فصل (فيما يكره في الصلاة)
يُكْرَهُ لِلْمُصَلِّي اقتصارهُ على الفاتحةِ) فيما تسنّ فيه السورة بعدها.
(وتكرارُها) أي الفاتحة، لأنها ركنٌ. وفي إبطال الصلاة بتكرارِها خلافٌ، فَكُرِهَ لذلك. (والتفاتُهُ) في الصلاة. ومحلُّ الكَرَاهَةِ إذا كان الالتفاتُ (بلا حاجَةٍ) كخوفٍ ومرضٍ. والمراد بالالتفات الذي يكره ولا تبطل بهِ الصلاة: إذا لم يَسْتَدِرْ بجملته، ويستدبِرِ القبلة.
(و) يكره للمصلي (تغميضُ عينيه)، لأنه مَظِنَّةُ النَّوْمِ.
(وحمل مُشْغِلٍ لَهُ) عن الصلاة، لأن ذلك يُذْهِبُ الخشوع.
(وافتراشُ ذراعيهِ) حال كونِهِ (ساجداً).
(والعبثُ، والتخصُّرُ) وهو أن يَضَعَ يديه على خاصرتِهِ.
(والتمطّي) لأن ذلك يخرجه عن هيئة الخشوع.
(وفتح فَمِهِ، ووضْعُهُ فيه شيئاً)، لا في يده، نص عليه.
(واستقبال صورَةٍ) منصوبَةٍ، لأنه يُشْبِهُ سجودَ الكفارِ لها.
وفي الفصول: يُكْرَه أن يصلي إلى جدارٍ فيه صورةٌ وتماثيلُ، لما فيه من التشبيه بعبادة الأوثان والأصنام. وظاهره: ولو كانت صغيرةً لا تبدو للناظر إليها، خلافاً لأبي حنيفة، وأنه (١) لا يكره إلى غير منصوبة خلافاً لأبي حنيفة، ولا سجود على صورة خلافاً لأبي حنيفة، ولا صورة خلفه (٢) في البيت خلافاً لأبي حنيفة في إحدى روايتيه. ولا فوق رأسه، أو عن أحد جانبيه، خلافاً لأبي حنيفة. انتهى.
(و) استقبالُ (وجهِ آدميً). وفي الرّعاية: أو حيوانٍ غيره. والأول أصحّ.
стр. 142
(و) استقبالُ (متحدِّثٍ) لأن ذلك يَشْغَله عن حضور قلبه في الصلاة.
(و) استقبالُ (نائم) في الفرض والنفل، (ونارٍ) مطلقاً (١).
(و) استقبال (ما يلهيه) أو [أن] ينظر في كتابٍ.
واستقبال كافرٍ.
وتعليقُ شيءٍ في قبلته، لا وضعه في الأرض.
وأن يصلي وبين يديه نجاسة، أو باب مفتوح، قاله في المبدع.
(ومس الحصى) لقوله ﵇ في حديث أبي ذرٍّ مرفوعاً: "إذا قامَ أحدُكم إلى الصلاةِ فلا يَمْسَح الحصى فإن الرَّحْمَةَ تواجهه" رواه أبو داود (٢)، بلا عذرٍ.
(وتسويةُ الترابِ بلا عذرٍ).
ويكره له (تروُّحٌ بمروحة) ونحوِها، بلا حاجة، لأنه من العبث.
(وفرقعة أصابعه) وهو في الصلاة.
(وتشبيكُها) وهو في الصلاة.
(ومس لحيته) وعقصُ شعره (وكفُّ ثوبه) ونحوه.
(ومتى كثر ذلك) أي مسُّ الحصى، وتسوية التراب، والتروُّح ونحوها (عرفاً) أي في العُرْفِ، فلا عبرة بالثلاث (٣)، (بطلت) صلاته.
(و) يكره له (أن يخصّ جبهته بما يسجد عليهِ) لأنَّه من شعائر الرافضة.
стр. 143
وأن يمسح فيها) أي في الصلاة أثرَ سجوده.
(وأن يستندَ) إلى جدارٍ ونحوِهِ، لأنه يزيل مشقَّةَ القيامِ. وإنما يكره إذا كان (بلا حاجة إليه، فإن استند) المصلي (بحيث يقعُ لو أزيلَ ما استندَ إليه بطلت) صلاته إن لم يكن عذر.
(وحمدُهُ) أي حمد المصلي إذا عَطَسَ أو وَجَدَ (ما يسرُّه).
ويكره (استرجاعه) أي أن يقول: "إنَّا لله وإنّا إليه راجعون" (إذا وجد ما يَغُمُّهُ) قال في الإِنصاف: لو عطس فقال: الحمد لله، أو لَسَعَهُ شيء فقال: بسم الله، أو سمع أو رأى ما يَغُمُّهُ فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، أو ما يعجبه فقال: سبحان الله، ونحوه، كره ذلك.
فصل (فيما يبطل الصلاة)
(يبطلها) كل (ما أبطل الطَّهارة) وهو ثمانية.
(وكشفُ العورة عمداً) ولو كان المكشوف منها يسيراً، لأن التحرّز منه ممكن من غير مشقةٍ، أشبه سائر العورة (لا) تبطل (إن كشفها) أي كلَّ عورتِهِ أو ما لم يُعْفَ عنه منها (نَحْوُ ريحٍ فَسَتَرَهَا في الحال) بلا عملٍ كثير، (أوْ لا) أي بأن لم يَسْتُرْهَا في الحال، وكان كشْفُها بلا قصدٍ (وكان المكشوف) يسيراً، واليسيرُ هو الذي (لا يَفْحُشُ في النظر) عرفاً، ويختلف الفُحْشُ بِحَسَبِ المنكشف، فَيَفْحُشُ من السوأة ما لا يفحش من غيرِهَا. فإن صلاتَهُ لا تبطل.
(و) يبطل الصلاةَ (استدبار القِبْلَةِ حيثُ شُرِطَ استقبالُها) وتقدَّم.
ويبطلها (اتصال النجاسة) التي لا يعفى عنها (به) أي المصلي (إن
стр. 144
لم يُزِلْها في الحال) فإِن أزالها سريعاً، بحيث لم يَطُلِ الزمن، فصلاته صحيحة.
(و) يبطلها (العمل) المتوالي (الكثير) لا القليل (في العادة من غيرِ جنسها) أي الصلاة، كفتح بابِ ومشيٍ، ولفِّ عمامةٍ، وكتابةٍ، وخياطةٍ. وعَمْدُهْ وسهوُه وجهلُه سواءٌ لقطعه الموالاةَ بين الأركان، (لغيرِ ضرورةٍ) فلو كان لضرورةٍ كخوفٍ وهربٍ من عدوٍّ أو سيلٍ، أو سَبُعٍ، فلا تبطل به.
ويبطلها (الاستناد قويًّا) وتقدَّم حدَّه.
ولا يبطلها إلا إذا كان (لغيرِ عذرٍ) ويأتي.
(و) يبطلها (رجوعُه عالماً) لا جاهلاً تحريمَ رجوعه (ذاكراً) لا إن كان ناسياً (للتشهد) الأول (بعد الشروع في القراءة) أي وإن ذكرَ التشهُّدَ من نَسِيَهُ بعد أن شَرَعَ في القراءة، لم يجز له الرجوع إليه، لأنه تلبس بركن مقصود. فإن رَجَعَ بعد شروعه فيها بطلت صلاته، إلا أن يكونَ ناسياً أو جاهلاً، فلا تبطل.
ومتى علم تحريمَ ذلك وهو في التشهُّدِ نَهَضَ ولم يُتِمَّ الجلوس. قاله في الشرح.
وكذا حالُ المأمومينَ إن تبعوه. وإن سبّحوا له قبل أن يعتدل، فلم يرجع، تَشَهَّدوا لأنْفسِهِمْ وتبعوه. وقيل: يفارقونه ويتمّون صلاتهم. قاله في المبدع.
تتمة: قال في الشرح وغيرِه: فإن مَضَى في موضعٍ يلزمه الرجوع، أو رجع في موضع يلزمه المضيّ، عالماً تحريمه، بَطَلَتْ صلاته، كتركِ الواجبِ عمداً. وإنْ فَعَلَه يعتقد جوازه لم تبطل، لأنه تركه غير متعمِّد. لكن إذا مضى في موضعٍ يلزمه الرجوع، فَسَدَتْ الركعة التي ترك
стр. 145
ركنها، كما لو لم يذكره إلا بعد الشروع في القراءة. وإن رجع في موضع المضيِّ ناسياً لم يعْتدّ بما يفعله في الركعة التي تركه منها، لأنها فسدت بشروعه في قراءةِ غيرِها، فلم تَعُدْ إلى الصحة بحال.
(و) يبطلها (تعمُّد زيادةِ ركنٍ فعليٌّ) كقيام وقعود وركوع وسجود (و) تبطل (بتعمد تقديم بعض الأركان على بعض) كتعمد السجود قبل الركوع.
(و) تبطل (بتعمُّد السلام قبل إتمامها).
(و) تبطل (بتعمُّد إحالة المعنى في القراءة) كفتح همزة "إهدنا" وضم تاء "أنعمت" وكسرها، (١) وكسر كاف إياك.
(و) تبطل (بوجودِ سترةٍ بعيدة) عرفاً بحيث يحتاجُ إلى زمنٍ طويلٍ، أو عملِ كثيرٍ، كالمشي (وهو عريانٌ. و) تبطل (بفسخ النية) في أثنائها، لأن النية شرط في جميعها، وقد قَطَعَها.
(و) تبطل الصلاة (بالتردُّد في الفسخ) لأنَّ استدامة النية شرط لصحَّتها. ومع التردّد تَبْطُل الاستدامة.
(و) تبطل الصلاة (بالعزم عليه) أي على الفسخ.
(و) تبطل (بشكّه) في أثناء الصلاة (هل نَوَى، فعمل مع الشكِّ عملاً) من أعمال الصلاة، كركوع، وسجودٍ ورفع منهما، ثم ذكر أنه نوى.
وإن شكَّ في تكبيرةِ الإحرامِ وجب عليه استئنافُ الصلاة.
(و) تبطل (بالدعاءِ بملاذِّ الدنيا) كقوله: اللهمَّ ارزقني جاريةً حسناءَ، وحُلَّةً خضراء، ودابَّةً هِمْلاَجَةً.
(و) تبطل (بالإتيان بكافِ الخطابِ لغيرِ الله وَرَسُولهِ أحْمَدَ) قال في
стр. 146
الإقناع وشرحه: وظاهرُه لغير النبي ﷺ ، وهو "السلام عليك أيها النبي" فلا تبطل به، فيكون من خصوصياته ﷺ .
(و) تبطل (بالقهقهة).
(و) تبطل (بالكلام ولو) كان الكلام (سهواً) إماماً كان أو مأموماً، عمداً أو جَهْلاً، طائعاً أو مكرَهاً، واجباً كتحذير معصومٍ عن مهلكة، أوْ لا، فرضاً كانت الصلاة أو نفلاً.
(و) تبطل (بِتَقَدُّمِ (١) المأمومِ على إمامِهِ.) والاعتبار في القيام بمؤْخِرِ القدم، وهو العقب. ولا يضرُّ طول المأموم عن إمامه، ولا تقدم رأسه في السجود (٢). فلو استويا في العقِبِ، وتقدمت أصابعُ المأموم لم يضرَّ. فإن صلى قاعداً فالاعتبار بمحلّ القُعُودِ وهو الألية، حتى لو مدَّ رِجْليه، وقدمَهُمَا على الإمام لم يضرَّ.
(و) تبطل صلاة مأموم بـ (بطلان صلاةِ إمامهِ).
(و) تبطل (بسلامهِ) أي المأموم (عمداً قبل إمامِهِ، أو سهواً قبله، (ولم يُعِدْهُ) أي السلام (بعدَه) أي بعد إمامه.
(و) تبطل (بالأكل والشرب سوى اليسير) منهما (عرفاً لِناسٍ وجاهل).
(ولا تبطل) الصلاة (إن بلع) المصلي (ما بين أسنانِهِ بلا مضغٍ) ولو لم يَجْرِ بِه الريقُ، نصًّا. ولا نفلٌ بيسيرِ شربٍ عمداً، وبلعِ ذوبِ سُكَّرٍ ونحوه مما يذوب بفمٍ، كأكلٍ.
(وكالكلامِ) في الحكمِ (إن تَنَحْنَحَ بلا حاجةٍ) فبان حرفانِ (أو
стр. 147
انتحبَ، لا خشيةً، أو نَفَخَ فبانَ حرفانِ). أما إذا انتحبَ المصلّي خشيةَ من الله تعالى فصلاته صحيحة.
(ولا) تبطل (إن نامَ) المصلي، وهو قائم أو جالسٌ نوماً يسيراً (فتكلَّمَ) في ذلك النومِ (أو سَبَقَ على لسانِهِ) كلامٌ (حال قراءَتِه) فلا تبطل، لأنه مغلوبٌ على الكلام في الحالتين، أشبه ما لو غلط في القراءة، فأتى بكلمة من غيرِها. ولأنّ النائم مرفوعٌ عنه القَلَمُ. (أو غَلَبَهُ سعالٌ أو عُطاسٌ أو تثاؤُبٌ) فبانَ حرفانِ، فلا تبطل صلاتُه (أو) غلبه (بكاءٌ) فبان حرفان. قال في المغني والنهاية: إنه إذا غلبَ صاحِبَهُ لم يضرَّه، لكونه غيرَ داخلٍ في وُسْعِهِ. ولم يحكيا فيه خلافاً. قاله في المبدع.
стр. 148
باب سُجُود السَّهْو
(يسن إذا أتى) المصلي (بقولٍ مشروعٍ في غير محله) غيرَ سلامٍ، كالقراءةِ في السجود، والقعود، وكالتشهد في القيام، وقراءةِ السورة في الركعتين الأخيرتين، ونحوه (سهواً) وعلم منه أنه إذا أتى بذكر أو دعاءٍ لم يرد الشرع به فيها، كقوله: "آمينَ ربَّ العالمينَ" وفي التكبير "الله أكبرُ كبيراً" أنه لا يُشرع له سجود، وجزَم به في المغني والشرح وغيرهما.
(ويباح) سجود السهو (إذا ترك مسنوناً) سهواً. قال في المقنع، بعد سياقه سنن الأقوال: "فهذه لا تبطل الصلاة بتركِهَا. ولا يجبُ السجودُ لها. وهل يُشْرَع؟ على روايتين". وما سوى هذا من سُنَنِ الأفعال لا تَبْطُلُ بتركها، ولا يُشْرَع السجود لها. قال في المبدع: نَصَرَهُ واختارَه الأكثر، لأنه لا يمكن التحرُّز من تركها، لكثرتها، فلو شُرِع السجود لم تخلُ صلاةٌ من سجودٍ في الغالب. وبه يفرّق بينها وبين سنن الأقوال. وقال: إذا قلنا: لا يسجد، فسجد، لم تبطل صلاته. نص عليه.
(ويجب) سجود السهو (إذا زادَ ركوعاً أو سجوداً أو قياماً أو قعوداً، ولو) كان القعود (قدْرَ جَلْسَةِ الاستراحة) سهواً. وتقدم في مبطلات الصلاة أن الصلاة تبطل بتعمُّد زيادة ركنٍ فعليّ، (أو سلَّم قبل إتمامها)
стр. 149
سهواً. وتقدم أن عَمْدَهُ يبطلها، (أو لَحَن لحناً يحيل المعنى) سهواً (أو تَرَكَ واجباً) سهواً، كتسبيح ركوعٍ، وتشهدٍ أوَّلَ، (أوْ شكَّ في زيادةٍ وقت فعلِها) بأنْ شكَّ في الأخيرة: هل هي زائدةٌ أوْ لا؟ أو وهو ساجدٌ: هل سجوده زائد أوْ لا؟ فيسجد لذلك، جبراً للنقص الحاصل فيه بالشكّ.
ولا يسجد لشكِّه إذا زالَ وتبينَ أنه مصيبٌ فيما فعل. قال في الإِقناع: ولا يسجد لشكِّهِ في تركِ واجبِ، ولا لشكه: هل سَهَا؟ أو في زيادةٍ إلا إذا شكَّ فيها وقتَ فعلِها.
(وتبطل الصلاة بتعمُّدِ تركِ سجود السَّهوِ الواجِبِ) الذي محلُّه قبل السلام، لأنه ترك واجباً في الصلاة عمداً. ولا يُشرَع سجود لترك سجود السهو سهواً (١) (إلا إن ترك ما وجب بسلامِهِ قبل إتمامها) فلا تبطل، كما إذا سلم عن نقصٍ، أما كونها لا تبطل بتعمّد ترك ما مَحَلُّه بعد السلام فلأنه خارج عنها، فلم يؤثِّر في إبطالها، وإن كان مشروعاً لها، كالأذان.
(وإن شاءَ سَجَدَ سجدتي السهو قبل السلام أو بعده) قال القاضي: لا خلاف في جواز الأمرين، أي السجود قبلَ السلام أو بعده، وإنما الكلام في الأوْلى والأفْضل انتهى. قال في الإِقناع: ومحله ندباً قبل السلام، إلا في السلام قبل إتمام صلاتِهِ إذا سلم عن نقصِ ركعةٍ فأكثر. انتهى. (لكن إن سَجَدَهما بَعْدَهُ) أي السلام سواء كان محلُّه قبلَه أو بعدهَ، كَبَّر، ثم سجد سجدتين، ثم جلس مفترشاً في الثنائية (٢) ومتوركاً في غيرها (تشهد وجوباً) (٣) التشهدَ الأخير (وسلم).
стр. 150
وسجود السهو، وما يقول فيه، وما يقول بعد الرفع منه، كسجود صُلْبِ الصلاة.
(وإن نسي السجودَ حتى طال الفصلُ عرفاً) سقط، (أو أحْدَث) سقط، (أو خرج من المسجد سقط) سجود السهو، وصحت صلاته، لأنه جابرٌ للعبادة كجبرانات الحج، فلم تبطل بفواته.
(ولا سجودَ على مأمومٍ دخلَ أول الصلاة، إذا سَهَا) المأموم (في صلاته.) ويأتي. قال في شرح الإِقناع: وظاهره ولو كان أتى بما محل سجوده بعد السلام.
(وإذا سَهَا إمامه لزمه متابعتُه في سجود السهو) سواءٌ سهَا المأمومُ أوْ لا، ولو لم يُتِمَّ المأمومُ ما عليه من تشهُّدٍ، ثم يتمِّمُه بعد سجوده مع الإِمام ولو مسبوقاً، أو كان سَهْوُ الإِمام فيما لم يُدْرِكْهُ المأموم فيه، فلو قام بعد سلام إمامه رَجَعَ فسجد مَعَهُ، لا إن شرع في القراءة.
وإن أدركه في آخر سجدتي السهو سجدها معه، فإذا سلَّم الإِمامُ أتى المأموم بالسجدة الثانية، ثم قضى صلاته.
وإن أدركه بعدهما وقبل السلام لم يسجدْ، ويسجد إنْ سلَّم معه سهواً بعد إتمام صلاتِهِ، ولسهوه معه، وفيما انفرد به.
(فإن لم يسجد إمامه وجب عليه) أي المأموم (هو) مسبوقاً كان أو غير مسبوق، فيسجُدُ المسبوق إذا فرغ من قضاءِ ما فاته مع الإِمام، وغيرُ المسبوق بعد إياسه من سجود الإِمام، ولو كان الإِمام لا يعتقد وجوب سجود السهو.
(ومن قام لركعة زائدةٍ جَلَسَ متى ذكر)، ولا يتشهدُ إن كان تشهّد، وسجد للسهو وسلم.
ومن نوى ركعتين نفلاً، فقام إلى ثالثة نهاراً فالأفضل أن يتمَّها
стр. 151
أربعاً، ولا يسجد للسهو. وإن شاء أن لا يتمَّها رجع، وسجد للسهو.
وإن نوى ركعتين ليلاً، فقام إلى ثالثةٍ، فكقيامه إلى ثالثةٍ بفجرٍ. (وإن نهض) المصلي إلى الركعة الثالثة (عن تركِ التشهُّد الأوَّل) مع تركِ جلوسِهِ أو دونَه (ناسياً) لما تركه منهما، أو من أحدِهِما (لزمه الرجوع) قبل أن يستتمَّ قائماً (ليتشهَّدَ، وكُرِهَ) رجوعه (إن استتم قائماً).
(ويلزَمُ المأمومَ متابعتُه) أي متابعة إمامه في قيامه ناسياً.
(ولا يرجع إن شرع في القراءة) لأنه شرع في ركن. وتقدم في المبطلات حكم رجوعه.
(ومن شك في ترك ركنٍ أو) شك في (عددِ ركعاتٍ، وهو في الصلاةِ بني على اليقين، وهو الأقل) في العدد، وتركُ الركن في شكِّه في ترْكِه، (وسجد للسهو).
(وبعد فراغها لا أثر للشك.) وتقدم.
стр. 152
باب صلَاة التَّطوُّع
قال في "الاختيارات": التطوُّع تُكَمَّل به صلاة الفرائض يوم القيامة إن لم يكن المصلي أتمَّها. وفيه حديث مرفوعٌ رواه أحمد. وكذلك الزكاةُ وبقية الأعمال (١) أهـ.
وهو شرعاً طاعةٌ غيرِ واجبة.
(وهي) أي صلاة التطوع (أفضلُ تطوُّعِ البدن بعد الجهادِ) وهو قتالُ الكفار، وبعد توابعِ الجهاد، وهي النفقة فيه (و) بعد (العِلْمِ) من تعليمٍ وتعلُّمٍ.
وترتيبها في الفضيلة أن تقول: أفضلُ التطوعِ الجهادُ ثم توابِعُه، ثمَّ عِلْمٌ، ثم صلاةٌ.
ونَصَّ (٢) أن الطواف لغريبٍ أفضلُ منها، أي الصلاةِ بالمسجد الحرام.
стр. 153
(وأفضلها) أي أفضل صلاة التطوع (ما سُنَّ) أن يُصلَّى (جماعةً) لأنه أشْبَهُ بالفرائض.
(وآكدها الكسوفُ) أي آكدُ ما تسن له الجماعةُ من الصلوات المسنونة صلاةُ الكسوف؛
(فالاستسقاء) يعني أن صلاة الاستسقاء تلي صلاة الكسوفِ في الأكدية، (فالتراويحُ) ذكره في "المذهب" وغيرِه، لأنها تسنّ لها الجماعة؛ (ف الوتر) يعني أنه يلي التراويح في الآكدية.
[الوتر]
(وأقله) أي الوتر (ركعة.)
ولا يُكْرَه الوتر بها، ولو بلا عذرٍ من مرضٍ أو سفر ونحوهما.
(وأكثره) أي أكثر الوتر (إحدى عشرة) ركعةً، يسلم من كل اثنتين، ويوتر بركعة.
وسن فعلُها عَقِبَ الشفع بلا تأخيرٍ، نصًّا.
وإن صلاَّها كلَّها بسلامٍ واحد، بأن سَرَد عشراً، وتشهّد، ثم قام فأتى بالركعة، جاز؛ أو سرد الأحَدَ عَشَرَ، ولم يجلس إلاَّ في الأخيرة، جاز، لكنِ الأُولى أوْلى.
وكذا إن أوتر بثلاثٍ، أو خمسٍ، أو سبعٍ، أو تسعٍ.
وإن أوتر بتسع سَرَدَ ثمانياً وجلس وتشهد ولم يسلِّمْ، ثم يصلي التاسعة ويتشهَّدُ ويسلم.
وإن أوتر بسبعٍ أو خمسٍ سَرَدَهُنَّ ولم يجلس إلا في آخرهن، وهو أفضل فيما إذا أوتر بسبعٍ أو خمسٍ.
(وأدنى الكمال ثلاثُ) ركعاتٍ (بسلامين.) وهو أفضل.
(ويجوز) أن يصلي الثلاث (بـ) سلامٍ (واحدٍ) لأنه ورد (سَرْداً) من
стр. 154
غير جلوسٍ عقب الثانية، لتُخَالِفَ المغرب.
(ووقته) أي الوتر (ما بين صلاة العشاء) ولو مع جمعِ تقديم (وطلوعِ الفجر.) فمن صلى الوتر قبل العشاء لم تصحّ. ومن صلاةُ بعد الفجر كان قضاءً.
[قنوت الوتر]
(ويقنت فيه) أي في الوتر في الركعة الأخيرة جميع السَّنَةِ (بعد الركوعِ ندباً، فلو كبَّر ورفع يديه) بعد الفراغ من القراءة (ثم قَنَتَ قبل الركوع جاز) نص عليه.
(ولا بأس أن يدعو في قنوته بما شاء) ما لم يكن من أمر الدنيا، فيرفع يديه إلى صدره يبسطهما، وبطونُهما نحو السماء، ولو مأموماً.
(ومن) بعض (ما وَرَدَ: اللهُمّ اهدنا فيمن هديتَ) أصل الهدى الرشاد والبيان، قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ والهداية من الله التوفيق والإِرشاد. وطلبُ الهداية من جهة المؤمنين مع كونهم مهتدين بمعنى طلب التثبيت عليها، أو بمعنى المزيد منها. (وعافِنَا فيمن عافيت) المراد بها العافية من الأسقام والبلايا. والعافية أن يعافِيَكَ الله من الناس، ويعافِيَهُمْ منك (وتولَّنا فيمن تولَّيْتَ) الولي ضد العدوّ، مأخوذ من تَلَيْتُ الشيءَ إذا اعتنيتَ به ونظرت فيه، كما ينظر الولي في حال اليتيم. لأنه ينظر في أمر موليِّه بالعناية (١). ويجوز أن يكون من وَليتُ الشيءَ إذا لم يكن بينك وبينه واسطة، بمعنى أنّ الوليّ يقطع الوسائط بينه وبين الله تعالى، حتى يصيرَ في مقام المراقَبَةِ والمُشَاهَدَةِ، وهو الإِحسان (وبارِكْ لنا فيما أعطيت) البركةُ
стр. 155
الزيادة. وقيل: هي حِلول الخير الإِلهيّ في الشيء. والعطية: الهبة. والمراد بها هنا ما أنعم الله به (وَقِنَا شَرّ ما قضيتَ. إنَّك تقضي، ولا يقضى عليك) سبحانه لا رادّ لأمره، ولا معقب لحكمه، فإنه يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد (إنه لا يذلُّ من واليتَ، ولا يعزّ من عاديتَ. تباركتَ) تنزهت عن صفات المحدثين (ربَّنا وتعالَيْتَ.) رواه أحمد (١) (اللُّهم إنا نعوذُ برضاك من سَخَطِكَ، وبعفوِكَ من عُقُوبَتِك وبِكَ مِنْكَ) قال الخطّابي: في هذا معنًى لطيف، وذلك أنه سأل اللَهَ تعالى أن يجيره برضاه من سَخَطِهِ، وهما ضدَّان متقابلان. وكذلك المعافاة والمؤاخذة (٢) بالعقوبة، لجأ إلى ما لا ضدّ له وهو الله : أظهر العجز والانقطاع، وفزع منه إليه، فاستعاذ به منه (لا نحصي ثناءً عليك) أي لا نطيقه، ولا نبلُغُه، ولا تنتهي غايته، لقوله تعالى: ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ﴾ أي تطيقوه (أنْتَ كما أثنيت على نفسك) (٣) اعترافٌ بالعجز عن الثناء، وردُّه إلى المحيطِ علمه بكل شيء جملةً وتفصيلاً. فكما أنه تعالى لا نهاية لسلطانه وعظمته، لا نهاية للثناء عليه، لأن الثناء تابع لِلْمُثْنى عليه.
(ثم يصلّي على النبي ﷺ ) نصّ عليه.
(ويؤمّن مأموم) على قنوت إمامه بأن يقول: "آمين" (٤) إن سمع قنوت إمامه، وإلّا دَعَا.
стр. 156
وكذلك إذا اقتدى بشافعيٍّ في الصبح يؤمّن. (ثم يمسح وجْهَهُ بيديه، هنا) أي في القنوت (وخارجَ الصلاة) إذا دَعَا.
[القنوت في غير الوتر]
(وكُرِهَ القنوت في غير الوتر) رويت (١) كراهة ذلك عن ابن مسعود وابن عباس وابن عمر وأبي الدرداء رضي الله تعالى عنهم، وعنّا بهم. ومحل الكراهة إلاَّ أن ينزل بالمسلمين نازلة، غير الطاعون، فيسن لِإمام الوقت خاصَّةً القنوت في غير الجُمُعة.
[السنن الراتبة]
(وأفضل الرواتبِ) المؤكدهَ (سنة الفجر، ثم سنة المغرب، ثم) سنة الظهر والعشاء (سواءٌ) في الفضيلة.
(والرواتب المؤكدة عشر) ركعات: (ركعتان قبل الظهر، وركعتان بعدها، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء، وركعتان قبل الفجر) فيخيَّر في السفر في فعل غيرِ سُنَّة فجرٍ ووتر لتأكدهما (٢).
(ويسن قضاء الرواتب والوتر، إلاَّ ما فات) من الرواتب (مع فرضِهِ وكثر، فالأوْلى تركه) أي تركُ قضائها، لحصول المشقة به، إلا سُنَّةَ الفجر فيقضيها لتأكّدها.
(وفعله الكلّ) أي السنن كلها (ببيتٍ أفضلُ) من فعلها بالمسجد.
(ويسن الفصل بين الفرض وسنّتِهِ) سواء كانت قبله أو بعده (بقيامٍ) أي انتقال (أو كلامٍ).
стр. 157
[التراويح]
(والتراويح) سنة مؤكدة، وهي (عشرون ركعةً) عند أكثر أهل العلم. وقال مالك: الاختيار ستٌّ وثلاثون ركعة. (برمضانَ) جماعةً، نصًّا. والأصل في مسنونيتها الإِجماع، يسلِّم من كل اثنتين بنيَّةٍ أوَّلَ كل ركعتين أنّهما من التراويح.
(ووقتها) أي التراويح (ما بين) فرضِ (العشاءِ و) سنة (الوتر) وعلم مما تقدم أنها لا تصح قبل صلاة العشاء، فمن صلى التراويح، ثم ذكر أنه صلى العشاء محدثاً، فإنه يعيد التراويح، لأنها سنة تفعل بعد مكتوبة، فلم تصح قبلها، كسنة العشاء والسنة التي بعد الظهر.
فصل [قيام الليل]
(وصلاة الليل أفضل من صلاة النهار) قال أحمد: ليس بعدَ المكتوبة عندي أفضلُ من قيام الليل. انتهى.
(والنصفُ الأخيرُ) منه (أفضلُ من) النصفِ (الأوَّلِ).
وبعد النوم أفضل، لأن الناشِئة لا تكون إلاَّ بعد رَقْدةٍ، ومن لم يرقدْ فلا ناشئةَ له. قاله أحمد. وقال: "هِيَ أَشدُّ وَطْأً أي تَثْبِيتاً: تَفْهمُ ما تَقْرأ وَتَعِي أُذُنُك" (والتهجُّد ما كان بعد النوم). قال البهوتي: وظاهره ولو يسيراً.
(ويُسَنُّ قيامُ الليلِ) فإذا استيقظَ من نومِهِ ذَكَرَ الله تعالى، وقال ما ورد بعد الاستيقاظ، ومنه "لا إلهَ إلا الله وحدَهُ لا شَرِيكَ له، له الملكُ، وله الحمدُ، وهو على كل شيءٍ قديرٌ. الحمد لله، وسبحان الله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حولَ ولا قُوَّةَ إلا بالله العلي العظيم. ثم إن شاء
стр. 158
قال: "اللهمَّ اغفرْ لي" أو دَعَا استجيب له، فإن توضأ أو صلَّى قبلت صلاته" (١).
(و) يسن (افتتاحه) أي قيام الليل (بركعتين خفيفتين) لما روى أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا قام أحدكم من الليل فليفْتتح صلاته بركعتين خفيفتين" رواه أحمد ومسلم وأبو داود.
(و) يسن (نِيَّتُه) أي نية قيام الليلِ (عند النومِ) ليفوز بقوله ﷺ :
"من نام ونيَّتُهُ أن يقوم، كُتِب له ما نواه وكان نومه صدقة عليه" (٢).
(ويصح التطوع بركعةٍ) ونحوها كثلاثٍ وخمسٍ.
(وأَجْرُ) المصلي (القاعد) أي المصلي قاعداً (غيرِ المعذورِ نصفُ أَجْرِ القائِمِ) قال في الإِنصاف: فأما إن كان معذوراً، لمَرَضٍ ونحوه، فإنها كصلاة القائم في الأجر.
قال في الفروع: ويتوجه فيه فرضاً ونفلاً. انتهى.
وسن تربُّعه بمحل قيامٍ، وثَنْيُ رجليهِ بركوعٍ وسجودٍ.
قال في الإِنصاف: فائدة: يجوز له القيام إذا ابتدأ الصلاة جالساً، وعكسه في النفل لا غير.
(وكثرة الركوعِ والسجودِ أفضلُ من طول القيام) لأن السجودَ في نفسِهِ أفضلُ وآكَدُ، بدليل أنه يجب في الفرض والنفل، ولا يباح بحالٍ إلا لله تعالى. والقيامُ يَسْقُطُ في النفل، ويباح في غير الصلاة، للوالدين، والعالِم، وسيد القوم. والاستكثار مما هو آكَدُ وأفضل أولى.
стр. 159
[صلاة الضحى]
(وتسن صلاة الضحى غِبًّا) لأن النبي ﷺ لم يكن يداوم عليها.
(وأقلُّها ركعتان. وأكثرها ثمانٍ) أي ثمان ركعاتٍ.
(ووقتُها) أي وقت صلاة الضحى (من خروجِ وقت النَّهيِ) وهو إذا عَلَتِ الشمسُ، ويستمرُّ (إلى قبيلِ الزوال) يعني إلى دخول وقت النهي، بقيامِ الشمس. كذا في شرح المنتهى.
(وأفضله) أي أفضل وقتٍ تصلَّى فيه صلاة الضحى (إذا اشتدَّ الحَرُّ).
[تحية المسجد]
(وتسن تحية المسجد) ركعتان فأكثر، لمن دَخَلَهُ قَصْدَ الجلوسِ به، أوْ لا، غيرَ خطيبِ دخلَ للخُطْبَةِ، وَقَيِّمِهِ، وداخلِهِ لصلاةِ عيد، وداخِلِهِ والإِمامُ في مكتوَبةٍ، أو بعد الشروعِ في الإِقامةِ، وداخلِ المسجدِ الحرام، لأن تحيَّتَهُ الطوافُ.
وَتجزئُ راتبةٌ، وفريضةٌ، ولو فائتتين، عنها.
وإن نوى التحيةَ والفرضَ فظاهر كلامِهِمْ حصولُهما له. قَطَع به في المنتهى وغيره.
فإن جَلَس قبل فعلها قام فأتى بها إن لم يَطُلِ الفَصْلُ.
ولا تَحْصُلُ بأقلّ من ركعتينِ، ولا بصلاة جنازةٍ، وسجود تلاوةٍ، وشكر.
[سنة الوضوء وتطوعات أخرى]
(و) تُسن (سنةُ الوضوء) أي ركعتانِ عَقِبَهُ.
(و) يسن (إحياء ما بين العشاءَيْنِ. وهو من قيام الليلِ) لأن الليلَ
стр. 160
من المَغْرِبِ إلى طلوعِ الفجر الثاني.
ويستحبُّ أن يكون له تطوّعاتٌ يداوِمُ عليهَا وإن فاتَتْ يقضيها.
فصل [في سجود التلاوة]
(ويسن) بتأكُّدٍ (سجود التلاوةِ مَعَ قِصَرِ الفصل) بين السجودِ وسَبَبِهِ، فإن طال الفصل لم يسجدْ، لفوات محله، ويكرره بتكرارِها، كتكرار ركعتي الطواف بتكراره (للقارئ) متعلق بيسن، (والمستمِعِ) وهو الذي يَقْصِدُ السماعَ. ولا يسنُّ للسامِعِ وهو الذي لا يقصِدُ الاستماع.
(وهو كالنافلةِ فيما يعتبر لها) من عدم وجوب ستر أحد العاتقين والقيام (يكبِّر) تكبيرتين: تكبيرةً (إذا سجد، بلا تكبيرةِ إحرامٍ) ولو خارج الصلاة، (و) تكبيرةً (إذا رفع) من السجود، لأنه سجودٌ مفرد، فشُرِعَ التكبير في ابتدائه وفي الرفع منه، كسجود السهو.
(و) إن كان خارجَ الصلاةِ فإنه (يجلسُ) إذا رفع رأسه. وإنما يُشْرَعُ جلوسُه إذا كان خارج الصلاةِ، لأن السلام يَعْقُبُه، فشرع، ليكون سلامُه في حال جلوسه، (ويسلِّم) تسليمةً واحدةً عن يمينه. فتبطلُ بتركِها عمداً وسهواً. وسجودُه لها والتسليمُ رُكنان.
(لا تشهدٍ) لأنها صلاةٌ لا ركوع فيها، فلم يُشْرَعْ فيها التشهد، كصلاة الجنازةِ، بلْ ولا يُسَنُّ. نصّ عليه الإِمام أحمد.
ويقول في سجوده: "سبحانَ ربِّي الأعلى" وجوباً. قاله في المبدع.
(وإن سجدَ المأمومُ لقراءةِ نفسه، أو) سجد (لقراءةِ غيرِ إمامِهِ عمداً بطلت صلاته) لأنه زاد فيها سجوداً.
стр. 161
(ويلزمُ المأمومَ متابعة إمامِه في صلاةِ الجهرِ إذا سجدَ) للتلاوة. (فلو تَرَكَ) المأمومُ (متابعتَه) أي إمامه في الصلاة الجهرية (عمداً بطلت) صلاتُه لتعمُّدهِ ترك الواجب، ولو كان هناك مانعٌ من السماعِ، كبعدٍ وطَرَشٍ، لأنه لا يمنَعُ وجوبَ المتابَعَةِ.
ويكرَهُ لِإمامٍ قراءةُ سجدةٍ في صلاة سرٍّ، وسجودُه لها. فإنْ فَعَلَ خُير المأمومُ بين المتابعة وتركها، والأوْلى السجودُ، متابعةً لإمامه.
(ويعتبر) لاستحباب السجودِ في حقّ المستمع (كونُ القارئِ يصلحُ إماماً للمستمع) ولو في نفلٍ فقط.
(فلا يسجد) المستمعُ (إن لم يسجدِ القارئُ).
(ولا) يسجدُ المستمع (قُدَّامَهُ) أي قدامَ القارئ.
ولا يسجد المستمع (عن يسارِهِ) أي عن يسارِ القارئ (مع خُلُوِّ يمينه) ما لم يكن عن يمينِهِ مَنْ يسجدُ لقراءَتِهِ لعدمِ صحةِ الائتمام حينئذ.
(ولا يسجد رجلٌ) مستمعٌ (لتلاوة امرأةٍ و) تلاوة (خنثى، ويسجد) مستمعٌ من (رجلٍ وخنثى وأنثى لتلاوة) رجلٍ (أمّيٍّ و) لتلاوة (زَمِنٍ) لأن قراءة الفاتحةِ، والقيام، ليس واحدٌ منهما بركنٍ في السجود، (و) لتلاوةِ (مميِّزٍ) لصحةِ إمامتِهِ في النفل.
وسجودُ سجدةِ التلاوةِ من النوافلِ.
والسجدات أربع عشرة: في الحج اثنتنان.
وسجدة "ص" سجدة شكر.
[سجود الشكر]
(ويسن سجودُ الشُّكرِ) لله تعالى (عند تجدُّدِ النِّعَمِ) مطلقاً
стр. 162
(واندفاعِ النَّقَمِ) مطلقاً، أي سواءٌ كانت النعمُ أو اندفاع النقم لَه أو (١) للناس.
(وإن سجد له) أي للشكرِ (عالماً ذاكراً) لا جاهلاً وناسياً (في صلاةٍ، بطلتْ) لأن سببَ الشُّكرِ ليس له تعلُّقٌ بالصلاةِ، بخلاف سجودِ التلاوة.
(وصفتُهُ وأحكامُهُ كسجودِ التلاوةِ.) (٢)
ومَنْ رأَى مبتلًى في دينِه، سَجَدَ بحضورِهِ، أو مبتلًى في بدنه سجدَ بغير حضوره.
فصل (في أوقات النهي)
(وهي) ثلاثة:
الوقت الأوّل: (من طلوعِ الفجر) الثاني (إلى ارتفاع الشمس قَيْدَ رُمْحٍ) أي قدر رمح في رأي العين.
(و) الوقت الثاني: (من صلاة العصر) يعني أن النَّهيَ متعلق بنفس صلاة العصر، ولو مجموعةً وقْتَ الظهرِ (إلى غروبِ الشمس) أي حتى يتم غروبها.
وتُفْعَلُ سنةُ الظهر بعدها ولو في جمعِ تأخيرٍ.
(و) الوقت الثالث: (عند قيامها) أي قيام الشمس ولو يومَ جمعة (حتى تزولَ) أي حتى تميل.
стр. 163
(فتحرم صلاة التطوُّع في هذه الأوقات. ولا تنعقد) صلاة التطوّع إن ابتدأها المصلي فيها، أو كان شَرَعَ فيها فدخل وقت النهي وهو فيها، فَيَحْرُم عليه الاستدامة. كذا في الإِقناع وشرحه. (ولو) كان المصلِّي (جاهلاً للوقتِ أو التحريم) حتى ما لَهُ سببٌ كسجودِ تلاوةٍ، وصلاة كسوفٍ، وقضاءِ سُنَّةٍ راتبةٍ، وتحيةِ مسجدٍ، سوى تحيةِ مسجدٍ حالَ خطبةِ جمعةٍ، سواء كان ذلك شتاءً أو صيفاً، وسواءٌ عَلِمَ أن ذلك الوقتَ وقتُ نهيٍ، أو جهله، فإن التحية تجوز وتنعقد (١). (سوى سنّةِ الفجر قبلها) أي قبل صلاة الفجر، قال في حاشية المنتهى: لا بعدَها، لأنّها تكون قضاءً، (و) سوى (ركعتي الطواف،) فرضاً كان الطواف أو نفلاً، في كلِّ وقت منها، (و) سوى (سنةِ الظهر بعد العَصْرِ إذا جَمَعَ) تقديماً كان أو تأخيراً، (و) سوى (إعادةِ جماعةٍ) إذا (أقيمت وهو بالمسجد،) ولو معَ غيرِ إمامِ الحيّ، وسواءٌ كان صلَّى جماعةً أو وحدَهُ، في كل وقت من الأوقات. وعلم منه أن من دخل المسجدَ وقت نهي فوجد الإِمام يصلي فلا يُعِيدُ معه.
(ويجوز فيها) كلِّها (قضاءُ الفرائضِ).
(و) يجوز فيها كلِّها (فعلُ) الصلاة (المنذورةِ) مطلقاً، بأن لم يقيِّد بوقتٍ، في أيّ وقتٍ من أوقات النهي، (ولو نذرها فيها) أي مقيَّداً بوقتٍ من أوقاتِ النَّهْيَ، بأن يقول: لله تعالى عليَّ أن أصليَ ركعتينِ عِنْدَ طلوع الشمس، مثلَاَ.
تنبيه: لو نذر الصلاةَ في مكانِ غصبِ، ففي مفردات أبي يعلَى: ينعقد، فقيل له: يصلي في غيرها؟ فقالَ: فلم يف بنذره. قال في
стр. 164
الفروع: ويتوجه جوابه (١) كصوم يوم العيد.
(والاعتبار في التحريم بعد العصر بفراغ صلاةِ نفسه، لا بشروعِهِ فيها، فلم أحرم بها ثم قَلَبَها نفلاً) أو قطعَها (لم يُمنَعْ من التطوّع) حتى يصليها.
[آداب قراءة القرآن]
(وتباحُ قراءة القرآن) قائماً، وقاعداً، وراكباً، وماشياً، و (في الطريق) نَقَلَهُ ابن منصور وغيرُه، (ومع حدثٍ أصغرَ، ونجاسةِ ثوبٍ وبدنٍ وفمٍ) قال في الفروع: ولا تَمْنَعُ نجاسةُ الفمِ القراءةَ. ذكره القَاضي. وقال ابن تميم: الأوْلى المنع.
(وحفظ القرآنِ) العظيم (فرضُ كفايةٍ) إجماعاً.
(ويتعيّنُ حفظُ ما يجب في الصلاةِ) فقط.
ثم الواجب عليه بعد ذلك ما يحتاج إليه من العلمِ من أمورِ دينِه، ثمّ إن علم ذلكَ فهل الأفضلُ في حقه حفظُ بقية القرآن، أو الاشتغال بنوافل العلم النافع؟ فيه احتمالان.
وتسن القراءةُ في المُصْحَف، والخَتْمُ في كلَّ أسبوع، ولا بأس به كلَّ ثلاثٍ، وكُرِهَ فوقَ أربعين.
стр. 165
باب صَلَاة الجَمَاعَة
(تجب) للخمسِ المؤداة، على الأعيان (على الرِّجالِ الأحرارِ القادرين) عليها، فلا تجب على غيرِ مكلفٍ، كصغيرٍ، لأنه لم يجب عليه ما تجب له الجماعة، وهي الصلاة. ولا على من فيه رِقّ، لملك سيده نفعَه، أو بعضَ نفعِهِ، رفقاً بسيده. ولا على امرأةٍ، ولا على خنثى، ولا على ذي عذر من الأعذار المذكورةِ في بابها (حضراً وسفراً) حتى في شدَّةِ خوفٍ، لا شرطٌ، خلافاً لابن عقيل. فتصحّ من منفردٍ لا عذرَ له (١). (وأقلها إمام ومأمومٌ) في غير جمعةٍ وعيدٍ (ولو) كان المأموم (أنثى) والإِمام رجلٌ أو أنثى أو عبدٌ.
(ولا تنعقدُ بالمميِّز في الفرض. وتُسَنُّ الجماعة بالمسجد) لأن المسجد يشتمل على الشَّرَفِ، والطهارة (٢) وإظهار الشعار، وكثرة الجماعة، وغير ذلك.
ولو دار الأمر بين فعل الصلاة في المسجد فذًّا، وبين فعلها في بيتِهِ جماعةً، تعين فعلُها في بيته، تحصيلاً للواجب.
стр. 166
ولو دارَ الأمر بين فعلها في المسجد في جماعةٍ يسيرةٍ وفعلِها في بيتِهِ في جماعةٍ كثيرة، كان فعلُها في المسجد أَوْلى.
قال بعض أصحابنا: وإقامتُها في الرُّبُطِ والمدارِس ونحوِها قريب من إقامتها بالمساجد.
(و) تسن الجماعة (للنساءِ منفرداتٍ عن الرّجال) لأنهن من أهل الفرض، أشبَهْنَ الرجال. ويكره لحسناءَ حضورُها مع الرجال. ويباحُ لغيرِ الحسناءِ حضورُ الجماعةِ مع الرجال.
(وحَرُمَ أن يؤمّ بمسجدٍ له إمام راتبٌ) لأن الراتبَ للمسجِدِ بمنزلة صاحبِ البيتِ. وهو، أي صاحب البيت، أحقُّ بالإِمامة ممن سواه، (فلا تصحُّ إلاَّ مع إذنه) أي إذن الإِمام الراتب (إن كَرِهَ ذلك) أي إمامةَ غيرِهِ (ما لم يَضِقِ الوقتُ) لأنّ تحصيل الصلاة إذاً فرضٌ متعين، وانتظار الإِمام مستَحَبٌّ، فمراعاة تحصيلِ الواجِبِ أَوْلى، وَيُرَاسَل إذا تأخَّر عن وقته المعتاد مع قُرْبِ مَحَلِّه، وعدم مشقةٍ. وإن بَعُدَ محلُّه، أو لم يُظَنَ حضورُه، أو ظُنَّ ولا يَكْرَهُ ذلك، صَلَّوْا.
(ومن كبَّر قبل تسليمةِ الإِمام الأُولى أدرك الجماعة) ولو لم يجلس، لأنه أدرك جزءاً، من صلاة الإِمام، أشبه ما لو أدرك ركعة.
(ومن أدرك الركوعَ) مع الإِمام قبل رفع رأسِهِ من الركوع، بحيث يَصِلُ المأموم إلى الركوعِ المجزئ، قبل أن يرول الإِمام عن قدر الإِجزاء منه (غَيْرَ شاكٍّ) في إدراك الإِمام راكعاً (أدرك الركعة) ولو لم يدركْ معه الطمأنينة، (واطمأنَّ) المسبوقُ (ثم تابَعَ) إمامَه.
وعُلِمَ منه أنه لو شك هل أدركه راكعاً أوْلا، لم يَعْتَدَّ بها، ويسجد للسهو.
(ويسن دخولُ المأمومِ مع إمامِهِ كيف أدرَكَهُ) وإن لي يَعْتَدّ بما أدركه فيه.
стр. 167
وينحط المأموم، إذ أدرك الإِمامَ جالساً، بلا تكبير (١)، لأنه لا يُعْتَدُّ له به، وقد فات محل التكبير. ويقوم مسبوقٌ به وجوباً.
(وإن قام المسبوقُ) لقضاءِ ما فاتَهُ (قبل تسليمةِ إمامهِ) التسليمةَ (الثانيةَ ولم يرجع) المسبوقُ ثم يقومَ بعد تسليمةِ الإِمام الثانية (انقلبتْ) صلاتُه (نفلاً).
(وإذا أقيمت الصلاة التي يريد أن يصلي مع إمامها لم تنعقد نافلته).
(وإن أقيمت وهو فيها) أي النافلة (أتمها خفيفة).
ومن صلى ثم أقيمت الجماعة سُنَّ أن يعيد، والأوْلى فَرْضُه).
وفي الإِقناع وغيره: إلا في المغرب [كذا] في شرح المنتهى (٢) (ويتحمل الإِمام عن المأموم) ثمانية أشياء:
الأول: (القراءة) للفاتحة.
(و) الثاني: (سجودُ السهو) إذا كان دَخل معه في الركعة الأولى.
(و) الثالث: (سجود التلاوة) إذا أتى بها المأموم في الصلاة خلفه.
(و) الرابع: (السُّتْرَةُ) قُدَّامَه، لأن سترةَ الإِمام سترةٌ لمن خَلْفَهُ.
(و) الخامس: (دعاءُ القنوت) فإن المأمومَ لا يُسَنَّ له عند قنوتِ إمامِهِ غيرُ التأمين.
(و) السادس: (التشهد الأوَّلُ إذا سُبِقَ) المأموم (بركعة في) صلاةٍ (رُبَاعِيَّة) فقط.
والسابع: سجود التلاوةِ في الصلاة السرّيّة إذا قرأ الإِمام سرًّا.
стр. 168
ويسجد، لأن المأموم يُخَير بين السجود وعدمه.
والثامن: قول "سمع الله لمن حمده" وقول "ملء السماء ... إلى آخره".
(وسن للمأموم أن يستفتح) بأن يقول: "سبحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ ... إلخ" (و) أن (يتعوَّذ) بأن يقول: "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم" (في) الصلاة (الجهريّة).
(و) يسن للمأموم أيضاً أن (يقرأ الفاتحة وسورةً) أيضاً (حيث شرعت) السورة (في سَكَتَاتِ إمامه) أي سكتات الإِمام في الصلاة الجهريّة، ولو كان سكوتُهُ لتنفُّسٍ. ولا يضرُّ تفريق الفاتحة.
[سكتات الإِمام]
(وهي) أي السَّكَتَاتُ الثلاث:
الأولى: (قبل) قراءة (الفاتحة.) قال في الإِقناع: ومواضعُ سكتاتِهِ ثلاثة: بعد تكبيرة الإِحرام. قال في الإِنصاف والمبدع: إحداها مختصٌّ بأوَّل ركعةٍ، للاستفتاح، انتهى.
(و) الثانية: (بعدها) أي بعد الفاتحة. وسن أن تكون سَكْتَتُهُ هنا بقدر الفاتحة، ليقرأها المأموم فيها.
(و) الثالثة: (بعد فراغ القراءةِ) ليتمكَّن المأمومُ من قراءة سورةٍ فيها.
[قراءة المأموم خلف الإِمام]
(ويقرأ) المأمومُ استحباباً الفاتحةَ وسورةً (فيما لا يجهر فيه الإِمام متى شاء) أو كان، لا يسمعه، لبُعْدٍ، أو طَرَشٍ، إن لم يشغل من بِجَنْبِهِ، فإن سمع همهمَةَ الإِمام ولم يفهم قراءته لم يقرأ. نصَّ عليه.
стр. 169
فصل [في متابعة الإِمام للمأموم]
(ومن أحرم مع إمامه، أو قبل إتمامه) أي الإِمام (لتكبيرة الإِحرام لم تنعقد صلاته.) قال في الإِنصاف: أما تكبيرةُ الإِحرامِ فإنه يشترط أن يأتي بها بعد إمامه.
(والأوْلى للمأمومِ أن يَشْرَعَ في أفعالِ الصلاةِ بعد إمامه.) قال في شرح المغني، والمقنع، وابن رزين، وابن الجوزي في "المذهب"، وغيره: يستحب أن يشرَعَ المأمومُ في أفعالِ الصلاةِ بعد فراغ الإِمام مما كان فيه. (فإن وافَقَهُ فيها) أي في أفعال الصلاة، (أو) وافقه (في السلام، كُرِهَ) وصحتْ، لأنه اجتمع معه في الركن. (وإن سبقه) بشيءٍ من أفعال الصلاة (حَرُمَ. فمن ركع أو سجد أو رفع) من ركوعٍ أو سجودٍ (قبل إمامه عمداً لزمه أن يرجع) إلى المحلِّ الذي كان مع الإِمام فيه قبل أن يفعل ما فعله من ركوعٍ أو سجودٍ أو غيرِهِما قبل الإِمام (ليأتي به) أي بما فعله قبل الإِمام (مع إمامهِ) ليكون مؤتمًّا بإمامه. (فإن أبى) الرجوعَ (عالماً) بوجوبه، (عمدًا) أي غير ساهٍ وناسٍ، واستمر على الإِباء حتى أدركه الإِمام فيما سبقه من ركوعٍ أو سجودٍ أو نحوِهما (بطلت صلاته. لا) تبطل (صلاة ناسٍ) أي غيرِ متعمِّدٍ، (و) لا صلاة (جاهِلٍ) أي: وجوبَ الرجوع (١).
[تخفيف القراءة]
(ويسن للِإمام التخفيفُ) أي تخفيف الصلاة (مع الإِتمام.) أي إتمام الصلاة.
стр. 170
وتكره لِإمامٍ سرعةٌ تمنَعُ مأموماً فعلَ ما يُسَنَّ له فعله من مسنونات الصلاة.
ومحل استحباب التخفيف (ما لم يؤْثِرِ المأمومُ التطويلَ) لأنه إنما استُحِبَّ التخفيفُ لأن توفُّرَ الجماعةِ بِهِ أقربُ، ولأن التطويل ينفِّرهم، فأما إذا اختاروه لم يُكْرَهُ لزوال علة الكراهة.
(و) يسن للِإمام (انتظارُ داخلٍ) في ركوعٍ وغيره. ومحل استحبابِ ذلك (إن لم يشقَّ) انتظار الإِمام الداخل (على المأمومِ) لأن حرمَةَ المأمومِ الذي معه في الصلاة أعظَمُ حرمةً من الذي لم يدخلْ معه في الصلاة، فلا يَشُقُّ على من معه لنفع الداخل معه.
(ومن استأذنته امرأته) إلى المضى إلى المسجد، (أو) استأذنَتْهُ (أَمّتُهُ إلى المسجدِ كُرِهَ) له (مَنْعُها).
(وبيتُها خيرٌ لها).
ولأبِ ثم وليٍّ مَحْرَمٍ مَنْعُ موليَّتِهِ من الخروجِ من بيتِها إن خَشِيَ به فتنةً أو ضَرراً، ومن الانفرادِ عنه.
فصل (في الإِمامة)
(الأوْلى بها) أي الإِمامة (الأجودُ قراءةً الأفْقَهُ)، ثم الأجودُ قراءةً الفقيهُ، (ويقدَّم قارئٌ لا يعلم فِقْهَ صلاتِهِ على فقيهٍ أمّيٍّ، ثم) مع استوائِهِما في القراءة والفقهِ الأوْلى بالإِمامة (الأسَنُّ) الأكْبَرُ سنًّا، (ثمَّ) مع استوائِهِما في السنّ الأولى بالإِمامة (الأشرف) من الرجلين وهو القرشي. (ثم) مع استوائهما فيما تقدَّمَ الَأوْلى بالإِمامَةِ (الأتْقى والأوْرَع) لقوله : ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ هو (ثم يُقْرَعُ) وهذا إنما يكونُ مع التشاحّ في الإِمامة، فمن خرجت له القرعةُ كان هو الأحقَّ بالإِمامة.
стр. 171
(وصاحبُ البيتِ) إذا أقيمت الجماعةُ فيهِ وهو حاضرٌ صالحٌ للِإمامةِ، (وإمامُ المسجدِ) الراتبُ (ولو) كان (عبداً، أحقُّ) بالإِمامة ممن حضر، ولو كان في الحاضرين من هو أقرأ أو أفقهُ منه.
(والحرُّ أولى) بالإِمامة (من العبد).
(والحاضرُ) أي المقيمُ أولى من المسافرِ سَفرَ قصرٍ، لأنه ربما قَصَرَ فيفوتُ المأمومينَ بعضُ الصلاةِ في جماعةٍ.
(والبصيرُ) أوْلى من الأعمى، لأن البصير أقْدَرُ على توقِّي النجاسة واستقبال القبلة.
والناشئُ في المدن أو القرى، ويسمى حَضَريًّا أوى من بدويٍّ، وهو الناشئُ بالبادية.
(والمتوضئ أولى من ضدهم).
(وتكره إمامةُ غير الأوْلى) بالإِمامة (بلا إذنه) أي إذن الأولى. وإمامةُ المفضولِ بدون إذن الفاضل مكروهة (١).
(ولا تصح إمامةُ الفاسِقِ) مطلقاً (٢) أي سواءٌ كان فسقُهُ من جهة الأفعال، أو من جهة الاعتقاد، ولو مستوراً، ولو بمثلِهِ، وعلى المذهب يستثنى من ذلك ما أشار إليه بقوله (إلا في جمعةٍ وعيدٍ)، ومحل ذلك إن (تعذرَا خَلْفَ غيرِهِ) أي تعذر فعلُهُمَا خلفَ غيرِ الفاسق، بأن تُعْدَمَ جمعةٌ أخرى خلف عدل، لأن الجمعةَ والعيدَ من شعائِرِ الإِسلام الظاهرة. وتليها الأئمة دون غيرهم، فتركُهُمَا خلفهم يفضي إلى تركهما بالكلية. ولا يعيد الجمعة.
(وتصحُّ إمامةُ الأعمى والأصمِّ) لأن العمى والصَّمَمَ فَقْدُ حاسَّتين لا
стр. 172
يُخِلّانِ بشىءٍ من أفعالِ الصلاةِ، ولا شروطِها، فصحَّتْ مع ذلك الإِمامة، كما لو كان أعمى فاقِدَ الشّمّ.
(و) تصح خلف (الأقلف) وهو الذي لم يختتن، لأنه ذكرٌ مسلم عدل قارئ، فصحَّتْ إمامته، كالمختتن. والنجاسة تحت القلفة بمحلٍّ لا تمكن إزالتها منه معفوٌّ عنها لعدم إمكان إزالتها. وكل نجاسةٍ معفوٍّ عنها لا تؤثر في إبطال الصلاة. هذا كله إذا كانتْ غير مفتوقةٍ، أما المفتوقة، أو التي يمكنه فَتْقهَا وغَسْل ما تحتها، فهذا إن ترك غَسْلَ ما تحت القُلْفَةِ، مما يمكنه غَسْلُه، لم تصحَّ صلاته، فضلاً عن إمامته، كحمله نجاسةً لا يعفى عنها مع القدرة على إزالتها.
(و) تصح الصلاة خلفَ (كثيرِ لحنٍ لم يُحِلِ المعنى) كجرِّ دالِ (الحمدُ)، ونصب هاء (لِلَّهِ) ونصب باء (ربِّ) ونحو ذلك، سواءٌ كان المؤتم مثلَهُ أو كانَ لا يلحَنُ، لأن مدلولَ اللفظ باقٍ، وهو مفهومُ كلام الرب ، لكن مع الكراهة.
(و) تصح الصلاةُ خلفَ الفأفاءِ الذي يكرِّر الفاءَ، وخلفَ (التَّمتامِ الّذي يكرر التاءَ)، وخلف من لا يُفْصِحُ ببعضِ الحروفِ، كالقاف والضاد، أو يُصْرَعُ، (مع الكراهة) في الجميع. قال جماعة: ومن يُضْحِكُ صوتُه أو رؤيته. قال في الفروِع: وقيل: والأمرد.
(ولا تصحُّ إمامة العاجزِ عن شرطٍ) كمن بثوبِهِ نجاسةً لا يعفى عنها، ولم يجد ماءً يغسلها به، ولا يجدُ ثوباً غيره، وكالمتطهِّرِ بأحَدِ الطهورَيْنِ بِعَادِمِهِمَا، إلا بمثله، (أو) عاجزٍ عن (ركنٍ) كقيامٍ أو ركوعٍ أو سجودٍ أو قعودٍ (إلا بمثله).
ويستثنى من ذلك صورةٌ أشار إليها بقوله: (إلاّ الإِمامَ الراتبَ) أي إمامَ الحيِّ الراتبَ العاجزَ عن القيامِ فقط، (بمسِجدٍ) لأن إمام الحي
стр. 173
يُحْتَاجُ إلى تقديمِهِ، بخلاف غيرهِ، والقيام أخفُّ الأركان، بدليل سقوطِهِ في النَفْل (المرجوَّ زوال عِلَّتِهِ) لئلا يفضي عدم اشتراط ذلك إلى ترك القيام على الدوام. (فيصلّي) الإِمامُ (جالساً، ويجلِسون) أي يجلس المأمومون القادرون على القيام (خلفه) أي خلف إمام الحيّ إذا صلَّى بهم جالساً. وهو من المفردات. (وتصحُّ) الصلاةُ خَلْفَه (قياماً).
والأفضلُ لإمام الحيّ أن يَسْتَخْلِفَ إذا مرض والحالة هذه.
(وإن تَرَكَ الإِمَام ركناً أو شرطاً مُخْتَلَفاً فيه مقلِّداً) لإِمام (صحَّتْ) صلاتُه. وإن تركه من غير تقليد أعادَ الإِمامُ والمؤتمُّ به.
(ومن صلَّى خلفَهُ) أي خلف من ترك ركناً أو شرطاً (معتقداً بطلانَ صلاتِهِ، أعاد) المأموم. قال في الإِقناع وشرْحِهِ: وإن ترَكَ الإِمامُ ركناً، أو واجباً، أو شرطاً، عنده وحده، أو عنده وعند المأموم، عالماً، أعادَ. وإن كان عند المأموم وحده، كالحنبليّ اقتدى بمن مسّ ذكَرَهُ أوْ تركَ سَتْر إحدى العاتِقَيْنِ أو الطمأنينةَ في الركوع، ونحوه، أو تكبيرةَ الانتقالِ، مقلِّداً من لا يرى ذلك مفسداً، فلا إعادة على الإِمام ولا على المأموم. ومثله لو صلى شافعيٌّ قبلَ الإِمام الراتِبِ، فتصحُّ صلاة الحنبليّ خلفه. انتهى.
(ولا إنكار في مسائل الاجتهاد) أي المسائل التي ليس فيها دليل يجبُ العملُ به وجوباً ظاهراً مثل حديث صحيح لا مُعارِض (١) له من جنسه.
(ولا تصحُّ إمامة المرأةِ بالرجالِ) ولا بالخناثى.
ولا فرق في ذلك بين الفرضِ والنفل على الصحيح، وإنه إذا صلى خَلفَها ثم علم لزمه الإِعادة. ذكره السامريّ وغيره.
стр. 174
وعُلِمَ منه صحةُ إمامةِ المرأةِ والخنثى بالنساء.
(ولا) تصح (إمامة المميز بالبالغ في الفرض).
(وتصح إمامته) أي الصبيّ المميز بالبالغِ (في النفلِ) كالتراويح، والوتر، والكسوف، والاستسقاء، لأنه متنفل يؤم متنفلين.
(و) تصح إمامة الصبيُّ (في الفرض) كالظهرِ والعصرِ (بـ) صبيٍّ (مثله).
(ولا تصح إمامةُ محدثٍ) حدثاً أصغر أو أكبر، (ولا) إمامةُ (نَجِسٍ) أي مَنْ ببَدَنِهِ أو ثوبِهِ نجاسة غير معفوٍّ عنها (يعلم ذلك) أي وهو يعلم بِحَدَثِهِ، أوَ نجاسته، لأنه أخلّ بشرطِ الصلاة مع القدرةِ أشبَهَ المتلاعِبَ لكونهِ لا صلاةَ له في نفسه.
(فإن جَهِلَ هو) أي الإِمام، حدثَه أو نجاستَه (والمأمومُ) معاً، واستمرّ جَهْلُهُمَا (حتى انقضت الصلاة، صحَّتْ صلاة المأموم وحده) أي دون الإِمام.
(ولا تصحّ إمامة الأمِّيّ) (١) نسبة إلى الأم، كأنه على الحالة التي ولدته أمه عليها، (و) في عرف الفقهاء: (هو من لا يحسن الفاتحة) أي يحفظها، أو يُدْغِمُ فيها ما لا يُدْغَمُ، أو يبدل حرفاً لا يُبْدَل؛ بمأمومٍ ليس بأمّيٍّ مثلِهِ، إِلاَّ ضادَ "المغضوب" وضاد "الضالين" بظاءٍ، أو يلحن فيها لحناً يحيل المعنى عجزاً عن إصلاحه (إلا بمثله).
(ويصح النفلُ خلف الفرضِ. ولا عكس) أي لا يصح الفَرْضُ خلف النفل.
(تصحُّ المقضيّةُ خلفَ الحاضرةِ. وعكسه) أي الحاضِرةُ خلف
стр. 175
المقضيّة، وقاضيها من يوْمٍ (١) بقاضيها من غيره (حيث تساوَتَا في الاسم) فلا يصح عَصْرٌ خلف ظهرٍ، ولا عكسه.
فصل [في وقوف الإِمام]
(يصح وقوفُ الإِمامِ وسط المأمومين، والسنةُ وقوفه متقدماً عليهم) ووقوفهم خلفه، إلا العراةَ فوسَطا وجوباً، وامرأةً أمّتْ نساءً فوسطاً ندباً.
(ويقف الرجل الواحدُ) والخنثى (عن يمينه) أي يمين الإِمام (محاذياً له، ولا تصح) الصلاة (خلفه) (٢) أي الإِمام لأنه يكون فذًا، (ولا) تصحُّ (عن يسارِه) أي الإِمام (مع خُلوِّ يمينه) قال في الفروع: ومن صلى عن يسارِه ركعةً فأكْثَر مع خُلُوِّ يمينه، لم تصح. نص عليه.
(وتقفُ المرأةُ خلفَه) وإن وقفتْ بجانبه، أي جانب إمامِها الرجلِ، فكرجلٍ، يعني أن المرأة إذا أئتمت برجلٍ ووقفت عن يمينه، فإن صلاتها تصح كما تصح صلاة الرجل عن يمين إمامه.
(وإن صلى الرجلُ ركعةً خلفَ الصفّ منفرداً فصلاتُهُ باطلة).
(وإن أمكن المأمومَ الاقتداءُ بإمامه) ولو لم يكنِ بالمسجد، بأن كان خارِجَه، والإمام بالمسجدِ (ولو كان بينهما) أي بين الإِمام والمأموم (فوقُ ثلثمائَةِ ذراعٍ صح) الاقتداءُ (إن رأى الإمامَ أو رأى من وراءَه) ولو كانت رؤيتُه في بعضها فقط، أو كانت مما لا يمكن الاستطراقُ منه كشبّاكٍ ونحوه.
стр. 176
(وإن كان الإِمام والمأمومُ في المسجدِ لم تُشترط الرؤية) أي رؤيةُ الإِمام، ولا رؤيةُ من وراءَه (وكفى سماعُ التكبير) في الفرض والنفل.
(وإن كان بينهما) أي بين الإِمامِ والمأمومِ (نهرٌ تجري فيه السفُن، أو طريق) ولم تتصل فيه الصفوفُ حيثُ صحّتْ تلك الصلاة في الطريق بأن كانتْ على جنازةٍ ونحوها، أو كان في غيرِ شدّةِ خوفٍ بسفينةٍ وإمامُه بأخرى غيرِ مقرونةٍ بها (لم يصحّ) الاقتداء.
وألْحَقَ الآمديُّ بالنهر: النارَ، والبئر. وقيل: والسَّبُع، وقاله أبو المعالي في الشوك والنار.
(وكُرِه علوُّ الإِمام عن المأموم) ما لم يكن كدرجةِ منبرٍ فلا يكره.
وتصحُّ ولو كان كثيراً، وهو ذراعٌ فأكثر.
و (لا) يكره (عكسُه) أي علوّ المأموم عن الإِمام ولو كان كثيراً.
(وكُرِهَ لمن أكل بصلاً أو فجلاً ونحوَه) كثومٍ وكراثٍ (حضورُ المسجدِ) وإن لم يكن به أحد. وكذا حضور الجماعةِ. قال في الفروع: ويتوجه: مثلُه من بِهِ رائحةٌ كريهة. قال في الإِقناع وشرحه: فإن دخله آكِلُ ذلك، أي من له رائحة كريهة من ثومٍ وبصل ونحوهما، أو دخله من له صُنَانٌ أو بَخَرٌ (١) قَوِيَ إِخراجُهُ، أي استحباب إخراجه، إزالةً للأذى. انتهى.
فصل في ذكر الأعذار المبيحة لترك الجمعة والجماعة
(يُعْذَرُ بترك الجمعة والجماعة المريضُ والخائِفُ حدوثَ المرض.)
стр. 177
ومحل ذلك إذا كان المريض والخائف حدوثَ المرض ليسَا بالمسجدِ. فإن كانا بالمسجد لزمتهما الجمعةُ والجماعةُ، لعدم المشقّة.
وتلزم الجمعة دونَ الجماعةِ من لم يتضرر بإتيان الجمعةِ راكباً، أو محمولاً، أو تبرَّع أحدٌ بذلك، أو بِقَوْدِ أعمى.
(و) يعذر بترك الجمعة والجماعة (المَدافعُ احَدَ الأخْبَثينِ) البولِ والغائِط.
(و) يعذر بذلك (من له ضائعٌ يرجوه) كما لو دَلَّهُ عليه إنسان بمكانٍ، ويخاف إن لم يمضِ إليه سريعاً ينتقل عن ذلك المكان، أو قَدِمَ له بضائعُ من سفرٍ ويخافُ إن لم يتلقَّه أن يفوتَه. لكن قال المجْدُ: الأفضل تركُ ما يرجو وجوده، ويصلَّيَ الجمعةَ والجماعةَ. (أو يخافُ ضياعَ مالِهِ أو فواتَه) أي ذوات مالِهِ، كشرودِ دابّتِهِ، وإباقِ عبده، وسفرِ من له عندَه وديعةٌ، ونحو ذلك، (أو) يخافُ (ضرراً فيه) أي في ماله، كاحتراق خبزه، أو طبخه، أو إطلاق الماء على زرعه، بغيبته عنه، (أو) يخاف ضرراً (على مالٍ استؤجر لحفظه، كنِطارةٍ) بكسر النون (بِبُسْتانٍ (١)، أو) كان يحصل له (أذىً بمطرٍ ووَحَلٍ) بفتحِ الحاء المهملة، وتسكينها لغةٌ رديئة (وثلجٍ، وجليدٍ، وريحٍ باردةٍ بليلةٍ مظلمة) ويأتي في باب الجَمْعِ أنه لا يشترط لصحة الجمع بين العشاءين كون الليلة مظلمة (أو) كان يضرُّه (تطويل إمامٍ) لا إن كان بطريقه إلى المسجد منكر.
ولا يُعْذَرُ بتركِ الجُمُعةِ والجماعةِ مَنْ جَهِلَ الطريقَ إذا وَجَدَ من يهديه.
стр. 178
باب صَلاَة أهل الأَعْذار
جَمْعُ عذرٍ، وهم المريضُ، والمسافر، والخائف ونحوهم.
(يلزم المريضَ) القادرَ على القيام (أن يصلي المكتوبة) أي المفروضة (قائماً، ولو مستنداً) إلى شيء، ولو بأجرةٍ يقدر عليها.
(فإن لم يستطع) لعجز، أو شَقَّ لضررٍ يلحقه بقيامه، أو زيادةَ مرضٍ (ف) يصلي (قاعداً) متربِّعاً، ندباً.
ويثني رجليه في ركوعِهِ وسجودهِ كمتنفِّل.
(فإن لم يستطع) القعودَ، أو شقَّ عليه (فـ) يصلي (على جنبِهِ. و) الجنب (الأيمن أفضل.)
وتكره للمريضِ الصلاةُ على ظَهْرِهِ ورجلاه إلى القبلة، مع قدرةٍ على جنبه. وتصح.
وإن لم يقدرِ المريضُ أن يصليَ على أحد جنبيه تعيّن عليهِ أن يصلي على ظهرِه ورجلاه إلى القبلة، وجهاً واحداً.
(ويومئ بالركوعِ وبالسجودِ) من عَجَزَ عنهما ما أمكَنَهُ.
(ويجعله) أي يجعل السجودَ (أخفضَ) من الركوع.
(فإن عَجَزَ) عن جميع ما تقدم (أومأ بطرْفِهِ) أي بعينه، (واستحضَرَ) الفعلَ (بقلبِهِ) عند إيمائه له. (وكذا) يستحضرُ (القولَ) عند
стр. 179
إيمائه له (إن عجز عَنْه) أي عن القول (بلسَانِهِ) كأسيٍر خائف أن يعلموا بصلاتِهِ.
(ولا تسقط) الصلاة عن المريضِ (ما دام عقلُه ثابتاً) لقدرته على أن ينوي بقلبه مع الإِيماءِ بطرفه.
(ومن قَدِرَ على القيام) وكان يصلي قاعداً، (أو القعودِ) وكان يصلي عن جنبِهِ أو مستلقياً (في أثنائِها) أي أثناءِ الصلاة (انتقلَ إليه) أي إلى ما قدر عليه بعد أن كان عاجزاً عنه، وأتمَّها به، فيقومُ أو يقعدُ من كان عاجزاً عنه وجوباً، لأن المبيحَ العجزُ، وقد زال.
ويركع بلا قراءة من كان قَرَأَ في حال العجز، وإلاَّ قَرَأ بعد قيامِهِ.
ومن قدر على قيامٍ أو قعودٍ دون ركوعٍ وسجودٍ أومأ بركوعٍ قائماً، وبسجودٍ قاعداً.
(ومن قَدِر أن يقوم) أي يصلي قائماً (منفرداً، أو) قدر أن (يجلسَ) أن صلى (في الجماعةِ، خُيِّر) بين أن يصلي قائماً منفرداً، وبين أن يصلي جالساً في جماعةٍ، لأنه في كل منهما يفعل واجباً، ويترك واجباً. وقيلَ: يلزمه أن يصلِّي قائماً منفرداً لأن القيامَ ركنٌ بخلاف الجماعة.
(وتصح) المكتوبةُ (على الراحلةِ) واقفةً وسائرةً (لمن يتأذَّى بنحو مطرٍ ووحْلٍ) وثلجٍ وبَرَدٍ (أو يخافُ على نفسه من نزولِه) من سيل، أو سَبُعٍ، أو عَجْزٍ عن ركوبِ إن نزل.
(و) يجب (عليه) أي على من يصلِّي الفرضَ على الراحلةِ لعذرٍ مما ذُكِر (الاستقبالُ وما يقدِرُ عليه) من ركوعٍ وغيره.
ولا تصحُّ صلاةُ الفَرْضِ على الراحلةِ لمرضٍ، لأنه لا يزول ضرره (١) بالصلاةِ عليها، بخلاف المطر ونحوه.
стр. 180
(ويومئُ) بركوع وسجودٍ (من) كان (بالماءِ والطينِ) ولا يمكنُه خروجٌ، كمصلوبٍ، ومربوطٍ.
ويسجد غريقٌ على متن الماء.
ولا إعادة على واحد من هؤلاء.
فصل (في صلاة المسافر)
(قَصْرُ الصلاةِ الرباعيّة) لا الثُّنائيّة والثُّلاثية، فإنه لا يجوز قصرُهما (أفضلُ) من الإِتمام. ولا يكره الإِتمام (لمن نوى سفراً). هذه عبارةُ المنتهى، والمحرَّر، والتنقيح، وهي أوْلى من قولِ المقنع "مَنْ سَافَرَ" لأنه يَرِدُ عليها من خرج في طلب ضالَّةٍ، أو آبقٍ، حتى جاوز المسافة، فإنه ليس له القصر حيث لم ينوِ. وقال الحَجَّاويّ: ولو قال: "من ابتداءِ السفر" كما في الفروع وغيرها (١)، لكان أجود، لأنه قد يَنْوي ولا يسافر، فإن قيل: قولُهُ بعد ذلك: "إذا جاوزَ بيوتَ قريتِهِ العامِرَة" يدلُّ عليه. قيل: لا بد فيه من إضمارٍ، وهو أن يقال: القَصْرُ إذا جاوزَها مسافراً وإلاَّ فقد يجاوزُ بيوت قريَتِهِ بعد النّية من غَيْرِ سَفَرٍ.
(مباحاً) (٢) فيدخُلُ فيه الواجبُ كالحجِّ والجهادِ وقضاءِ الدين، والمسنونُ كزيارةِ الرَّحمِ، والمباحُ كالتجارةِ ولو نزْهةً وفُرْجَةً.
(لمحلٍّ معيَّنٍ) فلا قصرَ لِهائِمٍ، وتائِهٍ، وسائحٍ، لا يقصد مكاناً معيناً (يبلغ) سفرُه ذهاباً (ستَّةَ عَشَرَ فرسخاً) تقريباً، برًّا أو بحراً.