن هذه شبهة وقال آخرون بل يقام عليه الحد لأن تركه يؤدي إلى أن يستأجر النساء ليزني بهن ثم يقول إن الحد لا يقام عليه، قوله (ولا يجوز استئجاره ليحمل خمراً ليشتربها لذلك) أي لهذه العلة، قوله (وعنه فيمن حمل خنزيراً أو ميتة لنصراني أكره أكل كرائه ولكن يقضى له بالكراء) الإمام أحمد ﵀ إذا قال أكره فهو للتحريم لأنه من ورعه لا يطلق التحريم إلا فيما ثبت
стр. 2198
تحريمه وأما ما لم يثبت فإنه يتورع فيقول أكره وعلى هذا فهو يرى تحريم أكل الكراء لمن حمل خنزيراً أو ميتة لنصراني فيرى الإمام أن أكله حرام، ولكن هل يرى أن لا يؤخذ من النصراني شيء؟ الجواب لا بل يرى أنه يطالب بالكراء لأننا لو قلنا لهذا الرجل الكراء عليك حرام يكون النصراني قد كسب وجمع بين العِوضِ والمُعوَّضِ لأن متاعه حمل إليه والأجرة أسقطناها عنه وعلى هذا فنوجه هذه الرواية بأن يُأخذ الكراء من هذا النصراني ولكن لا يأكله بل يتصدق به وهذا التوجيه متمشي على القواعد الشريعة لأن تركه للنصراني يكون جمعاً له بين العوض والمُعوَّض ثم فيه سخرية من النصراني بأن يلعب على ذقون المسلمين فنأخذ منه الأجرة ونقول للرجل الذي حمل الخنزير والميتة هذا لا يطيب لك لأنه عوض منفعة محرمة وعليك أن تتصدق به وكذلك أيضاً نقول مثل هذا في الربا إنسان مثلاً أعطى البنك مائة ألف على أن يعطيه في كل مائة عشرة ريالات ثم تاب فهل نقول لا تأخذ من البنك شيئاً؟ الجواب لا، بل نقول خذ منه لكن لا تحل لك لأنها أُخِذت بكسب محرم بل تصدَّقْ بها، ثم هل تقبل الصدقة من الربا؟ الجواب نقول نعم تقبل للتخلص منه فتقبل منه التوبة لا الصدقة لأنه لم يملكه حتى يتصدق به والمهم أن الرواية عن الإمام أحمد متمشية تماماً على القواعد الشرعية وعليه فنقول لو حمل خمراً لشخص فإنه لا يجوز لكن يقضى له بالأجرة ويتصدق بها، وأما حمل القاضي ﵀ هذا على أنه استأجره ليريقها فهذا لو فُرِضَ أي أنه استأجره ليريقها فإن الإجارة صحيحة والأجرة حلال لأن هذا استئجار لإتلافها لا لشربها لكن هذا الحمل من القاضي عفا الله عنه بعيد جداً من مراد الإمام أحمد ﵀.
стр. 2199
القارئ: وإن استأجر حجاماً ليحجمه جاز (لأن النبي ﷺ حجمه أبو طيبة فأعطاه أجره صاعين من طعام وكلم مواليه فخففوا عنه) متفق عليه قال ابن عباس ولو كان حراماً ما أعطاه أجره ويكره للحر أكل أجره لقول النبي ﷺ (كسب الحجام خبيث وقال أطعمه عبدك أو خادمك) وقال القاضي لا تصح إجارته لهذا الحديث.
الشيخ: الحجامة لا شك أنها دواء والذي يعتادها لا يمكن أن يصبر عنها والذي لم يعتدها يمكن أن يصبر بدونها وعلى كل حال نقول الحجام هل له أن يأخذ الأجرة أو لا، وهل استئجاره للحجامة جائز أو لا؟ الجواب احتجم النبي ﷺ وأعطى الحجام أجره ولا يمكن أن النبي ﷺ يعقد مع الحجام شيئاً حراماً ولهذا قال ابن عباس لو كان حراماً لم يعطه وصدق ﵁ ولكن كيف نجمع بين هذا الحديث الصحيح المتفق عليه وبين قول النبي ﷺ (كسب الحجام خبيث) نقول جمع بينهما بعض العلماء وقال إنه هنا جهتين جهة للمحجوم فهذا لا يكره ولا يحرم عليه أن يعطي الحجام أجره وذلك لفعل النبي ﷺ والجهة الأخرى جهة الحاجم فإنه يقال له تَنَزَّه عنها لأن أخذ الأجرة عليها دناءة ولذلك أكثر ما يكون الحجامون من الأرقاء وأشبهاهم فينبغي أن يترفع الإنسان عنها فيكون المراد بالخبث في قوله (كسب الحجام خبيث) ليس الخبث الشرعي لكنه الخبث العرفي أو الخبث بمعنى الرديء كما قال الله تعالى (وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ) وهذا جمع حسن، وهو أحسن مما لو جمع الإنسان بينهما فقال كسب الحجام إذا تعينت عليه الحجامة خبيث لأنه إذا تعينت عليه الحجامة يجب عليه إنقاذ المريض فأحياناً الذين اعتادوا الحجامة يغشاهم الدم حتى يسقطوا صرعى وحينئذ يتعين على العارف بالحجامة أن يحجمهم فإذا أخذ الأجرة على هذا فهو خبيث خبث تحريم لأنه يجب عليه إنقاذه.
стр. 2200
السائل: لماذا لا يكون عمل الحجام مثل الطبيب لأن الطبيب يداوي الناس ويأخذ الأجرة فكذلك الحجام؟
الشيخ: لأن عمل الحجام عوض عن استخراج دم، ثم هو كما قلنا أنه خبيث عرفاً ودناءة وليس خبيث شرعاً وحينئذ لا نقول إنه مكروه.
السائل: هل التبرع بالدم يكون مثل الحجامة؟
الشيخ: لا، التبرع بالدم من الإحسان إلى الغير فإذا وجدنا مريضاً محتاجاً إلى دم ووجدنا شخصاً آخر يوافق دمه دم هذا المريض لأن الدماء تختلف وقال الأطباء إن أخذ الدم من هذا وإعطاءه المريض لا يضر بالصحيح شيئاً فإنه لا شك أن هذا من الإحسان أن يتبرع الإنسان لأخيه.
السائل: ما هو الفرق بين من أجر محلاً لشخص وفعل فيه محرم أو باع فيه محرم وبين من أجره بيتاً للسكن ففعل فيه محرم؟
الشيخ: الفرق بينهما نقول إذا استأجر شخص من آخر داره ليجعلها كنيسة فهذا حرام لأن المنفعة التي استأجر من أجلها البيت منفعة محرمة وإذا استأجر هذا البيت ليسكنه لكن فعل فيه محرم فهذا أصل العقد فيه حلال.
السائل: وإن أجره له على أنه دكان وباع فيه الدخان فما هو الحكم؟
الشيخ: إذا علمنا بالعرف المطرد أن أصحاب البقالات لابد أن يكون عندهم دخان فحينئذ يشترط عليه ألا يبيع الدخان في الدكان.
فصل
القارئ: ولا تجوز إجارة الفحل للضراب لما روى ابن عمر ﵁ (أن النبي ﷺ نهى عن عسب الفحل) أخرجه البخاري ولأن المقصود منه الماء الذي يخلق منه الولد وهو محرم لا قيمة له فلم يجز أخذه عوضه كالدم.
стр. 2201
الشيخ: إجارة الفحل للضِّرَاب ثبت النهي عنها لما فيها من قطع المروءة بين الناس ولأن هذا الجمل إما أن يتضرر بالضِّرَاب أو لا يتضرر فإن تضرر بالضِّرَاب فليمنعه أصلاً من الضِّرَاب وإن كان لا يتضرر فلا يمنعه، لكن بعض الناس يقول أنا لا أريد أن أعوِّدَ الجمل الضِّرَاب أو الحمار النَّزْوَ لأنِّي إذا عَوَّدْتُهُ ذلك صار صعب الشكيمة متى رأى أنثى ذهب يركض إليها وترك صحابه فيقول أنا لا أدعه يضَّرَب إلا بفلوس، نقول هذا لا يجوز وإما أن تمنع ولك المنع ولا أحد يقول لابد أن تبذل عسب الفحل وإما أن لا تمنع ولكن بدون عوض.
القارئ: ولا يجوز إجارة النقود ليجمل بها الدكان لأنها لم تخلق لذلك ولا تراد له فبذل العوض فيه من السفه وأخذه من أكل المال بالباطل وكذلك استئجار الشمع للتجمل به أو ثوب ليوضع على سرير الميت لا يجوز ذلك.
الشيخ: كل هذه لا تجوز لأنها لا داعي لها ولا مصلحة فيها للإنسان فمثلاً استأجر النقود والمقصود بالنقود الدراهم والدنانير فهو استأجر النقود من أجل أن يُجمِّل بها دكانه فيصفها مثلاً على سقف الباب حتى يقول الناس إن هذا الرجل غني فيُجمِّل بها الدكان فهذا لا يجوز كما علل المؤلف ﵀ بأنها (لم تخلق لذلك) يعني أنها لم تُصنع لهذا وإنما صنعت للتداول والوصول بها إلى الحاجات من بيع أو إجارة وقال المؤلف أيضاً (ولا تراد له فبذل العوض فيه من السفه وأخذه من أكل المال بالباطل) ثم قال المؤلف (كذلك استئجار الشمع للتجمل به) نقول استئجار الشمع مشكل لأنه لا يمكن أن ينتفع به إلا بعد تلفه لأن الشمع يذوب ويضمحل لكن لو فُرِضَ أنه استأجر شمعاً يصفها مثلاً على الدكان حتى يقول الناس إن هذا الدكان دكان واسع فيه الشموع وما إلى ذلك، فنقول كل شيء لا يراد وإنما هو للفخر والخيلاء فإنه لا يجوز استأجره.
فصل
стр. 2202
القارئ: ولا يجوز عقد الإجارة على ما تذهب أجزاءه بالانتفاع به كالمطعوم والمشروب والشمع ليسرجه والشجر يأخذ ثمرته والبهيمة يحلبها لأن الإجارة عقد على المنافع فلا تجوز لاستيفاء عين كما لو استأجر ديناراً لينفقه إلا في الظئر تجوز للرضاع لأن الضرورة تدعو إليه لبقاء الآدمي ولا يقوم غيرها مقامها.
الشيخ: لا يجوز استئجار شيء لا يمكن الانتفاع به إلا بإتلافه مثل الشمع فإذا استأجر شمعاً لأجل أن يوقده فهذا لا يجوز وحتى لو أنه اشترى الشمع وقال اشتري الحبة مثلاً بعشرة ريالات وما ذاب بالإحراق فهو بقسطه من الثمن فقال الفقهاء إن هذا حرام أيضاً لأنه لا يدرى ما الذي يبقى فالشمعة الطويلة مثلاً إذا اشتراها وقال إني اشتريها منك بعشرة ريالات على أن ما بقي منها أرده عليك بقسطه من الثمن فهذا لا يجوز لما فيه من الجهالة فيما يبقى وعلى هذا فلا طريق إلا أن يشتري الشمع شراء باتاً وما بقي فهو له وما تلف فهو عليه، لكن بعض العلماء يقول إنه لا بأس بأن يستأجر الشمعة ليشعلها لأن ما يحصل من الإضاءة بمنزلة المنفعة فإذا استأجر هذه الحبة مثلاً بعشرة ريالات ليشعلها فلا بأس، ثم ذكر المؤلف ﵀ أنه لا يجوز استئجار البهيمة ليحلبها لأن المستأجر الآن هو اللبن ولا يمكن استيفاؤه إلا بإتلافه ولكن هذا القول ضعيف جداً، أولاً: أنه لا دليل على المنع والأصل في المعاملات الإباحة.
ثانياً: أن هذه العين وهي اللبن عين يخلفها عين أخرى فإذا حلب جاء بدلها حليباً فهذه الأعيان التي تُخْلَفُ ويأتي بدلها شيء آخر تعتبر كالمنافع.
стр. 2203
ثالثاً: أن الله أجاز أن تستأجر المرأة لتُرْضِع الطفل فقال الله تعالى (فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ) وأيُّ فرق بين لبن المرأة ولبن الشاة لكن الفقهاء قالوا لأن حرمة الآدمي أعظم ولو منعنا استئجار المرأة _ وتسمى الظئر وهي المرضع _ لو منعاه لتلفت بذلك نفس آدمي وهذا ليس كتلف البهيمة، والعجب أن بعض الفقهاء قال إن المعقود عليه في الظئر هو حملها للطفل ووضعه على فخذيها وإلقامه الثدي وهذه منافع وليس المعقود عليه هو اللبن لكن، يقال لهم لو جاءت عجوز قد غار لبنها وقالت أنا سأعمل لهذا الصبي هذا العمل فأضعه على فخذي وألقمه الثدي الذي لن يجد فيه شيئاً وأعطوني أجراً على ذلك فهل ستعطى الأجرة كالظئر أو لا؟ الجواب أننا لا نعطيها ولا شك لأن المعقود عليه في الظئر هو اللبن وهذه الأعمال إنما هي أعمال للوصول إلى استيفاء المنفعة والكل يعرف أن المقصود هو اللبن فنقول إذا جاز الاستئجار في الظئر وهي المرضعة مع أن لبنها يشربه الطفل فكذلك استئجار الحيوان لأخذ لبنه ولا فرق وهذا القول هو الراجح وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ والقاعدة عندنا أن الأعيان التي يَخلُف بعضها بعضاً يجوز عقد الإجارة عليها، وهنا مسألة وهي استئجار النخل لثمره مثل أن يستأجر شخص هذا الحائط كل سنة بعشرة آلاف والثمر له أي للمستأجر وصاحب النخل ليس له إلا عشرة آلاف فهل يجوز أو لا؟ المؤلف يقول لا يجوز والصحيح أنه جائز لأن هذا يشبه الاستئجار على الرضاعة، ولأن فيه راحة لصاحب البستان وللمستأجر لأن المساقاة على هذا النخل يكون فيها إشكال في التصرف وفي ضمانها وعند القسمة وأما التأجير فليس فيه أي شيء فيقول المستأجر لصاحب البستان استأجرته منك كل عام بعشرة آلاف فأعطيك عشرة آلاف ولي ثمره، وهذه المسألة فيها خلاف فالمذهب أنه لا يجوز لأنه يؤدي إلى بيع الثمرة قبل بدو صلاحه والصحيح أنه جائز وقد فعله أمير المؤمنين عمر
стр. 2204
رضي الله عنه _ في تضمين حديقة أسيد بن الحضير ﵁ حيث كان له غرماء فضمَّنه _ أي ضمَّن الحديقة شخصاً يدفع كل سنة كذا وكذا والثمرة له.
فصل
القارئ: ولا تجوز إجارة ما يسرع فساده كالرياحين لأنه لا يمكن الانتفاع بها مع بقاء عينها دائما فجرت مجرى المطعوم فإن كانت مما تبقى عينه دائماً كالعنبر جازت إجارته للشم لما تقدم.
الشيخ: ذكر المؤلف هنا منفعة مقصودة وصورة المسألة استأجر إنسان عنبراً وجعله مثلاً في الحجرة أو في مجلس الرجال من أجل رائحته فلا بأس به لأنه لا يتلف شيء من أجزائه.
فصل
القارئ: وما يختص فاعله أن يكون من أهل القربة وهم المسلمون كالحج وتعليم القرآن ففيه روايتان إحداهما يجوز الاستئجار عليه لقول النبي ﷺ (إن أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله) رواه البخاري وأباح أخذ الجعل عليه ولأنه فعل مباح فجاز أخذ الأجرة عليه كتعليم الفقه والثانية لا يجوز لقول النبي ﷺ لعثمان بن أبي العاص (واتخذ مؤذناً لا يأخذ على أذانه أجرا) رواه أبو داود ولأنه لا يقع إلا قربة لفاعله فلم يجز أخذ العوض عليه كالصلاة فأما الاستئجار لتعليم الفقه والشعر المباح فيجوز لأن فاعله لا يختص أن يكون من أهل القربة فجاز كبناء المساجد وفي إجارة المصحف وجهان بناءً على بيعه.
стр. 2205
الشيخ: هذا فصل مهم فالأشياء التي لا تقع إلا قربة ويشترط أن يكون فاعلها مسلماً هل يصح أخذ الأجرة عليها أو لا؟ الجواب إذا كان نفعها متعد فلا بأس وإن كان غير متعد فلا، فلو قال شخص لآخر استأجرني لأصلِّ لك فهنا لا يصح لأن الصلاة لا تكون للغير، وأما إذا كان نفعاً متعدياً كتعليم القرآن والآذان والحج ففي ذلك روايتان عن أحمد ﵀ رواية أنه لا بأس به واستدلوا بقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (إن أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله) ولأن هذا المستأجر عمل عملاً يحتاج إلى الأجرة عليه، وأما إذا أردتُ أن أستأجر رجلاً يقرأ القرآن ويكون ثوابه لي فإنه لا يجوز لأن قراءة القرآن لا تقع إلا قربة وبهذا نعرف ضلالة هؤلاء القوم الذين يستأجرون القراء أيام موت القريب من أجل أن يقرؤوا فإن هذا محرم من وجهين الوجه الأول أنهم أغروا هذا القارئ أن يقرأ بعوض والوجه الثاني إضاعة المال لأن هذا القارئ لا ثواب له وإذا لم يكن له ثواب لم ينتفع الميت بذلك فالميت لا ينتفع بالفلوس وإنما ينتفع بالثواب وهذا القارئ ليس له ثواب فيكون ذلك من باب إضاعة المال، ولكن لو أتينا إلى شخص وقلنا أقرأ على هذا اللديغ فقال لا أقرأ إلا بكذا فهل يجوز هذا أو لا؟ الجواب يجوز لأن نفعه متعد وهذا قد وقع من الصحابة ﵃ وأقره النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حين بعث بعثاً فنزلوا على قوم فاستضافوهم ولكن القوم كانوا بخلاء قالوا ارجعوا وراءكم ما عندنا لكم ضيافة فتنحوا ناحية وسلط الله على سيدهم عقرباً فلدغته وكانت شديدة فجعل الرجل يتقلب كأنه في مقلاة فقالوا اسألوا هؤلاء القوم لعل فيهم قارئاً يقرأ فجاءوا إلى الصحابة فقالوا هل فيكم من راق فإن سيدنا قد لُدِغَ قالوا نعم فينا راقٍ لكن لا يقرأ إلا بكذا وكذا من الغنم فقالوا نعطيكم ما شئتم فذهبوا وجعل أحدهم يقرأ على هذا اللديغ بسورة الفاتحة حتى قام كأنما نَشِطَ من عقال، فالأمر بيد
стр. 2206
الله والله يقول (لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ) فقام الرجل كأنما نَشِطَ من عقال وأعطوهم الجُعل، فهؤلاء قالوا ما نقرأ إلا بجُعل لأن هذا عمل متعد، لكن أشكل الأمر على الصحابة ﵃ أن يأكلوا منها وكأنهم تحرجوا حتى قدموا على النبي صلى الله عليه وعلى أله وسلم وأخبروه فقال (كلوا _أو قال_ خذوا واضربوا لي معكم بسهم) وطَلَبُهُ ﷺ أن يُضْرَب له بسهم لزيادة الطمأنينة في نفوس الصحابة ولا شك أن الفعل يزيد الإنسان طمأنينة أكثر فقال (خذوا واضربوا لي بسهم).
стр. 2207
فهذا الفصل فيما يصح الأجرة عليه من أعمال القُرب ضابطه أن ما يختص بالفاعل لا يجوز أخذ العوض عنه كما لو استأجر شخصاً يصلي فقال صلِّ عني وسأعطيك على كل ركعة درهماً، فهذا لا يجوز ولا إشكال فيه لأنَّ نفعه لا يتعدى بل هو قاصر على من فعله فهذا الذي استأجره لن يستفيد من عمله شيئا فالصيام أو الحج لا تدفع الأجرة فيه أما ما كان متعدياً كتعليم القرآن فإن تعليم القرآن لا شك أنه من القُربِ قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (خيركم من تعلم القرآن وعلمه) لكن إذا استأجر شخصاً يعلمه القرآن ففيه خلاف والصحيح أنه جائز لأن التعليم متعدٍّ لا يختص بالمعلم بل يتعدى إلى المتعلم، أما الحج ففيه روايتان كما قال المؤلف ﵀ فمن العلماء من قال يجوز الاستئجار للحج بمعنى أنه يجوز أن تعقد عقد إجارة مع شخص أن يحج لك وهذا إن كان فريضة فإنه لابد من شروط وهو أن يكون هذا المستأجر عاجزاً عجزاً لا يرجى زواله وإن كان نافلة فهو لا يشترط أن يكون عاجزاً لكن قد اختلف العلماء ﵏ في جواز الاستنابة في نفل الحج والقول بأنه لا يجوز الاستنابة في نفل الحج قول قوي لأننا نقول لهذا الذي يريد أن يقيم غيره يحج عنه نفلاً نقول إن كنت قادراً فحج وإلا فلا تحج لأن هذه عبادة، لكن في وقتنا الحاضر بالنسبة للحج لا يجد شخص أحداً يحج عنه إلا بأجرة فتجد مثلاً يكون بينهما عقد فيقول استأجرتُ فلاناً يحج عني الفريضة أو يحج عن أبي أو أمي أو ما أشبه ذلك.
стр. 2208
وخلاصة البحث أن ما كان نفعه متعدياً جاز أخذ الأجرة عليه وما لم يكن فإنه لا يجوز أن تؤخذ الأجرة عليه لكن يجوز المكافئة فتقول مثلاً يا فلان حج عني ثم إذا رجع تكافئه أو تقول مَنْ يحج عني بكذا فتكون جَعَالةً، وأما قوله ﵀ (وفي إجارة المصحف وجهان بناءً على بيعه) نقول هل بيع المصحف جائزٌ أو لا؟ الجواب: المذهب أن بيعه حرام وأن من استغنى عنه وجب عليه بذله لغيره ولا يصح البيع أيضاً لكن هذا القول ضعيف فما زال المسلمون يتبايعون المصاحف وما يروى عن عبد الله بن عمر (وددت أن الأيدي تقطع في بيعه) أي المصحف فهذا محمول على ما إذا وجبت إعارته فإنه إذا وجبت إعارته فإنه لا يجوز بيعه لكن هذا نادر خصوصاً في عهدنا والحمد لله الآن المصاحف كثيرة ولا يمكن أن نقول للناس لا تبيعوا، فالصواب جواز بيع المصحف وصحة العقد على بيعه وكان الناس فيما سبق لورعهم نسمعهم ونحن صغار يقول من يشتري البطاعة والبطاعة هي الجلد الذي يكون على المصحف، والمسألة ليست من باب الخداع لكنه من باب الورع ولكن على كل حال الصواب أن بيع المصحف وشرائه وتأجيره للقراءة فيه جائز ولا بأس به.
فصل
القارئ: قال بعض أصحابنا لا يجوز إجارة المشاع لغير الشريك إلا أن يؤجراه معاً لأنه لا يمكنه تسليم حصته إلى المستأجر إلا بموافقة الشريك وقال أبو حفص يجوز لأنه يصح بيعه ورهنه فصحت إجارته كالمفرد.
стр. 2209
الشيخ: هذه المسألة وهي إجارة المشاع قد يتردد فيها الإنسان فمثلاً هذه عمارة بين رجلين كل واحد له نصفه فأجَّر أحدهما نصيبه على صاحبها فهذا جائز لا إشكال فيه ويكون الشريك مالك للمنفعة أي منفعة العمارة كلها فبالنسبة لنصيبه يملك العين والمنفعة وبالنسبة لنصيب شريكه يملك المنفعة دون العين هذا لا إشكال فيه لكن إذا أجر أحد الشريكين شخصاً آخر فهل يصح هذا أو لا؟ المؤلف يقول ﵀ (قال بعض أصحابنا) وظاهر كلامه في مثل هذا السياق أنه يجوز ويُنَزَّلُ المستأجر منزلة المؤجر في استيفاء المنفعة وهذا أقرب إلى الصواب فإذا قال قائل هل يملك الشريك الشفعة؟ فالجواب الشفعة إنما تجب فيما إذا انتقل ملك العين، وأما الإجارة ليس فيها انتقال ملك عين بل ملك منفعة فقط، لكن في قول آخر في الإجارة تثبت بها الشفعة.
فصل
القارئ: ولا بأس أن يؤجر نفسه من الذمي نص عليه لأن علياً ﵁ أجر نفسه يهودياً يسقي له كل دلو بتمرة وأخبر به النبي ﷺ فلم ينكره وأكل أجرته ولا يؤجر نفسه لخدمته لأنه يتضمن إذلال المسلم للكافر فلم يجز كبيعه إياه ويتخرج الجواز لأنه عاوضه عن منفعة فجاز كإجارته لعمل شيء.
стр. 2210
الشيخ: هل يجوز للإنسان أن يكون أجيراً عند كافر؟ الجواب نقول أما إذا كان العمل مستقلاً فلا بأس كما لو استأجره الكافر ليعمل له بيتاً أو يصنع له مصنعاً وما أشبه ذلك، وعمل الناس اليوم على هذا فإن كثيراً من الشركات رؤساءها كفار، وأما إذا كان لعمل مباشر لهذا الكافر بمعنى أن يكون خادماً له مباشراً فذكر المؤلف ﵀ أنه لا يجوز لأن في ذلك إذلالاً للمسلم وهذا صحيح أن فيه إذلال فكيف تكون خادماً للكافر قد يقول لك في يوم من الأيام يا فلان هات الحذاء ضعها أمامي أو يقول مثلاً هات مفتاح السيارة وإذا تباطأ انتهره وهذا فيه إذلال للمسلم فالصواب أن العمل الخاص لا يجوز للمسلم أن يكون أجيراً فيه لكافر أما العمل العام فلا بأس.
فصل
القارئ: والإجارة على ثلاثة أضرب إجارة عين معينة كالدور وموصوفة في الذمة كبعير للركوب وعقد على عمل في الذمة كخياطة ثوب وحمل متاع لأن البيع يقع في عين حاضرة وموصوفة ومقدر معلوم كقفيز من صبرة فكذلك الإجارة.
الشيخ: الإجارة على ثلاثة أقسام: المعينة والموصوفة في الذمة وعمل في الذمة، فالمعينة بأن يقول أجرتك هذا البيت أو أجرتك هذه السيارة أو أجرتك هذا المتاع فهذا عقد على عين معينة، والموصوفة كأجرتك بعيراً أو سيارة إلى مكة أو إلى المدينة فهذا جائز فأنا لم أعين السيارة ولكن جعلتها موصوفة في الذمة، وعلى عمل في الذمة كخياطة الثوب وحمل متاع فهذه ثلاثة أضرب.
القارئ: فإن كانت الإجارة لعين معينة اشترط معرفتها برؤية أو صفة إن كانت تنضبط بالصفات كالحيوان فإن لم تنضبط كالدار والأرض فلابد من رؤيتها كما يشترط ذلك في البيع.