← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 96876

نيل المآرب بشرح دليل الطالب

ابن أبي تغلب

Полный текст (983 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

رقيقَه، أو يحدَّه، أو يُعْتِقَهُ) ولو بمالٍ (أو يكاتِبَهُ إلا بإذن سيده) لأن حق السيّد لم ينقطع عنه، لأنه ربما يعجز، فيعود إليه جميع ما في ملكه. ولأنه إنما مُنِعَ من جميع ما ذكر لحقِّ السيّد، فإذا أَذِنَ له زال المانع. (و) متى كاتب أو أعتق بإذن سيده كان (الولاءُ للسيِّد) لأنه كوكيله في ذلك. (وولد المكاتبة إذا وضعته بعدَها) أي بعد كتابتها (يتبعُها) أي يتبَعُ أمه المكاتبة (في العتقِ بالأداءِ) أي بإعطائها للسيد مال الكتابةِ (أو) عتقها بـ (الإبراء) من مال الكتابة، لأن الكتابة سببٌ قويّ للعتق لا يجوز إبطاله من قبل السيّد بالاختيار، فسرى إلى الولد، كالاستيلاد. ومفهومه أن ما ولدته قبل الكتابةِ لا يتبعها. وهو صحيح. و (لا) يتبعها (بإعتاقها) بدونِ أداءٍ أو إبراءٍ، كما لو لم تكن مكاتبة. (ولا) يعتق ولد المكاتبة (إن ماتَتْ) قبل أداء مال الكتابة، أو إبرائها منه، كغير المكاتبة. (ويصح) في عقد المكاتبة (شرطُ وطءِ مكاتبتِهِ) نصَّ عليه. لبقاءِ أصلِ المِلْكِ، كراهنٍ يطأ بشرطٍ. ذكَرَة في عيون المسائل. ولأنّ بُضْعَها من جملةِ منافعها، فإذا استثنى نفعَهُ صحَّ، كما لو استثنى منفعةً أخرى. وجاز وطؤه لها لأنها أمَتُه. وهي في جواز وطئِهِ لها كغيرِ المكاتبة، لاستثنائه. (فإن وَطِئَها) أي وطئ مكاتبتَهُ (بلا شرطٍ) عليها عند عقدِ الكتابةِ (عُزِّر) إن علم التحريم (ولزمَهُ) أي سيِّدَ المكاتبةِ بوطئِهِ إياها (المهرُ) أي مهرُ مثلها، (ولو) كانَتْ (مُطاوعةً،) لأنه وطءُ شبهةٍ، كما لو وطئ أمتها. وتحصُل المقاصَّةُ إن حلّ النجمُ وهو بذمّته، بشرطِهِ. ولا حدّ عليه.

стр. 597

فإن تكرر وطؤه قبل أن يؤدّي مهراً فمهرٌ واحدٌ. ومتى أدّى مهرَ وطءٍ لزمه مهرُ ما بعده. (وتصيرُ له إن ولدت) من وطئِهِ بشرطٍ أو غيرِه (أُمَّ ولدٍ) لأنها أمةٌ له ما بقي عليها درهم. (ثم إن أدت) مال الكتابة (عَتَقَتْ) وكسبها لها، لأن كتابتها لم تنفسخ باستيلادها. (وإلا) بأن لم تؤد مال كتابتها (فـ) إنها تعتق (بموته) لكونها أُمَّ ولد. وكان ما بيدها لورثته، ولو لم تُعَجَّز، لأنها عتقت من غير عوضٍ. (ويصحُّ نقل الملكِ في المكاتَب) ذكراً كان أو أنثى، لأن المكاتب عبد، فجاز بيعه، كالقن. وقوله: نَقل الملك، يشمَل البيعَ والهِبةَ والوصيَّة بهِ. (ولمشترٍ) مكاتباً (جَهِلَ الكتابةَ الردُّ أو الأرْشُ) بحسب ما يَخْتارُ المشتري، لأن الكتابة عيبٌ في الرقيق، لأنها نقصٌ فيه، َ لمنعِهِ من منافِعِهِ بِفَرْضِ أن يعتق. (وهو) أي المشتري إذا أمسك (كالبائع في أنّه إذا أدَّى ما عليهِ يعتق) وعودهِ قِنًّا بِعَجْزٍ. (وله) أي المشتري، عليه، أي على المكاتب (الولاءُ). (ويصحّ وَقْفُهُ) أي وقفُ المكاتب (فإذا أدّى) ما عليه عتق، و (بطل الوقْفُ) لأن الكتابةَ عقد لازمٌ، فلا تبطل بوقفه. فصل (والكتابةُ عقدٌ لازمٌ من الطرفين) في حقّ السيّد، والمكاتَب، لأنها بيعٌ، والبيع من العقود اللازمة، (لا يدخلها خيارٌ مطلقاً) لأنَّ المراد منها

стр. 598

تحصيل العِتْقِ، فكانت سبباً له، فكأنَّ المكاتِبَ علَّقَ عتقَ المكاتَب على أداءِ مالِ الكتابةِ، ولأن الخيارَ إنما شُرِعَ استدراكاً لما يحصل لكَلٍّ من المتعاقدين من الغَبْنِ، والمكاتَبُ وسيِّدُهُ دَخَلَا في العقد متطوِّعَيْنِ راضِيَيْنِ بالغبن، فلم يثبت لواحدٍ منهما خيارٌ. ولا يصحُّ تعليقُها على شرطٍ مستقبَلٍ. (ولا تنفسخ) الكتابةُ (بموتِ السيّد، و) لا (جنونه، ولا بحجرٍ عليهِ) لسفهٍ أو فَلَسٍ كبقية العقود اللازِمَةِ، (ويعتَقُ) المكاتَبُ (بالأدَاءِ إلى مَنْ يقومُ مقامَهُ) أي مقامَ سيِّده، كوكيلِهِ، أو الحاكمِ عند غيبة سيده وعدم وكيله، أو بالأداء إلى ورثته. (وإن حلّ) على المكاتَبِ من مالِ الكتابة (نجمٌ فلم يؤدِّهِ فلسيده الفسخُ) بلا حُكْمِ حاكِمٍ، لأن مال الكتابةِ حقٌّ للسيد، فكان له الفسخ بالعجز عنه، كما لو أعْسَرَ المشتري ببعضِ ثمنِ المبيعِ قبلَ قبضِهِ. (ويلزَمُ) السَّيّدّ (إنظارُهُ) أي إنظارُ المكاتبِ قبلَ فسخِ الكتابةِ (ثلاثاً) أي ثلاثَ ليالٍ بأيامِها إن استنظَرَهُ المكاتب (لبيعِ عَرْضٍ، ولمالٍ غائب دون مسافةِ قَصْرٍ يرجو قدومَهُ) وَلِدَيْنٍ حالٍّ على مليء أو مودَعٍ لأن عقد الكتابة ملحوظ فيه حظُّ المكاتَبِ والرفقُ به. (ويجبُ على السيّد) بعدَ قبضِ جميع مال الكتابةِ (إن يدفَعَ للمكاتَب رُبْعَ مال الكتابةِ) لقوله تعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ وظاهر الأمرِ الوجوب. قال الشافعي رضي الله تعالى عنه: وأما كونُه ربع مال الكتابة فلما روى أبو بكر بإسناده إلى النبي ﷺ في قوله : ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ قال: "رُبْعُ الكتابة" وروي مرفوعاً عن علي (١)، ولأنه مال يجب إيتأوه بالشرع مواساة، فكان

стр. 599

مقدراً كالزكاة، ولأن الحكمة في إيجاب الرفق بالمكاتب إعانتُه على تحصيل العتق، وهذا لا يحصل إلا بأقلِّ ما يقع عليه الاسم. فإن قيل: إنه ورَد غيرَ مقدّر، فجوابه أن السنّة بينتْهُ وقدرتْه كالزكاة. (وللسيد الفسخُ) أي فسخ الكتابة (بعجزِهِ) أي عجز المكاتب (عن رُبْعِها) أي ربعِ مال الكتابة. وللمكاتَبِ أنْ يصالح سيّدَهُ عمّا في ذمته من مال الكتابة بغير جنسه. (وللمكاتَب ولو كانَ قادراً على التكسّب تعجيزُ نفسِهِ) بتركِ التكسّب لأن معظَم المقصودِ من الكتابةِ تخليصُه من الرقّ، فإذا لم يُرِدْ ذلك لم يُجْبَر عليه، إن لم يملِكِ المكاتَبُ وفاءً لمالِ الكتابةِ. فإن مَلَكَهُ لم يملِك تعجيزَ نفسِهِ، وأجبر على وفائِهِ ثم عَتَق. (ويصح فسخ الكتابةِ باتفاقِهِما) أي المكاتب وسيِّده، فيصحُّ أن يَتقَايَلا، قياساً على البيع. قال في الفروع: ويتوجَّهُ أن لا يجوز، لحق الله تعالى. فصل [في اختلاف المكاتب وسيده] (وإن اختلفا) أي السيد وعبده (في الكتابة) كما لو ادّعى العبدُ على سيده أنه كاتبه على كذا، فأنكر، أو ادّعى ذلك السيد على عبده فأنكر (فقول المنكِر) منهما بيمينِه، لأن الأصلَ معه. (و) إن اتّفقا على الكتابةِ، واختلفا (في قدر عِوَضِها) بأن قال

стр. 600

السيد: كاتبتُكَ على ألفين، وقال العبد: بل على ألفٍ، فالقول قولُ السيِّد فيه. (أو) اختلَف السيّد والعبدُ في (جنسِه) أي جنسِ مال الكتابة، بأن قال السيد: كاتبتك على ألفِ درهمٍ، وقال العبد. بل على عشرة دنانير، (أو) اختلفا في (أجَلِهَا) بأن قال السيد: كاتبتُك على ألفين على شهرين، كل شهر ألف، وقال العبد بل على سنتين كل سنة ألف، فقول سيده بيمينه. (أو) اختلفا في (وفاءِ مالها) أي وفاءِ مال الكتابة للسيّد، بأن قال العبد: وفَّيتُك مالَ الكتابةِ، وعتقْتُ. وأنكر السيد (فقول السيد،) أي بيمينه، لأن الكتابة عقدُ معاوضةٍ. وكذا لو ادعى العبد أن السيد أبرأهُ من مالِ الكتابةِ، وأَنْكَرَ السّيّد، فإنّ القولَ قولُ السيّد بيمينِهِ. [الكتابة الفاسدة] (والكتابة الفاسدة كـ) ما لو كاتبه (على خمرٍ، أو) كاتبه على (خنزير، أو) كاتبه على شيء (مجهولٍ،) كما لو كاتبه على ثوبِ أو حمارٍ أو نحوهما (يُغَلَّبُ فيها حكم الصفة في أنه) أي أن العبد (إذَا أدّى) ما سُمِّي في الكتابة (عَتَق) سواءٌ صرّح بالصِّفَةِ، بأن يقول: إذا أَدَّيْتَ إليَّ فأنت حرّ، أو لم يقل ذلك، لأن معنى الكتابة يقتضي هذا، فيصيرُ كالمصرَّح به فيَعتِق بوجوده، كالكتابة الصحيحة. وإذا عَتَقَ بالأداءِ لم يلزمه قيمةُ نفسِهِ، ولم يرجع على سيّده بما أعطاه، (لا إن أُبرئَ) العبد من العوض الفاسد، فإنه لا يعتِق، لعدم صحّة البراءَة، لأنه غيرُ ثابتٍ في الذمة. (ولكلٍّ) من السيد والعبد (فسخُها) لأنها عقدٌ جائز. وحاصِلُ الكلام: أن الكتابة الفاسدة، تساوي الصحيحةَ في أربعة أحكام:

стр. 601

أحدها: أنه يَعْتِقُ بأداءِ ما كوتِبَ عليه، مطلقاً. الثاني: إذا عتق بالأداء لم يلزمه قيمة نفسه، ولم يرجع على سيّده بما أعطاه له. الثالث: أنّ المكاتَبَ بملك التصرف في كَسْبِهِ، ويملِكُ أخْذَ الصدقاتِ والزكواتِ. الرابع: إذا كاتَبَ جماعةً كتابةً فاسدةً فأدّى إلى أحدهم حصته عَتَق على قولِ من قال: إنه يَعْتِق في الكتابةِ الصحيحةِ بأداءِ حصته، ومن لا فلا. وتفارق الصحيحة في ثلاثة أحكام: أحدها: إذا أُبرِئ من العوض لم يصحّ الإِبراء، ولم يَعْتِق. الثاني: إن لكلِّ واحدٍ من السيّدِ والعبدِ فسخَها، سواءٌ كان ثمَّ صفَةٌ أو لم تكن، لأن الفاسدَ لا يلزم حكمه. والصفةُ هاهنا مبنيّة على المعاوضةِ، وتابعةٌ لها، لأن المعاوَضَةَ هي المقصودةُ. فلما بطلت المعاوضة التي هي الأصل، بطلت الصفةُ المبنيّةُ عليها، بخلاف الصفة المجردة. الثالث: إنه لا يلزم السيد أن يؤدِّي إليه رُبْعَ الكتابةِ، ولا شيئاً منها. (وتنفسخُ) الكتابةُ الفاسدةُ (بموت السيّدِ وجنونهِ والحجْرِ عليهِ لِسَفَهٍ).

стр. 602

باب أحكام أمّ الولد وأصل الأمّ أَمَّهَةٌ، ولذلك جمعت على أمَّهَاتٍ، باعتبار الأصل (١). (وهي) أي أمّ الولد، شرعاً: (من وَلَدَتْ من المالك) لكلِّها أو بعضِها، ولو مكاتباً، ولو كانت محرّمةً عليه، كبنتِه وعمَّتِهِ من رضاعٍ (ما فيه صورةٌ، ولو) كانت الصورة (خفيّةً) فلا تصير أُمَّ ولدٍ بوضعِ جسمٍ لا تخطيطَ فيه كالمضغة والعلقة. (وتَعْتِقُ بموتهِ وإن لم يملك غيرَها) أما كونُها تعتق وإن لم يملك غيرها فلظواهِرِ الأحاديث، ولأن الاستيلاد إتلافٌ حَصَلَ بسببِ حاجةٍ أصليّةٍ، وهي الوطء، فكان من رأس المال، كالأكلِ ونحوه.

стр. 603

(ومن مَلَكَ) أمةً (حاملاً) من غيرِه (فوطئها) قبل وضعِها (حَرُمَ) عليه (بيعُ ذلك الولد،) ولم يصحَّ، (ويلزم عتقُهُ) نصًّا. قال أحمد رضي الله تعالى عنه، فيمن اشترى جاريةً حاملاً من غيرِه، فوطئها قبلَ وضعِها: فإنّ الولَد لا يلحق بالمشتري، ولا يبيعه، لكن يُعْتِقُه، لأنه قَدْ شَرِكَ فيه، لأنّ الماء يزيدُ في الولد. نقله صالحٌ وغيره. وإن أصابها في ملك غيرِهِ بِنكاحٍ أو شُبْهةٍ لا بزناً، ثم مَلَكَها حاملاً عَتَقَ الحملُ، ولم تَصرْ أُمَّ ولدٍ. نص عليه. (ومن قالَ لأَمَتِهِ: أنتِ أمُّ وَلَدي، أو: يَدُكِ أمُّ وَلَدي، صارتْ أُمَّ ولدٍ) لأنه إذا أقرّ أن جزءاً منها مُسْتَوْلَدٌ سَرَى إقراره بالاستيلادِ إلى جميعِها، كما لو قال لعبده: يَدُكَ حُرَّةٌ، فإن العتق يسري إلى جميعه. (وكذا) الحكمُ (لو قال لابنها) أي ابن أمته: (أنتَ ابني، أو) قال له: (يدكَ ابني) ذكر ذلك في الانتصار. (وَيثْبُتُ النَّسَبُ. فإن ماتَ) القائل (ولم يبيِّن هل حَمَلَتْ به في ملكِهِ أو) حملتْ به في (غيره) أي غير ملكه (لم تَصِرْ أُمَّ ولدٍ له إلا بقرينةٍ). (ولا يَبْطُل الإِيلاد بحالٍ، ولو بِقَتْلِهَا) أي أمِّ الولد (لسيِّدها). (وَوَلدُها) أي وحكمُ ولدِها (١) (الحادثِ بعدِ إيلادِها) أي بعد أن صارت أم ولدٍ (كهي) سواء أتت به من نكاحٍ أو شبهةٍ أو زناً، وسواءٌ عتقت بموت سيِّدها، أو ماتتْ قبلَ سيّدها. ويجوزُ فيه من التصرفاتِ كلُّ ما يجوزُ في أمِّ الولدِ. ويمتنع فيه من التصرُّفاتِ كلُّ ما يمتَنِعُ في أمِّ

стр. 604

الولد، وذلك لأن الولدَ يَتْبَعُ أُمَّه في الحريّةِ والرق. فكذلك في سبب الحريّة. (لكن لا يعتِق) ولدُها (بإعتاقها) يعني أن السيد إذا أعتَقَ أمّ ولدِهِ، وكان لها ولد أتت به بعد استيلادها من غير سيّدها، لم يعتق بإعتاقِها، لأنها عَتَقت بغير السَّببِ الذي يتبعها فيه، ويبقى عتقُهُ موقوفاً على موت سيّدها. كما لو أعتق وَلَدَها، فإنها لا تعتق بعتقِهِ، ويبقى عتقها موقوفاً على موت سيدها، (أو موتِها قبل السيّد،) يعني أنه لو ماتت أمُّ الولد قبل سيدها لم يعتِقُ ولدُها بموتها، كما لو عتقت قبله، ولا تبطل تبعيَّةُ ولدِها لها في الحكم (بل) يعتِقُ (بموتهِ) أي يبقى عتقُهُ موقوفاً على موتِ سيّدها. (وإن مات سيّدها وهي حاملٌ) منه (فنفقتها مدة الحملِ من مالِهِ) أي مالِ حملِها على الأصحّ، لأن الحمْلَ له نصيبٌ من الميراثِ، فتجب نفقته في نصيبه. ومحلُّ ذلك (إن كان) له مال. (وإلا) أي وإن لم يخلّف السيد شيئاً يرثُ منه الحمل (فـ) نفقة الحمل (على وارِثِهِ.) ويتعلّق أرشُ جنايةِ أمِّ الولد برقبتها. (وكلّما جنَتْ أمُّ الولد) على غيرِ سيِّدِهَا (لزمَ السيِّدَ فداؤُها بالأقلِّ من الأرش) أي أرشِ الجناية (أو) بالأقل (١) من (قيمتِها يوم الفداء) على الأصحِّ، لأنه الوقتُ الذي تعلَّقَ الأرشُ برقبتها فيه. فلو كانت يوم الفداء مريضةً أو مزوَّجةً أو نحو ذلك أُخِذَتْ قيمتَها معيبةً بذلك العيب. قال في

стр. 605

شرح المنتهى: قال في شرح المقنع: وينبغي أن تجب قيمتُها معيبةً بعيب الاستيلادِ، لأن ذلك ينقُصُها، فاعتبر، كالمرض وغيره من العيوَب. انتهى. أما كونُه يلزمُهُ فداؤُها فلأنها مملوكةٌ له يملك كَسْبَها، وقد تعلَّقَ أرشُ جنايتها برقبتها، فلزمهُ فداؤها كالقنِّ، وأما كونُهُ يلزمه فداؤها كلما جنت، قال أبو بكر: ولو ألفَ مرَّةٍ، فلأنها أمُّ ولدٍ جَنَتْ جنايةً فلزمهُ فداؤُها. وأما كونه لا يلزمه أكثرُ من قيمتِها إذا كانَ أرشُ الجنايةِ أكثَرَ منها لأنه لم يمتنع من تسليمِها، وإنما الشرعُ منعَ من ذلك، لكونها لم تَبْقَ مَحلاًّ للبيع، ولا يُنْقَلُ الملك فيها، بخلاف القن (١). (وإن اجتمعت أروش) بجنايات صدرت منها (قبل إعطاء شيء منها) أي من الأروش (تعلق الجميع) أي جميع الأروش (برقبتها، ولم يكن على السيّد) فيها كلّها (إلا الأقلّ من أرش الجميع) أي جميع الجنايات (أو) الأقل من (قيمتِها) يشتركُ فيه جميع أربابِ الجنايات. (و) إن لم يف الواجبُ بأربابِ الجناياتِ فإنهم (يتحاصُّونَ بِقَدْرِ حقوقِهِم) لأن السيّد لا يلزمُهُ أكثر من ذلك، كما لو كانت الجناياتُ على شخصٍ واحدٍ. (وإن أسلمتْ أمُّ ولدٍ لكافرٍ مُنِع من غِشْيَانِها) أي من وطئها والتلذُّذِ بها لئلا يفعلَ الكافر ذلكَ بالمسلمة. (وحيلَ بينَهُ وبينَها) لئلا يفضي عَدَمُ الحَيْلُولَةِ إلى الوطءِ المحّرم (٢)، ولم تَعْتِق بذلك، بل يبقى مِلْكُهُ على ما كان عليه قبل إسلامها.

стр. 606

(وأُجْبِر) سيّدُهَا (على نفقتها إن عُدِمَ كَسْبها) أما وجوب نفقتها عليه إن لم يكن لها كسب، لأنه (١) مالك لها، ونفقة المملوك على مالكه. فإن كان لها كسبٌ فنفقتها فيه، لئلا يبقى له عليها ولايةٌ بأخذِ كَسْبها والإنفاق عليها. ومتى فضل من كسبها شيءٌ عَنْ نفقتها كان لسيّدها. ذكره القاضي، وتبعه جماعة. (فإن أسلم حلَّتْ له) أي حلَّ له ما يحلُّ للمُسْلِم من أمِّ ولده، لأن المانعَ من ذلك بقاؤُهُ على الكفر، وقد زال. (وإن ماتَ) حالَ كونهِ (كافراً عتَقَتْ) لأنها أمُّ ولده، وشأنُ أمِّ الولد العتقُ بموتِ سيّدها.

стр. 607

باب النّكاح وهو حقيقة في العقد، مجازٌ في الوطء. والأشهر: مشترك. واعلم أن الناس في النكاحِ على ثلاثة أقسامٍ: أحدها: ما أشار إليه بقوله: (يسنّ لذي شهوةٍ لا يخافُ الزّنا) من الرّجالِ والنساء، ولو فقيراً عاجزاً عن الإِنفاق. نصّ عليه. واشتغالُ ذي الشَّهْوَةِ بالنِّكاحِ أفضلُ له من التخلي لنوافل العبادات. القسم الثاني: ما أشار إليه بقوله: (ويجبُ على من يخافُه) أي الزِّنا بتركِ النكاحِ ولو ظنًّا، من رجلٍ أو امرأةٍ. ويقدَّمُ حينئذٍ على حجٍّ واجبٍ زاحَمَهُ، لخشيةِ الوقوعِ في المحذور بتأخُّرِهِ، بخلافِ الحجّ. ولا يُكْتَفَى بمرةٍ، بل يكونُ في مجموع العمر. القسم الثالث: ما أشار إليه بقوله: (ويباحُ) النكاحُ (لمن لا شهوةَ له) أصلاً كالعِنِّينِ، أو كانتْ له شهوةٌ وذهبتْ لعارضٍ كالمرضِ والكِبَرِ، لأن العِلَّةَ التي يجب لها النكاحُ، أو يستحبُّ، وهو خوفُ الزنا، أو وجودُ الشهوة، غير موجودةٍ فيه، ولأنّ المقصودَ من النكاح الولدُ وتكثيرُ النسلِ، وذلك فيمنْ لا شهوةَ له غير موجودٍ، فلا ينصرفُ إليه الخطاب به، إلا

стр. 608

أنه يكون مباحاً في حقِّهِ، كسائِرِ المباحاتِ، لعدمِ مَنْعِ الشرعِ منه. (ويحرُمُ) النكاحُ (بدارِ الحَرْبِ لغيرِ ضرورةٍ) ويجوزُ بدارِ الحرب لضرورةٍ، لغير أسيرٍ، ويعزِلُ وجوباً، إن حَرُمَ نكاحُهُ، وإلا اسُتحِبَّ. قال في المغني في آخر الجهاد: وأما الأسيرُ فظاهِرُ كلامِ الإِمامِ أحمد: لا يحلُّ له التزويجُ ما دامَ أسيراً. (ويسنُّ نكاحُ ذاتِ الدِّينِ الولودِ). ويعرَفُ كونُ البكرِ ولوداً بكونها من نساءٍ يُعْرَفْنَ بكثرةِ الأولاد. (البكر) إلا أن تكون مصلحتُهُ في نكاحَ الثيّبِ أرجحَ، فيقدّمها على البكر. (الحسيبة) وهي النسيبة، أي طيِّبَةُ الأصْلِ ليكون ولدها نجيباً. من بيت معروف بالدين والصلاح. (الأجنبية) فإنّ ولدها يكون أنجبَ، ولأنه لا يؤمن طلاقُها فيفضي مع القرابةِ إلى قطيعةِ الرَّحِمِ المأمورِ بصلتِها، والعداوةِ. ويسنُّ له أيضاً أن يختارَ الجميلةَ (١). [أحكام النظر] (ويجبُ غضُّ البَصَر عن كلِّ ما حرَّم اللهُ تعالى) أخرج الشيخانِ وغيرُهما عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ ، قال: "كُتِبَ على ابن آدمَ حظُّهُ من الزِّنا، مُدْرِكٌ ذلك لا مَحَالَةَ: العينانِ زناهُمَا النَّظر، والأُذنانِ زناهما الاستماع، واللسانُ زناهُ الكلام، واليد زناها البطش، والرِّجْلُ زناها الخُطا، والقلبُ يَهْوى. الحديث" (٢) (فلا ينظر)

стр. 609

الإنسان (ألا ما) أي الذي (وَرَدَ الشرعُ بجوازِه). (والنظرُ) من حيثُ هو (ثمانيةُ أقسام): (الأول: نظرُ الرجلِ البالغِ ولو) كان الرجل (مجبوباً) قالَ الأثرمُ: استعظمَ الإِمامُ أحمد رضي الله تعالى عنه إدخالَ الخِصْيانِ على النساء. قال ابن عقيل: لا يباح خلوةُ النساء بالصبيانِ ولا بالمجبوبين، لأن العضوَ وإن تعطَّلَ أو عُدِمَ فشهوةُ الرجالِ لا تزولُ من قلوبِهِمْ، ولا يُؤْمَنُ التمتُّع بالقُبْلَةِ وغيرها، فهو كفَحْلٍ. ولذلك لا تباحُ خلوةُ الفحلِ بالرَّتْقاءِ من النساء، (للحرةِ البالغةِ) احترزَ به عن الرقيقةِ (الأجنبيةِ لغير حاجةٍ، فلا يجوز لهُ) أي للرَّجُلِ (نظرُ شيءٍ منها، حتى شعرِها المتصل،) أما الشعرُ المنفصلُ من الأجنبيةِ فيجوزُ لمسُهُ والنَّظَرُ إليه، وإن كان من محلِّ العورَةِ لزَوَالِ حُرْمَتِهِ بالانفصال. (الثاني: نظره) أي الرجل (لمن) لامرأةٍ (لا تشتهى، كعجوزٍ، وقبيحةٍ،) وبرزَةٍ (١)، ومريضةٍ لا يرجى برؤها، (فيجوزُ) نظره (لوجهِهَا خاصّةً). (الثالثُ: نظرُهُ) أي الرجلِ المرأةَ (للشهادةِ عليها) تحمُّلاً وأداءً (أو لمعاملتها، فيجوزُ لوجهها) قال أحمد رضي الله تعالى عنه: لا يشهد على امرأةٍ إلا أن يكون يعرفُها بعينها، (وكذا) له أن ينظرَ إلى (كفَّيْها) أيْضاً (لحاجةٍ) روي كراهةُ ذلك عن أحمد في حقّ الشابة. (الرابع: نظره) أي الرجل (لحرةٍ بالغةٍ يخطبُها) إذا غَلَبَ على ظنِّه إجابَتُهُ (فيجوز) أي يباحُ له، على الصحيح. قاله في شرح المنتهى.

стр. 610

وقال في الإِقناع: يسن (للوجهِ والرقبة واليدِ والقدم) ويكرِّرُ النظرَ، ويتأمَّلُ المحاسِنَ، ولو بلا إذنٍ، إن أَمِنَ ثَوَران الشهوةِ، َ من غير خلوة. (الخامس: نظره) أي الرجل (إلى ذواتِ محارِمهِ) (١) وهنَّ من تحرم عليه أبداً، بنسب، كأخته وعمَّتِهِ وخالتِهِ، أو سببِ مباحٍ، كأختِهِ من رضاعٍ، وأمِّ زوجتِهِ، وربيبةٍ دخلَ بأمّها، وحليلةِ أبٍ أَو ابنٍ. تنبيه: يحرم على زانٍ النظرُ إلى أمِّ المزنيِّ بها وابنتها، لأن تحريمَهُنَّ بسببٍ محرّمٍ، وكذا المحرَّمةُ باللّعان على الملاعِنِ وبنتُ الموطوءة بشبهةٍ، وأمُّها. (أو لبنتِ تسعٍ) قال في المنتهى: وبنتُ تسعٍ مَعَ رجل كمحرم انتهى، لأن عورتَها مخالِفَةٌ لِعورةِ البالغةِ؛ (أو أَمةٍ لا يملكها) سواء كانت مُسْتَامَةً أوْ لا، (أو يملكُ بعضَها، أو كان لا شهوةَ له، كعنِّينٍ وكبيرٍ) ومخنَّثٍ أي شديد التأنيث في الخلقةِ، حتى يشبهُ المرأةَ في الليِّنِ والكلام والنَّغْمَةِ والنظرِ والعقلِ، فإذا كان كذلك لم يكن له في النساءِ أَرَبٌ، أَي حاجة؛ (أو كان مميِّزاً وله شهوةٌ) قال في الإِقناع وشرحه: والمميِّزُ ذو الشهوة كذي رحمِ مَحْرَمٍ؛ (أو) كان (رقيقاً غيرَ مُبَعَّضٍ، ومشتركٍ ونظر لسيدته؛) (فـ) إنه (يجوز) له (٢) أن ينظر إلى ستة أعضاء: (للوجه، والرقبة، واليد، والقدم، والرأس، والساق). (السادس: نظره) أي الرجلِ المرأةَ (للمداواة، فيجوزُ) له النظر (للمواضِعِ التي يحتاج إليها) ولمسُها حتى الفرج، وظاهِرُهُ ولو ذميّاً. قاله في المبدع. وليكن ذلك مع حضور محرمٍ أو زوجٍ، ويستُرُ منها ما عدا

стр. 611

الحاجة: ومِثْل الطبيب من يلي خدمةَ مريضٍ أو مريضةٍ في وضوءٍ واستنجاءٍ وغيرِهما، وكَتخليصِهَا من غَرَقٍ وحَرَقٍ ونحوِهِما. وكذا لو حَلَقَ عانَةَ من لا يُحْسِنُ حَلْقَ عانتِهِ أيضاً. (السابعُ: نظره) أي الرجل (لأمتِهِ المحرمةِ) كالمُزَوَّجَةِ، (و) نظره (لحرةٍ مميِّزةٍ دون تسع) سنين، (ونظر المرأة للمرأةِ) ولو كافرةٌ (١) مع مسلمةٍ (و) نظر المرأةِ (للرجلِ الأجنبيّ، ونظر المميّز الذي لا شهوةَ له للمرأة، ونظرُ الرجل للرجلِ ولو أمردَ، فيجوز إلى ما عدا ما بين السُّرَّةِ والركبة). (الثامن: نظره) أي الرجل (لزوجتِهِ وأَمتِهِ المباحة له) دون المحرَّمة عليهِ لكونها وثنيَّةً أو مزوجةً (ولو) كان نظره لهما (لشهوةٍ ونظرُ مَنْ دونَ سبعٍ، فيجوز لكلٍّ نظرُ جميعِ بدنِ الآخر) ولمسه بلا كراهةٍ حتى الفرج، لأن الفرج محلُّ الاستمتاع، فجاز النظرُ إليه كبقيّةِ البدن. والسنة أن لا ينظرُ كلٌّ منهما إلى فرج الآخر (٢). قال القاضي: يجوز تقبيلُ فرجِ المرأةِ قبلَ الجماع، وُيكْرَهُ بعده. وكذا سيدٌ مَعَ أمتِهِ. فصل (ويحرمُ النظرُ لشهوةٍ) ومعنى الشهوةِ التلذُّذُ بالنظر إلى الشيء (أو مع خوفِ ثورانها) أي الشهوةِ. فإنه يحرم النظرُ في هاتين الحالتين (إلى أحدٍ ممن ذكَرْنا) من ذكرٍ أو أنثى غير زوجتِهِ أو سُرِّيَّتِهِ.

стр. 612

[لمس الأجنبية والخلوة بها] (ولمسٌ كنظرٍ وأوْلى). (ويحرُمُ التلذُّذُ بصوتِ الأجنبيّةِ) مع أنه ليسَ بعورةٍ (ولو بقراءةٍ) قاله في الفروع. وقال الإِمام أحمد في رواية مُهَنَّا: ينبغي للمرأةِ أن تخفِضَ صوتَها إذا كانت في قراءتها إذا قرأتْ بالليل. (وتحرُمُ خلوةُ رجلٍ غيرِ محرمٍ بالنساءِ، وعكسه) أي يحرمُ خلوةُ امرأةٍ غيرِ محرمٍ بالرّجال. [الخِطبة] (ويحرُمُ التصريحُ) وهو ما لا يحتمل غيرَ النكاح (بخطبةِ المعتدَّةِ البائِنِ) (١) كقوله: إني أريدُ أن أتزوّجَك، أو: إذا انقضَتْ عدَّتُكِ تزوَّجتُكِ، وزوّجيني نفسك، (لا التعريضُ) أي لا يحرمُ التعريضُ (٢) في عدّةِ وفاةٍ (إلا بخِطبةِ الرجعيّة) فإنه يحرُمُ، لأنها في حكم الزوجات، أشبَهَ (٣) التي في صلب النكاح. (وحرم خِطبةٌ) بكسر الخاء المعجمة (على خِطبةِ مسلمٍ أجيبَ) ولو كانت إجابتُهُ تعرِيضاً، إن علم الثاني بإجابةِ الأوّل. وإن لم يعلم الثاني بإجابةِ الأول، أو تركَ الأول، أو أَذِنَ الأوّلُ، جاز للثاني أن يخطبَ. والتعويلُ في ردٍّ وإجابةٍ على وليٍّ يُجْبِر، والَّا فعلَيْها. (ويصح العقدُ) مع حرمةِ الخِطبة. تنبيه: يسن أن يكونَ عقد النكاحِ مساءَ يوم الجمعة، وأن يخطُبَ قبلَه بِخُطبةِ عبدِ الله بن مسعود (٤)، وهي "إنَّ الحمدَ لله، نحمدُه،

стр. 613

ونستعينُه، ونستغفرُهُ، ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسنا، وسيّئِات أعمالنا، من يَهْدِ اللهُ فلا مُضِلَّ له، ومن يضللْ فلا هاديَ له، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ، وأشهدُ أن محمدًا عبدُه ورسولُه"، ويجزئ عن الخطبة أن يتشهد ويصلي على النبي ﷺ .

стр. 614

باب (ركنيّ النكاح و) باب (١) (شرُوطه) أي شروطِ النكاح. أركانُ النكاحِ أجزاءُ ماهيّتِهِ. والماهيّةُ لا تتمُّ بدون جُزئِها. فكذا الشيءُ لا يتمُّ بدون ركنِهِ. (ركناهُ) أي النكاح، اثنان: أحدهما: (الإِيجاب) وهو اللفظُ الصادرُ من الوليِّ أو مَنْ يقومُ مقامَهُ، بلفظ النكاح، أو التزويجِ. (و) الركن الثاني: (القبول) بلفظ: قبلتُ، أو رضيتُ هذا النكاحَ، أو قبلت أو رضيتُ، فقط، أو تزوجتُها (مرتَّبَيْنِ) فلا يصحُّ النكاحُ إنْ تقدَّم قبولُ على إيجابٍ. وإن تراخى القبولُ عن الإِيجابِ حتى تفرّقا أو تشاغَلَا بما يقطعه عرفاً بَطَل الإِيجابُ. (ويصح النكاحُ هزلاً) أي يصح الإِيجابُ والقبولُ من هازلٍ. (و) يصحُّ النكاحُ (بكلّ لسانٍ) بلفظٍ يؤدّي معناهما الخاصَّ (من

стр. 615

عاجزٍ عن) الإِتيان بهما بالـ (ـعربي (١)، لا) يصح إيجابٌ ولا قبولٌ (بالكتابة، ولا بالإِشارة) المفهومة (إلا من أخرس) فيصحّانِ مِنْهُ بالإِشارةِ، نصَّ عليه. لأن النكاحَ معنًى لا يستفادُ إلاَّ من جهته، فصحَّ بإشارتِهِ، كبيعه، وطلاقه. [شروط صحة النكاح] (وشروطُهُ) أي شروط صحّة النكاحِ (خمسةٌ) وَاحِدُها "شَرْطٌ" بإسكان الراء. وهو: ما يلزَمُ من انتفائِهِ انتفاءُ المشروطِ، بمعنى أنه يلزم من عَدمِهِ عدم صحة النكاح. أحد الخمسة: (تعيينُ الزوجينِ) لأن النكاحَ عقدُ معاوضةٍ، أشبهَ تعيينَ المبيعِ في البيعِ. ولأنَّ المقصودَ في النِّكاحِ التعيينُ، فلم يصحَّ بدونِهِ. إذا تقرر هذا (فلا يصحُّ) النكاح إن قال الوليُّ: (زوَّجتُك بنتي، وله) بناتٌ (غيرها. ولا) يصحُّ النكاحُ إن قال: (قبلتُ نكاحَها) أي نكاح مَوْليَّتِكَ فلانةَ (لابني، وله غيرُه، حَتى يُميّزَ كل منهما) أي من الزوج والزوجة (باسمهِ) كفاطمة وأحمد، (أو صِفَتِه) التي لم يشاركْه فيها غيرهُ من إخوته، كقوله: الكبرى، أو: الصغرى، أو: الوسطى، أو: البيضاء، أو: الحمراء، أو: السوداء، أو: الكبير، أو: الصغير، أو: الأبيض، أو: الأسود. [الرضا والإِجبار] (الثاني): من شروطِ صحةِ النكاحِ (رِضَا زوجٍ مكلَّفٍ) وهو البالغ

стр. 616

العاقل، (ولو) كانَ المكلَّفُ (رقيقاً) فلا يملك سَيِّدُهُ إجبارَه، لأنه يملك الطلاقَ فلا يجبرُ على النكاحِ. (فيُجْبِرُ الأَبُ، لا الجدُّ، غيرَ المكلَّفِ) من أولادهِ. (فإن لم يكن أبٌ فوصيُّهُ) أي وصيُّ الأبِ، لقيامِهِ مقامَهُ. (فإنْ لم يكن) للأب وصيٌّ (فالحاكِمُ) يزوِّج (لحاجةٍ، ولا يصحُّ من غيرِهمْ أن يزوِّج غيرَ المكلفِ ولو رَضِي) لأنّ رضاهُ غيرُ معتبرٍ. (ورِضا زوجةٍ حرَّةٍ عاقلةٍ ثيِّبٍ تَمَّ لها تسعُ سِنينَ) ولها إذنٌ صحيحٌ معتبرٌ. فيشترط مع ثيوبتها. وُيسَنُّ مَعَ بَكارَتِها. قال في الإِنصاف: للصغيرةِ بعد تسع سنين إذنٌ صحيحٌ معتبرٌ (فيجبرُ الأب) لا الجدُّ (ثيّباً دون ذلك) أي دونَ من تمّ لها تسعُ سنينَ لأنّه لا إذن لها معتبر، (و) يجبر الأبُ (بكراً، ولو) كانت (بالغةً) (١) لما روى ابنُ عباسٍ أن النبي ﷺ قال: "الأيِّمُ أحقُّ بِنَفْسِها من وليِّها، والبِكْرُ تسْتأَذن (٢)، وإذنُها صُماتها، أي سكوتُها" رواه أبو داود. فلما قسَم النساءَ قسمينِ، وأثبَتَ الحقَّ لأحَدهما، دل على نفيه عن الآخر (٣)، وهي البكرُ، فيكون وليُّها

стр. 617

أحقَّ منها بها. ودل الحديث على أن الاستئمار هاهنا والاستئذانَ في حديثهم (١) مستحبٌّ غير واجبٍ، لما روى ابن عمر، قال: "قال رسولُ الله ﷺ : آمِرُوا النساءَ في بناتِهنّ" (٢) رواه أبو داود. (ولكل وليًّ تزويجُ يتيمةٍ بلغت تسعاً بإذنها) لأنها تصلُحُ بتمامِ التسعِ سنينَ للنِّكاحِ، وتحتاجُ إليه، فأشبهت البالغة. (لا مَنْ دونها) أي دون تسع سنين (بحالٍ) أي سواء أذِنَتْ أم لا (إلاَّ وَصيَّ أبيها) قال في شرح المنتهى: فيجبُر الوصيُّ من يجبُرُهُ الموصِي لَوْ كانَ حيًّا، من ذكرِ أو أنثى. انتهى. (وإذنُ الثيّب) أي من صارت ثيّباً بوطءٍ في قُبُلٍ، ولو كانَ وطؤُها بزناً، أو مَع عَوْدِ بَكَارَتِها بعد إزَالتها (الكلامُ) لقوله ﷺ : "الثيّبُ تُعْرِبُ عن نفسِها" (٣) أي: تُبِينُ، ولأنَّ قوله ﷺ : "لا تنكح الأيّمُ حتى تُسْتَأْمَرَ، ولا تُنْكَحُ البكْرُ حتى تُستَأذَنَ، وإذنها سكوتها" يدلُّ على أنه لا بد من نطقِ الثيّبِ، َ لأنّه قسَمَ النساءَ قسمين، فجعل السكوتَ إذناً لأحدهما،

стр. 618

فوجب أن يكون الآخر بخلافِهِ، والموطوءة بزناً ثيّبٌ موطوءة في القُبُل، لأنّه لو وصّى للثّيّب دخلتْ في الوصية، ولو وصّى للأبكارِ لم تدخل. (وإذنُ البِكْرِ) ولو وُطئت في دُبُر (الصُّماتُ) ولو ضحكَتْ أو بكتْ. ونطقُها بالإِذن أبلغ من صماتها. (وشُرِطَ في استئذانها) أي في استئذانِ من يشترط استئذانها (تسميةُ الزوجِ) بحيت تكونُ تلك التسميةُ (على وجهٍ تقعِ به المعرفة) أي معرفتها، بأن يذكر لها نسبُه ومنصِبُه ونحو ذلك، لتكون على بصيرةٍ في إذنها في تزويجه. قالَ في الإِقناع وشرحه: ولا يشترط في استئذانٍ تسميةُ المهر. (ويجبرُ السيّد، ولو كان فاسقاً، عبدَهُ غيرَ المكلّف) أي الصغير والمجنون، لأن الإِنسان إذا ملَك تزويجَ ابنِه الصغيرِ والمجنونِ، فعبدُه الذي كذلك، مع مِلكِه إياه، وتمامِ ولايتِهِ عليه، أوْلى. (و) يجبر السيد أيضاً (أمتَه، ولو) كانت (مكلّفة) سواء كانت بكراً أو ثيّباً، وسواءٌ كانت قِنًّا، أو مدبّرة، أو أمّ ولدٍ، لأن منافعها مملوكة له، والنكاح عقد على منافعها، فأشبه عقد الإجارة، ولا فرقَ بين كونها مباحةً أو محرّمةً عليه، كما لو كانت أمَّهُ أو أخته من رضاعٍ أو مجوسيّةً، فإن له تزويجهما، وإن كانتا محرّمتين عليه، لأن منافعهما مملوكة له. وإنما حَرُمتَا عليهِ لعارضٍ. [الولي في النكاح] (الثالث) من شروط صحة النكاح: (الوليُّ) إلاَّ على النبيّ ﷺ (١). (وشُرِط فيه) أي في ثبوتِ الولايةِ لهُ سبعة شروط على خلاف في بعضها:

стр. 619

الأول: (ذكورية) لأن المرأة لا تثبُتُ لها وِلايةٌ على نفسِها، فعلى غيرها أولى. (و) الثاني: (عقل) لأن الولاية إنما ثبتت نظراً للمُوَلَّى عليه عند عجزِه عن النظر لنفسه. ومن لا عقلَ له لا يمكنه النظر، ولا يلي نفسه، فغيرَهُ أوْلى. وسواء في ذلك من لا عقل له لصغرِهِ، أو ذَهب عقلُه بجنونٍ أو كبرٍ. فأما الإِغماءُ فلا تزولُ الولاية به، لأنه يزولُ عن قربِ، فهو كالنومِ. ولذلك لا تثبت الوَلاية على المغمى عليه. ويجوزُ علىَ الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. ومن كان يُخْنَقُ في الأحيان لم تزل ولايته. (و) الثالث: (بلوغ) لأن الولايةَ يعتبر لها كمالُ الحالِ، لأنها تفيد التصرُّف في حق غيره، والصبيّ مولَّى عليه لقصوره، فلا تثبت له ولاية، كالمرأة. (و) الرابع: (حريّة) يعني كمالها لأن العبد والمبعّض لا يستقلان بالولاية على أنفسِهما، فعلى غيرِهما أولى. ويستثنى من ذلك صورةٌ، وهي أنّ المكاتَبَ يزوّج أمته. وتقدَّم. (و) الخامس: (اتفاقُ دينٍ) أي اتفاق دين الوليّ والمولَّى عليها. فلا يثبتُ لكافرٍ ولايةٌ على مسلمةٍ، ولا لنصرانيٍّ على مجوسيّة، ونحو ذلك. ويستثنى من ذلك ثلاثُ صور: الأولى: أم ولد الكافر إذا أسلمت. الثانية: أمةٌ كافرةٌ لمسلم. الثالثة: السلطان. (و) السادس: (عدالةٌ) لأنها ولايةٌ نظرية، فلا يستبدّ بها الفاسقُ،

стр. 620

كولاية المال، لكن لا يشترَطُ كونُ الوليِّ عدلاً باطناً وظاهراً، فلهذا قال: (ولو ظاهرةً) ويستثنى من ذلك صورتان: الأولى منهما: السلطان. الثانية: السيّد، فلا يشترط فيهما لتزويجهما العدالة. (و) السابع: (رُشْدٌ. وهو) أي الرُّشْدُ هنا لتزويجهما (١) (معرفة الكفءِ ومصالح النكاح) قال الشيخ تقي الدين: الرشدُ هنا هو المعرفةُ بالكفءِ ومصالحِ النكاحِ، وليس هو حفظَ المال، فإنّ رُشْدَ كلِّ مقامٍ بحسبِهِ. وظاهرُ ما تقدّم أنه لا يشترط في الولي كونُه بصيراً. وهو ذلك. ولا يشترط في الوليّ أن يكون متكلماً إذا فُهِمَتْ إشارته. [ترتيب الأولياء] (والأحقُّ) من الأولياء (بتزويج الحرةِ أبوها) وإنما قيَّدَ بالحرّةِ لأنه لا ولايةَ لأب (٢) الأمة عليها اتفاقاً، لأن الأب أكمل نظراً وأشدُّ شفقةً، فوجَبَ تقديمُهُ في الوِلايةِ (وإنْ عَلَا) يعني أنَّ الجدَّ أبا الأبِ وإن علَتْ درجته أحقُّ بالولاية من الابنِ والأخ، لأن الجدَّ لَهُ إيلادٌ وتعصيبٌ، فقُدِّم عليهما، كالأب. فعلى هذا يكون الجدُّ أولى من جميع العصباتِ غيرَ الأب. وإذا اجتمع أجدادٌ كان أَوْلاهُمْ أقربَهُمْ، كالجدّ مع الأب. (فابنها) يعني أن ولايةَ الحرّةِ بعد جدها وإن علا لابنها (وإن نزل) يقدم الأقرب فالأقرب. (فالأخُ الشقيقُ، فالأخ للأب) لأن ولاية النكاحِ حقٌّ يستفاد بالتعصيبِ، فقُدِّم فيه الأخُ من الأبوينِ.

стр. 621

(ثم الأقربُ فالأقربُ كالإِرث) وجملة ذلك أنَ الولايةَ بعد الإِخوةِ تترتَّبُ على ترتيب الميراثِ، بالتعصيبِ، فأحقُّهم بالميراثِ أحقُّهم بالولايةِ. فعلى هذاَ لا يلي بنو أبٍ أعلى مع بني أبِ أقرب منه. وعُلم مما تقدم أنه لا ولايةَ لغيرِ العصباتِ كَالأخِ من الأمِّ، والعمّ من الأم، والخالِ، وأبي الأم، ونحوهِمْ. نص عليه. ثم يلي نكاحَ الحرةِ عند عدم عصبة نسبٍ المولى المنعِمُ ثم عَصَبتُهُ الأقربُ فالأقربُ. (ثم السلطان) وهو الإمام الأعظم (أو نائبه) قال أحمد: والقاضي أحبُّ إليّ من الأمير في هذا، ولو من بغاةٍ إذا استولوا على بلدٍ. (فإن عدم الكل) أي عدم عصبةُ المرأةِ والولاءِ وعدم السلطانُ والقاضي من المكان الذي بهِ المرأة (زوَّجَها ذو سلطانٍ في مكانِهَا) كعَضْلِ الوليِّ (١) (فإن تعذَّر) ذو سلطانٍ في مكانِهَا (وكَّلَتْ مَن) أي رجلاً عدلاً في ذلك المكان (يزوّجها)، فإن أحمد قال في دَهْقانِ قريةٍ، أي شيخها: يُزَوِّجُ من لا وليّ لها إذا احتاط لها في الكفءِ والمهر إذا لم يكن في الرُّسْتاقِ قاضٍ. انتهى. (فلو زوّجَ) المرأةَ (الحاكمُ أو) زوَّجَها (الوليُّ الأبعد بلا عذرٍ للأقرب) إليها منه (لم يصحَّ) النكاح لأنَّ الأبعَدَ والحاكِمَ لا ولايةَ لهما مع من هو أحقُّ منهما، أشْبَهَ ما لو زوَّجَها أجنبيٌّ ليسَ بحاكِمٍ. (ومن العُذْرِ غَيْبَةُ الوليّ فوق مسافةِ قَصْرٍ) لأنّ مَنْ دونَ ذلك في حكم الحاضرِ، (أو تجهلَ المسافةُ) بأن لا يُعلَمَ أقريبٌ هو أم بعيد، (أو يُجْهَلَ مكانُهُ مع قربِهِ، أو يَمْنَعْ من بلغتْ تسعاً كفؤاً رَضِيَتْ به) ورضيتْ بما صَحَّ مهراً.

стр. 622

فصل [التوكيل في التزويج والإِيصاء به] (ووكيلُ الولي) أي كلِّ وليٍّ (يقومُ مقامَهُ) غائباً وحاضراً، سواءٌ كان مجبراً أو غيرَ مجبرٍ. (ولهُ) أي للوليِّ إن لم يكن مجبِراً (أنْ يوكِّل بدونِ إذنِها) أي إذنِ مَوْليتِهِ لأنَّه إذنٌ من الوليّ في التزويجِ، فلا يفتقِرُ إلى إذنِ المرأةِ، ولا الإِشهادِ عليه، كإذنِ الحاكِمِ. ولأن الوليَّ ليس بوكيلِ المرأةِ، بدليلِ أنها لا تملِكُ عزلَهُ من الوِلاية. ويثبتُ لوكيلِ الوليّ ما للوليّ من إجبارٍ وغيره. (لكن لا بدَّ من إذنِ) موليَّةٍ (غيرِ المُجْبَرَةِ للوكيلِ) أي وكيلِ وليِّها، فلا يكفي إذنُها لوليها بتزويجٍ أو توكيلٍ في تزويجِها بلا مراجعةِ وكيلِ غيرَ المجبَرَةِ (١). وإذنُ الموليّة غيرِ المجبَرَةِ لوكيلِ وليِّها إنما يكون (بعد توكيلِهِ) أي توكيلِ وليّها لأنه قبل أن يوكّلَهُ الوليُ أجنبيّ، وبعد توكيلِهِ وليّ. (ويشترط في وكيلِ الوليّ ما يشترط فيه) أي في الوليّ من ذكوريّة وبلوغ وغيرِهما، لأنها وِلاية، فلا يصحّ أن يباشرها غيرُ أهْلِها. (ويصحُّ توكيلُ الفاسِقِ في القبولِ) للنكاحِ لأنه يصحُّ قبولُه النكاحَ لنفسِهِ، فيصحُّ لغيرِهِ. ومن نحو ذلك المسلمُ يوكِّلُ النصرانيَّ في قبولِ نكاحِ زوجَتِهِ الكتابِيَّةِ، لصحّةِ قبوله لنفسِهِ. قاله في شرح المنتهى. (ويصح التوكيلُ) أي توكيلُ الوليّ في إيجابِ النكاحِ توكيلاً

стр. 623

(مطلقاً، كـ) قوله لوكيله: (زوِّجْ من شئتَ) روي أنَّ رجلاً من العرب (١) تَرَك ابنته عند عمر ﵁، وقال: إذا وجدتَ كفؤاً، فزوَجْهُ ولو بشراكِ نعلِهِ، فزوَّجَها عثمانَ بن عفانَ ﵁، فهي أمُّ عمرِو بن عُثمانَ. واشتُهِرَ ذلك فلم يُنْكَرْ. ولأنه إذنٌ في النكاحِ، فجاز مطلقاً. (ويتقيّد) أي هذا التوكيلُ المطلقُ (بالكفءِ). ولا يملك بهِ أن يزوِّجَهَا من نفسِهِ من غيرِ إذن الموكِّل. (و) يصحُّ توكيلُهُ توكيلاً (مقيَّداً كزوِّجْ زيداً) أو زوِّجْ هذا. (ويشترط) لصحةِ النكاحِ معَ وجود التوكيلِ في الإيجاب والقبولِ أو في أحدهما (قولُ الوليِّ) لوكيلِ زوجٍ، (أو) قولُ (وكيلِهِ) أي وكيلِ الوليّ لوليّ زوجٍ: (زوَّجْت فلانةَ فلاناً، أو): زوجْتُ فلانَةَ (لفلانٍ). (و) يشترط (قولُ وكيلِ الزوجِ: قبلتُهُ) أي قبلتُ النكاح (لموكِّلي فلانٍ، أو): قبلتُهُ (لفلانٍ.) ولا يصحُّ إن لم يقل: لفلانٍ، في الأصحِّ. (ووصيُّ الوليِّ) أباً كانَ الولي أو غيره (في النكاح) أي في إيجاب النكاح (بمنزلتِهِ) أي بمنزلة الموصي إذا نص المُوَصِّي له عليه. (فيجبُرُ) الوصيُّ (من يجبُرُهُ) الموصي لو كان حيًّا من (ذكر وأنثى) وقال مالك: إن عينَ الأبُ الزوجَ ملَكَ إجبارها، صغيرةً كانت أو كبيرةً. وإن لم يعيِّنِ الزوجَ وكانتْ ثيباً كبيرةً صحَّتِ الوصيّةُ واعتُبر إذنها. وإن كانت صغيرة انتظرنا بلوغَها. فإذا أَذنَتْ جازَ أن يزوِّجها بإذنها (٢). ولنا أن من مَلَكَ التزويج إذا عُيِّن له الزوجُ مَلَكَهُ مع الإِطلاق. (وإن استوى وليَّانِ فأكثرُ) لامرأةٍ (في درجةٍ) كإخوةٍ لها كلهم لأبوين، أو كلُّهم لأبٍ، أو أعمامٍ كذلك، أو بني أخوة كذلك (صحَّ

стр. 624

التزويجُ من كلِّ واحد) من المستويين، لأنّ سبَبَ الولايةِ موجودٌ في كلِّ واحدٍ منهم (إن أذنتْ لهم) أي لكل واحد منهم (فإن أذنَتْ لأحدهمْ تعيَّن) للتزويجِ من أذنَتْ له (ولم يصحَّ نكاحُ غيرِهِ) أي لا يصحّ أن يزوِّجَهَا من لم تأذنْ له. [توليّ طرفي العقد] (ومن زَوَّجَ بحضرةِ شاهدَيْنِ عبدَهُ الصغيرَ بأَمَتِهِ) جاز أن يتولّى طرفي العقد بلا نزاعٍ لأنه عقدٌ بحكمِ المِلْكِ لا بحكم الإِذن. (أو زوّجَ ابنَهُ بنحو بنتِ أخيهِ) أو زوّجَ وصيٌّ في نكاحٍ صغيراً بصغيرةٍ تحت حجرِهِ ونحوِهِ، صح أن يتولّى طرفي العقد. (وكذا وليُّ امرأةٍ عاقلةٍ تحلُّ له، كابن عمٍّ ومولًى وحاكِمٍ، إذا أذنت له في تزويجِها. (أو وكّلَ الزوجُ الوليَّ) أي وليَّ المخطوبةِ في قبولِ نكاحِ الزوجِ من نفسِ الوليّ، يعني فإنه للوليّ أن يتولّى طَرَفَي العقد، (أو عكسُهُ) وهو أن يوكِّلَ الوليُّ الزوجَ في إيجاب النكاحِ لنفسه، فإذا فعل ذلك جازَ للزوجِ أن يتولّى طرفي العقد. (أو وكّلا) أي الوليُّ والزوج رجلاً (واحداً) بأن يوكِّلَهُ الوليُّ في الإيجاب، ويوكّلَهُ الزَوْجُ في القبولِ فإذا فَعَلَ ذلكَ (صحَّ) للوكيل عنهما (أن يتولّى طرفي العقد) قال في شرح المنتهى: ويمكن أن يقالَ: ونحو النكاح من العقودِ، كما لو وكّلَ البائِعُ والمشتري واحداً، والمؤجِرُ والمستأجِرُ واحداً، فإنه يجوز له أن يتولّى طرفي العقد. ولا يشترَطُ فيمن يتولَّى طرفي العقدِ أن يأتي بالإيجابِ والقَبُولِ في الأصح. (ويكفي) قوله: (زَوَّجْتُ فلاناً فلانَةَ) من غير أن يقول: قبلتُ له نكاحَهَا، (أو) يقول: (تزوَّجْتُها) أي تزوجت فلانةَ (إن كان هو الزوجَ)

стр. 625

من غير أن يقولَ: ونكاحَهَا لنفسي (١). ويستثنى من ذلك صورتانِ: إلا بنتَ عمِّهِ، وعتيقَتَه، المجنونتَيْنِ، فيُشْتَرَطُ لصحّةِ النكاحِ، إذا أراد أن يتزوَّجَهُمَا، وليٌّ غيرُه أو حاكم. (ومن قال لأمتِهِ) التي يحلُّ له نكاحُها، لو كانت حرَّةً، من قنٍّ أو مدبَّرةٍ أو مكاتَبَةٍ أو معلَّقٍ عتقُها بصفةٍ أو أمِّ ولدٍ: (أعتَقْتُكِ، وجعلتُ عِتْقَكِ صداقَكِ) أو: جعَلتُ عتقَ أَمَتي صداقَها، أو: جعلتُ صداقَ أمتي عِتْقَهَا، أو قال: أعتقتُها وجعلتُ عتقَها صداقَها، أو قال: أعتقتُها على أنَّ عتقَها صداقُها، أو قال: أعتقتُكِ على أن أتزوجَكِ وعِتْقي صداقُكِ، (عتقَتْ، وصارتْ زوجةً (٢) إن توافرتْ شروط النكاح،) منها: أن يكونَ الكلام متَّصِلاً، وأنْ يكونَ بحضرةِ شاهِدَيْنِ. فلو قال: أعتقتُكِ، وسكتَ سكوتاً يمكنه الكلامُ فيه، أو تكلَّمَ بكلامٍ أجنبيٍّ، ثم قال: وجعلتُ عتقَكِ صداقكِ، لم يصحّ النكاحُ، لأنها صارتْ بالعتق حرَّةً، فيحتاج أن يتزوجها بِرِضاها بصداقٍ جديدٍ. [الشهادة على النكاح] (الرابع) منْ شروطِ صحةِ النكاح: (الشهادة) عليهِ، احتياطاً للنَّسَبِ خوفَ الإِنكارِ، ولأنّ الغَرَضَ من الشَّهادةِ إعلانُ النكاحِ، وأن لا يكون مستوراً. ولهذا يثْبُتُ بالتسامُعِ، (فلا ينعقِدُ) النكاحُ (إلا بشهادةِ ذكرَيْنِ مكلفَيْنِ) أي بالغَين عاقِلَيْنِ، (ولو رقيقينِ، متكلمينِ سميعينِ مسلمين،) ولو أنَّ الزوجةَ ذِمِّيَّة، (عدلين، ولو) كانت عدالتهما (ظاهراً)

стр. 626

لأن النكاح يكون في القُرى والبوادي وبين عامَّة الناس ممن لا يعرفُ حقيقةَ العدالةِ، فاعتبار ذلك يشقُّ، فاكتُفِيَ بظاهرِ الحالِ فيه، فلا يُنْقَضُ ولو بانا فاسقينِ (من غيرِ أصْلَيِ الزوجينِ وفرعيهما) كأبي الزوجةِ، أو الزوج، أو أبنائهما، لأنهم لا تقبل شهادتهم للزوجينِ، سواءٌ كانوا آباءهم أو أبناءهم. (ولا يُشتَرط كون الشاهدين بصيرينِ، فيصحُّ ولو أنهما ضريران، أو عدُوَّا الزوجين، أو أحدُهما، أو الوليّ. (الخامس) من شروط صحة النكاح: (خلو الزوجين من الموانع) الآتية في باب المحرَّمات (بأن لا يكونَ بهما) أي الزوجين، (أو بأحدهما، ما يمنعُ من التزوّج، من نسبٍ أو سببٍ) كرضاعٍ، ومصاهرةٍ، أو اختلاف دين، بأن يكونَ مسلماً وهي مجوسيّةٌ، أو كونها في عدة، أو أحدهما محرِماً. [الكفاءة] (والكفاءَةُ) في الزوجِ (ليستْ شرطاً لصحة النكاح) (١) بل شرطٌ لِلُزومِهِ. قال في شرح الإِقناع: هذا المذهبُ عند أكثر المتأخّرين. قاله في المقنع والشرح. وهي أصحّ. فهذا قولُ أكثرِ أهلِ العلم. فعلى هذا يصحُّ النكاحُ مع فَقْدِها. وقدّم في المنتهى أن الكفاءَةَ شرطٌ للصحّة. قال في شرحه: وهي المذهبُ عند أكثر المتقدمين (٢) (لكن لمن زوجت بغير كفءٍ) بعد أن عُقِدَ العقدُ (إن تفسخَ نكاحَها، ولو) كان الفسخ (متراخياً) لأنه خيارُ نقصٍ في المعقود عليهِ، أشبهَ خيارَ العيبِ (ما لم ترضَ) أي

стр. 627

الزوجةُ (بقولٍ أو فعلٍ) كما لو مكَّنتهُ عالمةً بأنّه غيرُ كفءٍ. (وكذا) يكون (لأوليائِها) كلِّهم، القريبِ والبعيدِ، الفسخُ، حتى من يَحْدُثُ منهم بعد العقد، لتساويهم في لحوق العارِ بفقدِ الكفاءة. (ولو رضيْتْ، أو رضي بعضُهم، فلمن لم يرضَ الفسخُ.) ويملكهُ الأبعدُ مع رضا الأقرب. (ولو زالتِ الكفاءَةُ بعد العقدَ فلها) أي الزوجةِ (فقط الفسخ) دون أوليائِها، كعتقِها تحتَ عبدٍ، ولأن حقّ الأولياءِ في ابتداءِ العقد، لا في استدامته. (والكفاءَةُ) لغةً المماثلةُ والمساواةُ (معتبرة في خَمسةِ أشياءَ) (١): الأول: (الديانة) فلا يكون الفاجرُ، ولا الفاسقُ، كفؤاً لعفيفةٍ عدلٍ، لأنه مردودُ الشهادةِ والروايةِ، وذلك نقصٌ في إنسانيتِهِ، فلا يكونُ كفؤاً لِعدْلٍ. (و) الثاني: (الصّناعَةُ) فلا يكونُ صاحبُ صناعةٍ دنيئةٍ، كالحجّام والحائكِ والزبّالِ والنفاطِ، كفؤاً لبنتِ من هو صاحبُ صناعةٍ جليلةٍ، كالتاجِرِ والبزّاز، وهو الذي يتّجر في القماش. (و) الثالث: (الميسَرَةُ) بالمالِ، بِحَسب ما يجبُ لها من المهرِ والنفقةِ. وقال ابنُ عقيلٍ: بحيثُ لا تتغيَّر عادَتُهَا عند أبيها في بيتِهِ. فلا يكون المعسِرُ كفؤاً لموسرةٍ. وليسَ مولَى القوم كفؤاً لهم (٢).

стр. 628

(و) الرابع: (الحريّة) فلا يكون العبدُ والمبعَّض كفؤاً لحرَّةٍ ولو عتيقة. (و) الخامس: (النَّسَبُ) فلا يكون العجميّ، وهو من ليس من العَرَبِ كفؤاً لعربيّة. ويَحْرم على وليِّ المرأةِ تزويجُها بغير كفءٍ بغير رضاها. ويفسُقُ به الولي.

стр. 629

باب المحَرَّمَات في النّكاح المحرَّماتُ ضرْبان: ضرْبٌ على الأبد (١)، وهن أقسام خمسة: [محرمات النسب] الأول (٢): ما أشار إليه بقوله: (تحرُم أبداً الأمُّ) وهي الوالدة (والجدَّةُ من كلِّ جهةٍ) أي لأبٍ أو لأمٍّ، وإن علتْ. (والبنتُ، ولو) كانتْ (من زناً) أو شُبهةٍ. ويكفي في التحريم أن يعلم أنها بنتُه ظاهراً، وإن كان النسبُ لغيرِهِ. (وبنت الولدِ) ذَكَراً كان أو أُنثى، وإن سفل) (٣). (والأُختُ من كل جهةٍ) أي سواءٌ كانت شقيقةً أو لأبٍ أو لأمٍّ. (وبنتُ ولدها) ذكراً كان أو أنثى. (وبنت كلِّ أخٍ) أي سواءٌ كان شقيقاً أو لأبٍ أو لأمٍّ، (وبنتُ

стр. 630

ولدها) ذكراً كان أو أُنثى. (والعمة) من كل جهة. (والخالة) من كل جهة. [محرمات الرضاع] الثاني: من المحرّمات على الأبد ما أشار إليه بقوله (ويحْرُمُ بالرضاعِ) ولو محرَّماً، كمن غصَب امرأةً على إرضاع طفلٍ (ما يحرُمُ بالنَّسب) يعني أن كلّ امرأةٍ حرُمتْ من النَّسَبِ حَرُمَ مثلُها من الرضاعِ، حتى في مصاهرةٍ، فتحرم زوجةُ أبيهِ وولدهِ من رضاعٍ، كَمِنْ نسبٍ (إلا) أنه لا يحرُم على الرجل (أُمَّ أخيهِ) من رِضاعٍ، (و) إلا (أخْتَ ابنِهِ من الرَّضاعِ، فتحلُّ كـ) ما تحلُّ (بنتُ عمَّتِهِ، و) بنتُ (عمِّه، وبنتُ خالَتِهِ، و) بنتُ (خالِهِ). [محرمات المصاهرة] الثالث: من المحرّماتِ على الأبدِ ما أشار إليه بقوله: (ويحرُم أبداً بالمصاهرةِ أربعٌ: ثلاثٌ) يحرُمْنَ (بمجرَّدِ العَقْدِ) قال في حاشية الإِقناع: مقتضى كلامِ القاضِي في "المجرَّد": لا فرق في ذلك بين العقدِ الصحيحِ والفاسدِ، فإنه قال: يَثْبُتُ بِهِ جميع أحكامِ النِّكاحِ إلا الحِلِّ، والإحلالَ، والإِحصانَ، والإِرثَ، وتنصيفَ الصداقِ بالفُرْقة قبل المسيس. وظاهرُ كلامِهِ في "التعليق" خلافُهُ (١). انتهى. الأولى: (زوجةُ أبيهِ وإن علا). (و) الثانية: (زوجةُ ابنِهِ وإن سفل). (و) الثالثة: (أُمُّ زوجتِهِ) وإن عَلَتْ من نسبٍ أو رضاعٍ، لقوله

стр. 631

تعالى: ﴿وَأُمَّهَات نِسَائِكمْ﴾ والمعقودُ عليها من نسائِهِ. قال ابن عباس: "أبْهِمُوا ما أبْهَمَ القُرْآن" (١) أي عَمِّموا حُكْمَها في كلِّ حالٍ ولا تَفْصِلوا بين المدخول بها وغيرها. (فإن وَطِئها حَرُمَتْ عليه أيضاً بنتُها) فلا يُحَرِّم الربيبةَ إلا الوطءُ دونَ العقدِ والخلوةِ والمباشرةِ دون الفرجِ، للآية، (و) حرمتْ عليه أيضاً (بنتُ ابنها، [وبنت بنتها] وبغير العقد) فيما ذكر (لا حرمة إلا بالوطءِ في قُبُلٍ) أصليّ (أو دبُرٍ) لأنه فرجِ يتعلَّق به التحريم، إذا وُجِدَ في الزوجةِ أو الأَمَةِ (إن كان) الذي غيب ذكره الأصليّ (ابنَ عشرٍ في بنتِ تسعٍ) فلو أدخل ابن ستّ سنينَ حشفته في فرج امرأةٍ، أو أدخل كبيرٌ حشفته في فرج بنت سبع سنين، لم يؤثّر في تحريم المصاهرة. أما ثبوتُ تحريمِ المصاهرةِ بالوطءِ الحلالِ فإجماعٌ وأما بوطء الشبهةِ والزنا فعلى الصحيح من المذهب. (وكانا) أي الواطئ والموطوءة (حيَّيْنِ) فلو أولجَ الرجلُ حشفته في فرجِ ميتةٍ، أو أدخلت امرأةٌ حشفة ميّتٍ في فرجها لم يؤثّر في تحريم المصاهرة. (ويحرم بوطء الذكر ما يحرم بوطء الأنثى) فلا تحلُّ لكلٍّ من لائطٍ وملوطٍ به أمُّ الآخرِ ولا بنتهُ. ووجهه أنه وطءٌ في فرج فنَشَرَ الحُرمةَ كوطءِ المرأة. (ولا تحرُم أمُّ) زوجةِ أبيهِ (ولا بنتُ زوجةِ أبيه و) لا تحرُم أمُّ زوجةِ ابنِه ولا بنتُ زوجة (ابنِهِ).

стр. 632

فصل [الضرب الثاني: المحرّمات إلى أمَد] (ويحرم الجمع بين الأختين) سواء كانتا من نسبِ أو من رضاعٍ حرّتينِ كانتَا أو أمتينِ، أو حرةً وأَمَةً (١). وسواءٌ في هذا ماَ قبل الدخول أو بعده، لعمومِ قولهِ تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأخْتَيْنِ﴾. (و) يحرُم الجمعُ أيضاً (بين المرأةِ وعمَّتِها أو خالَتِها) وإن عَلَتا من كلِّ جهةٍ، من نَسبٍ أو رضاعٍ، وبين خالَتَينِ، أو عمَّتين، أو عمةٍ وخالةٍ. وصورةُ الجمعِ بين خالتين أن يتزوَّج كلٌّ من رجلينِ بنتَ الآخرِ، تلد له بنتاً فالمولودتان كل منهما خالة الأخرى. وصورة الجمع بين العمَّتينِ أن يتزوَّجَ كلٌّ من رجلينِ أُمَّ الآخرِ، وتلد بنتاً، فالمولودتان كلّ واحدة منهما عمَّةُ الآخرى. وصورةُ الجمعِ بين العمَّةِ والخالةِ أن يتزوَّجَ الرجُلُ امرأةً، ويتزوج ابنُه أمَّها، وتلد كل واحدة بنتاً فبنت الابن خالة بنتِ الأب وبنتُ الأب عمَّةُ بنت الابن (٢). ويحرُمُ الجمع بين كلِّ امرأتين لو كانتْ إحداهما ذكراً، والأخرى أنثى، حرم نكاحه لها لقرابةٍ أو رضاعٍ (٣).

стр. 633

فمن تزوج نحو أختينِ في عقدٍ) واحدٍ (أو عقدين معاً) أو تزوّج خمساً في نكاحٍ واحدٍ (لم يصح) في الجميع. (وإن جُهِلَ) أسبقُهما فعليه فُرْقتهما بطلاقٍ، فإن لم يطلِّق (فسَخَهما حاكمٌ) دخل بهما، أو بإحداهما، أو لم يدخلِ بواحدةٍ منهما، (و) عليه (لإِحداهما نصفُ مهرِها بقرعةٍ) وإن كان دخل بإحداهما أُقرِع بينَهما. فإن وقعت القرعة لغيرِ المُصَابةِ فلها نصفُ المهرِ، وللمُصَابةِ مهر المثل. (وإن وقعَ العقدُ مُرتَّباً) واحداً بعد واحدٍ وعُلِمَ السابق (صحّ الأول فقط) أي دون الثاني. (ومن مَلَك أختينِ أو نحوَهما) كامرأةٍ وعمتِها أو خالَتِها في عقدٍ واحدٍ (صحَّ) العقد قال في شرح الإِقناع: ولا نعلم خلافاً في ذلكَ. انتهى. وكذا لو اشترى جاريةً ووطئَها حلّ له شراء أختِها وعمَّتِها وخالَتِها، كما يحل له شراءُ المعتدَّةِ من غيرِهِ، والمزوَّجةِ، مع كونهما لا تَحِلاَّن (١) له. (وله أن يطأ أيتهما شاء) لأن الأخرى لم تصرْ فراشاً، كما لو كان في ملكه إحداهما وَحْدَها. (وتحرُمُ) عليه (الأخرى) أي التي لم يطأها (حتى يُحَرِّم الموطوءة) منهما (بإخراج عن مِلْكِهِ) ولو ببيعٍ، لحاجةِ التفريق، لأنه يحرُم الجمعُ في النِّكاحِ، ويحرم التفريقُ، فلا بد من تقدّم أحدهما (٢). وكلام الصحابة والفقهاء بعمومه يقتضي هذا. قاله الشيخ وابن رجب (أو تزويجٍ بعد الاستبراءِ) قال في الإِقناع وشرحه: حتى يعلم بعد البيع ونحوِه أنَّها ليستْ بحامِلٍ.

стр. 634

ولا يكفي استبراؤها بدون زوالِ الملكِ، ولا تحريمها (١)، ولا زوالُ مِلكِهِ بدون استبرائِها، ولا كتابتُها، ولا رهنُها، ولا يكفي بيعُها بشرطِ خيارٍ. ومثلُه هِبتُها لمن يمْلِكُ استرجَاعَها منه، كهبتها لولَدِهِ. فلو خالَفَ، ووَطِئَهما واحدةً بعد واحدةٍ، فوطءُ الثانيةِ محرَّمٌ لا حدَّ فيه، ولَزِمَهُ أن يُمْسِكَ عنهما حتى يحرِّم إحداهما ويستبرئها. فإن عادت لِملكِهِ، ولو قبلَ وطء الباقية، لم يُصِبْ واحدةً منهما حتى يحرّم الأخرى. قال ابن نصر الله: هذا إن لم يجبِ استبراءٌ. فإن وَجَبَ لم يلزمْهُ تركُ أختِها فيه (٢). وهو حسن. انتهى. (ومن وطئ امرأةً بشبهةٍ أو زناً حرُم في زمنِ عدَّتِها نِكاحُ أُخْتِها) وكذا عمتُها وخالتُها (و) كذا يحرم عليه (وطؤُها إن كانت زوجةً أو أمةً) له. (وحرُم) عليه أيضاً (أن يزيدَ على ثلاثٍ غيرها) أي غير الموطوءة بشبهةٍ أو زناً، (بعقدٍ) فإن كان معه ثلاثُ زوجاتٍ لم يحلَّ له أن يتزوَّج رابعةً حتى تنقضي عدة موطوءته بشبهةٍ أو زناً (أو وطءٍ) يعني أنه لو كان معه أربع زوجاتٍ، ووطئَ امرأةً بشبهةٍ أو زناً لم يحلَّ له أن يطأ أكثرَ من ثلاثٍ منهن، حتّى تنقضيَ عدةُ موطوءته بالشبهة أو الزنا، لئلا يجتمع ماؤُه في أكثَرَ من أربعِ نسوةٍ. (وليسَ لحر جمْعُ أكثرَ من أربعٍ) أي يحرم عليه جمعُ أكثرَ من أربعِ زوجاتٍ. وقوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ أريدَ به التخيير بين اثنتين، وثلاثٍ، وأربعٍ، كما قال

стр. 635

تعالى: ﴿أُولي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ ولم يُردْ أنَّ لكلٍّ تسعةَ أجنحةٍ. ولو أراد ذلك لقال: تسعة، ولم يكنْ للتطويل معنى. ومن قال غير ذلك فقد جَهِلَ اللغة العربيّةَ. (ولا لعبدٍ) يعني: وليس لعبد (جَمْعُ أكثرَ من اثنتين) أي من زوجتينِ، وفاقاً للشافعي. (ولمنْ نصفُهُ حرٌّ فأكثرُ جمعُ ثلاثٍ) أيْ ثلاثِ زوجاتٍ. (ومن طلَّقَ واحدةً من نهايةِ جمعِهِ) كالحرِّ يطلّق واحدةً من أربع، والعبدِ يطلِّق واحدةً من اثنتين، والمبعَّضِ يطلِّق واحدةً من ثلاثٍ، (حَرُمَ نكاحُه بَدَلَها حتى تنقضي عدَّتُها) نصّ عليه. لأن المعتدّة في حكم الزَّوجَةِ، لأنَّ العدّةَ أثرٌ لِلنكاحِ، وهو باقٍ، فلو جازَ له أن يتزوّج غيرها لكان جامعاً بين أكثرَ مما يُباحُ له. (وإن ماتتْ) واحدةٌ من نهايةِ جمعِهِ (فلا) أي فلا يحرُم عليهِ أن يتزوَّج بَدَلَها في الحالِ. فلو قال: أخبرتْني بانقضاءِ عدَّتها في مدةٍ يمكن انقضاؤُها فيه، فكذَّبتْهُ، لم يقبلْ قولُها عليه في عدم جوازِ نكاحِ غيرِها، فله نكاحُ أختِها وبدلِها في الظاهر (١)، ولا تسقُط الكِسْوةُ والنفقةُ عنه بدعواه إخبارَها بانقضاءِ عدّتها مع إنكارها. فصل [في المحرمات إلى أمدٍ لعارضٍ يزول] (وتحرم الزانيةُ على الزاني وغيرِهِ حتّى تتوب) بأن تراوَدَ على الزِّنا
следующие страницы →