← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 96875

تعليقات ابن عثيمين على الكافي لابن قدامة

ابن عثيمين

Полный текст (2 447 стр.). Показаны 2346–2385 · переход к 2351.

стр. 2346

القارئ: وروي عن أحمد فيمن قلع عين فرس أنه يضمنها بربع قيمتها لأنه يروى عن عمر ﵁ والصحيح أنه يضمنها بنقصها لأنها بهيمة فلم يكن فيها مقدر كسائر البهائم أو كسائر أعضائها ويحمل ما روي عن عمر ﵁ على أن عين الدابة التي قضى فيها نقصها ربع القيمة ولو غصب دابة قيمتها مائة فزادت فصارت قيمتها ألفا ثم جنى عليها جناية نقصت نصف قيمتها لزمه خمسمائة لأن الواجب قيمة ما أتلف يوم التلف وقد فوت نصفها فضمن خمسمائة. فصل القارئ: فإن نقصت العين دون القيمة وكان الذاهب يضمن بمقدر كعبد خصاه وزيت أغلاه فذهب نصفه ولم تنقص قيمته فعليه قيمة العبد ومثل ما نقص من الزيت مع ردهما لأن والواجب فيهما مقدر بذلك فإن لم يكن مقدراً كعبد سمين هزل فلم تنقص قيمته لم يلزمه أرش هزاله لأن الواجب فيه ما نقص من القيمة ولم تنقص فإن أغلاه عصيراً فنقص فهو كالزيت لأنه في معناه ويحتمل أن لا يضمن لأن الغليان عقد أجزاءه وجمعها واذهب ما ئيته فقط بخلاف الزيت. الشيخ: ما ذكره المؤلف أنه إذا نقصت العين دون القيمة فيضمن بِمُقَدَّرٍ فيه نظر، لأنه إذا خصى الرقيق زادت قيمته بلا شك وضمان الرقيق يجري مجرى ضمان الأموال كما لو خصى فحلاً من الغنم فزادت قيمته فإنه لا يضمن فكذلك العبد فالصواب أنه إذا خصى العبد وزادت القيمة فلا ضمان عليه لأنه يجري مجرى الأموال ومثله الزيت إذا غلاه حتى تَجَمَّدَ وثخن وازدات قيمته بذلك فإنه لا ضمان عليه لأنه زاده خيراً وهذا الخير الذي زاده بعمل منه أي من الغاصب. القارئ: فإن نقصت عينه وقيمته فعليه مثل ما نقص من العين وأرش نقص الباقي في العصير والزيت لأن كل واحد من النقصين مضمون منفردا فكذلك إذا اجتمعا. الشيخ: الصواب في هذه المسألة أنه يضمن الأكثر من هذا أو هذا ولا يمكن أن نجمع عليه ضمانين لأنه استفاد من النقص.

стр. 2347

القارئ: ولو شق ثوباً ينقصه الشق نصفين ثم تلف أحدهما رد الباقي وتمام قيمة الثوب قبل قطعه وإن غصب خفين فتلف أحدهما فكذلك في أحد الوجهين لأن نقص الباقي بسبب تعديه والآخر لا يلزمه إلا رد الباقي وقيمة التالف لأنه لم يتلف إلا أحدهما. الشيخ: الصواب الوجه الأول أنه يلزمه قيمة التالف وما نقص الثاني لأن الناس لا يمشون بنعل واحدة أو بخف واحدة. السائل: لو طلب صاحب الخف المغصوب بعد أن تعدى الغاصب على أحد الخفين بخف جديد فهل له ذلك؟ الشيخ: لا يمكن، لأن عين ماله في الخف الباقي باقية فلو ألزمناه بأن يشتري نعلاً جديداً فهذا مقتضاه أننا أكرهناه على أن يبيع علينا ما لا يلزمه. فصل القارئ: وإن غصب عبداً فمرض أو ابيضت عينه ثم برئ لم يلزمه إلا رده لأن نقصه زال فأشبه ما لو انقلعت سنه ثم عادت وإن هزل ثم سمن أو نسي صناعته ثم علمها فكذلك في أحد الوجهين لأن نقصه زال فأشبهت التي قبلها والآخر يضمن النقص لأن السمن الثاني غير الأول فلا يسقط به ما وجب بزوال الأول فعلى هذا الوجه لو سمن ثم هزل ثم سمن ثم هزل ضمنهما معاً لأن الثاني غير الأول وعلى الوجه الأول يضمن أكثر السمنين قيمة لأن عود السمن أسقط ما قابله من الأرش. الشيخ: الصحيح أنه إذا هزل ثم عاد فسمن فإنه لا يضمن لأن النقص الأول عوضه الغاصب، وهذه البهيمة لا تَسْمَنُ إلا بأكل وشرب فقد ضمنها في الحقيقة. القارئ: فإن كانت الزيادة الثانية من غير جنس الأولى كعبد هزل فنقصت قيمته ثم تعلم فعادت قيمته ضمن الأولى لأن الثانية من غير جنس الأولى فلا تنجبر بها وإن نسي الصناعة أيضا ضمن النقصين جميعاً لما ذكرنا.

стр. 2348

الشيخ: النقص فيه خلاف فإن كان في وصف وعاد من جنس الأول فلا ضمان مثل أن يُمْرَض ثم يُعافى فهذا لا يضمنه وإذا كان نقص عين كالسِّمَن بأن كان سميناً ثم هزل ثم سَمِنَ فهذا فيه الخلاف والصحيح أنه كالأول لا ضمان فيه لأنها عادة من الجنس الأول أما إذا كانت من غير جنسه كعبد سمين هزل فنقصت قيمته لكنه تَعَلَّمَ فزادت القيمة فهنا يضمن السِّمَن لأن الزيادة من غير جنس الأول فالأقسام ثلاثة. فصل القارئ: فإن جنى العبد المغصوب لزم الغاصب ما يستوفى من جنايته لأنه بسبب كان في يده وإن أقيد منه في الطرف فحكمه حكم ذهابه بفعل الله تعالى لكونه ضماناً وجب باليد لا بالجناية فإن القطع قصصاً ليس بجناية وإن تعلق الأرش برقبته فعليه فداؤه لأنه حق تعلق برقبته في يده فلزمه تخليصه منه وإن جنى على سيده ضمن الغاصب جنايته لأنها من جملة جناياته فأشبه الجناية على أجنبي. فصل القارئ: وإن زاد المغصوب في يده كجارية سمنت أو ولدت أو كسبت أو شجرة أثمرت أو طالت فالزيادة للمالك مضمونة على الغاصب لأنها حصلت في يده بالغصب فأشبهت الأصل وإن ألقت الولد ميتاً ضمنه بقيمته يوم الوضع لو كان حيا لأنه غصب بغصب الأم. الشيخ: الغاصب يعامل بأضر الأمرين لعدوانه والله يقول (مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ) فمفهومه أن المعتدين عليهم سبيل. القارئ: وإن صاد العبد أو الجارحة صيداً فهو لمالكهما لأنه من كسبهما وهل تجب أجرة العبد الكاسب أو الصائد في مدة كسبه وصيده فيه وجهان أحدهما لا تجب لأن منافعه صارت إلى سيده فأشبه ما لو كان في يده والثاني تجب لأن الغاصب أتلف منافعه. الشيخ: الأقرب القول الثاني أنه يضمن المنافع ويضمن الصيد الذي حصل وقول المؤلف إن المنافع عادت إلى السيد بكون الصيد له، نقول هذا صحيح لو كان في ملك السيد أما الآن فإننا نُضَمِّنُ الغاصب أجرة الجارحة أو العبد ونقول ما كسبه أو ما صاده فهو لمالكه.

стр. 2349

القارئ: وإن غصب فرساً أو قوساً أو شركاً فصاد به ففيه وجهان أحدهما هو لصاحبه لأن صيده حصل به أشبه صيد الجارحة والثاني للغاصب لأنه الصائد وهذه آلة. الشيخ: على الوجه الثاني تجب الأجرة لمالك الفرس أو القوس أو الشَرَك والفرق بينها وبين المسألة الأولى أن الجارحة صادت بنفسها وأما الفرس فلم يصد بنفسه بل الذي صاد هو الغاصب لكن هذه وسيلة فالصواب أن الصيد يكون للغاصب ولكن عليه أجرة المثل لمالك الفرس أو القوس أو الشَّرَكِ. القارئ: وإن غصب منجلاً فقطع به حطباً أو خشباً أو حشيشاً فهو للغاصب لأن هذا آلة فهو كالحبل يربطه به. الشيخ: لكن عليه بالأجرة وإنما ذكر المؤلف هذه لتكمل الأقسام الثلاثة: الأول: أن يكون الكسب من نفس المغصوب فهذا يكون لمالكه. والثاني: أن يكون بالمغصوب أي بسببه وليس من كسبه فهذا يكون للغاصب وعليه الأجرة. والثالث: أن لا يكون من هذا ولا هذا كمنجل قَطَعَ به حطباً أو خشباً فهو للغاصب لأنه آلة لم توصل الغاصب إلى هذا بخلاف القوس والفرس والشَّرَك. السائل: إذا تعلم العبد صناعة ثم غُصِبَ ونسي الصناعة وتعلم صناعة أخرى غير الأولى ومن غير جنسها فماذا على الغاصب؟ الشيخ: إذا كانت من غير جنسها فإنه يضمن الأولى. السائل: إذا غصبت سيارة من شخص ثم وجدها في مكان بعيد فأراد الرجوع بها فعلى من تكون أجرة الرجوع؟ الشيخ: على مالكها لأنها دخلت في ملكه الآن وله السلطة عليها لكن إن أصابها ضرر فهذا قد يتوجه أن نقول أنه إذا أصبها ضرر بسبب الرجوع مع هذا الطريق الوعر فإننا نُضَمِّنُ الغاصب وقد نقول إنه لما ارتفعت يد الغاصب ارتفع حكمه. فصل

стр. 2350

القارئ: وإن غصب أثماناً فاتجر بها فالربح لصحابها لأنه نماء ماله وإن اشترى في ذمته ثم نقدها فيه فكذلك في إحدى الروايتين والأخرى هو للغاصب لأن الثمن ثبت في ذمته فكان الشراء له والمبيع ربحه له لأنه بذل ما وجب عليه وقياس المذهب أنه إذا اشترى بعينه كان الشراء باطلا والسلعة للبائع. الشيخ: إذا اشترى بعين المال المغصوب فقاعدة المذهب التي قال عنها المؤلف إنه القياس أن البيع باطل لماذا؟ لأنه وقع العقد على مالٍ يملك، مثاله رجل غصب إناءً ثم باعه على شخص فالمذهب أن البيع باطل وغير صحيح لأنه ليس مالكاً ولا مأذوناً له فيه لكن لو فرض أنه باعه ثم أخذ دراهم واتجر بها وربح فعلى المذهب كل هذا الربح باطل لكن ما مشى عليه المؤلف وقَدَّمَهُ هو الصحيح أن الربح يكون للمالك والغاصب ليس له شيء دليل ذلك قول النبي ﷺ (ليس لعرقٍ ظالم حق) وهذا ظالم فليس له حق في الربح فإذا قال الغاصب إنه تعب وسافر في أيام الحر وأيام الشتاء فيريد أجرة على ذلك فماذا نقول له؟ نقول لا أجرة لك لأنك معتدي ظالم والظالم لا يفلح و (ليس لعرق ظالم حق)، ثم قال المؤلف (وإن اشترى في ذمته ثم نقدها فيه فكذلك في إحدى الروايتين) أي أن الربح يكون للمالك مثل أن يشتري سيارة بعشرة آلاف في ذمته وعنده عشرة آلاف مغصوبة فيدفع العشرة للبائع فإذا ربحت السيارة فإن الربح يكون على هذه الرواية لمالك السيارة والقول الثاني أن الربح يكون للغاصب لأنه اشترى السيارة في ذمته ولم يعين الدراهم ونَقَدَهَا من الدراهم فيكون الربح للغاصب (لأنه بذل ما وجب عليه) وهذا القول في النفس منه شيء لأنه لولا هذه الدراهم المغصوبة عنده ما اشترى فالشراء مبني على هذه الدراهم لكن القياس مع هذا القول، ثم قال المؤلف (وقياس المذهب أنه إذا اشترى بعينه كان الشراء باطلاً والسلعة للبائع) وذلك لأن بيع ما لا يملك غير صحيح فيبطل البيع وفي المسألة قول آخر أن القياس أن يبطل

стр. 2351

البيع إلا إذا شق الرجوع مثل أن تكون هذه السلعة بيعت عدة مرات فيشق الرجوع فحينئذ نقول يبقى البيع كما هو والربح للمالك لا للغاصب، وعليه فنقول صورة المسألة الأولى أنه إذا غصب نقوداً واتجر بها ورَبِحَتْ فإن وقع العقد عليها فالمذهب أن البيع باطل ويجب أن ترد ولو بعد عشرة عقود والقول الثاني أن البيع صحيح للضرورة والربح للمالك فهذه مسألة والمسألة الثانية أنه إذا اشترى بذمته ونقد من الدراهم المغصوبة فَلِمَنْ يكون الربح؟ الجواب فيه روايتان الرواية الأولى أنه للمالك والرواية الثانية أنه للغاصب ووجه كونه للغاصب أن العقد لم يقع على عين المغصوب وإنما وقع العقد في ذمة الغاصب وكونه سدد الثمن من المغصوب فهذه جناية بلا شك لكن البيع صحيح وهذا أقرب للقياس أن نقول إن البيع صحيح وهو آثم في كونه نَقَدَهَا من هذه الدراهم ولكن إذا حصل ربح فليس هو مبني على هذه الدراهم. فصل القارئ: وإن غصب عيناً فاستحالت كبيض صار فرخا وحب صار زرعا وزرع صار حباً ونوى صار شجراً وجب رده لأنه عين ماله فإن نقصت قيمته ضمن أرش نقصه لحدوثه في يده وإن زاد فالزيادة لمالكه ولا شيء للغاصب بعمله فيه لأنه غير مأذون فيه وإن غصب عصيراً فتخمر ضمن العصير بمثله لأنه تلف في يده فإن عاد خلاً رده وما نقص من قيمة العصير لأنه عين العصير أشبه النوى يصير شجرا. الشيخ: صورة المسألة إنسان غصب نوى والنوى هو بذر النخل فبذره في الأرض فصار نخلاً فيكون هذا النخل لمالك النوى فإذا كان قد غصب عشرين نواة فإنه يحصل له عشرين نخلة وهذا التعب من الغاصب بالسقي والملاحظة والمراعاة كله يضيع هدراً لحديث (ليس لعرق ظالم حق) لكن هذه المسألة فيها نظر لأنه قد يقال إن هذا الرجل لا شك أنه ظالم فإما أن يضمن النوى بمثله وإما أن يقال هو شريك مع الغاصب ويكون كأنه ساقاه. فصل

стр. 2352

القارئ: فإن عمل فيه عملاً كثوب قصره أو فصله وخاطه أو قطن غزله أو غزل نسجه أو خشب نجره أو ذهب صاغه أو ضربه أو حديد جعله إبراً فعليه رده لأنه عين ماله ولا شيء للغاصب لأنه عمل في ملك غيره بغير إذنه فلم يستحق شيئا كما لو أغلا الزيت وإن نقص بذلك فعليه ضمان نقصه لأنه حدث بفعله وعنه أنه إن زاد يكون شريكاً للمالك بالزيادة لأن منافعه أجريت مجرى الأعيان أشبه ما لو صبغ الثوب والأول أصح. الشيخ: صورة المسألة إنسان غصب قطعة من الذهب فصاغها حلياً ولم تنقص وزناً بل زادت قيمتها فيجب عليه أن يردها وأما أجرة الصنعة فهل تدفع للغاصب أو نصفها أو ما أشبه ذلك؟ الجواب: لا، لعموم الحديث (ليس لعرق ظالم حق) وهناك قول آخر وهو أن الزائد يكون بين المالك والغاصب مثل أن يقال كم يساوي هذا الحلي ذهباً غير مصوغ فيقال يساوي عشرة آلاف وكم يساوي ذهباً مصوغاً يقال اثنا عشر ألفاً فيكون للغاصب ألف ريال لكن الصواب أنه لا شيء له لأنه (ليس لعرق ظالم حق) لكن لو فرض أن هذا وقع جهلاً مثل أن يأخذ قطعة من الذهب يظنها له ثم يصوغها وتزداد القيمة ثم يتبين أنها لغيره فهنا القول بأن الزيادة بين هذا الذي ضربه حلياً جهلاً منه وبين المالك قول قوي. فصل القارئ: فإن غصب شيئاً فخلطه بما يتميز منه كحنطة بشعير أو زبيب أحمر بأسود فعليه تمييزه ورده لأنه أمكن رده فوجب كما لو غصب عيناً فبعدها.

стр. 2353

الشيخ: التمييز صعب جداً وصورة المسألة إنسان غصب مائة صاع بر وخلطه بمائة صاع شعير خلطاً تاماً حبة وحبة والشعير للغاصب والبر للمغصوب منه فطالب المغصوب منه بحقه وقال أنا أريد حقي، فإنه يلزم الغاصب أن ينقيه فإن كان حب الشعير كبيراً وحب البر صغيراً فالتنقية سهلة وذلك بمنخل يكون له عيون ينزل منها حب البر ويبقى الشعير ولكن إذا كانا سواءً بسواء فماذا نقول لأنها مائة صاع ومائة صاع فقد يبقى خمسة أيام أو ستة أيام ليل بنهار ينقيه فهل نلزمه بذلك أو لا نلزمه؟ الجواب نلزمه بذلك فلو قال الغاصب لصاحب الحق اضربه عليَّ بما شئت من القيمة فإذا كان بعشرة اجعلها عليَّ عشرين أو قال إذا كان مائة صاع أعطيك بدله مائتين على أن تفكني من هذا الأمر لكن المغصوب منه رفض ذلك فهنا قد يقول قائل إذا كان قصد المالك المضارة فإنه يُمنع من ذلك لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (لا ضرر ولا ضرار) أما إذا لم يكن قصده المضارة بحيث يكون هذا البر الذي خلط بالشعير لا يوجد له نظير في البلد وقد يوجد بر في البلد لكن البر المغصوب ليس كالذي في البلد فهنا نقول إن المالك له غرض صحيح في إلزامه بالتنقية فنلزمه بالتنقية وكذلك لو رأى القاضي إلزام الغاصب بالتنقية تأديباً له فهل هذا وجيه أو لا؟ نقول هذا وجيه، وعلى هذا فيتجه قول المؤلف ﵀ في حالين الحالة الأولى: إذا لم يوجد نوع مثل النوع المخلوط يعني أن الجنس موجود فالبر موجود في البلد لكن النوع الذي غصبه من صاحبه لا يوجد نظيره في البلد غير، والحالة الثانية: إذا قصد به التعزير أي تعزير الغاصب، وأما إذا لم يكن هناك حاجة ولا مصلحة وإنما يريد المالك الإضرار بالغاصب فهنا نقول لا يملك هذا لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (لا ضرر ولا ضرار).

стр. 2354

القارئ: وإن خلطه بمثله مما لا يتميز كزيت بزيت لزمه مثل كيله منه لأنه قدر على دفع بعض ماله إليه فلم ينتقل إلى البدل في الجميع كما لو غصب شيئاً فتلف بعضه وهذا ظاهر كلام أحمد ﵁ لأنه نص على أنه شريك إذا خلطه بغير جنسه فنبه على الشركة إذا كان مثله وقال القاضي قياس المذهب أنه يلزمه مثله إن شاء الغاصب منه أو من غيره لأنه تعذر رد عينه أشبه ما لو أتلفه. الشيخ: الصواب الأول وهو ظاهر كلام أحمد لأنه أمكنه أن يرد ماله بعينه مختلطاً بالمال الآخر فهذا خلط زيتاً بزيت ولا يمكن التمييز بينهما لأنهما اندمجا وصارا شيئاً واحداً فيلزم الغاصب أن يرد مثله فإذا كان صاعاً من الزيت وصاعاً من الزيت الآخر يلزمه أن يرد صاعاً على الوجه الثاني الذي قاله القاضي وعلى نص الإمام أحمد يلزمه صاع من نفس المخلوط وهذا هو الصحيح لأن مال المالك موجود في هذا الإناء لكنه لا يمكن تمييزه فيعطى نصفه مشاعاً. القارئ: وإن خلطه بأجود منه لزمه مثله من حيث شاء الغاصب فإن دفعه إليه منه لزمه أخذه لأنه أوصل إليه خيراً من حقه من جنسه وإن خلطه بدونه لزمه مثله فإن اتفقا على أخذ المثل منه جاز وإن أباه المالك لم يجبر لأنه دون حقه وإن طلب ذلك فأباه الغاصب ففيه وجهان أحدهما لا يجبر لأن الحق انتقل إلى ذمته فكانت الخيرة إليه في التعيين والثاني يلزمه لأنه قدر على دفع بعض ماله إليه من غير ضرر فلزمه كما لو كان مثله. الشيخ: الوجه الثاني هو الصحيح أنه يلزمه منه ولو كان أنقص إذا رضي المالك بالناقص، لكن في الغالب أن المالك لا يرضى بالناقص وصورة المسألة خَلَطَ زيتاً رديئاً بزيت جيد والرديء هو الزيت المغصوب فقال المالك أنا أريد زيتي من هذا الإناء الذي وقع فيه الخلط فنقول يجبر الغاصب على أنه يسلم من هذا لأن المالك رضي بالناقص.

стр. 2355

القارئ: وإن خلطه بغير جنسه كزيت بشيرج لزمه مثله من غيره وأيهما طلب الدفع منه فأبى الآخر لم يجبر وقد قال أحمد في رجل له رطل زيت اختلط برطل شيرج لآخر يباع الدهن كله ويعطى كل واحد منهما قدر حصته فيحتمل أن يختص هذا بما لم يخلطه أحدهما ويحتمل أن يعم سائر الصور لأنه أمكن أن يصل إلى كل واحد بدل عين ماله فأشبه ما لو غصب ثوباً فصبغه فإن نقص ما يخصه من الثمن عن قيمته مفرداً ضمن الغاصب نقصه لأنه بفعله وإن خلطه بما لا قيمة له كزيت بماء وأمكن تخليصه وجب تخليصه ورده مع أرش نقصه فإن لم يمكن تخليصه أو كان ذلك يفسده وجب مثله لأنه أتلفه ولو أعطاه بدل الجيد أكثر منه رديئاً أو أقل منه وأجود صفة لم يجز لأنه ربا إلا أن يكون اختلاطه بغير جنسه فيجوز لأن الربا لا يجري في جنسين. فصل

стр. 2356

القارئ: فإن غصب ثوباً فصبغه فلم تزد قيمة الثوب والصبغ ولم تنقص فهما شريكان يباع الثوب ويقسم ثمنه بينهما لأن الصبغ عين مال له قيمة فلم يسقط حقه فيها باتصالها بمال غيره وإن زادت قيمتهما فالزيادة بينهما لأنها نماء مالهما وإن نقصت القيمة ضمنها الغاصب لأن النقص حصل بسببه وإن زادت قيمة أحدهما لزيادة قيمته في السوق فالزيادة لمالك ذلك لأنها نماء ماله وإن بقيت للصبغ قيمة فأراد الغاصب إخراجه وضمان النقص فله ذلك لأنه عين ماله أشبه ما لو غرس في أرض غيره ويحتمل أن لا يملك ذلك لأنه يضر بملك المغصوب منه لنفع نفسه فمنع منه بخلاف الأرض فإنه يمكن إزالة الضرر بتسوية الحفر ولأن قلع الغرس معتاد بخلاف قلع الصبغ وإن أراد المالك قلعه ففيه وجهان أحدهما يملكه ولا شيء عليه كما يملك قلع الشجر من أرضه والآخر لا يملكه لأن الصبغ يهلك به أشبه قلع الزرع وإن بذل المالك قيمة الصبغ ليملكه لم يجبر الغاصب عليه لأنه بيع ماله ويحتمل أن يجبر كما يملك أخذ زرع الغاصب بقيمته وكالشفيع يأخذ غرس المشتري وإن وهبه الغاصب لمالكه ففيه وجهان أحدهما يلزمه قبوله لأنه صار صفة للعين فأشبه قصارة الثوب والآخر لا يلزمه لأن الصبغ عين يمكن إفرادها أشبه الغراس. الشيخ: في قوله (وإن وهبه الغاصب ... ) نقول الوجه الآخر بعيد فالصبغ كيف يقال إنه عين يمكن فصلها عن المصبوغ!! بل نقول إذا وهب الغاصب الصبغ لمالك الثوب لزمه قبوله، لكن لو قال المالك أنا لا أريد هذا اللون من الصبغ بل أنا أريد لوناً آخر فلي غرض في رده فهنا نقول إنَّ رده قد يكون متعذراً لأنه يحتاج إلى غسل شديد جداً والغسل الشديد يحتاج إلى مؤونة كثيرة وربما يتضرر الثوب، ففي مثل هذه الحال يجب على الحاكم أن يتدخل ويصلح بينهما وقوله (لأن الصبغ عين يمكن إفرادها أشبه الغراس) فيه نظر بلا شك فهل الصبغ عين يمكن إفرادها؟ الجواب لا يمكن إلا إذا كان الصبغ له سمك ويمكن قلعه قلعاً.

стр. 2357

القارئ: فإن أراد المالك بيع الثوب فله ذلك لأنه ملكه فلم يمنع بيعه وإن طلب الغاصب بيعه فأباه المالك لم يجبر لأن الغاصب متعد فلم يستحق بتعديه إزالة ملك صاحب الثوب عنه كما لو طلب الغارس في أرض غيره بيعها ويحتمل أن يجبر ليصل الغاصب إلى ثمن صبغه وإن غصب ثوباً وصبغاً من رجل فصبغه به فعليه رده ورد أرش نقصه إن نقص لأنه بفعله والزيادة للمالك لأنه عين ماله ليس للغاصب فيه إلا أثر الفعل وإن صبغه بصبغ غصبه من غيره فهما شريكان في الأصل والزيادة وإن نقص فالنقص من الصبغ لأنه تبدد ويرجع صاحبه على الغاصب لأنه بدده وإن غصب عسلاً ونشاء فعمله حلواء فحكمه كحكم غصب الثوب وصبغه سواء. السائل: على القول بأن الصبغ يكون للغاصب إذا غصب ثوب غيره وصبغه بصبغه ألا يقال أن هذا يفتح الباب للغاصب فيقول ما دام أن الصبغ سيعود لي فإني أغصب الثوب وأصبغه وعلى كل حال فصبغي مردود لي؟ الشيخ: في هذه الحال ينظر إلى قصد الغاصب فإذا علمنا أن الغاصب يريد إفساده على مالكه حتى يلجئه إلى أن يُقوَّم فللحاكم أن يمنع ذلك. السائل: لكن الغاصب معتدي بكل حال فلماذا يجعل له حق في الصبغ؟ الشيخ: هذا الرجل معتد على كل حال لكن عين ماله موجودة. السائل: لماذا لا يعامل هذا الغاصب بنقيض قصده؟ الشيخ: لا يعامل بذلك، إلا إذا علمنا أنه متعدي بمعنى أن نعلم أن هذا الرجل أراد أن يفسد الثوب على صاحبه. السائل: لماذا جعلنا للغاصب حقاً مع أنه معتدي؟ الشيخ: لأن لكل واحد منهما مال فصاحب الثوب المغصوب منه له الثوب والغاصب له الصبغ والآن الصبغ والثوب موجودان. السائل: أليس الغاصب معتدي والمغصوب معتدى عليه؟ الشيخ: تعدي الغاصب على المغصوب يدخل في الحق العام فإذا رأى ولي الأمر أن يؤدبه على هذا أدبه. السائل: إذا غُصِبَ من شخص مال، ولكي يصل إلى الغاصب وضع جعلاً فإذا وجد الغاصب وما غصبه فعلى من يكون الجعل هل هو على الغاصب أو صاحب المال المغصوب؟

стр. 2358

الشيخ: هذا سؤال وجيه مثلاً لنفرض أنه غصبت السيارة وقال من يدلني على غاصب السيارة فله ألف ريال فدله شخص عليه فهنا الدال هل يُطالِب بالجعل المالك أو الغاصب؟ الجواب يُطالِب المالك وهل يَرْجِع المالك على الغاصب لأنه هو الذي تسبب في غرمه؟ فيه احتمال، فيحتمل أنه لا يرجع لأن هذا المالك إنما غَرِمَ لمصلحته، ويحتمل أنه يرجع لأنه غرم بسبب غصب هذا الرجل وهذا أقرب لا سيما إذا كان في هذا ردع للغاصبين، أن يقال كل شيء تسبب به الغاصب ولو في هذه الحال فإنه يكون على الغاصب. السائل: إذا رأى المغصوب منه الغاصب فأراد أن يمسك به لكنه فر منه فركب المغصوب منه فرساً لغيره لكي يلحق بهذا الغاصب وفي الطريق مات الفرس فهل إذا ضمن الفرس لصاحبه يرجع بعد ذلك على الغاصب بما ضمنه؟ الشيخ: في هذه الحال لا يَرْجِع لأن هذا الموت أي موت الفرس ليس من أجل الحصول على هذا الغاصب بخلاف الأجرة. فصل القارئ: وإن غصب أرضاً فغرسها أو بنى فيها لزمه قلعه لما روى سعيد بن زيد أن النبي ﷺ قال (ليس لعرق ظالم حق) قال الترمذي هذا حديث حسن ولأنه شغل ملك غيره بملك لا حرمة له في نفسه فلزمه تفريغه كما لو ترك فيها قماشا وعليه تسوية الحفر ورد الأرض إلي ما كانت عليه وضمان نقصها إن نقصت لأنه حصل بفعله. الشيخ: إذا غصب أرضاً فغرس فيها لزمه أمور: أولاً: قلع الغرس. ثانياً: تسوية الأرض. ثالثاً: ضمان نقصها إن نقصت لأنها قد تنقص الأرض بسبب أن عروق النخل انتشر فيها فأفسدها. رابعاً: الأجرة أي أجرة الأرض مدة استيلائه عليها. والمؤلف ﵀ قال (لزمه القلع) و (تسوية الحفر) و (رد الأرض إلى ما كانت عليه) وهي التسوية و (ضمان نقصها) ولم يذكر ﵀ الأجرة ولكن ذكرها غيره أنه يلزمه أجرة الأرض مدة استيلاء الغاصب عليها. القارئ: وإن بذل له المالك قيمة غرسه وبنائه ليملكه فأبى إلا القلع فله ذلك لأنها معاوضة فلم يجبر عليها.

стр. 2359

الشيخ: هذه المسألة على إطلاقها فيها نظر وذلك أنه إذا غصب أرضاً وغرس أو بنى فيها وقال الغاصب أنا أريد أن أقلع غرسي وبنائي وقال صاحب الأرض أنا أعطيك قيمتها إما أن تحصي ما اشتريت به وما أنفقت عليها وإما تُقَوَّم الأرض خالية من الغراس والبناء ثم تُقَوَّم مغروسة وما بين القيمتين نسلمه لك، لكن الغاصب أبى ولم يوافق فظاهر كلام المؤلف ﵀ أنه لا يجبر لأن الغراس والبناء ملك الغاصب فلا يجبر على أن يأخذ عوضاً عنه ولكن ينبغي أن يقال إن كان للغاصب غرض صحيح فنعم لا نجبره وإن لم يكن له غرض صحيح بحيث يقلع الغراس ويرميه في البر أو يهدم البناء المسلح والمسلح إذا هُدِمَ ضاعت ماليته حتى الحديد الذي فيه يكون غير صالح للاستعمال إلا بتعب فهنا نقول يجبر الغاصب على أخذ العوض ويبقى الغراس والبناء لصاحب الأرض ووجه ذلك: أولاً: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (نهى عن إضاعة المال). ثانياً: أنه ﷺ قال (لا ضرر ولا ضرار). ثالثاً: يمكن أن يُحتَجَ لذلك أيضاً بأن النبي ﷺ قال (لا يمنع جارٌ جاره أن يغرز خشبه على جداره) وبأنه (أجبر الجار على إجراء الماء إلى أرض جاره الأخرى) فالصواب التفصيل. القارئ: وإن وهبه الغاصب الغراس أو البناء لم يجبر على قبوله إن كان له غرض في القلع لأنه يفوت غرضه وإن لم يكن له فيه غرض احتمل أن يجبر لأنه يتخلص به كل واحد منهما من صحابه بغير ضرر واحتمل أن لا يجبر لأن ذلك عين يمكن إفرادها فلم يجبر على قبولها كما لو لم يكن في أرضه.

стр. 2360

الشيخ: هذه المسألة عكس المسألة الأولى فهنا الغاصب وهب صاحب الأرض الغراس والبناء وقال بدلاً من القلع والهدم فلك النخل الذي غرسته في أرضك ولك العمارة والبناء مجاناً فهنا يقول المؤلف ﵀ أنه إن كان لصحاب الأرض غرضٌ في رد الهبة فله ذلك فلو قال أنا أريد أن أغرسها بدل النخل شجر عنب فعليك أن تقلع النخل فهذا غرض صحيح أو قال العمارة المبنية على الأرض أنا لا أريدها فأنا أريد أن أعمر عليها فيلا، فهذا غرض صحيح، ففي هذه الحال له أن يرد هبة الغاصب ويلزم الغاصب بالقلع وأما إذا لم يكن هناك غرض صحيح وإنما أراد مضارة الغاصب مع أنه إذا هدمه الغاصب ربما يبنيهِ على الشكل الأول أو إذا قلع الغرس فربما يغرس نفس المقلوع ولكن قصده المضارة فهنا نمنعه من ذلك لما فيه من إضاعة المال ولما في ذلك من الإضرار وقد نفى النبي ﷺ الضرر فقال (لا ضرر ولا ضرار) و (نهى عن إضاعة المال). القارئ: وإن غرسها من ملك صاحب الأرض فطالبه بالقلع وله فيه غرض لزمه لأن فوت عليه غرضاً بالغراس فلزمه رده كما لو ترك فيها حجرا وإن لم يكن فيه غرض لم يجبر عليه لأنه سفه ويحتمل أن يجبر لأن المالك محكم في ملكه وإن أراد الغاصب قلعه فللمالك منعه لأنه ملكه وليس للغاصب فيه إلا أثر الفعل.

стр. 2361

الشيخ: هذه المسألة غير المسألة الأولى فهنا غصب أرضاً وقلع من جانب منها غِرَاساً وغرسه في الجانب الآخر من الأرض فالأرض والغراس ملك لمالك الأرض فيقول المؤلف ﵀ إذا طالبه بالقلع وله فيه غرض لزمه يعني لو قال له اقلع النخل فقال له الغاصب هذا نخلك وهذه الأرض أرضك فقال صاحب الأرض اقلعها لأني أريد أن تكون هذه الأرض أرضاً بيضاء صالحة للزرع أو قال أريد أن تقلع الغرس لأني أريد أن أبني عليها، فهذا غرض صحيح فله أن يطالب الغاصب بالقلع وفي هذه الحال يضمن الغاصب النقص الذي حصل بسبب الغراس أو بسبب البناء الذي بُنِي على الأرض، وإن لم يكن له فيه غرض صحيح يقول المؤلف (لم يجبر عليه لأنه سفه ويحتمل أن يجبر) أي الغاصب لأن إجبار المالك على قلعه سفه فإن بقائه خير للمالك وخير للغاصب، ثم قال المؤلف (ويحتمل أن يجبر لأن المالك محكم في ملكه) والظاهر أن القول الأول أصح إذا لم يكن له فيه غرض، وهل للغاصب أن يقلعه؟ الجواب: لا، ليس له ذلك لأن الأرض ملك لصاحب الغراس والغراس ملك لصاحب الأرض وليس للغاصب إلا أثر الفعل فقط فلو قال الغاصب أنا أريد أن أقلع ما غرست أو أهدم ما بنيت قلنا: لا، لأن الغراس والأرض مالكهما واحد. فصل القارئ: فإن حفر فيها بئراً فطالبه المالك بطمها لزمه لأنه نقل ملكه وهو التراب من موضعه فلزمه رده وإن طلب الغاصب طمها لدفع ضرر مثل أن جعل ترابها في غير أرض المالك فله طمها لأنه لا يجبر على إبقاء ما يتضرر به كإبقاء غرسه وإن جعل التراب في أرض المالك ولم يبرئه من ضمان ما يتلف بها فله طمها لأنه يدفع ضرر الضمان عنه وإن أبرأه من ضمان ما يتلف بها ففيه وجهان أحدهما يبرأ لأنه لما سقط الضمان بالإذن في حفرها سقط بالإبراء منها فعلى هذا لا يملك طمها لأنه لا غرض فيه والثاني لا يبرأ بالإبراء لأنه إنما يكون من واجب ولم يجب بعد شيء فعلى هذا يملك طمها لغرضه فيه. فصل

стр. 2362

القارئ: وإن زرعها وأخذ زرعه فعليه أجرة الأرض وما نقصها والزرع له لأنه عين بذره نما وإن أدركها ربها والزرع قائم فليس له إجبار الغاصب على القلع ويخير بين تركه إلى الحصاد بالأجرة وبين أخذه ويدفع إلى الغاصب نفقته لما روى رافع بن خديج أنه قال قال رسول الله ﷺ (من زرع في أرض قوم بغير إذنهم فليس له من الزرع شيء وله نفقته) قال الترمذي هذا حديث حسن ولأنه أمكن الجمع بين الحقين بغير إتلاف فلم يجز الإتلاف كما لو غصب لوحاً فرقع به سفينة ملججة في البحر وفارق الغراس لأنه لا غاية له ينتظر إليها وفيما يرده من النفقة روايتان إحداهما القيمة لأنها بدل عنه فتقدرت به كقيم المتلفات والثانية ما أنفق من البذر ومؤونة الزرع في الحرث وغيره لظاهر الحديث ولأن قيمة الزرع زادت من أرض المالك فلم يكن عليه عوضها.

стр. 2363

الشيخ: إذا زرع الغاصب هذه الأرض وحصد الزرع وانتهى فعليه شيئان، أولاً: أجرة الأرض والثاني نقص الأرض بالحرث، لكن أجرة الأرض هل نقدرها بأجر معلوم فنقول مثلاً مائة ريال أو مائتا ريال أو نقول كم تساوي هذه الأرض لو زرع عليها؟ الجواب كلاهما محتمل لأن الأرض البيضاء أحياناً يقع العقد عليها مُزَارَعَةً بأن يكون لصحابها ثلث الزرع وللعامل ثلثاه وأحياناً تكون بأجرة فيقول استأجرت منك هذه الأرض لمدة عام للزرع، فالمسألة محتملة، لكن بماذا نأخذ؟ الجواب ينظر إذا كان عادة الناس في الأراضي الزراعية أنهم يعطونها بسهم فإن الغاصب يُضَمَّنُ سهم العادة فيقال مثلاً هذه الأرض تزرع بالثلث فيحصي الغاصب قدر زرعه كم كان ويعطي رب الأرض ثلث الزرع، وإن كان أكثر الناس يؤجرون أراضيهم فإننا نقول عليه الأجرة وهذا إذا كان قد حصد الزرع، وأما إذا لم يكن قد حصد الزرع فإنه يقال لمالك الأرض أنت بالخيار إن شئت أبقه إلى أن يحصد بأجرة أو سهم وإن شئت فخذه بنفقته فيكون الزرع لصحاب الأرض ويقال كم أنفق الغاصب على الزرع ثم يأخذه صاحب الأرض بنفقته، وقيل يأخذه بقيمته، لكن الأول هو ظاهر الحديث الذي ساقه المؤلف وهو حديث رافع بن خديج (فليس له من الزرع شيء وعليه نفقته). القارئ: وإن أدرك رب الأرض شجر الغاصب مثمراً فقال القاضي للمالك أخذه وعليه ما أنفقه الغاصب من مؤونة الثمرة كالزرع لأنه في معناه وظاهر كلام الخرقي أنه للغاصب لأنه ثمر شجره فكان له كولد أمته. الشيخ: لم يظهر لي ترجيح بين القولين. فصل القارئ: وإن جصص الدار وزوقها فالحكم فيها كالحكم في البناء سواء وإن وهب ذلك لمالكها ففي إجباره على قبول الهبة وجهان كالصبغ في الثوب. الشيخ: الصواب أننا نقول إن كان له غرض في مطالبته بإزالته فله مطالبته بإزالته كما لو قال أنا أريد أن يكون الجص غير هذا اللون، وإن لم يكن له غرض وجب عليه قبوله. فصل

стр. 2364

القارئ: وإن غصب عيناً فبعدت بفعله أو بغيره فعليه ردها وإن غرم أضعاف قيمتها لأنه بتعديه وإن غصب خشبة فبنى عليها فبليت لم يجب ردها أو وجبت قيمتها لأنها هلكت فسقط ردها وإن بقت على جهتها لزم ردها وإن انتقض البناء لأنه مغصوب يمكن رده فوجب كما لو بعدها. الشيخ: هذا أيضاً يقال فيه ما سبق أنه إذا كان لصاحب الخشبة غرض صحيح فله أن يطالب بها ولو تهدم بناء الغاصب وإلا فلا، فلو بنى على هذه الخشبة والغاصب غصب الخشبة فقط والأرض له والبناء له لكنه غصب الخشبة وبنى عليها وقال المالك للخشبة: أنا أريد أن تنقض بناءك وتعطيني الخشبة، ومعلوم أنه سيترتب على غاصب الخشبة ضرر عظيم، فهنا نقول يجبر مالك الخشبة على أخذ قيمتها وإن كانت مثلية يجبر على أخذ مثلها. القارئ: وإن غصب خيطاً فخاط به ثوباً فهو كالخشبة في البناء وإن خاط به جرحه أو جرح حيوان يخاف التلف بقلعه أو ضرراً كثيرا لم يقلع لأن حرمة الحيوان آكد من حرمة مال الغير ولهذا جاز أخذ مال الغير بغير إذنه لحفظ الحيوان دون غيره إلا أن يكون الحيوان مباح القتل كالمرتد والخنزير فيجب رده لأنه لا حرمة للحيوان وإن كان الحيوان مأكولاً للغاصب فيجب رده لأنه يمكن ذبح الحيوان والانتفاع بلحمه ويحتمل أن لا يقلع لنهي النبي ﷺ عن ذبح الحيوان لغير مأكلة وإن كان الحيوان لغير الغاصب لم يقلع بحال لأن فيه ضرراً بالحيوان وبصحابه وإن مات الحيوان وجب رد الخيط إلا أن يكون آدمياً لأن حرمته باقية بعد موته والحكم فيما إذا بلع الحيوان جوهرة كالحكم في الخيط سواء.

стр. 2365

الشيخ: قول المؤلف (لأن حرمته _ أي حرمة الآدمي _ باقية بعد موته) دليل هذا قول النبي ﷺ (كسر عظم الميت ككسره حياً) وبه نعرف أن أولئك الذين يعتدون على الأموات ويأخذون أعضائهم بعد موتهم قد جنوا على الأموات حتى إن فقهاءنا ﵏ يقولون لو أوصى الميت بأخذ عضو منه بعد موته لم تنفذ الوصية لأن البدن أمانة حياً وميتاً، ولمَّا ظهرت الفتوى بالجواز صار بها ضررٌ كثير فصاروا في البلاد غير السعودية يقتلون الأطفال ليأخذوا أعضائهم إما الكلى وإما الكبد وإما القلب وصار في هذا شر كثير، والمتورع يحكم بموت المريض موتاً دماغياً من أجل أن يشق بطنه ويخرج الذي يريد منه. فصل القارئ: وإن غصب لوحاً فرقع به سفينة وخاف الغرق بنزعه لم ينزع لأنه يمكنه رده بغير إتلاف مال بأن تخرج إلى الشط فلم يجز إتلافه سواء كان فيها ماله أو مال غيره. فصل القارئ: وإن أدخل فصيلاً أو غيره إلى داره فلم يمكن إخراجه إلا بنقض الباب نقض كما ينقض البناء لرد الخشبة وإن دخل الفصيل من غير تفريطه فعلى صاحب الفصيل ما يصلح به الباب لأن نقضه لتخليص ماله من غير تفريط من صاحب الباب وهكذا الحكم إن وقع الدينار في محبرة إنسان بتفريط أو غيره.

стр. 2366

الشيخ: هذه مسألة غريبة رجل غصب فصيلاً والفصيل هو ولد الناقة الصغير ثم كبر هذا الفصيل وهو لما كان فصيلاً دخل مع الباب لكنه لما كَبِرَ عجز عن الخروج من الباب فماذا نصنع؟ هل نقول يكسر الباب حتى يخرج الفصيل أو نقول اذبح الفصيل واخرج به أعضاءً؟ الجواب الأول لأن الغاصب معتدي، وكذلك أيضاً إذا غصب ديناراً وألقاه في المحبرة يعني الدواة وعجز عن إخراجه منها والمحبرة للغاصب الذي غصب الدينار فكيف نصنع؟ الجواب تكسر المحبرة لأنه وضع الدينار باختياره وهذا عدوان، وقد كانت المحابر فيما سبق توجد معنا في المدارس ولها مثل المحقان فيصب فيها الحبر وإذا اضُطجِعت لا يخرج منها لأن أعلاها مطموم وفيها ثقب في الوسط ليدخل منه القلم فهذه المحبرة لو اضُطجِعت لا ينتثر منها الحبر لأنها مطمومة لا يمكن أن يخرج منها فلو سقط الدينار فيها فإنه لا يخرج إلا بتكسيرها. فصل القارئ: وإن غصب عبداً فأبق أو دابة فشردت فللمغصوب منه المطالبة بقيمته لأنه تعذر رده فوجب بدله كما لو تلف فإن أخذ البدل ملكه لأنه بدل ماله كما يملك بدل التالف. الشيخ: قوله ﵀ أنه يرد القيمة فيه نظر، والصواب أنه يرد المثل إذا أمكن لأن الواجب أن يضمن الشيء بمثله فإنه إلى العدل أقرب لأن مساواة المثل لمثله أقرب من مساواة قيمته له ولهذا لما أرسلت إحدى أمهات المؤمنين إلى النبي ﷺ رسولاً بطعام غضبت الزوجة التي هو في بيتها فضربت يد الخادم حتى سقط الطعام وتكسر الإناء فأخذ النبي ﷺ إناء التي هو في بيتها وطعامها وأعطاه الخادم وقال (إناء بإناء وطعام بطعام) فالصواب أنه لا يضمنها بالقيمة وإنما يضمنها بالمثل لأن ضمانها بالمثل أقرب إلى العدل من ضمانها بالقيمة.

стр. 2367

القارئ: ولا يملك الغاصب المغصوب لأنه لا يصح تملكيه بالبيع فلا يملكه بالتضمين كالتالف فإذا قدر عليه رده وأخذ القيمة لأنها استحقت بالحيلولة وقد زالت فوجب ردها وزيادة القيمة المتصلة للغاصب لأنها تتبع الأصل والمنفصلة للمغصوب منه لأنها لا تتبع الأصل في الفسخ بالعيب وهذا فسخ فأما المغصوب فيرد بزيادته المتصلة والمنفصلة لأن ملك صاحبه لم يزل عنه. الشيخ: الزيادة المتصلة كالسِّمَن والمنفصلة كالولد واللبن والصوف وما أشبه ذلك. فصل القارئ: وإن غصب أثماناً فطالبه مالكها بها في بلد آخر لزم ردها إليه لأن الأثمان قيم الأموال فلا يضر اختلاف قيمتها وإن كان المغصوب من المقومات لزم دفع قيمتها في بلد الغصب وإن كان من المثليات وقيمته في البلدين واحدة أو هي أقل في البلد الذي لقيه فله مطالبته بمثله لأنه لا ضرر على الغاصب فيه وإن كانت أكثر فليس له المثل لأننا لا نكلفه النقل إلى غير البلد الذي غصبه فيه وله المطالبة قيمته في بلد الغصب وفي جميع ذلك متى قدر على المغصوب أو المثل في بلد الغصب رده وأخذ القيمة كما لو غصب عبداً فأبق.

стр. 2368

الشيخ: الأثمان هي النقود فلو أنه غصب أثماناً في مكة ولقيه صاحب الأثمان في المدينة وطالبه بالأثمان فإنه يجب عليه ردها لأنه لا فرق بين قيمتها في المدينة وقيمتها في مكة وهذا الذي ذكره الفقهاء ﵏ هو في الزمن السابق لمَّا كانت الخلافة عامة لجميع المسلمين والنقد واحداً أما الآن فاختلف الأمر فمثلاً الأثمان في السعودية غير الأثمان في سوريا وفي العراق وفي الأردن وما أشبه ذلك فلكل حالٍ حكمها، وعليه إذا اختلفت القيمة وكانت قيمة الأثمان في البلد التي طالبه فيها المالك أقل فهل يلزمه تسليمها أو لا؟ بمعنى أن هذا الثمن قيمته مثلاً في مكة عشرة ريالات وفي المدينة تسعة ريالات فطالبه الغاصب في المدينة فهل يلزمه التسليم أو لا؟ الجواب يلزمه لأنه ليس هناك ضرر على الغاصب لنفرض أنه غصبه دولاراً في مكة وهو يساوي في مكة خمسة ريالات وطالبه به في المدينة وهو يساوي أربعة ريالات ونصف فإنه يلزم الغاصب أن يرده لأنه لا ضرر عليه في ذلك ولو كان بالعكس أي أنه يساوي في مكة أربعة ريالات ونصف وطالبه به في المدينة وهو يساوي خمسة ريالات فإنه لا يلزمه الرد لأن عليه ضرر في ذلك وهو لا يلزمه أن يدفع المغصوب في غير بلاد الغصب. فصل القارئ: إذا تلف المغصوب وهو مما له مثل كالأثمان والحبوب والأدهان فإنه يضمن بمثله لأنه يماثله من حيث الصورة والمشاهدة والمعنى والقيمة مماثلة من طريق الظن والاجتهاد فكان المثل أولى كالنص مع القياس.

стр. 2369

الشيخ: المثلي على المذهب ضيق جداً فيقولون إن المثلي كل مكيل أو موزون ليس فيه صناعة مباحة يصح السلم فيه، فخصَّوُه بالمكيل والموزون وبأنه أيضاً ليس فيه صناعة وعلى هذا إذا جعل الحديد أواني خرج عن كونه مثلياً وأيضاً قالوا يصح السلم فيه بأن يكون مما ينضبط بالصفة وهذا كما هو معلوم تضييق جداً جداً وعليه فمثلاً الفناجين فناجين الشاي إذا كانت من طراز واحد وكسر إنسانٌ فنجان لآخر فإنه على المذهب يضمنه بالقيمة لأن فيه صناعة فخرج عن كونه مثليَّا والصواب أن المثلي ماله مثيلٌ أو مقارب سواء كان مكيلاً أو موزوناً أو حيواناً أو أواني أو غير ذلك لأن الاشتقاق يدل عليه فيقال هذا مثل هذا وأيهما أقرب إلى المساواة صاع من بر ضُمِنَ بصاع من بر أو فنجان من نوع معين ضُمِنَ بفنجان من نفس ذلك النوع، أيهما أقرب للمساواة؟ الجواب الثاني بلا شك وسبحان الله كيف نقول إذا أتلف له صاع من البر ضَمَّنَّاهُ صاعاً من البر وإذا أتلف له فنجاناً لا نُضَمِّنَهُ بنظيره فالصواب أن المثلي هو كل ما له مماثل أو مقارب ويعفى عن الاختلاف اليسير. القارئ: فإن تغيرت صفته كرُطَبٍ صار تمراً أو سمسم صار شيرجا ضمنه المالك بمثل أيهما أحب لأنه قد ثبت ملكه على كل واحد من المثلين فرجع بما شاء منهما وإن وجب المثل وأعوز وجبت قيمته يوم عوزه لأنه يسقط بذلك المثل وتجب القيمة فأشبه تلف المتقومات وقال القاضي تجب قيمته يوم قبض البدل لأن التلف لم ينقل الوجوب إلى القيمة بدليل ما لو وجد المثل بعد ذلك وجب رده.

стр. 2370

الشيخ: قول القاضي قوي جداً وهو أنه يضمن بقيمته يوم التلف وأما المذهب فيضمنه بقيمته وقت إعوازه مثال ذلك هذا المثلي انقطع عن السوق وهذا يكون على القول الراجح في المصنوعات فأحياناً يَرِدُ على الأسواق شيء معين من المصنوعات إما راديو وإما ساعة وإما قلم وإما غيره ثم ينقطع عن السوق فإذا ضَمَّنَّا الغاصب فإننا نُضَمِّنَهُ بقيمته وقت الانقطاع لأنه لما انقطع انتقل الضمان من المثل إلى القيمة وهذا على قول المذهب وقال القاضي نُضَمِّنَهُ بقيمته وقت القبض فمثلاً لو انقطع في شهر محرم ثم صارت الخصومة بين المالك وبين الغاصب في شهر ربيع فعلى قول القاضي تعتبر قيمته في شهر ربيع وقد تكون أضعاف أضعاف قيمته في شهر محرم وعلى المذهب تعتبر قيمته في شهر محرم وكلا القولين له حجة فحجة المذهب أنه لما أعوز ثبتت القيمة وحجة القاضي أنه مازال على ملك صاحبه مثلياً فلا ينقل إلى القيمة إلا عند الطلب بدليل أنه لو أعوز في شهر محرم وانقطع ثم وجد في شهر ربيع الأول مثلاً فهل نقول إنه أنقطع في شهر محرم فتجب القيمة أو نقول الآن يجب المثل؟ الجواب الثاني فيكون لا فرق وعليه فكلام القاضي ﵀ أصح أنه يُضَمَّنُ بقيمة المثل المنقطع وقت القطع. القارئ: وإن قدر على المثل بأكثر من قيمته لزمه شراؤه لأنه قدر على أداء الوجوب فلزمه كما لو قدر على رد المغصوب بغرامة. السائل: على المذهب في المثلي لو كان هذا المثلي المغصوب ذهباً فيه صناعة محرمة كما لو كان ذهباً مصوغاً على شكل طائر فكيف يكون الحكم؟ الشيخ: الصناعة المحرمة يقدر الشيء المغصوب خالياً منها كأنه ذهب لا صناعة فيه. السائل: بماذا يلزمون الغاصب؟ الشيخ: يلزمونه بذهب ليس فيه صناعة. فصل

стр. 2371

القارئ: فإن كان مما لا مثل له وجبت قيمته لقول رسول الله ﷺ (من أعتق شِركا له في عبد فكان له ما يبلغ ثمن العبد قوم وأعطي شركاؤه حصصهم) متفق عليه فأوجب القيمة ولأن إيجاب مثله من جهة الخلقة لا يمكن لاختلاف الجنس الواحد في القيمة فكانت القيمة أقرب إلى إبقاء حقه. الشيخ: إذا أتلف الغاصب ما لا مثل له وجبت القيمة والاستدلال بالحديث واضح وهو أن الإنسان إذا أعتق نصيبه من عبد وكان للمُعْتِقِ مال يبلغ قيمة حصص الشركاء فإنه يَعْتُقُ عليه بالسِّراية ولا خيار له ويجب أن يعطي الشركاء حصصهم يعني قيمة الحصص لأنه لا يمكن أن يضمن لشركائه المثل حيث أنهم لهم جزء من عبد فالاستدلال بهذا واضح والمعنى يقتضي هذا إيضاً فإذا كان لا مثل له فأقرب شيء تبرأ به الذمة أن يُضَمَّنَ الغاصب القيمة ولكن هذا مع ملاحظة ما ذكرناه في السابق من أن المشهور من المذهب هو تضييق المثلي والصواب أنه أوسع مما ذكروه في المذهب. القارئ: فإن اختلفت قيمته من حين الغصب إلى حين التلف نظرت فإن كان ذلك لمعنى فيه وجبت قيمته أكثر ما كانت لأن معانيه مضمونة مع رد العين فكذا مع تلفها وإن كان لاختلاف الأسعار فالواجب قيمته يوم تلف لأنها حينئذ ثبتت في ذمته وما زاد على ذلك لا يضمن مع الرد فكذلك مع التلف كالزيادة على القيمة. الشيخ: هذا مبني على القول بأنه لا يُضْمَنُ ما نقص بالسعر وأما على القول بأنه يُضْمَنُ ما نقص في السعر فينظر إلى أعلا القيم من وقت التلف إلى وقت الضمان.

стр. 2372

القارئ: وتجب القيمة من نقد البلد الذي تلف فيه لأنه موضع الضمان فإن كان المضمون سبيكة أو نقرة أو مصوغاً ونقد البلد من غير جنسه أو قيمته كوزنه وجبت لأن تضمينه بها لا يؤدي إلى الربا فأشبه غير الأثمان وإن كان نقد البلد من جنسه وقيمته مخالفة لوزنه قوم بغير جنسه كيلا يؤدي إلى الربا وإن كانت الصناعة محرمة فلا عبرة بها لأنها لا قيمة لها شرعا وذكر القاضي أن ما زادت قيمته لصناعة مباحة جاز أن يضمن بأكثر من وزنه لأن الزيادة في مقابلة الصنعة فلا يؤدي إلى الربا. الشيخ: هذا مبني على ما سبق في أنه هل تجوز الزيادة في مقابلة الصنعة أو لا تجوز؟ والمشهور من المذهب أنها لا تجوز، مثال ذلك إنسان عنده حلي قديم زنته مائة غرام وإنسان عنده حلي جديد وزنه مائة غرام فتبادلا فقال صاحب الجديد أريد أن تضيف إلى ذهبك القديم مقدار الصنعة، فعلى المذهب أن ذلك لا يجوز واستدلوا بأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم منع من بيع الرديء بالجيد متفاضلاً، والقول الثاني الذي اختاره جماعة من أهل العلم كابن القيم ﵀ وأظن شيخه كذلك أنه تجوز الزيادة بقدر القيمة في مقابلة الصنعة وقالوا إن الاستدلال بكون النبي ﷺ يمنع من الربوي بمثله متفاضلاً من أجل الرداءة والجودة قالوا الفرق بأن الصنعة من فعل الآدمي فيعطى عوضاً عنها وأما الجودة والرداءة فهي من فعل الله ، وهذا لا شك أنه فرق واضح ولكن الذي يجعل الإنسان يتوقف في هذه المسألة أو يمنع منها هو أنه مَنْ الذي يقدر قيمة الصنعة؟ فقد يطلب صاحب الذهب الجديد المصنوع بصنعة جديدة قد يطلب أكثر من قيمة الصنعة فيربح وإلا فلا شك أن القول بأنه يجوز الزيادة في مقابلة الصنعة إذا تساوى المَبِيعُ والمُشْتَرَى قول قوي. السائل: لوقلنا للمعتق إنك لو أعتقت نصيبك في العبد فإنه يلزمك الضمان لبقية الشركاء في هذا العبد، فربما يمتنع من العتق فما الحل؟

стр. 2373

الشيخ: نقول إنه إذا كان قصده العتق ويريد بذلك رضى الله وقد أغناه الله فإنه لن يتوقف، وإن كان معسراً فالمذهب أنه يعتق من العبد ما عَتَقْ ويبقى الباقي رقيقاً والقول الثاني أنه يستسعى العبد ويقال له اعمل وأوفي سادتك. فصل القارئ: وإذا كانت للمغصوب منفعة مباحة تستباح بالإجارة فأقام في يده مدة لمثلها أجرة فعليه الأجرة وعنه أن منافع الغصب لا تضمن والمذهب الأول لأنه يطلب بدلها بعقد المغابنة فتضمن بالغصب كالعين وسواء رد العين أو بدلها لأن ما وجب مع ردها وجب مع بدلها كأرش النقص. الشيخ: قول المذهب هو الصحيح أن الغاصب يُضَمَّنُ الأجرة فيما يُستأجر أما ما لا يُستأجر عادةً فإنه لا أجرة عليه ونلاحظ من كلام المؤلف ﵀ أنه يقول تستباح به الإجارة احترازاً من المنافع التي لا تستباح بالإجارة كالوطء والاستمتاع فيما لو غصب أمة وبقيت عنده شهراً أو شهرين فإن مالكها لا يُضَمِّنَهُ ويقول أنت فوَّت عليَّ الاستمتاع بالأمة هذه المدة فلي الأجرة فنقول ليس لك أجرة لأن هذه المنفعة لا تستباح بالإجارة. القارئ: فإن تلفت العين لم تلزمه أجرتها بعد التلف لأنه لم يبق لها أجرة ولو غصب داراً فهدمها أو عرصة فبناها أو داراً فهدمها ثم بناها وسكنها فعليه أجرة العرصة لأنه لما هدم البناء لم يبق لها أجرة لتلفها ولما بنى العرصة كان البناء له فلم يضمن أجرة ملكه إلا أن يبنيها بترابها أو آلة للمغصوب منه فيكون ملكه لأنها أعيان ماله وليس للغاصب فيه إلا أثر الفعل فتكون أجرتها عليه وكل مالا تستباح منافعه بالإجارة أو تندر إجارته كالغنم والشجر والطير فلا أجرة له ولو أطرق فحلاً أو غصب كلباً لم تلزمه أجرة لذلك لأنه لا يجوز أخذ العوض عن منافعه بالعقد فلا يجوز بغيره. فصل

стр. 2374

القارئ: وإن غصب ثوباً فلبسه وأبلاه فعليه أجرته وأرش نقصه لأن كل واحد منهما يضمن منفرداً فيضمن مع غيره ويحتمل أن يضمن أكثر الأمرين من الأجرة وأرش النقص لأن ما نقص حصل بالانتفاع الذي أخذ المالك أجرته ولذلك لا يضمن المستأجر أرش هذا النقص. الشيخ: الأصح أنه يضمن الأجرة والنقص لأن كلاً منهما حصل بفعله. القارئ: وإن كان الثوب مما لا أجرة له كغير المخيط فعليه أرش نقصه حسب وإن كان المغصوب عبداً فكسب ففي أجرة مدة كسبه وجهان كذلك وإن أبق العبد فغرم قيمته ثم وجده فرده ففي أجرته من حين دفع قيمته إلى رده وجهان أحدهما لا يلزمه لأن المغصوب منه ملك بدل العين فلا يستحق أجرتها والثاني يلزمه لأن منافع ماله تلفت بسبب كان في يد الغاصب فلزمه ضمانها كما لو لم يدفع القيمة وإن غصب أرضاً فزرعها فأخذ المالك زرعها لم تكن على الغاصب أجرة لأن منافع ملكه عادت إليه إلا أن يأخذه بقيمته فتكون له الأجرة إلى وقت أخذه لأن القيمة زادت بذلك للغاصب فكان نفعها عائداً إليه. السائل: إذا كان عند رجل مجموعة من السلع وأتى آخر وغصب منه بعضها، ثم إن الرجل صاحب السلعة ذهب إلى بلاد أخرى وباع باقي السلع بثمن يساوي أضعاف ثمنها في بلده الأصلي وبعد مدة وجد ذلك الغاصب في بلده الأصلي فهل يضمنه قيمة السلعة بسعرها في البلد الأصلي أم في البلاد التي باع فيها باقي السلع؟ الشيخ: أما على قاعدة أن الغصب لا يُضَمَّنُ فيه الغاصب ما نقص بالسعر فلا، ولكن على القول الراجح أنه يُضَمِّنُهُ لا سيما في المسألة التي ذكرها السائل لأنه حال بينه وبين هذا الربح فيضمن. السائل: الغاصب إذا أجبر على دفع الغرامة فهل يدفع بثمن يوم الغصب أو بثمن يوم الدفع؟

стр. 2375

الشيخ: أما في المثلي فقد سبق أنه يعطي مثله سواءً زادت قيمته أو نقصت، وأما المُتَقَوَّم فإنه يضمنه يوم التلف لا يوم الغصب لأنه لم يزل على ملك صاحبه حتى تلف، إلا إذا كانت القيمة وقت الغصب أكثر وقلنا بأنه يضمن ما نقص بالسعر فإنه يعطى أكثر القيمتين من وقت الغصب أو وقت التلف. فصل القارئ: وإذا غصب عيناً فباعها لعالم بالغصب فتلفت عند المشتري فللمالك تضمين أيهما شاء قيمتها وأجرتها مدة مقامها في يد المشتري فيضمن الغاصب لغصبه والمشتري لقبضه ملك غيره بغير إذنه فإن ضمن الغاصب رجع على المشتري وإن ضمن المشتري لم يرجع على أحد لأنه غاصب تلف المغصوب في يده فاستقر الضمان عليه كالغاصب إذا تلف تحت يده فأما أجرتها أو نقصها قبل بيعها فعلى الغاصب وحده ولا شيء على المشتري منه وإن كان جارية فوطئها لزمه الحد والمهر وردها مع ولدها وأجرتها وأرش نقصها وولدها رقيق لأن وطأه زنا فأشبه الغاصب وإن لم يعلم المشتري بالغصب فلا حد عليه وولده حر وعليه فداؤه بمثله يوم وضعه لأنه مغرور فأشبه ما لو تزوجها على أنها حرة، وللمالك تضمين أيهما شاء لما ذكرنا. الشيخ: قوله ضمنه بمثله هذا صعب متعذر أو متعسراً جداً لأنه متى نجد طفلاً رقيقاً ولد واشتُرِيَ حين ولادته، ولهذا نرى أنه في هذه الحال يضمن بقيمته يوم ولادته لأن المثلية هنا متعذرة جداً والغريب في المذهب أن الحيوان ليس بمثلي لأن المثلي على المذهب ما كان مكيلاً أو موزوناً ليس فيه صناعة مباحة ويصح السلم فيه.

стр. 2376

القارئ: فإن ضمن الغاصب رجع على المشتري بقيمة العين ونقصها وأرش بكارتها لأنه دخل مع البائع على أن يكون ضامناً لذلك بالثمن فلم يغره فيه ولا يرجع عليه ببدل الولد إذا ولدت منه ونقص الولادة لأنه دخل معه على أن لا يضمنه فغره بذلك فأما ما حصلت له به منفعة ولم يلتزم ضمانه كالأجرة والمهر ففيه روايتان إحداهما لا يرجع به لأن المشتري دخل معه في العقد على أن يتلفه بغير عوض فقد غره فاستقر الضمان على الغاصب كعوض الولد والثانية يرجع به لأن المشتري استوفى بدل ذلك فتقرر ضمانه عليه وإن ضمن المشتري رجع على الغاصب بما لا يرجع به الغاصب عليه لأنه استقر ضمانه على الغاصب ولم يرجع بما يرجع به الغاصب عليه لأنه لا فائدة في رجوعه عليه بما يرجع به الغاصب عليه. فصل القارئ: وإن وهب المغصوب لعالم بالغصب أو أطعمه إياه استقر الضمان على المتهب ولم يرجع على أحد لما ذكرنا في المشتري وإن لم يعلم رجع بما غرم على الغاصب لأنه غره بدخوله معه على أنه لا يضمن وعنه فيما إذا أكله أو أتلفه أنه لا يرجع به لأنه غرم ما أتلف فعلى هذا إن غُرِّم الغاصب رجع على الآكل لأنه أتلف فاستقر الضمان عليه وإن أجر الغاصب العين ثم استردها المالك رجع على من شاء منها بأجرتها ويستقر الضمان على المستأجر علم أو جهل لأنه دخل في العقد على أن يضمن المنفعة ويسقط عنه المسمى في الإجارة وإن تلفت العين فغرمها رجع به على الغاصب إذا لم يعلم لأنه دخل معه على أنه لا يضمن وإن وكل رجلاً في بيعها أو أودعها فللمالك تضمين من شاء لما ذكرنا وإن ضمنهما رجعا بما غرما على الغاصب إلا أن يعلما بالغصب فيستقر الضمان عليهما وإن أعارها استقر الضمان على المستعير علم أو جهل لأنه دخل معه على أنها مضمونة عليه وإن غرمه الأجرة ففيه وجهان مضى توجيههما في المشتري.

стр. 2377

الشيخ: هذه المسائل سنذكر فيها قاعدة، وهذه المسائل تسمى الأيدي المترتبة على يد الغاصب وقد ذكر ابن رجب ﵀ في القواعد الفقهية أنها عشرة وذكر لكل واحدة حكماً، لكن لها قاعدة أو ضابط سنذكره بعد أن ينتهي كلام المؤلف. فصل القارئ: وإن أطعم المغصوب لمالكه فأكله عالماً به برئ الغاصب لأنه أتلف ماله برضاه عالماً به وإن لم يعلم فالمنصوص أنه يرجع قيل لأحمد ﵁ في رجل له قِبَلَ رجل تبعة فأوصلها إليه على سبيل صدقة أو هدية ولم يعلم فقال كيف هذا؟ هذا يرى أنه هدية ويقول هذا لك عندي لأنه بالغصب أزال سلطانه وبالتقديم إليه لم يعد ذلك السلطان فإنه إباحة لا يملك بها التصرف في غير ما أذن له فيه ويتخرج أن يبرأ لأنه رد إليه ماله فبرئ كما لو وهبه إياه. الشيخ: الصحيح أنه إذا أطعمه إياه عالماً به فإنه لا يرجع عليه لأن المغصوب منه يعلم أن هذا ملكه وقد أتلفه هو أما لو غَرَّهُ وأطعمه إياه على أنها دعوة أو هدية فهنا يرجع المغصوب منه على الغاصب لأنه غَرَّهُ. القارئ: ويحمل كلام أحمد ﵁ على أنه أوصل إليه بدله فأما إن وهبه إياه فالصحيح أنه يبرأ لأنه قد سلمه تسليماً صحيحاً ورجع إليه سلطانه به وزالت يد الغاصب بالكلية وكذلك إن باعه إياه وسلمه إليه فأما إن أودعه إياه أو أعاره أو أجره إياه فإن علم أنه ماله برئ الغاصب لأنه عاد إلى يده وسلطانه وإن لم يعلم لم يبرأ لأنه لم يعد إليه سلطانه وإنما قبضه على الأمانة وقال بعض أصحابنا يبرأ لأنه عاد إلى يده. فصل القارئ: وأم الولد تضمن بالغصب لأنها تضمن في الإتلاف بالقيمة فتضمن في الغصب كالقن.

стр. 2378

الشيخ: أم الولد هي التي أتت بولد من سيدها وصورة المسألة هذا رجل عنده سُرِّيَّة فأتت منه بولد فهنا انعقد سبب الحرية فيها لكنها لا تعتق إلا بموته _ أي _ بموت سيدها ولهذا ذكر المؤلف أن أم الولد تضمن بالغصب بخلاف الحر فالحر لا يضمن بالغصب فلو غصب إنساناً وأجبره على أن يحفر له بئراً فإنه لا يضمنه لأن الحر لا يضمن فليس له قيمة شرعاً، لكن هل يُلزم بأجرة المثل أو لا يُلزم؟ هذه المسألة محل نظر. السائل: إذا اشترى الشخص سلعته المغصوبة من غاصبها قهراً، ثم بعد مدة قَدِرَ على أن يسترد الثمن فهل له ذلك؟ الشيخ: إذا أعطاه الثمن فإنه إذا ثبت فيما بعد أنها سلعته استرد الثمن. القارئ: ولا يضمن الحر بالغصب لأنه ليس بمال فلم يضمن باليد وإن حبس حراً فمات لم يضمنه لذلك إلا أن يكون صغيراً ففيه وجهان أحدهما لا يضمن لأنه حر أشبه الكبير والثاني يضمنه لأنه لا تصرف له في نفسه أشبه المال فإن قلنا لا يضمنه فكان عليه حلي فهل يضمن الحلي؟ فيه وجهان أحدهما لا يضمنه لأنه تحت يده أشبه ثياب الكبير والثاني يضمنه لأنه استولى عليه فأشبه ما لو كان منفرداً وإن استعمل الكبير مدة كرها فعليه أجرته لأنه أتلف عليه ما يتقوم فلزمه ضمانه كإتلاف ماله وإن حبسه مدة لمثلها أجرة ففيه وجهان أحدهما تلزمه الأجرة لأنها منفعة تضمن بالإجارة فضمنت بالغصب كنفع المال والثاني لا يلزمه لأنها تلفت تحت يده فلم تضمن كأطرافه. الشيخ: الصحيح أنه إذا منعه من العمل وكان من عادته أن يعمل فإنه يضمنه لأنه حال بينه وبين كسبه أما إذا كان ليس من عادته أن يعمل فهذا ليس له أجرة كالعين التي ليس فيها منفعة، وأما في مسألة الصغير فالصواب أنه يضمنه لأن الصغير ليس له تصرف في نفسه فكل إنسان يخدعه ويأتي به ويسترِقُّه. فصل القارئ: وإن غصب كلباً يجوز اقتناؤه. الشيخ: قوله (يجوز اقتناؤه) المقصود به كلب الحرث والصيد والماشية.

стр. 2379

القارئ: لزمه رده لأن فيه نفعاً مباحاً وإن غصب خمر ذمي لزم ردها إليه لأنه يقر على اقتنائها وشربها وإن غصبها من مسلم وجبت إراقتها لأن النبي ﷺ أمر بإراقة خمر الأيتام وإن أتلفها لمسلم أو ذمي لم يضمنها لما روى ابن عباس أن النبي ﷺ قال (إن الله إذا حرم شيئاً حرم ثمنه) ولأنها يحرم الانتفاع بها فلم تضمن كالميتة. الشيخ: إذا غصب مسلمٌ خمر ذمي وقلنا له يلزمك الرد، فما هو العمل إذا قال إنه لا يريد الرد؟ الجواب أنه يتلفها لأنه إذا أتلفها لم يضمنها لأنها محرمة وعوضها محرم. القارئ: وإن غصبه منهما فتخلل في يده لزمه رده إلى صاحبه لأنها صارت خلاً على حكم ملكه فإن تلف ضمنه لأنه مال تلف في يد الغاصب فإن أراقه صاحبه فجمعه إنسان فتخلل لم يلزمه رده لأن صاحبه أزال ملكه عنه بتبديده. الشيخ: كل شيء يخرجه الإنسان عن ملكه رغبة عنه أو يأساً من صلاحه أو يأساً من برئه فيلتقطه أحدٌ ويربيه حتى يَسْلَم فإنه لا يلزمه رده إلى صاحبه ولو طالب به صحابه فلا حق له فيه لأنه تركه وأخرجه عن ملكه ومثل هذا ما يوجد في السيارات التي تكون عليها حوادث فيتركها أهلها رغبةً عنها فيأتي إنسان ويأخذها ويأخذ ما فيها من قطع الغيار فليس لصاحبها الحق في أن يطالب بها لأنه تركها زهداً فيها وخرجت عن ملكه. فصل القارئ: وإن غصب جلد ميتة ففي وجوب رده وجهان مبنيان على طهارته بالدباغ إن قلنا يطهر وجب رده لأنه يمكن التوصل إلى تطهيره أشبه الثوب النجس وإن قلنا لا يطهر لم يجب رده ويحتمل أن يجب إذا قلنا يجوز الانتفاع به في اليابسات ككلب الصيد. الشيخ: الصواب وجوب رده سواءٌ قلنا إنه يطهر بالدباغ أو لا، والصحيح أنه يطهر بالدباغ فيجب رده، وإذا قلنا لا يطهر وقلنا يجوز الانتفاع به في اليابسات كما هو المذهب وجب رده أيضاً لأن فيه نفعاً مباحاً، فالصواب وجوب رده سواء قلنا إنه يطهر بالدباغ أو قلنا لا يطهر مادام أن فيه نفع.

стр. 2380

القارئ: وإن أتلفه لم يضمنه لأنه لا قيمة له. الشيخ: هذا صحيح، لكن يجب على ولي الأمر أن يؤدب هذا المعتدي وهو ما يعرف عندنا بالحق العام. فصل القارئ: وإن كسر صليباً أو مزماراً لم يضمنه لأنه لا يحل بيعه فأشبه الميتة. الشيخ: قوله (لأنه لا يحل بيعه) رحم الله المؤلف لو قال لأنه لا يجوز إقراره لكان أولى وذلك لأنه يجب علينا أن نغير المنكر بأيدينا إذا قدرنا فإن لم نستطع فباللسان فإن لم نستطع فبالقلب، وآلة اللهو يجب كسرها ولكن هل يجب على كل واحد أو هذا منوط بولاة الأمور؟ الجواب الثاني وذلك لئلا تحصل الفوضى ويقول صاحب المزمار إنني أقتنيه بناءً على قول لبعض العلماء فاقتنائي إياه مباح فلماذا تكسره، ثم يحصل بذلك فتنة. القارئ: وإن كسر أواني الذهب والفضة لم يضمنها لأن اتخاذها محرم وإن كسر آنية الخمر ففيه روايتان إحداهما يضمنها لأنه مال غير محرم ولأنها تضمن إذا خلت. الشيخ: قوله (إذا خلت) يعني إذا خلت من الخمر فلو أتلف الآنية بدون أن يكون فيها خمر فهي مضمونة. القارئ: فتضمن إذا كان فيها خمر كالدار. الشيخ: قوله (كالدار) يعني لو هدم داراً فيها خمر فإنه يضمن الدار، لكن هذا القياس فيه نظر لأن الدار ليست آنية للخمر بخلاف آنية الخمر فإنها تختص به وعلى كل حال فالصواب أنه إذا أتلف آنية خمر وهي مما يباح استعماله فهو ضمان. القارئ: والثانية لا تضمن لما روى ابن عمر (أن النبي ﷺ أمره بتشقيق زقاق الخمر) رواه أحمد ﵁ في المسند. الشيخ: قوله (لا تضمن لما روى ابن عمر ... ) نقول هناك فرق لأن الرسول ﷺ له السلطة فتشقيقها من باب التعزير أما غيره فليس له ذلك، فإذا كان إنسان قد وضع خمراً في إناء ثمين لكنه ليس ذهباً ولا فضة فهل نقول لغيره أن يكسره ويفسده عليه لأن فيه خمراً؟ هذا فيه نظر والصواب أنه مضمون. فصل

стр. 2381

القارئ: ومن أتلف مالاً محترماً لغيره ضمنه لأنه فوته عليه فضمنه كما لو غصبه فتلف عنده وإن فتح قفص طائر فطار أو حل دابة فشردت أو قيد عبد فذهب أو رباط سفينة فغرقت ضمن ذلك كله لأنه تلف بسبب فعله فضمنه كما لو نفر الطائر أو الدابة وإن فعل ذلك فلم يذهب حتى جاء آخر فنفرهما فالضمان على المنفر لأن فعله أخص فاختص الضمان به كالدافع مع الحافر. الشيخ: قوله (الدافع مع الحافر) صورة المسألة لو أن رجلاً رأى شخصاً واقفاً على بئر فدفعه فمات بسقوطه في البئر فالضامن هنا هو الدافع مع أنه لولا البئر لسقط على الأرض ولم يمت، لكن نقول هنا اجتمع مباشر ومتسبب والمباشر هو الدافع والمتسبب هو الحافر، إلا إذا علمنا أنهما تواطأ على الحفر والدفع بأن قال أحدهما أنا أحفر البئر وأنت إذا وقف ذلك الرجل يشاهدها أدفعه، فيكون الضمان عليهما جميعاً. القارئ: وإن وقف طائر على جدار فنفره إنسان فطار لم يضمنه لأن تنفيره لم يكن سبب فواته لأنه كان فائتاً قبله وإن طار في هواء داره فرماه فقتله ضمنه لأنه لا يملك منع الطائر الهواء فأشبه ما لو قتله في غير داره. الشيخ: إذا كان هناك طائر قد طار من مالكه فوجده شخص ما على الجدار فَنَفَّرَهُ فإنه لا يضمنه لماذا؟ لأن هذا الطائر نافرٌ من الأصل فهو قد هرب من مالكه ولهذا قال المؤلف (لأنه كان فائتاً قبله) لكن لو فرض أن الجدار حول مقره يعني حول وكر الطائر وهذا الطائر قد وقع على الجدار ليتأهب لدخول الوكر فهنا قد نقول بالضمان وذلك لأنه لولا تنفيره له لدخل في وكره. فصل

стр. 2382

القارئ: وإن حل زقاً فاندفق أو خرج منه شيء بل أسفله فسقط أو سقط بريح أو زلزلة أو كان جامداً فذاب بالشمس فاندفق ضمنه لأنه تلف بسببه فضمنه كما لو دفعه وقال القاضي لا يضمنه إذا سقط بريح أو زلزلة لأن فعله غير ملجئ فلا يضمنه كما لو دفعه إنسان آخر ولنا أنه لم يتخلل بين فعله وتلفه مباشرة يمكن إحالة الضمان عليها فيجب أن يضمنه كما لو جرح إنساناً فأصابه الحر فمات به فأما إن بقي واقفاً فجاء إنسان فدفعه ضمنه الثاني لأنه مباشر وإن كان يخرج قليلاً قليلاً فجاء إنسان فنكسه فاندفق ضمن الثاني ما خرج بعد التنكيس لأنه مباشر له فهو كالذابح بعد الجارح ويحتمل أن يشتركا فيما بعد التنكيس وإن فتح زقاً فيه جامد فجاء آخر فقرب إليه ناراً فأذابه فاندفق ضمنه الثاني لأنه باشر الإتلاف وإن أذابه الأول ثم فتحه الثاني فالضمان على الثاني لأن التلف حصل بفعله. السائل: بعض العلماء يجعل في الكلب المأذون في اقتنائه إذا أُتلِفَ الضمان فما مستنده في ذلك؟ الشيخ: مستنده في ذلك رواية النسائي (نهى عن بيع الكلب إلا كلب صيد) قالوا فإذا جاز بيعه فهو مضمون والصواب أن هذه الرواية شاذة وأنه لا استثناء وأن بيع الكلب حرامٌ مطلقاً وعليه فلا قيمة له شرعاً. السائل: هل نلزم الذي أتلف كلب الصيد على صاحبه أن يأتي له بكلب آخر؟ الشيخ: لا نلزمه، فلا نقول له ابحث بدلاً عن هذا الكلب. السائل: إذا كانت هناك أواني معدة فقط لشرب الخمر فهل تضمن إذا كسرت؟ الشيخ: إذا كانت أواني خاصة بالخمر فقط فهذه يكسرها ولي الأمر ويضمنها الكاسر بأواني لا تصلح للخمر. فصل القارئ: وإن أجج في سطحه ناراً فتعدت فأحرقت شيئاً لجاره وكان ما فعله يسيراً جرت العادة به لم يضمن لأنه غير متعد وإن أسرف فيه لكثرته أو كونه في ريح عاصف ضمن وكذلك إن سقى أرضه فتعد إلى حائط آخر. فصل

стр. 2383

القارئ: وإن أطارت الريح إلى داره ثوباً لزمه حفظه لأنه أمانة حصلت في يده فلزمه حفظها كاللقطة فإن عرف صاحبه لزمه إعلامه فإن لم يفعل ضمنه كاللقطة إذا ترك تعريفها. الشيخ: إذا أطارت الريح إلى داره ثوباً ولم يعلم صاحبه ولا يدري هل هو لجاره المباشر أو لجاره البعيد أو أنه طار من يد صاحبه حتى وقع في هذا البيت فهنا نجعل حكمه حكم اللقطة. القارئ: وإن دخل طائر داره لم يلزمه حفظه ولا إعلام صاحبه لأنه محفوظ بنفسه فإن أغلق عليه باباً ليمسكه ضمنه لأنه أمسكه لنفسه فضمنه كالغاصب فإن لم ينو ذلك لم يضمنه لأنه يملك التصرف في داره فلم يضمن ما فيها. الشيخ: نقول هنا ومن باب أولى إذا أغلق الباب ليحفظه لصاحبه مثل أن يعرف أن هذا الطير لفلان فدخل هذا الطائر الحجرة فأغلق الباب ليمسكه لصحابه فإنه لا يضمن، وعليه إن أغلق الباب على الطائر دخل الحجرة ليمسكه لنفسه فهو ضامن أما إذا أراد بذلك أن يمسكه لصحابه فليس بضامن وإن فعل ذلك لمجرد حبس الطير فقط فهنا يقول المؤلف إنه لا ضمان عليه لأنه دخل ملكه وهو حر في ذلك، لكن هذا فيه نظر لأن حَبْسَهُ للطير عدوان والواجب إذا دخل غرفته أو حجرته _ والفرق بين الغرفة والحجرة أن الغرفة فوق والحجرة تحت _ فإنه يجب عليه أن يفتح الباب ليخرج الطير والطير مثل البعير قال النبي ﷺ (دعها فإن معها حذاءها وسقاءها) فهو يطير ويجد صاحبه، فعلى هذا نقول لا يضمن إذا أراد إمساكه لصاحبه وفيما عدا ذلك يضمن. فصل

стр. 2384

القارئ: إذا اختلف المالك والغاصب في تلف المغصوب فالقول قول الغاصب مع يمينه لأنه يتعذر إقامة البينة على التلف ويلزمه البدل لأنه بيمينه تعذر الرجوع إلى العين فوجب بدلها كما لو أبق العبد المغصوب وإن اختلفا في قيمة المغصوب فالقول قول الغاصب لأن الأصل براءة ذمته من الزيادة المختلف فيها فأشبه ما لو ادعى عليه بدين فأقر ببعضه وجحد باقيه وإن قال المالك كان كاتباً قيمته ألف وقال الغاصب كان أميًّا قيمته مائة فالقول قول الغاصب لما ذكرناه وإن قال الغاصب كان سارقاً فقيمته مائة وقال المالك لم يكن سارقاً فقيمته ألف فالقول قول المالك لأن الأصل عدم السرقة وإن غصبه طعاماً فقال كان عتيقاً فلا يلزمني حديث وأنكره المالك فالقول قول الغاصب. الشيخ: (حديثاً) يعني جديداً و (عتيقاً) يعني قديماً. القارئ: لأن الأصل براءة ذمته من الحديث ويأخذ المغصوب منه العتيق لأنه دون حقه وإن اختلفا في الثياب التي على العبد المغصوب هل هي للغاصب أو للمالك فهي للغاصب لأنها هي والعبد في يده فكان القول قوله فيها وإن غصبه خمرا فقال المالك استحالت خلا فأنكره الغاصب فالقول قول الغاصب لأن الأصل عدم الاستحالة. فصل

стр. 2385

القارئ: إذا اشترى رجل عبداً فادعى رجل أن البائع غصبه إياه فأنكره المشتري وصدقه البائع حلف المشتري والعبد له وعلى البائع قيمته ولا يملك مطالبة المشتري بالثمن لأنه لا يدعيه إلا أن يغرم قيمته فيملك مطالبته بأقل الأمرين من قيمته أو ثمنه لأنه يدعي القيمة والمشتري يقر بالثمن فيكون له أقلهما وللمالك مطالبة المشتري لأنه مقر بالثمن للبائع والبائع يقر به لمالكه فإن قلنا بصحة تصرف الغاصب فله مطالبته بجميع الثمن وإن قلنا لا يصح فله أقل الأمرين لما تقدم وإن صدقه المشتري فأنكره البائع حلف البائع وبرئ ويأخذ المدعي عبده لما روى سمرة عن النبي ﷺ أنه قال (من وجد متاعه عند رجل فهو أحق به) وإن كان المشتري أعتق العبد فصدق البائع والمشتري المالك غرم أيهما شاء قيمته، الشيخ: قوله (غرم أيهما شاء) أي المالك. القارئ: ويستقر الضمان على المشتري لأنه أتلف العبد بعتقه وإن وافقهما العبد على التصديق فكذلك ولم يبطل العتق لأنه حق الله تعالى فلا يقبل قولهم في إبطاله وفيه وجه آخر أنه يبطل العتق إذا صدقوه كلهم ويعود العبد رقيقاً للمدعي لأنه أقر بالرق على وجه لا يبطل به حق أحد فقبل كإقرار مجهول الحال. كتاب الشفعة القارئ: وهي استحقاق انتزاع الإنسان حصة شركيه من مشتريها بمثل ثمنها.
следующие страницы →