(وإن كان الإِمام والمأمومُ في المسجدِ لم تُشترط الرؤية) أي رؤيةُ الإِمام، ولا رؤيةُ من وراءَه (وكفى سماعُ التكبير) في الفرض والنفل.
(وإن كان بينهما) أي بين الإِمامِ والمأمومِ (نهرٌ تجري فيه السفُن، أو طريق) ولم تتصل فيه الصفوفُ حيثُ صحّتْ تلك الصلاة في الطريق بأن كانتْ على جنازةٍ ونحوها، أو كان في غيرِ شدّةِ خوفٍ بسفينةٍ وإمامُه بأخرى غيرِ مقرونةٍ بها (لم يصحّ) الاقتداء.
وألْحَقَ الآمديُّ بالنهر: النارَ، والبئر. وقيل: والسَّبُع، وقاله أبو المعالي في الشوك والنار.
(وكُرِه علوُّ الإِمام عن المأموم) ما لم يكن كدرجةِ منبرٍ فلا يكره.
وتصحُّ ولو كان كثيراً، وهو ذراعٌ فأكثر.
و (لا) يكره (عكسُه) أي علوّ المأموم عن الإِمام ولو كان كثيراً.
(وكُرِهَ لمن أكل بصلاً أو فجلاً ونحوَه) كثومٍ وكراثٍ (حضورُ المسجدِ) وإن لم يكن به أحد. وكذا حضور الجماعةِ. قال في الفروع: ويتوجه: مثلُه من بِهِ رائحةٌ كريهة. قال في الإِقناع وشرحه: فإن دخله آكِلُ ذلك، أي من له رائحة كريهة من ثومٍ وبصل ونحوهما، أو دخله من له صُنَانٌ أو بَخَرٌ (١) قَوِيَ إِخراجُهُ، أي استحباب إخراجه، إزالةً للأذى. انتهى.
فصل في ذكر الأعذار المبيحة لترك الجمعة والجماعة
(يُعْذَرُ بترك الجمعة والجماعة المريضُ والخائِفُ حدوثَ المرض.)
стр. 177
ومحل ذلك إذا كان المريض والخائف حدوثَ المرض ليسَا بالمسجدِ. فإن كانا بالمسجد لزمتهما الجمعةُ والجماعةُ، لعدم المشقّة.
وتلزم الجمعة دونَ الجماعةِ من لم يتضرر بإتيان الجمعةِ راكباً، أو محمولاً، أو تبرَّع أحدٌ بذلك، أو بِقَوْدِ أعمى.
(و) يعذر بترك الجمعة والجماعة (المَدافعُ احَدَ الأخْبَثينِ) البولِ والغائِط.
(و) يعذر بذلك (من له ضائعٌ يرجوه) كما لو دَلَّهُ عليه إنسان بمكانٍ، ويخاف إن لم يمضِ إليه سريعاً ينتقل عن ذلك المكان، أو قَدِمَ له بضائعُ من سفرٍ ويخافُ إن لم يتلقَّه أن يفوتَه. لكن قال المجْدُ: الأفضل تركُ ما يرجو وجوده، ويصلَّيَ الجمعةَ والجماعةَ. (أو يخافُ ضياعَ مالِهِ أو فواتَه) أي ذوات مالِهِ، كشرودِ دابّتِهِ، وإباقِ عبده، وسفرِ من له عندَه وديعةٌ، ونحو ذلك، (أو) يخافُ (ضرراً فيه) أي في ماله، كاحتراق خبزه، أو طبخه، أو إطلاق الماء على زرعه، بغيبته عنه، (أو) يخاف ضرراً (على مالٍ استؤجر لحفظه، كنِطارةٍ) بكسر النون (بِبُسْتانٍ (١)، أو) كان يحصل له (أذىً بمطرٍ ووَحَلٍ) بفتحِ الحاء المهملة، وتسكينها لغةٌ رديئة (وثلجٍ، وجليدٍ، وريحٍ باردةٍ بليلةٍ مظلمة) ويأتي في باب الجَمْعِ أنه لا يشترط لصحة الجمع بين العشاءين كون الليلة مظلمة (أو) كان يضرُّه (تطويل إمامٍ) لا إن كان بطريقه إلى المسجد منكر.
ولا يُعْذَرُ بتركِ الجُمُعةِ والجماعةِ مَنْ جَهِلَ الطريقَ إذا وَجَدَ من يهديه.
стр. 178
باب صَلاَة أهل الأَعْذار
جَمْعُ عذرٍ، وهم المريضُ، والمسافر، والخائف ونحوهم.
(يلزم المريضَ) القادرَ على القيام (أن يصلي المكتوبة) أي المفروضة (قائماً، ولو مستنداً) إلى شيء، ولو بأجرةٍ يقدر عليها.
(فإن لم يستطع) لعجز، أو شَقَّ لضررٍ يلحقه بقيامه، أو زيادةَ مرضٍ (ف) يصلي (قاعداً) متربِّعاً، ندباً.
ويثني رجليه في ركوعِهِ وسجودهِ كمتنفِّل.
(فإن لم يستطع) القعودَ، أو شقَّ عليه (فـ) يصلي (على جنبِهِ. و) الجنب (الأيمن أفضل.)
وتكره للمريضِ الصلاةُ على ظَهْرِهِ ورجلاه إلى القبلة، مع قدرةٍ على جنبه. وتصح.
وإن لم يقدرِ المريضُ أن يصليَ على أحد جنبيه تعيّن عليهِ أن يصلي على ظهرِه ورجلاه إلى القبلة، وجهاً واحداً.
(ويومئ بالركوعِ وبالسجودِ) من عَجَزَ عنهما ما أمكَنَهُ.
(ويجعله) أي يجعل السجودَ (أخفضَ) من الركوع.
(فإن عَجَزَ) عن جميع ما تقدم (أومأ بطرْفِهِ) أي بعينه، (واستحضَرَ) الفعلَ (بقلبِهِ) عند إيمائه له. (وكذا) يستحضرُ (القولَ) عند
стр. 179
إيمائه له (إن عجز عَنْه) أي عن القول (بلسَانِهِ) كأسيٍر خائف أن يعلموا بصلاتِهِ.
(ولا تسقط) الصلاة عن المريضِ (ما دام عقلُه ثابتاً) لقدرته على أن ينوي بقلبه مع الإِيماءِ بطرفه.
(ومن قَدِرَ على القيام) وكان يصلي قاعداً، (أو القعودِ) وكان يصلي عن جنبِهِ أو مستلقياً (في أثنائِها) أي أثناءِ الصلاة (انتقلَ إليه) أي إلى ما قدر عليه بعد أن كان عاجزاً عنه، وأتمَّها به، فيقومُ أو يقعدُ من كان عاجزاً عنه وجوباً، لأن المبيحَ العجزُ، وقد زال.
ويركع بلا قراءة من كان قَرَأَ في حال العجز، وإلاَّ قَرَأ بعد قيامِهِ.
ومن قدر على قيامٍ أو قعودٍ دون ركوعٍ وسجودٍ أومأ بركوعٍ قائماً، وبسجودٍ قاعداً.
(ومن قَدِر أن يقوم) أي يصلي قائماً (منفرداً، أو) قدر أن (يجلسَ) أن صلى (في الجماعةِ، خُيِّر) بين أن يصلي قائماً منفرداً، وبين أن يصلي جالساً في جماعةٍ، لأنه في كل منهما يفعل واجباً، ويترك واجباً. وقيلَ: يلزمه أن يصلِّي قائماً منفرداً لأن القيامَ ركنٌ بخلاف الجماعة.
(وتصح) المكتوبةُ (على الراحلةِ) واقفةً وسائرةً (لمن يتأذَّى بنحو مطرٍ ووحْلٍ) وثلجٍ وبَرَدٍ (أو يخافُ على نفسه من نزولِه) من سيل، أو سَبُعٍ، أو عَجْزٍ عن ركوبِ إن نزل.
(و) يجب (عليه) أي على من يصلِّي الفرضَ على الراحلةِ لعذرٍ مما ذُكِر (الاستقبالُ وما يقدِرُ عليه) من ركوعٍ وغيره.
ولا تصحُّ صلاةُ الفَرْضِ على الراحلةِ لمرضٍ، لأنه لا يزول ضرره (١) بالصلاةِ عليها، بخلاف المطر ونحوه.
стр. 180
(ويومئُ) بركوع وسجودٍ (من) كان (بالماءِ والطينِ) ولا يمكنُه خروجٌ، كمصلوبٍ، ومربوطٍ.
ويسجد غريقٌ على متن الماء.
ولا إعادة على واحد من هؤلاء.
فصل (في صلاة المسافر)
(قَصْرُ الصلاةِ الرباعيّة) لا الثُّنائيّة والثُّلاثية، فإنه لا يجوز قصرُهما (أفضلُ) من الإِتمام. ولا يكره الإِتمام (لمن نوى سفراً). هذه عبارةُ المنتهى، والمحرَّر، والتنقيح، وهي أوْلى من قولِ المقنع "مَنْ سَافَرَ" لأنه يَرِدُ عليها من خرج في طلب ضالَّةٍ، أو آبقٍ، حتى جاوز المسافة، فإنه ليس له القصر حيث لم ينوِ. وقال الحَجَّاويّ: ولو قال: "من ابتداءِ السفر" كما في الفروع وغيرها (١)، لكان أجود، لأنه قد يَنْوي ولا يسافر، فإن قيل: قولُهُ بعد ذلك: "إذا جاوزَ بيوتَ قريتِهِ العامِرَة" يدلُّ عليه. قيل: لا بد فيه من إضمارٍ، وهو أن يقال: القَصْرُ إذا جاوزَها مسافراً وإلاَّ فقد يجاوزُ بيوت قريَتِهِ بعد النّية من غَيْرِ سَفَرٍ.
(مباحاً) (٢) فيدخُلُ فيه الواجبُ كالحجِّ والجهادِ وقضاءِ الدين، والمسنونُ كزيارةِ الرَّحمِ، والمباحُ كالتجارةِ ولو نزْهةً وفُرْجَةً.
(لمحلٍّ معيَّنٍ) فلا قصرَ لِهائِمٍ، وتائِهٍ، وسائحٍ، لا يقصد مكاناً معيناً (يبلغ) سفرُه ذهاباً (ستَّةَ عَشَرَ فرسخاً) تقريباً، برًّا أو بحراً.
стр. 181
(وهي) أي الستةَ عشرَ فرسخاً (يومانِ) أي مسيرةً يومَيْنِ لا رجوعَ في أَثْنائِهما (قاصِدَانِ) أي معتدلان طولاً وقصَراً (١). (في زمنٍ معتدلِ) الحرِّ والبردِ (بسير الأثقالِ ودبيبِ الأقدامِ) وذلكَ أربعةُ بُرُدٍ.
والبريدُ أربعة فراسخ.
والفرسخ ثلاثةُ أميالٍ هاشميَّةٍ، وبأميالِ بني أميّة ميلانِ ونصفٌ.
والهاشِميُّ اثنا عشرَ ألفَ قدمِ، وهي ستةُ آلاف ذراعٍ (٢).
والذراع أربعٌ وعشرونَ إصبعَاً معترضةً معتدلةً، كل إصبعٍ ستُّ شعيراتٍ بطونُ بعضِها إلى بعضٍ عَرْضُ كل شعيرةٍ ستُّ شعراتِ برذون.
قال ابن حجر في شرح البخاري: والذراعُ الذي ذُكِرَ قد حُرِّرَ بذراعِ الحديدِ المستعملِ الآن في مصر والحجازِ في هذه الأعصارِ، فنقص عن ذراع الحديدِ بقدر الثمن.
فائدة: من مكة إلى عسفان أربعةُ بُرُدٍ. وذكر صاحب "المسالك" أن من دمشقَ إلى القطيفة أربعة وعشرين ميلاً، ومن دمشق إلى الكُسْوَة اثنيْ عشرَ ميلاً.
(إذا فارقَ) متعلقٌ بقوله: "قَصْرُ الرباعية" (بيوتَ قريتِهِ العامرةِ) سواءٌ كانت داخِلَ السورِ أو خارِجَهُ، وسواءٌ وليتْها بيوتٌ خاربة أو البرّيّة. لكن لو وليتها بيوتٌ خاربةٌ، ثم بيوت عامرةٌ فلا بدّ من مفارقة البيوت العامرةِ التي تلي الخاربة.
стр. 182
ولو بَرَزُوا لِمَكانٍ لقصدِ الاجتماعِ، ثم بعدَ اجتماعهم يُنْشِئُونَ السفر من ذلك المكان، فلهم القصر قبل مفارَقَتِهِ في ظاهر كلامهم.
(ولا يعيدُ من قَصَرَ،) بشرطِهِ، (ثم رجع قبل استكمالِ المسافةِ) لأن المعتبر نِيَّةُ المسافة لا حقيقتها.
[الصور التي يتم فيها المسافر]
إذا تقرَّرَ هذا، فإنه يُستثنى من حالة السفر إحدى وعشرون صورةً يلزمه فيها الإِتمام:
الأولى: إذا مرّ بِوَطَنِهِ، ولو لم يكن له به حاجة.
الثانية: إذا مرّ ببلدٍ له به امرأةٌ، ولو لم يكن وطنَه.
الثالثة: ما أشار إليها بقوله (ويلزمه إتمامُ الصلاةِ إن دخل وقتُها وهو) أي مريد السفر (في الحضر.)
الرابعة: إذا مرّ ببلدٍ تزوَّجَ فيه، ولو بعدَ مفارَقَتِهِ الزوجة (١).
الخامسة: إذا وقع بعض الصلاة في الحضر، وهي مصوَّرة في راكبِ السفينة إذَا أَحْرَمَ بالصلاةِ مقصورَةً، ثم وصلت إلى وطنه في أثناء الصلاة (٢).
السادسة: إذا ذكر صلاةَ حضرٍ بسفر.
السابعة: إذا ذَكَرَ صلاةَ سفرٍ في حضر.
الثامنة: ما أشار إليها بقوله (أو صلّى خلفَ من يُتِمَّ.)
التاسعة: إذا ائتم بمن يَشُكُّ فيه هل هو مقيمٌ أو مسافر، فيتمُّ ولو بانَ مسافراً. ويكفي علمُه بسفرِهِ بعلامةٍ من لباس ونحوه.
العاشرة: إذا شكَّ إمامٌ في أثنائها أنه نوى القصرَ عندَ إحرامِها،
стр. 183
كما لو نَوَى الصلاة مطلقاً فإنَّ نِيّتَهُ تنصرف إلى الإِتمام (١).
الحادية عشرة: إذا أعاد صلاةً فاسدةً يلزمُهُ إتمامها (٢).
الثانية عشرة: ما أشار إليها بقوله: أوْ لم ينوِ القصر عند الإِحرام).
الثالثة عشرة: إذا نوى القصرَ ثم رفَضَهُ بعد أن نواه.
الرابعة عشرة: إذا جَهِلَ أن إمامه نواه.
الخامسة عشرة: ما أشار إليها بقوله: (أو نوى إقامة مطلقة) أي غير مقيدة بزمن مخصوص.
السادسة عشرة: ما أشار إليها بقوله: (أو أكثر من أربعةِ أيام) أي أكثر من عشرين صلاة. ولا فرق بين كون ما نوى الإِقامة فيه موضع لبث وقرار في العادة، كالقُرى، أو لا يقام فيه عادةً، كالمفاوز.
السابعة عشرة: ما أشار إليها بقوله: (أو أقام) المسافر (لـ) قضاء (حاجته وظن أنَّها لا تنقضي) الحاجَةُ (إلا بعد) مضيِّ (الأربعة.)
الثامنة عشرة: إذا شكَّ المسافر في نية المدة، أي هل نَوَى إقامةَ عشرينَ صلاةً، أو أكثر؟
التاسعة عشرة: إذا عزم في صلاته على قطع الطريق ونحوه.
العشرون: إذا تاب المسافِرُ من المعصية في أثناء الصلاة، وكان نوى القصر، فيتمّ.
الحادية والعشرون: ما أشار إليها بقوله: (أو أخّر الصلاة بلا عُذْرٍ) له في التأخير (حتى ضاقَ وَقْتُها عنها) أي عن فعلِها كلِّها مقصورةً في الوقت، لزمه أن يتمّ الصلاة التي ضاق وقتها عنها (٣).
стр. 184
(ويقصر إن أقامَ لحاجةٍ بلا نِيّةِ الإِقامة فوق الأربعة، ولا يدري متى تنقضي) يعني أنه يقصر ما دام كذلك. (أو حبِسَ ظلماً، أو) حُبِسَ (بِمَطَرٍ،) أو بِمرَضٍ، أو ثلجٍ، أو بَرْدٍ (ولو أقام سنين.)
فصل في حكم (الجمع) بين الصلاتين
يباح الجمعُ مطلقاً في ثمانِ حالات:
الأولى: ما أشار إليها بقوله: (يباحُ بِسَفرِ القَصرِ) فليسَ بمكروهٍ ولا مستحبّ (الجمعُ بين الظهرِ والعصر) بوقتِ إحداهما (و) بينَ (العشاءَينِ) وهما المغرب والعشاءُ (بوقتِ إحداهما) أي إحدى الصلاتين.
الثانية: ما أشار إليها بقوله: (ويباحُ لمقيمٍ مريضٍ يلحقُه) أي المريضَ المقيمَ (بتركِهِ) أي بترك الجمع (مشقَّةٌ.)
الثالثة: ما أشار إليها بقوله: (ولمرضعٍ لمشقةِ كثرةِ النجاسة) أي مشقَّةِ تطهيرها لكلِّ صلاةٍ.
الرابعة: المستحاضة ونحوها.
الخامسة: ما أشار إليه بقوله: (ولعاجزٍ عن الطهارة) بالماء أو التيمُّمِ (لكل صلاة).
السادسة: لِعاجزٍ عن معرفةِ الوقتِ كأعمى، ونحوه، كالمطمور.
السابعة: ما أشار إليها بقوله: (ولعذرٍ) يعني يبيح تركَ الجمعَةِ والجماعَةِ، كخوفِهِ على نفسه، أو حُرْمَتِهِ، أو مالِهِ.
الحالة الثامنة: ما أشار إليها بقوله: (أو) لِـ (شغلٍ يبيح ترك الجمعة والجماعَةِ) كما لو كان ترك الجمع يُعِيقُهُ عن معيشةٍ يحتاجها، فإنه يباح
стр. 185
له الجمع في هذه الحالة.
(ويختصّ بجوازِ جمعِ العشاءَيْنِ ولو صلَّى ببيتِهِ) أو في مسجدٍ طريقُه تحتَ ساباطٍ، ولمقيمٍ في المسجد ونحوه ولو لم يَنَلْهُ إلا يسيرٌ: (ثلجٌ) وبَرَدٌ، لأنهما في حكم المطر (وجليدٌ) لأنه من شدة البرد، (ووحَلٌ) بتحريك الحاء، وإسكانُهَا لغة رديئة، (وريحٌ شديدةٌ باردةٌ) لا ليلة مظلمةً (ومطرٌ يُبلُّ الثياب، وتوجد معه مشقَّةٌ.) لكنّ المرادَ وجودُ المشقّةِ في الجملةٍ، لا لكلِّ فردٍ من أفرادِ المصلِّينَ.
(والأفضلُ) لمن يريد الجمعَ (فعلُ الأرفقِ) به (من تقديمِ الجمعِ) أي تقديم العصرِ في وقت الظهر، وتقديمِ العشاءِ في وقتِ المغربِ (أو تأخيرِهِ) أي تأخيرِ الظهرِ إلى وقتِ العصرِ، وتأخير المغرب إلى وقَتِ العَشاءِ.
فإن استويا فتأخيرُهُ أفضل.
[شروط جمع التقديم وجمع التأخير]
(فإن جمع تقديماً اشترِطَ لصحة الجمع) خمسة شروط:
الأول: الترتيبُ سواءٌ نَسِيَهُ أو ذكره، بخلاف سقوطِهِ مع النِّسيان في قضاء الفوائت.
الثاني: (نيته) أي نية الجمعِ (عندَ إحرامِ الأولى.)
ولا تشترط نية الجمع عند إحرام الثانية.
(و) الثالث: (أن لا يفرّق بينهما) أي بين الصلاتين (بنحو نافِلَةٍ بل بقدر إقامةٍ ووضوءٍ خفيف،) لأن معنى الجمع المتابَعةُ والمقارنة، ولا يحصل ذلك مع تفريقٍ بأكثر مما ذكر.
(و) الرابع: (أن يُوجَد العُذْرَ عِنْدَ افتتاحِهِمَا) أي افتتاحِ الصلاتين المجموعتين، وسلامِ الأولى.
стр. 186
(و) الخامس: (يستمر) العذر المبيح للجمع في غير جمع مطرٍ ونحوه (إلى فراغ الثانيةِ. فلو أحرم بالأولى ناوياً الجمعَ لمطرٍ، ثم انقطع ولم يَعُدْ، فإن حصل وَحْلٌ لم يبطل الجمع، وإلاَّ بَطَل، لزوال العذر المبيح.
(وإن جَمَعَ تأخيراً) أي في وقت الثانيةِ من الصَّلاتينِ المجموعيتن (اشتُرِط له) ثلاثة شروط:
الأول: (الترتيب).
(و) الثاني: (نية الجمع بوقت الأُولى) من الصلاتين المجموعتين، مع وجود العذر المبيح له (قبل أن يضيق وقْتُها عنها) أي عن فِعْلِها، لأنّ تأخيرَها عنه حرام، وهو ينافي الرخصة التي هي إباحة الجمع.
(و) الشرط الثالث: (بقاءُ العُذْرِ) من حين نِيّةِ الجمع عند وجوده بوقت الأولى (إلى دخولِ وقت الثانية) لأن المجوِّز للجمع العذرُ، فإذا لم يستمرّ إلى دخول وقت الثانية وَجَبَ أن لا يجوز الجمع لزوال المقتضى، كالمريض يَبْرَأُ والمُسَافِرِ يقدَم.
(لا غير) ما تقدم من الشروط، فلا يشترط استمراره في وقت الثانية، لأنهما صارتا واجبتين في ذمته، فلا بد من فِعْلِهما.
(ولا يُشْتَرَطَ للصِحَّةِ) أي لصحةِ الجمعِ مطلقاً (اتحادُ الإمام والمأموم، فلو صلاَّهما) أي المجموعتين (خلف إمامَيْنِ) كلَّ واحدةٍ خلفَ إمامٍ (أو) صلاهَما (بمأمومِ الأُولى، وبـ) مأمومٍ (آخَرَ الثانيةَ، أو) صلاّهما (خلف من لم يَجْمَعْ، أَو) صلى (إحداهما) أي المجموعين (منفرداً، و) صلى (الأُخْرى في جماعة، أو صلَّى) إماماً (بمن لم يجمع، صحَّ) ذلك كله، لكن متى ذكر أنه نَسِيَ من الأُولى ركناً، أو إحداهُمَا ونسيها، أعادَهُما إن بقي الوقتُ، وإلا قضاهما مرتَّباً. وإن بان
стр. 187
أنه من الثانية أعادها فقط. والله تعالى أعلم.
فصل (في صفة صلاة الخوف) وأحكامها
(تصح صلاة الخوفِ إن كان القتال مباحاً) ولو (حَضَراً و) تصحّ (سفراً).
(ولا تأثيرَ للخوفِ في تغييرِ عددِ ركعاتِ الصلاة، بل) يؤثّر الخوف (في صفتها وبعض شروطها).
(وإذا اشتدَّ الخوف) بِأن تواصَل الضَّرْبُ والطَّعْنُ، والكرُّ والفرُّ، ولم يمكن تفريقُ القومِ صفَّيْنِ، ولا صلاتُهم على وجهٍ من وجوهِهَا، وحضرَ وقتُ الصلاةِ، لم تؤخَّر و (صلوا رجالاً أو ركباناً) متوجِّهين (للقبلةِ وغيرِها) لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَانًا﴾.
(ولا يلزم) المصلّيَ في هذه الحالة (افتتاحُها) أي الصلاة (إليها) أي إلى القبلة، (ولو أمكنَ) المصليَ ذلك، كبقية أجزاءِ الصلاة، (يومِئُون) بالركوعِ والسجودِ (طاقتَهم) أي بقدر ما يطيقونه، لأنهم لو أتمُّوا الركوعَ والسجودَ لكانوا هدفاً لأسلحةِ الكفّار. ويكونُ سجودُهُمْ أخفضَ من ركوعِهم. ولا يجب سجودٌ على ظهر الدابة.
(وكذا) أي وكحالةِ شدةِ الخوفِ عند المسايَفَةِ (في) فعلِ الصلاةِ وحكمِها (حالةُ الهربِ من عدوٍّ) هرباً مباحاً، بأن تكون الكفَّارُ أكثَرَ من مِثْلي المسلمين، (أو) هربِ من (سَيْلٍ، أو) هربٍ من (سَبُعٍ) وهو الحيوانُ المعروف. وقد يطلَق على كل حيوان مفترسٍ، كما هُنَا، (أو) هربٍ من (نارٍ، أو) هربٍ من (غريمٍ ظالمٍ،) فلو كان بحقٍّ وهو قادر
стр. 188
على وفائِهِ لم يجز (أو) لم يكن هارباً ولكن صلَّى كالصلاة السابقة لـ (خوفِ فوتِ وقت الوقوفِ بعرفةَ) يعني أنه إذا قَصَدَ المحرمُ عرفاتِ ليلاً، وبقي من وقتِ الوقوفِ مقدارُ ما إن صلاَّها فيه على الأرض فاتَهُ الوقوفُ، فإنه يصليها صلاة خائِفٍ وهو ماشٍ، حرصاً على إدراك الحجّ، لأن الحجَّ في حقِّ المحرِم كالشيء الحاصِلِ، والفواتُ طارٍ عليه، ولأن الضَّرَرَ الذي يلحقه بفوات الحجّ لا ينقصُ عن الضَّررِ الحاصِلِ من الغريمِ الظالمِ في حق المدينِ المُعْسِر، بخوفِهِ من حبسه إياه أياماً، (أو خافَ على نفسِهِ أو أهلِهِ أو مالِهِ) يعني أن من خافَ على نفسِهِ أو أهلِهِ أو مالِهِ إنْ ترَكَ الصلاةَ على هيئتِها في شدةِ الخوفِ جازَ لَهُ أن يصلي صلاةَ شدةِ الخوفِ من أجلِ ذلك (١) (أو ذبٍّ عن ذلك) أي عن نفسِهِ أو أهلِهِ أو مالِهِ (وعنْ نفسِ غيرِه) يعني أن له أن يصلّي صلاةَ شِدَّةِ الخوفِ من أجلِ ردّ الصائل عن نفسِهِ أو أهلِهِ أو مالِهِ أو نفسِ غيره بقتالِ الصائلِ على شيءٍ من ذلك.
(وإن خافَ) شخصٌ (عدوًّا إن تخلَّف عن رُفْقَتِهِ، فصلّى صلاة خائفٍ ثم بانَ) له (أمْنُ الطريق لم يُعِدْ) صلاته.
(ومن خافَ أو آمِنَ في صلاته انتقلَ، وبنى) يعني أن من دخل في صلاته وهو آمنٌ، ثم طرأ له في أثنائِها خوفٌ كمّلها على هيئةِ الخائفِ وبنى على هيئةِ صلاة الآمن، وإن دخل فيها وهو خائفٌ ثم أَمِنَ فيها كَمَّلَها على هيئةِ صلاةِ الآمن وبنى على ما مضى منها على هيئةِ صلاةِ الخائفِ، لأن بناءَهُ في الصورتين على صلاةٍ صحيحةٍ، كما لو ابتدأها صحيحاً فمرض في أثنائِها، أو ابتدأها مريضاً فعوفي في أثنائها.
(ولمصلٍّ كرٌّ وفرٌّ لمصلحةٍ) وكذا التقدُّمُ والتأخُّر والطعنُ والضربُ.
стр. 189
(ولا تبطُلُ) الصلاةُ (بطولِهِ) أي الكرّ والفرّ، (وجازَ لحاجةٍ) في صلاة الخوفِ (حملُ نَجِسٍ) غيرِ معفو عنه في غيرها، (ولا يعيدُ) أيْ ولا تلزَمُهُ الإِعادة.
стр. 190
باب صَلاَة الجُمْعَة
[شروط وجوب الجمعة]
(تجب على كل ذكرٍ مسلمٍ مكلَّفٍ عاقلٍ) لأن الإِسلامَ والعقلَ شرطانِ للتكليفِ وصحَّةِ العبادةِ، فلا تجب على مجنونٍ ولا على صبيّ؛ (حرٍّ) لأن العبد مملوكُ المنفعةِ، محبوسٌ على سيده؛ (لا عُذْرَ لَه) مما تقدم.
(وكذا) تجب (على مسافرٍ لا يباحُ له القصر) كَقِصَرِ سفرِه، أو لِعِصْيانِهِ بِسَفَرِهِ.
(و) تجب (على مقيمٍ خارجَ البلدِ إذا كان بينهما) أي المسافر والمقيم خارج البلد (وبين الجمعة) أي بينه وبين موضعها من المنارةِ، نصًّا، (وقتَ فعلِهَا (١) فَرْسَخٌ فأقلُّ) تقريباً.
(ولا تَجِبُ) صلاة الجمعة (على من يباحُ له القصْر).
وكما لا تجب عليه بنفسِهِ لا تلزَمُه بغيرِهِ. نصَّ عليه.
(ولا) تجب (على عبدٍ، و) لا (مبعَّضٍ، و) لا (امرأةٍ)، ولا خنثى.
стр. 191
(ومن حضرها) أي الجمعة (منهم) أي من العبد والمبعض والمرأة والخنثى (أجزأته) عن صلاة الظهر، لأنّ إسقاط الجمعةِ عنهم تخفيفٌ، فإذا حضرها أحدٌ منهم أجزأتْهُ (ولم يحسب هو) أي مَنْ ذُكِرَ، من العبد وما عطف عليه.
(ولا) يُحْسَبُ (من ليس من أهل البلد من الأربعين).
(ولا تصح إمامتهم) أي العبد وما عطف عليه والغريب (فيها) أي الجمعة (١).
[شروط صحة الجمعة]
(وشُرِطَ لصحةِ الجمعةِ أربعةُ شروط) ليس منها إذن الإِمام:
(أحدها: الوقت) لأنها صلاةٌ مفروضةٌ، فاشتُرِطَ لها الوقْتُ، كبقيّةِ المفروضات.
(وهو) أي وَقْتُ الجُمُعَةِ (مِنْ أوَّلِ وقت العيدِ) نصَّ عليه، (إلى آخر وقت الظهر،) لأن الجمعة واقعةٌ موقع الظُّهْرِ، فوجَبَ إلحاقُها بالظهر لما بينهما من المشابهة.
(وتجب) الجمعة (بالزوال) لأن ما قبله وقت جوازٍ.
(و) فعلها (بعده) أي الزوال (أفضلُ) من فعلها قبل الزوال، خروجاً من الخلاف. ولأنَ الناس يجتمعونَ إليها عند الزوال، فلو انتظروا الإِبرادَ شَقَّ عليهم.
(الثاني): من شروط صحة الجمعة (أن تكون بِقَرْيَةٍ) مبنيّةٍ بما جرت عادةُ أهلِها به، (ولو من قَصَبٍ) أو حجر أو خشب (يستوطنها أربعون) رجلاً ولو بالإِمام، من أهلِ وجوبها (استيطانَ إقامةٍ لا يظعَنُونَ)
стр. 192
أي لا يرحلون عنها (صيفاً ولا شتاءً) لأن ذلك هو الاستيطان.
(وتصح) صلاة الجمعة (فيما قاربَ البنيانَ من الصحراءِ) ولو بلا عذرٍ، لا فيما بعد عن البنيان، لشبههم إذاً بالمسافرين.
ولا يتمّمُ عددٌ من مكانين متقاربين.
ولا يصحُّ تجميع كاملٍ في ناقص مع القربِ الموجبِ للسعي (١).
ولا يشترط للجمعة المِصْرُ.
(الثالث): من شروط صحة الجمعة: (حضورُ أربعينَ) ممن تجب عليهم الجمعةُ صلاتَها وخُطبتَها، ولو كان فيهم خَرَسٌ أو صَمَمٌ، لا كلُّهم.
(فإن نقصوا) أي نقصَ الأربعون (قبل إتمامها) أي الجمعة (استأنفوا ظهراً)، لأن العدد شرطٌ فاعتبِرَ، في جميعِها، كالطهارة، إن لم تمكن إعادتها جمعةً بشروطِها. وإن بقي العدد، ولو ممن لم يسمع الخُطْبة، ولحقوا بهم قبل نقصهم، أتمّ بهم الإِمام جمعة.
(الرابع) من شروط صحة الجمعة: (تقدم خطبتين) على الصلاة، بدل ركعتين، لا مِنَ الظهر، لأن الجمعة ليست بدلاً عن الظهر، وإنما هيَ فرضٌ مستقل.
[شروط الخطبتين]
(من شَرْطِ صحتهما) أي الخطبتين (خمسة أشياء):
الأوّل: (الوقت) فلا تصحّ واحدةٌ منهما قبل الوقت، لما تقدم أنهما بدل ركعتين.
стр. 193
(و) الثاني: (النية) قاله في "الفنون"، قال في الفروع: وهو ظاهر كلام غيرِه. انتهى.
(و) الثالث: (وقوعهما) أي الخطبتين (حضراً) فلو كان بسفينةٍ أربعونَ رجلاً من أهل وجوبها مسافِرِين من قريةٍ واحدةٍ، فلما قربوا من قريتهم في وقت الجمعة خطبَهم أَحَدُهُمْ ولم يَصِلُوا إلى القرية حتى فرغ من الخطبتين، استأنفهما، لِوقوعهما (١) في السفر.
(و) الرابع: (حضورُ الأربعين) فأكثرَ من أهلِ القريةِ بالإِمام.
(و) الخامس: (أن يكون) أي الخطيب (ممن تصحُّ إمامته فيهما) لما تقدم من أنهما بدل عن ركعتين.
(وأركانهما) أي أركان الخطبتين (ستة):
الأول: (حمد الله تعالى) وهو قول الخاطب "الحمد لله".
(و) الثاني: (الصلاةُ على رسول الله ﷺ ) لأن كلّ عبادة افتقرتْ إلى ذكرِ الله افتقرتْ إلى ذكر نبيه ﷺ ، كالأذان. ويتعين لفظ الصلاة. قال في المبدع: أو يشهد أنه عبدُ الله ورسولُه.
(و) الثالث: (قراءة آيةٍ) كاملةٍ (من كتاب الله) تعالى. قال أحمد: يقرأُ ما شاء. قال أبو المعالي: لو قرأ آية لا تستقلُّ بمعنًى أو حكم، كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ و ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾، لم يكفِ.
(و) الرابع: (الوصية بتقوى الله) ، لأنه المقصود.
ولا يتعين لفظ الوصيةِ.
وأقلها "اتقوا الله" و"أطيعوا الله" ونحوه. قال الشيخ: لا بدّ أن يحرّك القلوب. ويبعثَ بها إلى الخير. فلو اقتصر على "أطيعوا الله واجتنبوا معاصيه" فالأظهر لا يكفي. قاله في المبدع.
стр. 194
(و) الخامس: (موالاتُهما) أي جميعُ الخطبتين (مع الصلاةِ) فلا يَفْصِلُ بين أجزاء الخطبتين، ولا بين إحداهما وبين الأخرى، ولا بينَ الخطبتين وبين الصلاة.
(و) السادس: (الجهرُ) بالخطبتين (بحيث يسمعُ) الخطيبَ (العددُ المعتبرُ) للجمعة، وهو أربعون من أهل وجوبِها، (حيثُ لا مانع) يمنعهم سماعَه من نومِ، أو غفلةٍ، أو صممِ بعضِهم لا كلِّهم. فإن لم يسمعوا لخفضِ صوتِه، َ أو بُعْدِهم عنه لم تصح.
وتستحب البُداءة بالحمد لله، ثم بالثناءِ، ثم بالصلاةِ على النبيّ ﷺ ، ثم بالموعظة. فإن نَكَّسَ أجْزَأ.
ويبطلهما كلامٌ محرَّمٌ في أثنائِهما، ولو كان يسيراً.
وهي بغير العربية كقراءةٍ (١).
[سنن الخطبتين]
(وسننهما) أي سننُ الخطبتين (الطهارةُ) من الحدَثِ، فتجزئ خطبةُ الجُنُبِ، نصًّا، لأنّ تحريم لُبْثِه بالمسجد لا تعلُّق له بواجب العبادة؛ (وسترُ العورة، وإزالةُ النجاسةِ، والدعاءُ للمسلمين، وأن يتولاَّهما مع الصلاة واحدٌ،) فلو خطبَ الثانيةَ غيرُ الذي خطبَ الأُولى أجزأتا، كالأذان، والإِقامة.
(و) مما يسنُّ للخطيبِ (رفعُ الصوتِ بهما) أي الخطبتين (حسبَ الطاقةِ) أي طاقتِهِ، لأنه أبلغ في الإِعلام.
(و) يسن (أن يخطب قائماً،) وأن يكونَ (على مرتَفِعٍ) منبرٍ، أو
стр. 195
غيرِه. وأن يكون عن يمينِ مستقبلِ القبلةِ بالمحرابِ.
ويسن أن يكونَ (معتمداً على سيفٍ) أو قوسٍ (أو عصاً) لأنه أمكنُ له، وإشارةٌ إلى أن الدينَ فُتِحَ به (١). قالَ في الفروع: ويتوجَّهُ باليسرى (٢)، والأخرى بحرف المنبر.
(و) يسنُّ (أن يجلسَ بينهما) أي بين الخطبتين شيئاً (قليلاً). قال في التلخيص: بقدر سورة الإِخلاص، وجلوسُه حتى يؤذَّن، (فإن أبى) أن يجلسَ فَصَل بينهما بسكتةٍ قدرِ جلوسه (أو خطبَ جالساً فَصَل بينهما بسكتةٍ) لأنه ليس في الجلسةِ ذكرٌ مشروع.
(وسُنَّ) للخطيب (قِصَرُهما) أي الخطبتين (و) كونُ (الثانية أقصَر) لأن قِصَر الخطبة أقربُ إلى قبولِها وعدم السآمة لها.
(ولا بأس أن يخطب من صحيفة.)
ودعاؤه عقب صعوده لا أصل له.
فصل [إنصات المأمومين للخطبة]
يحرم الكلامُ والإِمام يخطب، (وهو) أي المتكلم قريب (٣) (منه) أي من الإِمام (بحيث يسمعه) أي يسمع الإِمام، ولو في حالِ تنفُّسِهِ، بخلافِ البعيد الذي لا يسمعه، لأن وجوب الإِنصات للاستماع، وهذا
стр. 196
ليسَ بمستمِعٍ. وتباح الصلاة على النبى ﷺ سرًّا، كالدعاء (١).
ولا يسلِّم من دَخَل.
ويجوزُ تأمينُه على الدعاء، وحمدُه خِفيةً إذا عَطَسَ، نصًّا، وتَشْمِيتُ عاطسٍ، وردُّ سلامٍ نطقاً.
ويجوز لمن بَعُدَ عن الخطيبِ، ولم يسمعه، الاشتغالُ بالقرآنِ والذِّكر والصلاةِ والسلامِ على النبي ﷺ خِفْيَةً. وفعلُه أفضَلُ نصًّا.
(ويباح) الكلام (إذا سكتَ) الخطيبُ (بينَهما) أي بين الخطبتين.
(أو) إذا (شرع في دعاءٍ) لأنه حينئذ يكون قد فرِغَ من أركانِ الخطبة (٢). والإِنصاتُ للدعاءِ غير واجب.
[تعدد صلاة الجمعة في البلد]
(وتحرم إقامة) صلاة (الجمعةِ وإقامةُ) صلاةِ (العيدِ في أكثرَ من موضعٍ) واحد (من البلدِ إلا لحاجةٍ كضيقٍ) قال في شرح المنتهى: أي ضيقِ مسجدِ البلدِ عن أهله. اهـ. قال في حاشيته: قلت: الإِطلاق في الأهل شاملٌ لكل من تصحّ منه وإن لم يصلِّ، وإنْ لم تجبْ عليه، وحينئذ فالتعدد في مصرٍ للحاجة (وبعدٍ) أي بعد المسجدِ عن بعضِ أهلِ البلدِ بأن يكون البلد واسعاً، وتتباعَدَ أقطارُه، فيشقُّ على من منزله بعيدٌ عن محل الجمعة مجيئه إلى محلها، (وخوفِ فتنةٍ) فأن يكون بين بعضٍ وبعضٍ من أهل البلد عداوة، ويخشى إثارةُ الفتنة بصلاة الجمعةِ في مسجدٍ واحدٍ.
وعُلم مما تقدم أنها لو كانت تُقام في موضعين، أو ثلاثةٍ أو أكثر
стр. 197
من ذلك، وعَت الحاجة إلى إقامتها فيما يزيد على ذلك، كان لهم ذلك.
(فإن تعددت لغير ذلك) فالصحيحةُ ما باشرها الإِمامُ، أو أَذِنَ فيها لهم، فإن لم يكن باشَرَ شيئاً منهن، أو استوتا في الإِذن أو عدمه (فالسابقة بالإِحرام هي الصحيحة) منهنّ، حتى ولو كانت إحداهنّ بالمسجد الأعظم، والأخرى في مكانٍ لا يقدرون عليه، لاختصاص السلطانِ وجندِه بهِ.
[المسبوق]
(ومن أحْرَمَ بـ) صلاةِ (الجمعة في وقتِها، وأدرك مع الإِمام) منها (ركعةً, أتمّ) صلاته على كونها (جمعة).
(وإن أدرك) المأمومُ مع إمامِهِ (أقلّ من ركعةٍ نَوَى ظهراً) عند إحرامه إن كان دخل وقتُ الظهرِ، وإلا بأن لم يكن دخل وقت الظهر عند إحرامه، أو نوى الجمعة وقد فاته ركوع الركعة الثانية مع الإِمام، فإنه يتم صلاته نفلاً. وعنه يكون مدركاً للجمعة بإحرامِهِ بها في وقتها، ولو لم يدرك مع الإِمام ركعة.
[الرواتب يوم الجمعة]
(وأقل السنّة الراتبة) للجمعة (بعدها ركعتان) نص عليه.
(وأكثرها) أي وأكثر السنّةُ الرِاتبة بعد الجمعة (سِتٌّ) أي سِتُّ ركعاتٍ (١). وليس لها قبلها سنة راتبة، بل يستحبُّ أربع ركعات.
стр. 198
(وسن قراءةُ سورةِ الكهفِ في يومها) أي الجمعة. قال ﷺ : "من قرأ سورة الكهفِ في يومِ الجمعةِ أو ليلتها وُقي فتنة الدجال" (١) وفي رواية "من قرأ سورةَ الكهفِ في يوم الجمعةِ أضاءَ له من النور ما بين الجمعتين" (٢).
(و) يسن (أن يقرأ في فجرِها) في الركعةِ الأولى بعد الفاتِحَةِ (آلم السّجْدة، وفي) الركعة (الثانية: هَلْ أَتَى) عَلَى الإِنْسَانِ حينٌ مِنَ الدّهْر، بعد الفاتحة. قال الشيخ: لتضمنهما (٣) ابتداءَ خلق السموات والأرض، وخَلْقِ الإِنسانِ، إلى أن يدخل الجنةَ أو النار.
(وتكره مداومتُه عليهما) أي على هاتين السورتين في فجر يوم الجمعة، قال جماعة: لئلا يُظَنُّ الوجوب.
قال الشيخ: ويكره تحرّيهِ قراءة سجدةٍ غيرِها.
والسنة إكمالها.
وتكره القراءةُ في عشاءِ ليلةِ الجمعةِ بسورة الجمعةِ. زاد في الرعاية: والمنافقين.
стр. 199
باب صَلَاة العيدَيْن وَصفتهَا
وسُمِّي عِيداً لأنه يعودُ ويتكرّر.
(وهي) أي صلاة العيدين (فرضُ كفاية)، إذا اتّفق أهل بلدٍ على تركِها قاتَلَهُم الإِمام، لأنها من شعائِرِ الإِسلام الظاهرة.
(وشروطها) أي صلاة العيدين (كـ) شروط (الجمعة،) من استيطانٍ، وعَدَدٍ، (ما عدا الخطبتين) فإنهما في العيد سنّة.
(وتسن بالصحراء) (١) إذا كانت قريبةً عرفاً. وكُرِهَ أن تصلَّى بالجامِعِ داخلَ البَلَدِ بغيرِ مكّةَ، إلا لعذرٍ، كمرضٍ ونحوه.
(ويكره النَّفْلُ قبلَها وبعدَها) في موضِعِها، وقضاء فائتةٍ (قبل مفارقَةِ المصلَّى) إماماً كان أو مأموماً، في صحراءَ فُعِلَتْ أو في مسجد. ولا بأسَ بالتنفّل إذا خَرَجَ أو فارقَهُ ثم عاد إليه. وقضاء الفائتة أَوْلى، لوجوبها.
(ووقتها) أي وقت صلاة العيد (كـ) وقت (صلاة الضّحى)، وهو من خروجِ وقتِ النهي إلى قُبَيْلِ الزوال.
(فإن لم يعلم بالعيد إلا بعد الزوالِ صلَّوا) العيد (من الغد)،
стр. 200
وتكون (قضاءً)، وكذا لو مضى أيامٌ.
(وسُنَّ تبكير المأموم) إلى صلاة العيد، ليحصل له الدنوّ من الإِمام، وانتظارُ الصلاة، فيكثرُ ثوابه، بعد صلاة الصبح (١).
(و) سنّ (تأخيرُ الإِمام إلى) دخول (وقتِ الصلاةِ) لأن الإِمام ينتظره الناسُ، ولا ينتظر هو أحداً.
(و) سن لمن صلى العيد (إذا ذهب في طريق يرجع من أخرى) غيرِ طريق غدوّه، ليشهد له الطريقان، أو لمساواتِهِ لهما في التبرك بمروره، أو سرورِهما برؤيته، أو لزيادةِ الأجرِ بالسلام على أهل الطريق الأخرى، أو لتحصل الصدقَة على الفقراء من أهل الطريقين.
(وكذا الجمعة) قال في شرح المنتهى: فينبغي طرده في غير العيدين.
(وصلاة العيدين ركعتان: يكبّر في) الركعة (الأولى بعد تكبير الإِحرام) وبعد الاستفتاح (وقبل التعوّذ، ستًّا) أي ستَّ تكبيرات زوائد، (وفي) الركعة (الثانية) بعد القيامِ من سجوده (قبلَ القراءةِ خمساً) أي خمسَ تكبيراتٍ زوائد، (يرفَعُ) المصلي (يديه مع كل تكبيرة، ويقول بينهما) أي بين كل تكبيرتين: ("الله أكبرُ كبيراً. والحمدُ لله كثيراً، وسُبْحَانَ الله) وبحمدِهِ (بكرةً وأصيلا. وصلَّى اللهُ على محمدٍ النبيِّ الأمّيّ وعلى آله وسلم تسليماً كثيراً").
وإن أحب قال غير ذلك من الأذكار، لأنّ الغَرَضَ الذكرُ بعد التَّكَبير، لا ذكرٌ مخصوص.
(ثم يستعيذ) عقب السادِسَةِ بلا ذكرٍ بعد التكبيرة الأخيرة في الركعتين، لأن الذِّكْرَ إنما هو بين التكبيرتين.
стр. 201
(ثم يقرأ جهراً الفاتحةَ، ثم سبحِ) اسمَ ربكَ الأعلى (في) الركعة (الأُولى، و) سورة (الغاشيةِ) بعد الفاتحة (في) الركعة (الثانية).
[خطبتا العيد]
(فإذا سلم) الإِمام من الصلاة (خطبَ خطبتين).
(وأحكامهما) أي أحكام هاتين الخطبتين (كخطبتي الجمعة) في جميعِ ما تقدم في خطبتي الجمعة، حتى في تحريم الكلامِ حالَ الخطبة. (لكن يسنُّ) للخطيب (أن يستفتح) الخطبةَ (الأُولى بتسعِ تكبيراتٍ) نَسَقاً، (و) الخطبةَ (الثانيةَ بِسَبْعٍ) نَسَقاً، قائماً كسائِرِ أذكار الخطبة.
(وإن صلى العيدَ كالنافلة صحّ، لأن التكبيراتِ الزوائدَ والذكر بينهما) والخطبتين سنّة، لأنّه ذكر مشروعٌ بين التحريمِ والقراءةِ، أشبهَ دعاءَ الاستفتاح. فعلى هذا لو نَسِيَهُ. فلا سجودَ للسهوِ في الأصحّ، (و) لأن (الخطبتين سُنَّةٌ) ولو وجَبَتَا لوجبَ حضورُهما.
[قضاء صلاة العيد]
(وسُنَّ لمن فاتَتْهُ) صلاةُ العيدِ مع الإِمام (قضاؤُها) في يومها على صفتِها (ولو بعدَ الزوال) كمُدْرِكِ الإِمام في التشهد.
فصل [في التكبير في أيام العيدين]
(يسن التكبير المطلق) وهو الذي لم يُقَيَد بكونه عَقِبَ المكتوبات، (والجهرُ به) [لـ] غير أنثى (في ليلتي العيدين) في البيوتِ والأسواقِ والمساجدِ وغير ذلك.
стр. 202
وتكبيرٌ في عيد فطر آكَدُ. للآية (١) (إلى فراغِ الخطبةِ).
(و) سن التكبير المطلقُ أيضاً (في كلِّ عشر (٢) ذي الحجة). (والتكبيرُ المقيَّد في الأضحى عقبَ كلِّ فريضةٍ صلاها في جماعةٍ) حتّى الفائِتَةِ في عامِ ذلكَ العيدِ، إذا صلاّها جماعةً (من صلاة فجرِ عرفَةَ إلى عصرِ آخِرِ أيامِ التشريق) ويستثنى من ذلك صورةٌ أشار إليها بقوله (إلا المُحْرِمَ فـ) إنه (يكبِّر) بعد المكتوباتِ (من صلاةِ ظُهرِ يَوْمِ النَّحْر) إلى آخر أيامِ التشريق، لأن التلبية تُقْطَعُ برمي جمرة العقبة.
وأيامُ التشريقِ هي حادي عشر ذي الحجةِ، وثاني عشره، وثالث عشره. ومسافرٌ ومميّزٌ كمقيمٍ وبالغٍ، وخنثى كذكر (٣).
(ويكبر الإِمام مستقبلَ الناسِ) يعني أن الإِمامَ إذا سلّم من المكتوبة التفت إلى المأمومين، ثم كبَّر.
ومن نسيه بعد سلامِه قضاه إذا ذكره مكانه. فإذا قام وذَهَبَ عادَ فَجَلَسَ، ما لم يُحْدِثْ، أو يخرجْ من المسجد، أو يَطُلِ الفصل بين سلامِهِ وتذكُّرِه.
(وصفته) أي صفة التكبير (شفعاً: الله أكْبر اللهُ أكْبرُ، لا إله. إلا الله. والله أكبرُ الله أكبر ولله الحمد) لأنه ﷺ كان يقوله كذلك (٤).
[التهنئة في العيدين]
(ولا بأس بقوله) أي قول المصلي (لغيره) من المصلين (تقبَّل اللهُ منَّا ومنكَ.)
стр. 203
[الأيام العشر]
ويستحبُّ الاجتهاد في عملِ الخيرِ أيامَ عشر ذي الحجة، من الذكر والصيامِ والصدقةِ وسائرِ أعمالِ البرّ، لأنها أفضلُ الأيام، لحديث "ما من أيامٍ العملُ الصالحُ فيها أحبُّ إلى الله تعالى من عشرِ ذي الحجة." (١)
стр. 204
باب صَلَاة الكُسُوف
وهو ذهاب ضوء (١) أحد النيِّريْنِ أو بعضِهِ.
(وهي) أي صلاةُ الكسوف، (سنَّة) مؤكدة حتى سفراً.
والكسوفُ والخسوفُ بمعنى واحدٍ. وقيل: الكسوفُ للشمسِ والخسوفُ للقمر. وقيل: الكسوف تغيّرهما والخسوف تغيُّبُهمَا.
(من غير خطبة.) قال في الفروع: ولا تُشْرَعُ خطبةٌ وفاقاً لأبي حنيفة ومالك.
(ووقتُها) أي وقت صلاة الكسوفِ (من ابتداءِ الكسوفِ إلى ذهابِهِ) أي الكسوف.
(ولا تقضى) صلاةُ الكسوف (إن فاتت) لأن القصد عَوْدُ نورِ المكسوف، وقد عاد كاملاً، ولأنها سنةٌ غير راتبة، ولا تابعةٌ لفرض فلم تقض كاستسقاءٍ، وتحيةِ مسجدِ، وسجود شكر، لفوات محله.
وفعلها جماعةً بمسجدٍ أفضلُ.
وللصبيان حضورُهَا.
(وهي) أي صلاة الكسوف (ركعتان: يقرأ في الركعة الأولى) منها
стр. 205
(جهراً الفاتحةَ وسورةً طويلةً،) من غيرِ تعيين، (ثم يركع) ركوعاً (طويلاً،) فيسبّح، قال جماعةٌ: نحوَ مائةِ آيةٍ، (ثم يرفع فيسمِّع)، أي يقول: "سمع الله لمن حمده" (ويحمِّد) أي يقول: "ربّنا ولك الحمد" (ولا يسجد، بل يقرأ الفاتحةَ) أيضاً، (وسورةً طويلة) دون الطول الأوّل في القيام، (ثم يركعُ) فيطيلُ، وهو دونَ الركوعِ الأول، (ثم يرفع) فيسمِّع ويحمِّد (ثم يسجد سجدتين طويلتين).
(ثم يصلّي) الركعةَ (الثانيةَ كـ) الركعةِ (الأولى) في كونها بركوعين طويلين، وسجدتينِ طويلتين، لكن دون الأولى في كلِّ ما يفعل. (ثم يتشهَّد ويسلّم.)
ولا تعادُ إن فرغَتْ قبل التجلّي، بل يذكر ويدعو. وإن تجلَّى فيها أتمَّها خفيفة.
(وإن أتى) في صلاة الكسوف (في كل ركعةٍ بثلاثة ركوعات أو أربعة أو خمسة (١) فلا بأس) أي لا حرج في ذلك لا يزيد على خمسة ركوعاتٍ في كلِّ ركعةٍ، ولا على سجدتين فيها، لأنه لم يرد به نص والقياس لا يقتضيه (٢).
(وما بعد) الركوع (الأول) من كل ركعةٍ (سنّةٌ) كتكبيرات العيد (لا تُدرَكُ به الركعة) ولا تبطل الصلاة بتركِهِ.
(ويصح أن يصليها كالنافلة)، ويحمل النصُّ بالركوع الزائد على الفضيلة.
[صلاة الآيات]
ولا يصلَّى لآيةٍ غيرِ الكسوف. كظلمةٍ نهاراً وضياءٍ ليلاً، وريحٍ شديدة، وصواعقَ، إلاَّ لزلزلةٍ دائمةٍ.
стр. 206
باب صَلَاة الاستسقاء
وهو الدعاءُ بطلبِ السُّقْيَا على صفةٍ مخصوصة.
(وهي) أي صلاة الاستسقاء (سنَّةٌ) مؤكدةٌ حتى سفراً إذا أضرَّ الناسَ إجدابُ أرضٍ، أو قحطُ مطرٍ، أو غورُ ماءِ عيونٍ أو أنهارٍ.
(ووقتُها) أي وقت صلاة الاستسقاءِ (وصفتُها) في موضِعها (وأحكامِها كصلاةِ العيدِ.) فعُلِمَ منه أنها تُفعل في وقتِ صلاةِ العيد.
(وإذا أراد الإِمامُ الخروجَ لها) أي لصلاةِ الاستسقاءِ (وَعَظَ الناسَ) أي ذكرهم بما يلين قلوبَهُمْ من الثَّوابِ والعِقابِ، وخوَّفهم بالعواقِب، (وأمرَهُمْ بالتوبةِ) من المعاصي، أي الرجوع عنها (والخروجِ من المظالمِ) بأن يردَّ من عندَه مظلمةٌ لمستحقِّها، وذلك واجبٌ في كل وقتٍ، ولأنّ المعاصي سَببٌ القحطِ، والتقوى سببُ البركاتِ. وأَمرَهُمْ بتركِ التَّشاحُنِ، والصدقةِ، والصوم. ولا يلزَمان بأمرِهِ. ويَعِدُهم يوماً يخرجون فيه.
(ويتنَظَّفُ لها) أي لصلاةِ الاستسقاء بإزالةِ الرائحةِ الكريهةِ، وتقليمِ الأظفار، لئلا يؤذي الناسَ يوم يجتمعون. (ولا يتطيبُ) لأنه يوم استكانةٍ وخضوع.
(ويخرج) الإِمام كغيرِهِ (متواضعاً متخشّعاً) أيْ خاضِعاً (متذلِّلاً)
стр. 207
والذلّ: الهوانُ (متضرّعاً) أي مستكيناً (١) (ومعه أهلُ الدينِ والصَّلاحِ، والشيوخُ،) لأنه أسرع لإِجابةِ دعائِهِمْ.
وسُنَّ خروجُ صبي مميّزٍ (ويباحُ خروج (٢) الأطفالِ) الذين لم يميّزوا (والعجائِزِ والبهائِمِ) لأنَّ الرِّزْقَ مشتَرَكٌ بينَ الكُلِّ.
(و) يباحُ (التوسُّل بالصالحينَ) (٣) وقد استسقى عمرُ بالعباسِ، ومعاويةُ بيزيدَ بنِ الأسود. قال في المبدعِ: يستحبُّ الاستسقاءُ بمنْ ظَهَرَ صلاحُه لأنه أقرب إلى الإِجابة.
(فيصلي) ركعتين، يأتي فيهما بالتكبيرات الزوائِدِ كصلاة (٤) العيد.
(ثم يخطبُ خطبةً واحدةً) على الأصحّ، (يفتَتِحُهَا بالتكبير، كخطبةِ العيدِ) وعنه يفتتحُها بالحَمْدِ. (ويكثِر فيها الاستغفارَ) لأنَّه سبَبٌ لنزولِ الغيث (و) يكثر فيها أيضاً (قراءةَ آياتِ فيها الأمْرُ به) أي بالاستغفار، كقوله تعالى: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾.
(ويرفعُ يديهِ) في الدعاءِ (وظهورُهما نحوَ السَّماءِ) لحديثٍ رواه مسلم (فيدعُو بدعاءِ النبي ﷺ ) وهو "اللهُم اسْقِنَا غيثاً مُغيثاً هنيئاً مريئاً غَدَقاً مجلِّلاً سحًّا عامًّا طبقاً دائماً. اللَّهُم اسقِنا الغَيْثَ ولا تجعلْنا من القانِطِين. اللهم سُقْيَا رحمةٍ لا سُقْيَا عذابِ ولا بلاءٍ ولا هدْمِ ولا غرقٍ. اللهُمَّ إنَّ بِالعِبَادِ والبلادِ من اللأواءِ والجُهْدِ والضَّنْكِ ما لاَ نشكوه إلا إليك. اللهُمَّ أَنبِتْ لنا الزرعَ، وأَدِرَّ لنا الضَّرْعَ، وأَسْقِنَا من بركاتِ السماءِ، وأَنْزِلْ علينا من بركاتِك. اللهُمَّ ارفعْ عنا الجَهْدَ والجُوعَ والعُرْيَ، واكشِفْ عنا من البَلَاءِ ما لا يكشِفُة أحدٌ غَيْرُكَ. اللَّهُمَّ إنّا
стр. 208
نستغفرك إنَّكَ كنتَ غفّاراً، فأرسْلِ السماءَ علينا مدراراً" ويكثر من الدعاء.
(ويؤمِّن المأمومُ) على دعاءِ الإِمام.
ولا يكره قوله: "اللهُمَّ أَمطِرْنَا" (١) ذكره أبو المعالي.
[قلب الرداء]
(ثم يستقبل الإِمامُ القِبْلَةَ) استحباباً (في أثناءِ الخطبة) قال النووي: فيه استحبابُ استقبالِها للدعاء. وُيلْحَقُ به الوضوء، والغُسلُ، والتيمُّمُ، والقرآنُ، وسائرُ الطاعات إلا ما خرج بدليلٍ، كالخطبة (٢) (فيقول سراً: "اللهُمَّ إنَّكَ أمرْتَنَا بدعائِك، ووعدتنا إجابَتَكَ. وقد دعونَاكَ كما أَمرْتَنَا فاستجبْ لنا كما وعدتنا") لأن في ذلك استنجازاً لما وَعَدَ من فضلِه، حيث قال: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾.
وإن دعا بغيرِ ذلك فلا بأس.
(ثم يحوِّل) الإمام (رداءَهُ فيجعلُ الأيمنَ على الأيْسَرِ والأيْسَرَ على الأيْمن).
(وكذا الناس) يُسَنُّ لهم أن يحوْلُوا أرْدِيَتَهمْ كالإِمام.
(ويتركونَهُ حتى ينزعوهُ مع ثيابهمْ) لأنه لم ينقَلْ عن النبيّ ﷺ ، ولا عن أحدٍ من أصحابهِ أنه غَيّر رداءَه.
[تكرار صلاة الاستسقاء]
(فإن سُقُوا) في أول مرة فذلك فضلٌ من الله ونعمة، (وإلا) أي
стр. 209
وإنْ لم يُسْقُوا في أوّلِ مرة (عادوا ثانياً و) كذا يعودون (ثالثاً) إن لم يُسْقُوا ثانياً، لأن ذلك أبلغُ في التضرُّع.
وإن سُقُوا قبل خروجِهم فإن كانوا تأهَّبُوا للخروجِ خَرجُوا وصلَّوْا صلاةَ الاستسقاءِ شكراً، وإنْ لم يكونوا تأهّبوا للخروج لم يخرجُوا، وشكروا الله تعالى، وسألوه المزيد من فضله.
[ما يسن لنزول المطر]
(ويسنُّ الوقوف في أوّل المَطَرِ، والوضوءُ) منه (والاغتسالُ منه، واخراجُ رحله) وهو ما يَسْتَصْحِبُ من الأثاث (وثيابِهِ، ليصيبها) الماء، لما رُوِيَ أنه ﷺ كان يقول إذا سال الوادي: "اخرُجوا بنا إلى هذا الذي جعلَهُ الله لنا طهوراً فنتطهَّرَ به" (١)
(وإن كثُر المطر حتى خيفَ منه سُنَّ قول: "اللهُمَّ حوالَيْنَا ولا عَلَيْنَا اللهُم على الآكامِ) بفتح الهمزة (٢) وهي ما علا من الأرض ولم يبلغ أن يكون جبلاً، وكان أكثرَ ارتفاعاً مما حوله. وقال مالك: الآكامُ الجبال الصغار. وقال الخليل: وهي حجرٌ واحد (٣) (والظّرابِ) هي الرابية الصغيرة (وبطونِ الأودية) الأماكنُ المنخفضة (ومنابِتِ الشجر) أصولُها لأنه أنفعُ لها (ربنَا ولا تحمِّلْنا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ) أي لا تكلفنا من الأعمال ما لا نطيق. وقيل: هو حديثُ النَّفْسِ والوسوسة. وقيل: العِشْقُ. وقيل: شماتة الأعداء. وقيل: هي الفِرقةُ والقطيعة، نعوذ باللهِ من جميع ذلك
стр. 210
(الآية ﴿وَاعْفُ عَنَّا﴾ أي تجاوز وامحُ عنا ذنوبنا ﴿وَاغْفِرْ لَنَا﴾ أي استُرْ علينا ذنوبَنَا ولا تفضحنا ﴿وَارْحَمْنَا﴾ فإننا لا ننال العمل إلا بطاعتك، ولا نتركُ معاصيَك إلا برحتمك إيانا ﴿أَنْتَ مَوْلَانَا﴾ وسيدنا ومتولي أمورنا ﴿فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ بإقامةِ الحجةِ والغلبةِ في قتالِهِمْ فإن من شأن المولى أن ينصر مواليه على الأعداء.
(وسن) لمن أغيثَ بالمطر (قول: "مُطِرْنَا بفضل الله وَرَحْمَتِهِ" ويحرم) أن يقول: "مطرنا (بنوءِ) أي كوكب (كذا") لما روى مسلمٌ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه مرفوعاً "ألم تَرَوْا إلى ما قال ربُّكم؟ قال: ما أنْعَمْتُ على عبدي من نعمةٍ إلا أصبحَ فريقٌ بها كافرين، يقولون: الكواكَبُ كَذَا وكذا" والنَّوْءُ النجم مال للغروب. قاله في القاموس (١).
(ويباح) أن يقول: مُطِرْنَا (في نوء كذا) خلافاً للآمدي.
ومن رأى سحاباً، وهبَّتْ ريحٌ، فليسأل الله تعالى خيرَهُ، ويتعوذْ به من شره.
ولا يسبُّ الريحَ إذا عصفتْ، بل يسألُ الله تعالى خيرَها وخير ما أُرْسِلَتْ به، ويتعوذ به من شرها وشر ما أرسلت به.
فائدة: روى أبو نعيم في الحلية بسنده عن أبي زكريا، قال: "من قال: سبحان الله وبحمده، عند البرق، لم تصبه صاعقة".
стр. 211
كتَاب الجَنَائز
بفتح الجيم جمع جِنازة، بكسرها، والفتح لغة. وقيل: بالفتح للميت، وبالكسر اسم للنعش عليه ميت. ويقال عكسه. فإن لم يكن ميتٌ فلا يقال: نعشٌ، ولا جنازة، إنما يقال: سرير.
(يسن الاستعداد للموت) بالتوبةِ من المعاصي والخروجِ من المظالم (والإِكثار من ذكره) لقوله ﷺ : "أكْثِروا من ذِكْرِ هَاذِمِ اللذّاتِ" (١).
(ويكره الأنين) لأنه يترجِمُ عن الشكوى المنهيّ عنها (٢)، ما لم يغلبه.
ويستحب للمريض الصبرُ على المرض، والرضا بقضاء الله تعالى.
[تمني الموت]
(و) يكره (تمنِّي الموت) نزل به ضُرّ، أو لم ينزل، ويستثنى من
стр. 212
ذلك حالتان لا يكره تمنيه فيهما:
أشار للأولى بقوله: (إلا لخوفِ فتنةٍ) في دينِهِ، لقوله ﷺ : "وإذا أردْتَ بقومٍ فتنةً فاقبضني إليك غيرَ مفتونٍ" (١).
الحالة الثانية: تمنّي الشهادة، لا سيّما عند حضور أسبابها، فتستحبّ، لما في الصحيح "مَنْ تمنَّى الشهادةَ خالصاً من قلبِه أعطاه الله منازلَ الشهداءِ" (٢).
[عيادة المريض]
(وتسنّ عيادَةُ المريضِ المسْلِمِ) ونصه "غير المبتدع" كرافضيّ، ومن يَجْهَرُ بالمعصية، من أوّل مرضِه.
قال في الإِقناع: وظاهره: ولو من وجع ضرسٍ، ورمَدٍ، ودُمَّلٍ، خلافاً لأبي المعالي وابن المَنْجَا. قال: ثلاثةٌ لا تعاد ولا يسمّى صاحبها مريضاً: الضَّرس، والرمَد، والدُّمَّل.
وتحرُم عيادة الذميّ.
ولا يجبُ التَّداوي، ولو ظُنَّ نَفْعُهُ، وتركُه أَفْضَل (٣).
[تلقين المحتضر وما يصنع به]
(و) سنّ (تلقينه) أي المريض المنزول به (عند موته) قول (لا إله إلا الله) لما روى مسلمٌ عن أبي سعيد مرفوعاً "لقِّنُوا مَوْتَاكُم: لا إله إلا
стр. 213
الله"، وعن معاذٍ مرفوعاً "من كان آخرُ كلامِهِ: لا إله إلا اللهُ، دَخَلَ الجنة" رواه أحمد (١).
ويلقَّنُ (مَرةً) نقله مُهنَّا. واختار الأكثر: ثلاثاً (ولم يَزِدْ إلاَّ أنْ يتكلّم) قال في الإِنصاف: قال في مجمع البحرين: المنصوص أنه لا يزيد على مرة، ما لم يتكلمْ. وإنما استُحِبَّ تكرار الثلاثِ إذا لم يُجِبْ أوّلاً، لجوازِ أن يكون ساهياً، أو غافلاً. وإذا كرر الثلاثَ عُلِمَ أن ثَمَّ مانعاً. انتهى.
(و) سنَّ (قراءةُ الفاتحةِ، و) قراءةُ سورة (يس) عند من نُزِلَ به، لأن قراءةَ ذلك تُسَهِّل خروج الروح.
(و) سن (توجيهُهُ) إلى القبلة على جنبه الأيمنِ مع سِعةِ المكانِ، وإلا) أي وإن لم يمكنْ توجيهُهُ لضيقِ المكان (فعلى ظهرِهِ) أي فيلقى على قفاه، وأخْمَصاهُ إلى القبلة، كالموضوعِ على المُغْتَسَل. زاد جماعة: وُيرفعُ رأسَه قليلاً ليصيرَ وجهه إلى القبلة.
فائدة: ينبغي للمريض أن يستحضرَ في نفسِهِ أنه حقيرٌ من مخلوقاتِ الله تعالى، والله غنيٌّ عن عباداتِه، وطاعاتِه، وأنّه لا يطلبُ العفوَ والإِحسانَ إلا منه، وأنه أكرمُ الأكرمين، وأرحمُ الراحمين، وأن يكثرَ ما دامَ حاضرَ الذهنِ من قراءةِ القرآنِ، ويشكرَ الله تعالى بقلبِه ولسانِه، وأن يبادِرَ إلى أداء الحقوق إلى أهلها، بردّ المظالم، والودائع، والعواري، واستحلالُ أهلِهِ من والدٍ، وزوجةٍ، وأولادٍ، وغلمانٍ، وجيرانٍ، وأصحابٍ، وكلِّ من كان بينُهُ وبينه معاملة أو تعلُّقٌ في شيء، ويحافظَ على الصلواتِ الخمسِ واجتنابِ النجاساتِ، ويصبر
стр. 214
على مشقة ذلك، ويحذِّر نفسَهُ من التساهُل في ذلك، فإنّ من أقبح الأمورِ أن يكونَ آخِرُ عمرهِ وخروجِه من الدنيا التي هي مزرعةٌ للآخرةِ مفرّطاً فيما وجب عليه، أو نُدِبَ إليه، وأن يتعاهد نفسَهُ بتقليم أظفاره، وأخذِ شعرِ شاربِه، وإبطِهِ، وعانَتِهِ، وأن يعتمدَ على اللهِ تعالى فيمن يحب من بنيه وغيرِهم، ويوصي للأرْجَحِ في نظره.
(فإذا ماتَ سُنَّ تغميضُ عينيهِ) ويباحُ من مَحْرمٍ ذكرٍ أو أنثى. ويكرَهُ من حائضٍ وجُنُبِ وأن يَقْرَباهُ.
(و) سنّ (قولَ: "بسم الله وعلى وفاةِ رسولِ اللهِ) ﷺ "لما روى البيهقيّ عن بكرِ بن عبد الله المزنيّ، ولفظه: "وعلى ملّةِ رسولِ الله".
وسنَّ شَدُّ لَحْيَيْهِ بعصابة، وتليينُ مفاصله، بأن يردّ ذراعيِه إلى عَضُدَيْهِ، ثم يردهما، ويردّ أصابعَ يديهِ إلى كفَّيْهِ، ثم يبسطهما، ويردُّ فخذيه إلى بطنِه، وساقيه إلى فخذيه، ثم يمدُّهما. والمقصود منه السهولةُ في الغسلِ.
(ولا بأسَ بتقبيلِهِ والنظر إليه) ممن يباحُ له ذلك حال حياته (ولو بعدَ تكفينه.)
فصل في غسل الميت
(وغَسْل الميتِ) مرةً واحدةً، أو تيممُه لعذرٍ، كخوفٍ عليه من تقطع وتهرٍّ، كالمحترقِ والمسمومِ، ونحوهم (فرضُ كفايةٍ) إجماعاً، على كلِّ من عُرِفَ به وأمكنَهُ.
وهو من حقوق الله تعالى الواجبةِ للِإنسان المسلم بعدِ موتِهِ، حتى ولو وصّى بإسقاطه. قال في التنقيح: وغسلُه فرضُ كفايةٍ، ويتعيّن مع
стр. 215
جنابةٍ أو حيضٍ. ويسقطانِ به. انتهى. فيحمل كلام المنقّح على أن الغسلَ تعيَّنَ على الميِّتِ قبل موتِهِ ثم مات. وأنَّ الذي يتولى غسلَه يقومُ مقامَه في ذلك، ويكونُ ثوابُهُ كثوابِهِ.
(وشُرِطَ) بالبناء للمفعولِ، لصحةِ غسلِهِ (في الماء الطهوريَّةُ) كسائر الطهاراتِ (والإِباحةُ) كباقي الأغسال.
(و) شُرِطَ (في الغاسِلِ الإِسلام) فلا يصح من كافرٍ، والمرادُ: غيرَ نائبِ مسلمٍ نَوَاه، (والعقلُ) لأن غير العاقلِ ليس أهلاً للنية، (والتمييزُ) لا البلوغُ، لصحةِ غسلِ المميِّز لنفسِهِ.
(والأفضل) أن يُخْتارَ لغسل الميت (ثقةٌ عارفٌ بأحكامِ الغَسْل) ونَقَل حنبلٌ: لا ينبغي إلا ذلك، وأوجبَهُ أبو المعالي ولو جُنُباً أو حائضاً.
(والأوْلى به) أي الغسل (وصيُّهُ العدلُ،) عمومُهُ يتناول ما لو وصّى لامرأتِهِ. وهو مقتضى استدلالِهِم بأن أبا بكر رضي الله تعالى عنه وصَّى لامرأتِهِ، فغسّلته. وكذا لو وصَّتْ لزوجها. ولعل المرادَ الاكتفاءُ بالعدالةِ الظاهرة.
وتعتبر العدالة أيضاً في غير الوصيّ، لعدم الفرق، أو فيه وحدَه.
والأوْلى بعد وصيِّه العدلِ أبوهُ وإن علا، ثم الأقربُ فالأقربُ، كالميراث.
(وإذا شَرَع) الغاسل (في غسله سَتَر عورتَهُ وجوباً) وهي ما بين سرَّةٍ وركبةٍ إلا منْ دونَ سبعٍ، ثم جَرَّدهُ من ثيابِه ندباً. (ثم يلفُّ على يدِه خرقةٌ فينجِّيهِ) أي يمسح مخرجَه (بها) أي بالخرقة. (ويجبُ غسلُ ما بِهِ) أي الميت (من نجاسةٍ) لأن المقصودَ بالغَسْلِ تطهيرُه حَسَبَ الإِمكان.
(ويحرم مسُّ عورةِ من بلغَ سبعَ سنينَ) لأن التطهيرُ يمكنُ بدونِ مسٍّ، فأشْبَهَ حال الحياةِ.