← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 96876

نيل المآرب بشرح دليل الطالب

ابن أبي تغلب

Полный текст (983 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

عليه مع يسار الآخر ذلك القدر، فلا يتحمّل عن غيرِهِ إذا لم يجد الغير ما يجب عليه. (ومن قدر على الكسب) وكان بحيثُ إذا اكتسب فَضَلَ عن كسبه فضلٌ للمواساة (أُجبر) على التكسّب (لنفقةِ من تجبُ عليه من قريبٍ وزوجةٍ) لا امرأة على نكاح (١). (ومن لم يجد ما يكفي الجميع) أي جميع من تجبُ نفقته عليه لو كان موسراً بجميعها (بَدَأ بنفسه) لحديث "ابدأ بنفسك" (٢) (فزوجتِهِ) لأن نفقة الزوجةِ تجب على سبيل المعاوَضَةِ، فقدِّمت على مجرّد المواساة، ولذلك تجب مع اليسار والإِعسار، بخلاف نفقة القريب. (فرقيقِهِ) بعد زوجته لأنها تجب مع اليسار والإِعسار فقُدّمت على مجرد المواساة. (فولدهِ) لوجوب نفقته بالنصّ. (فأبيه) لانفرادهِ بالولاية على ولده، واستحقاقِ الأخذ من ماله، وإضافةِ النبي ﷺ الولدَ ومالَهُ لأبيه، بقوله: "أنت ومالَك لأبيك" (٣). (فأمِّه) لما لها من فضيلةِ الحملِ والرضاع والتربية (٤).

стр. 772

(فولدِ ابنِه) لأن ابن الابن يرثُ ميراث ابن، ولأن وجوده يُسقط تعصيبَ الجدّ، فقُدِّم عليه. (فجدّه) أي جدّ الميت، لأن له مزية الولادة والأبوة. (فأخيه ثم الأقربِ فالأقرب) فيقدّم أبٌ على ابن ابنٍ، وجدٌ على أخٍ (١). نقله في الإقناع. (ولمستحق النفقة أنْ يأخذ ما يكفيه من مالِ من يجب عليهِ بلا إذنٍ) أي إذنٍ ممن هي عليه (إن. امتنع) من دفعها لمن وجبت له، كزوجة. (وحيث امتنعَ منها) أي من النفقة (زوجٌ أو قريبٌ) بأن تُطْلَب منه فيمتنع (وأنفَقَ أجنبيٌّ) أي غيرُ من وجبت عليه (بنيّةِ الرجوع، رَجَعَ)، لأنه قام عنه بواجب كقضاء دينه. (ولا نفقةَ مع اختلافِ الدِّين) بقرابةٍ، ولو كان من عمودي النسب (٢)، على الأصحّ، لأنها مواساةٌ على سبيل البرّ والصلة، فلم يجب مع اختلاف الدين، كغير (٣) عمودي النسب، ولأنهما لا يتوارثانِ، فلم تجبْ لأحدهما على الآخر نفقة بالقرابة، كما لو كان أحدهما رقيقاً، (إلا بالولاء) لثبوتِ إرثهِ من عتيقه مع اختلاف دينهما، لعموم قوله ﵎: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾.

стр. 773

فصل [في نفقة المماليك وحقوقهم] (و) يجب (على السيّد نفقة مملوكه) ولو كان آبقاً، أو ابنَ أمتِهِ من حرٍّ (وكسوتُه ومسكنُه) سواءٌ كان المالك غنيًّا أو فقيراً أو متوسطاً. قال في المبدع: ومحله ما لم يكن للرقيق صنعة يتكسّب بها. انتهى. (و) يجب (تزويجُه) أي المملوك (إن طلب) أن يزوّجه، غيرَ أمةٍ يستمتع بها سيّدها، ولو كانت مكاتبة، بشرطه. (وله) أي السيد (أن يسافر بعبده المتزوّج). (و) له (إن يستخدمه نهاراً) قال في الإِقناع: وإذا كان للعبد زوجةٌ فعلى سيّده تمكينه من الاستمتاع بها ليلاً. (وعليه) أي السيد (إعفاف أمته) إما بوطئها أو تزويجها أو بيعها. (ويحرم) على السيد (أن يضربه) أي أن يضرب رقيقه (على وجهه) لحديث ابن عمر مرفوعاً "من لَطَم غلامَه فكفارتُهُ عتقُه" رواه مسلم، (أو يشتمَ أبويهِ ولو كافرين) لا يعوِّد لسانَه الخَطَأ (١) والفحش، "ولا يدخلُ الجنَّةَ سيئ الملكة" (٢) وهو الذي يسيء إلى مماليكه، (أو يكلفَه من العمل ما لا يطيق). (ويجب) على السيد (أن يريحه) أي أن يريح عبده (وقت القَيْلولة، ووقت النوم، و) لتأدية (الصلاةِ المفروضَةِ) لأن العادة جارية بذلك، ولأن عليهم في ترك ذلك ضرراً، ولا يحلّ الإِضرار بهم. ويركبهم عقبةً لحاجةٍ إذا سافر بهم.

стр. 774

(وتسنُّ مداواتُهُ) أي يسن للسيد أن يداويَ رقيقه (إن مرض) قال في الفروع: ويداويه وجوباً. قاله جماعة. ثم قال: وظاهر كلام جماعة: يستحب. وهو أظهر. (و) يسن للسيّد (أن يُطْعِمَه من طعامهِ) ومن وَلِيَهُ فمعه، أو منه (١). ولا يأكل العبد شيئاً من طعام سيّده بلا إذنه. نص عليه. (وله) أي السيد (تقييده) أي تقييدُ رقيقه (إن خافَ عليه) من الإباق. نقله حرب. ونقل غيرُه (٢): لا يقيده، ويباعُ، أحبُّ إليّ. [التأديب] (و) له (تأديبه) على فرائضِ الله تعالى، من الصلاة والصوم، وعلى ما إذا كلّفه ما يطيق، فامتنع من امتثاله. ولا يصح نفله (٣) (إن أبق). ويحرم إفسادُه على سيده، وإفسادُ المرأة على زوجها. (وللإِنسان تأديبُ زوجتِهِ وولده، ولو مكلفاً، بضرب غير مبرِّح) قال في الإِقناع: قال ابن الجوزي في كتابه "السر المصون": معاشرةُ الولد باللُّطف والتأديبِ والتعليمِ. وإذا احتيج إلى ضربِهِ ضُرِبَ. ويُحمَل على أحسَنِ الأخلاق، ويُجنَّب سيئها. فإذا كبر فالحذَرَ منه. ولا يطلعه على كل الأسرار. ومن الغلط تركُ تزويجه إذا بلغ، فإنك تدري ما هو فيه بما كنت فيه. فصنْهُ عن الزلل عاجلاً، خصوصاً البنات. واياك أن تزوّج

стр. 775

البنت بشيخٍ أو شخصٍ مكروهٍ. وأما المملوك فلا ينبغي أن تسكنَ إليه بحالٍ، بل كن منه على حذر. ولا تُدخِل الدارَ منهم مراهقاً، ولا خادماً. فإنهم رجالٌ مع النساء، ونساء مع الرجال. وربما امتدّتْ عينُ امرأةٍ إلى غلامٍ مُحتَقَر. انتهى. (ولا يلزَمُهُ) أي السيدَ (بيعُ رقيقِهِ) ذكراً كان أو أنثى (مع قيامِهِ بحقوقه) أي حقوق المملوكِ، لأن الملك للسيّد، والحق له، فلا يجبر على إزالته من غير ضرر بالعبد، كما لا يجب عليه طلاقُ زوجته مع القيام بما يجب لها، ولو غضبت. فصل [في نفقة البهائم، والرفق بالحيوان] (وعلى مالك البهيمة إطعامها وسقيها) ولو عَطِبَتْ، إما بعلْفِها، أو بإقامة من يرعاها. (فإن امتنع) من إطعامها وسقيها (أُجبِر). (فإن أبى أو عجز) عن نفقتها (أُجبِر على بيعها أو إجارتها أو ذبحها إن كانت تؤكل) لأن بقاءها في يده بترك الإنفاق عليها ظلم، والظلم تجب إزالته، ولأن ذلك مما تتلَف به، ولا تجوز إضاعة المال، لنهي النبي ﷺ عنه (١)، فوجب إلزامه بما يزيل ذلك. فإن أبى فعل الحاكم الأصلح من هذه الأمور الثلاثة، أو اقترَضَ عليه وأنفق على بهيمته. (ويحرم لعنُها) أي لعْنُ البهيمة.

стр. 776

(و) يحرم (تحميلها) أي تحميل الدابة شيئاً (مُشِقًّا) (١) لما في ذلك من تعذيب الحيوان. (و) يحرم (حلْبُها ما) أي شيئاً (يضرُّ ولدَها) لأن كفايته واجبة على مالِكِهِ، ولأنّ لبنها مخلوقٌ له، فأشبه ولدَ الأمة. (و) يحرم (ضربُها في وجهها، ووسْمُها فيه) أي في الوجه. قال في الفروع: "ولعَنَ النبيُّ ﷺ مَنْ وَسَمَ أو ضَرَبَ الوجْهَ ونهى عنه" (٢) فتحريمُ ذلك ظاهِرُ كلام الإِمام والأصحاب. ويجوزُ الوَسْمُ في غير الوجه لغرضٍ صحيح. ويكره خِصاءٌ، وجَزُّ مَعْرَفَةٍ وناصيةٍ وذَنَبٍ، وتعليقُ جَرَس، ونزو حمارٍ على فرس (٣). (و) يحرم (ذبحها إن كانت لا تؤكل لإراحتها (٤)، كالآدمي المصْلوب والمتألِّم بالأمراض الصعبة. (ويجوز استعمالها في غير ما خُلِقتْ له) كبقرٍ لحملٍ وركوبٍ، وإبلٍ وحُمُرٍ لحرْثٍ ونحوه. تنبيه: يباح تجفيفُ دود القزّ بالشمسِ إذا استكمل، وتدخينُ الزنابير. فإن لم يندفع ضررها إلا بإحراقها جاز. خرجه الشيخُ موسى في شرحه على منظومة الآداب على القول في النمل والقمل وغيرهما، إذا

стр. 777

لم يندفع ضررها إلا بالحرق جاز بلا كراهةٍ، على ما أختاره الناظم (١). وقال: إنه سأل عنه الشيخَ شمسَ الدين شارحَ المقنع، فقال: ما هو ببعيد. أما إذا اندفع ضررها بدون الحرق، فقال الناظم: يكره. وظاهر كلام الأصحاب: التحريم.

стр. 778

باب الحضَانَة مأخوذ من الحِضن، وهو الجَنْبُ، لأن المربِّي والكافل يضمُّ الطفل إلى حِضْنِهِ. وتجبُ، لأن الطفل يهلِكُ بتركه ويضيِع, فلذلك وجبتْ كفالته، حفظاً له، وإنجاء له من الهلكة والضياع. (وهي) أي الحضانة (حفظ الطفلِ غالباً) وقد لا يكون طفلاً، ويكون كالطفل، وهو المجنون والمختلّ العقل (عمّا) متعلّق بقوله: حِفْظُ (يضرّه، والقيامُ بمصالحه، كغسْلِ رأسِهِ وثيابه، ودَهْنُه، وتكحيلُه، وربْطُه في المهد ونحوه، وتحريكُه لينام) ونحو ذلك مما يتعلق بمصالحه. [ترتيب مستحقي الحضانة] (والأحقُّ بها) أي بالحضانة (الأمّ) لأنها أشفق عليه وأقرب، ولا يشاركها في القرب، إلاَّ الأب، وليس له مثلُ شفقتِها، ولا يتولى الحضانة بنفسِهِ، وإنما بدفعه إلى امرأته أو غيرها من النساء، وأُمُّهُ أولى ممن يدفعه إليها، فتقدم على غيرها (ولو بأجرةِ مثلِها مع وجودِ متبرِّعَةٍ) كرضاع.

стр. 779

ولو امتنعت لم تجبر. (ثم) الأولى بالحضانة بعد الأم (أُمَّهاتها، القربى فالقربى) لأنهن نساءٌ ولادتهنَّ متحقِّقة، فهنَّ في معنى الأم. (ثم) الأولى بالحضانة بعد الأُم وأمهاتها (الأب) لأنه أصل النسب إلى الطفل، وأحقّ بولايةِ ماله، فكذلك في الحضانة. (ثم) الأولى بالحضانة بعد الأب (أمهاته) القربى فالقربى. (ثم) الأولى بالحضانة بعد الأب وأمهاته (الجدّ) لأنه في معنى ابنه الذي هو أبو المحضون، يقدّم فيه الأقرب فالأقرب من الآباء. (ثم أمهاته) أي أمهات الجد القربى فالقربى. (ثم) الأولى بالحضانة بعد أمهات آباء الآباء (الأخت لأبوين) لقوّة قرابتها (ثم) أختٌ (لأمِّ) لأن هؤلاء نساء يدلين، بالأم فكان من يدلي منهن بالأم أولى ممن يدلي بالأب كالجدات، (ثم) أختٌ (لأب). (ثم) الأولى بالحضانة بعد الأخوات خالاتُ المحضون، فتقدم (الخالة لأبوين) يعني: أختَ أمِّ المحضون لأبويها. (ثم) خالةٌ (لأمّ، ثم) خالةٌ (لأب)، لأن الخالات يدلين بالأم. (ثم) الأولى بالحضانة بعد الخالات (العمّات كذلك) يعني: تقدّم عمةٌ لأبوين، ثم عمةٌ لأمٍّ، ثم عمةٌ لأبٍ. (ثم خالات أمه، ثم خالات أبيه، ثم عمات أبيه، ثم بنات إخوته وأخواته، ثم بنات أعمامه وعماته). (ثم) تنتقل الحضانة (لباقي العصبة) أي عصبة المحضون (الأقرب فالأقرب)، فتقدم الإِخوة، ثم بنوهم، ثم الأعمام، ثم بنوهم، ثم أعمام الأب، ثم بنوهم، ثم أعمام الجد، ثم بنوهم. وشُرِطَ كونُ العصبة محرماً ولو برضاع ونحوه كمصاهرةٍ، لأنثى بلغت سبعاً.

стр. 780

[موانع استحقاق الحضانة] (ولا حضانةَ لمن فيه رقٌّ) ولو قلَّ، لأنها ولاية، فلا تثبت لمن فيه رقّ، كولاية النكاح. (ولا) حضانةَ (لفاسقٍ) لأنه لا يوفّي الحضانةَ حقَّها. (ولا حضانة لكافرٍ على مسلمٍ) لأنها إذا لم تثبت للفاسِقِ فالكافر أولى؛ ولأنّه ربما فَتَنَه عن دينه، ولا لمجنونٍ ولو غيرَ مطبِقٍ، ولا لمعتوهٍ، ولا لطفلٍ، ولا لعاجزٍ عنها، كأعمى وزَمِنٍ. قال الشيخ: وضعْفُ البَصَرِ بمنع من كمالِ ما يحتاج إليه المحضون من المصالح. انتهى. وإذا كان بالأمِّ برصٌ أو جُذامٌ سقط حقّها من الحضانة. أفتى به الشيخ. (ولا) حضانَةَ (لـ) امرأةٍ (متزوّجةٍ بأجنبيّ) من المحضونِ من زمن عقدٍ ولو رضي زوجٌ. (ومتى زالِ المانع) من كفرٍ أو فسقٍ أو رقٍّ أو تزوجَّ ولو بطلاقٍ رجعيّ ولم تنقض عدّتها (أو أسقَطَ الأحقُّ حقَّه منها، ثم عادَ، عاد الحقّ له) في الحضانة، لأن سببها قائم، وهو القَرَابة. وإنما امتنعت لمانعٍ، فإذا زال المانع عاد الحق بالسبب السابق اللازم. (وإن أراد أحَدُ الأبوين) أي أبوي المحضونِ (السَّفَرَ ويرجعَ، فالمقيم) من الأبوين (أحقّ بالحضانة) للولد، لأنّ في السفر بالولد إضراراً به، فتعين المقيم منهما. (وإن كان) سفر أحد أبويه (للسُّكْنى، وهو) أي المحلُّ الذي يريده للسكنى (مسافةَ قصرٍ) فأكثر، (فالأب أحقّ) بالحضانة لأن الأب في العادة هو الذي يقوم بتأديب الصغير، وحفظ نسبه، فإذا لم يكن الولَدُ في بلد الأب ضاع نسبه. ومحل ذلك إذا لم يرد مضارَّةَ الأم، أو انتزاع

стр. 781

الولد منها. فإذا أراد ذلك لم يُجَبْ إليه. قاله في الهدي. (و) إن كان البلد الذي أراد أحد أبويه النُّقْلَةَ إليه (دونها) أي دون مسافهَ القصر (فالأمُّ أحق) يعني أنها تكون باقية على حضانتها، لأنها أتمُّ شفقة. فصل [فى الحضانة بعد السابعة من العمر] ١ - (وإذا بلغ الصبيّ) المحضونُ (سبْعَ سنين) أي تمّتْ له سبعُ سنين، حال كونه (عاقلاً، خُيِّرَ بين أبويه) فكان عند من اختاره منهما، على الأصح، قضى بذلك عمر وعليٌّ وشريح للحديث (١) ولأن التقديم في الحضانة لحقِّ الولد، فيقدّم من هو أشفق، ومن حظّ الولد عنده أكثر. واعتبرنا الشفقةُ بمظنّتها إذا لم يمكن اعتبارها بنفسها، فإذا بلغَ الغلامُ حدًّا يُعْرِب فيه عن نفسه، ويميّز بين الإكرام وضدّه، فمالَ إلى أَحَدِ الأبوين، دلّ على أنه أرْفَقُ به وأشفَقُ عليه، فَقُدِّم بذلك. وقيّدناه بالسبع لأنّها أولُ حالِ أمْرِ الشارعِ فيهِ بمخاطبته بالأمر بالصلاة. ولأن الأمّ قُدِّمت في حال الصغر، لحاجته إلى من يحمله ويباشر خدمته، لأنها أعرَفُ بذلك وأقْوَمُ به، فإذا استغنى عن ذلك تساوى والداه، لقربهما منه، فرُجِّح باختياره. (فإن اختار أباه كان عنده ليلاً ونهاراً) لأن الأب مستحقٌّ، فالزّمان كلّه متعين له كما في الطفل، (ولا يمنع من زيارة أمه) لأن في منعه من

стр. 782

ذلك إغراءً له بالعقوق وقطيعةِ الرحم. (ولا) تمنعُ (هي) أي أمه (من زيارته) وتمريضِهِ. (وإن اختار) الصبيُّ (أُمَّه كان عندها ليلاً) فقط لأنه وقت السَّكنِ وانحياز الرجال إلى المنازل، (و) كان (عند أبيهِ نهاراً) لأنه وقت التصرّف في قضاء الحاجاتِ وعملِ الصنائع (ليؤدّبه ويعلمه) لئلا يضيعَ حظُّه من ذلك. وإن عادَ فاختارَ الآخَرَ نُقِلَ إليه. ثم إن اختار الأول رُدَّ إليه. وهكذا أبداً، كما يتْبَعُ ما يشتهيه من المأكول. ٢ - (وإذا بلغت الأنثى) المحضونَةُ (سبعاً) أي تمَّ لها سبع سنين (كانَتْ عند أبيها وجوباً إلى أن تتزوّج) لأنه أحفَظُ لها وأحقُّ بولايتها من غيره، فوجَبَ أن تكونَ تحت نظرِهِ ليأمَنَ عليها من دخول النساءِ، لكونها معرَّضة للآفات، لا يؤمَنُ عليها الانخداعُ، ولأنها إذا بلغتِ السبْعَ قاربت الصلاحية للتزويج. (ويمنعها) الأب (ومن يقوم مقامَهُ من الانفرادِ) لأنها لا تؤمن على نفسها. (ولا تُمْنَعُ الأم من زيارتها) إن لم يُخَفْ منها، (ولا) تُمنَعُ (هي) أي البنت (من زيارةِ أمّها إن لم يُخَفِ الفساد). [حضانة المجنون] (و) يكون (المجنون، ولو أنثى، عند أمّه مطلقاً) يعني صغيراً كان أو كبيراً، لحاجته إلى من يخدمه ويقوم بأمره. والنساء أعرف بذلك. (ولا يُتْرَكُ المحضون بيد من لا يصونُه ويصلحه) لأن وجود من لا يصونه ويصلحه كعدمه، فينتقل عنه إلى من يليه.

стр. 783

كتَاب الجنَايَات جمع جِنَايَةٍ. وهي لغةً: كلُّ فعل وَقَعَ على وجه التعدّي سواء، كان على النفس أو المال. (وهي) شرعاً (التعدّي على البَدَنِ بما يوجب قصاصاً أو) يوجب (مالاً) وُيسمِّي أهلُ الشرع الجنايات على الأموال غصباً ونهباً وسرقةً وخِيَانةٍ (١) وإتلافاً. وأجمع المسلمون على تحريم القتل بغير حق. (والقتل) وهو فعل ما يكون سبباً لزهوق النفس، وهو مفارقة الروح البدن، (ثلاثة أقسام): (أحدها: العمد العدوان، ويختصّ به القصاص أو الدية (٢)). (فالوليّ) أي ولي الجناية (مخيّرٌ) بين القصاص أو الدية. على الأصحّ (٣)، لأن الدية أحد بدلي النفس، بدليل أنها تجب عيناً في كلّ

стр. 784

موضع لا يمكن القصاص فيه، فكانتْ إحدى مُوجبَي العمْدِ لذلك. (وعفوه) أي عفوُ وليّ الجناية (مجاناً) أي من غير أن يأخذ شيئاً (أفضل) لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ للتَّقْوَى﴾ ولا تعزيرَ على جانٍ بعدَ العفوِ. فإن اختار وليّ الجناية القَوَدَ، أو عفا عن الدية دون القصاص، فله أخذُها والصلح على أكثرَ منها. وإن اختارَ الدية ابتداءً تعينَتْ، فلو قتله بعد ذلك قتِلَ به. وإن عفَا مطلقاً بأن لا يقيِّد بقصاصٍ ولا ديةٍ فله الدية. أو عفا على غير مالٍ (١) فله الدية. أو عفا عن القَوَدِ مطلقاً، ولو كان العفو في الصور الثلاث عن يد الجاني أو رجله أو نحوهما، فله الدية. (وهو) أي العمد (أن يقصد الجاني من يعلمه آدميًّا معصوماً فيقتله بما) أي بشيء (يغلب على الظنّ موتُه به) فلا قصاص بما لا يقتل غالباً. وللعمد الذي يختصُّ القَوَدُ به تسع صور: إحداها: أن يجْرحه بما له نفُوذٌ في البدن، كسكين وشوكةٍ وعظْمٍ. ولو كان الجُرْحُ صغيراً كشرطة حجّام، أو في غير مَقْتَلٍ. الثانية: أن يضربه بمثقِّل فوقَ عمود الفُسْطَاطِ، أو بما يغلب على الظنّ موتُه به، من لُتٍّ، وحجر كبير، ولو في غير مقتل. الثالثة: أن يلقيه بِزُبْيَةِ أَسَدٍ ونحِوها. الرابعة: أن يلقيه في ماءٍ يُغْرِقُهُ، أو نارٍ، ولا يمكنه التخلَّص، فيموت. وإن أمكنه فيهما فَهدْرٌ. الخامسة: أن يخنُقَه بحبلٍ أو غيره، أو يسدّ فمه وأنفه ونحو ذلك.

стр. 785

السادسة: أن يحبسه ويمنعه الطعام والشراب فيموت جوعاً أو عطشاً لزمنٍ يموت فيه غالباً، ولا يمكنه الطلب. السابعة: أن يسقيه سمًّا لا يعلم به. الثامنة: أن يقتله بسحرٍ يقتل غالباً. التاسعة: أن يشهد رجلان على شخص بقتلٍ عمداً. (فلو تعمّد جماعةٌ قتل) شخصٍ (واحدٍ قتلوا جميعاً إن صلح فعْلُ كل واحد منهم للقتل.) ولا يجب على الجميع مع العفو عن القصاص أكثرُ من ديةٍ واحدة على الأصحّ، لأن القتل واحد فلا يلزمهم أكثر من دية كما لو قتلوه خطأ. (وإن جرَحَ واحدٌ) من قاتلين (جُرْحاً) واحداً، وكان بحيث لو انفرد لقَتَلَ، (و) جَرَحَه (آخر مائة، فـ) هما (سواء) في القصاص أو الدية، لأن كل واحدٍ منهما فَعَلَ فعْلاً أزهق به نفسَ المقتول، فكان على كل واحدٍ القودُ، كما لو انفرد به. وكذلك في الدية، لأن زهوقَ نفسِهِ حصل بفعل كلّ واحد منهما، وزهوقُ النفس لا يتبعَّض ليُقْسَمَ على الفعل، فوجب تساويهما في موجَبهِ. (ومن قطع) أي أبانَ سلعةً خطرةً من آدميٍّ مكلف بلا إذنه، فمات، (أو بطَّ) أي: شَرَطَ (سلعةً خطِرةً) ليخرج ما فيها من القيح أو نحوه (من مكلَّفٍ بلا إذنه)، فمات، (أو) قطع، أو بطَّ، سلعةً خطرةً (من غير مكلف، بلا إذن وليّه، فمات) في الصور الثلاث، (فعليه القود.) القسم (الثاني: شِبْهُ العَمْدِ)، وهو المسمى بـ"خطأ العَمْدِ" و"عَمْدِ الخَطَإِ" (وهو أن يقصده بجنايةٍ لا تقتل غالباً، ولم يجرحْهُ بها) أي بهذه الجناية، كمن ضَرَبَ غيره بسوطٍ أو عصاً أو حَجَرٍ صغير، أو لَكَزَ، أو

стр. 786

لَكَمَ غيره، في غير مقتل، أو ألقاه في ماء قليلٍ، أو سَحَرَهُ بما لا يقتل غالباً، فمات، أو صاحَ بعاقِلٍ في حال غفلته، فمات، أو صاح بصغيرٍ أو معتوهٍ على سطحٍ، فسقط، فمات، ففي ذلك كله، إن وجد واحد منها، الكفارة في مال جانٍ، والدية على عاقلته. (فإن جرحه بها) أي بهذه الجناية التي لا تقتُلُ غالباً (ولو كان الجرح صغيراً قُتِلَ به.) القسم (الثالث: الخطأ) وهو ضربان: ضرب في الفعل: (وهو أن يفعل ما) أي فعلاً (يجوز له فعله، من دقٍّ) لشيءٍ (أو رمْيِ صيدٍ، ونحوه) كهدفٍ، فيصيبَ آدميًّا معصوماً لم يقصده، أو ينقلب وهو نائم على إنسان (١) فيموت. وضرْبٌ في القصد: وهو ما أشار إليه بقوله: (أو يظنه) أي يظن ما يرميه (مباحَ الدم) أو صيداً (فيتبيّن آدميًّا معصوماً) كمن أراد قطع لحمٍ أو غيرِهِ مما له فعله، فسقطت منه السكين على إنسان فقتلته، أو يتعمّدَ القتلَ صغيرٌ أو مجنونٌ. (ففي القسمين الأخيرين) وهما شبه العمد والخطأ (الكفارةُ على القاتلِ، والدية على عاقلته). (ومن قال لِإنسان: اقتلني، أو) قال لِإنسان: (اجرحني، فقتله)، أي فقتل من قال له: اقتلني، (أو جرحه) أي جرح من قال له: اجرحني، (لم يلزمه شيء) لأن ذلك جنايةٌ أذِنَ له المجنيّ عليه فيها، فسقط عنه ضمانُها (٢)، كما لو أمره بإلقاء متاعه في البحر ففعل.

стр. 787

(وكذا لو دَفَع لغير مكلفٍ آلةَ قتلٍ، ولم يأمره به) أي بالقتل، فَقَتَل. قال في المنتهى وشرحه: ومن دفع لغيرِ مكلَّفٍ آلة قتلٍ، ولم يأمره به، أي بالقتل، فقتَلَ بالآلة إنساناً: لم يلزم الدافعَ لَهُ الآلة شيءٌ، لأن الدافع ليس بآمرٍ ولا مباشرٍ. انتهى.

стр. 788

باب شرُوط القصَاص في النفس أي ما يشترط لوجوب القود. (وهي أربعة): (أحدها: تكليف القاتل) وهو أن يكون بالغاً عاقلاً، لأن القصاص عقوبةٌ مغلّظة، (فلا قصاص على صغيرٍ، و) لا على (مجنونٍ) ومعتوهٍ، لأنهم ليس لهم قصد صحيح، (بل الكفارة في مالهما، والديّة على عاقلتهما،) كالقاتل خطأ. ومتى قال الجاني: كنت صغيراً حال الجناية، وقال وليُّها: بل كنتَ بالغاً، وأمكنَ، وأقاما بذلك بينتين، تعارضتا (١). (الثاني) من شروط القصاص: (عصمة المقتول) ولو كانَ مستَحَقًّا دَمُهُ بقتلٍ لغيرِ قاتِلِهِ، لأنه لا سبب فيه يباح به دمه لقاتله (٢). إذا تقرر هذا (فلا كفارة ولا دية على قاتلِ حربيٍّ أو) قاتلِ (مرتدٍّ) قبل توبته إن قبلت توبته ظاهراً (٣) (أو) قاتل (زانٍ. محصنٍ) ولو قبل ثبوت

стр. 789

عند الحاكم (ولو أنه مثلُه) أي: ولو أن قاتل المرتد مثلُهُ، أو أن قاتل الزاني المحصنِ زانٍ محصنٌ مثله، أو أنّ قاتل واحدٍ من هؤلاء ذمّيّ. ويعزّر للافتيات على وليّ الأمر. (الثالث) من شروط القصاص: (المكافأة): أي مكافأة مقتولٍ لقاتلٍ، والمكافأة (بأن لا يفضُلَ القاتلُ المقتولَ حالَ الجنايةِ بالإِسلام، أو) يفضَله (بالحرية، أو) يفضله (بالملك). (فلا يقتلُ المسلم ولو) كان (عبداً بالكافر ولو) كان الكافر (حرًّا) روي ذلك عن عمر وعثمان وعليّ وزيد بن ثابت ومعاوية. وبذلك قال عمر بن العزيز وعطاء والحسن وعكرمة والزهري وابن شبرمة والثوري وإسحاق وأبو عبيدة وأبو ثور وابن المنذر. وقال النبي ﷺ : "ولا يقتل مسلم بكافر" (١). (ولا) يقتل (الحر ولو ذمّيًّا بالعبد، ولو) كان العبد (مسلماً، ولا) يقتل (المكاتَب بعبدهِ) لأنّه مالكٌ لرقبته، فلا يقتل به كالحر، حتّى (ولو كان) عبدِ المكاتب (ذا رَحِمٍ مَحْرَمٍ له) لأنه ملكه، فلا يقتل به، كغيره من عبيده في الأصح. (ويقتل الحرُّ المسلم، ولو) كان (ذكراً، بالحر المسلم ولو) كان (أنثى). (والرقيق كذلك) يعني يقتل الرقيقُ المسلمُ ولو ذكراً بالرقيق المسلمَ ولو أنثى.

стр. 790

(و) يقتل الإِنسان (بـ) قتل (من هو أعلى منه) فيُقْتَلُ الكافِرُ الحرُّ بالمسلم الحر، (والذمّيّ كذلك) فيقتل الذمّيّ الرقيق بالذمّيّ الحر. (الرابع) من شروط القصاص: (أن يكون المقتولُ ليس بولدٍ) وإن سفل (للقاتلِ)، ولا بولدِ بنتٍ وإن سفلت، للقاتل. إذا تقرر هذا (فلا يقتل الأب وإن علا) بالولدِ ولا ولدِ الولدِ، (ولا) تقتل (الأمُّ وإن علتْ بالولد، ولا بولد الولد، وإن سفل. ويورث القصاصُ على قدرِ الميراثِ. فمتى وَرِث القاتِلُ) شيئاً من القصاصِ فلا قصاص لأنه لو لم يسقط لوجب له على نفسه القصاص، وهو ممنوع. (أو) ورث (ولدُهُ) أي ولدُ القاتل (شيئاً من القصاص)، وإن قلَّ، (فلا قصاص) لأنه لو لم يسقط لوجَبَ للولد على الوالد، وهو ممنوع. ومن قتل إنساناً لا يُعرَف بإسلامٍ ولا حرّيَّةٍ، أو ملفوفاً لا يُعْرَف هل هو حيٌّ أو ميْتٍ، وادعى كفرَهُ أو موْتَه، وأنكر وليُّه ذلك، أو قتل شخصاً في داره وادعى أنه دخل داره لقتله، أو أخْذِ ماله، فقتَلَهُ دفعاً عن نفسه، وأنكر وليُّه ذلك، فالقول قول الولي بيمينه. ووجب القصاص ما لم يأت ببيّنةٍ تشهد بدعواه.

стр. 791

باب شرُوط استيفاء القصّاص وهو فعلُ مجنيٍّ عليه أو وليِّهِ بجانٍ مِثْلَ فِعْلِهِ أو شِبْهَهُ. (وهي) أي شروطُ استيفاء القصاص (ثلاثة): (أحدها: تكليف المستَحِقّ) لأن غير المكلف ليس أهلاً للاستيفاء، لعدم تكليفِهِ، بدليلِ أنه لا يصحُّ إقراره ولا تصرُّفه. (فإن كان) المستحق للقصاص (صغيراً أو مجنوناً حُبِسَ الجاني إلى تكليفِهِ) ببلوغٍ إن كان صغيراً، أو عقلٍ إن كان مجنوناً، لأن معاوية حَبَس هُدْبَةَ بن خَشْرَمٍ في قصاص حتى بَلَغَ ابنُ القتيل. وكان ذلك في عصر الصحابة. ولم يُنْكَر فكان كالإِجماع. ولا يملك استيفاءه للصبيِّ والمجنونِ أبٌ كوصيٍّ وحاكِمٍ. (فإن احتاج) الصبيُّ والمجنونُ (لنفقةٍ فلوليّ المجنونِ فقط) أي لا وليّ صغيرٍ (العفوُ إلى الدية) لأن المجنون ليست له حالة معتادة يُنْتَظَر فيها إفاقته ورجوعُ عقلِهِ، بخلافِ الصغير. وعُلِمَ منه أنه إذا لم يحتج المجنون لنفقةٍ لم يكن لوليّه العفوُ على مالٍ. فإن قتل الصبيُّ والمجنونُ قاتلَ مورِّثِهِما، أو قَطَعَا قاطعهما، من غير إذنٍ من الجاني، سقط حقهما. (الثاني) من شروط استيفاء القصاص: (اتفاقُ المستحقين) في

стр. 792

القصاص (على استيفائِهِ، فلا ينفردُ به) أي بالاستيفاء، (بعضُهم) دون بعضٍ، لأنه يكون مستوفياً لحقِّ غيرِهِ بغير إذنه، ولا ولايةٍ له عليه. (وُينتظَر قدومُ الغائب، وتكليفُ غير المكلف) أي بلوغ وارثٍ صغيرٍ، وإفاقةُ وارثٍ مجنونٍ، لأنهم شركاء في القصاص، ولأنه قصاصٌ غير متحتّمٍ ثبتَ لجماعةٍ معيّنين، فلم يجزْ لأحدهم الاستقلالُ به (١). (ومن مات من المستحقّين فوارثُهُ) أي وارثُ من مات (كهو) أي كمورِّثِهِ، فيملك ما كان يملكه مورِّثُه، لأنه حقٌّ للميت، فانتقل بموته إلى وارثه، كسائر حقوقه. (وإن عفا بعضهم) أي بعض مستحقّي القصاص، (ولو) كان العافي (زوجاً أو زوجةً) لعموم قوله ﷺ : "فَأهْلُهُ بَيْنَ خِيْرَتَيْنِ" (٢) وهذا عامّ في جميع أهله، والمرأةُ -ولو كانت زوجة- من أهله، بدليل قوله ﷺ : "من يعذرُني مِنْ رجلٍ بلغني أذاهُ في أهلي؟ وما علمتُ على أهلي إلا خيراً" (٣) يريد عائشة، (أو أقرّ بعفوِ شريكِهِ، سقط القصاصُ) قال في المنتهى: أوْ شهد، ولو مع فسقه، بعفو شريكِهِ، سقَطَ القودُ. قال في شرحه: فأما سقوطُهُ بشهادةِ بعضِهِمْ على شريكه بالعفو فلكونهِ إقراراً بأنَّ نصيبَهُ من القودِ سَقَط. (الثالث) من شروط استيفاء القصاص: (أن يأمنَ في استيفائِهِ) أي

стр. 793

استيفاءِ القودِ (تعدِّيَهُ إلى الغير) أي غير الجاني، لقوله تعالى: ﴿فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ إذا تقرّر هذا (فلو لزم القصاصُ حاملاً) أو حائلاً ثم حَمَلَتْ (لم تُقْتَلْ حتى تضعَ) حملها، لأن قتل الحامِلِ إسراف في القتل، لأنه يتعدّى إلى الجنين، فلا تقتلُ حتى تضعُه وتسقيه الَّلبَأَ، (ثم إن وُجِدَ من يرضعه قُتِلَتْ) لأنَّ غيرها يقوم مقامها في إرضاع الولد وتربيته، فلم يبق في استيفاء القود منها ضرورة، (وإلاَّ) أي وإن لم يوجد من يرضعه (فـ) إنها (لا) تقتل (حتّى تُرْضِعَهُ حولين) كاملين، لأنه لما أُخّر الاستيفاء لحفظه وهو حمل، فلأن يؤخَّر لحفظِهِ بعد وضعه أولى. وكذا حدٌّ بِرَجْمٍ. وتقادُ في طرَفٍ، وتُحَدُّ بجلدٍ لمجردِ وضعٍ. ومتى ادَّعَتْ حملاً، وكان لها زوجٌ أو سيّد يطؤها، قُبِل قولها. فصل [في استيفاء القصاص] (ويحرم استيفاء القصاص بلا حضرة السلطان أو نائبِهِ) في الأصحّ، لأنه أمرٌ يفتقر إلى اجتهادٍ، ويحرُمُ الحيف فيه، ولا يُؤمَنُ مع قصدِ المقتصِّ التشفّي بالقصاصِ. وللإِمام تعزير من اقتَصَّ بغيرِ حضورِ الإِمامِ أو نائبِهِ لافتياته بفعل ما مُنِعَ مِنْ فِعْلَه. (ويقع) القصاصُ (الموقعَ) لأن المقتصّ استوفى حقه. (ويحرم قتل الجاني بغير السيف) في العنق. (و) يحرم (قطع طرفه) أي الجاني (بغير السّكين، لئلا يحيف) عند الاستيفاء.

стр. 794

ومن قَطَعَ طرفَ شخصٍ ثم قَتَله قبل بُرْئهِ دخل قَوَدُ طرفه في قتلِ نفسه، وكفى قتلٌ، على الأصحّ. (وإن بَطَشَ وليّ المقتول بالجاني، فظنّ أنه قَتَله، فلم يكن) قَتَلَه، (وداواهُ أهلُه حتّى برئ (١)، فإن شاءَ الوليُّ دَفَعَ) إليه (دية فعله) الذي فَعَلَه به (وقتله، وإلا) أي وإن لم يشأ الولي ذلك (تركه) يعني لم يتعرض له. قال في الفروع: هذا رأيُ عمر وعليّ ويعلى بن أمية. ذكره أحمد.

стр. 795

باب شرُوط القصَاص فيما دُون النفس وهو معقودٌ لأحكام القَوَدِ فيما ليس بقتلٍ، من الجراحِ وقطعِ الأعضاء ونحو ذلك. وذلك هو المذكور في قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ فدَلَّ ذلك على أن كل واحدٍ من هذه الأعضاء يوخذ بمثله. ويُشترط لوجوب القصاص فيما دون النفسِ الشروطُ المتقدمة في القصاص في النفس. وإلى ذلك أشار بقوله: (من أُخِذَ بغيره في النفس أُخِذَ به فيما دونها، ومن لا) يجري القصاص بينهما في النفس (فلا) يجري القصاص بينهما فيما دونها، كالأبوين مع ابنهما، والحرِّ مع العبد، والمسلمِ مع الكافر. فلا يُقْطَعُ طرفه بطرفه، لعدم المكافأة. وُيقْطَعُ كل من الحر المسلم والعبد والذمّيّ بمثله. ويقطع الذكر بالأنثى، والناقِصُ بالكامل، كالعبدِ بالحرِّ، والكافرِ بالمسلمِ، لأن من جرى القصاصُ بينَهما في النفس جرى في الطرف. (وشروطُه أربعة): (أحدها) أي أحد الشروط: (العمدُ العدوانُ، فلا قِصَاصَ في غيره) أي لا قصاص في الخطأ، لأنه لا يوجب القصاص في النفس،

стр. 796

وهي الأصل، ففيما دونها أولى، ولا في شبه العمْد. والآية مخصوصة بالخطأ فكذلك شبه العمد. (الثاني) من شروط وجوب القصاص فيما دون النفس: (إمكانُ الاستيفاءِ) أي استيفاء القصاص فيما دون النفس (بلا حَيْفٍ). وذلك (بأن يكون القطع من مفصل، أو ينتهي إلى حدٍّ، كمارِنِ الأنف، وهو ما لان منه) أي من الأنف، دون القصبة، لأن ذلك حدٌّ ينتهى إليه، فهو كاليد يجب القصاص فيما انتهى إلى الكُوعِ. إذا علمت ذلك (فلا قصاص في جائفةٍ) وهي الجرح الواصل إلى باطن الجوف، (ولا في قطع القَصَبَة) أي قَصَبةِ الأنف، ولا في كسر عظمٍ غير سنٍّ وضرس، (أو) قطع (بعض ساعِدٍ، أو) قطع بعض (عَضُدٍ، أو ساقٍ، أو) بعض (وَرِكٍ) لأنه لا يمكن استيفاءٌ من ذلك بلا حيف، فإنه ربما يأخُذُ أكثر من الغاية (١)، أو يسري إلى عضو آخر، أو إلى النفس، فلم يجز (٢)، لأن الواجب الأخذ بقدر المُتْلَف، لا أكثر منه. فإذا أفضى الاستيفاء إلى الحيف مُنِع منه لتعذّره. ولو قطع يده من الكُوعِ، ثم تأكّلت إلى نصف الذراع، فلا قود له

стр. 797

أيضاً (١)، اعتباراً بالاستقرار. قاله القاضي وغيره. وقدّمه في الرعايتين. وصححه الناظم. فائدة: الأمن من الحيف شرط لجوازه (٢). (فإن خالفَ فاقتصَّ بقدْرِ حقِّه، ولم يَسْرِ، وقع) القصاص (الموقع، ولم يلزمْه) أي المقتصّ (شيء). (الثالث) من شروط وجوب القصاص فيما دون النفس: (المساواةُ في الاسم)، كالعين بالعين، والأنف بالأنف، والأذن بالأذن، والسنّ بالسنّ، لأن القصاص يقتضي المساواة، والاختلافُ في الاسم دليلٌ الاختلاف في المعنى، (فلا تقطع اليد بالرجل، وعكسه، و) المساواة أيضاً (في الموضع، فلا تقطع اليمين بالشمال، وعكسه،) ولا تؤخذ جراحةٌ في الوجه بجراحةٍ في الرأس، ولا جراحةٌ في مقدَّم الرأس بجراحةٍ في مؤَخّر الرأس، اعتباراً للمماثلة. قاله في شرح المنتهى. ويؤخذ كل من أصبعٍ وكفٍّ ومَرْفِقٍ ويمنى ويسرى، من عينٍ أو أذنٍ -مثقوبةٍ أوْ لا- ومن يدٍ ورجلٍ وخُصيةٍ وأَلْيَةٍ، وعليا وسفلى من شفة، ويمنى ويسرى وعليا وسفلى من سنٍّ وجفنٍ بمثله. (الرابع) من شروط وجوب القصاص فيما دون النفس: (مراعاةُ الصّحّة والكمالِ، فلا تؤخذ) يدٌ أو رجلٌ (كاملةُ الأصابع، أو) كاملة (الأظفار بناقصتها)، رضي الجاني أم لم يرضَ، لأن ذهاب بعض الأصابع أو الأظفار نقصٌ في اليد أو الرجل، ولا تؤخذ بها الكاملة، لزيادة المأخوذِ على المفوَّت، فلا تكون مقاصّةً. بل تؤخذ ذات أظفارٍ سليمةٍ بذات أظفار معيبةٍ، لحصول المقاصّة.

стр. 798

(ولا) تؤخذ (عينٌ صحيحة بقائمةٍ) أي بعينٍ قائمة، وهي التي بياضُها وسوادُها صافيان، غير أن صاحبها لا يبصر بها. قاله الأزهري. لأنّ منفعتها ناقصة، فلا تؤخذ بها كاملة المنفعة. (ولا) يؤخذُ (لسانٌ ناطقٌ بـ) لسانٍ (أخرسَ) لنقصه، (ولا) عضوٌ (صحيحٌ بـ) عضوٍ (أشلّ، من يدٍ ورجلٍ وأصبعٍ) والشَّلَلُ فسادُ العضو وذهابُ حركته، لأن المقصود من اللسان النطق، ومن اليد والرجل البطش، ومن الأصابع إمكان العمل. فإذا فَسَدَ العضو، وذهبت منفعته، لم يؤخذ به الصحيح، لزيادته عليه. فإن الصحيح طرف منفعته موجودة فيه، فلا يؤخذ بما لا منفعة فيه، كعين البصير بعين الأعمى. (ولا) يؤخذ (ذكرُ فحلٍ بذكرِ خِصَيٍّ)، أو ذكرِ عِنِّينٍ، فإنه لا منفعة فيهما، فإن ذكر العنين لا يوجد منه وطء ولا إنزال، والخصيّ، وهو مقطوع الخصيتين، لا يولد له ولا يكاد يقدر على الوطء، فهما كالذكر الأشلّ. (ويؤخذ مارنُ) أنفٍ (صحيحٍ بمارنٍ أشلَّ) (١) وهو الذي لا يجد رائحة شيءٍ، لأن ذلك لعلة في الدماغ، والأنف صحيح. (و) تؤخذ (أُذنٌ صحيحة بأذنٍ شلاّء.) ويؤخَذ معيبٌ من ذلك بصحيجٍ بلا أرشٍ.

стр. 799

فصل [في القصاص في الجروح] (ويشترط لجواز القصاص في الجروح انتهاؤها) أي أن تنتهي (إلى عظمٍ كجرح العضد، والساعد، والفخذ، والساق، والقدم؛ وكالمُوضِحَة) في الوجه والرأس. قال في شرح المقنع: ولا نعلم في جوازِ القصاص في الموضحة خلافاً. انتهى؛ (والهاشمةِ والمُنَقِّلَةِ والمَأمُومَةِ) (١) قال في المنتهى وشرحه: ولمجروحٍ أعظَمَ منها، أي من الموضحة، كهاشمةٍ ومنقِّلةٍ ومأمومةٍ أن يقتصّ موضحةً، وأن يأخذ ما بين دِيَتِها ودية تلك الشجَّة، فيأخذ في هاشمةٍ خمساً من الإِبل، وفي منقّلة عشراً، وفي مأمومة ثمانياً وعشرين بعيراً وثلثَ بعير. انتهى. (وسراية القصاص هَدْرٌ) يعني أنها غيرُ مضمونة، لأن عمر وعليًّا قالا: "من مات من حدٍّ أو قصاص لا دية له: الحقُّ قَتَلَه." رواه سعيد بمعناه، لأنه قَطْعٌ بحق، فكما أنه غير مضمونٍ. فكذلك سرايته، كقَطْعِ السارق. لكن لو قَطَع وليُّ الجناية الجانيَ من غير إذن الإِمام أو نائبِهِ، معَ حرٍّ أو بَرْدٍ، أو بآلَةٍ كالَّةٍ أو مسمومةٍ، ونحوه، فمات بسبب ذلك، لزم المقتصَّ ديةُ النَّفسِ منقوصاً منها دية ذلك العضو الذي وجب له القصاص فيه. فلو وجب له في يدٍ كان عليه نصف الدية، وإن كان في جَفْنٍ كان عليه ثلاثة أرباعها. [السراية] (وسرايةُ الجنايةِ مضمونةٌ) ولو بعد أن اندمل جرحٌ واقتَصَّ ثم

стр. 800

انتقَضَ الجرحُ، فسرى، بقودٍ وديةٍ [في نفس] (١) ودونها، كما لو قطع أصبعاً فتأكّلت أخرى إلى جنبها، أو اليد وسقطت من مفصل، فالقود، (ما لم يقتصَّ ربُّها) أي ربُّ الجناية (قبل برئه) أي برءِ جرحه (فـ) سرايته (هدْرٌ أيضاً) لأنه باقتصاصه قبل الاندمال رضي بترك ما يزيد عليه بالسراية، فبطل حقه منه، كما لو رضي بترك القصاص.

стр. 801

كتَاب الدّيَات جمع دِيّةٍ، وهي المال المؤدَّى إلى مجنيٍّ عليه أو وليّهِ بسببِ جنايةٍ (١). (من أتلف إنساناً، أو) أتلف (جزءاً منه، بمباشرةٍ أو سببٍ، إن كان عمداً فالدِّيَةُ في ماله) أي مال المتلِفِ، لأن الأصل يقتضي أنَّ بَدَل المتلَفِ يجب على متلِفِه، وأرشُ الجنايةِ على الجاني. (وإن كان) الإِتلاف (غير عمدٍ) كالخطإِ وشبهِ العمدِ (فـ) الدِّيةُ (على عاقِلَتِهِ) وحكمة ذلك أنَّ جناياتِ الخطأ تكثر، وديةُ الآدميّ كثيرة، فإيجابُها على الجاني في ماله تُجْحِفُ به، فاقتضَتْ الحكمةُ إيجابها على العاقلة على سبيل المواساة للقاتل، إذ كان معذوراً بفعله. (ومن حَفَرَ تعدّياً بئراً قصيرةً فَعَمَّقَها آخر، فضمان تالفٍ بينهما) لأنّ السبب حصل منهما. (وإن وضَع ثالثٌ) فيها (سكّيناً) فوقع إنسانٌ على السكين التي في البئرِ فمات، (فـ) الدية على عاقلة الثلاثة (أثلاثاً). وإن حَفَرها بملكِهِ، وسَتَرها ليقع فيها أحدٌ، فمن دَخَل بإذنه،

стр. 802

وتلف بالبئر، فالقود على حافر البئر، وإن دخل بغير إذنِهِ فلا ضمان عليه، كمكشوفةٍ بحيث يراها. ويقبل قوله في عدم إذنه، لا في كشفها. (وإن وَضَعَ واحدٌ حجراً) أو نحوه (تعدّياً، فَعَثَر فيه إنسان، فوقع في البئر، فالضمان على واضعِ الحجَر) دون الحافر، لأن واضعَ الحجرِ أو نحوه كالدافع، لأنه متى اجتمع الحافر والدافع فالضمان على الدافع وحده، لأن الحافر لم يقصد بذلك القتلَ عادةً لمعيَّنٍ. وإن لم يكن التعدّي منهما جميعاً فالضمان على متعدٍّ منهما فقط، فلو كان الحافر هو المتعدي بحفره دون واضع الحجر، بأن كان وضْعُهُ لمصلحةٍ كوضْعِهِ في وحْلٍ لتدوس عليه الناس، كان الضمان على الحافر دون واضع الحجر. (وإن تجاذَبَ حرَّانِ مكلّفان حبلاً) أو نحوَه، كثوبٍ (فانقطع) ما تجاذباه، (فسقَطا ميّتين، فعلى عاقلةِ كلٍّ) منهما (ديةُ الآخر) سواءٌ أَنكبَّا، أو استلقيا، أو انكبّ أحدهما واستلقى الآخر. لكن نصف دية المنكبّ على عاقلة المستلقي مغلّظةً، ونصفُ دية المستلقي على عاقلة المنكبّ مخففةً (١). قاله في الرعاية. (وإن اصطَدَما) ولو كانا ضريرين، أو كان أحدهما ضريراً والآخر بصيراً، فماتا (فكذلك،) أي فعلى عاقلةِ كل واحدٍ منهما دِيَةُ الآخر. روي ذلك عن عليّ، لأنّ كلَّ واحد منهما ماتَ من صدمةِ صاحبه. وذلك خطأ. فكانتْ دِيَةُ كل واحد منهما على عاقلة صاحبه. (ومن أركَبَ صغيريْنِ لا ولايةَ له على واحد منهما، فاصطدما،

стр. 803

فماتا، فديتهما) وما تلف لهما (من مالِهِ) أي مالِ المُرْكِبِ، لأنَّه متعدٍّ بذلك، وتلفُهما وتلفُ مالهما بسبب تعدّيه، على الأصح. وقيل: إن ديتهما على عاقلته. وإن أركبهما وليٌّ لمصْلَحَةٍ، أو ركبا من عند أنفسهما، فديةُ كل منهما على عاقلة الآخر. (ومن أرسلَ صغيراً لحاجةٍ فأتلفَ) في إرساله (نفساً أو مالاً فالضَّمانُ على مرسله.) وإن جُنِي عليه ضمنه المرسِلُ له (١). قال في الفروع: ذَكَر ذلك في الإِرشاد وغيره. ونقله ابن منصور، إلا أنه قال: ما جنى فعلى الصبي. انتهى. (ومنْ ألقى حجراً، أو) ألقى (عِدْلاً مملوءاً بسفينةٍ، فغرقت) السفينة بسبب ذلك (ضَمِنَ) الملقي (جميعَ ما فيها) في الأصح، لأنه تَلَفٌ حصل بسبب فعلِهِ، فكان عليه ضمانه، كما لو باشر الإِتلاف. (ومن اضطُرَّ إلى طعام) إنسان (غيرِ مضْطَرٍّ أو شرابِهِ،) فطلبه، (فمنعه حتى ماتَ) ضَمِنَه. نصّ عليه. وخرّج على ذلك أبو الخطاب أن كلّ من أمكنه إنجاءُ نفس من هَلَكَةٍ، فلم يُنْجِهِ منها مع قدرته على ذلك، أنه يضمنه (٢)، (أو أَخَذَ طعامَ غيرِهِ، أو) أخذ (شرابَهُ) أي شراب غيرِهِ، (وهو) أي المأخوذُ طعامُهُ أو شرابهُ، (عاجز) عن دفعِهِ، فتلف، (أو أَخَذَ دابَّتَهُ،) ضمِنَ ما تلف من ذلك، لأنه سببُ هلاكِهِ، (أو) أَخَذَ

стр. 804

منه (ما يدْفَع به عن نفسِهِ من سَبُعٍ ونحوه) كنَمِرٍ وذئْبٍ (١) وحيّةٍ (فأهلكه) ذلك الصائل عليه (ضمنه) الآخِذُ لما كان يدفع به عن نفسه، لكون ذلك صار سبباً لهلاكه. ومن أفزع إنساناً أو ضربَهُ ولو صغيراً فأحدث بغائطٍ أو بولٍ أو ريحٍ، ولم يَدُمْ، فعليهِ ثُلُثُ ديتِهِ (٢). (وإن ماتتْ حاملٌ، أو) مات (حملُها، من ريحِ طعامٍ) ونحوه، كرائحة الكِبْريت، (ضمن ربُّه إن علم ذلك من عادتها) أي أن الحامل تموتُ، أو يموتُ حملها من ذلك عادة، وأنَّ الحامل هناك، وإلا فلا إثم ولا ضمان. فصل (وإن تلف واقعٌ على نائمٍ غيرِ متعدٍّ بنومه فهدْر، وإن تلف النائمُ فغيرُ هدرٍ). وإن وَضَع جَرَّةً على سطحِهِ أو حائطِهِ، ولو متطرّفةً، أو وَضَعَ حجراً على سطحِهِ أو حائطِهِ، فرمتهما الريحُ على إنسانٍ فقتلته أو على شيءٍ فأتلفته، لم يضمنه. (وإن سلَّم بالغٌ عاقِلٌ نَفْسَه، أو) سلَّم (ولدَه إلى سابحٍ حاذقٍ ليعلّمه) السباحة، (فغرِقَ) لم يضمن الوَلَدَ في الأصَحِّ، ولا من سلَّم

стр. 805

نَفْسَه قولاً واحداً (أو أمَرَ) مكلفٌ أو غيرُ مكلَّفٍ (مكلَّفاً ينزلُ بئراً أو يصعدُ شجرةً فهلَكَ) بنزولِهِ أو صعود الشَّجَرَةِ لم يضمنه، (أو تلف أجيرٌ لحفرِ بئرٍ، أو) أجيرٌ لـ (بناء حائطٍ، بهدمِ ونحوِ، أو أمكنه إنجاء نفسٍ من هَلَكَةٍ، فلم يفعل) لم يضمن، لأنه لم يفعل شيئاً يكون سبباً، (أو أدَّب ولده) ظاهرُهُ: وإن كان كبيراً، ويؤيّده ما تقدم أن للأب أن يؤدِّبَ ابنه وإن كان كبيراً: ولم أرَ من ذَكَر هذا البحث، (أو) أدّب (زوجتَهُ في نشوزٍ) أو أدَّبَ معلمٌ صبيَّه (أو أدَّبَ سلطانٌ رعيَّتَهُ ولم يُسْرِفْ) أي ولم يزد على الضرب المعتادِ ذلك، في العدد، ولا في الشدة (فهدْرٌ في الجميع) ووجه ذلك أنه فَعَلَ ما له فعله شرعاً، ولم يتعدَّ فيه، فلم يضمن سرايته، كما لو كان له عليه قصاص فاقتصّ منه فسرى إلى نفسه، فإنه لا يضمنُ، كذلك ماهنا. (وإن أسرفَ، أو زادَ على ما يحصل به المقصود) فتلف بسبب ذلك ضمنه، (أو ضَرَبَ من لا عَقْل له من صبيٍّ) صغير (أو غيرِه) مما لا عقل له من مجنونٍ أو معتوهٍ فتلف، (ضمن،) لتعديه في المسألة الأولى بالإِسراف، وعدم الإِذن من الشارعْ في تأديب من لا عقل له، لعدم حصول المقصود بتأديبه. (ومن نام على سقفٍ فهوى به) على قومٍ، (لم يضمن ما تلف بسقوطِهِ) لأنه مُلْجَأٌ لم يتسبب. فصل (في مقادير ديات النفس) واحِدُ المقادير مقدارٌ، وهو مَبْلَغُ الشيءِ وقدرُه. ١ - (ديةُ الحرِّ المسلم طفلاً كان أو كبيراً، مائةُ بعيرٍ، أو مائتا

стр. 806

بقرةٍ، أو ألفا شاةٍ، أو ألفُ مثقالٍ ذهباً، أو اثنا عَشَرَ ألفَ درهمٍ فضةً) قال القاضي: لا يختلف المذهب أن أصول الدية: الإبل، والذهب، والوَرِقُ، والبَقر، والغنم، ويدل لذلك ما روى عطاءٌ عن جابرٍ، قال: "فَرَضَ رسول الله ﷺ في الدية على أهل الإبلِ مائةً من الإِبل، وعلى أهل البقر مائتي بقرةٍ، وعلى أهل الشاءِ ألفي شاةٍ" (١). رواه أبو داود. وهذه الخمسة فقط أصولها: إذا أحضَرَ من عليه ديةٌ أحدَها، لزمَ وليَّ الجنايةِ قبولُها، بغير خلافٍ في المذهب. وتعتبر السلامةُ من عيبٍ في كل نوع من الإِبل والبقر والغنم، لا أن تبلغ قيمتُها ديةَ نقدٍ. ٢ - (ودية الحرّةِ المسلمة على النصف من ذلك) أي من دية الحرّ، فيكونُ قدرُها مائةَ بقرةٍ، أو خمسينَ بعيراً، أو ألفَ شاةٍ أو خمسمائةِ مثقالٍ ذهباً، أو ستَّةَ آلافِ درهمٍ فضةً. ٣ - (وديةُ الكتابيّ الحر) سواءٌ كانَ ذمّيًّا أو مُعَاهَداً أو مستأمِناً (كديةِ الحرّة المسلمة) وكذا جراحُهُ. قاله في المنتهى. ٤ - (ودية الكتابيّةِ على النصف) من دية ذكرهم. قال في شرح المقنع: لا نَعْلَمُ في هذا خلافاً. ٥ - (ودية المجوسيّ الحر) ذمّيًّا كان أو مُعَاهَداً أو مستأمِناً (ثمانُمائَةِ درهمٍ.) وممن قال بذلك عمر وعثمان وابن مسعودٍ وسعيد بن المسيب وعطاءٌ وعكرمةُ والحسن ومالكٌ والشافعيُّ، رضي الله تعالى عنهم وعنّا بهم. ٦ - (و) دية (المجوسيّةِ على النصْفِ) من دية ذكرهم.

стр. 807

(ويستوي الذَّكرُ والأنثى) في قطعٍ أو جَرْحٍ (فيما يوجِبُ دون ثلثِ الدِّية) على الأصحّ، لما روى عمرُو بن شُعَيبِ عن أبيه عن جده. قال: قال رسول الله ﷺ : "عَقْلُ المرأةِ مثلُ عَقْلِ الرَّجُلِ حتى يَبلغِ الثلث من ديتها" أخرجه النسائي (١) (فلو قَطَع ثلاثَ أصابعَ مِنْ حرَّةٍ مسلمةٍ لزمه ثلاثون بعيراً، فلو قَطَع رابعةً قَبْل بُرْءٍ رُدَّتْ إلى عشرين) قال ربيعة (٢): قلت لسعيد بن المسيب: كم في أصبع المرأة؟ قال: عشرة، قلت: ففي أصبعين؟ قال: عشرون. قلت: ففي ثلاث أصابع؟ قال: ثلاثون. قلت: ففي أربعِ أصابع؟ قال: عشرون. قال: فقلت: لما عظمتْ مصيبتُها قلَّ عَقْلُها؟ قال: هكذا السُّنَّةُ يا ابن أخي. [تغليظ الدية] (وتغلّظ ديةُ قتلِ الخطأ) بوقوعِهِ (في كلٍّ مِنْ حَرَمِ مَكَّة، وإحرامٍ، وشهرٍ حَرَامٍ) فقط (بالثلث) أي ثلثِ ديةٍ. وهذا على الأصح الذي نقله الجماعة عن الإِمام أحمد. وهو من مفردات المذهب. وقال أبو بكر: إنها تُغَلَّظ بقتل رَحِمِهِ المَحْرَمِ خطأً. والأول المذهب (٣). (فمع اجتماعِ) حالاتِ التغليظِ (الثلاث يجب) عليه (ديتانِ) لأن القتل تجب به دية، وقد تكرَّرَ التغليظُ ثلاثَ مراتٍ، فكان الواجبُ دِيَتَيْن. (وإن قَتَلَ مسلمٌ كافراً) ذمّيًّا ومُعَاهَداً (عَمْداً أُضْعِفَتْ دِيَتُهُ) أي ديةُ الكافِرِ على المسلم، لإِزالة القود، كما حكم عثمانُ ﵁.

стр. 808

روى أحمدُ عن عبدِ الرزّاق عن معمرٍ عن الزهريّ عن سالم عن أبيه، أن رجلاً قَتَلَ رجلاً من أهل الذمة، فرُفع إلى عثمانُ، فلم يقتلْهُ، وغَلَّظَ عليه الدية ألف دينار. فذهب إليه أحمد. ولأحمد رضي الله تعالى عنه نظائر لذلك في مذهبه، فإنه أوجب على الأعْوَرِ إذا قَلع عينَ صحيحٍ مماثِلةً لعينِهِ ديةً كاملةً، لمّا امتنع عنه القصاص. وأوجب على سارق الثمر المعلَّق مثليْ قيمتِهِ لمَّا درَأَ عنه القطع. (وديةُ الرقيقِ قيمتُهُ) ذكراً كان أو أنثى صغيرًا كان أو كبيراً، مدبَّراً (١) أو مكاتباً، أو أُمَّ ولدٍ، عمداً كان القتل أو خطأ (قلتْ) القيمة (أو كثرتْ) ولو فوق ديةِ حرٍّ. فصل [في دية الجنين] (ومن جنى على حامل) عمداً أو خطأً أو ما يقوم مقام الجنايةِ، كما لو أسقطت فزعاً من استعداءٍ بطلبها إلى ذي سلطان (فألقَتْ جنيناً) بسبب ذلك في الحال، أو بقيتْ متألِّمةً حتى سقط، والجنينُ اسمٌ للولد في البطن، مأخوذٌ من الإجنان، وهو السترِ، لأنه أجَنَّهُ بطنُ أمه، أي سَتَرَه (حرًّا مسلماً، ذكراً كان أو أنثى، فديته غُرَّةٌ) وهي في الأصلِ: الخِيَارُ، سُمِّيَ بها العبدُ والأمة، لأنهما من أنْفَسِ الأموال (٢). والأصل في وجوب الغرّة في الجنين ما روى أبو هريرة، قال: اقتتلت امرأتان من هذيلٍ، فرمت إحداهما الأخرى بحجر، فقتلتْها وفي

стр. 809

بطنها جنين. فاختصموا إلى رسول الله ﷺ ، فقضى رسول الله ﷺ "أن ديةَ جنينِها عبدٌ أو أمة. وقضى بديةِ المرأةِ على عاقِلَتِها، ووَرَّثَها وَلَدَهَا ومن معه". متفق عليه، (قيمتها عُشْر دية أمّه، وهي خمسٌ من الإِبل. والغرة هي عبد أو أمة) ولو قال: "ودية الجنينِ الحرّ المسلمِ غرةٌ عبدٌ أو أمةٌ قيمتُها خمسٌ من الإِبل" لكانَ أَخْصَرَ. (وتتعدّد الغُرَّةُ بتعدُّدِ الجنين). وهي موروثةٌ عن الجنينِ، كأنه سقطَ حيًّا. فلا حقّ فيها لقاتلٍ، ولا كامِلِ رقٍّ. ولا يقبل فيها خصيٌّ وخنثى ولا معيبٌ عيباً يُرَدُّ به في بيع، ولا من له دون سبع سنين. (ودية الجنينِ الرقيقِ عُشْرُ قيمة أمِّهِ) يوم الجناية، نقداً، لأنه جنينُ آدميّةٍ، وقيمة الأَمَةِ بمنزلةِ دِيةِ الحُرَّة، ولأنه جزءٌ منها، فقُدِّر بَدَلُهُ من قيمتها كسائر أعضائها. (ودية الجنين المحكومِ بكفرِه) كجنين الذمّيّة من زوجها الذمّيّ (غرةٌ قيمتُها عُشْرُ ديةِ أمِّهِ) لأن جنين الحرّة المسلمةِ مضمونٌ بعُشْرِ ديةِ أمِّهِ، فكذلك جنين الكافرة. (وإن ألقت الجنينَ حيًّا لوقتٍ يعيشُ لمثلِهِ، وهو نصفُ سنةٍ فصاعداً)، ولو لم يستهلَّ، ثم مات، (ففيه ما في الحيّ. فإن كان حرًّا ففيه ديةُ) الحرّ (كاملةً) لأنه حرٌّ ماتَ بجنايةٍ، أشبهَ ما لو باشره بالقتل. (وإن كان رقيقاً فـ) فيه (قيمتُهُ) لأن قيمة العبدِ بمنزلة الديّة في الحرّ. (وإن اختلفا) أي الجاني ووليُّ الجناية (في خروجِهِ) أي خروج الجنين (حيًّا أو ميتاً) بأن قال وليّ الجناية: خرج حيًّا ففيه ديةٌ. وقالَ الجاني: خَرَجَ ميتاً، ففيه غرة، ولا بيّنة لواحدٍ منهما بما يذكره (فقولُ الجاني) بيمينه في ذلك، لأنه منكِرٌ، والأصلُ براءَةُ ذمته من الدية الكاملة.

стр. 810

(ويجب في جنين الدابّةِ ما نَقَصَ من قيمةِ أمِّهِ) قال في القواعد: وقياسه جنينُ الصَّيْدِ في الحَرَم والإِحرام. ومتى ادعت امرأة علىَ إنسانٍ أنه ضربها فأسقطت جنينَها، فأنكر الضَّرْبَ، فالقولُ قولُهُ بيمينه، لأن الأصل عدمه. وإن أقرَّ بالضربِ، أو قامتْ به بيّنةٌ، وأنكر أن تكون أسقطتْ، فالقول قولُهُ أيضاً بيمينه، أنه لا يعلم أنها أسقطت، لا على البتّ، لأنها يمين على فعل الغيرِ، والأصل عدمه. وإن ثبت الإسقاط والضربُ، وادّعى إسقاطها من غير الضَّرْبِ، فإن كانتْ أسقطتْهُ عقبَ الضَّرْب فالقول قولها بيمينها، لأن الظاهر أنه من الضرب، لوجودهِ عقب شيء يصلح أن يكون سبباً له. وكذا إن أسقطته بعدهُ بأيامٍ، وكانت متألّمة إلى حين الإِسقاطِ. وإن لم تكن متألمة فقولُهُ بيمينه. فصل (في دية الأعضاء) (من أتلف ما في الإِنسان منه) شيءٌ (واحدٌ كالأنف)، ولو مع عِوَجِهِ (واللسانِ) ينطق به كبيرٌ أو يحرّكه صغيرٌ ببكاءٍ، (والذَّكَرِ) ولو لصغيرٍ أو شيخٍ فَانٍ، (فـ) يكون (فيه ديةٌ كاملةٌ) لأن في إتلافه إذهابَ منفعة الجنسِ وإتلافَها، كإذهاب النفس في جميع ما ذكر. (ومن أتلف ما في الإِنسان منه شيئان، كاليدين والرجلين) لأن في إتلافهما إذهاب منفعة الجنس، فكان فيهما الدية، (والعينين) ولو مع عَمَشٍ أو حَوَلٍ، (والأذنين) وفاقاً، (والحاجبين والثَّدْيَيْنِ والخصيتين، ففيه) أي في إتلافهما (الدية؛ وفي أحدهما نصفها) أي نصف الدية (وفي
следующие страницы →