← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 96876

نيل المآرب بشرح دليل الطالب

ابن أبي تغلب

Полный текст (983 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

من الزنا") وتشيرُ إليه إن كان حاضراً بالمجلس، وإن كان غائباً عنه سَمَّتْهُ، ونسَبته. وتكرِّر ذلك. (ثم تزيد في الخامسة "وأنّ غَضَبَ اللهِ عليها إن كان من الصادقين") ولا يشترط على الأصحّ أن تقول: "فيما رماني به من الزنا". فإن نَقَصَ لفظٌ مما ذُكِرَ ولو آتياً بالأكثر، وحَكَم حاكِمٌ بِهِ، أو بدأتْ به، أو قدّمت الغضَب، أو بَدَّلتْهُ باللعْنَةِ، أو السَّخَط، أو قدم اللعْنَةِ، أو أبدلها بالغَضَب، أو الإبعاد، أو أبدل لفظ "أشهد" بأقسِم، أو أحلِف، أو أتى به قبل إلَقائه عليه، أو بلا حضورِ حاكم أو نائبه، أو بغير العربية ممن يحسِنها -ولا يلزمه تعلُّمها إن عجز عنه بها- أو علّق اللعانَ بشرطٍ، أو عدمت موالاةُ الكلمات، لم يصحَّ، لأنه مخالف للنصّ. (وسن تلاعنهما قياماً) لأنَ في حديث ابن عباس، في خبر هلالٍ "أن هلالاً جاءَ فشهد، ثم قامت فشهدت" (١) وهذا يدل على أنهما تلاعَنا قياماً. (بحضرةِ جماعةٍ، و) يسنّ (أن لا ينقصوا عن أربعةٍ) من الرجال، لأن الزوجةَ ربما تصدِّق على الزنا، فيشهدون على إقرارها عند الحاكم. ويسن أن يكون اللعان في الأوقاتِ والأماكنِ المعظَّمة، ففي مكَّةَ: بينَ الرُّكنِ والمقام، وفي المدينة عند منبر النبي ﷺ ، وفي بيت المقدس: عند الصَّخْرة (٢)، وفي سائر البلدان: عند منابر جوامعها. وتقف الحائضُ عند باب المسجدِ.

стр. 737

وفي الزمان بعد العصر. (و) يسن (أن يأمرَ الحاكم من) أي رجلاً (يضعُ يده على فمِ الزوجِ، و) امرأةً تضع يدها على فمِ (الزوجةِ، عند الخامسة. ويقول: "اتَّقِ اللهَ فإنها الموجبة. وعذابُ الدنيا أَهوَنُ من عذاب الآخِرة") أما كونُ الخامسة هي الموجبة، فإنه إذا كان كاذباً وجبتْ عَليه اللعْنَةُ لالتزامه إياها في الخامسة. وإن كانت كاذبة وُجبَ عليها الغضبُ بالتزامها إياه في الخامسة. فينبغي التخويفُ عندها، والإِعلام أنّ عذابَ الدنيا أهون من عذاب الآخرة، لأن عذاب الدنيا منقطع، وعذابَ الآخرة دائم، ليتوب الكاذبُ منهما، ويرتدعَ عما عَزَم عليه. ويبعَثُ الحاكِمُ إلى خَفِرَةٍ (١) من يلاعِنُ بينهما. فصل (وشروط اللعان ثلاثة): الأول: (كونه بين زوجين) ولو قَبْل الدخول (مكلَّفينِ) ولو قِنّين أو فاسقين أو ذمّيين أو أحَدُهما. (الثاني: أن يتقدّمه) أي اللعان (قذفها بالزنا) ولو في دُبُرٍ، كقوله: زنيتِ، أو: يا زانية، أو: رأيتك تزنين. وإن قال وُطِئْتِ مُكْرَهَةً، أو نائمة، أو بشبهة، فلا لعان. (الثالث: أن تكذّبه) الزوجةُ في قذفِهِ إياها (٢) (ويستمرَّ تكذيبُها إلى

стр. 738

انقضاء اللعان،) لأنها إذا لم تكذبْهُ لا تلاعِنُه. والملاعَنَةُ إنما تنتظم من الزوجين. (ويثبت بتمام تلاعنِهِمَا أربعة أحكام): الحكم (الأولَ: سقوط الحدّ) عنه إن كانت الزوجةُ محصَنَةٌ، (أو التعزيرُ) إن كانت غير محصنة. الحكم (الثاني: الفرقةُ) بين المتلاعنين، (ولو بلا فعلِ الحاكِم) يعني ولو لم يفرّق الحاكمُ بينهما، على الأصح. الحكم (الثالث: التحريمُ المؤيَّد) ولو أكْذَبَ نفسه، أو كانت أمةً فاشتراها بعد. الحكم (الرابع: انتفاء الولد) عن الملاعِنِ. (ويعتبر لنفيه) أي الولد (ذكرُهُ صريحاً) في اللعان (كأشهد بالله لقد زَنَتْ وما هذا ولدي) وتقول هي: "أشهد بالله لقد كذب، وهذا الولد ولده." فصل (فيما يلحق من النسب) (إذا أتت زوجةُ الرجلِ بولدٍ بعد نصفِ سنةٍ منذ أمكن اجتماعه بها، ولو مِع غيبته فوق أربعِ سنين) قال في الفروع، ولو مع غيبتِهِ عشرينَ سَنَةً. قال في المغني في مسألة القافة (١). وعليه نصوص الإِمام أحمد. ولعل المراد: ويخفى سيرُه، وإلا فالخلافُ، على ما يأتي. انتهى.

стр. 739

ولا ينقطع الإمكان عن الاجتماع بحيض، (حتى ولو كان) الزوجُ (ابن عشر) سنينَ (لحقه نسبه) على الأصحّ، لقول النبى ﷺ : "الوَلَدُ للفِرَاشِ" (١) ولأن مع ذلك يمكنُ كونُه منه. وقدرناه بعشر سنين فما زادَ لقول النبيّ ﷺ : "واضرِبوهُمْ عليها لِعشْرٍ وفَرِّقوا بَيْنَهُم في المضاجِع" (٢) ولأن تمام عشر سنينَ زمنٌ يمكنُ فيه البلوغُ، فيلحق فيه الولدُ، كالبالغ. وقد روي أن عمرو بن العاص، وابنه، لم يكن بينهما إلا اثنا عشر (٣) عاماً. وأمرُ النبيّ ﷺ بالتفريق بينهم في المضاجع دليل على إمكان الوطء الذي هو سبب الولادة. (ومع هذا) أي مع لحوق النسب به (لا يُحْكَمُ ببلوغه) لأن الحكم ببلوغِهِ يستدعي يقيناً، لترتُّب الأحكام عليه، من التكاليف، ووجوب الغرامات، فلا يحكم به معَ الشك. وإنما ألحقنا الولدَ بهِ حِفظاً للنسبِ واحتياطاً. (ولا يلزمه) أي بإلحاقنا به النسبَ (كلُّ المهر) لأن الأصلَ براءَةُ

стр. 740

ذمَّتِهِ، فلا يثبت عليه بدون ثبوت سببه الموجب له. (ولا تثبت به عِدَّةٌ ولا رجعة) لأن السببَّ الموجِبَ لهما غير ثابتٍ، فلا يثبتانِ بدون ثبوت سَبَبِهما. (وإن) لم يمكن كونه من الزوجِ، مثل لو (أتَتْ به لدون نصفِ سنةٍ منذ تزوَّجها) وعاش، أو أتت به لأكثر من أربعِ سنينَ منذ أبانَها، أو فارقها حاملاً، فوضعتْ، ثم وضعتْ آخرَ بعد نصف سنة، (أو عُلم أنَّه لم يجتمع بها) زَمَنَ الزوجية، (كما لو تزوّجها بحضْرَةِ جماعةٍ) ولا فرْقَ بين أن يكون مع الجماعة حاكمٌ أوْ لا، (ثم أبانَها في المجلِسِ، أو ماتَ) الزوجُ بالمجلِسِ أو كانَ بين الزوجَيْنِ وقت عقدٍ مسافةٌ لا يقطعها في المدة التي وَلَدَتْ فيها، كمشرقيٍّ تزوج بمغربيةٍ، ثم مضتْ ستة أشهرٍ، وأتتْ بولد، لم يلحقه نسبه، لأن الولد إنما يلحقه بالعقْدِ ومدة الحمل، أو كان الزوج لم يكملْ له عشرٌ من السنين، أو قُطِعَ ذَكَرُهُ مع أنثييه، (لم يلحقه) أي لم يلحق الولدُ الزوجَ في هذه المسائل كلِّها. فصل [فى ما يلحق به نسب ولد الأمة] (ومَن ثبت) أنه وطئَ أمته في الفرج أو دونَه (أو أقرّ أنه وطئ أمته في الفرج أو دونه، ثم ولدتْ لنصفِ سنةٍ) فأكثر (لحقه) نسب ما ولدته، لأن أمَتَهُ بوطئِهِ صارتْ فراشاً له، فإذا أتت بولدٍ لمدةِ الحملِ من يوم الوطءِ لحقهُ نسبُهُ، ولو قال: عزلتُ، أو قال: لم أُنْزِلْ، لا إن ادّعى استبراءً بعد الوطءِ بحيضةٍ ويحلفَ على الاستبراءِ، ثم تلدُ لنصفِ سنةٍ بعده. (ومن أعتقَ) أمةً أقرَّ بوطئِها (أو باعَ من أقرّ بوطئها، فولدت لدون

стр. 741

نصف سنةٍ) من حينِ عتقها، أو لدون نصف سنةٍ من حين بيعها، (لحقه) أي لحق المعتقَ أو البائعَ ما ولدتهُ، لأن أقلّ الحمل ستةُ أشهرٍ فإذا أتت به لدونها وعاش علم أن حملها كان من قبل عتقِها وقبل بيعها حين كانت فراشاً له، (والبيعُ باطِلٌ) لأنَّها صارتْ أم ولدٍ له، حتى ولو كان استبرأها قبل أن يبيعَها. (و) إن أتتْ به (لنصفِ سنةٍ، فأكثر، لحق) الولدُ المشتري. (ويتبعُ الولد أباه في النَّسَب) إجماعاً، قال في شرح المنتهى: ما لم ينتفِ عنه، كابن ملاعنةٍ، فولدُ قرشيٍّ من غير قرشية قرشيّ، بخلاف ولد قرشيَّة من غير قرشيّ، فإنه لا يكون قرشيًّا. (و) يتبعُ الولد (أمه في الحريّة، وكذا) يتبع الولد أمّه (في الرّقّ، إلا مع شرطٍ) بأن يشترط زوجُ الأمة على سيدها عند تزويجها أنّ ما تأتي منه بولدٍ يكون حراً (أو) مع (غرورٍ) بأن يتزوّج امرأة على أنها حرَّةٌ فتبينُ أمةً، فإن ولدها في الصورتين يكون حراً. (ويتبع) الولد (في الدينِ خَيَرهُما) أي خيرَ أبوْيهِ ديناً، فلو تزوّج مسلمٌ حرة ًكتابيةً، أو تسرّى مسلم بأمة كتابية، فما تلده منه يكون مسلماً. وإذا تزوّج كتابيٌّ بحرةٍ مجوسيةٍ، أو تسرّى بأمةٍ مجوسيَّةٍ، فما تلده منه يكون كتابيًّا. (و) يتبع الولدُ (في النجاسَةِ، وتحريمِ النكاح، والذكاةِ، والأكلِ أخبثهما) أي أخبث الأَبَوَيْنِ، فالبغلُ نَجِسٌ محرَّم الأكلِ، لتبعيته لأخبث أبويه، وهو الحمارُ الذي هو نجس محرم الأكل، دون أطيبهمَا الذي هو الفرس الطاهر المباح الأكل.

стр. 742

كتَاب العدّة مأخوذة من العدد، لأن أزمِنَةَ العِدَّة محصورةٌ مقدّرة بعدد الأزمانِ والأحوالِ، كالحيض والأشهر ونحوِهِما. (وهي) أي العدّة (تربُّصُ من فارقتْ زوجَها بوفاةٍ) دخَل بها أوْ لا، (أو حياةٍ) إن دخل أو خلا بها. [عدة المتوفى عنها] (فالمفارقةُ بالوفاةِ) أي التي مات زوجُها عنها (تعتد مطلقاً) أي سواء كان المتوفَّى يولد لمثلِهِ أوْ لا، يَطَأ مُثْلُه أوْ لا، دخل بها أوْ لا. (فإن كانتْ) المتوفى عنها زوجُها (حاملاً من الميت فعدّتُها حتى تضعَ كلَّ الحمل)، حرةً كانت أو أمةً، ولو لم تطهُرْ من نفاسِهِا بغسل أو تيمَّم. لكن إن تزوَّجت في مدة النفاس حرُم وطؤُها حتى تطهُرَ. فلو ظهر بعضُ الولدِ فهي في عدة حتّى ينفصل باقيه إن كان الحملُ واحداً، وإن كان أكثر فحتَى ينفصل باقي الأخيرِ. والحملُ الذي تنقضي به العدّة ما تصير به الأمة أُمَّ ولدٍ، وهو ما يتبيَّن به خلقُ الإنسان، كرأسٍ ورِجْل.

стр. 743

(وإن لم تكنْ حاملاً) منه (فإن كانتْ حرةً فعدتُها أربعة أشهر وعشرُ ليالٍ بأيامِها) لأن النهارَ تَبَعٌ للّيل. والإِجماع منعقد على ذلك، لعموم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ ولأن النكاحَ عَقْدُ عُمْرٍ، فإذا ماتَ انتهى، والشيءُ إذا انتهى تقرَّرت أحكامُهُ كتقرَّر أحكام الصيامِ بدخولِ اللَّيْل، وأحكام الإِجارة بانقضاءِ مدّتها. والعدةُ من أحكَام النكاح، ولا يعتبر الحيضُ في عدة الوفاةِ في قول عامّة أهل العلم. (وعدةُ الأمة) المتوفّى عنها زوجها (نصفُها) أي نصف عدة الحرةِ وذلك شهران وخمسُ ليال بخمسة أيام. [العدة في غير الوفاة] (والمفارقةُ في الحياةِ لا تعتدّ إلا إن خلا بها أو وَطِئَها،) وشُرِطَ لوجوب العدَّةِ للخلوةِ طواعِيَتُهَا؛ وعلمُهُ بها (١). فَإن طلقها قبل الدخولِ أو الخلوة فلا عدةَ عليها، لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ (وكان ممن يطأُ مثلُه، ويوطأُ مثلُها، وهو ابن عشر وبنت تسعٍ) وإنما اشتُرِطَ ذلك لأن العِدةَ ترادُ لبرَاءةِ الرَّحِمِ من الحملِ، فإن كانت الموطوءة لا يوطأ مثلها، أو كان الواطئ لا يلحق به الولَدُ لصغره، فلا فائدة في العدة، لتحقق براءة الرحم من الحمل. [عدة المطلقة الحامل] (وعدتها) أي عدة المفارَقة في الحياة المدخولِ بها (إن كانت حاملاً بوضع الحمل) كلِّه.

стр. 744

[عدة المطلقة غير الحامل] (وإن لم تكن حاملاً فإن كانت تحيض، فعدتها ثلاث حيضات إن كانت حرة) أو مبعّضة، بغير خلاف بين أهل العلم (١)، لقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ والقرء الحيض على الأصح. والقرء في كلام العرب يقع على الحيضِ والطهرِ جميعاً. فهو من الأسماء المشتركة. (و) عدتُها (حيضتان إن كانت أمة). وليسَ الطُّهر عدة. ولا تعتد بحيضةٍ طُلِّقت فيها، حتى تأتي بثلاثِ حيضاتٍ كوامل بعدها إن كانت حرّةٌ أو مبعّضة، وثنتين بعدها إن كانت أمة. [عدة الصغيرة والآيسة] (وإن لم تكن) من طلقت بعد الدخول أو الخلوة (تحيضُ، بأن كانت صغيرةً، أو بالغةً ولم تَرَ حيضاً ولا نفاساً)، أو كانت مستحاضة ناسية لوقت حيضها أو مستحاضة مبتدأة، (أو كانت آيسةً، وهي) أي الآيسة (من بلغتْ خمسين سنة) وتقدّم (٢)، (فعدتها ثلاثة أشهر إن كانت حرّة) إجماعاً، لقوله : ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ يعني: كذلك. وابتداء العدة من الساعة التي فارقها فيها في الأصح، فلو فارقها

стр. 745

نصفَ الليل، أو نصف النهار، اعتدت من ذلك الوقت إلى مثله، في قول أكثر العلماء. (و) عدتها (شهرانِ إن كان أمةٌ) لا تحيضُ لصِغر أو إياسٍ، أو مبعضةً فبالحِسَاب. [من ارتفع حيضها] (ومن كانت تحيضُ، ثم ارتفع حيضُها قبل أن تبلغ سن الإِياس، ولم تعلمْ ما رفعه، فتتربّص تسعةَ أشهر) وهي غالبُ مدّة الحملِ، لتعلم براءَةَ رَحِمِها. فإذا مضتْ ولم يتبيّن حملٌ عُلِمَ براءة رحمها ظاهراً (ثم تعتدّ عدّةَ آيسةٍ) وإنما وجبت العدة بعد التسعة الأشهر التي عُلِمَتْ براءتها من الحمل فيها، لأن عدة الشهور إنما تجب بعد العلم ببراءة الرحم من الحمل، إما بالصغر، أو الإياس. وههنا لما احتمل، انقطاع الحيض للحملِ، واحتمل انقطاعه للِإياس، اعتبرنا البراءةَ من الحمل بمضيَ مدتِهِ، فتعيًن كونُ الانقطاع للإِياس، فأوجبنا عدته عند تعيّنه، ولم نعتبر ما مضى، كما لم نعتبر ما مضى من الحيض قبل الإِياس، لأن الإِياس طرأ عليه. (وإن علمت) المعتدة (ما رفَعَه) أي ما رفع الحيض (من مرضٍ، أو رضاعٍ، ونحوه) كنفاسٍ (فلا تزال متربِّصة) في عدة (حتى يعود الحيض فتعتدّ به) وإن طال الزمن، لأنها مطلّقة لم تيأس من الدّم، فيجب عليها العدة بالأقراء، وإن تباعدت، كما لو كانت ممن بين حيضتَيْها مدة طويلة (أو تصيرَ آيسةٌ) يعني أو تصير إلى سن الإِياس (فتعتد عدة آيسة) نصَّ على ذلك في رواية صالحٍ وأبي طالب وابن منصور. تنبيه: فهم من المتن أن المعتدّات خمس:

стр. 746

الأولى: الحامل، وعدتها من موتٍ وغيره إلى وضع الحمل كله. الثانية: المتوفّى عنها زوجُها بلا حملٍ منه. الثالثة: ذات الأقراءِ المفارَقة في الحياة. الرابعة: من لم تحض المفارقة في الحياة. الخامسة: من ارتفع حيضها ولم تدر سببه. زاد في الإِقناع والمنتهى سادسة، وهي امرأة المفقود. وقد ذكرها المؤلف في الفرائض (١). فصل [في العدة في غير النكاح الصحيح] (وإن وطئ الأجنبيُّ بشبهةٍ أو نكاحٍ فاسدٍ أو زناً مَنْ هي في عدّتها أتمت عدة الأول) سواء كانت عدته من نكاحٍ صحيح، أو فاسدٍ، أو من وطءِ شبهة، ما لم تحمل من الثاني، فتنقضي عدتها بوضع الحمل قبل أن تُتِمَّ عدة الأول، ولا يحتسب من عدة الأول مقامها عند الثاني. للزوج الأول إن كان طلاقُه رجعياً رجعتُها في التتمّة. (ثم تعتدّ للثاني) لأنهما حقَان اجتمعا لرجلين (٢)، فلم يتداخلا. وقُدِّم أسبقهما كما لو تساويا في مباح غير ذلك. (وإن وطئها عمداً) من غير شبهةٍ (من أبانَها) في عدّتها منه (فكالأجنبيّ) أي فكوطءِ أجنبي فَتُتِمُّ العدة الأولى، ثم تبتدئ العدة

стр. 747

الثانية للزنا، لأنهما عدتان من وطأين يلحق النسب في أحدهما دون الآخر، فلم يتداخلا، كما لو كانا من رجلين. (و) إن وطئها مبينُها (بشبهةٍ) في عدّتها منه (استأنفت العدة من أوّلها،) لأنهما عدّتان من واطئٍ، فتداخلتا. ومن وُطئتْ زوجتُهُ بشبهةٍ، ثم طلَّقها، اعتدتْ له، ثم تتم للشبهة. (وتتعدّد العدّةُ بتعدُّد الوطء بالشبهة) لأنهما حقّان مقصودان لآدميّين، فلم يتداخلا، كالديّنين، لأن كلَّ واحدٍ من الواطئين له حق في عدته، للحوق النسب في وطء الشبهة (لا) إن تعدّد الواطئُ (بزناً) فإن العدة لا تتعدّد في الأصح. (ويحرم على زوج) المرأة (الموطوءة بشبهةٍ أو زناً أن يطأها في فرجٍ ما دامت في العدة) أي عدة الواطئِ، لأنها عدة، فقُدِّمت على حق الزوج، فمنع من الوطءِ قبل انقضائها (١). فصل [في الإِحداد] يحرم الإحداد فوق ثلاثٍ على ميتٍ غير زوج. (ويجب الإحداد على) الزوجة (المتوفى عنها زوجها) إن كانت (بنكاحٍ صحيح) لأن النكاحَ إن كان فاسداً فهي ليست زوجة على الحقيقة الشرعية. والمسلمةُ والذمّيةُ، والمكلفة وغيرها، فيه سواء، (ما دامت في العدة). (ويجوز) الإحداد (للبائن) قال في الفروع: إجماعاً. لكن لا يُسنّ

стр. 748

لها. قاله في الرعاية. انتهى. (والإحداد ترك الزينة، و) ترك (الطيب) وكلِّ ما يدعو إلى جماعها، ويرغّب في النظر إليها، ويحسِّنها (كالزعفران) ولو كان بها سَقَم، (و) ترك (لُبْسِ الحليّ، ولو خاتماً) وحلقةً، في قول عامة أهل العلم، لأن الحلي يزيد حُسْنَها، ويدعو إلى مباشرتها، (و) تركُ (لبس الملوّن من الثياب) لزينةٍ (كالأحمر، والأصفر، والأخضر)، والأزرق، الصافيين، والمطرّزَ، وما صُبغَ غَزْلُهُ ثم نُسِجَ فكمصبوغ بعد نسجه؛ (و) ترك (التحسين بالحنّاء) لأنه يدعو إلى الجماع، أشْبَهَ الحليّ، بل أولى؛ (و) ترك (الأسْفِيدَاجِ) وهو شيء يُعْمَلُ من الرَّصاص، إذا دُهِنَ به الوجه يربو ويبرق، (و) تركُ (الاكتحال بـ) الكحلِ (الأسود) بلا حاجةٍ، ولو كانت سوداء، (و) ترك (الأدّهان بـ) الدهن (المطيّب،) فلا يحلُّ لها استعمال الأدهان المطيّبة، كدهن الورد، والبنفسج والياسمين والبان. وما أشبه ذلك، لأن الادّهان بذلك استعمال للطيب، (و) تركُ (تحمير الوجه وحفِّه) ونتفِهِ وتنقيطه والتخطيط. (ولها لبس) الثوب (الأبيض، ولو) كان (حريراً،) لأن حسنه من أصلِ خلقتِهِ، فلا يلزم تغييرُه، كما أن المرأة إذا كانت حسنةَ الخلقةِ لا يلزمها أن تغيّر نفسها في عدة الوفاة وتشوِّهَ نفسها. ولا تُمْنَعُ من ملوَّنٍ لدفع وسخٍ، كَكُحْلِيٍّ ونحوه، كالأسود والأخضر الذي ليس بالصافي. ولا تمنع من نقابٍ، ولا أَخذِ ظفرٍ ونتف إبط وأخذ شعر مندوبٍ إلى أخذه، وغُسْلٍ. (وتجب عدة الوفاةِ في المنزل الذي مات زوجُها) وهي ساكنة (فيه) سواءٌ كان لزوجها، أو بإجارة، أو إعارة، إذا تطوَّع الورثة

стр. 749

بإسكانها فيه، أو السلطان، أو أجنبيّ. وإن انتقلت إلى غيره لزمها العود إليه (ما لم يتعذَّر) بأن تدعو ضرورة إلى خروجها منه. (وتنقضي العدة) أي عدة المتوفّى عنها زوجها (بمضيّ الزمان) الذي تنقضي به العدة (حيث) في أيّ مكان (كانت)، لأن المكان ليس شرطاً لصحة الاعتداد.

стр. 750

باب استبراء الإمَاء الاستبراء استفعال من "البراءة"، وهي التمييز والانقطاع، يقال: برئَ اللحمُ من العظم، إذا قُطِع عنه وفصل منه. (وهو) أي الاستبراء (واجبٌ في ثلاثة مواضع) لا أكثر: (أحدها: إذا مَلَكَ الرجل، ولو) كان المالكُ (طفلاً) بأيِّ نوعٍ من أنواعِ التملُّكات (١) (أُمةً بوطأ مثلُها)، بكراً كانت أو ثيّباً، ولو مسبيَّةً أو لم تحِضْ، (حتّى ولو) كان (مَلَكَها من) طفلٍ أو (أنثى، أو كان بائعُها قد استبرأَها، أو باعَ أو وَهَبَ أمتَه ثم عادَتْ إليه) الأمة (بفسخٍ) أو عيبٍ، أو إقالة، أو خيار، (أو غيرِهِ) كبيعٍ أو هبةٍ، ولو قبل تفرُّقهما عن المجلس على الأصحِّ. وقال في الإِقناع: إن افترقا. (وحيثُ انتَقَلَ المِلكُ لم يحلَّ استمتاعُهُ بها، ولو بالقُبْلة، حتى يستبرئها).

стр. 751

(الثاني) من الثلاث مواضع التي يجب فيها الاستبراء: (إذا ملكَ أمةً، ووطئها، ثم أراد أن يزوّجها، أو) وطئها ثم أراد أن (يبيعها قبل الاستبراء فيحرم) عليه. أما إذا أراد أن يزوّجها فإنه يجب عليه استبراؤها وجهاً واحداً (١)، لأن الزوجَ لا يلزمه استبراءٌ، فيفضي إلى اختلاطِ المِيَاهِ واشتباه الأنساب. وأما إذا أراد بيعها فإنه يجب استبراؤها على الأصحّ (٢)، لأنه يجب على المشتري الاستبراءُ لحفظِ مائه، فكذلك البائع. ولأنه قبل الاستبراء مشكوكٌ في صحة البيع وجوازه، ولاحتمال أن تكون أم ولد. فيجب الاستبراءُ لإزالة الاحتمال. ولأنه قد يشتريها من لا يستبرئُها، فَيُفضي إلى اختلاط المياه واشتباه الأنساب. (فلو خالف) بأن زوَّجها، أو باعها، قبل استبرائها (صحَّ البيع) في الظاهر، لأن الأصل عدم الحمل، (دون النكاح) يعني أن النكاح لا يصحّ، لأن استبراءها واجب، حفظاً لمائه، فلم يصحّ تزويجها في زمن الاستبراءِ، كالمعتدة. (وإن لم يطأ) ها (جاز) البيعُ والنكاحُ قبل الاستبراء. (الثالث) من المواضع الثلاثة التي يجب فيها الاستبراء: (إذا أعتق أمتَهُ) التي كان يطؤُها قبل استبرائها، أو مات عنها، (أو) أعتَقَ (أمّ ولده، أو مات عنها، لزمها استبراءُ نفسها إن لم تستبرأ قبل)، لأنها فراشٌ لسيدها، وقد فارقها بالعتق أو الموت، فلم يجز أن تنتقل إلى فراش غيره قبل الاستبراء.

стр. 752

فصل (و) يحصل (استبراءُ الحامل بوضعِ الحمل) أي بوضعِ ما تنقضي به العدة. (و) استبراءُ (من تحيضُ بحيضةٍ) كاملة. (و) يحصل استبراء (الآيسة والصغيرة) التي يوطأ مثلها -أما إذا كانت لا يوطأ مثلها فلا تستبرأُ، لأن براءةَ رحمها ثابتةٌ بالحس، فلا فائدة في استبرائها- (و) استبراء (البالغة التي لم تَرَ حيضاً بشهرٍ) لأن الله تعالى جعل الشهْر مكان الحيضة، ولذلك اختلفت المشهور باختلاف الحيضات، فكانتْ عدّةُ الحرة الأيسة ثلاثةَ أشهرٍ مكان ثلاثة قروء وعدّة الأمة بشهرين مكان قرأين. (و) أما استبراءُ (المرتفعِ حيضُها) ولم تعلم ما رفعه (فعشرة أشهر: تسعةٌ للحمل، وشهرٌ للاستبراء) بدل الحيض، (والعالمةُ ما رفعه بخمسين سنة وشهرٍ) قال في المنتهى وشرحه: وإن علمتْ مارَفَعَ حيضها فكحرّة. يعني أنها لا تزال في استبراءٍ حتى يعود الحيض فتستبرئ نفسها بحيضةٍ، إلا أن تصيرَ آيسةً فتستبرئ نفسها استبراءَ الآيسات انتهى. وعبارة الإِقناع معناها كالمنتهى وشرحه. (ولا يكون الاستبراء إلا بعد تمام مِلْك الأَمَة كلها ولو لم يقبضْها،) لأنه صَدَق عليه أنَّه مَلَكَها، وجاز له هبتُها ووقفها وعتقُها وتدبيرُها. فلو ملك بعضَها، ثم مَلَك باقيها لم يُحْتَسَبِ الاستبراءُ إلاَّ من حين مَلكَها كلَّها. (فإنْ مَلَكها حائضاً لم يكْتَف بتلكَ الحيضة) التي ملكها فيها، بل لا بدّ من حيضةٍ مستَقْبَلَةٍ، كما لو طلّقها وهي حائِض.

стр. 753

(وإن ملك) شخصٌ (منْ) أي: أمةً (تلزمها عدة اكتُفِيَ بها)، لأنّ الاستبراء لمعرفةِ براءةِ الرَّحِمِ، والبراءة قد حصلت بالعدة، فلا فائدة في الاستبراء بعد العدة، بل هو ضرر على السد بمنعه من أمته بلا ضرورة. (وإن ادّعت الأَمة الموروثةُ تحريمها على الوارث بوطء موِّرثه) كما لو وَرِثَ أمةً عن أبيه، فقالت: أبوك وطئني، صُدِّقَتْ، (أو ادَّعت) الأَمَةُ (المشتراة أنَّ لها زوجاً صُدِّقت) لأن ذلك لا يعرف إلا من جهتها.

стр. 754

كتَاب الرّضَاع وهو شرعاً: مصُّ لبنٍ أو شُرْبُه ونحوُه، ثابَ من حَمْلٍ، من ثَدْي امرأة. و (يكره استرضاع (١) الفاجرة، والكافرة،) والذّمّية، والمشركة، والحمقاء، (وسيّئة الخلق)، فإنها في معنى الحمقاء، (والجذماء، والبرصاء) خشيةَ وصولِ أثر ذلك إلى الرضيع. وفي المجرّد (٢): والبهيمة، لأنه قد يكون في بلد البهيمة (٣). وفي الترغيب: وعمياء، فإنه يقال: الرِّضاعُ يغيّر الطباع، لقول النبي ﷺ : "لا تَزَوَّجُوا الحَمْقَاءَ، فإن صحبتها بلاء، وفي وَلَدِهَا ضَيَاع، ولا تستَرْضِعُوها فإن لبنَها يغيّر الطباع" (٤). (وإذا أرضعتِ المرأةُ) ولو مكرهةً على الإِرضاع (طفلاً) ذَكَراً كان

стр. 755

أو أنثى أو خنثى (بلبنِ حملٍ لاحقٍ بالواطئ) يعني يلحق الواطئَ نسبُ ذلك الحملِ (صَارَ ذلكَ الطفلُ وَلَدَهُما) (١) أي ولد المرضعة، وولد صاحب اللبن، (و) صار (أولادُهُ) أي أولادُ الطفل (وإن سفلوا أولادَ ولدهما، و) صار (أولادُ كلٍّ منهما) أي من المرأة، ومن الواطئ الذي ثاب لبنها من حمله، (من الآخر أو) من (غيره،) كما لو تزوّجت من غيرِهِ فثابَ لها لبن من حملٍ ممنْ تزوجت (٢)، أو تزوّج بامرأةٍ غيرِها فثابَ لَهَا لبن من حملٍ منه، فأرضعتا به أطفالاً، أو أتت بأولادٍ، فإن الذكور منهم يصيرون (إخوته، و) البناتِ (أخواتِهِ. وقس على ذلك) فتقول: ويصير آباؤهما أجدادَهُ وجَدَّاتِهِ، وإخوتُهما وأَخَواتُهُمَا أعمامَه وعماتِهِ، وأخوالَهُ وخالاتِهِ. تنبيه: لا تنتشر حرمة الرضاع إلى من بدرجة مرتضعٍ أو فوقَه، من أخٍ وأختٍ، وأبٍ وأمٍ، وعمٍّ وعمةٍ، وخال وخالة، من نسب. فتحلّ مرضعةٌ لأبي مرتضعٍ وأخيهِ من نسب (٣)، وتحلُّ أم المرتضع وأخته من نسب لأبيه وأخيه من رضاع، كما يحل لأخيه من أبيهِ أخته من أمِّهِ (٤). (وتحريمُ الرضاع في النكاح وثبوت المحرمية كالنسبِ.) وللحرمة بالرَّضاع شرطان:

стр. 756

أشار للأول منهما بقوله. (بشرط أن يرتضع خمسَ رضعاتٍ) فصاعداً. وعنه: ثلاث يحرِّمن. وعنه: واحدة. وأشار للثاني بقوله: (في العامين) فلو ارتضع بعدهما بلحظةٍ لم تثبت الحرمة، لقول الله تعالى: ﴿وَالوَالِداتُ يُرْضِعْنَ أوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ فجعل تمامَ الرضاعِ حولين. فيدل على أنه لا حُكْمَ للرضاعةِ بعدهما. (فلو ارتضعَ) في الحولين أقلَّ من خمسِ رَضَعاتٍ، ثم ارتضع (بقيةَ الخمسِ بعد العامينِ بلحظةٍ،) ولو قبل فطامِهِ، (لم تثبت الحرمة،) لأن شرط التحريم أن يكون في الحولين، ولم يوجد. وعُلِمَ منه أنه لو شَرَعَ في الخامسةِ، فحال الحولِ، قبل كمالها، اكتُفِي بما وُجِد منها في الحولين. وأمَّا حديث عائشة ﵂ وعن أبيها "أنَّ سَهْلَةَ بنتَ سُهيلٍ بن عمرو جاءت إلى النبيِّ ﷺ ، فقالت: يا رسول الله! إن سالماً مولى أبي حذيفةَ مضى في بيتِنا، وقَدْ بَلَغَ ما يبلغ الرجال، وعَلِمَ ما يعلمُ الرحال؟ فقال: أَرْضِعِيهِ تَحْرُمي عليه" رواه مسلم، فهو خاصٌّ به دون سائر الناس (١)، جمعاً بين الأدلة. (ومتى امتصَّ) الطفلُ (الثديَ، ثم قَطَعه) أي قطع المصّ، (ولو) كان قطْعُهُ له (قهراً) أو كان قطعُهُ له لتنفُّسٍ، أو لملةٍ له عن المصّ، أو لانتقالٍ عن ثدي إلى ثدي آخر (ثم امتصّ) الثديَ (ثانياً، فرضعةٌ ثانية) لأن المصَّةَ الأولى زالَ حكْمُها بتركِ الارتضاع، فإذا عادَ فامتصّ، فهي غير الأولى. وانتقالٌ من ثدي إلى آخر يصيّرهما رضعتين. وهذا ظاهر

стр. 757

كلام أحمد رضي الله تعالى عنه (١)، في روايةِ حنبل، فإنه قال: أما تَرَى الصبيّ يَرْضَعُ من الثدي، فإذا أدرَكَهُ النَّفَسُ أمْسَكَ عن الثدي لتنفُّسٍ واستراحةٍ (٢)، فإذا فعل ذلك فهي رضعة. (والسُّعوط في الأنف، والوجُورُ في الفم، كالرّضاع) لأنه يحصُل به ما يحصُل بالرّضاع من الغذاء. والسعوط أن يُصَبَّ اللَّبن في أنفه من إناء أو غيره، فيدخل حلقَه. والوجور أن يصبّ لبن المرأة في حلقه من غير الثدي. (وأكْلُ ما جُبِّنَ) يعني أنه لو جُبِّنَ لَبَنُ المرأة، ثم أُطِعم الطفلَ ثبت به التحريم، لأنه واصِلٌ من الحلق يحصل به إنبات اللحم (٣) وإنشاز العظم، فيحصل به التحريم، كما لو شربه. (أو خُلِطَ بالماء وصفاته باقية) حرَّم كما يحرِّم غير المَشُوب، لأن الحكم للأغلب، ولأنه مع بقاء صفاته لا يزولُ به اسمه، ولا المعنى المرادُ به. فأما إن غَلَبَ ما خُلِطَ به لم يثبت به تحريم، لأنه لا يحصل به إنبات اللحم ولا إنشاز العظم. وحكم ما حُلِبَ من ميتةٍ (كالرّضاع في الحرمة.) فإن وصل اللبنُ إلى فمه، ثم ألقاه، أو احتقن به، أو وصل إلى جوفٍ لا يغذَّى به كالذَّكَر والمثانة لم ينشر الحرمة، لأنه ليس برضاع. (وإن شُكَّ) بالبناء للمفعول (في الرضاع) يعني: هل وجد رضاعٌ أوْ لا؟ بني على اليقين، لأن الأصل عدم الرضاع؛ (أو) شُكَّ في (عدد الرضعات بني على اليقين) لأن الأصلَ عدمُ الرّضاعِ في المسألة

стр. 758

الأولى. والأصل عدم وجود الرضاع المحرِّم في المسألة الثانية. لكنْ تكونُ من الشُّبُهات: تركُها أولى، قاله الشيخ. (وإن شهدتْ به) أي بالرضاع المحرِّم امرأة (مَرْضِية ثبتَ التحريم) بشهادتها. ولا يمينَ على المشهود له، ولا على الشاهدة. قال الزهري: فُرِّقَ بين أهل أبياتٍ (١) في زمن عثمان بشهادة امرأة واحدة. لأن هذه شهادة على عورة (٢)، فتُقْبَلُ شهادة النّساء منفردات عن الرجال، كالولادة. ويؤيده ما رواه محمد بن عبد الرحمن البيلماني عن أبيه (٣). عن ابن عمر، قال: "سُئِل رسول الله ﷺ : ما يجوزُ في الرضاعِ من الشهود؟ فقال: رجلٌ، وامرأة" (٤) رواه أحمد. (ومن حرمت عليهِ بنتُ امرأةٍ) من النسب (كأمّه وجدّته وأختِه) وكذا من حرمت عليه بنت امرأةٍ بالمصاهرة، مثلَ ربيبته التي دخل بأمها (إذا أرضعتْ (٥) طفلةً) خمسَ رضعاتٍ (حرّمتْها عليه أبداً) لأنها تصير بنتَها. (ومن حرُمَتْ عليه بنتُ رجلٍ، كأبيه وجدّه وأخيهِ وابنهِ، إذا أرضعتْ زوجتُهُ) أو أمتُهُ (بلبنِهِ طفلةً) خمسَ رضعاتٍ (حرّمتها عليه أبداً) لأنها صارت ابنةَ من تحرُم ابنتُه عليه. وينفسخ فيهما النكاح إن كانت المرتَضِعَةُ زوجةً.

стр. 759

تنبيه: إن قال زوجٌ عن زوجتِهِ: هي ابنتي من الرضاع، وهي في سنٍّ لا يُحْتَمَل كونُها ابنتَه، لم تحرُمْ لتيقن كذبه. وإن احتمَلَ صدقَه فكما لو قال: هي أختي من الرضاع. ولو ادعى بعد ذلك خطأً لم يقبل منه ما يدّعيه من ذلك.

стр. 760

كتَاب النفَقَات جمع نفقة. وأصلها الإخراج، من "النافِقِ" (١) وهو موضعٌ يجعله اليربوعُ في مؤخر الجحر رقيقاً، يُعِدُّه للخُروجِ، إذا أُتيَ من باب الجحر دفعه برأسِهِ وخرج منه. ومنه يسمى "النفاق" لأنه خروج من الإيمان، أو خروج الإيمان من القلب (٢). فسمى الخروج نفقة كذلك. والمقصود من هذا الكتاب بيان ما يجب على الإنسان من النفقة، في النكاح، والقرابة، والملك، وغير ذلك. [نفقة الزوجة] (يجب على الزوج ما لا غنى لزوجته عنه) أجمع المسلمونَ على وجوب نفقةِ الزوجةِ على الزوج، إذا كانا بالغين، ولم تكن ناشزاً. ذكره ابن المنذر وغيره، لأن الزوجة محبوسةٌ لحقّ الزوج، وذلك لمنعها من التصرُّف والكسب، فوجب عليه نفقتها، كالقنّ. إذا تقرّرَ وجوب نفقة الزوجة على الزوج، فإنها تجب عليه ولو

стр. 761

كانت الزوجة معتدةً من وطءٍ شبهةٍ غير مطاوعة للواطئ (١). وقوله: ما لا غنى لزوجته عنه، يعني (من مأكلٍ ومشربٍ وملبسٍ ومسكنٍ بالمعروف) لقوله ﷺ في حديث جابر: "ولهنَّ عليكُمْ رِزْقُهُنَّ وكِسْوتهنَّ بالمعروف" (٢). (ويعتبرُ الحاكم) تقديرَ (ذلكَ إن تنازعا) أي الزوج الزوجة، في قدر ذلك، أو صفته. (بحالهما) أي حال الزوجين في يَسارِهما، وإعسارهما، ويسار أحدِهما وإعسار الآخر. وكان النظر يقتضي أن يُعْتَبَر ذلك بحال الزوجةِ دون الزوج، لأن النفقة والكسوة لها، بحق الزوجيّة، فكانت معتبرة بها، كمهرها. لكنْ قال الله : ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ فأمَرَ الموسرَ بالسعة في النفقة، ورَدّ الفقير إلى استطاعته. فلذلك اعتبرنا حال الزوجين في قدْرِ الواجب، وجنسه، رعايةً لكلا الجانبين، وأما كون ذلك موكولاً إلى اجتهاد الحاكم فلأنه أمرٌ يَختلِف باختلافِ حال الزوجين، فرُجِعَ فيه إلى اجتهاد الحاكم، كسائر المختلفات. فيفْرِضُ للموسرةِ مع موسرٍ كفايَتها خبزاً خالصاً بأدمِهِ المعتادِ لمثلِها في تلك البلدة. ويفرِض لها أيضاً لحماً عادةَ الموسرين ببلدة الزوج والزوجة التي هما بها. وتنقل زوجة متبرِّمَةٌ من أدم إلى غيره من الأدم. ولا بد للزوجة من ماعونِ الدار. ويكتفى منه بخزفٍ وخشب. والعدْلُ ما يليق بها، وما يلبس مثلها من حريرٍ وخزٍّ وجيِّدِ كَتَّانٍ وجيّد قطنٍ على ما جرت به عادة مثلها من الموسرات في ذلك البلد. وأقلُّ ما

стр. 762

يُفْرَض من الكسوةِ للجسَدِ قميصٌ وسراويلٌ وطَرْحَةٌ ومِقْنَعَةٌ ومَدَاسٌ. وللشتاء جُبّة. وللنومِ فراشٌ ولحاف ومِخَدَّة. وللجلوسِ بساطٌ ورفيع الحصير. ولفقيرةٍ مع فقير كفايتُها خبزاً خُشْكاراً بأدمه، وزيتُ مصباح، ولحمٌ، العادة. ويفرض لها من الكسوة ما يلبس مثلها، وينام فيه، ويجلس عليه. ويفرِض للمتوسطةِ مع متوسطٍ، وموسرةٍ مع فقير، وعكسِهما، ما بين ذلك. (وعليه) أي على الزوج (مؤنة نظافتِها) أي نظافة الزوجة (من دُهنٍ وسِدْرٍ وثمن ماء الشرب والطَّهار من الحدث والخَبَثِ وغَسْل الثياب) وثمنُ المشط، وأجرة القَيِّمة. (١) وعليه كنسُ الدار وتنظيفُها، لا دواءُ علَّةٍ، أو أجرةُ طبيبٍ، وثمنُ طيبٍ وحنّاءٍ وخضابٍ ونحوه. وإن أراد منْهَا تزيُّنَها به، أو أراد، منها قطعَ رائحةٍ كريهة، وأتى بما يريد منها التزيّن به، أو بما يقطع الرائحة الكريهة، لزمها استعمالُه من أجله. (وعليه) أي على الزوج (لها) أي لزوجته (خادمٌ إذا كانت ممن يُخْدَمُ) بالبناء للمفعول (مثلها) كالموسرة، والصغيرة. (وتلزمه) لزوجته (مؤنسَةٌ لحاجةٍ) إلى ذلك، بأن كانت بمكان مخوفٍ أو لها عدوٌ تخافُ على نفسها منه، لأنه ليس من المعاشرةِ بالمعروف أن تُقِيمَ وَحْدَها بمكانٍ لا تأمن على نفسها فيه.

стр. 763

ولا يلزمه أجرة من يوضِّئُ زوجته مريضةً، بخلاف رقيقِهِ المريض الذي لا يمكنه الوضوء بنفسه. فصل (والواجب عليه) أي على الزوج (دفع الطعامِ) أي القوتِ من الخبز (١) والأدم ونحو ذلك إلى زوجته وخادِمِها (٢) (في أول كل يوم) لأنه أول وقت الحاجة، فلا يجوز تأخيره عنه. ويجوز لهما فعلُ ما اتَّفقا عليه من تعجيلٍ أو تأخيرٍ عن وقت الوجوب. (ويجوز دفع عِوَضه) أي الواجب (إن تراضَيَا) لأنّ الحق لا يعدُوهما. ولا يجبر من أبى ذلك لأن الإنسان لا يُجْبَر على ما لم يجب عليه. (ولا يملك الحاكم) إذا ترافع إليه الزوجان (إن يفرِض عِوَضَ القوت دراهمَ مثلاً إلا بتراضيهما) أي بتراضي الزوجينِ على فرضٍ، فلا يجبر من امتنع منهما. قال ابن القيم في الهدْي: وأما فَرْضُ الدراهم فلا أصلَ له في كتابٍ ولا سنةٍ، ولا نَصَّ عليه أحدٌ من الأئمة، لأنها معاوضة بغير الرضا عن غير مستقِرٍّ. وفي الفروع: وهذا متجه مع عدم الشقاق وعدم الحاجة، فأما مع الشقاقِ والحاجة، كالغائب مثلاً، فيتَوَجَّهُ الفرضُ للحاجة، على ما لا يخفى، فلا يقع الفرض بدون ذلك بغير الرضا. ولا تعتاض عن الواجِب الماضي بربويٍّ، كما لو عوضها حنطةً عن الخبز، فإنه لا يصحّ، ولو ترَاضَيَا عليه.

стр. 764

(وفَرْضُه) أي الحاكم عِوَضَ القوتِ دراهمَ (ليس بلازمٍ). [الكسوة] (ويجب لها) أي للزوجة (الكُسْوة) والغطاءُ والوِطاءُ ونحوهما (في أوّل كلّ عامٍ). وقال الحلواني وابنه وابن حمدان: في أوّل الصيف كسوة، وفي أول الشتاء كسوة. (وتملكها) أي الكسوة، وكذلك النفقة، (بالقبضِ،) كما يملِكُ ربُّ الدينِ الدينَ (١) بقبضِهِ. (فلا بَدَلَ) على الزوج (لما سُرِقَ) منها من ذلك (أو بَلِيَ) لأنها قبضَتْ حقها، فلم يلزمْ غيرُهُ، كالدين إذا أوفاها إياه، ثم ضاع منها. وتملِكُ التصرّفَ فيما قبضتْهُ من الواجب لها على الزوج، من نفقة وكسوةٍ، على وجهٍ لا يضرُّ بها ولا يُنْهِكُ بَدَنَها، من بيعٍ وهبةٍ وغيرِ ذلك، كسائرِ ما لها. أما إذا عاد ذلك عليها بضررٍ في بدنِهَا، أو نقصٍ في الاستمتاع بها، فإنها لا تملِكُهُ، لتفويتِ حقّ زوجها بذلك. (وإن انقضى العام والكسوةُ) التي قبضتها لذلك العامِ (باقيةٌ، فعليه كسوة للعام الجديدِ) لأن الاعتبار بمضيّ الزمان، دون حقيقة الحاجة، بدليل أْنهَا لو بليَتْ قبل ذلك لم يلزمْهُ بدلها. ولو أُهدي إليها كسوةٌ لم تسقطْ كسوتُها. وكذلك لو أُهدِيَ إليها طعامٌ، فأكلتْهُ، وبقي قوتُها إلى الغد، لم يسقط قوتُها فيه، بخلاف ماعونٍ ونحوه. (وإن) قبضتْ كسوتَها من زوجها أوَّل كلِّ عامٍ ثم (ماتَ) الزوجُ قبل انقضاءِ العام، (أو ماتتِ) الزوجةُ قبل انقضاء العام، (أو بانت قبل

стр. 765

انقضائه، رَجَعَ عليها بقسطِ ما بقي) من العام، كما لو دفع إليها نفقةَ مدّةٍ مستقبَلَةٍ، ثم وقع شيء مما تقدم قبل مضيِّها. (وإن أكلتْ معه) أي أكلت الزوجةُ مع الزوجِ (عادةً) أي كما هو العادةُ (أو كساها بلا إذن) منها، أو من وليّها الكسوةَ المقدّرة في الشرع (سقطتْ) عملاً بالعرف (١) ومتى ادّعتْ أنه تبرَّع بذلك حَلَف. تنبيه: إذا غاب الزوجُ عن زوجته مدةً، ولم ينفِقْ عليها فيها، لزمه نفقةُ الزمن الماضي، ولو لم يفرضها حاكمٌ، على الأصح. فصل [فيما تسقط به نفقة الزوجة] ١ - (والرجعية مطلقاً) أي سواء كانت حاملاً أوْ لا، (والبائنُ) الحاملُ بفسخٍ أو طلاقٍ، (والناشزُ الحامِلُ، والمتوفّى عنها زوجها) حال كونها (حاملاً) حكمُها (كالزوجةِ في النفقةِ والكسوةِ والمسكنِ). (ولا شيء لغير الحامل منهن.) قال في الإقناع: ولا نفقةَ من التركة لمتوفّى عنها زوجها، ولو حاملاً، ونفقة الحمل من نصيبه، ولا لأمِّ ولدٍ حاملٍ. وينفَقُ من مال حملِهَا نصًّا. ولا سكنى لهما، ولا كسوة انتهى. وتسقط نفقةُ الحمل بمضيّ الزمان. المنقّح. ما لم تستدِنْ بإِذن حاكمٍ، أو تنفقْ بنيّةِ الرجوَع. ٢ - ولا نفقةَ لناشزٍ، ولو كان نشوزُها بنكاح في عدَّةٍ. قال في المستوعب: وإذا تزوجت الرجعيَّةُ في عدتها فنكاحها باطل، ولا تصيرُ به

стр. 766

فراشاً للثاني. ولا تنقطع به عدة الأول. ولا سكنى لها ولا نفقة على الأول، لأنها ناشزٌ بتزوّجها. ذكره في الوجيز. ٣ - (ولا) نفقة (لمن) أي زوجةٍ (سافرت لحاجتها) ولو بإذن الزوج، (أو) سافرتْ (لنزهةٍ) ولو بإذن الزوج، (أو) سافرتْ (لزيارةٍ، ولو) كان سفرها (بإذن الزوج) لأنها فوَّتتْ التمكينَ لحظ نفسها، وقضاءِ أربها، فأشبه ما لو استنظرتْه قبل الدخول مُدّةً فأنظَرَها، إلا أن يكون مسافراً معَهَا متمكّناً من الاستمتاع بها، فلا تسقط، لأنّها لم تفوّت التمكين، فأشبهتْ غير المسافرة. وكذا تسقطُ نفقتُها إذا زَنتْ قبل أن يطأها زوجُها، فغُرِّبَتْ أو حُبسَتْ، ولو ظلماً، أو صامتْ لكفارةٍ، أو قضاءِ رمضانَ، ووقتُهُ متّسع أوَ صامَتْ، أو حجَّتْ نفلاً أو نذراً معيناً في وقتِهِ في الصومِ والحجّ بلا إذنه، ولو أنَّ نذرَهُما بإذنه، بخلاف من أحرمتْ بفريضةٍ أو مكتوبةٍ في وقتِها بسنّتها. قاله في المنتهى وشرحِهِ. [الاختلاف في النفقة] (وإن ادّعى نشوزَها) أي نشوزَ زوجتِهِ، وأنكرتْ، (أو) ادّعى (إنها أخذت نفقَتَها)، أو ادّعى الإنفاق عليها (وأنكرتْ، فـ) القول (قولها بيمينها) لأنّ الأصل عدمُ ذلك. واختار الشيخُ وابنُ القيّم في النفقة قولَ من يشهدُ له العُرْفُ، لأنه تعارضَ الأصلُ والظاهرُ، والغالبُ أنها تكون راضيةً. وإنما تطالبه عند الشقاق. وإن ادعت الزوجةُ يسارَ الزوجِ ليفرِضَ لها الحاكم نفقةَ الموسرين، أو قالت: كنتَ موسراً فليزمك لما مضى نفقةُ الموسرين، فأنكر، فإن عُرِفَ له مالٌ فقولُها، وإلا فقولُه، لأنه منكِرٌ، والأصل عدمه.

стр. 767

[الإعسار بالنفقة] (ومتى أعسر) الزوجُ (بنفقة المعسِر) بأن لم يجد القوتَ (أو كسوتهِ) أي كسوة المعسِرِ، أو أعسرَ ببعضِ نفقةِ المعسِرِ، أو ببعض كسوته، (أو) أعسر بـ (مسكنه، أو صار) الزوجُ (لا يجد النفقةَ) أي نفقةَ الزوجةِ (إلا يوماً دون يوم) فلها الفسخُ فوراً ومتراخياً، ولها المقامُ معه مع منعِهَا نفسَها عنه وبدونه. ولا يمنعها تكسُّباً، ولا يحبِسُها، ولها الفسخ بعده؛ (أو غاب الموسُر) يعني عن زوجته (وتعذّرت عليها النفقةُ) بأن لم يترك لها ما تنفقه على نفسها، ولم تقدرْ له على مالٍ، ولا أمكنها تحصيل نفقتها (بالاستدانة) عليه (و) لا (غيرها، فلها الفسخ فوراً متراخياً) قال في الإنصاف: هذا المذهب. جزم به في الوجيز والنظم ومنتخب الآدمي وتذكرة ابن عبدوس وغيرهم، وقدَّمه في المغني والشرح والفروع وغيرهم انتهى. وقال القاضي: لا تملك الفسخَ إلا إذا ثبت إعسارُه. جزم بما في المتن في الإقناع والمنتهى. (ولا يصحّ) الفسخ في ذلك كله (بلا) حكمِ (حاكم. فيفسخُ بطلبها، أو تفسخُ بأمره) لأنه فسخٌ مختلَف فيه، فافتقر إلى حكم الحاكم، كالفسخ بالعنّة. وإنما لم يجب الحكم إلا بِطلبها لأنه لحقّها، فلم يجزْ من غير طلبها، كالفسخِ للعنة. فإذا فرق الحاكم بينهما فهو فسخٌ لا رجعةَ له فِيهِ، لأنها فرقةٌ لعجزه عن الواجب عليه، أشبهتْ فُرْقَةَ العنّة. وللحاكم بيعُ عقارٍ وعرضٍ لغائبٍ تَرَك زوجته بلا نفقة ولا منفق، إن لم يجد غيرَهُ، وينفِقُ عليها يوماً بيوم. ولا يجوز أكثر. ثم إنْ بان ميّتاً قبل إنفاقه حَسَب عليها ما أنفقته بنفسها أو بأمرِ حاكمٍ. [حكم من امتنع من الإنفاق أو قتر فيه] (وإن امتنع الموسر من النفقة أو الكسوة) أو بعضهما (وقدرَتْ

стр. 768

على) أخذِ ذلك من (مالِهِ فلها الأخذ منه بلا إذنه، بقدر كفايتها وكفايةِ ولدها الصغير) لقوله ﷺ لهند بنت عتبة حين قالتْ له:"إنَّ أبا سفيانَ رجلٌ شحيحٌ، وليس يعطيني من النفقةِ ما يكفيني وولدي قال: "خذي ما يكفيكِ، ووَلَدَكِ بالمعروف" (١) فهذا إذن لها منه ﷺ في الأخذ من ماله بغير إذنه، وردٌّ لها إلى اجتهادها في قدر كفايتها وكفاية ولدها .. وهو متناوِلٌ لأخذِ تمام الكفاية. فإنَّ ظاهر الحديث دلَّ على أنه كان يعطيها بعض الكفاية ولا يتمُّها لها، فرخّص النبي ﷺ في أخذِ تمام الكفاية بغير علمه؛ ولأن النفقة تتجدَّدُ بتجدُّدِ الزمان شيئاً فشيئاً، فتشقُّ المرافعة بها إلى الحاكم، والمطالبة بها في كل يوم، فلذلك رخّص لها في أخذها بغير إذن من هي عليه؛ ولأنه موضع حاجةٍ، فإن النفقة لا غناء عنها ولا قَوَامَ إلا بها، فإذا لم يدفعها الزوج ولم تأخذها أفضى ذلك إلى ضياعها وهلاكها، فرُخِّص لها في أخذ قدر نففتها ونفقة عائلتها دفعاً لحاجتها.

стр. 769

باب نفقة (الأقارب) (و) نفقة (الممَاليك) مِنَ الآدميّين وَالبهَائِم قال ابن المنذر: أجمع أهلُ العلم على أن نفقة الوالدين الفقيرين، اللذين لا كسبَ لهما ولا مال، واجبة في مال الولد. وأجمعَ كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن على المرءِ نفقةَ أولاده الأطفال الذين لا مال لهم. و (يجب على القريب نفقةُ أقاربه وكسوتهم وسكناهم بالمعروف) لقوله : ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ ثم قال: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ فأوجب على الأبِ نفقةَ الرَّضاعِ، ثم عَطَفَ الوارث عليه، فأوجب على الوارث مثل ما أوجب على الأب (١) (بثلاثة شروط): (الأول: أن يكونوا) أي من تجب لهم النفقة (فقراءَ لا مال لهم ولا كسب،) لأن النفقة إنما تجب على سبيل المواساة، والغنيّ بملكه، والقادرُ على التكسب، مستغنٍ عن المواساةٍ.

стр. 770

ولا يعتبر نقصُ خلقةٍ، فتجب لصحيحٍ مكلّف لا حرفةَ له. الشرط (الثاني: أن يكون المنفِقُ غنياً) إما (بمالِهِ) كأجرةِ ملكِهِ (أو كَسْبِهِ) كصناعةٍ وتجارة، (وإن يفضُلَ عن قوتِ نفسِه وزوجتِهِ ورقيقِهِ يومَهُ وليلَتَة) وكسوةٍ وسكنى، لا من رأسِ المالِ، وثمنِ ملكٍ، وآلةِ عمل. الشرط (الثالث: أن يكون) المنفِقُ (وارثاً لهم) أي لمن تجب لهم النفقة (بفرضٍ،) كأخيه لأمه، (أو تعصيبٍ) كابن عمه، لا برحِمٍ كخالةٍ (إلا الأصولَ والفُروعَ، فتجبُ لهم وعليهم) حتَّى ذي الرَّحم منهم (مطلقاً) أي سواءٌ حجب الغنيَّ منهم معسِرٌ، كجدٍّ معسِرٍ وأبٍ معسر لغنيّ، فإنه محجوبٌ عن جدّه بأبيه المعسر، فيلزم الغنيّ نفقةُ أبَيهِ المعسِرِ وجدّه المعسر، أو لم يحجبه معسِرٌ، كمن له جَدٌّ فقير، مع عدم أبيه الذي هو ابنُ الجدّ، فإنّ ابن الابن ليس بمحجوبٍ عن الجدّ مع عدم الأب. (وإذا كان للفقير ورثةٌ دون الأب) يعني: ولو كان وارثه غيرَ أبيه (فنفقته) عليهم (على قدر إرثهم) من المحتاج إلى النفقة، لأن الله رتّب النفقة على الإِرث، بقوله : ﴿وَعَلَى الوارِثِ مِثْل ذلِكَ﴾ فيجب أن يترتب مقدار النفقة على مقدار الإرث. والأب ينفرد بها. فجدٌّ وأخٌ: بينهما سواء؛ وأم وجدّ، أو: ابنٌ وبنت: أثلاثاً؛ وجدةٌ وبنت: أرباعاً؛ وجدة وعاصبٌ غيرُ أبٍ: أسداساً. وعلى هذا حساب النفقات. (ولا يلزمُ الموسِرَ منهم مع فقرِ الآخر سوى قدر إرثه) فقط، كمن له ابنانِ، أحدهما موسر، والآخر معسرٌ (١)، لأن الموسر منهما إنما يجب

стр. 771

عليه مع يسار الآخر ذلك القدر، فلا يتحمّل عن غيرِهِ إذا لم يجد الغير ما يجب عليه. (ومن قدر على الكسب) وكان بحيثُ إذا اكتسب فَضَلَ عن كسبه فضلٌ للمواساة (أُجبر) على التكسّب (لنفقةِ من تجبُ عليه من قريبٍ وزوجةٍ) لا امرأة على نكاح (١). (ومن لم يجد ما يكفي الجميع) أي جميع من تجبُ نفقته عليه لو كان موسراً بجميعها (بَدَأ بنفسه) لحديث "ابدأ بنفسك" (٢) (فزوجتِهِ) لأن نفقة الزوجةِ تجب على سبيل المعاوَضَةِ، فقدِّمت على مجرّد المواساة، ولذلك تجب مع اليسار والإِعسار، بخلاف نفقة القريب. (فرقيقِهِ) بعد زوجته لأنها تجب مع اليسار والإِعسار فقُدّمت على مجرد المواساة. (فولدهِ) لوجوب نفقته بالنصّ. (فأبيه) لانفرادهِ بالولاية على ولده، واستحقاقِ الأخذ من ماله، وإضافةِ النبي ﷺ الولدَ ومالَهُ لأبيه، بقوله: "أنت ومالَك لأبيك" (٣). (فأمِّه) لما لها من فضيلةِ الحملِ والرضاع والتربية (٤).

стр. 772

(فولدِ ابنِه) لأن ابن الابن يرثُ ميراث ابن، ولأن وجوده يُسقط تعصيبَ الجدّ، فقُدِّم عليه. (فجدّه) أي جدّ الميت، لأن له مزية الولادة والأبوة. (فأخيه ثم الأقربِ فالأقرب) فيقدّم أبٌ على ابن ابنٍ، وجدٌ على أخٍ (١). نقله في الإقناع. (ولمستحق النفقة أنْ يأخذ ما يكفيه من مالِ من يجب عليهِ بلا إذنٍ) أي إذنٍ ممن هي عليه (إن. امتنع) من دفعها لمن وجبت له، كزوجة. (وحيث امتنعَ منها) أي من النفقة (زوجٌ أو قريبٌ) بأن تُطْلَب منه فيمتنع (وأنفَقَ أجنبيٌّ) أي غيرُ من وجبت عليه (بنيّةِ الرجوع، رَجَعَ)، لأنه قام عنه بواجب كقضاء دينه. (ولا نفقةَ مع اختلافِ الدِّين) بقرابةٍ، ولو كان من عمودي النسب (٢)، على الأصحّ، لأنها مواساةٌ على سبيل البرّ والصلة، فلم يجب مع اختلاف الدين، كغير (٣) عمودي النسب، ولأنهما لا يتوارثانِ، فلم تجبْ لأحدهما على الآخر نفقة بالقرابة، كما لو كان أحدهما رقيقاً، (إلا بالولاء) لثبوتِ إرثهِ من عتيقه مع اختلاف دينهما، لعموم قوله ﵎: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾.

стр. 773

فصل [في نفقة المماليك وحقوقهم] (و) يجب (على السيّد نفقة مملوكه) ولو كان آبقاً، أو ابنَ أمتِهِ من حرٍّ (وكسوتُه ومسكنُه) سواءٌ كان المالك غنيًّا أو فقيراً أو متوسطاً. قال في المبدع: ومحله ما لم يكن للرقيق صنعة يتكسّب بها. انتهى. (و) يجب (تزويجُه) أي المملوك (إن طلب) أن يزوّجه، غيرَ أمةٍ يستمتع بها سيّدها، ولو كانت مكاتبة، بشرطه. (وله) أي السيد (أن يسافر بعبده المتزوّج). (و) له (إن يستخدمه نهاراً) قال في الإِقناع: وإذا كان للعبد زوجةٌ فعلى سيّده تمكينه من الاستمتاع بها ليلاً. (وعليه) أي السيد (إعفاف أمته) إما بوطئها أو تزويجها أو بيعها. (ويحرم) على السيد (أن يضربه) أي أن يضرب رقيقه (على وجهه) لحديث ابن عمر مرفوعاً "من لَطَم غلامَه فكفارتُهُ عتقُه" رواه مسلم، (أو يشتمَ أبويهِ ولو كافرين) لا يعوِّد لسانَه الخَطَأ (١) والفحش، "ولا يدخلُ الجنَّةَ سيئ الملكة" (٢) وهو الذي يسيء إلى مماليكه، (أو يكلفَه من العمل ما لا يطيق). (ويجب) على السيد (أن يريحه) أي أن يريح عبده (وقت القَيْلولة، ووقت النوم، و) لتأدية (الصلاةِ المفروضَةِ) لأن العادة جارية بذلك، ولأن عليهم في ترك ذلك ضرراً، ولا يحلّ الإِضرار بهم. ويركبهم عقبةً لحاجةٍ إذا سافر بهم.

стр. 774

(وتسنُّ مداواتُهُ) أي يسن للسيد أن يداويَ رقيقه (إن مرض) قال في الفروع: ويداويه وجوباً. قاله جماعة. ثم قال: وظاهر كلام جماعة: يستحب. وهو أظهر. (و) يسن للسيّد (أن يُطْعِمَه من طعامهِ) ومن وَلِيَهُ فمعه، أو منه (١). ولا يأكل العبد شيئاً من طعام سيّده بلا إذنه. نص عليه. (وله) أي السيد (تقييده) أي تقييدُ رقيقه (إن خافَ عليه) من الإباق. نقله حرب. ونقل غيرُه (٢): لا يقيده، ويباعُ، أحبُّ إليّ. [التأديب] (و) له (تأديبه) على فرائضِ الله تعالى، من الصلاة والصوم، وعلى ما إذا كلّفه ما يطيق، فامتنع من امتثاله. ولا يصح نفله (٣) (إن أبق). ويحرم إفسادُه على سيده، وإفسادُ المرأة على زوجها. (وللإِنسان تأديبُ زوجتِهِ وولده، ولو مكلفاً، بضرب غير مبرِّح) قال في الإِقناع: قال ابن الجوزي في كتابه "السر المصون": معاشرةُ الولد باللُّطف والتأديبِ والتعليمِ. وإذا احتيج إلى ضربِهِ ضُرِبَ. ويُحمَل على أحسَنِ الأخلاق، ويُجنَّب سيئها. فإذا كبر فالحذَرَ منه. ولا يطلعه على كل الأسرار. ومن الغلط تركُ تزويجه إذا بلغ، فإنك تدري ما هو فيه بما كنت فيه. فصنْهُ عن الزلل عاجلاً، خصوصاً البنات. واياك أن تزوّج

стр. 775

البنت بشيخٍ أو شخصٍ مكروهٍ. وأما المملوك فلا ينبغي أن تسكنَ إليه بحالٍ، بل كن منه على حذر. ولا تُدخِل الدارَ منهم مراهقاً، ولا خادماً. فإنهم رجالٌ مع النساء، ونساء مع الرجال. وربما امتدّتْ عينُ امرأةٍ إلى غلامٍ مُحتَقَر. انتهى. (ولا يلزَمُهُ) أي السيدَ (بيعُ رقيقِهِ) ذكراً كان أو أنثى (مع قيامِهِ بحقوقه) أي حقوق المملوكِ، لأن الملك للسيّد، والحق له، فلا يجبر على إزالته من غير ضرر بالعبد، كما لا يجب عليه طلاقُ زوجته مع القيام بما يجب لها، ولو غضبت. فصل [في نفقة البهائم، والرفق بالحيوان] (وعلى مالك البهيمة إطعامها وسقيها) ولو عَطِبَتْ، إما بعلْفِها، أو بإقامة من يرعاها. (فإن امتنع) من إطعامها وسقيها (أُجبِر). (فإن أبى أو عجز) عن نفقتها (أُجبِر على بيعها أو إجارتها أو ذبحها إن كانت تؤكل) لأن بقاءها في يده بترك الإنفاق عليها ظلم، والظلم تجب إزالته، ولأن ذلك مما تتلَف به، ولا تجوز إضاعة المال، لنهي النبي ﷺ عنه (١)، فوجب إلزامه بما يزيل ذلك. فإن أبى فعل الحاكم الأصلح من هذه الأمور الثلاثة، أو اقترَضَ عليه وأنفق على بهيمته. (ويحرم لعنُها) أي لعْنُ البهيمة.
следующие страницы →