(بجنسِهِ) لأن التساويَ مجهولٌ، والجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل (١)، وتسمى المحاقلة.
(ويصحّ) بيع الحب المشتدّ في سنبِلهِ (بـ) حبِّ (غيرِ جنسِهِ) كما لو كان أحدهما برًّا والآخَرُ شعيراً، لأن اشتراط التساوي منتفٍ مع الجنسين.
(ولا يصحّ بيع ربويٍّ بجنسِهِ، ومعهما) أي الثمن والمثمن (أو مع أحدِهِما من غيرِ جنسِهما) وذلك (كمدِّ عجوةٍ ودرهمٍ بمثلهما) أي بمدّ عجوةٍ ودرهم (أو دينار ودرهم بدينارٍ) حسماً لمادة الربا.
(ويصحّ) لو قال: (أعطني بنصفِ هذا الدرهم فضةً وبـ (النصف (الآخر فلوساً) أو حاجةً غيرَ الفُلوس؛ أو قال: أعطني بالدرهم نصفاً وفلوساً؛ أو دفع إليه درهمين، وقال: بعني بهذا الدرهم فلوساً، وأعطني بالآخر نصفين، ففعل صح.
(ويصح صرف الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، متماثلاً وزناً لا عدًّا) وإنما يصحّ صرف الذهب بالفضة وعكسه (بشرط القبض قبل التفرّق).
(و) يصح (أن يعوِّض أحدَ النقدينِ عن الآخرِ بسعرِ يومهِ) قال في المنتهى: ويصح اقتضاءُ نقدٍ من آخر، إن أُحضِرَ أحدُهما، أو كان أمانةً والآخر مستقراً في الذمة، بسعر يومه.
وقال: ومن عليه دينارٌ، فقضاه دراهم متفرقةً، كلَّ نَقْدَةٍ بحسابها منه، صحّ. وإلا فلا. انتهى.
стр. 352
باب في أحكام (بَيْع الأصُول وَ) أحكام بَيْع (الثمار)
والأصول هنا أرضٌ ودورٌ وبساتينُ ومَعَاصِرُ وطواحينُ ونحوُها. والثمار جمع ثَمَرٍ كجبلٍ وجبال، وواحد الثَّمَرِ ثَمَرَة، وجمع الثمارِ ثُمُرٌ ككتابٍ وكُتُب، وجمع الثُّمُرِ أثمار كعنق وأعناق، فهو رابعُ جمع.
(من باع، أو وَهَبَ، أو رهَن، أو وَقَفَ داراً، أو أقرّ أو وصّى بها، تناول) ذلك (أرضَها) بمعدِنِها الجامد، لأنه كأجزائها، (و) تناول البيعُ (بناءَها) وسقْفَها ودرَجَها، لأن ذلك داخل في مسمَّاها، (و) تناول البيع (فِنَاءَها) بكسر الفاء، وهو ما اتسع أمامها (إن كان) لها فناء، إذ غالب الدورِ ليس لها فناء، (و) تناول البيع ما كان (متّصلاً بها) أي الدار (لمصلحتها، كالسلالِيمِ) من خشبِ، جَمْع سُلَّمٍ بضم السين وفتح اللام المشدّدة، وهو المِرْقاة، ولفظه مأخَوذ من السلامة. وشَرْطُ دخولِها أن تكون مسمرَّة، (والرفوفَ المسمَّرَةَ، والأبوابَ المنصوبة) وحَلَقَهَا، ورحىً منصوبة (والخوابيَ المدفونةَ) لأن ذلك كله متصلٌ بها لمصلحتها، أشبه الحيطان. وعلم مما ذكر أن السلاليمَ والرفوفَ إذا لم تكن مسمّرة، والبابَ إذا لم يكن منصوباً، والخوابي إذا لم تكن مدفونةً، لا تدخل، لأنه منفصلٌ عنها، أَشْبَهَ الطعامَ في الدار، (و) تناول البيع (ما فيها) أي الدار (من شجرٍ) مغروسٍ (وَعُرُشٍ) جمعُ عَرِيشٍ، وهو الظُّلَّة لأنهما
стр. 353
متصلان بها، (لا كنزاً وحَجَراً مدفونين) لأنهما مَوْدُوعان فيها للنقل عنها، أشبها الفُرُشَ والستور.
(ولا) يدخل (منفصلٌ عنها كحَبْلٍ ودلْوٍ وبَكَرَةٍ) وقُفْلٍ (وفُرُشٍ) لأن اللفظ لا يشمله، ولا هو من مصلحتها، (ومفتاحٍ) للدار، وحَجَرِ رحىً فوقاني.
(وإن كان المباع (١) ونحوه) أي كالموقوفِ والموهوبِ والمرهونِ والمقرّ بِهِ والموصى به (أرضاً دَخَلَ ما فيها من غِراسٍ وبناءٍ) ولو لم يقل: بحقوقها، لأنهما من حقوقها. وما كان كذلك فيدخلُ فيها بالإِطلاق.
(لا) يدخل في بيع الأرضِ ونحوِها مما ذكر (ما فيها من زرعٍ لا يُحْصَد إلا مرّة، كَبُرٍّ وشعيرٍ وبصلٍ) وسمسمٍ وأرزٍّ وفجلٍ وثومٍ ولفتٍ وجزرٍ (ونحوه. ويُبَقَّى) في الأرض (للبائع إلى أولِ وقتِ أخذِهِ) وإن كان بقاؤه أنفع له، كالثمرة (بلا أجرةٍ) على بائعٍ، لأن المنفعة حصلت مستثناةً له. (ما لم يشترطه) أي الزرعَ (المشتري) أو نحوُه (لنفسِهِ) ولا يضر جهلُهُ في مبيعٍ إذا شَرَطَه له، ولا عدم كماله لكونه دَخَل تبعاً للأرض.
(وإن كان) ما في الأرض من الزرع (يجزُّ مرةً بعد أخرى، كَرَطْبَةٍ) بفتح الراء، وهي الفَضَّةُ (٢)، فإذا يَبسَتْ فهي قَتٌّ، (وبُقُولٍ) كنَعْنَاعٍ وهِنْدَبَاء (أو تتكرَّرُ ثمرتُهُ كقِثَّاءٍ وباذنجانٍ) أَو يتكرَّر أخذ زَهَرِهِ كوردٍ وياسمينٍ.
(فالأصول) من جميع ذلك في مبيع (للمشتري) لأن ذلك يراد للبقاءِ، أشبهَ الشجَرَ. (والجزّة الظاهرةُ) وقتَ البيع (واللَّقْطَةُ الأولى) وزهرٌ تفتَحَ وقتَ بيعٍ (للبائعِ) لأنه يُجْنى مع بقاءِ أصلِهِ، أشبَهَ ثَمَرَ الشجرِ المؤَبَّر.
стр. 354
(وعليه) أي على البائع (قطعُها) أي الأشياء التي قلنا: إنها له (في الحال) أي على الفور.
فصل [في بيع الثمار]
(وإذا بِيعَ شجرُ النخْلِ بعد تشقَّق طِلْعِهِ) بكسر الطاء (١) غلاف العنقود (فالثمر للبائعِ) ما لم يشترطْهُ المشتري، (متروكاً) في رؤوس النخل (إلى أول وقتِ أَخْذِهِ.) قال في شرح المنتهى: وأمّا كوْنُ الثمرةِ تترك في رؤوس النخلِ إلى الجَذَاذِ لأن (٢) النقلَ والتفريغَ للمبيعِ على حسب العُرفِ والعادة، كما لو باع داراً فيها طعامٌ، لم يجب نقلُه إلا على حَسَبِ العادة في ذلك، وهو أن ينقُلَهُ نهاراً شيئاً بعد شيء، ولا يلزمه النَّقْلُ ليلاً، ولا جَمْعُ دوابِّ البلد لنقله. كذلك ههنا: تفريغُ النَّخْلِ من الثمرةِ في أوان تفريغِها، وهو أوَانُ جذاذِها.
إذا تقرَّرَ هذا فالمرجعُ في جَذِّهِ إلى ما جرتْ به العادة، فإذا كان المبيعُ نخلاً فحين تتناهى حلاوةُ ثمرهِ. انتهى. فإن جرتْ عادةٌ بأخِذِهِ بُسْراً، أو كان بُسْرُهُ خيراً من رُطَبِه جَذَّهُ حين تستحكم حلاوةُ بُسْرِهِ.
(وكذا) الحكم (إنْ بِيعَ شجرُ ما ظَهرَ) من ثمرةٍ لا قشر عليها، ولا نَوْرَ لها (من عنبٍ وتينٍ وتوتٍ) وجُمَّيْزٍ، أو يظهر في قشرِهِ ويبقى فيه إلى حين الأكل، (و) ذلك (كرمِّانٍ) ومَوْزٍ، أو يظهر في قشرين (و) ذلك كـ (جَوْزٍ، أو ظهر من نَوْرِهِ) أي وكالطَّلْعِ إذا تشقَّق في الحكم ما ظهر
стр. 355
من نورِهِ مما له نَوْرٌ يتناثر (كمشمشٍ) بكسر ميميه (وتفاحٍ وسفرجلٍ ولَوْزٍ) وخَوْخٍ وإجَّاصٍ، (أو خَرَجِ من أكمامهِ) جمع كِمٍّ بكسر الكاف، وهو الغلاف (كوَرْدٍ) وياسمينٍ ونرْجِسٍ وبَنَفْسَجٍ وقطْنٍ يحمِل في كل سنة.
(وما بِيعَ قبل ذلك) أي قبل تشقُّقِ الطلع ونحوه (فللمشتري) والمتّهب كورق الشجر، لأنه من أجزائِها خُلقَ لمصلحتها.
وأن تشقّق أو ظهر بعضُ ثمرِهِ، أو بعض طلعٍ، ولو من نوعٍ، فللبائعِ، وغيرُهُ للمشتري.
(ولا تدخل الأرض تبعاً للشَّجَرِ) إذا باع الشجرَ، (فإذا باد) الشجرُ (فلا يملكُ غَرْسَ مكانِه) أي إذا اشترى شخصٌ شَجَراً، ثم قَلَعَهُ فلا يملك غَرْسَ شيءٍ مكانه.
فصل [في بيع الثمار بعد بدوِّ صلاحها]
(ولا يصحّ بيع الثمرة قبل بُدُوِّ صلاحها لغيرِ مالِك الأصل، ولا) يصحُّ (بيعُ الزرعِ قبل اشتدادِ حبِّهِ لغير مالك الأرض) إلا بشرْطِ القطْعِ في الحال، في الثمرة والزرعِ إن كان منتفعاً به حين العقد، فإن لم يُنْتَفَعْ بها، كثمرةِ الجوْز وزرعِ التُّرْمُسِ، لم يصحّ، لعدم النفع بالمبيع، ولم يكن مشاعاً (١)، بأن يشتري نصفَ الثمر قبل بُدُوِّ صلاحها مشاعاً، أو نصْفَ الزرعِ قبل اشتداد حبِّه مُشَاعاً، فلا يصح الشراءُ بشرطِ القطعَ.
(وصلاحُ بعض ثمرةِ شجرةٍ صلاحٌ لجميع) أشجارِ (نوعِهِا الذي
стр. 356
بالبستان) الواحد، لأن اعتبارَ الصلاح في الجميعِ يَشُقُّ، وكالشجرةِ الواحدة.
(فصلاحُ البَلَحِ أن يحمر أو يصفرّ، و) صلاح (العِنَبَ أن يَتَمَوَّهَ بالماء الحلو، و) صلاحُ (بقية الفواكه) كالرمّان والمشمش والخوخ والجوز والسفرجل (طِيبُ أكلِهَا وظهورُ نضجها. و) صلاح (ما يظهر فَماً بعد فَمٍ) أي بعد لقطه (١) (كالقِثّاءِ والخِيارِ أن يؤكل عادة.) والصلاح في الحبّ أن يشتد أو يبيض.
(وما تلف من الثمرة) إذا كانت باقيةً على أصولِها -سوى يسيرٍ لا ينضبط لقلته- بجائحةٍ سماويةٍ، وهي ما لا صُنْعَ لآدميٍّ، فيها ولو بعد قبضٍ (قبلَ أخْذِها فمن ضمان البائع) لأن التخليةَ في ذلك ليست بقبضٍ تامٍّ، لأن على البائع المؤنة إلى تتمة صلاحِهِ، فوجب كونه من ضمانِ بائعٍ (ما لم تُبَعْ مع أصلها) لحصولِ القبضِ التامّ، وانقطاع عُلَقِ البائع عنه (أو يؤخِّرِ المشتري أَخذَهَا عن عادتِهِ) لتفريطِ المشتري. وإن تَعَيَّبَت الثمرة بالجائحة في وقتٍ يكون تلفها بالجائحةِ من ضمانِ بائعٍ خُيرَ مشترٍ بين فسخِ بيعٍ، وإمضاءٍ وأَخْذِ أرْشٍ.
وإن تلف ما ضُمِنَ بالجائحةِ بِصُنْعِ آدميٍّ خُير مشترٍ بين فسخِ بيعٍ ومطالبةِ بائعٍ بما قَبَضَهُ من الثمن، أو إمضاءٍ ومطالبةِ مُتْلِفٍ، كالمكيلِ إذا أتلفه آدميٌّ قبل القبض.
стр. 357
باب السّلم
هو في الشرع عقدٌ على شيءٍ يصح بيعُهُ، موصوفاً في ذمةٍ، لجائزِ التصرُّفِ، بثمنٍ مقبوضٍ بمجلسِ العقد.
وهو جائز بالإِجماع. وسنده من الكتاب قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾.
(ينعقد) السلم (بكلّ ما يدلّ عليه) من الألفاظ، كأسلمتك وأسلفتك. و) يصح السلم (بلفظ البيع) كابتعتُ منك قمحاً صفته كذا، وكيله كذا، إلى كذا، لأنه نوع منه.
(وشروطه) أي شروطُ صحتِهِ (سبعة)، تأتي مفصلة:
(أحدها) (١): (انضباط صفات المسلَم فيه) لأن ما لا يمكن ضبطُ صفاتِه يختلف كثيراً، فيفضي إلى المنازَعَةِ والمشاقَقَةِ المطلوبِ شرعاً عدمهما، وذلك (كالمكيلِ) من حبوبٍ وغيرِها، كأدْهانٍ وألبان، (والموْزونِ) من الأخبازِ، واللحوم النيِّئةِ، َ ولو مع عَظْمِهَا إنْ عيَّن موضع القطع، كلحم فخِذٍ وجَنْبِ وغير ذلك. ويعتبر قوله: بقر، أو غنم، أو معز، جَذَعٌ أو ثَنِيّ، ذكرٌ أو أنثى، خَصِيّ أو غيره، رضيعٌ أو فطيمٌ،
стр. 358
معلوفَةٌ أو راعية، سمينٌ أو هزيلٌ، لأن الثمن يختلف باختلاف هذه الأشياء. ولا يصحّ في اللحم المطبوخ. (والمذروعِ) من الثيابِ والخيوطِ؛ (والمعدود من الحيوانات، ولو كان) الحيوان (آدمياً)، إلا في أمةٍ وولدِهَا، أو في حاملٍ. (فلا يصحُّ في المعدودِ من الفواكِهِ) لأنها تختلفُ بالصغر والكبر.
(ولا) يصحّ السلَم (فيما لا ينضبط، كالبقولِ) لأنها تختلفُ، ولا يمكن تقديرها بالحُزَم؛ (والجلودِ) لأنها تختلف، ولا يمكن ذَرْعُها؛ (والرؤوسِ والأكارع) لأن أكثر ذلك العظامُ والمشافرُ، واللحمُ فيه قليلٌ، وليس بموزونٍ؛ (والبيضِ) والجَوْزِ والرُّمَّانِ، لأَنَّ ذلك يختلف، (والأواني المختلفة رؤوساً وأوساطاً كالقماقم) جمع قمقمٍ بضم القافين (ونحوها) كالأسطال الضيقةِ الرؤوس.
(الثاني: ذكر جنسِهِ) أي المسلمِ فيه، فيقول مثلاً: تمرٌ؛ (و) ذِكْر (نوعِهِ) فيقول: بَرْنيٌّ، أو مَعْقِلِيٌّ، ويكون ذكر نوعِهِ وجنسِهِ (بالصفاتِ التي يختلف بها الثمن غالباً) كالحداثةِ والقِدَمِ، والجودةِ والرداءَةِ، فيصفُ البُرَّ بأربَعَةِ أوصافٍ: بالنوع فيقول: سَلْمُونيّ؛ والبلدِ، فيقول: حورانيّ، أو بِقاعيّ، أو بُحَيْرِي؛ وصغار الحبّ أو كباره؛ وحديثٌ أو عتيقٌ.
وإن كان النوعُ الواحد يختلف لونُه ذَكَرَه.
(ويجوز) لربّ السلم (أن يأخُذَ دونَ ما وُصِفَ له) لأن الحق له، وقد رضِيَ بدونه (و) يجوز له أخذه (من غير نوعِهِ من جنسِهِ) لأن النوعين مع الاتّحاد في الجنس كالشيءِ الواحِدِ، بدليلِ تحريم التفاضل.
(الثالث: معرفة قدره) أي المسلم فيه، (بمعيارِهِ الشرعيّ) أي بالكيلِ في المكيل، وبالوزنِ في الموزون، وبالذرع في المذروع. (فلا يصحّ) أن يُسْلِمَ (في مكيلٍ وزناً، ولا في موزونٍ كيلاً) نصّ عليه، لأنه
стр. 359
بيعٌ بشرطِ معرفةِ قدرِه، فلم يجزْ بغيرِ ما هو مقدر بِهِ في الَأصْلِ، كبيعِ الربويّات بعضاً ببعضٍ. ولأنه قدّرَ المسلَمَ فيه بغير ما هو مقدَّر به في الأصل. ولا يصح شَرطُ صنجةٍ أي العيارِ الذي يوزن به، أو مِكْيالٍ (١) أو ذِرَاعٍ لا عُرْفَ له.
(الرابع: أن يكون في الذّمة) فلا يصح في عينِ شجرةٍ نابتةٍ ونحوِها، لأنه ربّما تَلِفَ المُعَيَّن قبل أوانِ تسليمِهِ، ولم يذكرْ بعضُهمْ قوله: "أن يكون في الذمة" استغناءً عنه بذكر الأجل، لأن المؤجَّل لا يكون إلا في الذّمّةُ. وأن يكون (إلى أجلٍ معلومٍ)، نصًّا، (له) أي الأجَل (وَقْعٌ في العادةِ) لأن الأجَلِ إنما اعتُبِر ليتحقَّق الرفْقُ الذي شُرِعَ من أجلِهِ السلَم، فلا يحصل ذلك بالمدَّةِ التي لا وَقْعَ لها في الثمن.
والأجلِ الذي له وقع في الثمن (كشهر) ونحوِهِ. في الكافي. أو نصفِهِ. ومن أسلم لمجهولٍ، كحَصَادٍ، وجَذَاذٍ، ونحوهما، أو ربيعٍ أو جمَادى أو النَّفْرِ، لم يصحّ.
(الخامس: أن يكونَ مما يُوْجَد غالباً عند حلول الأجَلِ) لوجوب تسليمِهِ إذَنْ. ولو كان معدوماً عند العِقد، كالسَّلَمِ في العِنَبِ والرُّطَبِ زَمَنَ الشتاءِ في الصيف. فلو عَكَسَ ذلكَ لم يصحَّ، لأنه لا يمكن تسليمه غالباً عند وجوبه، أشْبَهَ بيعَ الآبق، بل أولى.
(السادس: معرفةُ قدرِ رأسِ مالِ السلم، وانضباطُه) كالمسلَمِ فيه، لأنه قد يتأخَّرُ تسليمُ المعقودِ عليه، ولا يُؤْمَن انفساخهُ، فوجَبَ معرفةُ رأسِ مالِهِ ليردَّ بَدَلَهُ، كالقرض.
(فـ) على هذا (لا تكفي مشاهَدَتُهُ).
(ولا يصحُّ بما لا ينضَبِطُ) كجوهرٍ ونحوِهِ، فإن فَعَلَا فباطلٌ.
стр. 360
(السابع: أن يَقْبضَهُ) أي رأس مال السلم (قبل التفرق من مجلس العقد) استنبطه الشافعيّ رحمه الله تعالى من قوله ﷺ : "مَنْ أسلَفَ فليُسْلِفْ" (١) أي فليُعْطِ. لأنّه لا يقَعُ اسمُ السلفِ فيه، حتى يعطِيَهُ ما أسلف قبل أن يفارقَ منْ أسلفه انتهى، وحَذَراً أن يصيرَ بيعَ دينٍ بدينٍ، فيدخُل تحتَ النهيِ؛ أو ما في معنى القبضِ، كما لو كانَ عند المسلَم إليه أمانةٌ أو عينٌ مغصوبةٌ، فيجعلها ربُّها رأسَ مالِ السلم، فيصحُّ، لأنه في معنى القبض؛ لا ما في ذمَّتِهِ، فإنْ قَبَضَ بعض رأسِ مالِ السَّلَمِ، ثم افترقَا، بطل فيما لم يُقْبَضْ.
(ولا يُشترط ذكْرُ مكانِ الوفاءِ) في عقدِ السلمِ، لعدمِ ذكرِهِ في الحديث، (لأنه) أي الوفاء (يجبُ بمكانِ العَقْدِ،) وشَرْطُهُ فيه مؤكِّد، (ما لم يُعْقَدُ ببرّيَّةٍ ونحوِهَا) كعلى جبلٍ غير مسكونٍ، أو في دارِ حربٍ، أو في سفينةٍ (فيشتَرَطُ) ذِكْرُ مكانِ الوَفَاءِ.
(ولا يصحُّ أَخذ رهنٍ أو كفيلٍ بمسلمٍ فيه) لأن الرهنَ إنما يجوزُ بشيءٍ يمكنُ استيفاؤه من ثَمَنِ الرَّهْنِ، والضمانُ يقيم ما في ذمة الضامنِ مقامَ ما في ذمةِ المضمون عنه، فيكون في حكم المعوَّض والبَدَلِ عنه، وكلاهما لا يجوز (٢).
(وإن تعذَّر حصوله) أي المسلم فيه، أو بعضهِ، بأن لم يوجد، (خُيِّرَ ربُّ السَّلَمِ) فيه (بين صبرٍ) إلى أن يوجد فيطالِبَ بِهِ (أو فسخٍ).
(ويرجعُ إنْ فَسَخَ برأسِ مالِهِ) إن كان موجوداً بعينه، (أو بَدَلِهِ إن تعذَّرَ) لتعذُّرِ رده.
стр. 361
وَعِوَضُهُ مِثْلُ مِثْلِيٍّ وقيمةُ متقوَّم.
(ومن أراد قضاءَ دينٍ عن غيرِهِ، فأبى ربُّهُ) أي ربُّ الدين قبضَهُ من غيرِ المدينِ (لم يُلْزَمْ بقبوله.)
стр. 362
باب القرض
هو في اللغة القطعُ، وشرعاً دفع مالٍ إرفاقاً لمن ينتفع به ويردّ بدلَه. قال في غاية المنتهى: والصدقة أفضلُ منه.
(يصح) القرضُ (بكلِّ عينٍ يصحُّ بيعُها) من مكيلٍ وموزونٍ وغيرِه، كالحيوان (إلا بني آدم) الاختيارُ للقاضي، لأنه لم يُنْقَلْ قرضُهم.
(ويشترط عِلْم قدْرِه) أي المال المقرض، بقدْرٍ معروفٍ، (ووصفِهِ) كسائرِ عقودِ المعاوَضَاتِ.
(و) يشترط (كون المقرِضِ يصحّ تبرعه) لأنه عقدٌ على مالٍ، فلا يصحّ إلا من جائز التصرف.
(ويتم العقد) أي عقد القرض (بالقبولِ) لَه.
(ويُمْلَكُ) المالُ المقرَضُ، (ويَلْزَمُ) العقد (بالقبضِ) لأنه عقدٌ يقف التصرف فيه على القبضِ، فوَقَفَ المِلك عليه، كالهبة، (فلا يملِكُ المقرِض استرجاعَه) لأنه قد لزم من جهته فلا يَمْلِك الرجوعَ فيه، كالبيع، لكونه أزالَ ملكه عنه بعقدٍ لازمٍ من غيرِ خيارٍ، (ويثبت له البدَلُ حالاًّ) لأنه يوجِبُ ردَّ المثل في المثليات فأوجبه حالاً، كالإِتلاف. فعلى هذا لو أقرضَه تفاريق، ثم طالبه بها جملة، كان له ذلك، لأن الجميع حالٌّ، أشبهَ، ما لو باعه بيوعاً حالّةً متفرقة، ثم طالبه بثمنها جملة.
стр. 363
(فإن كان) المُقْرَض (متقوماً) كالكتبِ (فـ) يَرُدُّ (قيمتَهُ وَقْتَ القَرْضِ) لأن قيمتها تختلف في الزمن اليسير، باعتبارِ قِلَّة الراغِبِ وكثرته، فتنقص فينْضَرُّ المقرِض، أو تزيد زيادة كثيرة فينضرّ المقترض.
(وإنْ كان) المقرَضُ (مثليًّا) مكيلاً أو موزوناً (فـ) يرد (مثله) وقت القرض (١) سواء زادت قيمته، أي المثل عن وقتِ القرضِ، أو نقصت (ما لم يكن المُقْرَضُ (معيباً أو فلوساً ونحوها) كالدراهم المكسّرة (فيحرِّمها السلطان) ولو لم يتفق الناسُ على تركِ المعاملةِ بها (فله القيمةُ) أي قيمةُ ما أَقْرَضَهُ.
(ويجوز شرطُ رَهْنٍ وضمينٍ فيهِ) أي في القَرْضِ.
(ويجوز قَرْضُ الماءِ) حال كونه (كيلاً) كغيرِهِ من المكيلات.
(و) يجوز قرض (الخبز) عدداً (والخميرِ عدداً، وردُّه عدداً بلا قَصْدِ زيادة) ولا جَوْدَةٍ، ولا شرطِهِمَا. فإنْ قَصدَ الزِياده؛ أو الجودةَ أو شَرَطَهمَا حَرُمَ لأنه يجرّ نفعاً.
(وكلُّ قَرْضٍ جَرَّ نَفْعاً فَحَرَامٌ كأنْ يُسْكِنَهُ داره) مجاناً أو رخيصاً، (أو يعيرَهُ دابتَهُ، أو يَقْضِيَهُ خيراً منه) أو ينتفعَ بالرهنِ، أو يزارِعَه على ضَيْعَةٍ، أو أن يستعمله في صنعته، ويعطيه أنْقَصَ من أُجْرَةِ المِثْلِ، ونحو ذلك من كل ما فيهِ جَرُّ منفعةٍ، فلا يجوز.
(وإن فعل ذلك) أو شيئاً منه (بلا شرطٍ) بعد الوفاءِ، ولا مواطَأَةٍ، (أو قضى) المقترض (خيراً منه،) أو أكثَرَ مما اقترضُهُ (بلا مواطأةٍ، جازَ) قال في الفصول: وأما الذهب والفِضة فيعفى فيهما عن الرُّجحَانِ في القضاءِ، إذا كان يسيراً. انتهى، أو أهدى له هديّةً بعد الوفاءِ، أوْ عُلِمُ منه الزيادة، لشُهْرَةِ سخائِهِ وكَرَمِهِ، جاز ذلك.
стр. 364
(ومتى بَذَلَ المقترضُ) أو الغاصبُ (ما عليه بغير بلد القرض) أو الغصب (ولا مَؤْنَةَ لحملِهِ) إليه (لزمَ رَبَّهُ) أي المقرِضَ أو المغصوب منه (قبوله مع أَمْنِ البلدِ والطريق) لأنه لا ضرر عليه إذَنْ.
стр. 365
باب الرّهن
وهو لغةً: الثبوت والدوام، وشرعاً: تَوْثِقَةُ دينٍ بعينٍ يمكنُ أخذه، أو بعضه، منها، أو من ثمنها.
ولا يصحّ بدون إيجابٍ وقبولٍ أو ما يدلّ عليهما كالمعاطاة.
(يصح بشروطٍ خمسة):
<رأس>الأوّل</رأس>: (كونه منجَّزاً) فلا يصحّ معلَّقاً.
(و) الثاني: (كونه) أي الرهن (مع الحقِّ أو بعدهُ)، فمعَ الدينِ كأن يقول: بعتُك هذا بعشرةٍ إلى شهرٍ تَرْهَنُنِي بها عبدَكَ فلاناً. فيقول: اشتريتُ ورهنتُ. فيصح.
وأما بعده فيصحّ بالإِجماع، وسنده قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ فجعله بدلاً من الكتابة. فيكون في محلِّها، ومحلُّها بعد ثبوتِ الحقّ.
وعُلِمَ من هذا أنه لا يصحّ قبل الدين. نصّ عليه الإِمام.
(و) الثالث: (كونه) أي الراهن (ممن يصحّ بيعه) لأنه نوع تصرّفٍ في المالِ، فلم يصحّ من محجورٍ عليه، من غير إذنٍ، كالبيع.
(و) الرابع: (كونه) أي الرهن (ملكَهُ) أي الراهن (أو مأذوناً له في
стр. 366
رَهْنِهِ)، كما لو كان مالكاً لمنافِعِهِ بإجارةٍ، أو إعارةٍ، أو أَذِنَ له مؤجرٌ أو معيرٌ في رهنه.
(و) الخامس: (كونه) أي الرهن (معلوماً جنسُهُ وقدره وصفته) وبدينٍ واجبِ أو مآلُهُ إليه. فيصح بعين مضمونةٍ كالمغصوبِ والعواري والمقبوضِ علَى وَجْهِ السَّوْمِ، والمقبوضِ بعقدٍ فاسدٍ، وبنفعِ إجارةٍ في ذمّةٍ، كخياطةٍ، وبناءِ دارٍ، وحملِ شيءٍ معلومٍ إلى موضعٍ معين.
ولا يصح الرهن على جُعْلٍ قبل تمام عملٍ.
[ما يصح رهنه]
(وكل ما صحّ بيعُهُ صحَّ رهنُهُ إلا المصحف) نَقَلَ الجماعة عن الإِمام أحمدَ رحمه الله تعالى: لا أُرْخِصُ في رهن المصحفِ، لأنه وسيلةٌ إلى بيعه، وهو محرم.
(وما لا يصح بيعُهُ) كالخمرِ وأمِّ الوَلَدِ، والآبقِ، والمجهولِ والرَّهْنِ (لا يصحُّ رهنُهُ) لأن القصد من الرهن استيفاءُ الدَّيْنِ من ثمنِهِ عند التعذُّر، وما لا يصحّ بيعه لا يمكن فيه ذلك (إلا الثمرةَ قبلَ بدوِّ صلاحِها و) إلاَّ (الزرعَ قبلَ اشتدادِ حبَّهِ) لأنَّ النهيَ عن بيعهما إنما شُرِعَ لِعَدَمِ الأمْنِ من العاهةِ، ولهذا أَمَرَ بوضعِ الجوائِحِ، وذلك مفقودٌ هنا، وتقدير تلفها لا يفوِّتُ حق المرتهن من الدَّين لتعلقِهِ بِذمَّةِ الراهِنِ، (و) إلاَّ (القِنِّ) ذكراً أو أنثى (دونَ رَحمِهِ المَحْرَمِ) كولدٍ دون والدِهِ، وأخٍ دون أخيه، لأن النهي عن بيع ذلك إنما هو لأجْلِ التفريقِ بين ذوي الرحم المحرم، وذلك مفقود هنا، فإنه إذا استُحِقَّ بيعُ الرهن يباعان معاً، وُيخَصُّ المرتهن بما يَخُصُّ المرهونَ من ثمنهما.
وفي كيفية ذلك ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يقال: كم قيمةُ المرهون؟ فيقال مثلاً: مائة، ومع ولده
стр. 367
أو والده أو أخيه الذي لم يُرْهَنْ: مائة وخمسون. فيكونُ للمرتهنِ ثلثا ثَمَنِهِمَا. وقدّمه في الرعاية الكبرى.
الثاني: أن يقوّم غير المرهون مفرداً، كأن يكون الولدُ غير المرهونِ قيمتُه عشرونَ، وقيمته هو وأبوه مائة وعشرون، فيكون للمرتَهِنِ خمسةُ أسداس.
الثالث: أن يقوَّمَ المرهون مع قريبه، فإن كان أُمًّا قُوِّمتْ ولها ولد، ثم يقوّمِ الولد مع أُمِّهِ، فإن التفريق ممتنع. قال في التلخيص: هذا هو الصحيح عندي إذا كان المرتَهِنُ يعلم أنَّ لها ولداً. قال في الرعاية الكبرى: وهو أولى.
(ولا يصحّ رهن مال اليتيمِ للفاسقِ) ويحرم على الوليّ رهنُهُ، لما فيه من التعريضِ للهلاك، لأنّ الفاسق قد يجحده، أو يفرّط فيه، فيضيع.
ومثله مكاتَبٌ وقِنٌّ مأذونٌ له في التجارة، لاشتراط وجود المصلحة.
فصل
(وللراهن الرجوعُ في الرهنِ ما لم يقبضْه المرتهنُ) أو وكيلهُ، أوْ مَنِ اتفق الراهن والمرتهن أن يكون بيده.
وليس له قبضُهُ إلا بإذن الراهن. فإن قَبَضَهُ بغير إذنِهِ لم يثبُتْ حكمه، وكان بمنزلةِ من لم يقبضْ، لفساد القبضِ.
(فإن قبضه) بإذنه (لَزِمَ، ولم يصحّ تصرفه فيه) ببيع أو هَبةٍ أو وقفٍ أو رهنٍ أو جعلِهِ صَدَاقاً أو عِوَضاً عن خُلْعٍ، ونحو ذلك (بلا إذن المرتهن، إلا بالعتق) أي عتق الراهنِ الرهنَ المقبوضَ، سواءٌ كان
стр. 368
الراهنُ موسراً أو معسراً، نصًّا. ويحرم.
(وعليه) أي الراهن، إن كان موسراً (قيمتهُ تكونُ رهناً مكانه) لأنَّهُ أَبْطَلَ حقَّ المرتهن من الوثيقة بغير إذنه، فتلزَمُهُ قيمته، كما لو أَبْطَلَها أَجنبيٌّ.
قال في شرح المنتهى: ومحلُّ هذا إذا كانَ الدينُ مؤجَّلاً، إما لو كان حالاًّ، أو حلَّ، طولب بالدين خاصةً، لأنَّ ذمَّتَهُ تبرأُ بِهِ من الحقَّيْنِ معاً.
ومتى أيسَرَ معسِرٌ بقيمتِهِ قبل حلول الدين أُخِذَتْ منه القيمةُ، وجعلت رهناً مكانه.
(وكسْبُ الرهن،) ومَهْرُ المرهونة حيث وَجَبَ، وأرش جنايةٍ عليه، (ونماؤُهُ) أي الرهنِ، المتصلُ كالسِّمَنِ والتعلم، والمنفصل ولو صوفاً ولَبَناً وورقَ شجرٍ مقصوداً (رهنٌ) كالأَصْلِ، يُبَاعُ معه في وفاء الدين. أما كون النماء يتبعُ الرهنَ، فلأنه حكمٌ ثبت في العين بعقد المالك، فيدخل فيهِ النماءُ والمنافع، كالملك بالبيعِ وغيرِهِ، وأما كون أرشِ الجنايةِ عليهِ يتبعُهُ فلأنه بدل جزءٍ، فكان من الرهن، كقيمته إذا أتلفه إنسان.
صفة الرهن بيد المرتهن
(وهو) أي الرهن (أمانةٌ بيد المرتَهِنِ) ولو قبل عقدِ الرهنِ، كبَعْدَ وفاءٍ أو إبراءٍ، (لا يضمنه إلا بالتفريط) أو التعدّي.
(ويقبل قوله) في عَدَمِ التعدي والتفريط، (بيمينه في تلفه، وأنّه لم يفرط) ولم يتعد.
وإن ادّعى التلفَ بحادثٍ ظاهرٍ قبل قولُهُ فيهِ ببينةٍ تشهد بالحادث. ثم يقبل قوله (في تلفه) به بدونها.
(وإن تلف بعض الرهنِ) وبقي بعضه (فباقيه رهنٌ بجميع الحق)
стр. 369
لأن الحقَّ كله متعلق بجميعِ أجزاءِ الرهنِ، ولو كان الرهنُ عينينِ تلفتْ إحداهما.
(ولا ينفكّ منه) أي الرهن (شيءٌ حتى يقضيَ الدينَ كلَّهُ) لأن حقّ الوثيقةِ تعلقَ بجميعِ الرهنِ فيصير محبوساً بكل جزء منه، لا ينفك منه شيءٌ حتى يُقْضَى جميعه، ولو كان مما يُقْسَمُ قسمةَ إجبارٍ. ومن قضى غريمَهُ، أو أسقطَ عنه بعضَ دينٍ له، وببعضِهِ رهنٌ أو كفيلٌ، وقع عما نواه.
(وإذا حل أجلُ الدَّيْنِ، وكان الراهِنُ قد شرط للمرتهن أنه إن لم يأتِهِ بحقه عند الحلول وإلا فالرهن له) أي للمرتهن (لم يصحّ الشرط بل يلزمُهُ) أي الراهنَ (الوفاءُ) لما عليه من الدين (أو يأذنَ للمرتهن) الراهنُ (في بيعِ الرهْنِ، أو يبيعَهُ هو) أي الراهن (بنفسه، ليوفيه) أي المرتهنَ (حقَّه).
(فإن أبى) الراهنُ كلاًّ من بيعِ الرهنِ، ووفاءِ الدين (حُبِسَ أو عُزِّرَ) بالبناء للمفعول فيهما، أي حَبَسَهُ الحاكم أو عزَّرَهُ حتى يفعل ما أمره به، لأن هذا شأن الحاكم.
(فإن أصرّ) على الامتناع (باعَهُ) أي الرهن (الحاكِمُ) نصًّا بنفسِهِ أو أمينِهِ لأنه تعيَّنَ طريقاً إلى أداء الواجِبِ، فوجَبَ فِعْلُهُ ووفاءُ دينِهِ. قال في شرح المنتهى: وظاهر ما تقدم أنه ليس للمرتهن بيعُهُ بغير إذن ربِّهِ أو الحاكم. وهو المذهب. انتهى.
فصل [في انتفاع المرتهن بالرهن]
(وللمرتهن ركوب الرهنِ) إذا كان فرساً أو ناقةً أو نحوهما. (و) له (حلبه،) واسترضاعُ أمته (بقدر نفقته بلا إذن الراهنِ، ولو) كان الراهنُ (حاضراً) لقوله ﷺ : "الظَّهْرُ يُركب بنفقتِهِ إذا كان مرهوناً، ولَبَنُ الدّرِّ
стр. 370
يُشرَب بنفقته إذا كان مرهوناً، وعلى الذي يركَبُ وَيشْرَبُ النفقةُ"، رواه البخاري. لا يقالُ: المرادُ به أن الراهن ينفِقُ وينتفع، لأنه مدفوع بما روي "إذا كانَتْ الدابَّةُ مرهونةً فعلى المرتهن عَلَفُها" (١) فجعل المرتهنَ هو المنفقَ، فيكون هو المنتفِع. وقوله: بنفقته، أي بسببها، إذ الانتفاع عِوَضُ النفقةِ، وذلك إنما يتأتَّى في المرتهن، أما الراهن فإنفاقه وانتفاعه بسبب الملك.
ويكون المرتهن متحرّياً للعدلِ. وسواءٌ أنفق المرتهن مع تعذّر النفقةِ من الراهِنِ بِسبَبِ غَيْبَةٍ، أو امتناعٍ، أو مع القدرة على أخذِ النفقةِ منه، أو استئذانِهِ. ويرجع مرتهنٌ بفضلِ نفقتِهِ على راهن.
(وله) أي المرتهن (الانتفاعُ به) أي بالمرهونِ (مجاناً) أي من غير مقابل (بإذنِ راهنٍ) ما لم يكن الدَّيْن قرضاً. قاله في المنتهى، (لكن يصيرُ) الرهن بعد أن كان أمانةً (مضموناً عليه بالانتفاعِ) أي انتفاع المرتهن به، لأنه صار عاريةً، وهي مضمونة. قال البهوتى في شرحه (٢) ظاهره لا يصير مضموناً عليه قبل الانتفاع به.
(ومُؤْنَةُ الرهنِ، وأجرةُ مخزنِهِ) إن احتاج إلى خَزْنٍ؛ (وأجرة ردِّه من إباقِهِ) أو شروده لو كان قِنًّا أو حيواناً فأبق أو شَرَدَ (على مالِكِهِ) كَكَفَنِهِ لو مات، فإن تعذر بِيعَ بقدر حاجته، أو بيع كلُّه إن خيف استِغْراقُهُ.
(وإن أنفق المرتهن على الرهن) ليرجع (بلا إذن الراهن، مع قدرته على استئذانه فمتبرِّعٌ) لأنه مفرّط، حيث لم يستأذِنِ المالكَ، إذ الرجوعُ فيه معنى المعاوضةِ، فافتقر إلى الإِذن والرضا كسائر المعاوضات.
стр. 371
فصل
(من قَبَضَ العينَ لحظِّ نفسِهِ كمرتهنٍ وأجيرٍ ومستأجرٍ ومشترٍ وبائعٍ وغاصبٍ وملتقطٍ ومقترضٍ ومضاربٍ، وادعى) كلٌّ (الرد للمالك، فأنكره) أي أنكَر المالكُ الردِّ (لم يُقْبَلْ قوله) أي قول قابضِ العينِ لحظِّ نفسِهِ (إلا) أن يُثْبِتَ الردّ (ببيّنةٍ) تشهَدُ له به.
(وكذا) في الحكم (مُودَعٌ) ادعى ردّ الوديعة، (ووكيلٌ) ادعى الردّ إلى موكِّلِهِ، (ووصي ودَلاَّلٌ) إذ كان الدلال (بِجُعْلٍ، إذا ادعى) المودَعُ والوكيلُ والدلّالُ بجعلٍ (الردّ، و) إن كان الدلال (بلا جُعْلٍ فيقبل قوله بيمينه).
стр. 372
باب الضَّمَان وَالكفَالَة
الضمان التزامُ إنسانٍ يصحّ تبرّعه، أو التزامُ مفلِسٍ، برضاهما، ما وَجَب أو يَجِبُ على غيرهما مع بقائِهِ على المضمون عنه.
(يصحّان) أي الضمانُ والكفالة (تنجيزاً) كَأَنَا ضامن أو كفيل الآن (و) يصحّان (تعليقاً) كإنْ أعطيتَهُ كَذَا فَأنَا ضامنٌ لك ما عليه، أو أنا كافل لك بَدَلَهُ، (و) يصحّان (توقيتاً) كإذا جاءَ رأسُ الشهرِ فأنَا ضامنٌ، أو كفيلٌ.
ويشترط صدورهما (ممن يصحّ تبرُّعُهُ) فلا يصح من صغيرٍ دون التمييز، ولا من مجنونٍ بلا خلاف، ولا من سفيهٍ.
ويصحّ الضمان بأنا ضمينٌ، وكفيلٌ، وقَبِيلٌ، وحَمِيلٌ، وصبيرٌ، وزعيمٌ.
وقال الشيخ: قياس المذهب: يصح بكل لفظٍ فُهِمَ منه الضمان عُرْفاً.
(ولربّ الحقِّ مطالبةُ الضامنِ والمضمونِ معاً) في الحياةِ والموتِ لثبوتهِ في ذمتهما، (أو) يطالبَ (أيَّهما شاءَ،) فلا يبرأُ المضمونُ عنه بمجرّد الضمان، كما يبرأُ المُحيلُ، بل يثبت الحق في ذمتهما جميعاً، (لكن لو ضَمِنَ) شخصٌ (ديناً حالاًّ إلى أجلٍ معلومٍ صحّ) الضمان،
стр. 373
(ولم يطالِبْ) ربُّ الحق (الضامنَ قبل مضيِّهِ) أي الأجل المعلومِ، قال الإِمامُ أحمدُ في رجلٍ ضَمِنَ ما على فلانٍ أن يؤدِّيَه حقه في ثلاث سنين: فهو عليه، ويؤديهِ كما ضَمِنَ.
فإن قيل: عندكم الحالُّ لا يؤجَّل، فكيف يؤجَّل على الضامن؟ أم كيف يثبتُ في ذمة الضامِنِ على غيرِ الوصفِ الذي يتصف به في ذمة المضمون عنه؟ فالجواب: أن الحق يتأجّل في ابتداءِ ثبوتِهِ إذا كان ثبوتُهُ بعقدٍ، ولم يكن على الضامِنِ حالًّا ثم تأجَّل، ويجوز تَخَالُفُ ما في الذمّتين، بدليلِ ما لو ماتَ المضمونُ عنه والدينُ مؤجَّلٌ.
إذا ثبتَ هذا، وكان الدينُ مؤجَّلاً إلى شهرٍ فضمنه إلى شهرين، لم يطالَبْ إلى مضيِّهما.
(ويصحّ ضمانُ عُهْدَةِ الثَّمَنِ والمُثْمَنِ) إن ظهر به عيبٌ أو خَرَج مستحقًا، (والمقبوضِ على وجهِ السَّوْمِ) وذلك أن يساوِمَ إنساناً على عينٍ، ويقْطعَ ثمنَها، أو أجْرَتَها، أو لم يقطعه، ثم يأخذَها ليريَها أهلَهُ، إن رَضُوا أخذها وإلاَّ ردّها، فيصح ضمانُهُ لأنه مضمونٌ مطلقاً.
وإن أخذ إنسان شيئاً بإذن ربّه ليريَهُ أهلَهُ فإن رضُوا به أخذه وإلاَّ رَدَّهُ من غير مساومةٍ ولا قطعِ ثمنٍ فلا يَضْمَنُهُ إذا تلف بغير تعدٍّ ولا تفريطٍ، ولا يصح ضمانُهُ، بل يصحّ ضمانُ التعدي فيه.
(و) يصح ضمانُ (العينِ المضمونةِ كالغصب والعارية) لأنها مضمونةٌ على من هي في يدهِ، كالحقوقِ الثابتةِ في الذمّةِ، وضمانُها في الحقيقة ضمانُ استنقاذِهَا وردِّها، أو قيمَتِها، عند تلفِها، فهي كَعُهْدَة المبيع.
ولا يصح ضمانُ غير المضمونةِ، كالوديعةِ ونحوها) كالعينِ المؤجَرَةِ، ومالِ الشركةِ، والمضاربةِ، والعينِ المدفوعةِ إلى الخيّاطِ، أو
стр. 374
القصّار، بل التعدِّي فيها، (ولا دَيْنِ الكتابة) لأنه ليس بلازمٍ، ولا مآلُهُ اللزومُ، لأن المكاتَب له تعجيز نفسِهِ والامتناعُ من الأداء (ولا بعضِ دينٍ لم يقدّر)، كما لا يصحّ ضمانُ "أحدِ هذين الدَّيْنَينِ" ولم يفسّره، لجهالته حالاً ومآلاً.
(وإن قضى الضامنُ ما على المدينِ، ونوى الرجوعَ عليه رَجَعَ) على مضمونٍ عنهُ، وإن لم ينوِ الرجوعَ لم يرجعْ، (ولو لم يأذنْ له) أي لِلضَّامِن (المدينُ في الضمانِ والقضاءِ.)
(وإذا رجعَ الضامنُ رجَعَ بالأقلِّ مما قضى. ولو قيمةَ عرضٍ عَوَّضَهُ به، أو قَدْرِ الدين.
(وكذا) أي وكضامنٍ في هذه الأحكام كفيلٌ (وكلُّ من أدّى عن غيرِه ديناً واجباً) لا زكاةً ونحوَها مما يفتقِرُ إلى نيّةٍ لعدم إجزائه.
(وإن برئَ المديون) بإبراءٍ، أو حَوَالَةٍ، أو قضاءٍ (برئ ضامنُهُ) لأنه تَبَعٌ له، والضمان وثيقةٌ، فإذا برئ الأصيل زالت الوثيقة كالرهن.
(ولا عكسَ)، أي ولا يبرأ المديونُ ببراءةِ الضامنِ لأن الأصيل لا يبرأ ببراءةِ التَّبَعِ، ولأنه وثيقةٌ انحلّتْ من غير استيفاءِ الدين منها، فلا تبرأ ذمّة الأصل، كالرهن إذا انفسخ من غير استيفاءٍ.
(ولو ضَمِنَ اثنان) فأكثر (واحداً، وقال كلُّ) واحدٍ: (ضمنتُ لك الدينَ، كانَ لربِّهِ) أي الدين (طلبُ كلِّ واحدٍ بالدين كلِّه) لأنهما اشتركا في الضمان، وكلُّ واحدٍ منهما ضامنٌ الدين منفرداً، وله مطالبتهما معاً بالدين كلِّه.
(وإن قالا: ضمنّا لكَ الدين، فـ) هو (بينهما بالحِصَصِ) أي: نصفين. فكل واحد منهما ضامنٌ للنِّصفِ، لأن مقتضى الشركة التسوية.
стр. 375
فصل [في الكفالة بالبدن]
(والكَفَالَةُ هي أن يلتزمَ) الرشيدُ (بإحضارِ بَدَنِ من عليه حقٌّ ماليٌّ) يصح ضمانُهُ، معلوماً كان الدينُ أو مجهولاً، من كلِّ من يلزَمُهُ الحضورُ إلى مجلس الحُكْمِ، فلا تصح كفالة الابن لأبيه (إلى ربِّهِ) أي الدين.
وتنعقد بألفاظِ الضمانِ، نحو: أنا ضمينٌ ببدنِهِ، أو زعيمٌ به.
وإن ضمن معرفَتَهُ أُخِذَ بِهِ. ومعناه أني أُعَرِّفك من هو، وأين هو. كأنه قال: ضمنتُ لكَ حضورَه.
ولا تصح ببدنِ من عليهِ حَدٌّ للهِ تعالى كحد الزنا، أو لآدميٍّ كالقَذْفِ أو القِصَاصِ.
(ويعتبر) لصحة الكفالة (رضا الكفيلِ) لأنه لا يلزمَهُ الحقّ ابتداءً إلا برضاه، (لا المكفولِ) لأنها وثيقةٌ لا قبضَ فيها، فصحَّتْ من غير رضاه، كالشاهد، (ولا) رضا (المكفولِ له.)
وتصح حالَّةً ومؤجلة، كالضمان، والثمن في البيع.
تتمّة: إذا قال شخص لآخر: اضمَنْ عن فلانٍ، أو اكفلْ عنه، ففعل، كان الضمانُ والكفالة لازِمَيْنِ للمباشِرِ دون الآمرِ، لأنه كفَلَ باختيارِ نفسِهِ، وإنما الأمر للإرشادِ، فلا يلزم به شيءٌ.
[التزامات الكفيل]
(ومتى سلم الكفيلُ المكفولَ) به (لربِّ الحقِّ بمحلِّ العقدِ)، وقد حلَّ الأجَلُ، أوْ لَا، ولا ضرر في قبضه، مثلَ أن يكونَ في يومِ مجلِسِ الحُكْمِ، وليس ثَمَّ حائِلَةٌ ظالمة (أو سلم المكفولُ نفسَه، أو ماتَ، برئ الكفيلُ) قال الفتوحي في شرحه: ولو قالَ في الكفالَةِ: إن عَجَزْتَ عن إحضارِهِ، أو متى عجزْتَ عن إحضارِهِ، كان عليَّ القيامُ بما أقرَّ بِهِ،
стр. 376
قال ابن نصر الله: لم يبرأُ بموت المكفولِ، ويلزمه ما عليه. قال: وقد وَقَعَتْ هذه المسألة، وأفتيتُ فيها بلزوم المال.
(وإن تعذر على الكفيلِ إحضار المكفولِ) مع حياتِهِ بأن توارى، أو غابَ، ومضى زمنٌ يمكن ردُّه فيه، أو مضى زمنٌ عيَّنَهُ لِإحضارِهِ (ضَمِنَ جميع ما عليهِ) للمكفولِ له، نصًّا.
(ومن كفله اثنان، فسلّمه أحدُهُما لم يبرأ الآخر) بذلك، لأن إحدى الوثيقتين انحلَّتْ من غير استيفاءٍ، فلم تنحلَّ الأخرى، كما لو أبرأ أحدَهُما.
(وإن سلَّم) المكفولُ (نفسَهُ بَرئَا) لأنه أدّى ما يلزم الكفيليِن لأجله، وهو إحضارُ نفسِهِ فبرئت ذمتهما.
стр. 377
باب الحَوَالة
وهي انتقالُ مالٍ من ذمّةٍ إلى ذمّةٍ.
وتصحُّ بلفظهَا، وبمعناها الخاصّ، كقول مدينٍ لربّ الدين: أَتبَعْتُكَ بدينِكَ على زيدٍ، ونحو ذلك.
(وشروطها) أي شروطُ صحة الحَوَالة (خمسة):
(أحدها: اتفاقُ الدينين): الدينِ المحالِ به للدين المحالِ عليه (في الجنسِ)، كأن يحيلَ من عليه ذهبٌ بذهبٍ، ومن عليه فضة بفضة. فلو أحالَ من عليهِ ذهبٌ بفضةٍ، أو بالعكس، َ لم يصح؛ (والصِّفَةِ) فلو أحال من عليه صحاحٌ بِمكسَّرةٍ، أو من عليه دراهِمُ غُورِيةٌ بدراهمَ سليمانيّة، لم يصح: (والحلولِ والأجلِ،) فإن كان أحدهما حالاًّ والآخر مؤجّلاً، أو أحدُهما إلى شهرٍ والآخرُ إلى شهرين، لم تصحّ الحوالة.
(الثاني: علم قَدْرِ كل من الدينين،) فلا يصحُّ في المجهولِ.
(الثالث: استقرارُ المالِ المحالِ عليه) فلا تصحّ على مالِ سَلَمٍ، أو رَأسِه، بعد فسخٍ، أو صداقٍ قبل دخولٍ، أو مالِ كتابةٍ، (لا) استقرارُ المالِ (المحالِ به) فإن أحال المكاتَبُ سيّدَه بدينِ الكتابةِ، أو الزوجُ امرأتَهُ قبلَ الدُّخول، أو المشتري البائِعَ بثمن المبيع في مدة الخيارين، صحّ.
стр. 378
(الرابع: كونه) أي المال المحال عليه (يصحّ السَّلَمُ فيه) من مثليٍّ كمكيلٍ أو موزونٍ موصوفين، أو معدودٍ ومذروعٍ ينضبطان بالصفة.
(الخامس: رضا المُحِيلِ) لأن الحقَّ عليه، فلا يلزمه أداؤه من جهة الدين على المحال عليه (لا) رضا (المحتال إن كان المحالُ عليه مليًّا) فيجب على من أُحِيلَ على مليٍّ أن يحتالَ، فإن امتنعَ المحتالُ أُجْبِرَ على اتباعه، ولو ميتاً (و) المليء الذي يجبر المحتال على اتباعه (وهو من له القدرةُ على الوفَاءِ، وليس مماطِلاً، ويمكن حضوره لمجلسِ الحُكْمِ) فلا يلزمه أن يحتال على والده، ولا يصحّ أن يحيل ربَّ الدينِ على أبيه.
(فمتى توفّرت الشروطُ) الخمسةُ المذكورة (برئَ المحيلُ من الدينِ بمجرّدِ الحوالةِ، [ولو] أفلسَ المحالُ عليهِ بعد ذلكَ، أو مات،) أو جَحَدَ الدين.
(ومتى لم تتوفر الشروط) المذكورة (لم تصحّ الحوالة، وإنما تكون وكالةً.)
(والحوالة على مَا لَهُ في الديوَانِ إذنٌ له في الاستيفاء. وللمحتالِ الرجوعُ ومطالبةُ محيلِهِ.
وإحالةُ من لا دينَ عليه وكالةٌ له في طلبِهِ وقبضه، ومن لا دينَ عليه على مثله وكالَةٌ في اقتراض. وكذا مدينٌ على. بريءٍ ربويٍّ (١)، فلا يصارفه.
стр. 379
باب الصُّلْح
الصلحُ: التوفيق.
ويكون أنواعاً خمسة:
أحدها: بين مسلمِينَ وأهلِ حرب.
الثاني: بين أهل عدلٍ وأهل بغي.
الثالث: بين زوجينِ خيفَ شقاقٌ بينهما، أو خافَتْ إعراضهُ (١).
والرابع: بين متخاصِمَيْنِ في غير مالٍ.
الخامس: صلحٌ بالمال. وهو فيه، أي المال، معاقَدَة يُتَوَصَّل بها إلى موافقةٍ بين مختلفَيْنِ.
(يصح) الصلح (ممن يصحّ تبرّعُهُ مع الإِقرار والإِنكار،) ولا يصحُّ ممن لا يصح تبرُّعُه كمكاتَبٍ، وقِنٍّ مأذونٍ له في تجارةٍ، ووليٍّ لصغيرٍ أو سفيهٍ.
(فإذا أقرّ) المدعى عليه (للمدعي بدينٍ) معلومٍ في ذمته (أو) أقرّ (بعينٍ) تحت يده (ثم صالَحَهُ على بعضِ الدَّيْنِ) كنصفِهِ أو ثلثه أو نحوِهِما (أو) صالَحَهُ (على بعضِ العينِ المدَّعاةِ فهو) أي ما صدر (هبةٌ
стр. 380
يصحُّ بلفظِها) أي الهبة، لأنَّ الإِنسانَ لا يُمنَعُ من إسقاطِ بعض حقِّهِ، أو هبتِهِ؛ (لا) يصحّ (بلفظ الصلح) لأنه هضمٌ للحقّ.
(وإن صالحه على عينٍ غير المدَّعاةِ)؛ كما لو اعترفَ له بعينٍ في يده، أو دينٍ في ذمته، ثم يعوِّضُه فيه ما يجوز تعويضُهُ عنه (فهو بَيْعٌ يصحُّ بلفظِ الصُّلح، وتثبُتُ فيه أحكامُ البيعِ) من العلم به وسائر شروط البيع، (فلو صالحهُ عن الدينِ بعينٍ، واتفقا في علة الربا، اشتُرِطَ قبضُ العِوَضِ في المجلس). (فإذا) أقر له بذهبٍ فصالحه عنه بفضةٍ، أو عَكَسَ، فتكونُ هذه المصالحة صَرْفاً، لأنهَا بيعُ أحد النقدين بالآخر. فيُشترَطَ لها ما يشترط للصرف، من التقابُضِ بالمجلسِ. وكذا لو أقرّ له بقمحٍ وعوَّضه عنه شعيراً، أو نحوَهما مما لا يباع به نسيئةً.
(و) إن كان الصلحْ (بشيءٍ في الذمّةِ) فإنه (يبطل بالتفرُّقِ قبل القبضِ) لأنه إذا حصل التفرّق قبل القبضِ كان كلُّ واحدٍ من العِوَضَيْنِ ديناً، لأن مَحلَّهُ الذمة، فيصيرُ بيعَ دينٍ بدينٍ، وهو منهيٌّ عنه شرعاً.
(وإن صالَحَ عن عيبٍ في المبيعِ) بشيءٍ معين، كدينارٍ، أو منفعةٍ كسكنى دارٍ معيَنةٍ، (صحّ) الصلح، لأنه يجوز أخذ العوضِ عن عيبِ المبيعِ (فلو زال العيب سريعاً) بأن كان المبيعُ مريضاً فعوفي (أو لم يكن) كما لو كان ببطنِ الأمة نفخةٌ، فظنَّ أنها حامل، ثم بانَ لهما الحالُ، (رجَعَ بما دفعه).
(ويصحّ الصلح عما) أيْ مجهولٍ (تعذَّر علمُه من دينٍ،) كما لو كان بين شخصينِ معاملةٌ وحسابٌ قد مضى عليهِ زمن طويل، ولا عِلْمَ لكلِّ واحدٍ منهما بما عليه لصاحِبِه، (أو) تعذَّرَ علمه من (عينٍ)، نَقَلَ عبدُ الله: إذا اختلَطَ قفيزُ حنطةٍ بقفيزِ شعيرٍ وطُحِنَا، فإن عُرِفَتْ قيمةُ دقيقِ الحنطةِ أو دقيقِ الشعيرِ، بيعَ هذا وأُعْطِيَ كلُ واحدٍ منهما قيمةَ مالِهِ، إلا
стр. 381
أن يصطلحا على شيء. ويصح بمالٍ معلومٍ نقداً أو نسيئةً.
تتمة: قال في الإِقناع: فإن أمكن معرفتُهُ ولم تتعذّر، كتركةٍ موجودةٍ صولح بعضُ الورثةِ عن ميراثِهِ منها، لم يصحَّ الصلح (١).
(و) من قال لغريمه (أَقِرَّ لي بديني، وأعطيكَ منه كذا) أو أقرّ لي بديني وخذ منه مائةً، (فأقرّ، لزمه الدينُ) كله (ولم يلزمه أن يعطيه.)
فصل [في الصلح على الإِنكار]
(وإذا أنكر) المدعى عليه (دعوى المدعي، أو سَكَتَ وهو) أي المدعى عليه (يجهله) أي المدعى به، (ثم صالحه) على نقدٍ أو نسيئةٍ (صحَّ الصلح وكان) الصلح (إبراءاً في حقّه) أي المدعى عليه، لأنه إنما بَذَل مالَ الصُّلْحِ ليدفَعَ عن نفسِهِ الخُصُومَةَ، لا في مقابلة حقٍّ ثبت عليه، فلا شفعة فيه إن كان شقصاً من عقارٍ، ولا يستحقُّ المدعى عليه لعيبٍ وجَدَه فيما ادُّعي عليه به شيئاً، (وبيعاً في حقّ المدعي) فله ردّ المصَالَحِ به عما ادّعاه، بعيبٍ فيهِ، ويثبت فيما إذا صالَحَهُ بشقصٍ مشفوعٍ الشفعةُ، إلا إذا صالَح ببعضِ عينٍ مدعًى بها، فهو فيه كالمنكر.
(ومن علم بكذب نفسه) منهما (فالصلح باطلٌ في حقه) لأنه إن كان المدعي فإن الصلح مبنيٌّ على دعواه الباطلة، وإن كان المدعى عليه فإنه مبنيٌّ على جَحْدِ المدعى عليه حقَّ المدَّعي.
(وما أخذه) المدعي العالمُ بكذبِ نفسِهِ من المال المصالَح بِهِ، أو المدعى عليه مما انتقصه من الحق يجحده (فحرام) على كلٍّ منهما،
стр. 382
لأنه أَكْلُ مالِ الغيرِ بالباطِلِ، المنهيُّ عَنه.
(ومن قال) لآخر: (صالِحْني عن الملك الذي تَدّعيه، لم يكنْ مقراً) به، أي لم يكن القائلُ مقراً بالملك للمَقُول له، لاحتمال إرادة صيانَةِ نفسِهِ عن التبذّل، أو حضورِ مجلسِ الحُكْمِ بذلك، فإنّ ذوي المروءاتِ يصعُبُ عليهم ذلك، ويرون رفع ضررها عنهم من أَعْظَمِ مصالحِهِمْ.
(وإن صالح أجنبيٌّ عن منكرٍ للدعوى صحّ الصلحُ، أَذِنَ المنكِرُ له،) أي للمصالِحِ بالصلحِ (أوْ لا،) أي أو لم يأذن له، (لكنْ لا يرجعُ) المصالِحُ (عليه) أي على المنكِرِ (بدونِ إِذنِهِ) لأنه أدّى عنه ما لا يَلْزَمُهُ أداؤُه، فكان متبرّعاً، كما لو تصدق عنه.
قال في شرح المنتهى: وعُلِمَ مما تقدّم أن المنكِرَ إذا أذن للأجنبيِّ في الصُّلْحِ، أو في الأداءِ، له الرجوع إذا أدَّى بنيته. أما الرجوعُ مع الإِذْنِ في الأداءِ فظاهر، وأما مع الإذْن ِفي الصلح فقط فلأنه يجب عليه الأداء بعقد (١) الصلح، فإذا أدى فقد أدّى واجباً عن غيرِهِ، محتسباً بالرجوع، فكان له الرجوعُ على أصحّ الروايتين. انتهى.
(ومن صالَحَ) آخرَ (عن دارٍ ونحوِها) كعبدٍ وثوبٍ بعوضٍ (فبانَ العِوَضُ) المصالَح به (مستَحَقًّا)، أو كان قنًّا فبانَ حُرًّا (رجَعَ بالدار) أي المصالَحِ عنها، أو بالعَبْدِ أو بالثَّوْبِ المصالَحِ عَنْهُ إن كان باقياً، أو بقيمتِهِ إن كان تالفاً. ومحل ذلك إن كان الصلحُ (مع الإِقرار) من المصالِحِ. لأن الصلح إذَنْ بيعٌ في الحقيقة. فإذا تبيّن أن العِوَضَ كان مستحقّا أو حراً كان البيع فاسداً، فرجع فيما كان له، (و) رَجَعَ (بالدَّعْوى) أي إلى دعواه قبل الصلح. وفي الرعاية: أو قيمةِ المصالَح
стр. 383
بِهِ المستَحَقِّ لغير المدعى عليه، (مع الإِنكار) متعلِّق برَجَعَ، وكذا قوله: وبالدعوى. وجه المذهبِ أن الصلح لما تبيَّنَ فساده بخروجِ المُصَالَحِ به غيرَ مالٍ، كما لو صالَحَ بعصير فبان خمْراً، وبقنّ فبان حرًّا، أو غيرَ مستَحَقٍّ للمدعى عليه، كما لو بان أنه غصَبَه أو نحو ذلك، حُكِم ببطلانِ عقدِ الصلح. وحيثُ بَطَل عادَ الأمرُ إلى ما كان عليه قبلَهُ، فيرجع المدعي فيما كان له، وهو الدَّعْوى.
[الصلح عما ليس بمال]
(ولا يصحّ الصلحُ عن خيارٍ) في بيعٍ أو إجارةٍ، لأن الخيار لم يُشْرَعْ لاستفادةِ مالٍ، وإنما شُرِعَ للنظر في الأحظّ، فلم يصح الاعتياضُ عنه،
(أو شفعةٍ) بأن صالَحَ المشتري صاحِبَ الشفعةِ، لأنها تثبت لإِزالة الضَّررِ، فإذا رضي بالعوض تبيَّنَ أن لا ضَرَرَ، فلا استحقاقَ، فيبطل العوضُ، لبطلان معوَّضِهِ، (أو حدِّ قذفٍ) أي صالح قاذفٌ مقذوفاً عن حدِّ قذفٍ. (وتسقطُ جميعُها) أي الشفعةُ والخيارُ وحدُّ القذفِ لرضا مستحقها بتركها؛ (ولا شارباً أو سارقاً) أو زانياً (ليطلّقها) ولا يرفعه إلى السلطان؛ (أو شاهداً ليكتم شهادتَهُ) عليه، أو صالحه على أن لا يشهد عليه بالزور، لم يصحّ، لأنه صلح على حرامٍ أو تركِ واجبٍ.
فصل [في أحكام الجوار]
(ويحرم على الشخصِ أن يُجْريَ ماءً في أرض غيرِهِ، أو سطحِهِ) أي سطح غيره (بلا إذنه) أي إذن صاحبِ الأرضِ، أو السطح، لتضرره أو تضرُّرِ أرضِهِ، وكزرعِهِ بلا إذنه، بجامعِ أنّ كلا منهما استعمالٌ لمالِ
стр. 384
الغيرِ بغير إذنِهِ. وفي رواية: إن دَعَتْ ضرورةٌ، قيل: أو حاجةٌ، (ويصحَّ الصلحُ على ذلك بعوضٍ) لأن ذلك إما بيعٌ أو إجارةٌ، وكل منهما جائز.
(ومن له حقُّ ماءٍ يجري على سطحِ جارِهِ لم يجزْ لجارِهِ تعليةُ سطحِهِ ليمنعَ جَرْيَ الماء،) لِإبطال حقِّهِ بذلك، أو ليكثُرَ ضَرَرُهُ.
(وحَرُمَ على الجارِ أن يُحْدِثَ بملكه ما) أي شيئاً (يضرّ بجاره، كحمّامٍ) يتأذّى جاره بدخانِهِ، أو يضرُّ ماؤه حائِطَهُ، (وكنيفٍ) يتأذى جاره بريحِهِ، أو يصلُ إلى بئرِهِ، (ورَحًى) يهتزّ بها حائِطُهُ، (وتَنُّورٍ) يتعدَّى دخانُهُ إليه، لقول النبي ﷺ : "لا ضرَرَ ولا ضِرارَ" (١) وهذا إضرارٌ بجاره. (وله) أي للجارِ (مَنْعُه) أي منعُ جارِهِ (من ذلك،) بخلاف طبخٍ وخَبْزٍ فيه.
(ويحرم) على الإِنسان (التصرُّفُ في جدارِ جارٍ) أو جدارٍ (مشَترَكٍ) بين المتصرّف وبين غيره (بفتح رَوْزَنَةٍ) الروزنة الكُوَّةُ والكوة الخرق في الحائط، (أو) بفتح (طاقٍ) قال في القاموس: الطاقُ ما عُطِفَ من البنيان (٢) انتهى. قال في شرح المنتهى: قلت: ومن ذلك طاقُ القِبْلَةِ، (أو بضربِ وتدٍ ونحوِهِ) كجعل رفٍّ فيه، (إلا بإذنِهِ) أي الشريك، (وكذا) في الحكمِ إلا ما يُستثنى (وضعُ خَشَبِ) على جدارِ جارِهِ أو المشتَرَكِ (إلا أن لا يُمْكِنَ تسقيفٌ إلاَّ به) فيجوز بَلا ضَرَرٍ.
(ويُجْبَر الجارُ إن أبى.)
وجدارُ مسجدٍ كجدارِ دارٍ، نصًّا.
قال في شرح المنتهى: فَرْعٌ: من وجد بناءَهُ أو خشبه على حائطِ
стр. 385
جارِهِ أو مشتركٍ، ولم يعلمْ سبَبَه، فمتى زالَ فله إعادتُه، لأن الظاهر أن هذا الوَضْعَ بحق، فلا يزولُ هذا الظاهرُ حتَّى يُعْلَم خلافُه.
وكذلك لو وجد مسيلَ مائِهِ في أرضِ غيرِهِ، أو مجرى مائِهِ على سطحِ غيره.
(وله) أي للِإنسان (أن يسند قماشَهُ) ويستند (ويجلس (١) في ظل حائطِ غيرِه) من غير إذنِهِ، (وينظرَ في ضوءِ سراجِهِ) أي الغير (من غير إذنِهِ) أي مالِكِ الحائِط والسراجِ.
[المرافق العامة والمشتركة]
(وحَرُمَ أن يتصرَّفَ) الإِنسان (في طريقٍ نافذٍ بما يضرُّ المارَّ كإخراجِ دُكانٍ) بضم داله (ودَكَّةٍ) بفتحها، قال في القاموس (٢): والدكة بالفتح والدكان بالضم بناءٌ سُطِّح أعْلَاهُ للمقْعَدِ. وقال في موضع آخر والدُّكَّانُ كرمّانٍ، الحانوتُ، معرّب. (وجَنَاحٍ) وهو الروشَنُ على أطرافِ خشبٍ مدفونةٍ في الحائِطِ، (وساباطٍ) وهو سقيفةٌ بين حائطينِ تحتَها طريقٌ (وميزَابٍ) ولو أذِنَ الإِمامُ بذلك للضَّرَرِ، (ويضمن ما تلف به) من نفسٍ أو مالٍ أو طرفٍ لتعدّيه به.
(ويحرم التصرّف بذلك في ملك غيرِهِ أو هوائِهِ) أي هواءِ غيره إلا بإذنِهِ، (أو) في (دربٍ غير نافذٍ إلا بإذن أهلِهِ) أي أهلِ الدربِ الذي هو غيرُ نافذٍ، إذا فَعَلَهُ فيه. أما كون فِعْلِ ذلك لا يجوزُ في ملك غيره أو هوائِه فلأنّهُ نوعُ تصرفٍ في ملك الغير، يتضرّر به، فلم يجز إلا بإذن مالكه. وأما كونُ فعلِ ذلكَ لا يجوزُ في دربٍ غيرِ نافذٍ إلا بإذن أهله فلأن الدَّرْبَ ملكٌ لقومٍ معيّنين، فلم يجز إلا بإذنهم، لأن الحقَّ لهم.
стр. 386
(ويجبر الشريك على العمارة مع شريكه في المِلْكِ) المشترك، (والوقْفِ) المشترك. فإن انهدم حائطهُما أو سقفهُما فطلب أحدهما صاحِبَه ببنائِهِ معه، أجبر.
فإن امتنع أخذ الحاكم من مالِهِ النَّقْدِ، وأنفق عليه. فإن لم يكن له عين مالٍ وكان له متاعٌ باعَهُ، وأنفق منه على حصَّته مع الشريك، فإن لم يكن للمتنع نقدٌ ولا عَرْض اقترض الحاكم عليه، وأنفق على حصَّته.
وإن أنفقَ الشريكُ بإذن شريكه، أو إذن حاكم، أو بنيّةِ رجوعٍ، رَجَعَ بما أنفق على حصة الشريك، وكان بينَ الشريكين كما كان قبل انهدامِهِ.
(وإن هدم الشريكُ البناءَ) المشترك بين الهادم وغيره، (وكان) هدمه له (لخوف سقوطه) أي البناء، (فلا شيء) أي لا ضمانَ (عليهِ) لأنه مُحْسِنٌ، (وإلا) بأن هدم الشريك البناءَ المشتركَ لغيرِ خوف سقوطه (لزمه إعادته) كما كان، لأنه متعد.
(وإن أهمل الشريك بناء حائِط بستانٍ اتَّفقَا عليه) أي على البناءِ، (فما تلف من ثمرتِهِ) أي البستان (بسبب إهمالِهِ ضمن) الشريك المهمِل (وحصةَ شريكه) منه. قال في الإِقناع وشرحه: ولو اتّفقا، أي الشريكان، على بناء حائِط بستانٍ فبنى أحدُهما وأهمَلَ الآخر، فما تلف من الثَّمَرَةِ بسبب إهمالِ الآخرِ ضمنه، أي ضمن نصيبَ شريكِهِ منه الذي أهْمَل. قاله الشيخ. انتهى.
стр. 387
كتَاب الحَجْر
الحَجْرُ في اللغة التضييق. وفي الشرع (هو منعُ المالكِ من التصرّف في مالِهِ) والأَصل في مشروعيته قوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السَّفَهَاءَ أمْوالَكُمْ﴾ أي: أموالَهم، لكن أُضِيفَ إلى الأوْليَاءِ لأنهم قائمون عليها، مُدَبّرون لها، وقوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ الآية. وإذا ثبَتَ الحجْرُ على هذينِ ثبتَ على المجنونِ من بابِ أوْلى.
(وهو) أي الحجر (نوعان):
(الأول: الحقّ) أي لحظّ (الغير) أي غيرِ المحجورِ عليه (كالحجْرِ على مُفْلِسٍ) لحق الغرماءِ؛ (وراهنٍ) لحقّ المرتهن حيث لزم الرهن؛ (و) على (مريضٍ) مرضَ الموتِ المخوفَ فيما زاد على الثلثِ من مالِهِ، لحقّ الورثة؛ (و) على (قِنٍّ ومكاتَبٍ) لحق السيّد؛ (و) على (مرتدٍّ) لحقّ المسلمين، لأن تَرِكَتَهُ فيءٌ، فربما تصرّف فيها يقصِدُ به إتلافَها ليفوِّتها على المسلمين، (و) على (مُشْتَرٍ) في المبيع إذا كان شِقْصاً مشفوعاً، (بعد طلب الشفيعِ) لَهُ، لحقّ الشفيع.
(الثاني:) الحجر على الإِنسان (لحظّ نفسِهِ) وذلك (كالحجر على صغيرٍ ومجنونٍ وسفيهٍ) وقول الفقهاء في هذا الضرب: "لحظّ نفسِهِ" لأن المصلحةَ تعودُ هنا على المحجور عليه.
стр. 388
ثم الحجرُ على هؤلاءِ كلِّهمْ بأن يُمنَعُوا من التصرُّف في أموالِهِمْ وذِمَمِهِم، ولا يصحّ إلا بإذن الوليّ، لأنه بدونه يفضي إلى ضَيَاع مالهم.
[الحجر على المدين]
(ولا يطالَبُ المدين، ولا يحجر عليه، بدينٍ لم يحلّ) أما كونه لا يطالَبُ، فلأنَ من شرطِ صحة المطالبة لزومُ الأداء، وهو لا يلزم أداؤه قبل الأجل؛ وأما كونُه لا يُحجَر عليه من أجل ذلك، فلأنَّ المطالبة إذا لم تُستَحقَّ لم يستحق عليه حجر، قال في الفروع. وفي إنظار المُعْسِرِ فضلٌ عظيمٌ، وأبلغ الأخبار عن بُرَيْدةَ مرفوعاً "من أَنْظَرَ مُعْسِراً فله بكل يومٍ مثلُه صدقةً قبل أن يحلّ الدينُ، فإذا حلَّ الدينُ فأنظره فله بكل يومٍ مثليه صدقةً." (١) رواه أحمد ﵁ (لكن لو أراد) من عليه الدينُ (سَفراً طويلاً) فوق مسافة القصر -عند الموفّق وابن أخيه وجماعةٍ، قال في الإِنصاف: ولعلَّه أولى، ولم يقيّدْه به في التنقيح والمنتهى- يحلّ الدينُ المؤجّلُ قبل فراغِهِ، أو بعده، مخوفاً كان أو غيره، وليس به رهن يفي ولا كفيل مليء (فلغريمِهِ مَنْعُه) من السفر لأن عليه ضرراً في تأخيرِ حقِّهِ عن محله في غير جهاد متعيّنٍ (حتى يُوَثِّقَهُ برهنٍ يُحرِزُ أو كفيلٍ مليء) فإذا وثَّقه بأحَدِهِما لم يمنعه، لانتفاءِ الضرر، فلو أراد المدين وضامِنُه معاً السَّفَرَ فله منعُهما، وله منعُ أيِّهما شَاءَ، ولا يملكُ تحليلَهُ إن أَحْرَم.
(ولا يحلُّ دينٌ مؤجَّلٌ بجنونٍ، ولا) يحلُّ دينٌ مؤجل (بموتٍ إن وثَّقَ ورثتُهُ) أو غيرهم (بما تقدم،) يعني برهنٍ يُحْرِزُ أو كفيلٍ مليء.
(ويجب على مدينٍ قادرٍ وفاءُ دينٍ حال فوراً بطلب ربه) لقوله ﷺ :
стр. 389
"مطلُ الغنِيِّ ظُلمٌ" (١) وبالطلب يتحقق المطل
(وإن مَطَلَهُ) أي مَطَل المدينُ ربَّ الدين (حتى شكاه) ربُّ الدين (وَجَبَ على الحاكِمِ) العالِمِ بحالِهِ والجاهِلِ بحالِهِ (أَمْرُهُ بوفائِهِ.)
وما غَرِمَ بسببِ مَطْلِهِ فِعلى مُماطِلٍ (٢).
(فإن أَبَى) أي إذا أمر الحاكِمُ من عليهِ الدين بوفائِهِ بِطلبِ غريمِهِ فأبى (حَبَسَهُ.) قال في المغني: إذا امتنع الموسرُ من قضاءِ الدينِ فلغريمِهِ ملازَمَتُه، ومطالبته، والإغلاظ عليه بالقول، فيقول: يا ظالمُ. يا معتدي. (ولا يخرجه (٣) حتى يتبين) له (أمره) أي أنه معسرٌ، -أو يبرأُ المدينُ من غريمِهِ بوفاءٍ أو إبراءٍ، أو يَرْضى غريمُه بإخراجِهِ.
(فإن كان ذو عُسْرَةٍ وجبت تَخلِيَتُهُ، وحرُمت مطالبته، و) حرم (الحجر عليه ما دام معسراً،) ولو قال غريمُهُ: لا أرضى.
(وإن سأل غرماء من) أي: مدينٍ (له مالٌ لا يفي بدينه) الحالِّ، أو سأل بعضُهم (الحاكمَ الحجرَ عليهِ) أي على المدين، (لزمه) أي الحاكِمَ (إجابتهُم) أي إجابةُ الغرماءِ أو بعضِهم، وحجَرَ عليه. قال في شرح المنتهى: وظاهرُ ما تقدم أنه لا بد من سؤالِ من له حقٌّ الحاكمَ في الحجر، وحكمِ الحاكمِ، وهو المذهب.
(وسنّ إظهارُ حجرِ) الفَلَس والسَّفَهِ ليعلم الناس بحالِهِمَا فلا يعاملوهما إلاَّ على بصيرة.
стр. 390
فصل [في آثار الحجر]
(وفائدة الحجر (١) أحكامٌ أربعةٌ):
(أحدها: تعلُّق حق الغرماءِ بالمالِ) لأنه لو لم يكن كذلك لما كان في الحجر عليه فائدةٌ، ولأنّه يباعُ في ديونِهِمْ فكانت حقوقُهُمْ متعلقةً به، كالرهن.
إذا ثبت هذا (فلا يصحّ تصرّفه فيه بشيءٍ) حتى ما يتجدد له (٢) من ماله من أرشِ جنايةٍ وإرْثٍ ونحوهما، كوصيةٍ، وصدقة، وهبة؛ (ولو بالعتقِ) والوقفِ.
(وإن تصرّف في ذمّتِهِ بشراءٍ أو إقرارٍ صح) لأنّه أهلٌ للتصرّف، والحجرُ متعلقٌ بمالِهِ لا بذمّتِهِ، فوجب صحّةُ تصرفه في ذمته، عملاً بأهليّتِهِ السالمةِ عن معارَضَةِ الحَجْر، (وطولِبَ به) أي بثمنِ مبيعٍ أو إقرارٍ (بَعْدَ فكِّ الحَجْرِ عنه) لأنه حقٌّ عليه.
وإن جنى على أحدٍ شاركَ مجنيٌّ عليه الغرماءَ.
(الثاني): من الأحكام المتعلقة بالحجر: (إنَّ من وجد عَيْنَ ما باعَهُ) للمفلِسِ، (أو أقرضَهُ) إياهُ، أو أعطاه له رأسَ مالِ سَلَمٍ، أو آجَرَهُ، ولو نفسَه (٣)، ولم يمض من مدتها زمنٌ له أجرة أو نحو ذلك (فهو) أي واجدُ العين التي باعها أو أقرضها أو أعطاها له رأس مال سلم (أحقُّ بها،) أي بعينِ مالِهِ من غيرِهِ.