وفائِهِ بشرطٍ شرطَتْهُ عليهِ في النكاح، أو اختيارِها لنفسِها بجعلِ الزوج لها ذلك، بسؤالِها إياه (١) قبلَ دخولٍ، (وإسلامِها تحت كافرٍ) قبل تقرُّرِهِ (و) كـ (ردّتها تحتَ مسلمٍ، وإرضاعِها من ينفسخ به نكاحُها) قبل تقرّره، لأنها أتلفت المعوَّض قبل تسليمِهِ، أشبه ما لو أتلفَ البائعُ المبيعَ قبل قبضِهِ.
[ما يتنصف به المهر]
(ويتنصّف) صداقُها (بالفُرقة من قِبَلِ الزوجِ كطلاقِهِ) الزوجَةَ، ولو بسؤالها، (وخُلْعِهِ) إياها، ولو بسؤالها، لأن الفرقة إنما ثبتت في صورة سؤالها بجواب الزوجِ، (وإسلامهِ) أي إسلام الزوج قبل وجودِ ما يقرّره من الدخولِ أَو الخلوةِ، إذا كانت الزوجةُ غير كتابية، (وردّتِهِ) قبلَ وجودِ ما يقرِّرُهُ لمجيء الفُرْقَةِ من قبله.
(و) يتنصّف صداقها (بملك أحدِهما الآخر) أي بشراءِ الزوجةِ الزوجُ، أو الزوج الزوجةَ قبلَ الدخولِ.
(أو قِبَلِ أجنبيٍّ) يعني أن المهر يتنصّف إذا جاءت الفرقة من قبل أجنبيٍّ، (كرضاعٍ) أي كما لو أرضعتْ أختُهُ أو نحوُها زوجتَهُ الصغيرةَ رضاعاً محرماً، (ونحوِهِ) أي نحو الرضاع كما لو وطئَ ابنُ الزوجِ الزوجةَ قبل دخولٍ.
[ما يتقرر به المهر كاملاً]
(ويقرِّرُهُ) أي يقرّرُ المهرَ (كاملاً موتُ أحدهما) أي موتُ أحدِ الزوجينِ، ولو بقتْلِ أحدِهما الآخرَ أو قَتْلِ أحدِهِما نفسَهُ، لأنَّ النكاحَ بَلَغَ نهايتَهُ، فقام ذلك مقامَ الاستيفاءِ في تقرير المهر، ولأنه أوجبَ العِدَّةَ
стр. 667
على المرأةِ، فأوجبَ كمالَ المهرِ، كالدخول.
(و) يقرره كاملاً (وطؤُها) أي وطء الزوج الزوجةَ حيًةً في فرْج ولو
دبراً، أو في غيرِ خلوةٍ، لأنه قد وُجِد استيفاءُ المقصودِ باستقرارِ العوض.
(و) يقرر المهرَ كاملاً أيضاً (لمسُه لها) أي للزوجة لشهوةٍ (ونظرُه
إلى فرجِها لشهوةٍ) ولو لم يخلُ بها، فيهما. قال في الفروع: ويقررُه
لمسٌ ونحوُه لشهوةٍ. نص عليه. انتهى. ووجه ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنْ
طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا
فَرَضْتُمْ﴾ وحقيقة اللمْس التقاءُ البشرتين (١). (و) يقرره كاملاً (تقبيلُها ولو
بحضرةِ الناس) لأن القُبْلَةً أجرِيَتْ مجري الوطء في قطع خيارِ المشتري،
فيجبُ أن تكونَ في تقريرِ الصداقِ كذلك. قال أحمد: إذا أخذَها
فمسها، وقبض عليها، من غير أن يخلوَ بها، لها الصداقُ كاملاً، إذا نالَ
منها شيئاً لا يحل لغيرِه. وقال في رواية مُهَنا: إذا تزوج امرأةً فنظر إليها
وهي/ عُريانة تغتسل وجب عليه المهر.
(و) يتقرر كاملاً (بطلاقِها في مرضِ موتٍ ترثُ فيهِ) قال في
المنتهى: أو موتهِ بعدَ طلاقٍ في مرض موتٍ قبل دخولٍ، ما لم تتزوجْ أو
ترتد (٢) انتهى.
(و) يتقرر (بخلوتهِ بها) أي خلوةِ الزوج بالزوجةِ، وإن لم يطأ.
روي ذلك عن الخلفاء الأربعة الراشدين، وزيدٍ، وابنِ عمر، وبهذا قال
علي بن الحسين، وعرْوَة، وعطاء، والزهري، والأوزاعي، وإسحق،
стр. 668
وأصحاب الرأي. وهو قول الشافعي في القديم.
ويشترط للخلوة المقرِّرة للمهر كاملاً أن تكون (عن مميَّزٍ) ولو كان كافراً أو أعمى نصًّا، ذكراً كان أو أنثى، عاقلاً أو مجنونًا، وسواءٌ كان الزوجانِ مسلمينِ، أو كافرينِ، أو الزوجُ مسلماً، والزوجةُ كتابيةً، ولو كان الزوج أعمى أو نائماً مع علمِهِ بأنها عنده، إنْ لم تمنعْه الزوجةُ من وطئِها.
وإنما تكون الخلوةُ مقرِّرَةً (إن كان) الزوج (يطأ مثلُه و) كانت الزوجةُ (يوطأ مثلُها) كابنِ عشرٍ يخلو ببنتِ تسع.
ولا تقبل دعواه عدم علمه بها.
فصل [في اختلاف الزوجين في الصداق]
(وإذا اختلفا) أي اختلفَ الزوجان، أو ورثتُهما، أو زوجٌ ووليُّ صغيرةٍ (في قدر الصداقِ)، أو في عينِه، (أو) في (جنسِهِ)، أو في صفته، (أو) فيما يستقر به (الصداق)، فقول الزوجِ (بيمينِهِ) أو وارثِهِ بيمينِهِ. أما كونُ القولِ قولَه في عينِ الصداقِ، كما لو ادعت أنه أصدقها هذه الأَمَةَ، وقال هو: بل هذا العبدَ، وفي صفته، كما لو قالت: أصدقَنيَ عبداً روميًّا فقال: بل زنجيًّا، وفي جنسِهِ، كما لو قالت: أصدقني كذا من البُرّ، فقال: بل من الشعير. وفيما يستقرّ به المهر، كما لو قالت: خلوتَ بي، فقال: لم أخلُ بكِ، فلأنه مُنْكِرٌ، والقولُ قولُ المنكِرِ بيمينه، لأن الأصلَ براءَةُ ذمَّتِهِ مما لم يجبْ بإقرارِهِ، ولا بيِّنة.
(و) إذا اختلف الزوجان أو ورثتُهما (في القبضِ) للصداقِ (أو تسميةِ المَهْرِ فقولُها) إن وُجدتْ، (أو وارِثِها،) بيمينٍ من قبلِ المنكِرِ، لأن
стр. 669
الأصل عدمُ القبضِ وعدمُ التسمية.
(وإن تزوجَهَا) أي تزوج رجلٌ امرأةٌ (بعقدينِ على صداقَيْنِ سراً وعَلناً، أخِذَ) الزوجُ (بـ) ـالصداقِ (الزائِدِ) سواء كان الزائدُ صداقَ السرِّ أو كان الزائدُ صداقَ العلانِية.
ويلحَقُ بالمهرِ زيادةٌ بعد عقدٍ ما دامت في حباله، فيما يقرّره أو ينصِّفه. قال أحمد في الرجل يتزوّج المرأةَ على مهرٍ، فلما رآها زادَها في مهرها: فهو جائز. فإن طلّقها قبلَ الدخولِ فلها نصفُ الصداقِ الأول ونصفُ الزيادةِ. انتهى.
[هدايا الزوج]
(وهديّةُ الزوجِ ليسَتْ من المَهْرِ) نصّ عليه. (فما) أهداه الزوجُ (قبلَ العقدِ إن وعدوهُ) بأن يزوَجوه (ولم يَفُوا) بان زوجوا غيره (١) (رجع بها) أي بالهدية. قال في الإنصاف: قاله الشيخ تقيُّ الدين. واقتصر عليه في الفروع. قلت: وهذا مما لا شكّ فيه. انتهى (٢). وما قبضَهُ أخو الزوجةِ ونحوُه مئكلةً (٣)، فحكُمْهُ حكمُ المَهْرِ فيما يقرِّره وينصِّفه.
(وتردّ الهديةُ) على زوجٍ (في كل فُرْقةٍ اختياريةٍ مسقطةٍ للمهر) كفسِخٍ لفقدِ كفاءةٍ ونحوهِ قبل الدخولِ، (وتثبُتُ) الهدية (كلُّها مع) أمرٍ (مقرِّرٍ له) أي للمهر (أو لنِصْفِهِ).
ومنْ أخَذَ شيئاً بسببِ عقدٍ، كدلَّالٍ في بيعٍ ونحوِهِ، كإجارةٍ، فإنْ
стр. 670
فُسِخَ بيعٌ بإقالةٍ ونحوِها مما يقف على تراضٍ، لم يُرَدَّ، وإلا ردَّه. وقياسُهُ نكاحٌ فُسِخَ لفقدِ كفاءَةٍ أو عيبٍ، فيردُّه. قاله في المنتهى.
فصل [تفويض المهر]
(ولمن زُوِّجت) أي زوّجها أبوها مجبَرَةً، أوْ لا، بإذنها، بلا مهرٍ، أو زوّجها غيرُ الأب بإذنها (بلا مهرٍ) صحّ العقد مع عدم تسميةِ صداقٍ. ويجبُ لها مهرُ المثل، (أو) زوِّجَتْ (بمهرٍ فاسدٍ) كما لو تزوَّجَها على خمرٍ أو كلبٍ، صحَّ العقدُ، و (فُرِضَ مهرُ مثلها عند الحاكم) أي فَرَضَهُ الحاكم، بقدره. ويلزمهما فَرْضُهُ، كحكمه.
(فإن تراضَيَا) أي الزوجان (فيما بينهما، ولو على قليلٍ صحَّ ولَزِمَ) وصارَ حُكْمُهُ حكمَ المسمّى في العقدِ، قليلاً كان أو كثيراً، سواء كانا عالمينِ مهرَ المثلِ أوْ لا، لأنه إن فرضَ لها كثيراً فقد بذل لها من ماله فوق ما يلزمه، وإن فرض لها يسيراً فقد رضيتْ بدون ما يجبُ لها.
تنبيه: عبارةُ المتنِ مخالِفةٌ لما في المنتهى تقديماً وتأخيراً، فإن عبارته "فإنْ تراضَيَا ولو على قليلٍ صحّ، وإلا فرضه حاكمٌ بقدره." وعبارة الإِقناع مرتّبة كالمنتهى.
[المتعة]
(فإن حصلتْ لها فُرْقَة منصِّفة للصداقِ) من طلاقٍ أو غيره (قبلَ فرضِهِ أو تراضِيهِمَا وجبتْ لها المُتْعَةُ.) وهي [أي المتعة] ما يجبُ لحرةٍ أو سيِّدِ أمةٍ على زوجٍ بطلاقٍ قبل دخولٍ لمن لم يُسَمِّ لها مهرٌ مطلقاً. (على الموسِعِ قَدَرُهُ وعلى المقترِ قَدَرُهُ) وذلك لأن المتعةَ معتَبَرَةٌ
стр. 671
بحالِ الزوجِ في يَسَارِهِ وإعساره. نص عليه. (فأعلاها خادِمٌ) إذا كان الزوج موسراً (١) (وأدناها كسوةٌ تجزئها) أي تجزئ المرأةَ (في صلاتِها) وهي درْعٌ وخِمارٌ أوْ ثوبٌ (٢) تصلي فيه (إذا كان) الزوج (معسراً).
فصل [في المهر في غير النكاح الصحيح]
١ - (ولا مهر في النكاحِ الفاسِدِ إلا بالخلوةِ أو الوطء) فإنْ طلّقها أو ماتَ عنها قبل الدخول أو الخلوة فلا مهر لها، (فإن حَصَلَ أحدُهما) أي الدخولُ أو الخلوةُ (استقرّ) عليه (المسمى إن كان) فُرِضَ لها مسمًّى، (وإلا) بأن لم يُفرضْ لها شيء (فـ) يستقر عليه لها إن دخلَ أو خلَا بها (مهرُ المثل).
٢ - (ولا مهرَ في النكاحِ الباطلِ) كنكاحِ زائدةٍ على أربع (إلا بالوطءِ في القُبُلِ) فلا مهر بوطئها في الدبر.
٣ - (وكذا) يجب عليه مهر المثلِ إذا كانتْ (الموطوءة) موطوءة (بشبهةٍ) كمن وطئ امرأةً ليست زوجةً له، ولا مملوكةً، يظنُّها زوجتَهُ أو مملوكتَهُ. قال في الشرح والمبدع: بغير خلافٍ علمناهُ. كبدلِ متلَفٍ.
٤ - (و) كذا حكم (المُكْرَهَةِ على الزِّنا) ولو كانتْ من محارمِهِ، كأختِهِ وعمّته من نسبٍ أو رضاعٍ، كبدل متلَفٍ، أو ميتةً، ولو من مجنونٍ. قال في الإقناع: ومن طلَّق امرأتَهُ قبلَ الدخولِ طلقةً، وظنّ أنها لا تبينُ بها، فوطئها، لزمه مهرُ المِثْلِ، ونصفُ المسمّى. انتهى. وإنما وجب النصفُ أيضاً لأنه طلَّق قبل الدخول. (لا لمطاوِعَةِ) على الزِّنا،
стр. 672
لأنَّه إتلافُ للبُضْعِ برضا صاحِبِهِ، كما لو أذنتْ له في قطعِ يَدِهَا، فقطعَهَا، (ما لم تكنْ) المزنيُّ بها المطاوعةُ (أَمَةً) فإنه لا يسقطُ مهرُها بطواعيتها، لأنه لسيّدها. والمبعَّضةُ يسقطُ منهُ ما يقابِلُ حرّيتَها، والباقي لسيدها.
(ويتعدَّدُ المهرْ بتعدد الشبهَةِ،) كما لو وطئها يظنها زوجَتَهُ فاطمةَ، ثم وطئها ظاناً أنها زوجتُه عائشة، ثم وطئها ظاناً أنها زوجتهْ زينب، لزمه ثلاثةُ مهورٍ.
(و) يتعدّدُ المهر أيضاً بتعدد (الإِكراهِ) على الزنا، لا بتكرار الوطءِ في الشبهةِ الواحدةِ، كأن اشتبهت عليه بزوجته ودامت تلك الشبهة حتى وطئَ مراراً.
(وعلى من أزالَ بكارَةً أجنبيةٍ) أي غيرِ زوجتهِ (بلا وطءٍ أرشُ البكارَةِ) لا مهرُ مثلٍ، لأنه إتلاف جزءٍ، ولم يَرِدِ الشرع بتقديرِ عِوَضِهِ، فرُجِعَ فيه إلى أرشه، كسائر المتلَفاتِ.
(وإن أزالَهَا) أي البكارةَ (الزوجُ) بلا وطءٍ (١). (ثم طلَّق) من أزال عذرتَها بغير الوطءِ (قبل الدخولِ) بها (لم يكن عليهِ إلا نصفُ المسمَّى) لقوله تعالى: ﴿وِإِنْ طَلَّقْتُمُوهُن مِنْ قَبْلِ انْ تَمَسُوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ وهذه مطلَّقة قبلَ المسيسِ والخلوةِ فلا يكون لها سِوَى نصفِ المسمَّى (إن كان، وإلا) أي وإن لم يكنْ لها مسمًّى (فالمتعةُ) لها.
(ولا يصحُّ تزويجُ مَنْ نكَاحُها فاسدٌ قبلَ الفرقة) بطلاقٍ أو فسخٍ، (فإنْ أباهَا) أي الفرقةَ بالطلاقِ أو الفسخِ (الزوجُ فَسَخَه الحاكم) نصّ عليه.
стр. 673
باب (الوليمة وآدَاب الأكل) وَالشّرب وَمَا يتعَلّق بذَلِك
والوليمة: اجتماعٌ لطعام عُرسٍ خاصةً. وحِذَاقُ: الطعام عند حِذاقِ صبى (١)، وعَذِيرَةٌ وإعذارٌ: لطعام خِتَانٍ (٢)، وخُرْسَةٌ وخُرْسٌ: لطعام ولادةٍ، ووَكِيرَةٌ: لدعوة بناءٍ (٣)، ونَقِيعَةٌ: لقدومِ غائبٍ، وعَقِيقَةٌ: لذبحٍ لمولودٍ، ومَأدُبَةٌ: اسمٌ لكلِّ دعوةٍ لسببٍ وغيرِهِ، ووَضِيمَةٌ: اسم لطعام مأتمٍ، وهو العزاء، وتُحْفَةٌ: لطعام قادمٍ، وشندخية: لطعام إملاكٍ على زوجة، ومِشْداخٌ: لطعامٍ مأكولٍ في خَتْمَةِ القارئ.
وكلُّ هذه الدعواتِ مباحةٌ لا تكره ولا تستحب، والإجابة إليها مستحبةٌ، إلا (وليمةَ العرس) (٤) فإنها (سنةٌ مؤكدة) لأنه ﷺ أمَرَ بها، وفَعَلها.
وُيسَنُّ أن لا تنقص عن شاةٍ، والأولى الزيادة عليها.
стр. 674
وإن نَكَحَ أكثرَ من واحدةٍ في عقدٍ أو عقودٍ أجزأتْهُ وليمةٌ واحدةٌ إذا نواها عن الكلّ.
[حكم إجابة الدعوة]
(والإجابةُ إليها) أي الوليمةُ (في المرَّةِ الأولى واجبةٌ) لما روي عن ابن عمر ﵄، مرفوعاً "أجيبُوا هذهِ الدعوةَ إذا دعيتُمْ إليها" (١) (إن كانَ لا عذر) له فإنْ كانَ المدعوّ مريضاً، أو مُمْرِضاً (٢)، أو مشغولاً بحفظِ مالٍ، أو كانَ في شدَّةِ حرٍّ أو بردٍ أو مطرٍ يبلّ الثياب، أو وحلٍ، أو كان أجيراً خاصًّا ولم يأذن له المستأجِر، لم تجب الإجابة، (ولا منكر).
فإن علم أن في الدعوة منكراً كزمْرٍ وخمرٍ، وأمكنه الإنكار، حضَر وأنكر، وإلا لم يحضر.
ولو حضر فشاهَدَهُ أزالَه وجلَسَ، فإن لم يقدر انصرف.
وإن علم به ولم يره ولم يسمعه أبيح الجلوس.
(و) الإجابة إلى الوليمة إذا دُعيَ (في) المرة (الثانية سُنَّةٌ) كما لو دعي إليها في اليوم الثاني (وفي الثالثةِ مكروهةٌ).
(وإنما تجب) الإجابة للوليمة (إذا كان الداعي مسلماً يَحْرُمُ هَجْرُهُ) ومَنَعَ ابن الجوزيّ في المنهاج (٣) من إجابةِ ظالمٍ، وفاسقٍ، ومبتدعٍ، ومفاخِرٍ بها، أو فيها مبتدعٌ يتكلم ببدعَتِهِ، إلا لِرَادٍّ عليه.
(وكسبه طيب، فإن كانَ في مالِهِ حرامٌ كرِهَتْ إجابته. ومعامَلَتُهُ وقبولُ هديّته) وقبول هبته وصدقته. (وتَقْوى الكراهة وتضعُفُ بحسب
стр. 675
كثرةِ الحرام وقلّته) جزم به في المغني والشرح. وقاله ابن عقيلٍ في فصوله، وغيرُه، وقدّمه الأزجيّ.
(وإن دعاهُ اثنانِ فأكثر وجب عليه إجابة الكلّ إن أمكنه الجمع) بأن اتسع الوقتُ لِإجابتهما، (وإلا) بأن لم يمكن الجمع (أجاب الأسبقَ قولاً) لأن الإجابةَ وجبتْ بدعاءِ الأول، فلم يَزُلِ الوجوبُ بدعاءِ من بعده. ولم تجب إجابته لأنها غيرُ ممكنةٍ مع إجابةِ الأوّل.
فإن استَوَيَا (فالأَدْيَن) أي أجاب الأَدْيَنَ من الداعيينِ لأنه الأَكْرَمُ عند الله تعالى.
فإن استويا في الدّين (فالأقربَ رَحِماً) لما في تقديمه من صلة الرحم.
فإن استويا في القرابةِ (فـ) الأقربَ (جواراً) لقول النبي ﷺ :" إذا اجتمعَ داعيانِ أجِبْ أقَرَبَهُما باباً، فإن أقربهما باباً أقربُهُما جواراً" (١) رواه أبو داود (ثم يُقْرِع) يعني أنه إذا دعاهُ أكثرُ من واحدٍ، واستَوَوْا في هذه المعاني، أقرَعَ بينهما، أو بينهم، لأن القرعة تعيِّن المستحق عند استواءِ الحقوق.
(ولا يقصِدُ) المدعوّ (بالإِجابة نفسَ الأكل، بل ينوي) بالإِجابة (الاقتداءَ بالسنة) المطهَّرةِ، على من سنّها ألفُ ألفِ صلاةٍ وألف ألف تحية. (و) ينوي (إكرامَ أخيهِ المؤمنِ، ولئلا يُظَنَّ به التكبُّر.)
ويكره لأهل الفضلِ والعلمِ الإسراع إلى الإجابة إلى الولائِمِ غيرِ الشرعيَّة، والتساهُل فيه، لأن فيه مذلَّةً ودناءةً وَشَرَهاً، لا سيما الحاكم (٢).
стр. 676
(ويستحب) لمن دعي إذا حضر الطعامَ (أكلُه) لأنه أبلغُ في إكرام الداعي وجبرِ قلبه، وإن أحبّ دَعَا وانصرفَ، (ولو) كان (صائماً) تطوّعاً، إن كان في تركِ الأكلِ كسْرُ قلب الداعي. وإن لم يكن في ترك الأكل كسرُ قلب الداعى كان إتمامُ الصومِ أولى من الفطر، (لا) إن كان صائماً (صوماً وَاجباً) فلا يفطر، لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أعْمَالَكُمْ﴾ ولأن الفطرَ محرّم والأكلَ غيرُ واجبٍ.
(وينوي) الآكل (بأكلِهِ وشُرْبهِ التقوى على الطاعة) لتنقلب العادةُ عبادةً.
(ويحرم الأكل) من غيره (بلا إذنٍ صريحٍ أو قرينةٍ) تدلُّ على الإذن، حتى (ولو) كان أكلُه (من بيت قريبه أو صديقِه) حتّى ولو لم يحرزْهُ عنْهُ. قال في الآدابِ الكبرى (١): يباحُ الأكلُ من بيت القريب والصديقِ من مالٍ غيرِ محرَزٍ عنْهُ إذا عَلِمَ أو ظنَّ رضَا صاحِبِه بذلك (٢). (والدعاءُ إلى الوليمةِ وتقديمُ الطعام إذنٌ في الأكل) لما روى أبو هريرة ﵁، عن النبي ﷺ ، قال. "إذا دُعيَ أحدكم إلى طعام، فجاءَ مَعَ الرسولِ، فذلكَ إذنٌ" (٣) رواه الإِمام أحمد وأبو داود. وقال عبد الله بن مسعود: إذا دعيت فقد أُذِنَ لك. رواه الإِمام أحمد بإسناده.
وليس الدعاء إذناً في الدخول. وفي الغُنْية: لا يُحتاجُ بعد تقديمِ الطعامِ إلى إذن إذا جَرَتْ العادةُ في ذلك البلد بالأكل بذلك، فيكون العرفُ إذناً. انتهى.
стр. 677
ولا يملِكُ الطعامَ مَنْ قدِّم إليه، بل يهلِك على ملك صاحبه.
(ويقدّم) رب الضيافة (ما حَضَر) عنده (من الطعامِ من غير تكلّفٍ) قال في الإِقناع: ومن التّكلّف أن يقدّم جميع ما عنده.
قال الشيخ: إذا دعي إلى الأكلِ دَخَلَ بيتَهُ فأكَلَ ما يكسِرُ نَهْمتَهُ قبل ذهابِهِ انتهى.
(ولا يُشْرَعُ تقبيل الخبز) ولا الجماداتِ إلا ما استثناهُ الشرعُ كتقبيلِ الحجرِ الأسودِ.
ويكره أن يأكُلَ ما انتفخَ من الخبزِ ووَجهِهِ، وبتركَ الباقي منه، لأنه كِبْر.
(ويكره إهانته) أي الخبز لقوله ﵇: "واكْرِمُوا الخبزَ" (١).
(ويكره مسحُ يديه) والسكينِ (به) أي بالخبز.
(و) يكره (وضعه) أي الخبز (تحت القصعةِ) وتحت المِمْلَحَة، بل يوضعُ الملحُ وحده على الخبز.
فصل [في آداب الأكل]
(وبستحب غسل اليدين قبل الطعام) متقدماً به رَبُّه، (و) غسلُهما (بعدَه) متأخراً به ربُّه، ولو كان الأكلُ على وضوءٍ، وأن يتوضّأ الجنُبُ قبل الأكل.
ولا يكره غسلُ يديه في الإِناء الذي أكل فيه.
(وتسن التسميةُ جَهْراً) ندباً، لينبّه غيره عليها، فيقول: "بسم الله"
стр. 678
قال الشيخ: ولو زاد "الرحمن الرحيم" لكان حسناً، فإنه أكمل، بخلاف الذبح (على الطعامِ والشراب) لحديث عائشة ﵂ مرفوعاً "إذا أكَلَ أحدُكم فليذْكُرِ اسمَ اللهِ، فإن نَسِيَ أنْ يذكرَ اسمَ الله في أوله فليقلْ بسمِ اللهِ أولَهُ وآخرَهُ" (١) والشرب مثله.
(و) يستحبّ للآكل (إن يجلسَ على رجله اليسرى، وينصبَ اليمنى، أو يتربّع) وجعل بعضُهم التربع من الاتّكاء (٢).
(و) يسن أن (يأكل بيمينه.)
ويسن أن يأكل (بثلاثِ أصابعَ) و (مما يليه) لقول النبيّ ﷺ لعمر بن أبي سلمة: "يا غلامُ سمِّ الله، وكل مما يليك" (٣).
(و) يسن أن (يصغِّر اللقمة، ويطيلَ المضْغَ) لأنه أجودُ هضماً. قال الشيخُ: إلا أن يكون هناك ما هو أهمّ من الإطالة.
(و) يسن أن (يمسح الصَّحْفة) التي يأكل فيها، (و) أن (يأكلَ ما تناثَر) منه، أو سقط منه من اللُّقَمِ بعد إزالة ما عليه من أذًى، (و) أن (يغض طرْفَهُ عن جليسِهِ) قال الشيخ عبد القادر قدس الله سره: من الأدب أن لا يُكثِرَ النظر إلى وجوه الأكلين (ويؤْثِرَ المحتاجَ) على نفسِهِ لمدحه تعالى فاعلَ ذلكَ بقوله جل من قائل: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾.
(و) يستحب أن (يأكل مع الزوجةِ والمملوكِ والولَدِ ولو طفلاً) وأن تكثُر الأيادي على الطعام ولو من أهلِهِ وولَدهِ لتكثر البركةُ، ولعله يصادِفُ
стр. 679
صالحاً يأكُلُ معه فيُغْفَر له بسببه.
(و) يسنّ أن (يلعق أصابعه) قبل الغسلِ والمسحِ، أو يُلْعِقَها غيرَهُ.
(ويخلِّلُ أسنانَهُ) إن عَلِقَ بها شيء من الطعام، (ويُلْقي ما أخْرَجَهُ الخِلالُ. ويكره أن يبتلعَهُ. فإن قَلَعَهُ بلسانِهِ لم يكره) بَلْعُهُ.
(ويكره نفخُ الطعام) ليبرد، قال في الإنصاف: على الصحيحِ من المذهب. زاد في الرعَاية والآداب وغيرهما: والشراب. قال في المستوعِب: النفخُ في الطعام والشراب والكتاب منهيٌّ عنه. وقال الأمديّ: لا يكره النفخ والطعامُ حارٌّ. قلَتُ: وهوَ الصواب إن كانَ ثمَّ حاجةٌ إلى الأكل حينئذ. انتهى.
(و) يكره أكل الطعام حالَ (كونهِ حارًّا) قال في الإِنصاف: قلت: عند عدم الحاجة.
(و) يكره (أكله بأقلّ) من ثلاثة أصابع لأنه كِبْر، (أو أكثرَ من ثلاثةِ أصابعَ) لأنه شَرَهٌ، ما لم يكن حاجة.
ولا بأس بالأكل بالملعقة، (أو) أكله (بشمالِهِ) بلا ضرورةٍ. قال في الإِنصاف: ويكره تركُ التسمية، والأكلُ بِشمالِهِ إلا من ضرورةٍ.
(و) يكره أكلُه (من أعلى الصحفةِ أو وَسَطِها.) وكره لمن حضر مائدةً فعلُ ما يستقذرهُ منه غيرُهُ، ومدحُ طعامِهِ، وتقويمه (١).
(و) نفضُ يده في القصعة) لما فيه من الاستقذار.
(و) يكره (تقديمُ رأسه إليها) أي القصعة (عند وضعِ اللقمةِ في فَمهِ) لأنه ربما يسقطُ من فمه شيء فيها، فيستقذروها (٢).
(و) يكره لمن أكل مع غيره (كلامُه بما يُستقذَر) أو يُضْحِكُهُمْ أو
стр. 680
يَحْزنهُم قاله الشيخ عبد القادر.
(و) يكره (أكله متكئاً أو مضطجعاً) أو منبطحاً. وفي الغنية وغيرها: وعلى الطريق.
(و) يكرَهُ (أكلُه كثيراً بحيث يؤذيهِ) ويجوز بحيث لا يؤذيه. قال في الإقناع: ومع خوفِ أذًى وتخمةٍ يحرم. انتهى. وهذا القول نقله في الفروع عن الشيخ تقي الدين بعد أن نقل عنه الكراهة (أو قليلاً بحيث يضرُّه) قال أحمد في أكلِهِ قليلاً: لا يعجبني. قال في الإنصاف: ولا يقلّل من الأكل بحيث يضرُّه ذلك.
(ويأكل ويشربُ مع أبناءِ الدنيا بالأَدَب والمروءة) بوزن سهولة؛ (و) يأكل (مع الفقراءِ بالإيثار؛ و) يأكل (مع الَعُلَمَاءِ بالتعلُّم؛ و) يأكل (مع الإخوان بالانبساط،) ويتكلّفه.
ولا يكثر النظر إلى المكانِ الذي يخرج منه الطعام.
(و) يستحب أن يباسِطَ الإخوان (بالحديث الطيّب، والحكاياتِ التي تليقُ بالحال) إذا كانوا منقبضين، فيحصل لهم الانبساط، ويطولُ جلوسهم. ولا يجمَعُ بين النوى والتَّمر في طبقٍ واحدٍ، وكذا الرّمانُ وما له قشرٌ كالقَصَب. ولا يجمعه في كَفّه، بل يضعه من فيهِ على ظهرِ كفِّه (١). وكذا كلُّ ما فيه عَجَمٌ وثَفَلٌ. قال أبو بكر بن حماد. رأيت الإِمامَ أحمدَ يأكل التمرَ، ويأخذ النوى على ظهرِ أصبعيه السبابةِ والوُسْطى.
ويكره القِرَانُ في التمر ونحوه مما جرت العادة بتناوُلِهِ إفراداً.
وإذا شرب لبناً، قال: اللهمْ بارك لنا فيه، وزدنا منه، فإنه يشبع ويروي. وإذا وقع البعوضُ أو النحلُ أو الزنابيرُ أو نحوُها في طعام أو شرابٍ سُنَّ غَمْسُهُ كلَّه فيه، ثم لْيَطْرَحْهُ.
стр. 681
ويغسلُ يديه وفَمَهُ من ثومٍ وبَصَلٍ وزهومةٍ ورائحةٍ كريهةٍ. ويتأكد عند النوم.
(وما جرت به العادةُ من إطعام السائِلِ ونحوِ الهرّ ففي جوازه وجهان) قال في الإِقناع: قال في الفروع: وما جرت العادةُ به كإطعامِ سائلٍ وسِنَّورٍ ونحوه وتلقيمٍ، وتقديمِ بعضِ الضيفانِ إلى بعضٍ فيحْتَمِلُ كلامه وجهين. وجوازُه أظهر، لحديثِ أنسٍ في الدّبّاء (١).
فصل [في أذكار الفراغ من الطعام]
(ويسن أن يحمد الله تعالى إذا فرغ) الآكلُ أو الشاربُ من أكلِهِ أو شربِهِ. (ويقول: الحمدُ للهِ الذي أطعمني هذا الطعامَ وَرَزَقنيهِ من غير حولٍ مني ولا قوة) لما روي عن معاذ بن أنسِ الجهني، عن رسول الله ﷺ , قال: "من أكلَ طعاماً فقال: الحمد لله الذي أطعمني هذا الطعامَ وزرقنيهِ من غيرِ حولٍ مني ولا قوةٍ، غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه" رواه ابن ماجه (٢).
(ويدعو) الضيفُ (لصاحِب الطعامِ، ويُفْضِلُ) الضيفُ (منه) أي من الطعام (شيئاً) استحباباً، (لا سيما إن كان ممن يُتَبَرَّكُ بفضْلَتِهِ) (٣) أو
стр. 682
كانَ ثمَّ حاجة إلى إبقاء شيءٍ منه.
وفي شرح مسلم: يستحب لصاحب الطعامِ الأكلُ بعد فراغِ الضيفِ.
[إعلان النكاح واللهو فيه]
(ويسن إعلانُ النكاح، والضربُ فيه) أي النكاح (بدفٍّ لا حلق فيه ولا صنوج، للنساء) قال أحمد: يستحبُّ ضربُ الدفِّ والصوت في الإملاك. فقيل له: ما الصوتُ؟ قال: يتكلم ويتحدّثُ ويُظْهر.
(ويكره) الضرب بالدفّ (للرجالِ) مطلقاً قاله في الرعاية. وقال الموفق: ضرب الدف مخصوصٌ بالنساء. قال في الفروع: وظاهر نصوصِهِ وكلامِ الأصحاب التسوية.
(ولا بأس بالغَزَلِ في العُرْسِ) لقوله ﷺ للأنصار:
أتيناكُمْ أتيناكمْ ..... فَحَيُّونَا نحيِّيكمْ
لَوْلا الذَّهَبُ الأحمر ..... لما حلَّتْ بِوَادِيكُمْ
ولولا الحبّة السوداء .... ما سُرَّتْ عذارِيكم (١)
لا على ما يصنعه الناس اليوم.
(وضربُ الدفِّ في الختانِ، وقدوم الغائب) والولادةِ ونحوهم (٢) (كالعرسِ) لما فيه من السُّرور.
تتمة: تحرُم كل المَلْهيَاتِ (٣) سوى الدفّ، كمزمارٍ، وطنبورٍ،
стр. 683
وربابٍ، وجنك (١)، ونايٍ (٢)، ومعزفة، وجفانة (٣)، وعودٍ، وزمّارة الراعي، ونحوها، سواء استُعمِلت لحزنٍ، أو سرور. ويأتي لهذا تتمّة في كتاب الشهاداتِ إن شاء الله تعالى.
стр. 684
باب عِشرَة النِّسَاء
والعشرة بكسر العين أصلها الاجتماع، وهي ما يكون بين الزوجين من الأُلفة والانضمام (١).
إذا عرفتَ ذلك فإنه (يلزَمُ كلاًّ من الزوجين معاشرةُ الآخرِ بالمعروفِ من الصُّحْبَةِ الجميلةِ، وكفِّ الأذى، وأنْ لا يمطُلَهُ بحقِّه) مع قدرتِه، ولا يُظهِر الكَراهةَ لبذله (٢)، بل ببشرٍ وطلاقةِ وجهٍ، ولا يُتبِعَهُ أذًى ولا مِنَّةً، لأن هذا المعروفُ المأمورُ به.
(وحقُّ الزوج عليها) أي على الزوجةِ (أعظمُ من حقِّها عليهِ) لقوله تعالى: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ درَجَةٌ﴾
ويسنّ لكلِّ واحد منهما تحسينُ الخلْقِ لصاحِبِهِ، والرفقُ به، واحتمالُ أذاه. قال ابن الجوزيّ: معاشَرَةُ المرأةِ بالتلطُّف معَ إقامَةِ هَيْبَتِهِ لئلا تَسْقُطَ حُرْمَتُهُ عندها.
(وليكُنْ) الزوجُ (غَيوراً من غير افراطٍ) لئلا تُرْمى بالشرّ من أجله.
وينبغي إمساكُها مع الكراهةِ لها.
(وإذا تمَّ العقد وَجَب على المرأةِ أن تسلّم نفسَها لبيتِ زوجِها إذا
стр. 685
طَلَبها) لأنَّه بالعقدِ يَسْتَحِقُّ الزوجُ تسليمَ المعوّض، كما تستَحِقُّ المرأة تسليم العِوَضِ. وقولُهُ: (وهيَ حرّةٌ) لأنَّ الأَمَةَ لا يجبُ تسليمُها إلا ليلاً. وقوله (يُمكِنُ الاستمتاعُ بها) لأنها إذ لم يمكن الاستمتاعُ بها لم يجب على أهلِهَا تسليمُها إليه، ونصَّه (كبنتِ تسعٍ) فأكثر، ولو كانت نِضْوَةَ الخلقة، ويستمتع بمن يخشى عليها كحائضٍ (١). وقوله: (إن لم تشترط دارَها) أو بلدَها، لأنها إذا اشترطتْ دارَها أو بلدَها لم يكن للزوج طلبُها إلى بيتِهِ أو بلدِهِ (فلا يجبُ (٢) عليها) أي الزوجة، ولا على وليِّها قبل الدخولِ (التسليمُ إن طَلَبها وهي محرِمَةٌ) بحجّ أو عمرةٍ (أو مريضةٌ) لا يمكن الاستمتاع بها (أو صغيرةٌ أو حائِضٌ، ولو قال: لا أطأ) لأن كلاًّ من ذلك مانعٌ يرجى زوالُه، ويمتنع الاستمتاعُ بها معه، أشبه ما لو طلب أن يتسلّمها في نهارِ رَمضان، بخلافِ ما إذا بذلَتْ نفسها وهي كذلك، فإنه يلزمه تَسَلُّم غير الصغيرة. قاله في شرح المنتهى.
تنبيه: من استمهل منهما لزم إمهاله زمناً جرتْ عادة بإصلاح أمرِهِ فيه، لا لعمل جهازٍ مثلاً (٣).
فصل
(وللزوجِ أنْ يستمتِعَ بزوجتِهِ في كلّ وقتٍ على أي صفةٍ كانتْ) إذا كان الاستمتاع في القُبُل ولو من جهة عجيزتها (ما لم يضرَّها أو يشغَلَها عن الفرائضِ) فليس له الاستمتاعُ بها إذاً، لأن ذلك ليس من المعاشَرَةِ
стр. 686
بالمعروف. وحيث لم يشغلْها عن ذلك ولم يضرها فله الاستمتاع، ولو كانتْ على التنورِ أو على ظهْرِ قَتَبٍ.
(ولا يجوزُ لها) أي للمرأة (أن تتطوَّعَ بصلاةٍ أو صومٍ وهو حاضِرٌ إلا بإذنِهِ) ولا تأذنَ في دخول بيتِهِ إلا بإذنِهِ (وله الاستمتاع (١) بيدها) فإن زاد عليها في الجماع صولح على شيء منه.
فائدة: لا يكره الجماعُ في يومِ من الأيام، ولا في ليلةٍ من الليالي، وكذا السفر، والتفصيل، والخياطَة، والغزْل، والصناعاتُ كلها، حيث لا تؤدّي إلى إخراجِ فرضٍ عن وقته.
(و) له (السفر بلا إذنها).
(ويحرم وطؤها في الدُّبُر ونحوِ الحيضِ).
فإن فَعَل عُزِّرَ إن عَلِمَ تحريمَه.
وإن تطاوعا عليه، أو أكرَهَهَا، ونُهِيَ عنْهُ فلم ينتَهِ، فُرِّق بينهما. قال الشيخُ: كما يفرّق بين الرجلِ الفاجِرِ ومن يفجُر به. انتهى.
(و) يحرم (عزلُه) أي الزوج (عنها بلا إذنها) إن كانت حرّةً. ويحرم عزلُه عن زوجتِهِ الأمةِ بلا إذن سيّدها.
(ويكرَه أن يقبِّلها) أي زوجتَه أو سرّيته، (أو يباشِرَها عند الناس) لأنه دناءَةٌ.
ويكره وطؤه لزوجته (٢) أو سرّيّته بحيث يراهُ طفلٍ لا يعقل، أو بحيثُ يسمَع حِسَّهما، ولو رضيا، إن كانا مستوري العورة، وإلاَّ حَرُمَ مع رُؤيَتِهِما.
(أو يُكْثِرَ الكلامَ حالَ الجماعِ) لأنه يكره الكلامُ حال البولِ، وحالُ
стр. 687
الجماعِ في معناه، (أو يحدثا بما جرى بينهما) ولو لِضَرَّتِها. وحرّمه في الغُنْيَة، لأنه من السرّ، وإفشاءُ السرِّ حرام.
(ويسنّ أن يلاعبها قبل الجماعِ) لتنهضَ شهوتُها فتنالَ من لذةِ الجماع مثلَ ما ينالُه.
(و) يسن (أن يغطّي رأسَهُ) عند الجماعِ وعندَ الخلاءِ، (وأنْ لا يستقبِل القبلةَ) عند الجماعِ لأن عمرَو بن حزم وعطاءً كرها ذلك. قاله في الشرح.
(و) يسن لمن أرادَ وطأً (أن يقول عند الوطء: بسم الله. اللهمَّ جنِّبنا الشيطانَ، وجنِّب الشيطانَ ما رَزَقْتَنَا) لقوله تعالى: ﴿وقدّموا لأنفُسِكم﴾. قال عطاء: هي التسميةُ عند الجماعِ. قال ابن نصر الله: وتقول المرأة أيضاً [و] روى ابن أبي شيبةَ في مصنّفه عن ابن مسعود موقوفاً "إذا أنزلَ يقولُ اللهمَّ لا تجعلْ للشيطانِ فيما رزقتْنَا نصيباً" قال في الإِنصاف: فيستحب أن يقول ذلك عند إنزاله.
(و) يستحب (أن تتخذ المرأةُ خرقةً تناولها للزوجِ بعدَ فراغِهِ من الجماعِ) ليتمسَّح بها. وهو مرويّ عن عائشة ﵂. قال الحلواني: يكره أن يمسح ذكره بالخرقة التي تمسح بها فرجها.
وقال ابن القطان: لا يكره نخْرها للجماعِ وحالَ الجماعِ ولا نخرُه. وقال مالك لا بأس بالنخر عن الجماع، وأَراهُ سفهاً في غير ذلك يُعابُ على فاعِلِهِ.
فصل
(وليس عليها) أي الزوجة (خدمةُ زوجِها في عجنٍ وخبزٍ وطبخٍ ونحوه) ككنس الدار، ومَلءِ الماء من البئرِ، وطحنِ الحبِّ (لكن الأولى
стр. 688
فعلُ ما جرتْ به العادة) بقيامِها به، وأوجب الشيخ العرفَ من مثلِها لمثله.
وأما خدمةُ نفسِها في العجنِ والخبزِ والطبخِ ونحوِه فهي عليها إلا أن يكون مثلُها لا يخدِم نفسَها.
(وله) أي الزوج (أن يُلزِمَها) أي الزوجةَ (بغسلِ نجاسةٍ عليها) لا عليهِ (وبالغسلِ من الحيضِ والنفاسِ والجنابةِ) واجتناب المحرّماتِ. قال في الإِنصاف: فله إجبارها على ذلك إذا كانت مسلمةً، روايةً واحدةً وعليه الأصحابُ.
(و) له إلزامها أيضاً (بأخذ ما يُعافُ من شَعَرٍ وظُفرٍ) قال في شرح المقنع: وله إجبارُها على إزالةِ شعرِ العانةِ إذا خرج عن العادةِ، روايةً واحدة، ذكره القاضي، وكذلك الأظفارُ. فإن طالا قليلاً بحيثُ تعافه النفس ففيه وجهان.
وهل له منعُها من أكلِ ما له رائحةٌ كريهةٌ، كبصلٍ وثومٍ وكرّاث؟ على وجهين. قال في الإنصاف: أحدهما تُمنَع. جزَمَ به المنوّر، وصحّحه في النظم وتصحيح المحرَّر، وقدمه ابن رزين في شرحه. والوجه الثاني: لا تمنع من ذلك.
(ويحرم عليها) أي الزوجة (الخروجُ بلا إذنه) أي الزوج، لأن حقّ الزوجِ واجبٌ، فلا يجوزُ تركُهُ بما ليس بواجبٍ، (ولو لموتِ أبيها).
فإن مَرِضَ بعضُ محارِمِها، أو ماتَ، لا غيرُه من أقارِبِها، استُحِبَّ له أن يأذنَ لها في الخروجِ إلى تمريضِهِ، أو عيادَتِهِ، أو شهودِ جنازَتِهِ، لما في ذلك من صلة الرحم. وفي منعها من ذلك قطيعة رحم. وربما حَمَلَها عدم إذنه على مخالفته.
ولا يُستحب له أن يأَذَنَ لها في الخروجِ لزيارةِ أبويها مع عدم
стр. 689
المرض (١). (لكن لها) أي الزوجة (أن تخرج لقضاء حوائجها) التي لا بد لها من (حيث لم يقم بها) للضرورة فلا تسقط نفقتها به.
(ولا يملك) الزوج (منعَها من كلام أبوْيها، ولا) يملك (منعهما من زيارتها) لأنه لا طاعةَ للمخلُوقِ في معصيةِ الخالِقِ (٢) (ما لم يخف منهما الضرر) بسبب زيارتهما، فله منعهما إذاً من زيارتها دفعاً للضرر.
(ولا يلزمُها طاعةُ أبوْيها) في فراقِهِ ولا في زيارةٍ ونحوهما (بل طاعةُ زوجِها أحقُّ) لوجوِبها عليْها.
فصل
(ويلزمه) أي الزوجَ (أن يبيتَ) في المضجَعِ (عند الحرّة بطلبها) لأن الحق لها فلا يجب بدون الطلب (ليلةً من) كل (أربع) من الليالي.
(و) يلزمه أن يبيت في المضجَع عند (الأمةِ ليلةً من سبعِ) ليالٍ، لأن أكثر ما يمكن أن يجتمع معها ثلاثُ حرائرَ، لهنّ ستٌّ، ولها السابعة.
(و) يلزمه (أن يطأها في كل ثُلُثِ سنةٍ مرَّةً إن قدر) أي في كل أربعةِ أشهر مرة، إن لم يكن عذر، لأنه لو لم يكن واجباً لم يَصِرْ باليمين على تركِهِ واجباً، كسائر ما لا يجب (٣)، ولأن النكاحَ شُرِعَ لمصلحةِ الزوجينِ ودَفَع الضَّرَرَ عنهما.
(فإن أبى) الوطءَ بعد انقضاءِ الأربعة أشهر، أو البيتوتةَ في اليومِ
стр. 690
المقرّر، حتى مضت الأربعة أشهر، بلا عذرٍ لأحدهما (فَرَّق الحاكِمُ بينهما إن طلبتْ) ذلك، ولو قبل الدخول. نص عليه في رجلٍ تزوّجَ امرأةً، ولم يدخلْ بها، يقول: غداً أدخل بها، غداً أدخل بها إلى شهرٍ، هل يجبر على الدخولِ؛ قال: أذْهَبُ إلى أربعة أشهر: إن دخل بها وإلا فُرِّقَ بينَهُما. قاله في الإِقناع: (وإن سافَر) زوج امرأةٍ (فوقَ نصفِ سنةٍ في غير أمرٍ واجبٍ) كحجٍّ أو غزوٍ واجبين، (أو) في غير (طلب رزقٍ يحتاج إليه، وطلبتْ) زوجتُه (قدومَهُ لزمه) القدومُ. فإن أبى بلا عذرٍ فُرِّقَ بينهما بطلبها.
[القَسْمُ بين الزوجات]
(ويجب عليه) أي على الزوجِ إن كان غير طفلٍ (التسويةُ بين زوجاتِه) إن كن ثنتيْنِ فأكثر (في المبيتِ).
(ويكون ليلةً وليلةً) لأنه إن قسم ليلتين وليلتين، أو أكثر من ذلك، كان في ذلك تأخير في حقِّ من لها الليلةُ الثانية، لا التي قبلها (١) (إلا أن يرضين بأكثر) من ليلةٍ وليلةٍ، لأن الحقّ لهن لا يعدوهُنّ.
وعمادُ القَسْمِ الليل (٢). ويخرجُ في نهاره لمعاشِهِ، وقضاءِ حقوقِ الناسِ، وما جرت العادةُ به، ولصلاة العشاءِ والفجرِ، ولو قبل طلوعه، كصلاةِ النهارِ، قال في شرح الإِقناع: قلتُ لكن لا يعتاد الخروجَ قبل الأوقات إذا كان عند واحدةٍ دون الأخرى، لأنه غيرُ عدلٍ، منه. أما لو اتفق ذلك بعض الأحيان، أو لعارضٍ، فلا بأس.
стр. 691
(ويحرم دخولُه) أي الزوج (في نوبةِ واحدةٍ) من نسائِهِ (إلى غيرها، إلا لضرورةٍ) مثل أن تكون منزولاً بها فيريدُ أن يحضُرَهَا، أو توصِي إليه، أو نحو ذلك.
(و) يحرم أن يدخل إليها (في نهارِها) أي نهار ليلةِ غيرِها (إلا لحاجةٍ) أو سؤالٍ عن أمرٍ يحتاج إلى معرفته. فإن لم يلبث لم يقضِ.
(وإن لبث، أو جامع، لزمه القضاء) أي قضاءُ لبثٍ وجماعٍ، لا قضاءُ قبلةٍ ونحوها.
(وإن طلق واحدةً) من معه أكثرُ (وقتَ نوبَتِها) مثل أن تكون هي الثانيةَ في القسم فطلّقها في آخر نوبةِ الأولى فقد (أثِمَ) لأنه تسبَّب بالطلاق إلى إبطالِ حقّها من القَسْم، لأن الأولى لما استوفت النوبة، وجب للثانية مثلُ ذلك، فإذا طلّقها فقد أبطل بذلك حقّها من القسم، فلا يجوز كإبطال سائر حقوقها.
(ويقضيها) لها (متى نَكَحَها) وجوباً، لأنه قدر على إيفاء حقها، فلزمه، كالمعسر إذا أيسر بالدين.
(ولا يجب عليه) أي الزوج (أن يُسَوِّيَ بينهن في الوطء ودواعيه) لأن ذلك طريقُهُ الشهوةُ والميلُ. ولا سبيل إلى التسوية بينهن في ذلك.
(ولا) يجب عليه أيضاً التسويةُ بينهن (في النفقةِ) والشَّهوةِ (والكسوة، حيث قام بالواجب) عليه من نفقة وكسوة، (وإن أمكنه ذلك) وفَعلَه (كان حسناً) وأولى، لأنه أبلغ في العدل بينهن. روي أن النبي ﷺ "كان يسوي بين زوجاتِهِ في القُبْلة ويقول: اللهمَّ هذا قَسْمي فيما أملك فلا تلمني فيما لا أملك" (١).
стр. 692
فصل
(وإن تزوج بكراً) ولو أمةً، ومعه غيرها ولو حرائر (أقامَ عندها سبعاً) ثم دار. (و) إن تزوّج (ثيّباً) ولو أمةً أقام عندها (ثلاثاً) لأنه يُراد للأُنْسِ وإزالة الاحتشام والحياء (١)، والأمة والحرة سواءٌ في الاحتياجِ إلى ذلك، فاستوتا فيه، كالنفقة.
ولا يحتسب عليهما بما أقام عندهما.
(ثم يعود إلى القسم بينهن) كما كان قبل أن يتزوّج الجديدة (٢). ودخلت الجديدة بينهن فصارت آخِرَهُنَّ نوبةً.
[حق الزوج في التأديب]
(وله) أي للزوج (تأديبُهنَّ) أي تأديبُ زوجاته (على ترك الفرائض) كالصوم والصلاةِ الواجبين، لا تعزيرُها في حادثٍ متعلّقٍ بحقّ الله تعالى، كإتيان المرأة المرأة (٣).
[العمل عند نشوز المرأة]
(ومن عصتْهُ) زوجته، بأن خرجتْ من بيته بغير إذنه، أو امتنعت من إجابته إلى الفراش، ونحو ذلك (وعظَها) بأن يخوّفها الله ، ويذكرَ لها ما أوجب الله عليها من الحقّ والطاعة، وما يلحقُها من الإثم بالمخالفة والمعصية، وما يسقُط بذلك من النفقة والكُسوة، وما يباحُ له من هجرها وضرْبها، (فإن أصرّت) على النشوز بعد وعظها
стр. 693
(هَجَرَها في المضْجَعِ) أي تَرَكَ مضاجعتها (ما شاءَ) من الزمانِ ما دامت كذلك، (و) هجَرَها (في الكلام ثلاثةَ أيامِ فقط) لقوله ﷺ :"لا يَحِلُّ لمسْلِمٍ أن يَهْجُرَ أخاهُ فوق ثلاثة أيام" (١) (فإن أصرَّت) مع هجرها في المضجعِ، وهجرِها في الكلام، على ما هي عليه من النشوز، (ضَرَبَها ضرباً غير شديدٍ، بعشرةِ) أي عشرةَ (أسواطٍ، لا فوقَها).
(وُيمنع) الزوج (من ذلك) أي من هذه الأشياء المذكورةِ (إن كان مانعاً لحقّها) لأنه يكون ظالماً بطلبه حقّه، مع منعِهِ حقّها.
وينبغي للمرأة أنْ لا تُغْضِبَ زوجَها.
стр. 694
كتَاب الخلع
وهو فراقُ امرأتِهِ بعوضٍ. يأخذه الزوجُ، بألفاظٍ مخصوصَةٍ.
وإذا كرهت المرأةُ زوجَها لخَلْقِهِ، أو خُلُقِهِ، أو لنقصِ دينِهِ، أو لكِبَرِهِ، أو ضَعْفِه، ونحو ذلك، وخافتْ إثماً بتركِ حقّه، فيباح لها أن تُخَالِعَهُ على عوضٍ تفتدي به نفسَها منه.
وتُسَنّ إجابتُها، إلا أن يكون له إليها مَيْلٌ ومحبة، فيُستحب صبرها وعدم افتدائها.
وإن خالعتْهُ مع استقامةِ الحالِ كُرِهَ ووَقَعَ الخلع.
(وشروطه) أي الخلع (سبعة):
(الأول: أن يقع من زوجٍ يصحُّ طلاقُهُ) وأن يتوكّل فيه، مسلماً كان أو ذمّيًّا بالغاً أو مميّزاً يعقله، رشيداً أو سفيهاً (١) حرًّا أو عبداً.
(الثاني) من شروط الخلع: (أن يكون على عوضٍ ولو) كان العوض (مجهولاً) كعلى ما بيدها، أو بيتها، من دراهمَ أو متاعٍ. فإن لم يكن فله ثلاثة دراهم أو ما يسمى متاعاً، كالوصية، وأن يكون العوضُ (ممن يصحُّ تبرّعه) لأنه بذلُ مالٍ في مقابلة ما ليس بمالٍ ولا منفعةٍ،
стр. 695
فصار كالتبرّع بهذا الوجه. وإذا أشبهَ التبرُّع اعتُبِر فيمن يبذُلُه ما يعتبر في المتبرِّع من البلوغِ، والعقلِ، وعدم الحجْر.
ولا فرق في ذلك بين كونِ بَذْلَ العوضِ (من أجنبى أو) من (زوجةٍ).
(لكن لو عضَلها) بأن ضرّها بالضرب والتضييق عليها، أو مَنَعها حقوقَها من القسمِ والنفقة ونحو ذلك، (ظلماً لتختلع) منه (لم يصحَّ) الخُلْعُ، والعِوَض مردودٌ، والزوجيّةُ بحالِها.
وإن أدّبَها لنشوزِها، أو تركِهَا فرضاً، فخالعته لذلك، صحّ الخلع ولم يحرم.
(الثالث) من شروط الخلع: (أن يقع منجَّزاً) فلا يصحُّ تعليقُ الخلع على شرطٍ، كإن بذلتِ لي كذا فقد خلعتك.
(الرابع) من شروط الخلع: (أن يقعَ الخلعُ على جميعِ الزوجة) بأن يقول خلعْتُكِ، أو خلعتُ زوجتي.
(الخامس) من شروط الخلع: (أن لا يقع حيلةً لإسقاطِ يمين الطَّلاقِ) قال في المنتهى وشرحه ويحرم الخلع حيلةً لإِسقاطِ يمين طلاقٍ، ولا يصحّ، يعني: ولا يقعُ. والحيل خِدَاعٌ لا تُحِلّ ما حرَّم اللهُ تعالى. قال المنقح في التنقيح: وغالبُ الناسِ واقعٌ في ذلك. وفي "واضح" ابن عقيل: يستحب إعلام المستفتي بمذهب غيرِهِ إن كانَ أهلاً للرُّخْصة، كطالب التخلّص من الربا، فيرده إلىَ من يرى التحلل (١)
стр. 696
للخلاص منه، والخلع بعد وقوع الطلاق، أي تعليقِهِ. انتهى.
(السادس) من شروط الخلع: (أن لا يقع بلفظ الطّلاق) ويقع بلفظ طلاقٍ، أو بنيّتِهِ، رجعياً إن كان دون الثلاث (١) (بل بصيغتِهِ الموضوعةِ له) من المتخالعين، فلا يحصُلُ الخلْعُ بمجرّد بذل المال وقبولهِ من غير لفظٍ من الزوج.
(السابع: أن لا ينوي به) أي بالخلع (الطلاق).
[صفة الخلع]
(فمتى توافرت) هذه (الشروط) المذكورة (كان) الخلعُ (فسخاً بائناً لا ينقص به عدد الطلاق) ولو لم ينو خلعاً.
روى كونه فسخاً لا ينقصُ عدد الطلاق عن ابن عباس وطاوس وعكرمة وإسحق وأبي ثور، وهو أحد قولي الشافعي (٢).
(وصيغته الصريحة لا تحتاج إلى نية. وهي) أي صيغتُه الصريحة: (خلعتُ وفسختُ وفاديتُ).
(والكناية) أي كناية الخلع (بارَيْتُك وأبرأتُكِ وأبنْتُكِ) لأن الخُلْعَ أحد نوعي الفرقةِ، فكان له صريح وكناية، كالطلاق، (فمع سؤال الخلعِ وبذلِ العوضِ يصحُّ) إن أجاب بصريح الخلع أو كنايته (بلا نيّةٍ) لأن دلالة الحال من سؤال الخلعِ وبذل العوضِ صارِفةٌ إليه، فأغنى عن النية فيه.
стр. 697
(وإلاَّ) أي وإن لم تكن دلالة حال (فلا بد منها) أي من النية لمن أتى بكناية.
(ويصحُّ) الخلعُ (بكل لغةٍ من أهلها) أي أهل تلك اللغة.
وقال في الرعاية: يصحّ ترجمةُ الخلعِ بكل لغةٍ من أهلِها. انتهى. (كالطلاق) فإنه يصح بكل لغةٍ من أهلها.
стр. 698
كتَاب الطّلاق
وأصله في اللغة التَّخْلِيْةُ. قال ابن الأنباري: من قول العرب: أطلقتُ الناقةَ، فَطَلُقت، إذا كانت مشدودةً فأزَلْتَ الشدَّ عنها وخلَّيتهَا. فشُبِّه ما يقعُ بالمرأة بذلك، لأنها كانت متّصلة الأسباب بالزوج.
وهو حلُّ قَيْدِ النكاحِ أو بعضِهِ (١).
[حكم الطلاق]
١ - يُباحُ الطلاقُ (لسوءِ عِشْرةِ الزوجةِ) كسوءِ خُلُقِها.
٢ - (ويسن) الطلاق (إن تركتْ) الزوجةُ (الصلاةَ ونحوَها) لتفريطِها في حقوقِ الله تعالى الواجبةِ عليها، ولا يمكِنُهُ إجبارُها عليها. وهي كهو، فيُسَنُّ لها أن تخالع نفسها منه إن ترَكَ حقًّا للهِ تعالى ولا يمكنها إجبارُهُ عليهِ.
٣ - (ويكره) إيقاع الطلاق (من عيرِ حاجةٍ) لأنه مزيلٌ للنكاحِ المشتملِ على المصالحِ المندوبِ إليها، فيكون مكروهاً.
٤ - (ويحرُمُ) إيقاع الطلاق (في الحيضِ ونحوِه) كطهرٍ أصابَها فيه. وسُمِّيَ هذا الطلاقُ طلاقَ البِدْعَةِ. قال في شرح المقنع: وقد أجْمَعَ
стр. 699
العلماء في جميع الأمصار على تحريمِهِ.
٥ - (ويجب) الطلاقُ (على المولي بعد التربّص) إذا أبى الفيئَةَ. (قيل: و) يجب الطلاقُ (على من علم بفجورِ زوجتِهِ) قال الشيخ: إن كانتْ تزني لم يكن له أن يُمسكَها على تلك الحالةِ، بل يفارقها، وإلا كانَ ديّوثاً. انتهى.
وقد تبيّن بما ذُكِرَ انقسامُ الطَّلاقِ إلى أحكامِ التكليف الخمسة.
[طلاق ناقص الأهلية أو فاقدها]
١ - (ويقع طلاق) الزوج (المميِّز إن عَقَلَ الطلاق) وكان مختاراً.
٢ - (و) يقع (طلاق السكرانِ بمائِعٍ) إن كان مختاراً عالماً به (١)، ولو خَلَط في كلامِهِ وقراءتهِ وسقَطَ تمييزُه بين الأعيان، فلا يعرفُ الطولَ من العرْض، ولا السماءَ من الأرضِ، ولا متاعَهُ من متاعِ غيرِهِ، ولا الذَّكَرَ من الأنثى.
ويؤاخَذُ بأقوالِهِ وأفعالِهِ. وكلِّ فعلٍ يعتبر له العقلُ من قتلٍ وقذفٍ وزناً وسرقةٍ وظهارٍ وإيلاءٍ وبيع وشراءٍ وردّةٍ وإسلامٍ ووقف وعاريةٍ وقبضِ أمانةٍ.
قال جماعة من الأصحاب لا تصح عبادة السكران أربعينَ يوماً حتى يتوب (٢).
وقاله الشيخ.
والحشيشَة الخبيثةُ كالبنج (٣). والشيخُ يرى أنّ حكمَهُمَا حكمُ
стр. 700
الشَّرابِ المسْكِرِ حتّى في إيجابِ الحدّ.
تنبيه: الغضبانُ مكلفٌ، في حالِ غضبهِ، بما يصدر منه من كفرٍ، وقتلِ نفسٍ، وأخذِ مالٍ بغير حقّ، وطلاقٍ، وغير ذلك. قال ابن رجب في شرح الأربعين النووية: ما يقعُ من الغضبانِ من طلاقٍ وعتاقٍ أو يمينٍ فإنه يؤاخذ بذلك كلِّه بغير خلافٍ. واستَدَلَّ لذلكَ بأدلةٍ صحيحةٍ. وأنكر على من يقول بخلاف ذلك (١).
٣ - (ولا يقع) الطلاق (ممن نامَ أو زالَ عقله بجنونٍ أو إغماءٍ) أو برسامٍ أو نَشَافٍ، ولو بضربه نَفْسَهُ. ويقع ممن أفاقَ من جنونٍ أو إغماءٍ فَذَكَرَ أنه طلَّق. قاله في المنتهى.
٤ - (ولا) يقع الطلاق (ممنْ أكرَهَهُ قادرٌ ظلماً بعقوبةٍ) مؤلمةٍ كالضرب، والخنقِ، وعصر الساق، والحبسِ، والغطّ في الماء، مع الوعيدَ فطلّق تبعاً لقول مكرهِهِ، لم يقع.
وفعلُ ذلكَ بولدِهِ إكراهٌ لوالدِهِ، بخلافِ باقي أقارِبِهِ.
(أو تهديدٍ له أو لولدِهِ) من قادرٍ على إيقاع ما هدَّد بِهِ بما يضرّه ضرراً كثيراً، كقتلٍ، وقطعِ طرفٍ، وضرب شديدٍ، وحبسٍ وقيد طويلين، وأخذِ مال كثيرٍ، وإخراجٍ من ديارٍ ونحوِهِ، أو بتعذيبِ ولدهِ بسلطان، أو تغلُّب كلصٍّ ونحوه، ويغلِبُ على ظنِّه وقوعُ ما هدَّده به، وعجزُه عن دفعه، وعن الهرب والاختفاء، فهو إكراه.
стр. 701
فصل [في جعل الطلاق إلى الغير]
(ومن صحّ طلاقُهُ صحّ أن يوكّل غيرَه فيهِ، وأن يتوكّل عن غيره) لأن من صحّ تصرفه في شيء مما تجوزُ الوكالةُ فيهِ بنفسِهِ صحّ توكيلُه وتوكُّلُهُ فيه، ولأنّ الطلاَقَ إزالةُ ملكٍ فصح التوكُّلُ والتوكيلُ فيه، كالعتقِ.
(وللوكيلِ أن يطلّق متى شاءَ) لأن لفظ التوكيلِ يقتضي ذلك، لكونه توكيلاً مطلقاً، أشبه التوكيلَ في البيع، (ما لم يَحُدَّ) الموكِّلُ (له) أي للوكيل (حدًّا) كأن يقول: طلِّقها اليوم، أو نحوه، فلا يملك في غيره، لأنه إنما ثبتت له الوكالة على حسب ما يقتضيه لفظ الموكِّل.
(ويملك) الوكيلُ (طلقةً) واحدةً فقط (ما لم يجعلْ له أكثر.) وليس للوكيلِ أن يطلِّق زمنَ بدعةٍ. قال في الإِنصاف: ليس للوكيل المطلِّق الطلاقُ وقت بدعةٍ، فإن فعلَ حَرُمَ ولم يقعْ. صحّحه الناظم.
(وإن قال لها) أي قال زوج لزوجته: (طلِّقي نفسِك، كان لها ذلك متى شاءت) كوكيلٍ أجنبيّ، ولا تملك به أكثر من واحدةٍ إلا أن يجعله لها.
(وتملكُ) الزوجةُ (الثلاثَ) أي أن تطلق نفسها ثلاثاً (إن قال) لها زوجها: (طلاقُكِ) بيدكِ، (أو: أمرُك بيدكِ، أو) قال لها: (وكّلتك في طلاقِكِ) أي في طلاق نفسكِ (ويبطل التوكيل) في الطلاق (بالرجوع) أي رجوعِ الموكّل عن الوكالةِ، (وبالوطء) للزوجةِ التي وَكَّلَ في طلاقِها، فتنفسخ الوكالة، لدلالة الحال على ذلك.
стр. 702
باب سُنّة الطّلاق
أي يعرف منه حكم سُنة الطلاق (و) حكم (بدعته).
(ومعنى سنّة الطلاقِ ما أتى به المطلق من الطلاقِ على الوجه المشروعِ. ومعنى بدعته ما أتى به على الوجه المحرّم المنهى عنه.
ثم (السنة لمن أراد طلاق زوجتِهِ أن يطلقها) طلقةً (واحدةً)، لأن جمعَ الطلاقِ بدعةٌ (في طهرٍ لم يطأها فيه) أي في ذلك الطهر، ثم يدعَهَا حتى تنقضي عدّتُها إلا في طهرٍ متعقِّبٍ لرجعةٍ من طلاقٍ في حيضٍ فبدعةٌ.
(فإن طلّقها ثلاثاً، ولو بكلماتٍ) في طهرٍ لم يصبها فيه، أو طلَّقها ثلاثاً في أطهار قبل رجعة (فحرام) نصًّا، لا اثنتين.
(و) إن طلق زوجٌ زوجةً مدخولاً بها (في الحيضِ أو في طهرٍ وطئَ فيه) ولم يستبنْ حملُها، أو علَّقه على أكلِها ونحوِه مما يعلم وقوعه حالتهما، (ولو بواحدة، فبِدْعيّ) أي فذلك طلاق بدعة (حرام).
(ويقع) الطلاق (١).
стр. 703
(ولا سنة ولا بدعة) لا في زمن ولا في عَدَدٍ (لمن لم يدخل بها، ولا لـ) زوجةٍ (صغيرةٍ وآيسةٍ وحاملٍ) بيِّنٍ حملُها. بهذا قيّده في الإقناع والمنتهى، لأن غير المدخول بها لا عدة عليها، والصغيرة والآيسة عدّتها بالأشهر فلا تحصل الريبة. والحامل التي استبان حملُها عدّتُها بوضعِ الحملِ، فلا ريبةَ، لأن حملها قد استبان، بخلاف من لم يستبنْ حملُها، وطلَّقها ظانًّا أنها حائل، ثم ظهر حملُهَا، ربما ندم على ذلك.
(ويباح الطلاق و) يباح (الخلع بسؤالها) أي سؤالِ الزوجةِ. قال في المنتهى: على عوض (١) (زمن البدعة) لأن المنع من الطلاق زمن البدعة إنما شرع لحق المرأة فإذا رضيت بإسقاط حقها زال المنع وأبيح (٢).
стр. 704
باب (صَريح الطّلاق) (و) بَاب (١) (كنَايته)
يعني أن المعتبر في الطلاق اللفظ دون النية التي لا يقارنها لفظ، لأن اللفظ هو الفعل المعبِّر عما في النفس من الإِرادة والعزم، والقطع بذلك إنما يكون بعد مقارنة القول للإِرادة فلا تكون الإٍرادة وحدها من غير قول فعلاً، ولذلك قال رسول الله ﷺ : "إن الله تجاوز لأمتي عن الخطأ والنسيان وما حدّثتْ به أنفسَها ما لم تتكلمْ أو تعمَلْ به" (٢) فلذلك لا تكون النية وحدها أثراً (٣) في الوقوع.
وانقسم اللفظ إلى صريح وكناية، لأنه إزالة ملك النكاح، فكان له صريح وكناية، كالعتق، والجامع بينهما الإِزالة (٤).
(صريحُهُ لا يحتاج إلى نيّةٍ) الصريح ما لا يحتَمِلُ غيره من كل شيء، والكناية ما يحتمِل غيره ويدلُّ على معنى الصريح.
стр. 705
(وهو) أي الصريح (لفظ "الطلاق") أي لفظُ المصدَرِ (وما تصرّف منه) فقط, كطالِقٍ ومطلقة وطلقتك (غيرَ أمرٍ) كطلِّقي، (و) غيرَ (مضارعٍ) كتَطْلُقِينَ، (و) غير (مطلِّقةٍ اسم فاعل) أي بكسر اللام مشدّدةُ. (فإذا قال) الزوجُ (لزوجته: أنت طالق، طلقت، هازلاً كان أو لاعباً) أو فَتَحَ التّاءَ: قال ابن المنذر: أجمعَ كلُّ من أحفظُ عنه من أهلِ العلمِ أنّ هزْلَ الطلاقِ وجِدَّهُ سواء.
(أو) كان (لم ينو) الطلاقَ، لأن النيّةَ ليستْ بشرطٍ في الصريح، لأنه لفظٌ أتى به مع العلم بمعناهُ، مع عدم احتمالِ غيرِهِ، فلم تكنِ النيّةُ شرطاً فيه، كالبيع، (حتى لو قيل له: أطلَّقْتَ امرأتك؟ فقال: نعم) أو قيل له: امرأتُكَ طالقٌ؟ فقال: نعم (يريد الكذب بذلك) فإنها تطلق، وإن لم ينْوِ، لأن "نعم" صريح في الجواب، والجواب الصريحُ للّفظِ الصريح صريح. ألا ترى أنه لو قيل له: ألفلانٍ عليك ألف؟ فقال: نعم، وجب عليه.
(ومن قال: حلفتُ بالطلاقِ، وأرادَ الكذبَ) لم يصرْ حالفاً؛ (ثم إن فَعَل ما حلف عليه وقع الطلاقُ حكماً) لأنه خالفَ ما أقرَّ به، ولأنه يتعلقُ به حقُّ إنسانٍ معينٍ، فلم يُقْبَلْ في الحكم، كإقرارِهِ له بمالٍ، ثم يقول: كذبتُ. (وَدُينَ) فيما بينه وبين الله تعالى، لأنه لم يحلف (١)، واليمين إنما تكون بالحلف.
(وإن قال: عليَّ الطلاقُ. أو: يلزمني الطلاقُ) أو: الطلاقُ لازمٌ لي (فصريحٌ) في المنصوصِ، لا يحتاج إلى نية، سواء كان (منجَّزاً، أو معلقاً) بشرطٍ، (أو محلوفاً به) أي بالصّريح. قال القاضي: لا تختلف الروايةُ عن أحمد فيمن قال لامرأته: "أنتِ الطلاقُ" أنه يقعُ، نواه أو لم