تعالى: ﴿وَأُمَّهَات نِسَائِكمْ﴾ والمعقودُ عليها من نسائِهِ. قال ابن عباس: "أبْهِمُوا ما أبْهَمَ القُرْآن" (١) أي عَمِّموا حُكْمَها في كلِّ حالٍ ولا تَفْصِلوا بين المدخول بها وغيرها.
(فإن وَطِئها حَرُمَتْ عليه أيضاً بنتُها) فلا يُحَرِّم الربيبةَ إلا الوطءُ دونَ العقدِ والخلوةِ والمباشرةِ دون الفرجِ، للآية، (و) حرمتْ عليه أيضاً (بنتُ ابنها، [وبنت بنتها] وبغير العقد) فيما ذكر (لا حرمة إلا بالوطءِ في قُبُلٍ) أصليّ (أو دبُرٍ) لأنه فرجِ يتعلَّق به التحريم، إذا وُجِدَ في الزوجةِ أو الأَمَةِ (إن كان) الذي غيب ذكره الأصليّ (ابنَ عشرٍ في بنتِ تسعٍ) فلو أدخل ابن ستّ سنينَ حشفته في فرج امرأةٍ، أو أدخل كبيرٌ حشفته في فرج بنت سبع سنين، لم يؤثّر في تحريم المصاهرة.
أما ثبوتُ تحريمِ المصاهرةِ بالوطءِ الحلالِ فإجماعٌ وأما بوطء الشبهةِ والزنا فعلى الصحيح من المذهب.
(وكانا) أي الواطئ والموطوءة (حيَّيْنِ) فلو أولجَ الرجلُ حشفته في فرجِ ميتةٍ، أو أدخلت امرأةٌ حشفة ميّتٍ في فرجها لم يؤثّر في تحريم المصاهرة.
(ويحرم بوطء الذكر ما يحرم بوطء الأنثى) فلا تحلُّ لكلٍّ من لائطٍ وملوطٍ به أمُّ الآخرِ ولا بنتهُ. ووجهه أنه وطءٌ في فرج فنَشَرَ الحُرمةَ كوطءِ المرأة.
(ولا تحرُم أمُّ) زوجةِ أبيهِ (ولا بنتُ زوجةِ أبيه و) لا تحرُم أمُّ زوجةِ ابنِه ولا بنتُ زوجة (ابنِهِ).
стр. 632
فصل [الضرب الثاني: المحرّمات إلى أمَد]
(ويحرم الجمع بين الأختين) سواء كانتا من نسبِ أو من رضاعٍ حرّتينِ كانتَا أو أمتينِ، أو حرةً وأَمَةً (١). وسواءٌ في هذا ماَ قبل الدخول أو بعده، لعمومِ قولهِ تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأخْتَيْنِ﴾.
(و) يحرُم الجمعُ أيضاً (بين المرأةِ وعمَّتِها أو خالَتِها) وإن عَلَتا من كلِّ جهةٍ، من نَسبٍ أو رضاعٍ، وبين خالَتَينِ، أو عمَّتين، أو عمةٍ وخالةٍ.
وصورةُ الجمعِ بين خالتين أن يتزوَّج كلٌّ من رجلينِ بنتَ الآخرِ، تلد له بنتاً فالمولودتان كل منهما خالة الأخرى.
وصورة الجمع بين العمَّتينِ أن يتزوَّجَ كلٌّ من رجلينِ أُمَّ الآخرِ، وتلد بنتاً، فالمولودتان كلّ واحدة منهما عمَّةُ الآخرى.
وصورةُ الجمعِ بين العمَّةِ والخالةِ أن يتزوَّجَ الرجُلُ امرأةً، ويتزوج ابنُه أمَّها، وتلد كل واحدة بنتاً فبنت الابن خالة بنتِ الأب وبنتُ الأب عمَّةُ بنت الابن (٢).
ويحرُمُ الجمع بين كلِّ امرأتين لو كانتْ إحداهما ذكراً، والأخرى أنثى، حرم نكاحه لها لقرابةٍ أو رضاعٍ (٣).
стр. 633
فمن تزوج نحو أختينِ في عقدٍ) واحدٍ (أو عقدين معاً) أو تزوّج خمساً في نكاحٍ واحدٍ (لم يصح) في الجميع.
(وإن جُهِلَ) أسبقُهما فعليه فُرْقتهما بطلاقٍ، فإن لم يطلِّق (فسَخَهما حاكمٌ) دخل بهما، أو بإحداهما، أو لم يدخلِ بواحدةٍ منهما، (و) عليه (لإِحداهما نصفُ مهرِها بقرعةٍ) وإن كان دخل بإحداهما أُقرِع بينَهما. فإن وقعت القرعة لغيرِ المُصَابةِ فلها نصفُ المهرِ، وللمُصَابةِ مهر المثل. (وإن وقعَ العقدُ مُرتَّباً) واحداً بعد واحدٍ وعُلِمَ السابق (صحّ الأول فقط) أي دون الثاني.
(ومن مَلَك أختينِ أو نحوَهما) كامرأةٍ وعمتِها أو خالَتِها في عقدٍ واحدٍ (صحَّ) العقد قال في شرح الإِقناع: ولا نعلم خلافاً في ذلكَ. انتهى.
وكذا لو اشترى جاريةً ووطئَها حلّ له شراء أختِها وعمَّتِها وخالَتِها، كما يحل له شراءُ المعتدَّةِ من غيرِهِ، والمزوَّجةِ، مع كونهما لا تَحِلاَّن (١) له.
(وله أن يطأ أيتهما شاء) لأن الأخرى لم تصرْ فراشاً، كما لو كان في ملكه إحداهما وَحْدَها.
(وتحرُمُ) عليه (الأخرى) أي التي لم يطأها (حتى يُحَرِّم الموطوءة) منهما (بإخراج عن مِلْكِهِ) ولو ببيعٍ، لحاجةِ التفريق، لأنه يحرُم الجمعُ في النِّكاحِ، ويحرم التفريقُ، فلا بد من تقدّم أحدهما (٢). وكلام الصحابة والفقهاء بعمومه يقتضي هذا. قاله الشيخ وابن رجب (أو تزويجٍ بعد الاستبراءِ) قال في الإِقناع وشرحه: حتى يعلم بعد البيع ونحوِه أنَّها ليستْ بحامِلٍ.
стр. 634
ولا يكفي استبراؤها بدون زوالِ الملكِ، ولا تحريمها (١)، ولا زوالُ مِلكِهِ بدون استبرائِها، ولا كتابتُها، ولا رهنُها، ولا يكفي بيعُها بشرطِ خيارٍ.
ومثلُه هِبتُها لمن يمْلِكُ استرجَاعَها منه، كهبتها لولَدِهِ.
فلو خالَفَ، ووَطِئَهما واحدةً بعد واحدةٍ، فوطءُ الثانيةِ محرَّمٌ لا حدَّ فيه، ولَزِمَهُ أن يُمْسِكَ عنهما حتى يحرِّم إحداهما ويستبرئها.
فإن عادت لِملكِهِ، ولو قبلَ وطء الباقية، لم يُصِبْ واحدةً منهما حتى يحرّم الأخرى.
قال ابن نصر الله: هذا إن لم يجبِ استبراءٌ. فإن وَجَبَ لم يلزمْهُ تركُ أختِها فيه (٢). وهو حسن. انتهى.
(ومن وطئ امرأةً بشبهةٍ أو زناً حرُم في زمنِ عدَّتِها نِكاحُ أُخْتِها) وكذا عمتُها وخالتُها (و) كذا يحرم عليه (وطؤُها إن كانت زوجةً أو أمةً) له. (وحرُم) عليه أيضاً (أن يزيدَ على ثلاثٍ غيرها) أي غير الموطوءة بشبهةٍ أو زناً، (بعقدٍ) فإن كان معه ثلاثُ زوجاتٍ لم يحلَّ له أن يتزوَّج رابعةً حتى تنقضي عدة موطوءته بشبهةٍ أو زناً (أو وطءٍ) يعني أنه لو كان معه أربع زوجاتٍ، ووطئَ امرأةً بشبهةٍ أو زناً لم يحلَّ له أن يطأ أكثرَ من ثلاثٍ منهن، حتّى تنقضيَ عدةُ موطوءته بالشبهة أو الزنا، لئلا يجتمع ماؤُه في أكثَرَ من أربعِ نسوةٍ.
(وليسَ لحر جمْعُ أكثرَ من أربعٍ) أي يحرم عليه جمعُ أكثرَ من أربعِ زوجاتٍ. وقوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ أريدَ به التخيير بين اثنتين، وثلاثٍ، وأربعٍ، كما قال
стр. 635
تعالى: ﴿أُولي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ ولم يُردْ أنَّ لكلٍّ تسعةَ أجنحةٍ. ولو أراد ذلك لقال: تسعة، ولم يكنْ للتطويل معنى. ومن قال غير ذلك فقد جَهِلَ اللغة العربيّةَ. (ولا لعبدٍ) يعني: وليس لعبد (جَمْعُ أكثرَ من اثنتين) أي من زوجتينِ، وفاقاً للشافعي.
(ولمنْ نصفُهُ حرٌّ فأكثرُ جمعُ ثلاثٍ) أيْ ثلاثِ زوجاتٍ.
(ومن طلَّقَ واحدةً من نهايةِ جمعِهِ) كالحرِّ يطلّق واحدةً من أربع، والعبدِ يطلِّق واحدةً من اثنتين، والمبعَّضِ يطلِّق واحدةً من ثلاثٍ، (حَرُمَ نكاحُه بَدَلَها حتى تنقضي عدَّتُها) نصّ عليه. لأن المعتدّة في حكم الزَّوجَةِ، لأنَّ العدّةَ أثرٌ لِلنكاحِ، وهو باقٍ، فلو جازَ له أن يتزوّج غيرها لكان جامعاً بين أكثرَ مما يُباحُ له.
(وإن ماتتْ) واحدةٌ من نهايةِ جمعِهِ (فلا) أي فلا يحرُم عليهِ أن يتزوَّج بَدَلَها في الحالِ.
فلو قال: أخبرتْني بانقضاءِ عدَّتها في مدةٍ يمكن انقضاؤُها فيه، فكذَّبتْهُ، لم يقبلْ قولُها عليه في عدم جوازِ نكاحِ غيرِها، فله نكاحُ أختِها وبدلِها في الظاهر (١)، ولا تسقُط الكِسْوةُ والنفقةُ عنه بدعواه إخبارَها بانقضاءِ عدّتها مع إنكارها.
فصل [في المحرمات إلى أمدٍ لعارضٍ يزول]
(وتحرم الزانيةُ على الزاني وغيرِهِ حتّى تتوب) بأن تراوَدَ على الزِّنا
стр. 636
فتمتنعَ (وتنقضيَ عدتُها) (١) فإنْ كانت حاملاً من الزِّنا لم يحلَّ نكاحُها قبل الوَضْعِ، فإذا تابتْ وانقضتْ عدّتُها حلَّ نكاحها للزاني وغيره.
(وتحرم) أيضاً على الرجلِ (مطلّقتُه ثلاثاً حتى يَنْكِحُ زوجاً غيرَه) وتنقضيَ عدّتُها من الزوجِ الذي نكحَتْهُ.
(و) تحرُم (المُحْرِمَةُ حتى تحلّ من إحرامها) لما روى عثمان بن عفانَ رضيَ اللهُ تعالى عنْهُ أن رسول الله ﷺ قال: "لا يَنْكِحَ المحرِم، ولا يُنْكِحُ، ولا يَخْطُب" رواه الجماعةُ إلا البخارىِّ.
(و) تحرُم (المسلمةُ على الكافِرِ) حتى يسلم، لقوله تعالى: ﴿ولاَ تُنكِحُوا المُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾، وقولهِ تعالى: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَ إلَى الكُفّارِ لاَ هُنَّ حِلٌّ لهمْ وَلَا هُمْ يحِلّونَ لَهُنَّ﴾.
(و) تحرُمُ (الكافرةُ غير الكِتابِيّةِ على المسلم) ولو عبداً، فإن قيل: قوله تعالى ﴿وَلَا تَنْكِحُوا المُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ عامٌّ، فيقتضي التحريمَ مطلقاً؟ قلنا: يتخصّص بقوله تعالى ﴿والمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُم﴾.
(ولا يحلُّ لحرٍّ) مسلمٍ ولو خصيًّا أو مجبوباً (كاملِ الحريةِ نكاحُ أمةٍ) مسلمةٍ، (ولو) كانتِ الأمَةُ (مبعَّضةً إلا إنْ عَدِمَ الطَوْلَ) أي المهر، أي كانَ لا يجد طولاً لنِكاحِ حرّةٍ ولو كانت كِتابيّةً، بأن لا يكون معه مالٌ حاضر يكفي لنكاحها، ولا يقدِرُ على ثمنِ أَمَةٍ ولو كتابيّةٍ، فتحلُّ له إذَنْ (وَخَافَ العَنَتَ) أي عنَتَ العزوبةِ، إما لحاجةِ متعةٍ، وإما لحاجةِ خِدْمةٍ، لكبرٍ أو سُقْمٍ، ونحوهما، نصًّا. والصبرُ عن نكاحِ الأمَةِ خيرٌ وأفضل.
(ولا يكونُ ولدُ الأمة) الذي ليس بذي رحمٍ محرمٍ من مالِكِها (حرًّا
стр. 637
إلاَّ باشتراطِ الحرّية) من الزوج على مالِكِها، حريةَ ولدِها، لقول عمر ﵁: "مَقَاطِعُ الحقوقِ عندَ الشُّروطِ" (١) ولأن هذا لا يمنع المقصودَ من النكاحِ، فكانَ لازماً، كشرْط سيدِها زيادةً في مهرها، (أو الغرورِ) للزوج (٢).
(وإن مَلَكَ أحدُ الزوجَيْنِ) الزوجَ (الآخرَ) بشراءٍ أو هبةٍ أو إرثٍ أو نحوِ ذلك، أو مَلَكَ ولدُ أحدِ الزوجين الحرُّ الزوجَ الآخر، (أو) ملك (بعضَهُ) أي بعضَ الزوجِ الآخر، (انفسَخَ) النكاحُ، قال في الفروع: وإن ملكَ أحد الزوجينِ، -وعلى الأصح: أو ولدُه الحرُّ، وفي الأصَحّ: أو مكاتَبة- الزوجَ الآخرَ أو بعضَه انفسَخَ النكاحُ. فلو بعثت إليه زوجَتُهُ "حرُمْتُ عليكَ، ونكحتُ غيرَكَ، وعليكَ نفقتي، ونفقَةُ زوجِي" فقد مَلَكتْ زوجَها، وتزوجَتْ ابنَ عمِها (٣). انتهى.
(ومن جمع في عقدٍ) واحدٍ (بين مباحةٍ ومحرَّمةٍ) كأيِّمٍ ومزوّجةٍ (صحّ في المباحَةِ) (٤) وهي الأيّم في المثال، وبطل في المزوَّجةِ. وفارق العقدَ على الأختينِ لأنّه لا مزيّةَ لِإحداهما على الأُخْرى، وهاهنا قد تعيّنت التي بطل النكاحُ فيها.
стр. 638
وللّتي صحّ نكاحُها من المسمّى لها بِقِسْطِ مهر مثلِهَا منه.
(ومن حرُم نكاحها) كالمجوسيّة والوثنيّة والدُّرْزية ونحو ذلك (حَرُم وطؤُها بالملْكِ) لأنّ النكاحَ إذا حرُم لكونِهِ طريقاً إلى الوطءِ فلْيَحْرُمِ الوطءُ نفسه بالطريقِ الأولى (إلاَّ الأَمَةَ الكتابيَّةَ) إذا حرُم لدخولها في عموم قوله : ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ﴾ ولأنّ نكاحَ الإِماء مِن أهلِ الكِتاب إنما حَرُمَ من أجلِ إرقاقِ الولدِ وإبقائِه مع كافرةٍ، وهذا معدوم في وطئِهِنَّ بملكِ اليمين.
تتمة: لا يصحُّ نكاحُ خنثى مشكلٍ حتى يتبيّن أمره.
стр. 639
باب الشرُوط في النّكاح
والمراد بالشروطِ في النكاحِ ما يشترطُه أحدُ الزوجينِ على الآخَرِ مما لَهُ فيه غرضٌ صحيح، وليس بمنافٍ لمقتضى النكاح.
ومحلُّ الصحيحِ منها صُلْبُ العقد. المنقح (١). وكذا لو اتفقا عليه قبله (٢). (وهي) أي الشروطُ في النكاح (قسمان):
أحدهما: (صحيحٌ لازمٌ للزوجِ، ليس له فكُّهُ) أي فكُّ ما اشترطَتْ عليهِ زوجتُه من الشروطِ الصحيحةِ بدون إبانتها.
ويسن وفاءُ الزوجِ بالشرط. قال في الإِنصاف: وهو ظاهر كلامِ أحمد في رواية عبدِ الله. ومال الشيخ تقي الدين إلى وجوب الوفاء. ومن أمثلة الشرط الصحيح قوله (كزيادة مهرٍ) يعني كاشتراطِها على الزوج زيادةَ قدرٍ معيّنٍ على مهرِها، (أو) اشتراطِ كون مهرِها من (نقدٍ معيّنٍ) فيتعيّن، كالثمن في البيع، (أو) اشترطت عليه أن (لا يخرجَها من دارِها، أو بلدها، أو لا يتزوجَ عليها،) أو لا يتسرّى، (أو لا يفرِّق بينها وبين أبويْها، أو) لا يفرق بينها وبين (أولادها) وفي المستوعِب: (أو أنْ تُرْضِع ولدَها الصغير، أو يطلق ضرَّتَها) (٣) أو يبيعَ أمَتَهُ، لأنّ لها في ذلك قصداً
стр. 640
صحيحاً، كما لو شرطتْ أن لا يتزوَّج عليها. وفي القاعدة الموفية للسبعين لابن رجب: لو شرطتْ عليه نفقةَ ولدها أو كسوتَه، صحّ، وكانت من المهر، انتهى. قال ابن نصر الله: وظاهرُه أنه لا يشترط مع ذلك تعيينُ مدّةٍ كنفقةِ الزوجة وكِسْوتها، فإنه ذَكرَها بعدها. انتهى كلام ابن نصر اللُه.
(فمتى لم يفِ) للزوجةِ (بما شُرِطَ) عليه (كان لها الفسخُ) لأنّه شرطٌ لازِم في عقدٍ، فيثبُتُ حقُّ الفسخِ بترك الوفاءِ، كالرَّهنِ والضمينِ في البيع (على التراخي) لأنه خيارٌ ثبتَ لدفع الضررِ، فكان على التراخي، تحصيلاً لمقصودها، كخيار القصاص.
تنبيه: إنما يثبتُ الخيارُ لها بفعلِ ما اشترطتْ عليهِ أن لا يفعلَهُ، لا عزمِهِ على فعلِهِ، خلافاً للقاضي.
(ولا يَسْقُط) ملكها الفسخَ بعدم وفائِهِ بما اشترطتْه (إلاَّ بما يدلُّ على رضاها، من قولٍ أو تمكينٍ) أي بأنْ تمكنه من نفسِها (مع العلم) أي مع علمِها بعدمِ وفائِهِ لها بما اشترطتْ عليهِ، لا إن لم تعلم، لأن الاختيارَ والاستمتاعَ والتمكينَ منه قبل العلم بعدم وفائه لا أثر له، لأنّ موجِبه لم يثبت، فلا يكونُ له أثر، كالمُسْقِطِ للشفعةِ قبل البيع.
ومن شَرَط أن لا يخرجها من منزل أبويها، فمات أحدُهما. بَطَل الشرط.
(و) القسم الثاني من الشروط في النكاح: (الفاسدُ)، وهو (نوعان):
(نوع) منهما (يُبْطِلُ النكاحَ) من أصلِهِ، (وهو) أي النوع الذي يبطل النكاح من أصلِهِ أحدُ ثلاثةِ أشياءَ: نكاحُ الشِّغارِ. مثاله (إن يزوّجه)
стр. 641
أي يزوّج رجلٌ رجلاً (مَوْليَّتهُ بشرط أن يزوِّجَهُ الآخر موليَّتَهُ ولا مهرَ بينهما.)
قيل: إنما سمّي هذا النِّكاحُ شغاراً تشبيهاً في القُبْحِ بِرفْع الكلب رجلَه ليبولَ. يقال: شَغَر الكلبُ إذا رَفَع رجلَه ليبول.
ولا تختلف الرواية عن أحمد أن نكاحَ الشّغارِ فاسد. رواه عنه جماعة؛ (أو يجعلَ بُضْعَ كلِّ واحدةٍ منهما مع دراهمَ معلومةٍ مهراً للأخرى) قال في الإِنصاف: لو جَعَلَ بُضْعَ كلَّ وحدةٍ ودراهمَ معلومةً مهراً للأخرى، لم يصح، على الصحيح. وقيل يبطلُ الشرطُ وحدَه. انتهى.
فإن سمّوْا مهراً مستقلاً، غير قليلٍ (١)، ولا حيلةَ، صحّ النكاح.
وإن سمّوا لإِحداهما صحَّ نكاحُها فقط.
الثاني: من الثلاثة أشياء المبطلةِ للنكاح: نكاح المحلِّل، وهو ما أشار إليه بقوله: (أو يتزوجَها) أي المطلقةَ ثلاثاً (بشرطِ أنه إذا أحلَّها طلَّقها) أو: إذا أحلَّها فلا نكاحَ بينَهما. وهذا باطلٌ حرامٌ في قولِ عامّةِ أهلِ العلم. منهم الحسنُ، والنخَعيّ، وقتادةُ، ومالكٌ، والليثُ، والثوريُّ، وابنُ المبارك، والشافعيّ (٢) (أو ينويَه) أي ينوي الزوجُ التحليل (بقلبِهِ) ولم يذكرْه في العقدِ. يعني أنه متى نوى الزوجُ التحليلَ من غيرِ شرطٍ في العقدِ فالنكاحُ باطِل أيضاً على الأصحّ. قال إسماعيل بن سعيد (٣): سألت أحمد عن الرجلِ يتزوجُ المرأةَ، وفي نفسِهِ أن يحلّلها
стр. 642
لزوجِها الأوّل، ولم تَعْلمِ المرأةُ بذلك؟ قال: هو محلِّلُ، إذا أراد بذلكَ الإِحْلالَ فهو ملعون (١). قال ابن مسعود: المحلِّل والمحلَّلُ له ملعونَانِ على لسان محمدٍ ﷺ (٢). (أو يتفقَا عليه) أي على أنّه نكاحُ محلِّل (قبلَ العقد) ولم يُذْكَرْ حالَ العقد. ومحلُّ ذلك إن لم يرْجِعْ عن هذا الاتفاقِ على أنه محلِّل حينَ العقد. فإن رجَع عن ذلك ونَوَى عند العقد أنه نكاحُ رَغْبَةٍ، صحّ العقد، لأنه خلاَ عن نيّةِ التَّحْليل وشرطِهِ، فصحّ، كما لو لم يتفقا عليه قبله.
الثالث من الثلاثةِ أشياءَ المبطلةِ للنكاح: المُتْعَةُ، وهو ما أشار إليه بقوله (أو يتزوجها) أي يتزوجِ الرجُلُ المرأةَ (إلى مدةٍ، أو) يتزوجها و (يشرُطَ طلاقَها في العقدِ) متعلق بشرط (بوقتِ كَذَا) كزوجتُك بنتي شهراً، أو: سنةً، أو: إلى انقضاءِ الموسِمِ، أو: إلى قدومِ الحاج، أو: إلى قدوم زيدٍ، فإن النكاحَ في هذه الصُّوَرِ باطل؛ (أو ينويَهُ) أي ينوي الزوجُ طلَاقَها في وقتٍ (٣) (بقلبِهِ، أو يتزوجِ الغريبُ بنيَّةِ طلاقِها إذا خَرَجَ،) قال في الإِنصاف: لو نوى بقلبه فهو كما لو شرطه على الصحيح من المذهب، نص عليه. وعليه الأصحاب (٤) (أو يعلق نكاحها) على
стр. 643
شرط مستقبل (١) غيرِ، زوّجتُ، وقبلتُ إن شاء الله (كـ) قوله: (زوَّجتُكَ إذا جاءَ رأسُ الشّهر، أو: إن رَضِيتْ أمُّها، أو: إن وضعتْ زوجتي ابنةً فقد زوَّجْتُكَها) فهذا كلّه باطلٌ من أصله، لأنة عقدُ معاوَضَةٍ، فلا يصحُّ تعليقُه على شرطٍ مستقْبَلٍ، كالبيع، ولأنّ ذلكَ وقفٌ للنكاح على شَرْطٍ، وهو لا يجوز.
ويصحُّ تعليق النكاحِ على ماضٍ وحاضرٍ، كإنْ كانتْ بنتي وكنتُ وليَّها أو انقضَتْ عدَّتُها. والزوجُ والزوجةُ يعلمَانِ أنها بنتُه وأنه وليُّها وأنَّ عدَّتَها انقضَتْ، أو: زوَّجْتُكها إن شئتَ، فقال: شئتُ، وقبلتُ، ونحوه.
النوع (الثاني) من الشروط الفاسدة (٢): وهو ما يصحّ مَعهُ النكاحُ و (لا يُبْطِلُه، كأن يَشْرُطَ أن لا مهر لها، أو لا نفقةَ) لها، (أو أن يَقْسِم لها أكثر من ضرّتها، أو) أن يقسِم لها (أقلَّ) من ضرّتها، أو أنْ يشتَرِطا عَدَمَ الوطءِ، أو أن يشترطَ أحدُهما عدم الوطء (٣)، أو نحو ذلك، (أو إن فارقَها رجعَ عليها بما أنفقَ) أو [شَرَطَ] خياراً في عقدٍ، أو خياراً في مهرٍ (٤)، أو إن جاءها بالمهرِ في وقتِ كذا وإلاَّ فلا نِكاحَ بينهما، أو شرطتْ عليه أن يسافرَ بها، ولو إلى بلدٍ معيّن، أو أن تستدْعيَه للجماعِ عند إرادتِها أو أن لا تسلَّم نفسَها إلى مُدَّةِ كذَا ونحوه (فيصحّ النكاحُ، دونَ الشرطِ.)
ومن طلَّق بشرطِ خيارٍ وَقَعَ طلاقُه.
стр. 644
فصل
(وإن شرطها) أي شَرَطَ الزوج الزوجةَ (مسلمةَ) أو قال الوليُّ للزوج: زوجتك هذه المسلمةَ أو ظنَّها الزوجُ مسلمةً ولم تُعْرَف بتقدُّمِ كفرٍ (فبانَتْ كتابيةً، أو شَرَطَها) الزوجُ (بكراً أو جميلةً أو نسيبةً) أي ذاتَ نسبٍ (أو شَرَطَ) الزوجُ في العقدِ (نفيَ عيبٍ) في الزوجةِ لا يُفْسَخُ به النكاحُ كما لو شرطَها سميعةً أو بصيرةً أو طويلةً أو بيضاءَ (فبانَتْ بخلافه فله) أي فللزوجِ (الخيارُ) في الأصحِّ، لأنه شرطَ صفةً مقصودةً فبانتْ بخلافها، فثَبَت له الخيارُ، أشْبَهَ ما لو شَرَطَها حُرَّةً فبانتْ أمةً.
وكذا لو شَرَطَها حسْنَاءَ فبانتْ شوهاءَ.
ولا يصحُّ فسخٌ في خيارِ الشرطِ (١) إلا بحكمِ الحاكِمِ. و (لا) يملكُ الزوجُ الفسخَ (إن شرَطَها أدْنى فبانَتْ أعلى) كما إذا اشترطَها كتابيةً، أو أمةً، فبانَت مسلمةً، أو بانتْ حرَّةً، أو ثيباً فبانَتْ بكراً.
(ومن تزوجت رجلاً على أنه حرٌّ) أو تظنه حرًّا (فبان عبداً فلها الخيارُ) إن صحَّ النكاحُ بأنْ كَمُلتْ شروطُه، وكان بإذنِ سيِّدِهِ.
وإنْ كانتِ المرأةُ حرَّةً وقلنا: الكفاءَةُ شرطٌ للُّزوم، لا للصحّةِ، فإن اختارَتْ الحرَّةُ الإِمضاءَ فلأوليائِها الأعتراضُ عليها لَعدمِ الكفاءَة، وإن كانتْ أمةً فينبغي أن يكون لها الخيارُ أيضاً، لأنه لما ثبتَ الخيارُ للعبدِ إذا غُرَّ بأمةٍ ثبَتَ للأمة إذا غُرَّتْ بعبدٍ.
(وإن شرطتِ) الزوجةُ (فيهِ) أي الزوجِ (صفةً) ككونهِ نسيباً، أو عفيفاً، أو جميلاً، أو نحوَهُ (فبانَ أقلَّ) مما شرطتْهُ (فلا فسخَ لَها) لأنَّ
стр. 645
ذلكَ ليس بمعتبرٍ في صحَّةِ النكاحِ، أشْبَهَ ما لو شرطَتْهُ طويلاً أو قصيراً (١).
(وتملك الفسخَ منْ) أي أمةٌ أو مُبَضَّعة (عتقتْ كلُّها تحت رقيقٍ كلِّه، بغيرِ حكمِ حاكمٍ) بلا نزاعٍ في المذهب. فإن لم تَعْتِقْ كلُّها تحتَ رقيقٍ كلِّهِ فلا فسخَ. وكذلك إذا عتقَا معاً، فتقول: فسختُ نكاحي، أو: اخترتُ نفسي. (فإنْ مكَنَتْهُ) أي مكَنَتْ المعتَقَةُ زوجَها العبدَ (مِن وَطْئِها أو مباشَرَتِهَا أو) مكَّنَتْه مِنْ (قُبْلتها، ولو جهلَتْ عِتْقَها، أو) جَهِلَتْ (مِلْكَ الفسخِ بَطَلَ خِيَارُها) (٢) ويجوزُ للزوجِ وطؤُها بعد عتْقِها، مع عدم علْمِها بالعتق.
ولَبنتِ تسعٍ أو دونَها إذا بلغتْها تامَّةً، والمجنونةِ إذا عقَلَتْ، الخيارُ حينئِذٍ دونَ ولَيٍّ.
стр. 646
باب (حكم العيُوب في النّكاح)
(وأقسامها) أي أقسام العيوبِ (المثبِتةُ للخيارِ ثلاثةٌ): منها (قسمٌ يختصُّ بالرجل،) ومنها قسمٌ يختصّ بالمرأة، ومنها قسمٌ مشتَركٌ بين الرّجلِ والمرأة.
ويروى ثبوتُ الخيارِ لكلٍّ من الزوجينِ إذا وجدَ بالآخَر عيباً في الجملة عن عمرَ بن الخطابِ، وابنهِ عبد اللهِ، وعبد اللهِ بن عباسٍ. وبه قال جابرُ بنُ زيدٍ (١) والشافعيُّ وإسحاق.
(وهو) أي القسم المختصُّ بالرَّجلِ ثلاثةُ أشياءَ: أحدُها: (كونُهُ) أي كونُ الرجلِ (قد قُطِعَ ذكَرُهُ) كلُّه أو بعضُه، ولم يبقَ منْهُ ما يمكن به جماعٌ، ومتى ما ادَّعى الزوجُ إمكان الجماعِ بما بقي من ذكرِهِ، وأنكرَتِ المرأةُ فإنه يقبل قولُها في عدم إمكانه.
الثاني: أشار إليه بقوله: (أو) قُطِعَتْ (خُصْيَتَاهُ) أو رُضَّتْ بيضتاهُ أو سُلَّتَا، (أو) وجَدت زوجَها (أشلّ (٢) فلها الفسخ في الحال.)
стр. 647
الثالث: ما أشار إليه بقوله: (وإن كان عِنِّيناً) لا يمكنه الوطءُ، ولو لِكَبرٍ، أو مرَضٍ (١) -والعنِّينُ هو العاجزُ عن إيلاجِ ذكرهِ في الفرْجِ، مأخوذٌ مِنْ عَنَّ يَعِنُّ إذا اعتَرَضَ، لأنَّ ذكرَهُ يعَنُّ إذا أرادَ أن يولِجَهُ، أي يَعْتَرِضُ- ويكونُ ثبوتُ العنَّةِ (بإقرارِهِ أو بَيِّنةٍ أو) عُدِمَ الإقْرارُ والبيّنَةُ فـ (طَلَبَتْ يمينَهُ فَنكلَ) عن اليمينِ (ولم يدَّعِ وطأً) سابقاً على دعواها (أُجِّلَ سنةً هلاليَّةً منذ تُرَافِعُهُ إلى الحاكِمِ (٢)،) لأنَّ هذا العجْزَ قد يكونُ لِعُنَّةٍ وقد يكون لمرضٍ (٣)، فضُرِبَ له سنَّةٌ لتمرَّ به الفصولُ الأربعة؛ فإن كان من يبَسٍ زالَ في فصل الرطوبة، وإن كان من رطوبةٍ زالَ في فصل اليَبَسِ؛ وإن كان من بُرودةٍ زال في فصل الحرارة، وإن كان من احتراقِ مزاجٍ زال في فصلِ الاعتدال.
(فإن مضتِ) الفصولُ الأربعةُ (ولم يطأهَا فلها الفسخُ) أي فسخُ نكاحِها منه. وإن قال: وطئتُها، وأنكرتْ، وهي ثيّبٌ، فقولُها، إن كان دعواهُ وطْأَها بعدَ ثبوتِ عُنَّتِهِ وتأجيلِهِ. وإن كانتْ بكراً، وثبتَتْ عُنَّتُهُ وبكارتُها، أُجِّل سنةً، وعليهَا اليمينُ إن قال: أزَلتُها وعادتْ.
القسم الثاني من العيوبِ المثبتة للخيارِ ما أشار إليه بقوله: (وقسم يختصُّ بالأنثى، وهو) شيئان:
أحدهما: (كونُ فَرجِها مسدوداً لا يسلُكُه ذكر)، فإن كانَ بأصلِ الخلقة فرتْقَاءُ، بالمد، وهو تلاحُمُ الشَّفْريْنِ، وإن لم يكنْ بأصلِ الخلقة فقرْناءُ أو عَفْلَاءُ. والقَرَنُ لحمٌ زائد يسدُّ الفرْجَ، والعَفَلُ وَرَمٌ يكونُ في اللَّحْمَةِ التي بين مسلَكَي المرأة، فيضيقُ فرجها فلا يسلك فيه الذكر.
الشيء الثاني: من القسم المختص بالمرأة: ما أشار إليه بقوله:
стр. 648
(أوْ بِهِ) أي الفرج (بَخَرٌ) وهو نَتَنٌ في الفرْجِ يثورُ عند الوطء، (أو) بالفرج (قروحٌ سَيَّالةٌ، أو كونُها فَتْقَاءَ بانخراق ما بين سبيليها) أو ما بين مخرجِ بولٍ ومنيّ، (أو كونها مستحاضَةً) في الأصح.
القسم الثالث من العيوب المثبتة للخيار في النكاح: ما أشار إليه بقوله: (وقسمٌ مشتَرَكٌ) يعني بين الرجال والنساءِ (وهو الجنونُ ولو أحياناً) يعني ولو كان يُخْنَقُ في الأحيان، (والجُذَامُ، والبَرَصُ، وبَخَرُ الفَم) وهو نَتْنُهُ. قال في الفروع: قال بعض أصحابنا: يستعمل للبَخَرِ السِّواك، ويأخُذُ في كل يومٍ ورقة آسٍ، مع زبيبٍ منزوعِ العَجَم بقدْر الجَوْزَة. واستعمالُ الكَرْفَسِ ومضغُ النَّعنَاعِ جيّدٌ فيه. وإمساكُ الذَّهَب في الفم يُزِيلُ البَخَر. (والباسُور، والناصُور) وهما داءان في المقعدة.
فالباسور منه ما هو ناتئٌ كالعَدَسِ، أو كالحمّص أو كالعنب، أو كالتُّوت. ومنه ما هو داخلَ المقعدةِ، وينقسم كل من ذلك إلى ما يسيلُ وإلى ما لا يسيل.
والناصور قروحٌ غائِرةٌ تحدث في المقعدة، يسيل منها صديد. (واستطلاق البولِ أو) استطلاق (الغائط).
(فيفسخ بكل عيبٍ تقدَّم) سواءٌ كان مختصاً أو مشتركاً (لا بغيرِهِ) أي غيرِ ما ذُكِرَ (كعرَجٍ، وعوَرٍ، وقطْعِ يدٍ ورجلٍ، وعمًى، وخَرَسٍ، أو طَرَشٍ،) وقُراعٍ لا ريحَ له، وكونُ أحدهما عقيماً، أو نحيفاً جداً، أو سميناً جداً، أو كسيحاً، لأن ذلكَ كلَّه لا يمنَعُ الاستمتاع، ولا يخشى تعدّيه. قال دي شرح المقنع: ولا نعلم في هذا خلافاً بين أهلِ العلم، إلا الحسنَ، فإنه قال: إذا وَجَد الآخَرَ عقيماً يخيَّر. وأحبَّ أحمدُ أن يبيِّن أمرَهُ.
стр. 649
فصل
(ولا يثبتُ الخيارُ في عيبِ زالَ بعدَ العقدِ، ولا لعالِمٍ به) أي بالعيب (وقتَ العقدِ). قال في الفرَوع: ومتى زالَ العيبُ فلا فسخَ. وكذا إن عَلِم حالَ العقدِ.
(والفسخُ على التراخي) لأنه خيارٌ ثبَتَ لدفعِ ضررٍ متحقّق، فكان على التراخي، كخيارِ القصاص. (لا يسقطُ في العنَّةِ إلا بقولها): أسقطتُ حقّي من الخيارِ بعنَّتِهِ، أو: (رضيتُ) به عنّيناً، (أو باعترافِهَا بوطْئِهِ في قبُلُها) لا بتمكينها من الوطء، لأنه واجب عليها لتعلمَ أزالَتْ عنُّته أمْ لا.
(ويسقطُ) خيارُ من له الخيار (في غير العنَّةِ) كخيار شرطٍ وخيار عيبٍ (بالقولِ)، كقوله: أسقطْتُ الفسخَ، (و) يسقط (بما يدلُّ على الرِّضا منَ وطءٍ) إذا كان الخيارُ للزوجِ لأنّه يدل على رغبته فيها، (أو تمكينٍ) من وطءٍ إن كان الخيار لها، لأنَّه دليل على رغبتها فيه (مع العلم) بالعيبِ.
(ولا يصحُّ الفسخ هنا) أي في خيارِ العيبِ (وفي خيارِ الشرطِ بلا حكم حاكمٍ)، فيفسخه الحاكم (١) أو يرده إلى من له الخيارُ فيفسخه.
ويصحُّ في غيبةِ زوجٍ. والأوْلى مع حضورِهِ.
والفسخُ لا ينقصُ عدد الطلاق.
وله رجْعتُها بنكاحٍ جديدٍ.
ويكون عقدُه على طلاقٍ ثلاثٍ حيث لم يسبق له طلاقٌ.
وكذا الفسخُ للِإعسارِ، وفسخُ الحاكم على المُؤْلي، ونحوهما.
стр. 650
(فإن فُسِخَ) النكاحُ (قبل الدخول فلا مهرَ) عليه، سواءٌ كانَ الفسخُ من الرَّجُلِ، أو من المرأةِ لأنّ الفسخَ إذا كانَ منها فالفرقة من جهتها، فيسقُطُ مهرُها، كما لو فسخَتْ نكاحها برضاعِ زوجةٍ له أخرى. وإن كان منْه فإنما فسخ بعيبٍ بها دلَّسَتْهُ بالإِخفاءِ، فصارَ الفسْخُ كأنّه منها.
فإن قيل: فهلا جعلتمْ فسخَها لعُنَّتِهِ كأنّه منه، لحصولهِ بتدليسِهِ؟ قلنا: العوضُ من الزوجِ في مقابَلةِ منافِعِها، فإذا اختارت فسخَ العقدِ مع سلامةِ ما عُقِد عليه، رجَعَ العِوَضُ إلى العاقِدِ مَعَها، وليس من جهتها عوضٌ في مقابَلَةِ منافعِ الزوج. وإنما ثبت لها الخيارُ لأجْلِ ضررٍ يلحقها، لا لتعذُّر ما استحقَّتْ عليهِ في مقابَلَتِهِ عوضاً، فافترقا.
(وبعدَ الدُّخولِ أو الخلوةِ يستقرّ المسمَّى) في العقدِ، كما لو طرأ العيبُ، لأنَّه يجب بالعقد، ويستقرُّ بالدخول، فلم يسقُطْ بحادثٍ بعده. ولذلك لا يسقط بِرِدَّتِها.
(ويرجعُ) الزوجُ (به) أي بنظير المسمَّى الذي وجب عليه (على المُغِرِّ) (١) وهو من عَلِمَ بالعيب وكتمَه، من زوجةٍ عاقلةٍ، ووليّ، ووكيلٍ. وذلك لأنه غرَّه في النكاحِ بمَا يُثبِت الخيارَ، فكان المهرُ عليه، كما لو غرَّه بحرّيةِ أمةٍ.
وإذا ثبت ذلك فإن كان الوليُّ عَلِمَ غَرِمَ، وإن لم يكنْ علمَ فالتغريرُ من المرأةِ، فيرجع عليها بجميعِ الصداق (٢).
стр. 651
ويقبل قول وليٍّ، ولو مَحْرَماً، في عدم علمِهِ به.
فلو وُجِدَ [الغرور] من زوجةٍ ووليّ فالضمانُ على الوليّ وَحْدَهُ.
(وإن حصلت الفُرْقَةُ من غير فسخٍ، بموتٍ) من أحدهما (أو طلاقٍ، فلا رجوع) به على غارٌّ ولا غيرِه. قال في المنتهى وشرحه: وإن طلَّق المعيبة قبل دخولٍ بها، وقبل علمٍ بالعيب، ثم عَلِمَ بهِ بعد طلاقها، فعليه نصفُ الصداقِ، ولا يرجِعُ به على أحد، لأنه قد رضي بالتزامه بطلاقِهِ، فلم يكن له أن يرجع على أحد، أو ماتَ أحدُهما أي أحدُ الزوجين مع عيبهما، أو عيبِ أحدهما، قبل العلم به، أي بالعيبِ، استقرّ الصداق بالموتِ. وأمَّا الرجوعُ فلا رجوع.
(وليسَ لوليّ صغيرٍ) أو صغيرةٍ (أو مجنونٍ) أو مجنونةٍ (أو) سيّدِ (رقيقٍ، تزويجُه بمعيبٍ) عيباً يُرَدُّ به في النكاحِ، لأنه ناظِرٌ لهم بما فيه الحظُّ والمصلَحَةُ. ولاَ حظَّ لهم في هذا العقد. ولا لوليّ حرّةٍ مكلفةٍ تزويجُها بِهِ بلا رِضاها.
(فلو فَعَلَ) أي زوَّجها بمعيبِ (لم يصحَّ) النكاحُ (إن علم) أنه معيبٌ، لأنها تملك الفسخَ إذا علمت بعدَ العقدِ، فامتناعُ صِحّتِهِ أولى.
(وإلا) أي وإن لم يعلم الوليُّ أنه معيبٌ (صحَّ) العقدُ (ولزمه الفسخُ إذا عَلِمَ). قال في الإِقناع: ويجب عليه الفسخ إذا علم. قاله في المغني والشرح وشرح ابن المَنْجَا والزركشيُّ في شرحِ الوجيز، وغيرُهم خلافاً لما في التنقيح انتهى. قال: وله الفسخ، واللام للإباحة. وتبعه في المنتهى.
стр. 652
باب نكاح الكُفار
هو صحيح، وحكمه كنكاحِ المسلمين فيما يجبُ به من وقوعِ الطلاقِ، والظهار، والإِيلاء، ووجوب المهر، والقَسْم، والإِباحة للزوج الأول، والإِحصان، وتحريمِ المحرمات.
(يُقَرُّونَ) أي الكفار (على أنكحةٍ محرّمةٍ) بشرطين:
أحدهما: ما أشار إليه بقوله: (ما داموا معتقدين حِلَّها) (١) أي إباحتها، لأن ما لا يعتقدون حِلَّه ليس من دينِهِمْ، فلا يُقَرُّونَ عليه، كالزّنا والسرقة.
الشرط الثاني: ما أشار إليه بقوله: (ولم يرتفعوا إلينا) لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وإنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلنْ يَضُروكَ شيئاً﴾ فيدلُّ هذا على أنَّهم يُخَلَّونَ وأحْكَامَهُمْ إذا لم يجيئوا إلينا.
(فإن أتوْنا قبل عقدِهِ عقدنَاهُ على حُكْمِنا) يعني: لم نُمضِهِ إلا على الوجه الصحيح، مثلَ أنكحة المسلمين بالإِيجاب والقبولِ، والوليّ والشهود، لأنه لا حاجة إلى عقدٍ يخالِفُ ذلك.
стр. 653
(وإن أسلم الزوجان) الكافرانِ (معاً) بأن نَطَقَا بالإِسلام دفعةً واحدةً بأن لا يسبِقَ أحدُهُما صاحِبَه فيفسُدَ النكاح، فهما على نكاحهما.
(أو أسلمَ زوجُ الكتابيّةِ) سواءٌ كتابياً أو غيرَ كتابيّ (فهما على نكاحِهِمَا،) لأن للمسلم ابتداءَ نكاحِ الكتابية، فاستدامتُه أولى.
(وإن أسلمتِ الكتابيّةُ تحت زوجِهِا الكافِر) قبل الدخولِ انفسخَ نكاحُها، سواءٌ كان زوجُها كتابياً أو غيرَ كتابيٍّ.)
(أو أسلم أحد الزوجين غير الكتابيَّيْنِ) كالوثنيّين والمجوسيّين، (وكان قبلَ الدخولِ، انفسخَ النكاح) (١).
أما إذا كانت الزوجةُ هي المسلمةَ، فلقوله تعالى: ﴿فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ وأما إذا كان الزوجُ هو المسلمَ، وليسَتِ الزوجةُ كتابيّةً، فلقوله جل من قائل: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ ولأنّ اختلافَ الدينِ سببٌ للعداوةِ والبغضاءِ. والمقصود من النكاح الاتفاق والائتلاف.
(ولها) أي الزوجةُ (نصفُ المهر إن أسلمَ) الزوجُ (فقطْ) أي وحدَهُ دونَها، لأن الفرقةَ جاءتْ من قِبَلِهِ بإسلامه، فيكون لها نصفُ المهر، كما لو طلَّقها.
(أو سبقها) الزوجُ للإسلام، وكذلك إذا أسلما معاً وادَّعَتْ سبْقَهُ، أو قالا: سَبَقَ أحدُنا ولم نعلم عينه، فإنه يكون لها نصف المهر (٢).
(وإن كان) إسلام أَحَدِهِما (بعدَ الدُّخولِ وُقِفَ الأمر إلى انقضاءِ العدَّة) لما روى مالكٌ في موطَّئِه عن ابن شهابٍ، قال: كانَ بينَ إسلام صفوانَ بن أميَّة وامرأتِهِ بنتِ الوليدِ بن المغيرةِ نحوٌ من شَهْرٍ: أسلمتْ يومَ
стр. 654
الفتحِ، وبقي صفوانُ حتَّى شَهِدَ حُنَيْناً والطائف، وهو كافرٌ، ثم أسلمَ، فلم يفرِّق النبيُّ ﷺ بينهما، واستقرّت عندَهُ امرأَتُه بذلك النكاح".
(فإن أسْلمَ المتخلِّف) أي المتأخِر عن الإِسلام (قبل انقضائها) أي العدة، (فـ) هما (على نكاحِهِما، وإلا) أي وإن لم يُسلم المتخلِّف قبل انقضاء العدة (تَبَيَّن فسخُهُ) أي فسخ النكاح (منذُ أسْلَمَ الأولُ) من الزوج أو الزوجةِ.
(ويجبُ المهرُ بكلِّ حالٍ) لأنه استقر بالدخول، فلم يسقطْ بشيءٍ. فإن كان مسمًّى صحيحاً فهو لها، ثم إن كان محرَّماً وقد قبضته فليس لها غيره، لأَنَّا لا نتعرضُ لما مضى مما تقابضاه، وإن لم تكن قبضتْه فلها مهرُ المثلِ ولا فرق بين كونهِما في دار الإِسلام، أو دار الحرب، أو كان أحدُهما في دار الإِسلام والآخر في دار الحرب.
فصل
(وإذا أسْلَم الكافرُ وتحتَه أكثر من أربعٍ) من النِّساءِ (فأسلَمْنَ) في عدتهن (أوْ لا) أي أو لم يسلمن (وكنَّ كتابيّاتٍ) لم يكن له إمساكهن كلِّهنْ، بغير خلاف، (اختار منهن أربعاً) ولو من ميِّتاتٍ (١)، (إن كان مكَلّفاً، وإلا) أي وإن لم يكن مكلّفاً (فـ) يُوقَفُ الأمر (حتى يكلَّف) سواءٌ تزوّجهن في عقد واحد، أو في عقودٍ، وسواءٌ اختارَ الأوائِلَ أو الأواخر.
(فإن لم يختر) من نسائِهِ ما للفسخِ وما للِإمساكِ (أُجْبرَ) على
стр. 655
الاختيار (بحبسٍ، ثم تعزيرٍ) لأنَّ الاختيار حقٌّ عليه، فأُلزِمَ بالخروجِ منه إن امتنع، كسائر الحقوق.
(وعليه نفقتهن) أي نفقة جميعِهِنَّ (إلى أنْ يختارَ) لأنَّ نفقةَ زوجاتِهِ واجبة عليهِ، وقبلَ الاختيارِ لم تتعيَّنْ زوجاتُهُ من غيرِهِنَّ بتفريطه، فيلزمه نفقتهنّ جميعاً، لأنه ليست إحداهنَّ أولى بالنفقة من الأخرى.
(ويكفىٍ في الاختيارِ) أن يقولَ: (أمسكتُ هؤلاءِ وتركتُ هؤلاءِ) أو اخترت هذه لفسخٍ, أو: إمساكٍ، أو: أبقيتُ هذه وباعدت هذه. (ويحصل الاختيار بالوطء فإن وطئ الكلَّ) قبل التعيينِ بالقولِ (تعيَّنَ الأوَّلُ) أي الموطوءاتُ أوّلاً للِإمساك، وتعيّنتِ الموطوءة بعد أربعٍ، وما بعدها، للترك.
(ويحصل) الاختيار (بالطلاقِ) لا بالظهارِ والإِيلاءِ (فمن طلّقها فهي مختارَةٌ) لأن الطلاقَ لا يكونُ إلا في زوجةٍ.
(وإن أسلم الحرُّ وتحتَه) زوجات (إماءٌ) أكثرُ من أربعٍ (فأسلَمْنَ) معه، أو كنّ مدخولاً بهنَّ أو خلا بهنّ فأسلمْنَ (في العدّةِ) لأن إسلامهن في العدّةِ كإسلامِهِنَّ مَعَهُ سواءٌ كان إسلامُهُنّ قبله أو بعده، لأن العدةَ حيثُ وجبت لا تُشْتَرَط المعية في الإِسلام (اختارَ ما يُعِفُّه) منهن (إن جازَ له نكاحهن) أي نكاح الإِماء (وقتَ اجتماعِ إسلامِهِ بِإسلامِهِنَّ) بأن كان حيئنذ عادماً للطولِ خائفاً للعَنَت.
(وإن لم يجزْ) له نكاحُ واحدةٍ منهن وقت اجتماع إسلامه بإسلامهن (فَسَد نكاحُهُنَّ) لأنهم لو كانوا جميعاً مسلمينَ لم يجز ابتداءُ نكاحُ واحدةٍ منهنَّ فكذلك استدامَتُهُ.
(وإن ارتدّ أحدُ الزوجَيْنِ، أو هُمَا) أي الزوجان (معاً، قبل الدخول، انفَسَخَ النكاحُ) في قول عامَّةِ أهلِ العلم لقوله تعالى: ﴿وَلَا
стр. 656
تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ وقولهِ تعالى: ﴿فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ ولأن الارتدادَ اختلافُ دين وَقَع قبل الإِصابة فوجَبَ فسخُ النِّكاحِ، كما لو أسلمتْ تحتَ كافرِ.
(ولها) أي للزوجةِ (نصفُ المهْرِ إن سَبَقَها) زوجُها بالارتدادِ، أو ارتدَّ وحدَهُ، لأن الفُرْقَةَ من قِبَلِ الزوجِ، فَتَنَصَّفَ المهرُ بها، كالطلاق.
وعلم منه أنها إن كانت هي السابقةَ بالارتدادِ، أو كانت هي المرتدَّةَ وحدَها، أنها لا مهر لها لأن الفُرقَةَ جاءت من قِبَلِها، فسقط بذلك مهرُها، كما لو ارضَعتْ قبلَ الدخولِ من ينفَسِخُ به نكاحها.
(و) إن ارتدّ أحَدَ الزوجين أو هما معاً (بعد الدخول تَقفُ الفُرْقَةُ على انقضاء العدة.)
وتسقُط نفقةُ العدّةِ بردتِها وَحْدَهَا.
стр. 657
كتَاب الصَّدَاق
هو العِوَض المسمَّى في عقد نكاح وبعده.
وللصّداقِ تسعةُ أسماء: الصَّداق، والصَّدُقَة، والمهر، والنِّحْلة، والفَريضة، والأجْر، والعَلاَئِق، والعُقْر، والحِبَاءُ.
(تسنَّ تسميته) أي الصداق (في العقد) لأن تسميتهُ أَقطعُ للنزاع فيه.
ويستحب تخفيفه، وكونُهُ من أربعمائة درهمِ فضةٍ إِلى خمسِمائة (١)، فإن زاد فلا بأس.
(ويصحّ بأقلِّ مُتَمَوَّل.) (٢) وقال في الإِقناع: ويجب أن يكون له نصفٌ يُتَمَوَّل عادةً، ويُبْذَل العِوَضُ في مثله عرفاً. والمراد نصفُ القيمةِ، لا نصف عينِ الصداق، فإنه قد يُصْدِقُها ما لا ينقسم، كعبدٍ. انتهى.
(فإن لم يسمِّ) الزوجُ للزوجةِ صداقاً، (أو سمَّى) صداقاً (فاسداً) كخمرٍ وحُرٍّ (صحّ العقد) أي عقد النكاح، (ووجب) لها عليه (مهرُ
стр. 658
المثلِ) بالغاً ما بلغ، لأنّ فساد العوض يقتضي ردّ عِوَضِهِ، وقد تعذر ردّه، لصحة النكاح، فيجبُ رد قيمتِهِ، وهو مهر المثل (١).
(وإن أصدقها) أي أصْدَقَ رجلٌ امرأتَه (تعليمَ شيء من القرآن) ولو معيّناً (لم يصحّ) وفاقاً لأبي حنيفة، (و) إن أصدق منكوحته (تعليم) شيء (معيّنٍ من فقهٍ أو حديثٍ أو شِعرٍ مباحٍ) أو أدب (أو صَنْعَةٍ) أو كتابَةٍ (صحَّ) ولو لم يعرف العملَ الذي أصدَقَها تعليمَه، لأنه يتعلمه ثم يعلّمها (٢). وإن تعلمته من غيره لزمته أجرةُ تعليمها، كما لو تعذّر عليه تعليمها.
(ويشترط علم الصَّداق. فلو أصدقها داراً) مُطْلَقةً (أو دابةً) مطلقة، (أو ثوباً مطلقاً،) أو عبداً مطلقاً، (أو) أصدقها (ردَّ عبدِها أينَ كانَ، أو) أصدقها (خِدْمَتَها) أي أن يخدمها (مدةً فيما شاءت، أو) أصدقها (ما يُثْمِر شجرُهُ) في هذا العام، أو مطلقاً (أو) أصدقها (حمل أَمَتِهِ) أو ما تحمل (٣) (أو) أصدقها (حمل دابته) أو ما في بيتِهِ من متاعٍ ولا تعلمه (لم يصح) ما تقدم من التسمية، لأن هذه الأشياءَ مجهولةٌ قدراً وصفةً، والغرر والجهالة في ذلك كثير. ومثل ذلك لا يحتمل، فإن الدار والدابة والثوب
стр. 659
كل واحد منها على أنواع مختلفةٍ بالكبر والصغر، والجَوْدة والرداءة، واسم الدابة يقعُ على كل ما يَدِبُّ، وهو مختلفُ الأجناس. وحمل البطن قد لا يولد حيًّا، والشجرةُ قد لا تثمرِ، والعبدُ قد لا يحصل، لأنه لا يُعْلَمُ أين هو، والخدمةُ لم يعيَّن جنسها، فقد تكلِّفه ما لا يحسنه، ومتاعُ البيتِ لم يعلم ما هو. (ولا يضرُّ جهلٌ يسير). بمعرفة الصداق، (فلو أصدقها عبداً من عبيدِهِ، أو دابةً من دوابّه، أو قميصاً من قمصانه) أو خاتماً من خواتمه، ونحوه (صحّ. ولها أحدهمْ بقرعةٍ) في المنصوصِ، فإنه روي عن أحمد رحمه الله تعالى في رواية مُهَنَّا، فيمن تزوّج على عبدٍ من عبيده: جائزٌ فإن كانوا عشرةَ عبيدٍ تعطى من وسطهم، فإن تشاحّا أُقرِعَ بينهم. قلت: وتستقيمُ القُرْعَةُ في هذا؟ قال: نعم. انتهى.
ويشترط للصحة فيما إذا أصدقها دابة من دوابه تعيينُ النوعِ، كفرسٍ من خيله، أو جملٍ من جمالِهِ، أو حمارٍ من حميره، أو بغلاً من بِغاله، أو بقرةً من بقره، ونحو ذلك.
(وإن أصدقها عتق قِنَّهِ صحّ) قال في الإنصاف: لو أصدقها عتق أمتِهِ صحّ، بلا نزاعٍ. انتهى، (لا طلاقُ زوجته) أي جعلُ طلاقِ من في عصمتِهِ إلى التي يريد أن يتزوَّجَهَا صداقاً لم يصح ذلك (١). (وإن أصدقها خمراً أو خزيراً، أو مالاً مغصوباً يعلمانه) أي يعلم الزوجُ والزوجةُ أنه غصْبٌ، صح النكاح، و (لم يصحّ المسمَّى) ويجبُ عليه أن يدفعَ لها مهر المثل.
(وإن لم يعلماه) أي لم يعلم الزوجُ والزوجةُ كونه غصباً (صحَّ) النكاحُ (ولها قيمتُهُ يوم العقد)، لأن العقد وقع إلى التسميةِ، فكان لها
стр. 660
قيمتُهُ. ولأنها رضيتْ بما سُمِّيَ لها، وتسليمُهُ ممتنع لكونه غير قابلٍ لجعلِهِ صداقاً، فوجب الانتقالُ إلى قيمتِهِ يومَ العقدِ، لأنها بدلُه، ولا تَسْتَحِقُّ مهرَ المثلِ، لعدم رضاها بِهِ.
وإن أصدقها مثليًّا، فخرجَ مغصوباً، فلها مثله.
(و) إن أصدقَها (عصيراً فبان خمراً صحَّ) العقد، (ولها مثلُ العصير) لأنه من ذواتِ الأمثال. والمثل أقرب إليه من القيمة، ولهذا، يُضْمَنُ به في الإتلاف، وكما لو أصدقها خلاًّ فبان خمراً، فإن لها مثلَ الخلّ.
فصل
(وللأب تزويجُ بنتِهِ مطلقاً) بكراً كانت أو ثيّباً (بدون صداقِ مثلِهِا) ولو كبيرةً، (وإن كرهت) ذلك. نصّ عليه. وبه قال أبو حنيفةَ ومالكٌ.
وقال الشافعي: ليس له ذلك.
ولنا أن سعيد بن المسيب زوج ابنَتَهُ بدرهمين (١)، وهو من أشرافِ قريشٍ شرفاً وعلماً وديناً. ومن المعلوم أنه لم يكنْ مهرَ مثلِها. ولأنه ليس المقصودُ من النكاحِ العوضُ، وإنما المقصودُ السَّكَنُ والازدواجُ ووضعُ المرأة في منصبٍ عند من يكفيها ويصونُها ويحسِنُ عشرتها. والظاهر من الأب مع قيام شفقتِهِ وبلوغ نظرِهِ أنه لا ينقُصها من صداقِها إلا لتحصيل المعاني المقصودة بالنكاح.
стр. 661
(ولا يلزم أحداً تَتِمَّتُهُ) أي تتمةُ مهر المثلِ إن زوّجها الأبُ بدونه، لا الأبُ ولا الزوجُ، على الصحيح.
(وإن فعلَ ذلكَ غيرُ الأبِ) أيْ زوَّجها بدون صداقِ مثلِها غيرُ الأب من أوليائها (بإذنها، مع رُشْدِهَا، صحّ) ولم يكن لغيرهَا الاعتراضُ، لأنّ الحقّ لها، وقد أسقطتْهُ، أشبه ما لو أذنتْ في بيعِ سلعةٍ لها بدون ثمنِ المثلِ.
(و) إن زوّجها (بدون إذنِها) صحّ النكاح و (يلزم الزوجَ تتمتُهُ) أي تتمةُ مهرِ المِثْلِ، لأن التَّسميةَ فاسدةٌ هاهنا، لكونها غيرَ مأذون فيها، فوجبَ على الزوجِ مهرُ المثلِ، ويرجعُ الزوجُ على الولي بما غَرِمَهُ لها، لأنه المفرّط، كما لو باعَ ما لها بدونِ ثمنِ مثلِهِ.
(فإن قدّرت لوليها مبلغاً) يزوّجها به (فزوّجها بدونِهِ ضمنَ) النقصَ. (وإن زوّج) أب (ابنه، فقيل له،) أي للأب: (ابنُكَ فقيرٌ، من أين يؤخذ الصداق؟ فقال: عندي) ولم يزد على قوله ذلك (لزمه) (١)، ولو قضى الأبُ الصداقَ عن الابنِ، ثم طلّقَ ولم يدخلْ، ولو قبل بلوغه. فنصفه للابن (٢).
(وليس للأب قبضُ صداقِ ابنتِهِ الرشيدةِ، ولو) كانت (بكراً، إلا بإذنها) لأنها المتصرفةُ في مالِهَا، فاعتُبِر إذنُها في قبضِهِ، كثمن مبيعها.
(فإن أقبضه) أي الصداق (الزوجُ لأبيها) بغير إذنها (لم يبرأ) الزوجُ من صداقِ زوجتِهِ، (ورَجَعَتِ) الزوجةُ (عليه) أي على زوجها، (ورجع هو) أي الزوجُ (على أبيها).
стр. 662
(وإن كانت) الزوجةُ (غير رشيدةٍ سلّمه) أي سلم زوجُها صداقها (إلى وليِّها في مالها) (١).
(وإن تزوج العبد بإذن سيّده) على صداقٍ مسمًّى (صحّ). قال في شرح المقنع: بغير خلافٍ علمناه.
وله نكاحُ أمةٍ ولو أمكَنَهُ حرّةٌ.
ومتى أذن له سيده في النكاح، وأطلق، نكح واحدةً فقط.
(وعلى سيّده المهرُ والنفقةُ والكُسوة والمسْكن)، سواءٌ ضمن السيد ذلك أو لم يضمنه، وسواءٌ كان العبدُ مأذوناً له في التِّجارة، أو محجوراً عليه، على الأصح. نصّ على ذلك. لأنّ ذلك حق تعلّق بعقدٍ بإذن سيّدِهِ، فتعلق بذمة السيّد.
وجازَ بَيْعُهُ فيه، كما لو رَهَنَهُ بدينٍ.
فعلى هذا: لو باعَه سيّده، أو أعتقه، لم يسقُطْ عن السيّد. نصّ عليه، لأنه حقٌّ تعلَّق بذمته، فلم يسقط ببيعه وعتقه، كأرش جناية.
(وإن تزوّج) العبدُ (بلا إذنه) أي إذنِ سيّده (لم يصحّ) النكاحُ. ووجه كونهِ غيرَ صحيحٍ ما روى جابرٌ قال: قال رسول الله ﷺ : "أيُّما عبدٍ تزوَّج بغير إذن سيدِهِ فهو عاهر" رواه أحمد وأبو داود والترمذي وقال: حديث حسن.
(فلو وطئ،) في النكاح الذي لم يأذن فيه سيّده (وجبَ في رقبتِهِ) أي رقبةِ العبدِ (مهرُ المثلِ) لأنه بضعٌ أتلفه بغير حق، فوجب فيه قيمته، وهي مهر المثل.
стр. 663
فصل
(وتملِكُ الزوجةُ بالعقدِ) أي بعقد نكاحِها (جميعَ) مهرِها (المسمَّى) -وعنه: لا تملك بعقدٍ إلا نصفَه وفاقاً لمالكٍ- لأنّ النكاحَ عقدٌ يُملكُ به العوضُ بالعقدِ، فيُملَك فيه العوض كاملاً، كالبيع. وسقوطُ نصفِهِ بالطلاقِ لا يمنَعُ وجوبَ جميعِهِ بالعقدِ، ألا ترى أنها لو ارتدّتْ سَقَطَ جميعُهُ، وإن كانتْ قد ملكتْ نصفَه.
(ولها) أي وللزوجة (نماؤُه) أي نماءُ مهرها (إن كان معيّناً) كعبدٍ معيّنٍ، ودارٍ معينةٍ، من حينِ عقدٍ فيكونُ كسبُ العبدِ ومنفعةُ الدارِ لها لأن ذلك نماءُ ملكِهَا.
(ولها) أيضاً (التصرّفُ فيه) أي في الصداق المعيّن بكل ما يجوز فيه من التصرفات، لأنه ملكها.
(وضمانُه) إن تلف، (ونقصُه) إن نَقَص، (عليها) كالمبيع المعيَّن إذا تلف أو نقص في يد البائعِ، ولم يمنع المشتريَ من قبضِهِ (إن لم يمنعْها قبضَهُ) فإن منعها قبضَه، فضمانُه إن تلف، ونقصُه إن نَقَصَ، عليه لأن الزوج إذا منعها من قبض ما ملكتْهُ كان بمنزلة الغاصب.
(وإن أقبضَها) أي أقبضَ الزوجُ زوجتَه (الصداقَ ثم طلّق) الزوجةَ (قبلَ الدخولِ) بها (رجعَ عليها بنصفِه) أي بنصف عينه (إن كان باقياً) بحالِهِ، ولو النصفُ فقط، ولو مشاعاً، فيدخل في مِلكِهِ قهراً لو لم يَخْتَرْهُ كالميراثِ.
(وإنِ كانَ قدْ زاد) الصداقُ (زيادةً منفصلة) كما لو كان الصداق غنماً أو نحوَها فَحَمَلَتْ عندَها وَوَلَدَت (فالزيادةُ لها) أي للزوجةِ، لأنّها نماءُ ملكِها، حتّى ولو كانت وَلَدَ أَمَةٍ.
وإن كانت متّصلة كالسِّمَنِ، وهي غيرُ محجورٍ عليها، خُيِّرت بين
стр. 664
دفع نصفِهِ زائداً، وبين دفعِ نصفِ قيمتِهِ يومَ العقدِ إن كان متميزاً. وغيرُ المتميّز للزوجِ قيمة نصفِهِ يومَ فُرْقَةٍ، على أدنى صفةٍ من وقتِ عقدٍ إلى وقت قبض.
والمحجورُ عليها لا تعطيهِ إلا نصفَ القيمةِ حالَ العقد.
(وإن كان) الصداق (تالفاً رجعَ) الزوجُ (في) الصداق (المثليّ بنصفِ مثلِهِ، و) رجع (في المتقوّم، بنصفِ قيمتِهِ)، وتعتبر قيمته (يوم العقد).
(والذي بيده عُقْدةُ النكاح) في قوله تعالى: ﴿إلاَّ أن يَعْفُونَ أوْ يَعْفُوَ الًذي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النكاحِ﴾ [هو] (الزوجُ)، لا وَليُّ الصغيرِ على الأصَحِّ. يروى ذلكَ عن عليٍّ، وابن عباسٍ، وجبيرِ بن مُطْعِم، وبه قال سعيدُ بن المسيِّب، وشُرَيح، وسعيد بن جبير، ونافع مولى ابن عمر، ومجاهد، وإياس بن معاوية، وجابر بن زيد، وابن سيرين، والشعبي، والثوري، وأصحاب الرأي، والشافعي، في الجديد.
(فـ) على هذا (إذا طلَّق) الزوج (قبل الدخولِ، فأيُّ الزوجينِ عفَا لصاحِبِهِ) أي الزوجِ الآخر (عمّا وَجَبَ له) أي عما استقر ملكه عليه بسبب الطلاق (من) نصفِ (المهرِ، وهو) أي العافي (جائز التصرّف) في ماله بأن كان مكلّفاً رشيداً غيرَ محجورٍ عليه (برئَ منه صاحبُه) لقوله : ﴿فإنْ طِبْنَ لكمْ عَنْ شَيءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً﴾ قال أحمد في رواية المروزي: ليس شيء قال الله تعالى: ﴿كُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً﴾ سمَّاه، غيرَ المَهْرِ بهبةِ المرأة للزوجِ (١). وقال علقمة لامرأته: هبي لي من الهنيء المريء. يعني من صداقها.
стр. 665
(وإن وهبته) أي وهبت المرأة (صداقَها) لزوجِها (قبل الفُرْقةِ ثم حصل ما ينصّفه) أي ينصِّفُ الصداقَ، (كطلاقٍ، رجع) الزوجُ (عليها ببدلِ نصفِه. وإن حصل ما يسقطه) أي الصداق (رجعَ) الزوجُ عليْهَا (ببدلِ جميعِهِ) أي الصداق (١).
فصل (فيما يُسْقِطُ الصداقَ وينصِّفه ويقرِّره)
[ما يسقط المهر]
(يسقُط) الصداق (كلُّه قبلَ الدُّخولِ، حتى المتعة) يعني أنه لو تزوجها ولم يسمِّ لها مهراً، ثم حَصَلتِ فرقةٌ مسقِطةٌ للمهرِ الذي لم يسمَّ فإنه يسقط ولم تجب مُتْعةٌ، (بفرقةِ اللّعان) قبل تقرُّره، لكون الفرقةِ من قِبَلِها، لأن الفسخ إنما يقع إذا تمّ لعانها، (وبفسخِهِ) أي فسخ الزوجِ النكاحَ (لعيبِها) أي عيب المرأةِ لكونها رتقاءَ أو فتقاءَ أو جذماءَ أو برصاءَ أو نحو ذلك، قبل تقرُّرِه لتلفِ المعوّض قبل تسلمه، فسقط العِوَض كله، كالبائع يتلَفُ المبيعُ بيده قبل تسليمِهِ.
(وبفرقةٍ جاءت من قِبَلِها، كفَسْخِها لعيبِهِ) (٢) أو إعسارِهِ، أو عدمِ
стр. 666
وفائِهِ بشرطٍ شرطَتْهُ عليهِ في النكاح، أو اختيارِها لنفسِها بجعلِ الزوج لها ذلك، بسؤالِها إياه (١) قبلَ دخولٍ، (وإسلامِها تحت كافرٍ) قبل تقرُّرِهِ (و) كـ (ردّتها تحتَ مسلمٍ، وإرضاعِها من ينفسخ به نكاحُها) قبل تقرّره، لأنها أتلفت المعوَّض قبل تسليمِهِ، أشبه ما لو أتلفَ البائعُ المبيعَ قبل قبضِهِ.
[ما يتنصف به المهر]
(ويتنصّف) صداقُها (بالفُرقة من قِبَلِ الزوجِ كطلاقِهِ) الزوجَةَ، ولو بسؤالها، (وخُلْعِهِ) إياها، ولو بسؤالها، لأن الفرقة إنما ثبتت في صورة سؤالها بجواب الزوجِ، (وإسلامهِ) أي إسلام الزوج قبل وجودِ ما يقرّره من الدخولِ أَو الخلوةِ، إذا كانت الزوجةُ غير كتابية، (وردّتِهِ) قبلَ وجودِ ما يقرِّرُهُ لمجيء الفُرْقَةِ من قبله.
(و) يتنصّف صداقها (بملك أحدِهما الآخر) أي بشراءِ الزوجةِ الزوجُ، أو الزوج الزوجةَ قبلَ الدخولِ.
(أو قِبَلِ أجنبيٍّ) يعني أن المهر يتنصّف إذا جاءت الفرقة من قبل أجنبيٍّ، (كرضاعٍ) أي كما لو أرضعتْ أختُهُ أو نحوُها زوجتَهُ الصغيرةَ رضاعاً محرماً، (ونحوِهِ) أي نحو الرضاع كما لو وطئَ ابنُ الزوجِ الزوجةَ قبل دخولٍ.
[ما يتقرر به المهر كاملاً]
(ويقرِّرُهُ) أي يقرّرُ المهرَ (كاملاً موتُ أحدهما) أي موتُ أحدِ الزوجينِ، ولو بقتْلِ أحدِهما الآخرَ أو قَتْلِ أحدِهِما نفسَهُ، لأنَّ النكاحَ بَلَغَ نهايتَهُ، فقام ذلك مقامَ الاستيفاءِ في تقرير المهر، ولأنه أوجبَ العِدَّةَ
стр. 667
على المرأةِ، فأوجبَ كمالَ المهرِ، كالدخول.
(و) يقرره كاملاً (وطؤُها) أي وطء الزوج الزوجةَ حيًةً في فرْج ولو
دبراً، أو في غيرِ خلوةٍ، لأنه قد وُجِد استيفاءُ المقصودِ باستقرارِ العوض.
(و) يقرر المهرَ كاملاً أيضاً (لمسُه لها) أي للزوجة لشهوةٍ (ونظرُه
إلى فرجِها لشهوةٍ) ولو لم يخلُ بها، فيهما. قال في الفروع: ويقررُه
لمسٌ ونحوُه لشهوةٍ. نص عليه. انتهى. ووجه ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنْ
طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا
فَرَضْتُمْ﴾ وحقيقة اللمْس التقاءُ البشرتين (١). (و) يقرره كاملاً (تقبيلُها ولو
بحضرةِ الناس) لأن القُبْلَةً أجرِيَتْ مجري الوطء في قطع خيارِ المشتري،
فيجبُ أن تكونَ في تقريرِ الصداقِ كذلك. قال أحمد: إذا أخذَها
فمسها، وقبض عليها، من غير أن يخلوَ بها، لها الصداقُ كاملاً، إذا نالَ
منها شيئاً لا يحل لغيرِه. وقال في رواية مُهَنا: إذا تزوج امرأةً فنظر إليها
وهي/ عُريانة تغتسل وجب عليه المهر.
(و) يتقرر كاملاً (بطلاقِها في مرضِ موتٍ ترثُ فيهِ) قال في
المنتهى: أو موتهِ بعدَ طلاقٍ في مرض موتٍ قبل دخولٍ، ما لم تتزوجْ أو
ترتد (٢) انتهى.
(و) يتقرر (بخلوتهِ بها) أي خلوةِ الزوج بالزوجةِ، وإن لم يطأ.
روي ذلك عن الخلفاء الأربعة الراشدين، وزيدٍ، وابنِ عمر، وبهذا قال
علي بن الحسين، وعرْوَة، وعطاء، والزهري، والأوزاعي، وإسحق،
стр. 668
وأصحاب الرأي. وهو قول الشافعي في القديم.
ويشترط للخلوة المقرِّرة للمهر كاملاً أن تكون (عن مميَّزٍ) ولو كان كافراً أو أعمى نصًّا، ذكراً كان أو أنثى، عاقلاً أو مجنونًا، وسواءٌ كان الزوجانِ مسلمينِ، أو كافرينِ، أو الزوجُ مسلماً، والزوجةُ كتابيةً، ولو كان الزوج أعمى أو نائماً مع علمِهِ بأنها عنده، إنْ لم تمنعْه الزوجةُ من وطئِها.
وإنما تكون الخلوةُ مقرِّرَةً (إن كان) الزوج (يطأ مثلُه و) كانت الزوجةُ (يوطأ مثلُها) كابنِ عشرٍ يخلو ببنتِ تسع.
ولا تقبل دعواه عدم علمه بها.
فصل [في اختلاف الزوجين في الصداق]
(وإذا اختلفا) أي اختلفَ الزوجان، أو ورثتُهما، أو زوجٌ ووليُّ صغيرةٍ (في قدر الصداقِ)، أو في عينِه، (أو) في (جنسِهِ)، أو في صفته، (أو) فيما يستقر به (الصداق)، فقول الزوجِ (بيمينِهِ) أو وارثِهِ بيمينِهِ. أما كونُ القولِ قولَه في عينِ الصداقِ، كما لو ادعت أنه أصدقها هذه الأَمَةَ، وقال هو: بل هذا العبدَ، وفي صفته، كما لو قالت: أصدقَنيَ عبداً روميًّا فقال: بل زنجيًّا، وفي جنسِهِ، كما لو قالت: أصدقني كذا من البُرّ، فقال: بل من الشعير. وفيما يستقرّ به المهر، كما لو قالت: خلوتَ بي، فقال: لم أخلُ بكِ، فلأنه مُنْكِرٌ، والقولُ قولُ المنكِرِ بيمينه، لأن الأصلَ براءَةُ ذمَّتِهِ مما لم يجبْ بإقرارِهِ، ولا بيِّنة.
(و) إذا اختلف الزوجان أو ورثتُهما (في القبضِ) للصداقِ (أو تسميةِ المَهْرِ فقولُها) إن وُجدتْ، (أو وارِثِها،) بيمينٍ من قبلِ المنكِرِ، لأن
стр. 669
الأصل عدمُ القبضِ وعدمُ التسمية.
(وإن تزوجَهَا) أي تزوج رجلٌ امرأةٌ (بعقدينِ على صداقَيْنِ سراً وعَلناً، أخِذَ) الزوجُ (بـ) ـالصداقِ (الزائِدِ) سواء كان الزائدُ صداقَ السرِّ أو كان الزائدُ صداقَ العلانِية.
ويلحَقُ بالمهرِ زيادةٌ بعد عقدٍ ما دامت في حباله، فيما يقرّره أو ينصِّفه. قال أحمد في الرجل يتزوّج المرأةَ على مهرٍ، فلما رآها زادَها في مهرها: فهو جائز. فإن طلّقها قبلَ الدخولِ فلها نصفُ الصداقِ الأول ونصفُ الزيادةِ. انتهى.
[هدايا الزوج]
(وهديّةُ الزوجِ ليسَتْ من المَهْرِ) نصّ عليه. (فما) أهداه الزوجُ (قبلَ العقدِ إن وعدوهُ) بأن يزوَجوه (ولم يَفُوا) بان زوجوا غيره (١) (رجع بها) أي بالهدية. قال في الإنصاف: قاله الشيخ تقيُّ الدين. واقتصر عليه في الفروع. قلت: وهذا مما لا شكّ فيه. انتهى (٢). وما قبضَهُ أخو الزوجةِ ونحوُه مئكلةً (٣)، فحكُمْهُ حكمُ المَهْرِ فيما يقرِّره وينصِّفه.
(وتردّ الهديةُ) على زوجٍ (في كل فُرْقةٍ اختياريةٍ مسقطةٍ للمهر) كفسِخٍ لفقدِ كفاءةٍ ونحوهِ قبل الدخولِ، (وتثبُتُ) الهدية (كلُّها مع) أمرٍ (مقرِّرٍ له) أي للمهر (أو لنِصْفِهِ).
ومنْ أخَذَ شيئاً بسببِ عقدٍ، كدلَّالٍ في بيعٍ ونحوِهِ، كإجارةٍ، فإنْ
стр. 670
فُسِخَ بيعٌ بإقالةٍ ونحوِها مما يقف على تراضٍ، لم يُرَدَّ، وإلا ردَّه. وقياسُهُ نكاحٌ فُسِخَ لفقدِ كفاءَةٍ أو عيبٍ، فيردُّه. قاله في المنتهى.
فصل [تفويض المهر]
(ولمن زُوِّجت) أي زوّجها أبوها مجبَرَةً، أوْ لا، بإذنها، بلا مهرٍ، أو زوّجها غيرُ الأب بإذنها (بلا مهرٍ) صحّ العقد مع عدم تسميةِ صداقٍ. ويجبُ لها مهرُ المثل، (أو) زوِّجَتْ (بمهرٍ فاسدٍ) كما لو تزوَّجَها على خمرٍ أو كلبٍ، صحَّ العقدُ، و (فُرِضَ مهرُ مثلها عند الحاكم) أي فَرَضَهُ الحاكم، بقدره. ويلزمهما فَرْضُهُ، كحكمه.
(فإن تراضَيَا) أي الزوجان (فيما بينهما، ولو على قليلٍ صحَّ ولَزِمَ) وصارَ حُكْمُهُ حكمَ المسمّى في العقدِ، قليلاً كان أو كثيراً، سواء كانا عالمينِ مهرَ المثلِ أوْ لا، لأنه إن فرضَ لها كثيراً فقد بذل لها من ماله فوق ما يلزمه، وإن فرض لها يسيراً فقد رضيتْ بدون ما يجبُ لها.
تنبيه: عبارةُ المتنِ مخالِفةٌ لما في المنتهى تقديماً وتأخيراً، فإن عبارته "فإنْ تراضَيَا ولو على قليلٍ صحّ، وإلا فرضه حاكمٌ بقدره." وعبارة الإِقناع مرتّبة كالمنتهى.
[المتعة]
(فإن حصلتْ لها فُرْقَة منصِّفة للصداقِ) من طلاقٍ أو غيره (قبلَ فرضِهِ أو تراضِيهِمَا وجبتْ لها المُتْعَةُ.) وهي [أي المتعة] ما يجبُ لحرةٍ أو سيِّدِ أمةٍ على زوجٍ بطلاقٍ قبل دخولٍ لمن لم يُسَمِّ لها مهرٌ مطلقاً. (على الموسِعِ قَدَرُهُ وعلى المقترِ قَدَرُهُ) وذلك لأن المتعةَ معتَبَرَةٌ