فرض عين، والجهاد فرضُ كفاية، وفرضُ العينِ يقدَّم. فأما إن كانا غير مسلمين فلا إذن لهما. وكذا إن كانا رقيقين، على الأصح. وكذا إن كانا مجنونين، لا رضا جدٍّ وجدةٍ.
[حكم الرباط]
(ويسن الرباط) في سبيل الله تعالى، (وهو لزوم الثَّغْر) والثغرُ كل مكان يخيفُ أهله العدو أو يخيفهم (للجهاد).
(وأقله) أي الرباط (ساعة) قال أحمد: يَوْمٌ رباطٌ، وليلةٌ رباطٌ، وساعةٌ رباط. (وتمامُهُ أربعونَ يوماً) روي عن ابن عمر: تمامُ الرباطِ أربعونَ يوماً. رواه أبو الشيخ في كتاب الثواب.
(وهو) أي الرباط (أفضلُ من المُقَام بمكة) والصلاة بها أفضل من الصلاة بالثغر.
(وأفضله ما كان أشدَّ خوفاً) لأن مقامه به أنفع.
[حكم الفرار من الزحف]
(ولا يجوز للمسلمين الفرار من) كفارٍ (مثليهم، ولو) كان الفار (واحداً من اثنين) كافرين، ولو مع ظن تلفٍ، إلا متحرفِينَ لقتالٍ، أو متحيِّزينَ إلى فئةٍ. (فإن زادوا) أي زاد الكفار (على مثليهم) أي على مثلي المسلمين (جاز) للمسلمين الفرار.
[الهجرة]
(والهجرةُ واجبةٌ) وهي الخروج من دار أهل الكفر إلى دار أهل الإسلام (على كل من عجز عن إظهار دينه بمحلٍّ يغلب فيه حكم الكفر أو البدع المضلة) كالرَّفْضِ والاعتزال، لأن القيام بأمر الدين واجب
стр. 317
على القادر، والهجرةُ من ضرورة الواجب وتتمته، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. ومحل الوجوب إن قدر (فإن قدر على إظهار دينه) في المحل الذي يغلبُ فيه حكم الكفر والبدع المضلة (فـ) الهجرة في حقه (مسنونة).
فصل [في الأسرى]
(والأسارى من الكفار على قسمين):
(قسمٌ يكون رقيقاً بمجرد السبْيِ، وهم النساء والصبيان) والمجانين، من كتابيٍّ وغيرهم.
(وقسمٌ: لا، وهم الرجال البالغون المقاتلون. والإِمام فيهم مخيَّرٌ) تخييرَ مصلحةٍ واجتهادٍ في الأصلح، لا تخييرَ شهوةٍ (بين قتلٍ) لعموم قوله تعالى: ﴿اقْتُلوا اُلمْشْرِكِين﴾، (ورقٍّ) لأنه يجوز إقرارهم على كفرهم بالجزية، فبالرّق أولى، لأنه أبلغ في صَغَارِهِمْ، (وَمَنٍّ) لقوله تعالى: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ (وفداءٍ بمالٍ) للآيةِ الشريفةِ أو بأسيرٍ مسلمٍ) لأنه ﷺ فدى رجلينِ من أصحابِهِ برجلينِ من المشركِينَ، من بني عُقَيْل. رواه أحمد والترمذي.
(ويجب عليه فعلُ الأصلح) من هذه الأمور المذكورة.
(ولا يصحُّ بيع مستَرقٍّ منهم) أي من الأسارى (لكافرٍ) ولو كان المسَتَرقُّ كافراً على الأصحّ.
(وُيحْكَمُ بإسلامِ من لم يبلغ) من السبْيِ (من أولادِ الكفارِ عند وجودِ أحدِ ثلاثةِ أسبابِ):
(أحدها: أن يسَلم أحد أبويه خاصَّةً) أو اشتبَهَ ولدُ مسلمٍ بولدِ
стр. 318
كافرٍ، فَيُحْكَم بإسلامِ ولدِ الكافر، ولا يُقْرَعُ، لئلا يقع ولد المسلم للكافر.
(الثاني: أن يُعْدَمَ أحدهما بدارنا) كزنا ذمِّيَّةٍ ولو بكافرٍ، فتأتيَ بولد، فالولد مسلم، نصًّا.
(الثالث: أن يسبيه مسلمٌ منفرداً عن أحَدِ أبويِهِ) لأنّ الدينَ إنما يثبتُ له تبعاً، وقد انقطعتْ تبعيته لأبويه لانقطاعِهِ عنهما، وإخراجِه عن دارِهِمَا، ومصيرِه إلى دار الإِسلام تبعاً لسابيه المسلم، فكان تابعاً له في دينه.
(فإن سباه ذمّيٌّ فعلى دينه.) قال في الإِنصاف: لو سبى ذميّ حربيًّا تَبعَ سابِيَهُ حيث يتبعُ المُسْلِمَ، على الصحيح من المذهب (أو سُبِيَ) حال كونه (مع أبويه، فعلى دينهما) وملكُ السابي له لا يمنع اتباعَة لأبويْهِ في الدينِ، بدَليل، ما لو ولد في ملكه من عبده وأمته الكافرين.
فصل [السلب للقاتل]
(ومن قتلَ قتيلاً) أو أثْخَنَهُ (في حالةِ الحربِ فَلَهُ) أي المسلمِ (سَلَبُهُ) وكذا لو قَطَعَ مسلم من أهل الجهاد أربعةَ كافرٍ (١) فإنه يستحق سَلَبَهُ دون قاتِلهِ، لأن القَاطِعَ هو الذي كفى المسلمين شره.
(وهو) أي السَّلَبُ (ما) كان (عليه) أي على الكافر المقتول (من ثيابٍ وحليٍّ وسلاحٍ، وكذا دابَتُهُ التي قاتَلَ عليها وما) أي والذي (عليها)
стр. 319
أي فيكون له ما كان لابِسَهُ من ثيابٍ وعمامةٍ وقلنْسوَةٍ ومِنْطِقَةٍ ودرعٍ ومِغْفَرٍ وبَيْضَةٍ وَتَاجٍ وَأَسْوِرَةٍ ورانٍ وخفٍّ، (وأما نفقته) أي المقتول (ورحلُهُ وخيمَتُه وجَنِيبُهُ) لدابتِهِ التي لم يكن راكبَها حال القتال (فغنيمةٌ.)
ويجوز سَلْبُ القتلى وتركُهْمُ عراةً.
تنبيه: يكره التلثُّم في القتال على أنفٍ لا لُبْسُ عمامةٍ كريشِ نَعامً.
[قسمة الغنائم]
(وتقسم الغنيمة بين الغانمين) الذين شهدوا الوقعة (فيعطى لهم أربعةُ أخماسِها: للراجِلِ) ولو كان كافراً (سهمٌ، وللفارِسِ على فرسٍ هجينٍ) وهو ما أبوه فقط عربيٌّ، أو مقرفٍ، وهو ما أمُّه فقط عربية، أو بِرْذَوْنٍ، وهو ما أبواه نبطيان (سهمان؛ و) للفارِسِ (على فرسٍ عربيٍّ) ويسمى العتيقَ (ثلاثةُ أَسهم).
(ولا يُسْهَمُ لغير الخيلِ) كالفِيَلَةِ والبِغالِ. (ولا يُسْهَمُ إلاَّ لمن) اجتمعت (فيه أربعة شروط): الأول: (البلوغ، و) الثاني: (العقل، و) الثالث: (الحرّية؛ و) الرابع: (الذكورة).
(فإن اختل شرط) من هذه الشروط الأربعة (رُضِخَ له ولم يُسْهَمْ).
فيرضَخُ لمميزٍ، وقِنٍّ، وخنثى، وامرأةٍ، على ما يراه الإِمام. إلا أنّه لا يبلُغُ به لراجلٍ سهمَ الراجلِ، ولا لفارسٍ سهمَ الفارسِ.
(ويقسم الخمس الباقي خمسةَ أسهمٍ):
(سهم لله تعالى ولرسولهِ) ﷺ ، وذكر اسمُهُ تعالى تبركاً لأن الدنيا والآخرةَ له ، (يُصْرَفُ مَصْرِفُ الفيء) أي في مصالح المسلمين.
стр. 320
(وسهمٌ لذوي القربى، وهم بنو هاشمٍ وبنو المطلبِ) أبنا عبدِ منافٍ، دونَ غيرِهْم من بني عبد منافٍ (حيثُ كانوا) أي يجبُ تعميمُهم حَسَبَ الإِمكان، ويجب تفرقته بينهم (للذَّكَرِ مثلَ حظ الأنْثَيَيْنِ) غنيهم وفقيرُهم فيه سواءٌ، جاهدُوا أوْ لا.
(وسهمٌ لفقراءِ اليتامى، وهم) أي واليتامى (من لا أبَ له، ولم يبلغ) الحُلُمَ، لقول النبيّ ﷺ : "لا يُتمْ بَعْد الاحتلام" (١) واعتُبر فيهم الفقر لأن ذا الأبِ لا يستحق، والمال أنفع من وجود الأب.
(وسهمٌ للمساكين) وهم أَهل الحاجةِ، فيدخل في عمومهم الفقراءُ، فالفقراءُ والمساكينُ صنفانِ في الزكاة، وصنف واحدٌ هنا وفي سائِرِ الأحكام.
ويعمُّ به جميعَهم في جميع البلاد، كسهمِ ذوي القربى واليتامى.
(وسهمٌ لأبناء السبيل) وتقدم ذكرهم في باب الزكاة.
فصل يذكر فيه أموالُ الفيءِ ومصارفُها
(والفيء هو ما أُخِذَ من مال الكفار بحق من غيرِ قتالٍ، كالجزيةِ، والخراجِ، وعُشْرِ التجارة من الحربيّ، ونصفِ العشر من الذّمّيّ، وما تركوه) أي الكفار للمسلمين (فزعاً) من المسلمين، (أو) تُرِكَ (عن ميِّتٍ ولا وارثَ له) يستغرق.
(ومصرفه) أي مصرف ما ذكر من المال ومصرف خُمْسِ خُمْسِ الغنيمة (في مصالحِ المسلمين.) وذكر أحمد الفيءَ فقال فيه: لكلِّ
стр. 321
المسلمينَ، وبين الغنيّ والفقيرِ. (ويُبْدَأ بالأهمِّ فالأهم، من سدِّ ثغرٍ) بمن فيه كفاية، وهم أهل القوّة من الرجال الذين لهم مَنَعةٌ، (وكفايةُ أهلِهِ) أي القيام بكفاية أهل الثغورِ، (وحاجةُ من يَدْفَعُ عن المسلمينَ) من السلاحِ والخَيْلِ، (وعمارَةِ القناطَر)، أي الجسور، وإصلاح الطرق، والمساجد، (ورزق القضاة) والأئمةِ والمؤذنينِ (والفقهاءِ وغير ذلك) ممن يحتاجُ إليه المسلمون. (فإنْ فَضَل شيء) عن المصالح (قُسِمَ بين أحرارِ المسلمين، غنيِّهم وفقيرِهم) للآية، ولأنه مالٌ فَضَل عن حاجتهم، فَيُقْسَمُ بينهم، وَيسْتَوُونَ فيه، كالميراث.
(وبيتُ المالِ ملكٌ للمسلمين، يَضْمَنُه متلفه، ويحرم الأخذ منه بلا إذن الإِمام) لأنّ تعيينَ مصارفه وترتيبَها يرجع فيه إلى الإِمام، فافتقر الأخذ منه إلى إذنه.
стр. 322
باب يذكر فيه جُملَة مِن أحكَامِ (عقد الذمّة)
ويجب إذا اجتمعت شروطه.
(لا تعقد) أي لا يصح عقد الذمة (إلا لأهلِ الكتاب) اليهودِ والنصارى على خلافِ طوائِفِهم (أو لمن له شُبْهَةُ كتابٍ) يعني أنه يصحّ عقد الذمة أيضاً لمن له شبهة كتاب (كالمجوسِ) فإنه يُرْوى أنه كان لهم كتاب، فرفع، فصار لهم بذلك شبهة كتاب.
(ويجب على الإِمام عقدُها) أي الذمة (حيث أَمِنَ مكرَهمْ، والتزموا لنا بأربعة أحكام):
(أحَدُها: أن يعطُوا الجزيةَ عن يدٍ وهم صاغرون) بأن يُمْتَهَنُونَ (١) عند أخذها، ويطالُ قيامهم، وتُجَرُّ أيديهم عند ذلك، وجوباً.
(الثاني: أن لا يذكروا دين الإِسلام إلاَّ بالخير.) ويأتي أنّ من ذكر دين الإِسلام بعد عقدها بسوءٍ ينتقض عهده.
(الثالث: أن لا يفعلوا ما فيه ضررٌ على المسلمين.)
(الرابع: أن تجري عليهم أحكامُ الإِسلام في) ضمانِ (نفسٍ ومالٍ وعرضٍ و) في (إقامةِ حدٍّ فيما يحرّمونه) أي يعتقدون تحريمه (كالزَّنا، لا
стр. 323
فيما يحلّونه) أي يعتقدون حله (كـ) شرب (الخمر).
(ولا تُؤْخَذُ الجزيةُ من امرأةٍ) لأن الجزيةَ بدلٌ من القتلِ، وقتل المرأةِ والصبيِّ ممتنع.
(و) لا تؤخذ الجزية من (خنثى) لأن الأصل براءة ذمتها منها، فإن بان الخنثى رجلاً أخذت منه للمستقبل من الزمان دون ما مضى.
(و) لا جزية على صبيٍّ , و) لا (مجنون، و) لا قِنٍّ، و) لا (زَمِنٍ، و) لا (أعمى، و) لا (شيخٍ فانٍ، و) لا (راهبٍ بصومعةٍ،) لأنهم لا يُقْتَلُونَ، فلا تجب عليهم الجزية.
والراهب يؤخذ مما بيده ما يزيد على بُلْغَتِهِ، فلا يبقى بيده إلا بُلْغَتُهُ فقط.
(ومن أَسْلَمَ منهم،) أي ممن تؤخذ منه (بعد الحول، سقطت عنه الجزية) نصّ عليه. ويدل له قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ وروى ابنُ عباسِ، رضي الله تعالى عنهما، عن النبيّ ﷺ أنه قال: "ليسَ على المسلمَ جِزْيَةٌ" رواه الخلال (١).
فصل [في أحكام أهل الذمة]
(ويحرم قتلُ أهلِ الذمة، وأخذ مالِهِم، ويجبُ على الإِمامُ حفظهم) أي حفظُ أهل الذمة (ومَنْعُ من يؤذيهم) من المسلمين.
(وُيمْنَعُونَ من رُكُوبِ الخيلِ) بإكافٍ أو غيرِه، ومن ركوبِ غيرِ خيلٍ بِسُرُجٍ، (وحملِ السلاحِ) ومن ثِقافٍ، ورمي ولعب بدبوس ورمح.
стр. 324
(و) يُمنعون (من إحداث الكنائس) والبيع، ومحلٍّ يجتمعون فيه لصلاة (ومن بناءِ ما انهدم منها) أي الكنائس والبيع.
(و) يُمنعون (من إظهار المنكر) كنكاحِ المحارم، (والعيد، و) إظهار الصليب، و) يمنعون من (ضربِ الناقوسِ) وهو خَشَبةٌ طويلة يضرب بها النصارى إعلاماً للدخول في صلاتهم. ونَقَسَ نَقْساً -من باب قتل- فَعَلَ ذلك، قاله في المصباح، وإظهار الخمر (ومن الجهرِ بِكتابِهم، ومن الأكل والشرب نهارَ رَمضان، ومن شُرْبِ الخمر، وأكل الخِنْزير.
ويمنعون من قراءة القرآن، و) يمنعون من (شراءِ المُصْحَفِ وكُتُبِ الفقهِ والحديث).
(و) يمنعون (من تَعْلِيَة البناء على المسلمين) ولو رضي جاره المسلم بتعليته عليه، لما رُوِيَ أن النبي ﷺ قال: "الإِسلامُ يَعْلو ولا يعلى عليه" (١) ويضمن ما تلف بِه قبل نقضه، لتعديه.
[الغيار]
(ويلزمهم التمييزُ عنّا بلبسهم) فيلبَسُ اليهودي ثوباً عَسَليًّا، ويشدّ خرقةً على قلنسوته وعمامته، ويلبَسُ النصرانيّ زُنَّاراً فوق ثيابِهِ.
(ويكره لنا التشبُّه بهم)؛ قال في الإِقناع: والتشبه بهم مَنْهِيٌّ عنه، إجماعاً، وتجب عقوبةُ فاعله. وقال: ولما صارت العمامةُ الصفراءُ والزرقاءُ والحمراءُ من شعارِهِم حَرُمَ على المسلم لبسها، انتهى.
(ويحرم القيام لهم) أي لأهل الذمة، (وتصديرهم في المجالِسِ) إلا إن رُجِي إسلامُهمْ. اختاره الشيخ.
стр. 325
(و) يحرم أيضاً (بُداءَتُهُمْ بالسلام، وبكيفَ أصبحت، أو) بكيف (أمسيت، أو كيف أنت، أو) كيف (حالك).
(وتحرم تَهْنِئَتُهُمْ، وتعزيتهم، وعيادتهم) وشهادةُ أعيادهم. (ومن سلم على ذمّيّ) لا يعلم أنه ذمّيّ (ثم عَلِمَهُ يسن قوله) له: (رُدَّ عَلَيّ سَلاَمي. وإن سلم الذمّيّ) على المسلم (لزم ردّه، فيقال) له: (وعليكم).
(وإن شَمَّتَ كافرٌ مسلمًا أجابه) المسلم بيهديك الله.
(وتكره مصافحته) أي أن يصافِحَ مُسْلِمٌ ذِمياً.
فصل [فيما ينتقض به عهد الذمّي]
(ومن أبى من أهل الذمة بذل الجزية، أو أبى الصغار، أو أبى التزام حكمنا) إذا حكم عليه بشيءٍ، سواءٌ شُرِطَ عليهم ذلك، أوْ لا، لقوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ قيل: الصغار: التزامُ أحكامِ الإِسلام، (أو زَنَى بمسلمةٍ، أو أصابها باسم نكاحٍ) نصاً، (أو قَطَعَ الطريقَ) لأنه لم يَفِ بمقتضى الذّمّة (أو ذَكَرَ اللهَ تعالى أو رسولَه) أي رسولَ الله ﷺ (بسوءٍ) ونحوه (أو تعدَّى على مسلمٍ بقتل أو فتنةٍ عن دينه، انتقضَ عهده) لأن هذا ضررٌ يعمُّ المسلمين، أشبهَ ما لو قاتَلَهُمْ، لا بِقَذْفِهِ مسلماً، ولا بإيذائه بسحرٍ في تصرفه، ولا إن أظهر منكراً، أو رفع صوته بكتابه.
(ويخيَّر الإِمام فيه،) ولو قال: تُبْتُ، (كالأسير) الحربيّ. وتقدم حكمه (وماله فيءٌ) لأن المال لا حرمةَ له في نفسه، إنما هو تابع للمالك حقيقةً، وقد انتقض عهد المالك في نفسه، فكذا في مالِهِ.
стр. 326
(و) من انتقض عهده فـ (لا ينتقضُ عهد نسائِهِ وأولادِهِ) بنقض عهده.
(فإن أَسْلَمَ حَرُمَ قَتْلُهُ ولو كان سب النبيّ ﷺ ).
стр. 327
كتَاب البَيع
وهو مبادلة عين ماليّةٍ، أو منفعةٍ مباحةٍ مطلقاً، بإحداهما، أو بمالٍ في الذمّة، للمِلْكِ على التأبيد، غيرَ رِباً وقرضٍ.
و (ينعقد) البيع بشروطه الآتية (لا) إذا كان (هزلاً) لأن حقيقته لم تُرَدْ وُيقبَل قول البائِعِ أَن البيعَ وَقَعَ هزْلاً أو تلجئةً، بيمينه، مع القرينة الدالة على ذلك (بالقولِ الدالِّ على البيع والشراء.)
وصيغتُهُ القوليةُ غير منحصرةٍ في لفظٍ بعينِهِ، بل هي كلُّ ما أدّى معنى البيع.
(و) ينعقد البيع (بالمعاطاةِ)، فينعقد البيع بها، بالقليل والكثير. ومن صور بيع المعاطاة (كأعطنيَ بهذا الدرهم خبزاً، فيعطيه البائع ما يرضيه) وهو ساكت. أو يقولَ البائعُ: خذْ هذا بدرهمٍ، فيأخذه وهو ساكتٌ، ومن المعاطاة لو ساوَمَهُ سلعةً بثمنٍ فيقول: خذها، أو: هيَ لك، أو أعطيتُكَها، ونحو ذلكَ مما يدلّ على بيعٍ وشراءٍ.
[شروط البيع]
(وشروطه) التي تتوقف صحته عليها (سبعة):
(أحدها: الرضا) به من المتبايعين، وهو أن يأتيا به اختياراً، ما لم
стр. 328
يكن بيعَ تلجِئَةٍ، أو أمانةٍ، بأن يُظْهرا بيعاً لم يريداه باطناً، بل أظهراه خوفاً من ظالمٍ ونحوه، ودفعاً له. فالبَيعُ باطلٌ وإن لم يقولا في العقد: تَلْجِئَةً، (فلا يصحّ بيع المكرَهِ بغيرِ حقٍّ) كالذي يستولي على ملكِ رجلٍ بلا حقٍّ فيطلبه، فيجحده إياه، حتى يبيعَه. أما إن أُكرِه بحقّ، كالذي يُكْرِهُهُ الحاكم على بيع مالِهِ لوفاءِ دينِهِ فبيعه صحيح.
(الثاني) من شروط البيع: (الرُّشْدُ، فلا يصح بيع) المجنونِ والسكرانِ والنائمِ والمُبَرْسَمِ و (المميّز (١)، والسفيه، ما لم يأذن وليُّهما) ولو في الكثير. ويحرم إذنه لهما لغيرِ مصلحةٍ. ولا يصح منهما قَبُولُ هَبِةٍ ووصيَّةٍ بلا إذن وليٍّ.
(الثالث: كون المبيع مالاً) والمال ما يباحُ نفعه في جميع الأحوال (فلا يصح بيع الخمر) ولو كانا ذميّيْنِ؛ (والكلبِ) ولو كان مباحَ الاقتناء؛ (والميتة) ولو لمضطر إلا سمكاً وجراداً وجُنْدُباً، لحِلِّ أكلها.
(الرابع: أن يكون المبيع مِلْكاً للبائع) وقت العقد، وكذا الثَّمَنُ (أو مأذوناً له) أي لبائِعِه (فيه.) أي في بيعه من مالكِهِ، أو من الشارع، كالأب يتصرف في مال ولده الصغير، وكالحاكِم يتصرّفُ في مال اليتيم والغائب، (وقْتَ العقد) ولو ظنّ المالك، أو المأذون له، عدم الملك والإِذنِ له في بيعه، لأنّ الاعتبار في المعاملاتِ بما في نفس الأمر لا بما في ظن المكلف، (فلا يصحّ بيعُ الفضوليِّ) ولا شراؤه (ولو أجيزَ) تصرَّفُهُ (بَعْدُ) أي بعد العقد.
(الخامسُ: القدرة على تسليمه) أي تسليمِ المبيع لأن ما لا يقدر على تسليمه شبيه بالمعدوم، (فلا يصح بيع) العبد (الآبِقِ، و) الجَمَلِ (الشارِدِ)، سواء عَلِمَ مَكانَه أو جهلَهُ، (ولو) كان بيع الآبِقِ والشارِدِ (لقادر
стр. 329
على تحصيلهما)، ولا سمكٍ بماءٍ إلا مرئيًّاً بِمَحوزٍ يسهل أخذه منه، ولا طائر بمكان يصعب أخذه منه.
(السادس: معرفة الثمن والمثمن) للمتعاقدين (إما بالوصف) والبيع بالوصف مخصوص بما يجوز السلم فيه (أو المشاهدةِ) له (حال العقد أو قبله) أي العقد (بيسير) يعني إذا سبقت الرؤية العقد بزمن لا تتغيَّر العينُ فيه تغييراً ظاهراً، فالعقد صحيح.
(السابع: أن يكون منجَّزاً) فـ (لا) يصح البيع ولا الشراء (معلَّقاً: كبعتُك إذا جاء رأسُ الشَّهْر، أو بعتك إن رضي زيدٌ.) ووجهُ عدم انعقاده كونه عقد معاوضة. ومقتضى عقد المعاوضة نقلُ الملك حالَ العقدِ، والشرط يمنعه.
(ويصح بعتُ وقبلتُ إن شاء الله) تعالى. وهو المذهب.
(ومن باع معلوما ًومجهولاً لم يتعذر علمه) صفقةً واحدة (صحّ في المعلوم بقسطِهِ) من الثمن. (وإن تعذرت معرفة المجهول ولم يبيِّن ثمن المعلوم)، كقوله: بعتك هذِهِ الفرس، وما في بطن هذه الفرس الأخرى (فـ) البيع (باطل) لأن المجهول لا يصح بَيْعُهُ، لجهالته، والمعلوم مجهول الثمن، ولا سبيل إلى معرفته، لأن معرفته إنما تكون بتقسيط الثمن عليهما، والمجهول لا يمكن تقويمه، فيتعذر التقسيط.
فصل [في موانع صحة البيع]
١ - (ويحرم ولا يصحُّ بيعٌ ولا شراءٌ في المسجد) قليلاً كان البيع أو كثيراً.
٢ - (و) يحرم (لا) يصح بيعٌ ولا شراءٌ (ممن تلزمه الجمعة بعد
стр. 330
ندائها الذي عند المنبر) عَقِبَ جلوس الإِمام على المنبر، لأنه الذي كان على عهد النبيّ ﷺ ، لقوله تعالى: ﴿وَذَرُوا البَيْعَ﴾
تنبيه: قال المنقّح: أو قبله لمن منزلُهُ بعيدٌ بحيث إنه لا يدركها، انتهى.
ويستثنى من ذلك مسائلُ أشير إليها: إلاَّ من حاجةٍ كمضطرٍّ إلى طعامٍ أو شرابٍ، وعريانٍ وجد سترةً، وككفنٍ ومؤنةِ تجهيزٍ لميتٍ خيف فسادُهُ بتأخُّرِهِ، َ أو وجودِ أبيه ونحوِه يُبَاعُ مع من لو تَرَكَه لذهب به، ومركوبٍ لعاجزٍ عن المشي إلى موضع الجمعة، أو ضريرٍ عدم قائداً (١) ونحوه.
٣ - (وكذا) أي وكالبيع والشراء بعد نداء الجمعة الذي عند المنبر (لو تضايق وقتُ) الصلاةِ (المكتوبةِ) لوجودِ المعنى الذي مُنِع المكلَّفُ من أجلِهِ البيعَ والشراءَ بعد نداءِ الجمعةِ.
وعلم من قوله: "بيعٌ ولا شراءٌ" أنه لو كان أحد المتعاقدين تلزمه الصلاة، والآخر لا تلزمه، كالعبدِ والمرأةِ إذا باعا أو اشتريا ممن تلزمه الجمعة، بعد ندائها، أنه لا يصح البيع في الأصحّ. وكذا إذا وُجِدَ الإِيجابُ قبل النداء والقبولُ بعدَهُ.
ويصح إمضاء بيعٍ وبقيةِ العقود، كقرضٍ، ورهنٍ، وضمانٍ، ونكاحٍ.
٤ - (ولا) يصحّ (بيع العِنَبِ أو العصير لمتخذه خمراً)؛ ولا مأكولٍ ومشروبِ ومشمومٍ وقدحٍ لمن يشرب عليهِ أو بِهِ مُسْكِراً؛ (و) لا يصح (بيع البيَضِ والجوزِ ونحوهما) كالبُنْدقِ (للقمار؛ ولا) يصحّ (بيع السلاح) ونحوه كالترس والدِّرع (في الفتنة، أو لأهل الحرب، أو قُطاع الطريق)
стр. 331
إذا علم البائع ذلكَ من مُشْتَرِيه، ولو بقرائن، لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ ولا يصحُّ بيع أَمَةٍ أو غلامٍ لمن عُرِفَ بِوَطءِ دُبُرٍ أو غناءٍ.
٥ - (ولا) يصح (بيع قنٍّ) ذكرٍ أو أنثى (مسلمٍ لكافرٍ) ولو وكيلَ مسلمٍ (لا يعتَقُ عليه) أي على الكافر، لأنّه يُمْنَعُ من استدامةِ ملكهِ عليه، فمنع ابتداؤُه، كالنكاح.
أما إذا كان العبدُ المسلمُ يعتَق على الكافر بالقرابة فإنه يصحّ شراؤه له على الأصح، لأن ملكه لا يستقر عليه، وإنما يعتَقُ بمجرّد ذلك في الحال، ويزول الملك عنه بالكلّيّةِ، ويحصل له من نفعٍ الحريّةِ أضعافُ ما حصل له من الإِهانَةِ بالرّقّ في لحظةٍ يسيرةٍ.
فإن مَلَكَ الكافرُ رقيقاً مسلماً بإرثٍ أو غيرِهِ أُجْبِرَ على إزالةِ ملكِهِ عنه، ولا تكفي مكاتبته ولا بَيْعُه بخيارٍ.
٦ - (ولا) يصحُّ (بيعٌ) بالتنوين (على بيع المسلم) زمنَ الخِيَارَيْنِ (كقولِهِ لمن اشترى شيئاً بعشرةٍ: أُعطيك مثلَهُ بتسعةٍ)، أو: أنا أعطيكَ خيراً منها بثمنها، أو يعرضُ عليه سلعةً يرغب فيها المشتري ليفسخَ البيعَ ويعقِدَ معه.
(ولا) يصح أيضاً (شراءٌ عليه) أي على شراء المسلمِ (كقولِهِ لمن باعَ شيئاً بتسعةٍ: عندي فيه عشرة.)
وكذا اقتراضُهُ على اقتراضِهِ، بأن يعقد القرضِ مَعَة، فيقول له آخر: أقرضني ذلك، قبل تقبيضِهِ للأول، فيفسخه ويدفعه للثاني.
وكذا اتّهابُهُ على اتّهابِهِ، وطلبُ عَمَلِهِ في الولاياتِ بعد طَلَبِ غَيْرِه، ونحو ذلك.
وكذا المساقاةُ والمزارعةُ والجُعَالَةُ ونحو ذلك، كفُها كالبيعِ، فتحرم ولا تصحّ إذا سَبَقَتْ للغيرِ، قياساً على البيع، لما في ذلك من الإِيذاء.
стр. 332
(وأما السَّوْمُ على سومِ المسلمِ مع الرِّضا الصريح) من البائع فحرامٌ، وهو أن يتساوَمَا في غيرِ المنادَاةِ، حتى يَحْصُلَ الرضا من البائع.
فأما المزايَدَة في المناداة فجائزةٌ.
وعلم مما تقدّم أن السومَ على سومِ المسلم مع عدم رضا البائع لا يحرم.
٧ - (و) أما (بيع المصحف) فحرامٌ ولو في دينٍ لأنَ في بيعهِ ابتذالاً له، وتركاً لتعظيمِهِ.
ولا يصحّ لكافرٍ.
٨ - (و) أما بيع (الأمة التي يطؤُهَا قبل استبرائِهَا فحرام.
ويصحّ العقد) في السومِ على السوم، وفي بيع المصحف إذا كان المشتري مسلماً، وفي بيع الأمة التي يطؤها قبل استبرائها.
[حكم المقبوض بعقد فاسد]
(ولا يصح التصرّف) ببيعٍ وهبة وغيرهما (في المقبوضِ بعقدٍ فاسدٍ).
(وُيضمَن هو وزيادتُه، كمغصوبٍ) إذا تلف، أو أتلفه، ما لم يدخل في ملك القابض، كالمقبوض عَلى وجه السوم. فإن كان مثليًّا ضمنه بمثله، أو متقوِّماً فبقيمته. لكن لو اشترى ثمرةَ شجرةٍ شراءً فاسداً، وخلّى البائع بينَه وبَيْنَهُ (١) على شجرِهِ لم يضمنه بذلك، لعدم ثبوت يده عليه. ذكر بعض أصحابنا أنه محل وفاقٍ. قاله ابن رجبٍ في "القواعد."
стр. 333
باب مُضَاف إلى (الشرُوط في البَيع)
والشروط جمع شَرْطٍ، والشرط في البيع والإِجارة والشركةِ: إلزامُ أحد المتعاقدين الآخَرَ، بسبب العقد، ما له فيه غَرَضٌ صحيح.
وتُعْتَبَرُ مقارنتُهُ للعقد.
(وهي) أي الشروط في البيع (قسمان): الأوَّل: (صحيحٌ لازمٌ) ليس لمن اشْتُرِطَ عليه فكُّه. (و) الثاني: (فاسدٌ مُبْطِلٌ للبيعِ) من أصله.
[الشروط الصحيحة]
(فالصحيح) ثلاثة أنواع:
الأول: ما يقتضيه العقدُ، كشرطِ تقابضٍ وحُلولِ ثَمَنٍ، وتصرُّفِ كل فيما يصير إليه، من ثمنٍ ومُثْمَنٍ، وردِّهِ بعيبِ قديمٍ. ولم يذكر المؤلّف -رحمه الله تعالى- هذا النوع، لأنه لا أثر لَه.
الثاني: (كشرطِ تأجيلِ) كلِّ (الثمن، أو) تأجيلِ (بعضِهِ) أي بعضِ الثمن إلى أجل معلوم، (أو) شرط (رهنٍ أو ضمينٍ معيَّنٍ) أي: الرهنِ والضمينِ. وشَمَل هذا ما لو اشْتَرَطَ رهنَ المبيعِ على ثمنِهِ، وهو كذلك في المنصوص. فلو قال بائعٌ: بعتك هذا بكذا، على أن تَرْهَنَنِيهِ على ثمنه، فقال: اشتريتُ ورهنتُك على الثمن، صحَّ الشراء والرهن؛ (أو
стр. 334
شَرَطَ) المشتري على البائع (صفةً في المبيع، كـ) كونِ (العبدِ) المبيعِ (كاتباً،) أو فحلاً، أو خصياً، (أو صانعاً) في صنعةٍ معينةٍ، (أو مسلماً، و) كونَ (الأَمَةِ بكراً، أو) الأَمةِ (تحيضُ، والدابَّةِ هِمْلَاجَةً) بكسر الهاءِ -والهَمْلَجَةُ مِشْيَةٌ سهلة في سرعةٍ- (أو) اشترط الدابّةَ (لبوناً) أي ذات لَبَنٍ، أو غزيرةَ اللبن، لا أنها تُحْلَبُ في كلِّ يومٍ كَذَا، (أو حامِلاً،) لا أنها تَلِدُ في وقتِ كذا، (والفَهْدِ) صَيُوداً، (أو البازي صَيوداً،) أي معلماً، والأرضِ خراجُها كَذَا في كلِّ سنةٍ، والطيرِ مُصَوِّتاً، أو يبيضُ، أو يجيءُ من مسافةٍ معلومةٍ؛ لأن في اشتراطِ هذهِ الصفاتِ كلِّها قصداً صحيحاً، وتختلف الرَّغَبَاتُ باختلافِهَا، فلو لم يصحّ اشتراطُ ذلكَ لفاتَتِ الحِكْمَةُ، التي شرع لأجلِها البيع، فلهذا يصحّ الشرطُ. وكذا لو شَرَط أن الطائر يصيحُ في أوقاتٍ معلومةٍ، كعندَ الصباحِ أو عند المساءِ، لا أن يوقظه للصلاةِ، أو أنه يصيح عند أوقاتِ الصلواتِ.
(فإن وُجِدَ المشروطُ) بأن حصل لمن اشتَرَطَ شَرْطُه (لزم البيعُ) أي صار لازماً.
(وإلا) بأن لم يحصل له شرطه (فللمشتري الفسخُ، أو أرشُ فقدِ الصِّفَةِ) أي فسخُ البيع لفقد الشرط (١). لكن إذا شَرَطَ أن الأمةَ تحيضُ، فلم تَحِضْ، قال ابن شهاب: فإن كانت صغيرة، فليس بعيبٍ، فإنه يرجى زواله، بخلاف الكبيرة.
النوع الثالث، من الشرط الصحيح: ما أشار إليه بقوله: (ويصحّ أن يَشْرُط البائع على المشتري منفعةَ ما باعَهُ) غيرَ وطءٍ ودواعيهِ، كتقبيلٍ ونحوه، فإنّ هذا لا يصحُّ استثناؤه بلا خلاف، (مدة معلومة) نفعاً معلوماً (كسكنى الدار) المبتاعةِ (شهراً،) أو أقلَّ منه، أو أكثر، (وحملانِ
стр. 335
الدابةِ،) بعيراً أو غيرَه (إلى محلٍّ معين.) وكاستثناءِ خدمةِ العبدِ المبيع مدةً معلومة.
وللبائع أجرة (١) ما استثناهُ من النفع، وإعارَتهُ لمن يقوم مقامَه، كالعينِ المؤجَرَةِ، لأن لمستأجرها إجارَتَها وإعارَتَها، لا لمن هو أكثرُ منه ضرراً.
وإن تلفتِ العينُ المستثنى نفعُها قبل استيفاءِ بائعٍ للنَّفع، بفعل مشترٍ أو تفريطِهِ، لزمه أجرةُ مثلِهِ، لا إن تلف المبيعُ بغير فعلِ المشتري أو تفريطه.
(و) يصح (أن يشترط، المشتري على البائع) نفسِهِ (حملَ ما باعه) من حطبِ وغيره إلى محلِّ كذا، فلو شَرَطَ الحملَ إلى منزله، والبائع لا يعرفه، لَم يصحّ الشرط، كما لو استأجره لذلك ابتداء. قاله في شرح المنتهى. قال في شرح الإِقناع بعد ذلك: وظاهِرُهُ صحةُ البيع، وعليه فيثبت له الخيار؛
(أو تكسيرَهُ أو خياطتَهُ) بصفةٍ معينةٍ، (أو تفصيلَهُ.)
وإن أقام البائع مُقَامَه من يعمل العمل فله ذلك، لأنه بمنزلة الأجيرِ المشترك.
وإن أراد بذلَ العِوَضِ عن ذلك العمل لم يلزم المشتريَ قبوله، وله طلبه بالعمل، لأنه ألزم نفسه له به.
وإن أراد المشتري أخذ العِوَضِ عن العمل، وأبى البائع، لم يلزم البائعَ بذلُه.
فإن تراضيا على ذلك جاز.
وإن تعذَّر العمل بتلف المبيع قَبْلَهُ رجع المشتري بعوضِ النفعِ
стр. 336
المشروطِ عليه. وإن تعذر بمرضٍ أقيم مقامه من يعمل، والأجرةُ على البائِع، كالإِجارة.
فصل [في الشروط الفاسدة المبطلة للعقد]
(والفاسد المبطلُ) للعقد من أصلِهِ (كشرْطِ بيعٍ آخَرَ) كأن يقول: بعتك هذه الفرسَ على أن تبيعني هذا الثوبَ؛ (أو) شَرْطِ (سَلَفٍ) كبعتك على أن تُسْلِمَني كذا في كذا؛ (أو) شرْطِ (قرضٍ) كبعتك (١) على أن تقرِضَني كذا؛ (أو) شرْطِ (إجارةٍ) كبعتك على أن تُؤْجِرَني دارَك بكذا؛ (أو) شرْطِ (شركةٍ) كبعتك على أن تشاركني في فرسك؛ (أو) شرط (صرفٍ للثمنِ) كبعتك هذا بعشرة دنانيرَ، على أن تَصْرِفَها لي بدراهم؛ أو شرْطِ صرفِ غيرِ الثمن، كبعتك هذا بكذا على أن تَصْرِفَ لي مائة دينار بدراهم.
(وهو) أي وهذا النوع: هو (بيعتان في بيعةٍ المنهيّ عنه) (٢) قال أحمد ﵀: والنهيُ يقتضي الفساد.
(وكذا كلّ ما كان في معنى ذلك، مثل أن) يقول: بعتك على أن (تزوّجني ابنتك، أو على أن أزوجك ابنتي، أو لتنفق على عبدي أو دابتي) أو على حصّتي من ذلك قرضاً أو مجّاناً: مقيسٌ على كلامِ أحمدَ، وليس هو مقولَهُ. قال ابن مسعود: "صَفْقَتَانِ في صفقةٍ ربا" (٣)
стр. 337
ولأنه شرْطُ عقدٍ في عقدٍ، فلم يصحّ، كنكاح الشِّغار.
[الشروط التي تبطل ويصح العقد]
تنبيه: لو شرط المشتري على البائع أنه إذا نفَقَ (١) المبيع وإلاَّ ردَّه، أو شَرَطَ البائع على المشتري أن لا يبيعَ المبيعَ، أو لا يَهَبَهُ، أو لا يُعْتِقَهُ، أو إن أعتقه فالولاءُ له، أو شَرَطَ البائعُ على المشتري أن يفعلَ ذلكَ، أو شرَط عليه وَقْفَ المبيع، فالشرطُ باطلٌ، والبيع صحيحٌ، إلا شَرْطَ العتقِ، فإنّه صحيحٌ، وُيجْبَرُ المشتري على العتقِ إن أباه. فإن امتنع المشتري من العتقِ أعتقه حاكم عليه.
(ومن باع ما) أي شيئاً (يُذْرَع) كأرضٍ وثوبٍ (على أنه عشرةٌ) من الأذرع أو الأشْبارِ، (فَبَانَ) المبيعُ (أكثرَ) من عشرة، (أو أقلَّ) منها، (صحَّ البيع، ولكلٍّ) من البائع والمشتري (الفسخُ) إلا أنّ المشتري إذا أُعْطِيَ الزائدَ بلا عِوَضٍ فلا فَسْخَ له، لأن البائع زادَهُ خيراً.
وإن اتّفقا على إمضائِهِ لمشترٍ بِعِوَضٍ جاز.
وإن بان أقلَّ فالبيعُ صحيحٌ والنقصُ على البائعِ. ولمشترٍ الفسخ. وله إمضاءُ البيعِ بقسطِهِ من الثمن برضا البائع، وإلا فله الفسخُ.
وإن بَذَلَ مشترٍ جميعَ الثمنِ لم يملك البائع الفسخَ. وإن اتفقا على تعويضِهِ عنه جاز.
وإن باعَ صُبْرَةً على أنها عشرة أَقْفِزَةٍ، أو زُبْرَةَ حديدٍ على أنها عشرة أرطالٍ فبانت أَحَدَ عَشَرَ فالبيع صحيح. والزائذ للبائعِ مُشَاعاً. ولا خيار لمشترٍ. وإن بانت تسعةً فالبيع صحيحٌ وينقصُ من الثمن بقدره، ولا خِيَارَ له.
стр. 338
باب الِخيَار
يُذكر فيهِ أقسام الِخيَار في البَيع
وهو طَلَبُ خيرِ الأمرين من فسخٍ وإمضاءٍ.
(وأقسامه) أي أقسام الخيار في البيع (سبعة):
(أحدها: خيار المجلس) بكسر اللام. والمراد به مكان التبايع.
(ويثبت) خيار المجلس (للمتعاقدين) في بيعٍ، وصلحٍ بمعنى بيعٍ، وإجارةٍ، وما قَبْضُهُ شَرْطٌ لصحته: كصرْفٍ، وسَلَمٍ، وبيعِ ربويٍّ بجنسه.
وابتداءُ خيارِ المجلس (من حينِ العقدِ،) ويستمرّ (إلى أن يتفرّقا) عرفاً بأبدانهما، فلو حُجِزَ بينهما بحاجزٍ، كحائطٍ ونحوِهِ، أو ناما، لم يُعَدّ تفرقاً لبقائهما بأبدانِهِماَ بمحلِّ العقد. وخيارهما بحاله، ولو طالت المدة، (من غير إكراه) لهما أو لأحدهما على التفرق، أو فَزَعٍ من سَبُعٍ أو ظالمٍ خشياه فهربا، أو أحدُهما فزعاً منه، أو سيلٍ، أو نارٍ، أو نحو ذلك. ويستثنى من خيار المجلس ما أشار إليه بقوله: (ما لم يتبايعا على أنْ لا خيار لهما) يعني أن البيع لازمٌ بمجرد العقد، (أو يُسْقِطَاهُ بعد العقد) وقبل التفرّق.
(وإن أسقطه) أي أسقط خيار المجلس (أحدهما) أي أحدُ المتعاقدين (بَقِيَ خيارُ الآخر) لأنه لم يوجد منه ما يُبْطِل خيارَه.
(وينقطع الخيارُ) أي خيارُ المجلس (بموتِ أحدِهما) أي أحد
стр. 339
المتعاقدين، لأن الموتَ أعظم الفرْقتين، (لا بجنونِهِ) في المجلس، لعدم التفرق. (وهو على خيارِهِ إذا أفاق) من جنونه. ولا يثبت الخيار لوليه. وإن خَرِسَ قامت إشارته مقامَ نُطْقِهِ.
(وتحرُم الفرقة من المجلس خَشْيَةَ الاستقالة) يعني أنه يحرم على أحد المتبايعين أن يفارق صاحبه خشيةَ أن يفسخَ البيع في المجلس.
(الثاني) من أقسام الخيار (خيار الشرط: وهو أن يشرطا) أي العاقدان (أو أحدهما الخيار) في صُلْبِ العقد، أو بعده في المجلس (إلى مدة معلومة) لا مجهولةٍ، كالحصادِ ونحوه، فإنه يصحّ البيع ويبطل الخيار. (فيصحُّ) الشرط ويثبُتُ الخيار. وبهذا قال أبو يوسف ومحمدٌ وابنُ المنْذِرِ.
وحيثُ عُلِمَ الأمَدُ فإنه يصحّ (وإن طالت) المدّة، ولو فيما يفسُدُ قبل انتهاءِ الأمد، كالبطّيخ، فيباع ويحفَظ ثمنُه إلى الأمد.
ولا يصحّ شرطُ الخيارِ في عقدٍ حيلةً (١) ليربَحَ في قرضٍ، فيحرُمُ ولا يصحُّ البيع.
(لكن يَحْرُمُ تصرّفهما) أي البائعين، مع خيارِهِما (في الثمن والمثمن في مدة الخيار): أما تحريمُ تصرف البائعِ في المبيعِ فلكونِه لا يملكه، وأما تحريم تصرُّف المشتري فيه فلكون المبيعِ لم تنقَطِعْ عُلَقُ البائع عنه.
فإن كان الخيارُ لمشترٍ وحدَه، وتصرَّف في المبيع، نَفَذَ تصرُّفه وبَطَلَ خيارُه.
стр. 340
(وينتقل المِلْكُ) في المبيع إلى المشتري (من حينِ العقد) سواءٌ جَعَلا الخيارَ لهما أو لأحدهما، (فما حصَل في تلك المدةِ من النَّماءِ المنفصِلِ) كالكسب والأجرة (فللمنتقِل له) أي للمتشري، أَمْضَيا العقد، أو فَسَخَاه.
والنماء المتَّصل تابعٌ للمبيع، والحمل الموجود وقتَ العقدِ مبيع. (ولو أنَّ الشرْطَ للآخر) أي للبائع (فقط).
(ولا يفتقِرُ فسخُ من يملكُهُ) أي الفسخ، من بائعٍ ومشترٍ (إلىٍ حضورِ صاحبه) أي البائعِ الآخر (ولا) يفتقر (إلى رضاه) لأن الفسخَ حلُّ عقدٍ جُعِلَ إليه، فجاز مع غيبةِ صاحبه وسخطه، كالطلاق.
(فإن مضى زمنُ الخيار) المشتَرَطِ، (ولم يُفْسخِ) البيعُ بِفَسخِ من جُعِلَ له، (صار) البيعُ (لازماً) لأنه لو لم يلزم لأفضى إلى بقاء الخيار أكثرَ من مدَّتِهِ المشترطة، وهو لا يثبتُ إلا بالشّرط.
(ويسقط الخيارُ بالقول).
(و) يسقط الخيار أيضاً (بالفِعْلِ. كتصرّف المشتري في المبيع) مع شرط الخيار له زَمَنَه (بوقفٍ أو هبةٍ أو سومٍ) أي سومِ المشتري للمبيع بأن عَرَضه للبيع، (أو لمسٍ) للأمة المبتاعة (لشهوةٍ،) وكذا إن كان الخيار لهما، أو للبائع وحده، وتصرَّف المشتري بالعتق.
(وينفذ تصرُّفُه) بالبيع والهبةِ (إن كان الخيار له) أي للمشتري (فقط) أي دون البائع.
(الثالث) من أقسام الخيار في البيع: (خيار الغَبْنِ) الخارجِ عن العادة، نصًّا. (وهو أن يبيعَ ما) أي شيئاً (يساوي عشرةً بثمانية، أو يشتري ما) أي شيئاً (يساوي ثمانيةً بعشرةٍ).
(فيثبتُ الخيارُ) لمن غُبِنَ بين الفسخِ والإِمساك.
стр. 341
وهو على التراخي: لا يسقط إلا بما يدل على الرضا.
(ولا أرشَ مع الإِمساك) للمبيع، لأن الشارعَ لم يجعل له ذلك. ومثلُ البيعِ في ثبوتِ خيارِ الغبنِ إجارةٌ.
(الرابع) من أقسام الخيار في البيع: (خيار التدليس) ويثبتُ للمشتري.
(وهو أن يدلّس البائع على المشتري ما يزيدُ به الثمنُ،) وإن لم يكن عيباً، (كَتَصْرِيَةِ اللبَن) أي جمعِهِ (في الضَّرْعِ) أي ضرع بهيمةِ الأنعامِ (وتحمير الوجْهِ، وتسويدِ الشَّعْر) من الرقيقِ، وتجعيدِهِ، وجمعِ ماء الرَّحى (١)، وإرسالِهِ عند عرضها (فيحرُم) التدليس، ككَتْمِ عيبٍ، للغرور.
والعقدُ صحيح.
ولا أرشَ فيه، بل إذا أمسَك فمجّاناً في غير الكتمانِ.
(ويثبت للمشتري) بالتدليس (الخيارُ) بين الإِمساكِ والردّ (حتى، ولو حَصَلَ التدليسُ من البائع) في المبيع (بلا قصدٍ) من أحدٍ، لأنَ عدم القصدِ لا أثَرَ لَهُ في إزالةِ ضررِ المشتري.
وإن دلس البائع المبيعَ بما لا يزيدُ به الثمنُ، كتسبيطِ الشَّعَر، أو عَلِمَ المشتري بالتدليس، لم يكنْ له خِيَار، كما لو اشترى معيباً يعلم عيبه.
(الخامس) من أقسام الخيار في البيع: (خيار العيب،) وما بمعناه (فإذا وجد المشتري بما اشتراهُ عيباً يجهلُهُ، خُيِّر بين ردّ المبيع) على البائِعِ بلا نزاعٍ في ملكه، لأن مطلق العقد يقتضي السلامة، وحيث
стр. 342
ظهر معيباً ثبت له خيارُ الرد استدراكاً لما فاته، وإزالةً لما يلحقه من الضرر في بقائِهِ في ملكه ناقصاً عن حقه، (بنمائه المتَّصِل) لا المنفصل، كثمرةِ شجرةٍ، ووَلَدِ بهيمةٍ.
(وعليه) أي على المشتري (أجرةُ الردّ) لأنه، باختيارِ الردّ، انتقل ملك المبيع عنه إلى بائعٍ فَعَلِقَ بالمشتري حقُّ التَّوْفية.
(ويرجع بالثمن كاملاً) على البائع. قال الإِمام أحمد رحمه الله تعالى، في رجلٍ اشترى عبداً، فأبَقَ، فأقام بينةً أن إباقه كان موجوداً في يد البائع: يَرْجِعُ بجميعِ الثمن، لأنه غرَّ المشتري، وَيتْبَعُ البائعُ عبدَهُ. (وبين إمساكِهِ ويأخذ الأرش) وذلك لأن المتبايعين تراضَيَا على أن العِوَضِ في مقابلةِ المعوض، فكل جزءٍ من العوض يقابله جزءٌ من المعوّض. ومع العيب فاتَ جزءٌ منه، فله الرجوع ببدله، وهو الأرش.
تنبيه: الأرشُ قَسْطُ ما بين قيمتِه صحيحاً ومعيباً من ثمنه، فيقوَّم المبيع صحيحاً، ثم معيباً، ويؤخذ قسط ما بينهما من الثمن، كما إذا قُوِّمَ صحيحاً بعشرة، ومعيباً بثمانية، والثمن خمسة عشر، مَثَلاً، فالنقص خُمْسُ القيمة، فيرجع بخمس الثمن، وهو ثلاثة.
ومحل أَخْذِ الأرش ما لم يُفْضِ إلى ربا، كشراء حليّ فضةٍ بزنته دراهم، أو شراءِ قفيزٍ مما يجري فيه رباً بمثله، ويَجِدَهُ معيباً، فإنه يمسك، أو يردّ مجاناً.
(ويتعيّن الأرش مع تَلَفِ المبيع عند المشتري) قال في الإِقناع وشرحه: فَصْلٌ وإن أعتقَ المشتري العبدَ، أو عَتَق عليه، أو قُتِلَ، أو استَوْلَدَ الأمةَ، أو تلف المبيعُ، ولو بفعلِه، أي المشتري، كأكلِهِ ونحوِه، أو باعَهُ، أو وهَبَهُ، أو رَهَنَهُ، أو وَقَفَه، غير عالمٍ بعيبه، ثم علم، تعيَّنَ الأرش (ما لم يكن البائع عَلِمَ بالعيبِ، وكتَمَهُ تدليساً على المشتري،
стр. 343
فيحرم) على البائع الكَتْمُ، لأنه غَرَرٌ، (ويذهب على البائع) إن تلف بغير فعل المشتري (١)، كما لو مات.
(ويرجع) المشتري (على البائع) بجميع ما دفعه له.
(وخيار العيب على التراخي) لأنه خيارٌ شُرِعَ لدفع ضررٍ متحقَّقٍ، فلم يبطل بالتأخير الخالي عن الرضا به، كخيار القِصَاصِ. (ولا يسقط طَلَبُ المشتري به (إلاَّ إن وجد من المشتري ما يدلّ على رضاه، كتصرفه) فيه عالماً بعيبِه، بإجارةٍ، أو إعارة، أو نحو ذلك، (واستعمالِهِ لغير تجربةٍ) كالوطء، والحمل على الدابة.
(ولا يفتقر الفسخُ إلى حضورِ البائعِ) ولا رضاه (ولا) يفتقر الفسخ (لحكم حاكمٍ) لأنه رفع عقد مستحق له فلم يفتقر إلى رضا صاحبه ولا لحضوره ولا لحكمِ حاكمٍ، كالطلاق.
(والمبيع بعد الفسخ أمانةٌ بيد المشتري) صرّح بهِ أبو الخطاب في انتصاره، والقاضي، وابن عقيل، وذلك لأنه حَصَل في يده بغير تعدٍّ. لكن إن قَصَّر في ردِّه حتى تلف، ضمنه، لأنّ ذلك تفريطٌ منه، كما لو أطَارتِ الريحُ إلى دارِهِ ثوباً، فقصَّر في رده، حتى تلف.
(وإن اختلفا) أي البائع والمشتري في معيبٍ، (عند من حدث العيب، مع الاحتمال) لوجوده عند البائع وحدوثه عند المشتري، كالإِباق (ولا بيّنَةً) لواحدٍ منهما بدعواه (فـ) القول (قول المشتري، بيمينه) لأنّ الأصل عدمُ القبضِ في الجزءِ الفائِتِ، فكانَ القولُ قولَ من ينفيه، كما لو اختلفا في قبض المبيعِ، فيحلف على البتّ أنَّه اشتراهُ وبه العيبُ، أو أنَّه ما حَدَثَ عنده. فإن خرج عن يده لم يجز له الحَلِفُ على البَتّ.
стр. 344
(وإن لم يحتمِلُ) العيبُ (إلاّ قولَ أحدِهما) كالإِصبع الزائدة، والجُرْحِ الطريّ الذي لا يحتمل أن يكون قبل العقد (قُبِلَ) قول المشتري في المثال الأول، والبائِع في المثال الثاني (بلا يمين) لعدمِ الحاجة إلى استحلافه.
تنبيه: يقبل قول البائعِ، بيمينِه، أن المبيعَ المعيبَ ليسَ المردودَ، إلا في خيارِ شرطٍ، فقولُ مشترٍ، بيمينه.
(السادس) من أقسام الخيار: (خيارُ الخُلْفِ في الصِّفَةِ) من إضافة الشيء إلى سببه.
(فإن وَجَدَ المشتري ما وُصِفَ له أو تَقَدَّمَتْ رؤيته قبل العِقد بزمنٍ يسير) لا يتغير فيه المبيع في العادةِ (متغيِّراً) تغيراً ظاهراً (فله الفسخ،) لأن وجودهُ متغيراً بمنزلةِ العيب.
(ويحلف) المشتري (إن اختلفا) في وجودِ التغيُّر لأنّ الأصل براءة ذمته من الثمن.
ولا يسقط حق المشتري من الفسخِ إلا بما يدلُّ على الرضا بتغيرِهِ من سومٍ أو غيره.
(السابع) من أقسام الخيار: (خيار الخُلْفِ في قدر الثمن: فإذا اختلفا) أو ورثَتهما (في قدره) أي الثمن، بأن قال بائع: بعتكه بمائةٍ، وقال مشترٍ، بل بثمانين، ولا بيّنة لأحدهما، أو لكلّ منهما بينة بما قاله، (وحلف البائع) أولاً، ويبدأ بالنفي، فيحلف: (ما بِعْتُهُ بكذا،) ثم الإٍثباتِ: (وإنما بعته بكذا. ثم) يحلف (المشتري: ما اشتريتُهُ بكذا، وإنما اشتريته بكذا.) وإنما بدأ بالنفي لأن الأصل في اليمين أنها للنفي.
ثم بعد التحالُفِ إن رضي أحدهما بقولِ الآخرِ، أو لم يتحالفا، بل نَكَلَ أحدهما عن اليمين، وحلف الآخر أُقِرَّ العقد في الصورتين.
стр. 345
(ويتفاسخان) أي إن لم يرض أحدهما بقول الآخر، بعد التحالف.
وينفسخ بفسخ أحدِهما بعد التحالف ظاهراً وباطناً.
قال المنقِّح: فإن نَكَلَا صرفهما الحاكم.
وكذا إذا اختلف المتوَاجران في قدر الأجرة.
فصل [في التصرف في المبيع قبل قبضه]
(ويملك المشتري المبيعَ مطلقاً) سواء كان مكيلاً أو موزوناً أو معدوداً أو مذروعاً أوْ لا، (بمجرَّدِ العقدِ) إن لم يكن فيه خيار (١).
(ويصح تصرفه فيه قبل قبضِهِ) ببيعٍ وهبةٍ ووقفٍ وإجارةٍ وعتقٍ ونحو ذلك، إلا المبيعَ بصفةٍ أو رؤيةٍ متقدمة.
(وإن تلف) المبيع بغير كيلٍ ونحوه (فمن ضمانِهِ) أي المشتري، تمكّن المشتري من قبضِهِ أوْ لا، إلا أنْ يمنعه منه بائعٌ، أو كان ثمراً على شجرٍ، أو بصفةٍ أو برؤيةٍ متقدمة، فإنه يكون من ضمان بائع، و (إلاَّ المبيعُ بكيلٍ أو وزنٍ أو عدٍّ أو ذرعٍ فـ) إنه يكون (من ضمانِ بائِعِهِ)، مع كونِهِ دخل في ملك المشتري من حين العقد (حتى يقبضَهُ مشتريهِ).
(ولا يصحُّ تصرفه فيه ببيعٍ) ولو لبائعه (أو هبةٍ) ولو بلا عوضٍ، (أو رهنٍ) ولو قَبَّض ثمنه (قبل قبضِهِ).
(وإن تلف) ما اشتري بكيلٍ أو وزنٍ أو عد أو ذرْعٍ (بآفةٍ سماويّةٍ)
وهي ما لا صنع للآدمي فيها (قبل قبضِهِ انفسخَ العقدُ) أي عقدُ المبيع.
ويخيَّرُ مشترٍ إنْ بقي شيءٌ، في أخْذِهِ بقسطِهِ من الثمن.
стр. 346
(و) إن تلف ما بِيعَ بكيلٍ أو وزنٍ أو عدٍّ أو ذَرْعٍ (بفعل بائعٍ أو) بفعلِ (أجنبيٍّ خُيِّر المشتري بين الفسخ) أي فسخ عقد البيع (ويرجعُ) المشتري على البائع (بالثمن) كاملاً، لأنّ التلفَ والعيبَ حصلَ في يدِهِ فضمنه، (أو الإِمضاء (١). ويطالَب من أتلفه ببدلِهِ) أي بمثلِ مثليٍّ، وهو المكيلُ والموزونُ، وقيمةِ متقوِّمٍ، وهو المذروع والمعدود.
(والثمن) الذي ليس في الذمّةِ (كالمُثْمَن في جميعِ ما تقدّم) من الأحكام.
فصل [فيما يحصل به القبض]
(ويحصل قبض المكيلِ بالكيلِ، والموزونِ بالوزنِ، والمعدودِ بالعدّ، والمذروعِ بالذَّرع) لما روى عثمانُ مرفوعاً، قال: "إذا بِعْتَ فَكِلْ، وإذا ابتعتَ فاكتَلْ" رواه الإِمام (٢). وظاهره أنه لا يُشَتَرَطُ نقلُه. وهو كذلك، على المذهب. وإنما يصحُّ الكيلُ والوزنُ والذَّرْعُ (بشرطِ حضورِ المستحِقِّ أو نائِبِهِ) أي نائبِ المستحقِّ للكيلِ، أو الوزْنِ، أو العدِّ، أو الذَّرْعِ، لقيام الوكيلِ مقام المُوَكّل.
فإن ادّعى القابضُ بعد ذلك نقصانَ ما اكتالَهُ، أو اتَّزنَهُ، أو عدَّه أو ذَرَعه، أو ادعى أنهما غلطا فيه، أو ادعى البائعُ زيادةً لم يقبل قولُهُما، لأنّ الظاهر خلافه.
стр. 347
(وأجرة الكيَّال) لمكيلٍ، (والوزَّانِ) لموزونٍ، (والعدّادِ) لمعدودٍ، (والذرّاعِ) لمذروعٍ، (والنَقَّادِ) لِمَنْقُودٍ، ونحوهم، كمصفّي المبيع من غَلًته، (على الباذِلِ) لِذلك، لأنه تعلَّقَ به حقُّ التوفية. نصّ عليه.
(وأُجْرَةُ النَّقْلِ على القابِضِ).
(ولا يضمن ناقِدٌ حاذِقٌ أمينٌ خطأً) وُجِدَ منه، في المنصوص، سواءٌ كان متبرّعاً أو بأجرة.
[الإِقالة]
(وتُسنُّ الإِقالة للنادِمِ، مِن بائعٍ ومشترٍ) لما روى ابن ماجَهْ عن أبي هريرة مرفوعاً، قال: "من أقالَ مسلماً أقال الله عثرته يوم القيامة" ورواه أبو داود، وليس فيه ذكر يوم القيامة (١).
وليس بيعاً، بل فسخٌ. فتصحّ قبل قبضِ مكيلٍ ونحوِهِ، وبعدَ نداءِ جمعةٍ، ومن مضارِبٍ وشريكٍ ولو بلا إذنٍ، ومن مفلسٍ بعد حجرٍ لمصلحةٍ، وبلا شروطِ بيعٍ، وبلفظِ صلحٍ وبيعٍ، وبما يدلُّ على معاطاةٍ.
ولا خيار فيها، ولا شفعة، ولا يحنث بها من حلف لا يبيع.
стр. 348
باب أحكام الرّبَا [وَالصَّرف]
وهو من الكبائر.
(يجري الربا في كل مكيلٍ وموزونٍ) لا معدودٍ ومذروعٍ (ولو لم يؤكل) كأُشْنَانٍ. (فالمكيلُ كسائِرِ الحبوبِ) من برٍّ وشعيرٍ وذُرَةٍ ودُخْنٍ وأَرُزٍّ وعَدَسٍ وَحَبٍّ فجلٍ وقطنٍ وكتانٍ، (والأبازيرِ والمائعاتِ) من لبنٍ وخَلٍّ وزيتٍ وشَيْرَجٍ وسائر الأدهان، كلها مكيلة، (لكِنِ الماءُ ليس بربويٍّ.) قال في الإِقناع: سوى ماءٍ فإنه لا ربا فيه بحالٍ، ولو قيل هو مكيل، لعدمِ تَمَوُّلِهِ عادةً. انتهى، (ومن الثمارِ كالتَّمرِ والزبيبِ والفُسْتُقِ والبُنْدُقِ واللوزِ والبُطْمِ والزَّعْرُورِ والعُنَّابِ والمشمشِ والزيتونِ والملحِ.)
ويجوز التعامُلُ بكيلٍ لم يُعْهَدْ.
(و) من (الموزونِ كالذهبِ والفضةِ والنحاسِ والرصاصِ والحديدِ وغزلِ الكتّانِ والقطنِ والحريرِ والشَّعَرِ والعِنَبِ والشَّمْعِ والزعفرانِ والخبزِ والجبنِ) والوَرْسِ والعُصْفرِ والزجاجِ والطين الأرْمَنِيّ، الذي يؤكلُ دواءً، واللحمِ والشحمِ والزُّبْدِ.
(وما عدا ذلك فمعدودٌ).
(ولا يجري فيه) أي المعدودُ (الربا ولو مطعوماً، كالبطيخِ والقِثّاءِ والخِيار والجَوْزِ والبَيْضِ والرُّمانِ) والسفَرْجَلِ والثيابِ والحيوانِ والبُقولِ
стр. 349
والتُّفاحِ والكُمَّثْرى والخَوْخِ والإِجَّاصِ، وكلَّ فاكهةٍ رطبة. ذكره القاضي.
(ولا) يجري الرِّبا (فيما أخرجته الصناعَة) لارتفاعِ سعره بها (عن الوزن، كالثيابِ) فإنها كانت قطناً (والسلاحِ، والفُلُوسِ، والأواني) من النحاسِ، والحديدِ (غيرَ الذهبِ والفضةِ). قال المنقّح في حواشي التنقيح: الذي يظهر أن محل ما لا يوزن لصناعتِهِ في غير الذهبِ والفضّةِ، فأما الذهبُ والفضةُ فلا يصحّ فيهما مطلقاً. ولهذا لم نَرَهمْ مثلوا بهما وإنما يمثلون بالنحاس والرصاص والحديد ونحوها.
(فصل)
(فإذا بيع المكيلُ بجنسِهِ) أي بمكيلٍ (كتمرٍ بتمرٍ أو) بيع الموزون بجنسه أي بموزونٍ (كذهبٍ بذهبٍ) وفضةٍ بفضةٍ وبُرٍّ ببر وشعيرٍ بشعيرٍ (صح) ذلك (بشرطين):
الشرط الأول: (المماثلة في القدر) كدرهم فضةٍ بمثله، ومدِّ بُرٍّ بمدِّ برٍّ، ومدّ شعيرٍ بمدِّ شعير.
(و) الشرط الثاني: (القبضُ قبل التفرق) من المجلس.
(وإذا بيع) المكيلُ أو الموزون (بغير جنسه، كذهبٍ بفضةٍ، وبُرٍّ بشعير صح) ذلك (بشرط) واحد، وهو (القبض قبل التفرق) من المجلس، (وجاز التفاضل.) فيصح بيع مُدَّ من الشعير، بخمسة أمدادٍ من الحنطة، بشرط القبض قبل التفرّق.
(وإن بيعَ المكيلُ بالموزونِ، كبُرٍّ بذهبٍ مثلاً، جاز التفاضل والتفرق قبل القبض).
(ولا يصحّ بيعُ المكيلِ) أي ما أصله الكيلُ، كالبر، والشعير، والتمر، والملح، (بجنسه وزناً) كرطل بُرٍّ برطل برٍّ. (ولا) يصح بيع
стр. 350
(الموزونِ) أي ما أصله الوزن، كالفضة، والنحاس، والرصاص، (بجنسه كيلاً،) إلا أذا علم مساواتَهُ، أي المكيلِ الذي بيعَ وزناً، أو الموزونِ الذي بيع كيلاً، في معياره الشرعي. فَلَوْ كِيلَ المكيلُ، أو وُزِنَ الموزون، فكان سواءً، صحَّ.
(ويصح بيع اللحم بمثله) أي بوزنه من جنسه، كلحم بقرٍ بمثله، رطَبْاً بمثله، أو يابساً بمثله (إذا نُزِعَ عظمه) لأنه إذا لم يُنْزَعْ عظمه أدّى إلى الجهلِ بالتساوي. فإذا نُزِعَ صح البيع، كالذهب بالذهب، مِثْلاً بمثلٍ.
(و) يصح بيع لحم (بحيوانٍ من غير جنسه) أي مأكولٍ، كقطعةٍ من لحمِ ضأنٍ أو بقرٍ بحمامةٍ، كغير مأكول.
(ويصح بيع دقيقِ ربويٍّ) كدقيق برٍّ (بدقيقِهِ) مثلاً بمثل (إذا استويا) أي الدقيقان (نعومةً،) لأنهما تساويا حالَ العقدِ على وجهٍ لا ينفرد أحدهما بالنقصان، فجاز، (أو) استويا (خشونةً، ورَطْبِهِ بِرَطْبِهِ) كالعِنَبِ بالعنبِ، والرُّطَبِ بالرُّطَبِ؛ (ويابسهِ بيابسهِ) كالزبيب بالزبيب، والتمر بالتمر؛ (وعصيرِه بعصيرِه) كماءِ عنبِ بماء عنبٍ؛ (ومطبوخِهِ بمطبوخِهِ) أي يصح بيع مطبوخ جنسٍ ربوِيٍّ بمَطبوخِهِ، كسمنٍ بقريٍّ بسمنٍ بقريٍّ مِثْلاً بمثلٍ (إذا استويا نشافاً أو رطوبةً).
(ولا يصح بيع فرعٍ. بأصلِهِ كزيتٍ بزيتونٍ، وشَيْرَجٍ بِسِمْسِمٍ، وجبنٍ بلبنٍ، وخبزٍ بعجينٍ، وزَلَابِيَةٍ (١) بِقمْحٍ).
(ولا) يصح (بيع الحب المشتدّ) في سُنْبُلِهِ من بُرٍّ أو شعيرٍ
стр. 351
(بجنسِهِ) لأن التساويَ مجهولٌ، والجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل (١)، وتسمى المحاقلة.
(ويصحّ) بيع الحب المشتدّ في سنبِلهِ (بـ) حبِّ (غيرِ جنسِهِ) كما لو كان أحدهما برًّا والآخَرُ شعيراً، لأن اشتراط التساوي منتفٍ مع الجنسين.
(ولا يصحّ بيع ربويٍّ بجنسِهِ، ومعهما) أي الثمن والمثمن (أو مع أحدِهِما من غيرِ جنسِهما) وذلك (كمدِّ عجوةٍ ودرهمٍ بمثلهما) أي بمدّ عجوةٍ ودرهم (أو دينار ودرهم بدينارٍ) حسماً لمادة الربا.
(ويصحّ) لو قال: (أعطني بنصفِ هذا الدرهم فضةً وبـ (النصف (الآخر فلوساً) أو حاجةً غيرَ الفُلوس؛ أو قال: أعطني بالدرهم نصفاً وفلوساً؛ أو دفع إليه درهمين، وقال: بعني بهذا الدرهم فلوساً، وأعطني بالآخر نصفين، ففعل صح.
(ويصح صرف الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، متماثلاً وزناً لا عدًّا) وإنما يصحّ صرف الذهب بالفضة وعكسه (بشرط القبض قبل التفرّق).
(و) يصح (أن يعوِّض أحدَ النقدينِ عن الآخرِ بسعرِ يومهِ) قال في المنتهى: ويصح اقتضاءُ نقدٍ من آخر، إن أُحضِرَ أحدُهما، أو كان أمانةً والآخر مستقراً في الذمة، بسعر يومه.
وقال: ومن عليه دينارٌ، فقضاه دراهم متفرقةً، كلَّ نَقْدَةٍ بحسابها منه، صحّ. وإلا فلا. انتهى.
стр. 352
باب في أحكام (بَيْع الأصُول وَ) أحكام بَيْع (الثمار)
والأصول هنا أرضٌ ودورٌ وبساتينُ ومَعَاصِرُ وطواحينُ ونحوُها. والثمار جمع ثَمَرٍ كجبلٍ وجبال، وواحد الثَّمَرِ ثَمَرَة، وجمع الثمارِ ثُمُرٌ ككتابٍ وكُتُب، وجمع الثُّمُرِ أثمار كعنق وأعناق، فهو رابعُ جمع.
(من باع، أو وَهَبَ، أو رهَن، أو وَقَفَ داراً، أو أقرّ أو وصّى بها، تناول) ذلك (أرضَها) بمعدِنِها الجامد، لأنه كأجزائها، (و) تناول البيعُ (بناءَها) وسقْفَها ودرَجَها، لأن ذلك داخل في مسمَّاها، (و) تناول البيع (فِنَاءَها) بكسر الفاء، وهو ما اتسع أمامها (إن كان) لها فناء، إذ غالب الدورِ ليس لها فناء، (و) تناول البيع ما كان (متّصلاً بها) أي الدار (لمصلحتها، كالسلالِيمِ) من خشبِ، جَمْع سُلَّمٍ بضم السين وفتح اللام المشدّدة، وهو المِرْقاة، ولفظه مأخَوذ من السلامة. وشَرْطُ دخولِها أن تكون مسمرَّة، (والرفوفَ المسمَّرَةَ، والأبوابَ المنصوبة) وحَلَقَهَا، ورحىً منصوبة (والخوابيَ المدفونةَ) لأن ذلك كله متصلٌ بها لمصلحتها، أشبه الحيطان. وعلم مما ذكر أن السلاليمَ والرفوفَ إذا لم تكن مسمّرة، والبابَ إذا لم يكن منصوباً، والخوابي إذا لم تكن مدفونةً، لا تدخل، لأنه منفصلٌ عنها، أَشْبَهَ الطعامَ في الدار، (و) تناول البيع (ما فيها) أي الدار (من شجرٍ) مغروسٍ (وَعُرُشٍ) جمعُ عَرِيشٍ، وهو الظُّلَّة لأنهما
стр. 353
متصلان بها، (لا كنزاً وحَجَراً مدفونين) لأنهما مَوْدُوعان فيها للنقل عنها، أشبها الفُرُشَ والستور.
(ولا) يدخل (منفصلٌ عنها كحَبْلٍ ودلْوٍ وبَكَرَةٍ) وقُفْلٍ (وفُرُشٍ) لأن اللفظ لا يشمله، ولا هو من مصلحتها، (ومفتاحٍ) للدار، وحَجَرِ رحىً فوقاني.
(وإن كان المباع (١) ونحوه) أي كالموقوفِ والموهوبِ والمرهونِ والمقرّ بِهِ والموصى به (أرضاً دَخَلَ ما فيها من غِراسٍ وبناءٍ) ولو لم يقل: بحقوقها، لأنهما من حقوقها. وما كان كذلك فيدخلُ فيها بالإِطلاق.
(لا) يدخل في بيع الأرضِ ونحوِها مما ذكر (ما فيها من زرعٍ لا يُحْصَد إلا مرّة، كَبُرٍّ وشعيرٍ وبصلٍ) وسمسمٍ وأرزٍّ وفجلٍ وثومٍ ولفتٍ وجزرٍ (ونحوه. ويُبَقَّى) في الأرض (للبائع إلى أولِ وقتِ أخذِهِ) وإن كان بقاؤه أنفع له، كالثمرة (بلا أجرةٍ) على بائعٍ، لأن المنفعة حصلت مستثناةً له. (ما لم يشترطه) أي الزرعَ (المشتري) أو نحوُه (لنفسِهِ) ولا يضر جهلُهُ في مبيعٍ إذا شَرَطَه له، ولا عدم كماله لكونه دَخَل تبعاً للأرض.
(وإن كان) ما في الأرض من الزرع (يجزُّ مرةً بعد أخرى، كَرَطْبَةٍ) بفتح الراء، وهي الفَضَّةُ (٢)، فإذا يَبسَتْ فهي قَتٌّ، (وبُقُولٍ) كنَعْنَاعٍ وهِنْدَبَاء (أو تتكرَّرُ ثمرتُهُ كقِثَّاءٍ وباذنجانٍ) أَو يتكرَّر أخذ زَهَرِهِ كوردٍ وياسمينٍ.
(فالأصول) من جميع ذلك في مبيع (للمشتري) لأن ذلك يراد للبقاءِ، أشبهَ الشجَرَ. (والجزّة الظاهرةُ) وقتَ البيع (واللَّقْطَةُ الأولى) وزهرٌ تفتَحَ وقتَ بيعٍ (للبائعِ) لأنه يُجْنى مع بقاءِ أصلِهِ، أشبَهَ ثَمَرَ الشجرِ المؤَبَّر.
стр. 354
(وعليه) أي على البائع (قطعُها) أي الأشياء التي قلنا: إنها له (في الحال) أي على الفور.
فصل [في بيع الثمار]
(وإذا بِيعَ شجرُ النخْلِ بعد تشقَّق طِلْعِهِ) بكسر الطاء (١) غلاف العنقود (فالثمر للبائعِ) ما لم يشترطْهُ المشتري، (متروكاً) في رؤوس النخل (إلى أول وقتِ أَخْذِهِ.) قال في شرح المنتهى: وأمّا كوْنُ الثمرةِ تترك في رؤوس النخلِ إلى الجَذَاذِ لأن (٢) النقلَ والتفريغَ للمبيعِ على حسب العُرفِ والعادة، كما لو باع داراً فيها طعامٌ، لم يجب نقلُه إلا على حَسَبِ العادة في ذلك، وهو أن ينقُلَهُ نهاراً شيئاً بعد شيء، ولا يلزمه النَّقْلُ ليلاً، ولا جَمْعُ دوابِّ البلد لنقله. كذلك ههنا: تفريغُ النَّخْلِ من الثمرةِ في أوان تفريغِها، وهو أوَانُ جذاذِها.
إذا تقرَّرَ هذا فالمرجعُ في جَذِّهِ إلى ما جرتْ به العادة، فإذا كان المبيعُ نخلاً فحين تتناهى حلاوةُ ثمرهِ. انتهى. فإن جرتْ عادةٌ بأخِذِهِ بُسْراً، أو كان بُسْرُهُ خيراً من رُطَبِه جَذَّهُ حين تستحكم حلاوةُ بُسْرِهِ.
(وكذا) الحكم (إنْ بِيعَ شجرُ ما ظَهرَ) من ثمرةٍ لا قشر عليها، ولا نَوْرَ لها (من عنبٍ وتينٍ وتوتٍ) وجُمَّيْزٍ، أو يظهر في قشرِهِ ويبقى فيه إلى حين الأكل، (و) ذلك (كرمِّانٍ) ومَوْزٍ، أو يظهر في قشرين (و) ذلك كـ (جَوْزٍ، أو ظهر من نَوْرِهِ) أي وكالطَّلْعِ إذا تشقَّق في الحكم ما ظهر
стр. 355
من نورِهِ مما له نَوْرٌ يتناثر (كمشمشٍ) بكسر ميميه (وتفاحٍ وسفرجلٍ ولَوْزٍ) وخَوْخٍ وإجَّاصٍ، (أو خَرَجِ من أكمامهِ) جمع كِمٍّ بكسر الكاف، وهو الغلاف (كوَرْدٍ) وياسمينٍ ونرْجِسٍ وبَنَفْسَجٍ وقطْنٍ يحمِل في كل سنة.
(وما بِيعَ قبل ذلك) أي قبل تشقُّقِ الطلع ونحوه (فللمشتري) والمتّهب كورق الشجر، لأنه من أجزائِها خُلقَ لمصلحتها.
وأن تشقّق أو ظهر بعضُ ثمرِهِ، أو بعض طلعٍ، ولو من نوعٍ، فللبائعِ، وغيرُهُ للمشتري.
(ولا تدخل الأرض تبعاً للشَّجَرِ) إذا باع الشجرَ، (فإذا باد) الشجرُ (فلا يملكُ غَرْسَ مكانِه) أي إذا اشترى شخصٌ شَجَراً، ثم قَلَعَهُ فلا يملك غَرْسَ شيءٍ مكانه.
فصل [في بيع الثمار بعد بدوِّ صلاحها]
(ولا يصحّ بيع الثمرة قبل بُدُوِّ صلاحها لغيرِ مالِك الأصل، ولا) يصحُّ (بيعُ الزرعِ قبل اشتدادِ حبِّهِ لغير مالك الأرض) إلا بشرْطِ القطْعِ في الحال، في الثمرة والزرعِ إن كان منتفعاً به حين العقد، فإن لم يُنْتَفَعْ بها، كثمرةِ الجوْز وزرعِ التُّرْمُسِ، لم يصحّ، لعدم النفع بالمبيع، ولم يكن مشاعاً (١)، بأن يشتري نصفَ الثمر قبل بُدُوِّ صلاحها مشاعاً، أو نصْفَ الزرعِ قبل اشتداد حبِّه مُشَاعاً، فلا يصح الشراءُ بشرطِ القطعَ.
(وصلاحُ بعض ثمرةِ شجرةٍ صلاحٌ لجميع) أشجارِ (نوعِهِا الذي