بقول المتن: (وإن كان ظاهرها الهلاك، كمن فُقِدَ من بينِ أهله) كمن يخرج إلى الصلاة فلا يعود، أو إلى حاجة قريبةٍ فلا يعودُ (أو في مَهْلَكَةٍ) وهي بفتح الميمِ واللام، ويجوز كسرهما، حكاهما أبو السعادات. وبجوز ضمُّ الميم مع كسر اللام، اسم فاعل من أَهْلَكَتْ فهي مُهْلِكَةٌ. وهي أرضٌ يكثر فيها الهلاك، قاله في المبدع (كدرب الحجازِ (١)، أو فُقِدَ من بين الصفَّيْنِ حال الحرب، أو غرقتْ سفينةٌ ونجا قوم وغَرِقَ آخرون،) فمتى فُقِدَ إنسان في هذه الأحوال الممثَّلِ بها أو نحوها (انتُظِر تتمةَ أربعِ سنينَ منذ فُقِدَ.
ثم يُقْسَمُ ماله في الحالتين) (٢) لأنها مدة يتكرر فيها تردد المسافرين والتجار، فانقطاعُ خَبَرِهِ عن أهلِهِ مع غيبته على هذا الوجْهِ يُغَلِّبُ ظنَّ الهلاك، إذْ لو كان باقياً لم ينقطعْ خبرُهُ إلى هذه الغاية، فلذلك حُكِمَ بموتهِ في الظاهِرِ، فَيُجْعَلُ مالُه لوَرَثتِهِ، لذلك، ولأن الصحابة ﵃ اتفقوا على اعتدادِ امرأتِهِ بعد تربُّصها هذه المدة، وحِلَّها للأزواج بعد ذلك. وإذا ثبت ذلك في النكاحِ مَعَ الاحتياطِ للأبْضَاعِ ففي المال أولى.
ويزكَّى مالُ المفقود لما مضى قبل القسمة (٣).
(فإن قدم) المفقود (بعد القسمة) لمالِهِ (أَخَذَ ما وجده) منه (بعينه) لأنه قد تبيَّن عدم انتقال ملكِهِ عنه (ورَجَعَ بالباقي) على من أَخَذهُ، بمثل مثليٍّ وقيمةِ متقوِّم، لتعذُّرِ ردَّهِ بعينه.
стр. 562
(فإن مات مورِّث هذا المفقود) أي من يرث المفقود منه (في زمن انتظارِهِ) أي في المدة التي قلنا يُنْتَظَرُ به فيها (أَخَذَ) من تركة الميت (كلُّ وارثٍ) غيرُ الْمفقود (اليقينَ) وهو ما لا يمكن أن ينقُصَ عنه مع حياة المفقودِ أو موتهِ (وَوُقِفَ له) أي للمفقود (الباقي) حتى يتبيَّن أمرُهُ أو تنقضي مدة الانتظار، لأنَّهُ مالٌ لا يُعْلَمُ الآن مستحِقَّهُ، أَشْبَهَ الذي ينقصُ نصيبُهُ بالحمل.
وطريقُ العمل في ذلك أن تَعْمَلَ المسألةُ على أنه حيّ، ثم على أنه ميت، ثم تَضْرِبَ إحداهما في الأخرى إن تباينتا، أو في وَفْقِهَا إن اتفقتا، وتجتزىء بإحداهما إن تماثلتا، وبأكثرهما إن تداخلتا، وتدفعَ لكل وارثٍ اليقينَ، وهو أقل النصيبين.
ومن سقط في إحداهما لم يأخذ شيئاً.
(ومن أشكل نَسَبُه) من عددٍ محصورٍ، والمراد: ورُجِيَ انكشافُهُ، (فكالمفقود) في أنه إذا مات أحدٌ من الواطئين لأمِّه وُقِفَ له منه نصيبه، على تقدير إلحاقه به. وإن لم يُرْجَ زوالُ إشكالِهِ بأن عُرِضَ على القافة فأشكَلَ عليهم، ونحو ذلك، لم يوقف له شيء.
стр. 563
باب ميرَاث الخنثى
(وهو من له شكل الذكر، و) شكل (فرج المرأة) زاد في المغني والشرح: أو ثقبٌ في مكان الفرج، يخرج منه البول.
(ويعتبر) أمرُهُ من كونهِ ذكراً أو أنثى في توريثِهِ وغيرِهِ مع إشكاله (ببوله) من أحدهما.
فإن كان يبولُ منهما (فَبسبْقِهِ) أي سبق البول (من أحدِهِما) قال في المغني: قال ابن المنذر: أجَمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن الخنثى يورَّث من حيثُ يبول. فإن بال من حيثُ يبولُ الرجلُ فهو رجلٌ، وإن بال من حيث تبولُ المرأة فهو امرأة.
(فإن خرج) البول (منهما) أي من شكل الذكر وشكل الفرج (معاً)، بأن لم يسبق من واحد منهما (اعتبر أكثَرُهما) خروجاً منه. قال ابن حمدان: قدراً وعدداً لأن له تأثيراً. قال في المغني: فإن خرجا معاً ولم يسبِقْ أحدُهما، فقال أحمد في رواية إسحقَ بن إبراهيم: يرث من المكان الذي يبول منه أكثر.
(فإن استويا) أي استوى المحلَّان في قدرِ ما يخرج من كلِّ واحدٍ منهما من البول (فَمُشْكِلٌ) أي فالخنثى المتَّصِفُ بذلك يسمى مشكلاً، لأنه قد أشْكَلَ أمرُهُ لعدم تمييزه بشيء مما تقدَّمَ.
стр. 564
(فإن رُجِيَ كشْفُهُ) أي كشف إشكالِهِ (بَعْدَ كِبَرِهِ) أي بلوغِهِ (أُعْطِي) الخنثى (ومن معه) من الورثة (اليقينَ) من التركةِ، وهو ما يرثونه بكل تقدير، (ووُقِفَ الباقي) من التركة حتى يبلغ (لتظهر ذكورته، بنبات لحيتِهِ، أو إمناءٍ من ذكره). زاد في المغني: وكونهِ منيَّ رجلٍ، (أو) لتظهر (أنوثَتُهُ بحيضٍ أو تفلُّكِ ثديٍ) بأن يستدير، قال في القاموس: وَفَلَّكَ ثديها وأفْلَكَ وتَفَلَّكَ: استدار، انتهى. (أو إمناءٍ من فرجٍ).
(فإن ماتَ) الخنثى قبل بلوغِهِ، (أو بَلَغَ بلا أمارَةٍ)، تظهر بها ذكوريته، أو أنوثيته، (واختلف إرثه، أخَذَ نصف ميراثِ ذكرٍ ونصفَ ميراث أنثى) فإن كان ابنٌ، وبنتٌ، وولدٌ خنثى مشكلٌ، فمسألة ذكوريته من خمسة، عددِ الرؤوس، ومسألة أنوثيته من أربعة. فاضرب إحداهما في الأخرى، لتباينهما، تكن عشرين. ثم اضرب العشرين في اثنين، عدد حالة الذكورة والأنوثة، تكن أربعين، ومنها تصحّ: للبنت سهم من أربعة، في خمسة، بخمسة؛ ولها سهم من خمسة، في أربعة، بأربعة؛ فأعطها تسعة. وللذكر سهمان من أربعة، في خمسة، بعشرة؛ وسهمان من خمسةٍ، في أربعة، بثمانية: يجتمع له ثمانيةَ عَشَرَ. وللخنثى من مسألة الأنوثية سهم، في مسألة الذكورية: خمسة؛ وله سهمان من خمسةٍ، في أربعة، بثمانية. يجتمع له ثلاثة عشر.
стр. 565
باب ميرَاث الغرقى وَنحوهم
كمن عَمِيَ (١) موتُهُم إذا ماتُوا بِهَدْمٍ أو غَرَقٍ أو حرق. (إذا عُلِمَ موتُ المتوارِثَيْنِ معاً) أي في آنٍ واحدٍ (فلا إرث) أي فلا يَرِثُ هذا من هذا، ولا هذا من هذا، لأنه لم يكن أحدهما حيًّا حين موت الآخر. وشرطُ الإِرثِ تحقُّقُ حياةِ الوارِثِ بعد موتِ المورِّث.
(وكذا) الحكم (إن جُهِلَ الأسبق) من المتوارثين موتاً، (أو عُلِمَ) أسبقهُما (ثم نُسِيَ،) أو عُلِمَ أن أحدَهما ماتَ أولاً وجُهِلَ عينُه.
فتارةً يدّعي ورثة كلِّ واحدٍ من الميتينِ سبق موت الآخر، وتارةً لا يدّعونه.
أشار للدعوى بقوله: (وادّعى ورثةُ كلٍّ) أي ورثة كلِّ ميتٍ من الهدمى والغرقى (سبْقَ) موتِ (الآخر، ولا بيّنة) لواحدٍ من الفريقين بما ادّعاه، (أو) كان لكلِّ واحدٍ بيّنَةٌ، (تعارضَتَا) أي البيّنتان، وتحالَفَا أي حَلَفَ كلٌّ منهما على ما أنكره من دعوى صاحبه، ولم يتوارثا، لعدم وجود شرطه، وهو تحقُّق حياةِ الوارِثِ بعد موتِ المورّث.
وأشار لعدم الدعوى بقوله (وإن لم يدّعِ ورثة كلٍّ سَبْقَ) موتِ
стр. 566
(الآخر، ورث كل ميتٍ صاحِبَهُ) وهو قولُ عُمَرَ وعليٍّ وشريحٍ وإبراهيمَ والشعبيِّ. قال الشعبيّ: وَقَعَ الطاعونُ بالشَّامِ عامَ عُمْواسٍ، فجعل أهل البيت يموتون عن آخرهم. فكتب في ذلك إلى عمر ﵁، فأمر عمر أن ورّثوا بعضَهُم من بعض.
قال أحمد: أذْهَبُ إلى قول عمر.
قال في الإِنصاف: إنه من مفردات المذهب.
وإنما يرث كل ميتٍ من صاحبه من تِلادِ ماله، أي مالِهِ القديم الَّذي ماتَ وهو يملكُهُ، دون المجدَّدِ له مما ورثه من الميت معه، لئلا يدخله الدَّوْرُ. فيقدَّر أحدُهما مات أوَّلاً، ويرث الآخر منه. (ثم يُقْسَمُ ما ورثه على الأحياء من ورثتِّه.)
ثم يصنع في الثاني كذلك.
ففي أخوين أَحَدُهما مولى زيدٍ، والآخر مولى عمروٍ، يصير مالُ كل واحدٍ منهما لمولى الآخر.
стр. 567
باب ميرَاث أهل المِلَل
جمع مِلَّةٍ، بكسر الميم، وهي الدّينُ والشريعة.
من موانع الإِرث اختلافُ الدّين. فمتى كانَ دينُ الميتِ مبايناً لدينِ نسيبِهِ، أو زوجتِهِ، أو زوجِها، فلا إرث.
(لا توارثَ بين مختلفين في الدين، إلا بالولاء، فيرث به) أي الولاء (المسلمُ) المعتِقُ (الكافر) العتيق، (والكافِرُ) المعتِقُ (المسلمَ) العتيقَ.
(وكذا يرثُ الكافِرُ ولو مرتداً) قريبَه المُسْلِمَ (إذا أَسْلَمَ قبلَ قَسْمِ ميراثِ مورّثِهِ المسلم) لقوله ﷺ : "مَنْ أسْلَمَ على شيءٍ فهو له" رواه سعيد في سننه (١).
(والكفّار مِلَلٌ شتَّى، لا يتوارثون مع اختلافها) روي عن علي، لقوله ﷺ : "لا يَتَوارَثُ أهلُ مِلَّتَيْن شتَّى" رواه أبو داود (٢). فاليهوديّةِ ملة،
стр. 568
والنصرانيّة ملة، والمجوسيّة ملة، وعَبَدَةُ الأوثان ملّة، وعبدة الشمس ملّة، وهكذا. فلا يَرِثُ بعضُهُمْ بعضاً.
(فإن اتفقت أديانُهُمْ، ووجدت الأسباب) الرّحِمُ، والنِّكاح، والولاء، (وَرِثَ بعضهم بعضاً، ولو أنّ أحَدَهما ذِمّي والآخر حربي، أو) أحدُهما (مستأْمِنٌ والآخر ذمّي أو حربيّ.) فاختلافُ الدَّارَيْنِ ليس بمانع، لأن العموماتِ من النصوصِ تقتضي توريثَهُمْ، ولم يرد بتخصيصِهم نصٌّ ولا إجماع، ولا يصح فيهم قياسٌ. فيجب العمل بعمومها.
(ومن حُكِمَ بكفرِهِ من أهل البدع) المضلّة، (والمرتدّ، والزنديق، وهو المنافق) ولا تقبلُ توبتُهُ ظاهراً، وهو سَتْرُ الكفرِ وإظهار الإِيمان (فماله فيءٌ) يصرف مصرف الفيءِ (لا يورِّثون) أحداً (ولا يَرِثون) أحداً.
(وَيرِثُ المجوسي ونحوُه) ممن يرى حِلَّ نكاحِ المحارِمِ (بجميعِ قراباتِهِ) إذا أسْلَمَ، أو حاكَمَ إلينا، وهو قول عمر وعليٍّ وابنِ مسعود وابن عباس، وزيدٍ في الصحيح عنه.
(فلو خلَّفَ) المجوسيُّ (أُمَّه، وهي أخته من أبيه) لكون أبيهِ تزوَّج بنته، فولدتْ له هذا الميت، وخلَّفَ عمًّا (ورثت الثلث بكونها أمًّا، و) ورثت (النصفَ بكونهَا أُختاً) والباقي بعد النصف والثلث للعمّ.
стр. 569
باب ميرَاث المطلقَة
طلاقاً رجعياً أو بائناً يتهم فيه بقصد الحرمان.
(يثبتُ الإِرث لكلٍّ من الزوجين في الطلاقِ الرجعيّ) سواء كان في المرض أو في الصحة. قال في المغني: بغير خلافٍ نعلمه. روي ذلك عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود ﵃. وذلك لأنّ الرجعيةَ زوجةٌ يلحقها طلاقُه وظهارُه وإيلاؤهُ، ويملكُ إمساكَهَا بالرَّجْعَةِ بغير رضاها، ولا وليّ ولا شهودٍ ولا صداقٍ جديد.
(ولا يثبت) الإِرث (في) الطلاق (البائن إلاَّ لها) أي للمطلقة من مطلقها (إن اتُّهِمَ) أي الزوجُ (بقصْدِ حِرمانِها) الميرات (بأنْ طلَّقها في مرضِ موتهِ المخوفِ ابتداءً) يعني من غير سؤالِهَا، (أو سألَتْهُ) أنْ يطلِّقها طلاقاً (رجعيًّا فطلّقها) طلاقاً (بائناً، أو علّق في مَرَضِهِ طلاقَهَا) ثلاثاً، أو طلاقاً تبين به، (على ما) أي: فعلٍ (لا غنى لها عنه) شرعاً، كالصلاة المفروضَةِ، والزكاةِ، والصومِ المفروض، قال في الإِقناع: وليسَ منهُ كلامُ ابَوَيْها. انتهى، أو عقلاً كالأكلِ والنوم، (أو أقرَّ) في مَرَضِهِ (أنه طلَّقَها سابقاً في حالِ صِحَّتِهِ، أو وَكَّل في صَحته من يُبيِنُها) أي يطلَّقُها طلاقاً بائناً (متى شاء، فأبانَهَا في مرضِ موتهِ،) أو قَذَفَها في صحته،
стр. 570
ولاعَنَها في مرضه، أو وطئ زوجٌ عاقلٌ حَمَاتَهُ بمرضِ موته المخوفِ، ولو لم يمتْ.
(فترث في الجميع) أي جميع الصور المذكورة، (حتى لو انقضت عدتها) قبل موتهِ فإنها تَرِثُهُ (ما لم تتزوجْ،) فإن تزوجت زوجاً غيره لم ترث من الأول، أبانَها الثاني أو لا (أو ترتدَّ) عن الإِسلام، ولو أسلمتْ بعد إن ارتدت.
(فلو طلَّقَ المتَّهمُ) بقصدِ حرمانِ الميراثِ (أربعاً) كن معه، (وانقضتْ عدتهنَّ) منه (وتزوَّجَ أربعاً سواهُنَّ) ثم ماتَ، (وَرِثَ) منه (الثَّمَانُ) وهنّ الأربعُ المطلقات، والأربع المنكوحات (على السواءِ) لأنّ المطلَّقَةَ وارثةٌ بالزوجيّة، فكانتْ أسوةَ من سواها (بشرطه) المتقدم.
(ويثبت له) أي للزوج الميراثُ من زوجته دونها (إن فعلتْ بمرضِ موتها المخوفِ ما يفسخُ نكاحَهَا ما دامتْ معتدّةً إنِ اتُّهِمَتْ) بقصدِ حرمانِه (١) الميراث. كما لو أدخلَتْ ذَكَرَ ابنِ زوجِها في فَرْجِها، أو أبيه، وهو نائم، أو نحو ذلك، لأنها أَحَدُ الزوجين.
ولم يُسْقِطْ فعلُها ميراثَ الآخرِ، كالزوج.
(وإلاَّ) أي وإن لم تُتَّهم الزوجةُ بقصدِ حرمانِهِ الميراثَ بأن دبَّ زوجُها فارتَضَعها وهي نائمةٌ، أو نحو ذلك (سَقَطَ ميراثُهُ) أيضاً، كفسخِ معتَقَةٍ تحت عبدٍ، فَعَتَقَ، ثم مات (٢).
стр. 571
باب حكم تصحيح المسألة
مع (الإِقرار) من بعضهم (بمشاركٍ في الميراث،) وأمّا مع إقرار الجميع فلا يحتاج إلى عمل سوى ما تقدم.
(إذا أقرّ الوارث) المكلف (بمن يشاركه) أي المقِرَّ (في الإِرث) كابنٍ للميّتِ يُقِرُّ بابنٍ له آخر، (أو) يقر (بمن يحجبه، كأخٍ) للميت (أقرّ بابنٍ للميّت) ولو كان الابنُ المقَرُّ به من أمةِ الميت، نصّ عليه في رواية الجماعة، (صحّ) الإِقرار، (وثبت الإِرث) من الميّت، (و) ثبت (الحجب).
(فإذا أقرّ الورثة المكلفون) كلهم (بشخصٍ مجهولِ النسبِ، وصدَّق) المقَرُّ به المقِرَّ إنْ كان مكلفاً، (أو) لم يصدِّقْهُ و (كان صغيراً، أو مجنوناً، ثبت نَسَبُهُ وإرْثُهُ).
فيشترط لثبوت النسب أربعة شروط، وهي: إقرار الجميع؛ وتصديق المُقَرِّ به إن كان مكلّفاً؛ وإمكان كونهِ من الميّت؛ وعَدَمُ المُنازِع.
وحيث ثبت نسبه فإنه يثبُتُ إرثُه، ما لم يقم به مانعٌ من موانع الإِرث. فإن كان به مانع ثبت نسبه، ولم يرث للمانع.
(لكن يعتبر لثبوت نسَبه من الميت) أحد شيئين: إما (إقرار جميع
стр. 572
الورثة، حتى الزوج، وولد الأم؛ أو شهادَةُ) رجلينِ (عَدْلينِ) فلا تقبل هنا شهادة النِّساء، ولا شهادة الفاسق مطلقاً. ويأتي.
ولا فرق بين أن يكون الشاهدان (من الورثة، أو من غيرهم). (فإن لم يُقِرَّ بِهِ جميعُهم) بل أقرّ به بعضُهم (ثبت نسبه وإرثُهُ ممن أقرّ به) فقط، دون الميّت، وبقية الورثة. وقيل لا يثبت نسبه أيضاً ممن أقرّ به. جزم به الأزْجِيّ وغيره. وقدَّم الأول في الفروع والرعايتين والحاوي الصغير وغيرهم.
(فـ) على هذا (يشاركه) أي المقَرُّ بِهِ المقِرَّ (فيما بيده) من التركة.
فإذا أقرّ أحدُ ابنيهِ بأخٍ لهما، فللمقَرِّ به ثلث ما بيد المقِرّ. نقله بكر بن محمد. لأنّ إقراره تضمّن أنه لا يستحقُّ أكثَرَ من ثُلُثِ التركة. وفي يده نصفُها فيكون السدسُ الزائد للمقَرِّ به وهو ثلث ما بيده. فيلزمه دفعُه إليه، (أو يأخذُ) المقَرُّ به (الكُلَّ) أي كلّ ما بيده (إن أسقطه) كما لو أقر أخٌ شقيقٌ للميت بابن للميت، فإنه يرثُ الابنُ، ولا شيء للأخ.
стр. 573
باب ميرَاث القَاتل
وإنما يرثُ القاتلُ المقتولَ إذا لم يضمنْه على ما يأتي.
(لا إرث لمن قَتَل مورِّثه بغير حق) مثل أن يكون القتلُ مضموناً بقصاصٍ أو ديةٍ أو كفّارةٍ، (أو شارَكَ في قتلِهِ) لأنّ شريك القاتل قاتلٌ، بدليل أنه يُقْتَلُ به لو وجَبَ القصاصُ، (ولو) كان القتلُ (خطأً، فلا يرثُ من سقى ولدَهُ) ونحوَه ممن في حِجْرِهِ (دواءً) (١) ولو يسيراً (فمات، أو أَدَّبَهُ) أي أدّبَ وَلَدَه، أو زوجتَهُ، فماتَ أو ماتَتْ (أو فَصَدَه) أو حجَمه (أو بَطَّ سِلْعَتَهُ) لحاجةٍ، فمات من ذلك، لم يرثه، لأنه قاتل.
(وتلزَم الغُرَّةُ) وهي عبدٌ أو أَمَةٌ قيمتُها خمسٌ من الإِبل (مَنْ شَرِبَتْ دواءً فأسقطت) جنينَها.
(ولا ترثُ مِنْها) أي الغرة (شيئاً).
(وإن قتله) أي قتل الإِنسان مورِّثه (بحقٍّ ورثه، كالقتلِ قصاصاً، أو) القتلِ (حدًّا) كحدّ الزنا، وقطعِ الطريق، (أو) قتلَه (دفعاً عن نفسه) إن لم يندفع إلاَّ به.
стр. 574
(وكذا) لا يُمْنَعُ من الإِرث (لو قَتَلَ الباغي العادلَ) في الحرب (كعكسِهِ) (١) بأن قتلَ العادلُ الباغيَ، لأنه فعلٌ مأذون فيه شرعاً، فلم يمنع الميراث.
стр. 575
باب ميرَاث المعتَقِ بعضُه
(الرقيقُ من حيثُ هو) أي بجميعِ أنواعِهِ، كالمدبَّر، والمكاتَب، وأمّ الولد، والمعلَّقِ عتقُه على صفة (لا يرِثُ) غيرَهُ (ولا يورث) أحداً (١)، لأن فيه نقصاً منع كونه موروثاً، فمنع كونه وارثاً.
أجمعوا على أن المملوك لا يورَث، لأنه لا مال له فيورَث، فإنه لا يملك. ومن قال يملك بالتمليك، فملكٌ ناقصٌ غيرُ مستقرٍّ يزول إلى سيده بزوالِ ملكِهِ عن رقبته.
(لكَن المبعَّضَ يرث ويورَثُ، ويَحْجُب، بقدر ما فيه من الحرية).
(وإن حصل بينه) أي المبعَّض (وبين سيّدِهِ مُهَايَأةٌ) فكان يخدم سيده بنسبة ملكه، ويكتسب بنسبة حريته، (فكلُّ تَرِكَتِه) التي جَمَعها بجزئه الحر (لوارثه) (٢).
(أوْ لا) بأن لم يكن بين السيد والمبعّض مهايأةٌ (فتركته بينه) أي وارث المبعّض (وبين سيده) أي سيد المبعّض (٣) (بالحصص).
стр. 576
باب الوَلَاء
الولاء ثبوتُ (١) حكْمٍ شرعيٍّ بعتقٍ، أو تعاطي سببه.
فـ (من أعتق رقيقاً؛ أو) أعتق (بعضه فسرى إلى الباقي؛ أو عَتَق) الرقيق (عليه بِرَحِمٍ) كما لو ملك أباهُ أو أخاهُ أو عمَّهُ، ونحوهم فعتق عليه بسبب ما بينهما من الرحم؛ (أو) بـ (فعل) كتمثيلٍ به؛ (أو) بسبب (عوضٍ) كما لو قال لعبده: أنت حرٌّ على أن تخدمني سنةً، وكما لو اشترى العبدُ نفسَهُ من سيّده بعوضٍ حالٍّ، فإنه يُعْتَقُ، ويكون الولاءُ لسيّده. نص عليه؛ (أو) بسبب (كِتابةٍ)، كما لو كاتبه على مالٍ فأدّاه؛ (أو) بسببِ (تدبيرٍ) كما لو قالَ له: إذا أنا مُتُّ فأنتَ حرٌّ، (أو) بسبب (إيلادٍ،) كما لو أتت أمته منه بولدٍ، ثم مات أبو الولد؛ (أو) بسبب (وصيّةٍ)، كما لو أوصى بعتقِ عبده فلانٍ، وأعتقه الورثة؛ (أو أعتقه في زكاته، أو) في (نذره، أو) في (كفارته، فـ) إنه في جميع هذه الصور (له عليه الولاءُ) لقوله ﷺ : "الولاء لمن أعتق" لما متفق عليه.
(و) يكون له أيضاً الولاءُ (على أولادهِ) أي أولاد العتيق، (بشرطِ كونهمْ) أي أولادِ العتيق (من زوجةٍ عتيقةٍ) للعتيق أو لغيره (أو أمةٍ).
стр. 577
(و) يكون له الولاءُ أيضاً (على من له) أي العتيقُ ولاؤُه (أو لهم) أي لأولادِ العتيقِ (عليهِ الولاءُ.)
ومن لم يمسَّه رِقٌّ، وكان أحدُ أبوْيهِ عتيقاً، والآخرُ حرَّ الأصل، أو الآخرُ مجهولَ النَّسب، فلا ولاء عليه لأحد.
(وإن قال) شخصٌ مكلَّفٌ رشيدٌ لمالِكِ عبدٍ: (اعتقْ عبدَك عنّي مجاناً،) أي بلا عوضٍ، (أو) اعتق عبدك (عنيّ،) فقط، (أو اعتق عبدك (عنك وعليّ ثمنه) فلا يجب عليه أن يجيبه، فـ (إن أعتقه)، ولو بعد أن افترقا، (صحّ) العتق (و) كان (ولاؤه للمعتَقِ عنه) كما لو قال له: أطعِمْ أو اكْسُ عني.
(ويلزم القائلَ) للمقولِ له (ثمنُه) أي ثمنُ العبد (فيما إذا التزم به) أي بالثمن، بقوله: وعليّ ثمنه. (وإن قال الكافر) للمسلم: (اعتقْ عبدَكَ المسلم عني) وعليّ ثمنه، (فأعتقه، صحّ) في الأصحّ، لأنه إنما يملكه زمناً يسيراً، ولا يتسلَّمُهُ فاعتُبر هذا الضرر (١) اليسير لأجل تحصيل الحرية للأبد، التي يحصل بها نفع عظيم، لأن الإِنسان يصيرُ متهيّئاً بها للطاعاتِ، وإكمال القربات.
(و) يكونُ (ولاؤُه للكافر)
ويرث به المسلم (٢).
وكذا كل من باين [دينه] دين معتقِه (٣).
стр. 578
فصل [في الإِرث بالولاء]
(ولا يرث صاحبُ الولاءِ) أي من له الولاءُ (إلاَّ عِنْدَ عَدَم عصباتِ النَّسب) كالأب، والابن، وابن الابن، والأخ مطلقاً، ونحوهم، (وبعد أن يأخذ أصحابُ الفروضِ فروضَهم. فبعد ذلك يرثُ المعتِق ولو أنثى).
فمن ماتَ عن بنتٍ حُرَّة وعن معتِقٍ: كان النصفُ للبنت، والباقي للمعتِق.
ومن ماتَ عن أمٍّ حرّةٍ، وشقيقتينِ حرتين، وزوجةٍ حرة، ومعتِق: فاصل المسألةِ من اثني عشر، وتعول إلى ثلاثة عشر: للأم السدس سهمان، وللشقيقتين ثمانية أسهم، وللزوجة ثلاثة أسهم، ولا شيء للمعتق.
(ثم) يرث بعد فقد المعتق (عصبتُه) المتعصّبون بأنفسهم، يقدَّم (الأقرب فالأقرب) فابنٌ وابنُ ابنٍ: الكلُّ للابن. وأخٌ شقيقٌ، وأخ لأب: الكلّ للشقيق. وهكذا.
(وحكم الجد مع الإِخْوة) الأشقاءِ أو لأب (في الولاء كحكمِهِ معهم في النَّسب) وتقدم الكلام على ذلك.
(والولاءُ لَا يباعُ، ولا يوهَب، ولا يوقَفُ، ولا يوصى به) لأنه كالنَّسب، وهو لا يَرِدُ عليه عقد بيعٍ، ولا هبةٌ، ولا وقفٌ، ولا وصيةٌ. قال رسول الله ﷺ : "الولاءُ لُحمةٌ كلُحْمَةِ النسب لا يباع ولا يوهب" (١). (ولا يورَث، وإنما يَرِثُ به أقربُ عصباتِ المعتِقِ يَوْمَ موتِ العتيق) لا يوم موت المعتِق.
стр. 579
(لكن يتأتَّى انتقاله) أي الولاء (من جهةٍ إلى) جهة (أخرى: فلو تزوّج عبدٌ بـ) امرأة (معتَقَةٍ) لزيدٍ (فولاءُ من تَلِدُهُ) من زوجِها العبدِ (لمن أعتَقَها) وهو زيدٌ (فإن عَتَقَ الأب انجرَّ الولاء لمواليه) أي موالي الأب.
стр. 580
كتَاب العتق
وهو لغةً: الخلوص، ومنه عِتاقُ الخيل. وسمِّيَ البيتُ الحرام عتيقاً لخُلوصِهِ من أيدي الجبابرة.
وشرعاً: تحرير الرَّقبة، وتخليصها من الرق. وخُصَّت به الرقبة، وإن تناول العتقُ جميعَ البدن، لأن ملك السيّد له كالغُلِّ في رقبته المانعِ له من التصرّف، فإذا عَتَقَ صار كأنّ رقبته أُطلِقت من ذلك.
(وهو من أعظم القُرَب) لأنَ الله -جَلَّ وعلاَ- جعله كفارةً للقتلِ، والوطءِ في نهار رمضان، وكفارةً للأيمان، وجعله النبيُّ ﷺ فِكاكاً لمعتِقِهِ من النار، ولأن فيه تخلُّصَ الآدميِّ المعصومِ من ضرر الرق.
وأفضلُها أَنفسُها عند أهلِها، وأغلاها ثمناً، نَقَله الجماعَةُ عن أحمد.
وذكرٌ وتعددٌ أفضل (١).
(فيسن عتقُ) وكتابةُ (رقيقٍ له كسبٌ) لانتفاعِهِ بملْكِ كسبِهِ بالعتق.
(ويكره) العتقُ والكتابةُ (إن كان) العتيقُ (لا قوةَ لَه ولا كسب) لسقوطِ نفقته بإعتاقه، فيصير كلًّا على الناس ويحتاج إلى المسألة؛ (أو)
стр. 581
كان (يخافُ منه) إذا عتَق (الزنا أو الفساد) يعني فإنه يكره إعتاقه. وكذا لو خيف رجوعه إلى دار الحرب وتركُ إسلامه.
(ويحرم إن عَلِم ذلك) أو ظَنَّه (منه) لأن التوسُّل إلى المحرّم حرام.
وإن أعتقَه مع علمِه ذلك أو ظنَّه صح العتق.
(وهكذا الكتابة) في الحكم المذكور.
(ويحصل العتق) بأحد شيئين: (بالقول) أو الملك (١). وزاد في الكافي: والاستيلاد (٢).
ولا يحصل بمجرّد النية، لأنه إزالة ملك.
[العتق بالقول]
وينقسم من أجل كونه إزالةَ ملكٍ إلى صريح وكناية، كالطلاق.
(وصريحه) أي صريح القول: (لفظ العتق، و) لفظ (الحريّة) لأنهما لفظانِ وردَ الشرعُ بهما، فوجب اعتبارُهما، (كيفَ صُرِّفَا) فمن قال لرقيقه: أنت حرٌّ، أو مُحرَّرٌ، أو قد حرَّرْتُك؛ أو عتيقٌ، أو معتَقٌ أو قد أعتقْتُكَ، عتَقَ، ولو لم يَنْوِ عتقَه بذلك. قال أحمد في رجلٍ لقي امرأةً في الطريق، فقال: تَنَحَّيْ يا حُرَّةُ. فإذا هي جاريتُهُ، قال: عتقت عليه. (غيرَ أمرٍ، ومضارِعٍ، واسمِ فاعلٍ) فمن قال لرقيقه: حرِّرْهُ، أو: أعتِقْهُ، أو: أُحَرِّرُهُ، أو: هذا محرِّرٌ بكسر الراء، وهذا معتِقْ بكسر التاء، لم يعتَقَ بذلك، لأن ذلك طلَبٌ ووعْدٌ وخبرٌ عن غيره، فلا يكون واحدٌ منها
стр. 582
صالحاً للِإنشاء والإخبار عن نفسِه فيؤاخَذَ به.
ويقع من هازلٍ، كالطلاق، لا من نائمٍ ومجنونٍ ومُبَرْسَمٍ لأنهم لا يعقلون ما يقولون.
ولا يقعُ إن نوى بالحرِّيَّة عفَّتَهُ وكَرَمَ خُلُقِه، ونحوَه.
(وكنايتُهُ) أي كناية العتق التي يقع بها (مع النية) أي نية العتق (ست عشرة) لفظة: (خَلَّيتُكَ، وأطلقتُكَ، والحقْ بأهلك، واذهبْ حيثُ شئتَ، ولا سبيلَ لي) عليك، (أو: لا سلطانَ) لي عليك، (أو: لا مِلكَ) لي عليك، (أو: لا رقَّ) لي عليك، (أو: لا خِدْمَةَ لي عليك، أو: وَهبتك لله، وأنت لله، ورفعت يدي عنك إلى الله، وأنت مولاي، أو أنت سائِبَةٌ (١) وملَّكتُك نفسَكَ. وتزيد الأمةُ) على الذكر (بأنتِ طالقٌ، أو:) إنت (حرامٌ).
(ويعتق حملٌ لم يستثنَ) أي لم يستثنه المعتِقُ عندَ عتقِ أمةٍ (بِعِتقِ أمِّهِ) لأنه يتبعها في البيع والهبة، ففي العتق أولى، (لا عكسُهُ) أي لا تعتق الأمة بعتقِ حملِها، لأن الأَصْلَ لا يتبع الفرع.
(وإن قال) السيد (لمن) أي لرقيقٍ (يمكن كونُه أباهُ) من رقيقِهِ، كما لو كان إلى السيّدُ ابن خمسةَ عشرَ عاماً، والرقيقُ ابن ثلاثينَ عاماً: (أنت أبي، أو قال) السيد (لمن) أي لرقيقٍ (يمكنُ كونُه ابنه: أنت ابني، عَتَق) بذلك، ولو كان له نسب معروف (٢).
و (لا) عِتْقَ (إن لم يمكنْ) كونه أباه أو ابنَهُ لكبرٍ أو صغرٍ (إلا بالنية) أي بنيته بهذه الألفاظ العتقَ.
стр. 583
فصل [في العتق بالفعل]
(ويحصل) العتقُ (بالفعلِ) كما يحصُل بالقول. (فمن مَثَّل) بتشديد المثلَّثة، قال أبو السعادات: مثَّلتُ بالحيوانِ، أُمثِّلُ تمثيلاً، إذا قطعتَ أطرافَه، وبالعَبد، إذا جَدَعْتَ أنفَه، أو أُذنَهُ، ونحوه. (برقيقِهِ) ولو بلا قصدٍ (فجدَعَ أنفه، أو أذنه، أو نحوَهما) كما لو خَصَاه (أو خَرَق) عضواً منه، كما لو خَرَقَ كفَّه (أو حَرَقَ عضواً منه) كإصبعه، بالنّار عتق بلا حكمِ حاكمٍ (١) (أو استكرهه) أي استكرَهَ السيّدُ عبدَهُ (على الفاحشة) أي فَعَلَها به مكرَهاً. قال الشيخ: لو استكره المالك عبدَهُ على الفاحشةِ عَتَقَ عليهِ، (أو وطئ) السيدُ (من) أي أمةً مباحةً (لا يوطأ مثلها لصغرٍ فأفضاها) أي خَرَقَ ما بين سبيلَيها، يعني فإنّها تعتق عليه. قال ابن حمدان: ولو مثّل بعبدٍ مشتركٍ بينه وبين غيره عَتَق نصيبُهُ، وسرى العتقُ إلى باقِيهِ، وضمن قيمةَ حِصّةِ الشريكِ بشرطِهِ، وهو أن يكون موسراً. ذكره ابن عقيلٍ، وجزم به في الإِقناع، (عتق في الجميع) أي جميع ما ذكر.
(ولا عتق) حاصل (بخدشٍ) أي جرحٍ (وضربٍ ولعنٍ) لرقيقِهِ، لأن ذلك مخالفٌ للقياسِ، ولا نصَّ فيه، ولا [هو] في معنى المنصوص عليه، فلم يعتق بذلك، كما لو هدده.
стр. 584
[العتق بالملك]
(ويحصل) العتق أيضاً (بالملْكِ، فَمَنْ مَلَكَ لذي رحمٍ (١) محرمٍ) كأبيه وابنه وأخيهِ وعمهِ.
والرَّحِمُ المَحْرَمُ هو الذي لو قُدِّر أحدُهما ذكراً، والآخر أنثى، حرم نكاحه عليه (٢)، لكن لما كان ذلك شاملاً للمَحْرَم بالرّضاعِ أخْرَجَه بقوله (من النسب) (٣) وافقه في دينِهِ أوْ لا، (عَتَق عليَه،) وأبٌ وابنٌ من زناً كأجنبيين، (ولو) كان المملوكُ (حملاً) كما لو اشترى زوجة ابنِهِ الأمةَ التي هي حاملٌ من ابنِه.
(وإن ملك بعضَهُ) أي بعضَ من يعتق عليه بشراءٍ أو هبةٍ أو نحوِهما (عَتَقَ البعض) الذي ملكه، (و) عَتَقَ (الباقي) أي باقي الرقبة (بالسّراية، إن كان موسراً، ويغرم) أي يدفع ثمن (حِصَّةِ شريكِهِ.)
وإن لم يكن موسِراً بقيمةِ باقيهِ كلِّه عَتَق منه بقدْرِ ما هو موسِرٌ به. والموسِرُ هنا القادرُ حالةَ العتقِ على قيمتِهِ، وأن يكون ذلك كفطرة.
تنبيه: إن كان الذي مَلَكَ جزءاً من رحمه المَحْرَم مُعسِراً، أو مَلَكه بالميراثِ ولو كان موسراً بقيمتِهِ، لم يعتق عليه إلا ما مَلَكَ.
(وكذا حكم كل من أَعْتَقَ حصته من) عبدٍ (مشتركٍ)، سواءٌ كان قَدْرَ نصيبه، أو أقل، في أنه يعتق عليه جميعُهُ عتقاً وسرايةً.
(لو ادّعى كل) واحدٍ (من) شريكين (موسرين أن شريكَهُ أعْتَقَ نصيبَهُ عتق) المشترك عليهما، (لاعترافِ كل) منهما (بحرّيّته،) وصار كلٌّ
стр. 585
مدَّعِياً على شريكه بنصيبه من قيمته، (ويحلف كلٌّ) منهما (لصاحِبِهِ) لأجل سرايةِ عتقِهِ إلى نصيب شريكه.
فإن نَكَلَ أحدهما قُضي للآخر.
وإن نكلا جميعاً تساقطَ حقُّهما لتماثلهما، (و) لا ولاءَ عليه لواحدٍ منْهُمَا، لأنه لا يدّعيه، بل يكونَ (ولاؤُه لبيتِ المالِ) أشبهِ المال الضائع، (ما لم يعترفْ أحدُهما بعتِقِه) كلِّه أو جزئِهِ (فيثبت له) ولاؤه، (ويضمنُ حقَّ شريكِهِ) أي قيمةَ حِصّةِ شريكِهِ، لاعترافِهِ.
ولا فرق في هذه الحالةِ بين العَدْلَيْنِ والفاسقينِ، والمسلمينِ والكافرينِ، للتساوي في الاعتراف والدعوى.
فصل [في تعليق العتق وإضافته]
(ويصح تعليق العتق بالصفةِ، كـ) قوله: (إن فعلتَ كذا، كإذا صمتَ غداً، أو: يومَ الخميس، أو: أعطيتني ألفاً، فأنت حرٌّ.)
وكذا يصحُّ تعليقه على دخولِ الدارِ، ومجيءِ الأمطار، وغير ذلك، لأنه عتقٌ بصفةٍ، فيصحُّ، كالتدبير.
وللسيد وطءُ الأمةِ التي عَلَّقَ عتقَها على صفةٍ قبل وجودِها. (وله) أي السيد (وقْفُه) أي الرقيقِ الذي عَلَّقَ عتقَه على صفةٍ، (وكذا بيعُهُ ونحوُهُ) كهبتِهِ، والوصيةُ به (قبل وجودِ الصفة) ثم إن وُجِدَتْ وهو في ملك غير المعلِّق لم يعتق.
(فإن عادَ) المعلَّق عتقه على صفةٍ (١) (لملكِهِ) أي ملك المعلِّق، ولو
стр. 586
بعد وجودها حال زوالِهِ، (عادت) الصفةُ (فمتى وجدت) وهو في ملكه (عَتَق) لأن التعليق والشرط وُجِدا في ملكه، فأشبه ما لو لم يتخللهما زوال ملك، ولا وجودُ صفةٍ حال زواله. ولا يعتق قبل وجود الصفة بكمالها، كالجُعْل في الجعالة. فلو قال لعبده: إذا أديتَ ألفاً فأنت حرٌّ لم يعتق حتى يؤدّي جميعه.
(ولا يبطل) التعليق (إلا بموته) أي موت المعلِّق لزوالِ ملكه زوالاً غيرَ قابل لِلْعَوْد، (فقوله) أي السيدِ لعبده: (إن دخلتَ الدارَ بعد موتي فأنتَ حرٌّ لغوٌ) كقوله لعبد غيره: إنْ دخلتَ الدارَ فأنت حرٌّ، ولأنَّه علَّق عتقه على صفةٍ توجد بعد موتهِ وزوالِ ملكِهِ فلم يصحَّ، كقوله: إن دخلتَ الدارَ بعد بيعي لك فأنت حرّ، ولأنه إعتاقٌ له بعد استقرارِ ملكِ غيرِهِ عليه.
(ويصحُّ) من مالكٍ قولُه لعبده: (أنت حرٌّ بعد موتي بشهرٍ) ذكره القاضي، وابن أبي موسى، كما لو وصّى بإعتاقِهِ، وكما لو وصّى أن تباع سلعةٌ ويتصدَّق بثمنها (فلا يملِكُ الوارِثُ بيعَه) أي بيعَ العبدِ الذي قيل له ذلك قبل مضيِّ الشَّهْرِ.
وكسبُه بعد موتِ سيِّدهِ وقبلَ انقِضاءِ الشهرِ للورثة.
(ويصح) لا من قنٍّ، (قوله: كلُّ مملوكٍ أملِكُهُ فهو حرٌّ، فكلُّ من ملكه عتق.) ويصحُّ: إن ملكْت فلاناً فهو حر. روى أبو طالبٍ عن أحمد أنه قال: إن [قال: إن] اشتريتُ هذا الغلامَ فهو حرٌّ، فاشتراه، عتق. بخلافِ ما لو قال: إن تزوجت فلانةَ فهي طالق، لأن العتق مقصودٌ من المالك، والنكاحَ لا يُقْصَد به الطلاق. وفَرَّق أحمدُ بأنَّ الطلاقَ ليس لله تعالى، ولا فيه قربةٌ.
(و) إن قال مكلَّفٌ حرٌّ: (أولُ) قِنٍّ أمْلِكُهُ، (أو) قال: (آخِرُ قنٍّ
стр. 587
أَمْلِكُهُ، أو) قال: (أوَّلُ، أو: آخِرُ من يطْلُعُ من رقيقي حرٌّ، فلم يملك) إلا واحداً، (أو) لم (يطلع إلا واحدٌ عتق) لأنه ليس من شرط الأوَّل أن يأتي بعده ثانٍ، ولا من شرطِ الآخِرِ أن يأتي قبله أوَّل. (ولو ملك اثنين معاً، أو طلعَا معاً، عتق واحد) منهما، وأُخْرِجَ (بقرعةٍ. ومثله الطلاق).
فصل
(وإن قال) سيد (لرقيقِهِ. أنتَ حرٌّ وعليك ألفٌ، عتق في الحالِ بلا شيءٍ) لأنه أعتقه بغير شرطٍ، وجَعَل عليه عوضاً لم يقبله، فعتَقَ، ولم يلزمْه شيءٌ.
(و) إن قال: أنتَ حرٌّ (على ألفٍ، أو:) أنتَ حُرٌّ (بألفٍ،) أو: أنت حرٌّ على أن تعطيني ألفاً، أو: بعتُكَ نفسَكَ بألفٍ، فإنه (لا يعتق حتى يَقْبَلَ) لأنه أعتقه على عوضٍ، فلم يعتق بدون قبوله. ولأن "على" تستعمل للشرط والعوض، قال الله تعالى: ﴿قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ (ويلزمه الألف).
(و) من قال لقِنِّهِ: أنتَ حرٌّ (على أن تخدمني سَنَةً) أو شهراً فإنّه (يعتق في الحال) بلا قبولٍ (من القنِّ،) وتلزَمُهُ الخِدْمةُ على الَأصَحِّ.
(ويصحُّ أن يعتقه ويستثني خدمتَه مدةَ حياتِهِ أو مدَّةً معلومةً) كشهرٍ أو سنةٍ.
وللسيِّد فيما إذا استثنى خِدْمَتَه، أو منفعتَه مدةً معلومةً بيعُ هِذه المدةِ المعْلومةِ من العبدِ ومن غيرِهِ. نَقَلَ حَرْبٌ (١) أنه لا بأس ببيعِها من العبدِ، أو ممن شاءَ. وإن مات السيد في أثنائها رجعَ ورثةُ السيد على
стр. 588
العبدِ بقيمةِ ما بقي من مدّة الخدمة.
ولو باع السيدُ العبدَ نَفْسَهُ بمالٍ في يده صحَّ، وعتق. وللسيد ولاؤُه.
(ومن قالَ: رقيقي حرٌّ، وزوجتي طالقٌ، وله متعدد) من رقيقٍ أو زوجةٍ (ولم ينوِ معيّناً) من عبيدِهِ أو زوجاتِهِ (عَتَقَ) الكلُّ من عبيدِه (وطلَقَ الكلُّ) من زوجاتِهِ (لأنه) أي لفظ "عبدي" أو "زوجتي" (مفردٌ مضافٌ فيعمُّ) كلَّ رقيقٍ وكلَّ زوجةٍ.
стр. 589
باب (التدبير)
وهو أي التدبير (تعليقُ العتقِ بالموتِ) أي موتِ المعلِّق، فلا تصحُّ وصيةٌ بِهِ (كقوله لرقيقِهِ: إن متُّ فأنت حر بعد موتي).
(و) لكن (يُعْتَبَرُ) لصحة التدبيرِ (كونُه ممن تصحُّ وصيّتُهُ) فيصح من محجورٍ عليه لفلسٍ، وسَفَهٍ، ومن مميزٍ يعقله؛ (وكونه) أي التدبير في الصحةِ والمرضِ (من الثلث) أي ثلثِ مالِ السيّد يومَ موتِهِ. نصّ عليه. لأنه تبرُّعٌ بعد الموتِ، فاعتُبِر من ثلثِ ماله كالوصية.
ويفارِقُ العتقَ في الصِّحَّةِ؛ فإنه لم يتعلق به حقٌّ، فنفذ من جميع المال، كالهبة المنجَّزَةِ.
وأما الاستيلاد فإنه أقوى من التدبير، لأنه ينفذ من المجنون، بخلاف التدبيرِ.
فإن اجتمع العتق في المرض والتدبير، قُدِّم العتقُ، لأنه أسبق.
وإن اجتمع التدبيرُ والوصيةُ بالعتقِ تساويا، لأنهما جميعاً عتقٌ بعد الموت.
(وصريحه) أي التدبير (وكناياتُهُ كالعتق) قال في المنتهى: وصريحه لفظ "عتقٍ" و"حرّيّةٍ" معلَّقَيْنِ بموتهِ، ولفظ "تدبيرٍ" لما وما تصرَّف منها غيرَ أمرٍ ومضارعٍ واسمَ فاعلٍ.
стр. 590
وتكونُ كناياتُ عتقٍ لتدبيرٍ إنْ عُلِّقَتْ بالموتِ، كقوله: إن متُّ فأَنْتَ لله، أو: فأنت مولايَ، أو: فأنتَ سائبةٌ.
[التدبير المعلق]
(ويصح) التدبير (مطلقاً أي غيرَ مقيَّدٍ ولا معلَّقٍ (كـ) قوله: (أنت مدبَّرٌ).
(و) يصح (مقيّداً، كإنْ متُّ في عامي) هذا (أو): في (مرضي هذا، فأنت مدبَّرٌ.) فيكون ذلك جائزاً على ما قال: إن مات على الصفة التي قالَهَا عَتَقَ، وإلا فلا.
(و) يصح التدبير أيضاً (معلقاً كـ) قوله: (إذا قدم زيدٌ فأنت مدبَّر) وإن شفى الله عليلي فأنت حرٌّ بعد موتي، فهذا لا يصيرُ مدبَّراً حتى يوجد الشرط في حياة سيّده.
(و) يصح (مؤقَّتاً كأنْتَ مدبَّر اليوم، أو) أنت مدبَّرٌ (سنَةً) قال مهنا: سألت أحمد عمن قال لعبده: أنت مدبَّرٌ اليومَ. قال: يكون مدبَّراً ذلك اليوم، فإن مات سيده في ذلك اليوم صارَ حراً.
(ويصح بَيْعُ المدبَّرِ وهبته) ولو أمةً، أو كان بيعُهُ في غير دين، (فإن عادَ) المدبَّرُ (لملكِهِ) أي ملكِ من دبَّرَهُ (عادَ التدبير) لأنه علَّق عتقَه بصفةٍ فإذا باعه، ثم عاد إليه عادت الصفة، كما لو قال لرقيقه: أنت حرٌّ إن دخلتَ الدارَ، فباعَهُ ثم اشتراه، ودخلها.
ويصح أيضاً وقف المدبَّرِ.
وإن بيعَ أو وُقِفَ أو وُهِبَ فباقيه مدبّر.
[ما يبطل التدبير]
(ويبطل) التدبير (بثلاثة أشياء):
стр. 591
أشار للأول بقوله: (بوقفه) أي وقف المدبّر.
وأشار للثاني بقوله: (وبقتله) أي المدبر (لسيدهِ) لأنه استعجَلَ بقتلِهِ له، فعوقب بنقيض قصدِهِ، كما حُرِمَ القاتِلُ الميراثَ. ولأن ذلك مما يتخذه وسيلةً إلى القتل المحرم لأجلِ العتقِ.
وأشار للثالث بقوله: (وبإيلاد الأمةِ) يعني أن الأمةَ المدبَّرة متى وَلَدتْ من سيّدها بَطَل تدبيرُها، وصارتْ أمَّ ولدٍ، لأن مقتضى التدبير العتقُ من الثلث، ومقتضى الاستيلاد العتقُ من رأسِ المال، وإن لم يملك غيرها، ولا يمنع الدَّيْنُ عتقَها.
وحيث كان الاستيلاد أقوى وجب أن يبطل به الأضعف.
(وولد المدبَّرة) من غير سيدها (الذي يولد بعد التدبير كهي) سواءٌ كانت حاملاً به حين التدبير، أو حملت به بعد التدبير، فلو باع الأمَّ لم يبطل التدبير في ولدها.
(وله) أي ولسيد المدبرة (وطؤها وإن لم يشرطه) أي يشترط وطأها. وسواء كان يطؤها قبل تدبيرها أوْ لا.
(و) للسيد أيضاً (وطءُ بنتِها إن جازَ) له وطؤُها بأن لم يكن وطئَ أمها.
(ولو أسلمَ مدبَّرٌ) لكافرٍ (أو قنٌّ) لكافرٍ (أو مكاتَبٌ لكافرٍ أُلزمَ بإزالة ملكه) عنه ببيعٍ أو هبة (فإن أبى) البيعَ أو الهبةَ (بيعَ عليهِ) أي باعَهُ عليه حاكمٌ.
стр. 592
باب الكتابَة
(وهي) اسمُ مصدرٍ، بمعنى المكاتبة. وأَصْلُها من الكَتْب، وهو الجَمْعُ، لأنَها تجمع نجوماً. ومنه سمي الخرّازُ كاتباً.
وشرعاً (بيع السيدِ رقيقَهُ) أو بعضَهُ، يشمل الذكرَ والأنثى، (نَفْسَهُ) أي نفس الرقيق (بمالٍ)، فلا تصحُّ على خمْرٍ ونحوه، (في ذمَّتِهِ) أي ذمة الرقيق، (مباحٍ) فلا تصح على آنية ذهب أو فضة، ونحو ذلك (معلومٍ) فلا تصحُّ على مجهول لأنها بيعٌ. ولا يصح مع جهالة الثمن؛ (يصح السلم فيه) فلا تصحُّ بجوهرٍ ونحوِهِ لِإفضائه إلى التنازع (منجمٍ بنجمين فصاعداً) (١) أي فأكثر من نجمين (يعلم قدرُ كلٍّ نجمٍ ومدَّتَه) أما اشتراط النجمين فأكثر فلأنها مشتقة من الكُتْبِ، وهو الضمّ، فوجَبَ افتقارها إلى
стр. 593
نجمين، ليُضَمَّ أحدهما إلى الآخر. وأما كونه يشترط العلم بما لِكُلِّ (١) نجمٍ من القسطِ والمدة فلئلا يؤدي جهل ذلك إلى التنازع.
ولا يشترط التساوي فلو جُعِل أحد النجمين شهراً والأخر سنَةً، أو جُعِل قسط أحد النجمين عشرةً والآخر خمسةً، جاز، لأن القصد العلم بقدر الأجل وقسطه، وهو حاصل بذلك.
والمراد بالنجم هنا الوقت، لأن العرب كانت لا تعرف الحساب، وإنما تعرف الأوقات بطلوع النجوم.
(ولا يشترط) لصحة الكتابة (أجلٌ له وقعٌ في القدرة على الكسب) فيه، فيصحّ توقيت نجمين بساعتين. قاله في المنتهى وشرحه. وقال في الإقناع: فلا تصح حالَّةً , ولا على عبدٍ مطلق، ولا توقيت النجمينِ بساعتينِ ونحوه، بل يعتبر ماله وقع في القدرة على الكسب. صوّبه في الإنصاف. وإن كان ظاهر كلام الأصحاب خلافه. انتهى.
(فإن فُقِدَ شيءٌ من هذا) الذي ذكر من الشروط (فـ) الكتابة (فاسدة) ويأتي حكمها.
(والكتابة في الصحّة والمرضِ من رأسِ المال) لأنّها معاوضة، فهي كالبيع والإجارة. واختار الموفق وجمعٌ أنها في المرض المخوف من الثلث (٢). وقدّم في الإِقناع ما في المتن.
(ولا تصح) الكتابة (إلا بالقول) بأن يقول السيد لمن يريد أن يكاتبه: كاتبتك على كذا، لأنها إما بيع أو تعليق، للعتق على الأداء، وكلاهما يشترط له القول، إذ لا مدخل للمعاطاة هنا، (من جائز التصرف) مع قبولِ المكاتب، لأنها عقد معاوضةٍ، كالبيع.
стр. 594
(لكن لو كوتبَ المميِّز صحّ) العقد، لأنه يصحُّ تصرّفه وبيعُه بإذن وليِّه. فصحت إذاً كتابته، كالمكلّف، لأن تعاطيَ السيد العقد معه إذن له في قبوله.
تتمة: لو كاتب المميِّزُ رقيقَه بإذن وليِّه صح العقد.
(ومتى أدّى المكاتَبُ ما عليه لسيِّده) من مال الكتابةِ فقبضَه منهُ سيدٌ أو وليُّ محجور عليه (أو أبرأَهُ) أي السيد (منه) أي من مال الكتابة، أو أبرأه وارثٌ موسرٌ من حقَّه من مال الكتابةِ (عَتَقَ) لأنه لم يبق لسيده عليه شيءٌ، إلا أنه لا يعتَق حتى يؤدّي جميع الكتابة.
(وما فضل بيدِهِ) أي بيد المكاتب بعد أدائِهِ ما عليه من مال الكتابة، (فله) لأنه كان له قبل أن يعتق فبقي على ما كان.
(وإن أعتقه) أي أعتق المكاتبَ (سيّدُه و) بقي (عليه شيء من مال الكتابةِ، أو ماتَ) المكاتبُ (قبل وفائِها) أي قبل وفاء نجوم الكتابة كلها (كان جميع ما مَعَه لسيّده).
(ولو أخذ السيد حقَّه) من المكاتب (ظاهراً) يعني عملاً بالظاهر في كون ما بيد الإنسان ملكه (ثم قال) سيده: (هو حرٌّ) يعني بمقتضى أدائه مال الكتابة (ثم بان العوض) الذي دفعه له (مستَحَقّاً) لغيره، بأن كان قد سرَقَهُ، أو غَصَبه، أو نحوه، (لم يعتق) لفساد القبض (١) ويكون قوله هو حر إنما قاله اعتماداً على صحة القبض.
فصل
(ويملِكُ المكاتَب كسبَه ونفعَه و) يملك أيضاً (كلَّ تصرفٍ يُصْلِحَ مالَه كالبيع والشراء والإِجارة والاستدانة) وتتعلق الاستدانة بذمة
стр. 595
المكاتب، يُتبع بها بعد عتقه. أما كونه يملِكُ منافعَه وأكْسابَهُ فلأنّ عقد الكتابة موضوعٌ لتحصيل العتق، ولا يحصُل إلا بأداءِ عوضه، ولا يمكنه الأداء إلا بالتكسب، والبيعُ والشراءُ من أقوى جهات الاكتساب، فإنه قد جاء في بعض الآثار أن "تسعة أعشار الرزق في التجارة" (١) وأما كونه يملك الاستدانة فلأنه لما ملك الشراء بالنقدِ مَلَكَهُ بالنسيئة، أي بالدَّين (و) ملك (النفقةَ على نفسِهِ و) على (مملوكِهِ) من كسبه. فإن عجز المكاتب عن أداء مال الكتابة، وعن نفقة من ذُكِر، ولم يفسخ سيدُه كتابَتَهُ لعجزه. لزمت السيدَ النفقةُ على من ذُكِرَ، لأنهم كلهم في الحكم أرقاءُ للسيّد.
وليس للمكاتب النفقةُ على ولدِهِ من أمةٍ لغير سيده.
(لكن مِلْكُه) أي المكاتَب (غيرُ تامٍّ. فـ) يتفرع على ذلك أنه (لا يملك أن يكفِّرَ بمالٍ) إلاَّ بإذن سيده، لأنه في حكم المُعْسِرِ، بدليلِ أنه لا يلزمه زكاةٌ ولا نفقةٌ، ويباح له أخذُ الزكاةِ لحاجة، (أو يسافِرَ لجهادٍ) لتفويتِ حق سيده، (أو يتزوجَ) يعني أنه ليس للمكاتب أن يتزوَّجَ إلا بإذنَ سيِّده لأنه عبدٌ، (أو يتسرَّى) يعني أنه ليس للمكاتب، أن يتسرّى إلا بإذن سيده (أو يتبرع) إلا بإذن سيّده، لأن ذلك إتلافٌ للمال باختياره، فمُنِعَ منه، لتعلُّق حق السيد به، (أو يُقرِضَ) إلا بإذن سيده، لأنه ربّما أفلسَ المقترِضُ، أو مات ولم يترك شيئاً، أو هَرَبَ ولم يرجع، (أو يحابيَ) إلا بإذن سيده، لأن المحاباة في معنى التبرّع، (أو يَرْهَنَ، أو يُضَارِبَ، أو يبيع مؤجَّلاً) ولو برهنٍ، أو يهبَ ولو بعوضٍ، (أو يزوِّجَ
стр. 596
رقيقَه، أو يحدَّه، أو يُعْتِقَهُ) ولو بمالٍ (أو يكاتِبَهُ إلا بإذن سيده) لأن حق السيّد لم ينقطع عنه، لأنه ربما يعجز، فيعود إليه جميع ما في ملكه. ولأنه إنما مُنِعَ من جميع ما ذكر لحقِّ السيّد، فإذا أَذِنَ له زال المانع.
(و) متى كاتب أو أعتق بإذن سيده كان (الولاءُ للسيِّد) لأنه كوكيله في ذلك.
(وولد المكاتبة إذا وضعته بعدَها) أي بعد كتابتها (يتبعُها) أي يتبَعُ أمه المكاتبة (في العتقِ بالأداءِ) أي بإعطائها للسيد مال الكتابةِ (أو) عتقها بـ (الإبراء) من مال الكتابة، لأن الكتابة سببٌ قويّ للعتق لا يجوز إبطاله من قبل السيّد بالاختيار، فسرى إلى الولد، كالاستيلاد.
ومفهومه أن ما ولدته قبل الكتابةِ لا يتبعها. وهو صحيح.
و (لا) يتبعها (بإعتاقها) بدونِ أداءٍ أو إبراءٍ، كما لو لم تكن مكاتبة.
(ولا) يعتق ولد المكاتبة (إن ماتَتْ) قبل أداء مال الكتابة، أو إبرائها منه، كغير المكاتبة.
(ويصح) في عقد المكاتبة (شرطُ وطءِ مكاتبتِهِ) نصَّ عليه. لبقاءِ أصلِ المِلْكِ، كراهنٍ يطأ بشرطٍ. ذكَرَة في عيون المسائل. ولأنّ بُضْعَها من جملةِ منافعها، فإذا استثنى نفعَهُ صحَّ، كما لو استثنى منفعةً أخرى. وجاز وطؤه لها لأنها أمَتُه. وهي في جواز وطئِهِ لها كغيرِ المكاتبة، لاستثنائه.
(فإن وَطِئَها) أي وطئ مكاتبتَهُ (بلا شرطٍ) عليها عند عقدِ الكتابةِ (عُزِّر) إن علم التحريم (ولزمَهُ) أي سيِّدَ المكاتبةِ بوطئِهِ إياها (المهرُ) أي مهرُ مثلها، (ولو) كانَتْ (مُطاوعةً،) لأنه وطءُ شبهةٍ، كما لو وطئ أمتها.
وتحصُل المقاصَّةُ إن حلّ النجمُ وهو بذمّته، بشرطِهِ.
ولا حدّ عليه.
стр. 597
فإن تكرر وطؤه قبل أن يؤدّي مهراً فمهرٌ واحدٌ.
ومتى أدّى مهرَ وطءٍ لزمه مهرُ ما بعده.
(وتصيرُ له إن ولدت) من وطئِهِ بشرطٍ أو غيرِه (أُمَّ ولدٍ) لأنها أمةٌ له ما بقي عليها درهم.
(ثم إن أدت) مال الكتابة (عَتَقَتْ) وكسبها لها، لأن كتابتها لم تنفسخ باستيلادها. (وإلا) بأن لم تؤد مال كتابتها (فـ) إنها تعتق (بموته) لكونها أُمَّ ولد. وكان ما بيدها لورثته، ولو لم تُعَجَّز، لأنها عتقت من غير عوضٍ.
(ويصحُّ نقل الملكِ في المكاتَب) ذكراً كان أو أنثى، لأن المكاتب عبد، فجاز بيعه، كالقن. وقوله: نَقل الملك، يشمَل البيعَ والهِبةَ والوصيَّة بهِ.
(ولمشترٍ) مكاتباً (جَهِلَ الكتابةَ الردُّ أو الأرْشُ) بحسب ما يَخْتارُ المشتري، لأن الكتابة عيبٌ في الرقيق، لأنها نقصٌ فيه، َ لمنعِهِ من منافِعِهِ بِفَرْضِ أن يعتق.
(وهو) أي المشتري إذا أمسك (كالبائع في أنّه إذا أدَّى ما عليهِ يعتق) وعودهِ قِنًّا بِعَجْزٍ.
(وله) أي المشتري، عليه، أي على المكاتب (الولاءُ).
(ويصحّ وَقْفُهُ) أي وقفُ المكاتب (فإذا أدّى) ما عليه عتق، و (بطل الوقْفُ) لأن الكتابةَ عقد لازمٌ، فلا تبطل بوقفه.
فصل
(والكتابةُ عقدٌ لازمٌ من الطرفين) في حقّ السيّد، والمكاتَب، لأنها بيعٌ، والبيع من العقود اللازمة، (لا يدخلها خيارٌ مطلقاً) لأنَّ المراد منها
стр. 598
تحصيل العِتْقِ، فكانت سبباً له، فكأنَّ المكاتِبَ علَّقَ عتقَ المكاتَب على أداءِ مالِ الكتابةِ، ولأن الخيارَ إنما شُرِعَ استدراكاً لما يحصل لكَلٍّ من المتعاقدين من الغَبْنِ، والمكاتَبُ وسيِّدُهُ دَخَلَا في العقد متطوِّعَيْنِ راضِيَيْنِ بالغبن، فلم يثبت لواحدٍ منهما خيارٌ.
ولا يصحُّ تعليقُها على شرطٍ مستقبَلٍ. (ولا تنفسخ) الكتابةُ (بموتِ السيّد، و) لا (جنونه، ولا بحجرٍ عليهِ) لسفهٍ أو فَلَسٍ كبقية العقود اللازِمَةِ، (ويعتَقُ) المكاتَبُ (بالأدَاءِ إلى مَنْ يقومُ مقامَهُ) أي مقامَ سيِّده، كوكيلِهِ، أو الحاكمِ عند غيبة سيده وعدم وكيله، أو بالأداء إلى ورثته.
(وإن حلّ) على المكاتَبِ من مالِ الكتابة (نجمٌ فلم يؤدِّهِ فلسيده الفسخُ) بلا حُكْمِ حاكِمٍ، لأن مال الكتابةِ حقٌّ للسيد، فكان له الفسخ بالعجز عنه، كما لو أعْسَرَ المشتري ببعضِ ثمنِ المبيعِ قبلَ قبضِهِ.
(ويلزَمُ) السَّيّدّ (إنظارُهُ) أي إنظارُ المكاتبِ قبلَ فسخِ الكتابةِ (ثلاثاً) أي ثلاثَ ليالٍ بأيامِها إن استنظَرَهُ المكاتب (لبيعِ عَرْضٍ، ولمالٍ غائب دون مسافةِ قَصْرٍ يرجو قدومَهُ) وَلِدَيْنٍ حالٍّ على مليء أو مودَعٍ لأن عقد الكتابة ملحوظ فيه حظُّ المكاتَبِ والرفقُ به.
(ويجبُ على السيّد) بعدَ قبضِ جميع مال الكتابةِ (إن يدفَعَ للمكاتَب رُبْعَ مال الكتابةِ) لقوله تعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ وظاهر الأمرِ الوجوب. قال الشافعي رضي الله تعالى عنه: وأما كونُه ربع مال الكتابة فلما روى أبو بكر بإسناده إلى النبي ﷺ في قوله : ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ قال: "رُبْعُ الكتابة" وروي مرفوعاً عن علي (١)، ولأنه مال يجب إيتأوه بالشرع مواساة، فكان
стр. 599
مقدراً كالزكاة، ولأن الحكمة في إيجاب الرفق بالمكاتب إعانتُه على تحصيل العتق، وهذا لا يحصل إلا بأقلِّ ما يقع عليه الاسم. فإن قيل: إنه ورَد غيرَ مقدّر، فجوابه أن السنّة بينتْهُ وقدرتْه كالزكاة.
(وللسيد الفسخُ) أي فسخ الكتابة (بعجزِهِ) أي عجز المكاتب (عن رُبْعِها) أي ربعِ مال الكتابة.
وللمكاتَبِ أنْ يصالح سيّدَهُ عمّا في ذمته من مال الكتابة بغير جنسه.
(وللمكاتَب ولو كانَ قادراً على التكسّب تعجيزُ نفسِهِ) بتركِ التكسّب لأن معظَم المقصودِ من الكتابةِ تخليصُه من الرقّ، فإذا لم يُرِدْ ذلك لم يُجْبَر عليه، إن لم يملِكِ المكاتَبُ وفاءً لمالِ الكتابةِ. فإن مَلَكَهُ لم يملِك تعجيزَ نفسِهِ، وأجبر على وفائِهِ ثم عَتَق.
(ويصح فسخ الكتابةِ باتفاقِهِما) أي المكاتب وسيِّده، فيصحُّ أن يَتقَايَلا، قياساً على البيع. قال في الفروع: ويتوجَّهُ أن لا يجوز، لحق الله تعالى.
فصل [في اختلاف المكاتب وسيده]
(وإن اختلفا) أي السيد وعبده (في الكتابة) كما لو ادّعى العبدُ على سيده أنه كاتبه على كذا، فأنكر، أو ادّعى ذلك السيد على عبده فأنكر (فقول المنكِر) منهما بيمينِه، لأن الأصلَ معه.
(و) إن اتّفقا على الكتابةِ، واختلفا (في قدر عِوَضِها) بأن قال
стр. 600
السيد: كاتبتُكَ على ألفين، وقال العبد: بل على ألفٍ، فالقول قولُ السيِّد فيه.
(أو) اختلَف السيّد والعبدُ في (جنسِه) أي جنسِ مال الكتابة، بأن قال السيد: كاتبتك على ألفِ درهمٍ، وقال العبد. بل على عشرة دنانير، (أو) اختلفا في (أجَلِهَا) بأن قال السيد: كاتبتُك على ألفين على شهرين، كل شهر ألف، وقال العبد بل على سنتين كل سنة ألف، فقول سيده بيمينه.
(أو) اختلفا في (وفاءِ مالها) أي وفاءِ مال الكتابة للسيّد، بأن قال العبد: وفَّيتُك مالَ الكتابةِ، وعتقْتُ. وأنكر السيد (فقول السيد،) أي بيمينه، لأن الكتابة عقدُ معاوضةٍ. وكذا لو ادعى العبد أن السيد أبرأهُ من مالِ الكتابةِ، وأَنْكَرَ السّيّد، فإنّ القولَ قولُ السيّد بيمينِهِ.
[الكتابة الفاسدة]
(والكتابة الفاسدة كـ) ما لو كاتبه (على خمرٍ، أو) كاتبه على (خنزير، أو) كاتبه على شيء (مجهولٍ،) كما لو كاتبه على ثوبِ أو حمارٍ أو نحوهما (يُغَلَّبُ فيها حكم الصفة في أنه) أي أن العبد (إذَا أدّى) ما سُمِّي في الكتابة (عَتَق) سواءٌ صرّح بالصِّفَةِ، بأن يقول: إذا أَدَّيْتَ إليَّ فأنت حرّ، أو لم يقل ذلك، لأن معنى الكتابة يقتضي هذا، فيصيرُ كالمصرَّح به فيَعتِق بوجوده، كالكتابة الصحيحة. وإذا عَتَقَ بالأداءِ لم يلزمه قيمةُ نفسِهِ، ولم يرجع على سيّده بما أعطاه، (لا إن أُبرئَ) العبد من العوض الفاسد، فإنه لا يعتِق، لعدم صحّة البراءَة، لأنه غيرُ ثابتٍ في الذمة.
(ولكلٍّ) من السيد والعبد (فسخُها) لأنها عقدٌ جائز.
وحاصِلُ الكلام: أن الكتابة الفاسدة، تساوي الصحيحةَ في أربعة أحكام: