← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 96876

نيل المآرب بشرح دليل الطالب

ابن أبي تغلب

Полный текст (983 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

باب القطع في السَّرقة (ويجب) القطعُ في السرقة (بثمانية شروط): (أحدُها: السرقة) (١) لأن الله تعالى أوجب القطع على السارق، فإذا لم توجد السرقة لم يكن الفاعل سارقاً. (وهي) أي السرقة (أخذُ مال الغير) أي غيرِ سارِقِه، بشرط كون المال محترماً (من مالكه أو من نائبه) أي نائب مالِكِ المال، ومن ذلك استراقُ السمع، ومسارقة النظر، إذا كان يستخفي بذلك (٢) (على وجه الاختفاء). (فلا قطع على مُنْتَهِبٍ) وهو الذي يأخذ المال على وجه الغنيمة، (و) لا (مخْتَطِفٍ) وهو الذي يخطف الشيء ويمرّ به، (و) لا (خائنٍ في وديعة) وهو الذي يؤتَمَنُ على الشيء فيُخْفِيهِ أو يجحده. وأصله من التخوين، وهو التنقيصُ من مودَعٍ ونحوِهِ من الأمناء (لكن يُقْطع جاحِدُ العارية) إن كانت قيمتها نصاباً. الشرط (الثاني: كون السارق مكلّفاً) لأن غير المكلف لا تناله

стр. 842

الأحكام، (مختاراً) لأن المكره مرفوعٌ عنه القلم ومعذور، (عالماً بأنّ ما سرقه يساوي نصاباً) قال في المنتهى وشرحه: عالماً بمسروقٍ، أي بأنه أخَذَ المسروقَ، عالماً بتحريمه. فلا قطع على صغيرٍ لم يبلغ، ولا على مجنونٍ، ولا على مكرهٍ، ولا بسرقة منديلٍ بطرفِهِ نصابٌ مشدود لم يعلمه، ولا بجوهرٍ يظن قيمته دون نصابٍ، ولا على جاهلِ تحريمِ السرقة. الشرط (الثالث: كون المسروق مالاً) لأن ما ليس بمالٍ لا حرمة له، فلم يجب به قطعٌ. والأحاديث دالة على ذلك، مع أن غير المال لا يساوي المال، فلا يلحق به. لا يقال: الآية (١) مطلقة، لأن الأخبار مقيَّدة لها. فعلى هذا لا يقطع بسرقةِ كلبٍ، وإن كان معلَّماً، لأنه ليس بمال، ولا بسرقة حُرٍّ، (لكن لا قطع بسرقة الماءِ) لأنه لا يُتَمَوَّل عادة، ولا بسرقة السَّرجينِ النجس، أي الزبل. (ولا) قطع (بـ) سرقة (إناءٍ فيه خمر أو) فيه (ماءٌ) لأنها متصلة بما لا قطع فيه، فأشبه ما لو سرق شيئاً مشتركاً بينه وبين غيره. قال ابن شاقلا: فلو سرق إداوةً فيها ماء، لم يقطع لاتصالها بما لا قطع فيه، (ولا بسرقة مصحفٍ) لأن المقصود منه ما فيه من كلام الله تعالى، وهو مما لا يجوز أخذ العوض عنه، (ولا بـ) سرقة (ما عليه من حليٍّ) ككيسه، لأن ذلك تابع لما لا يُقْطَعُ بسرقته، (ولا) قطع (بـ) سرقة (كُتب بِدَعٍ، و) كتب (تصاوير) لأنها واجبة الإِتلاف، (ولا) بسرقة (آلة لهوٍ) كالطنبور والمزمار، ولو بلغت قيمته مكسوراً نصاباً، لأنه للمعصية، فلم يقطع

стр. 843

بسرقته، كالخمر، (ولابـ) سرقة (صليبٍ أو صَنَمٍ) من ذهبٍ أو فضة، تبعاً للصناعة، أشبه الأوتار التي بالطنبور. الشرط (الرابع) من شروط وجوب القطع في السرقة: (كون المسروقِ نصاباً، وهو) أي النصاب الموجِبُ للقطع في السرقة (ثلاثةُ دراهم) خالصة، أو ثلاثةُ دراهم تَخْلُصْ من دراهم فضة مغشوشة، (أو ربعُ دينارٍ) من الذهب. فيكفي الوزن من الفضة الخالصة، أو التبر الخالص، ولو لم يُضْرَبَا. ويكمل أحدهما بالآخر (أو) سَرَقَ (ما يساوي أحدَهما) أي أحد نصابي الفضة أو الذهب من غيرهما. (وتعتبر القيمةُ) أي قيمةُ المسروق، إذا لم يكن ذهباً أو فضة، بأحدهما (حال الإِخراج) من الحرز، لأن الاعتبار بحال السرقةِ، وهو وقتُ الوجوب، لوجود السبب فيه، وهو السرقة. فلا يعتبر ما حدث بعدَهُ، فلو نقص بعد إخراجه قُطِعَ، لا إن أتلفه بأكل أو غيره فيه، أو نَقَصَهُ بذبحٍ ثم أخرجه. الشرط (الخامس) من شروط وجوب القطع في السرقة: (إخراجه) أي إخراج النصاب (من حرزٍ) على الأصحّ في قول أكثر أهل العلم، منهم مالكٌ والشافعيّ وأصحابُ الرأي. (وعنه لا يشترط الحرز). (فلو سرق) إنسانٌ (من غير حرزٍ) مثل أن يجد حرزاً مهتوكاً، أو باباً مفتوحاً، فيأخُذُ منه ما بلغ نصاباً، أوْ لا (فلا قطع) عليه لفواتِ شرطِهِ، كما لو أتلفه داخلَ الحرزِ بأكلٍ أو غيرِهِ، إلا أن عليه ضمانَهُ. ومن أخرج بعض ثوبٍ، قيمة البعض المُخْرَجِ نصابٌ، قُطِعَ به إن قطعه، وإلا فلا. (وحرز كلِّ مالٍ) يقطع السارق بسرقته منه (ما حُفِظَ فيه) ذلكَ

стр. 844

المال (عادةً) أي في العادة، لأن الحرز معناه الحفظ، ومنه قولك: احترزْتُ، أي تحفَظْتُ. ولمّا ثَبَتَ اعتبارُ الحرزِ بالشرع في موضعٍ اعتبره فيه من غير صفةٍ له، ولا فيه عرفٌ لغَوِي يتقرّر به, عُلِمَ أن المرجِعَ فيه إلى العرف بين الناس. (فـ) حرزُ (نعلٍ برجلٍ) أي رجلِ من كان لابِسَهُ، (وعمامة على رأسٍ حرزٌ). وحرزُ جوهرٍ ونقدٍ وقماشٍ في العمران بدارٍ ودكْانٍ وراءَ غَلَقٍ وثيقٍ، والغَلَق اسمٌ للقُفْلِ، خشباً كان أو حديداً. وصندوقٌ بسوقٍ وثمّ حارسٌ حرز. وحرزُ بقلٍ وقدورِ باقلاّ وقدورِ طبخٍ، وحرزُ خَزَفٍ وثم حارسٌ وَرَاءَ الشرائج (١). وحرزُ حَطَبِ وخشب الحظائر. وحرز ماشيةٍ الصَّير (٢)، وفي مراعٍ براعٍ يراها غالَباً. وسفنٌ في شطٍّ بربطها. وإبلٌ باركة معقولةٌ بحافظٍ حتى نائمٍ. وحرز الإِبل الحاملة تقطيرها مع قائد يراها، ومع عدم تقطيرِها: بسائقٍ يراها. وحرزُ ثيابِ في حمّام، وحرزُ أعدالٍ بسوق، بحافظ كقعوده على متاعٍ وتوسُّدِهَ، وإن فرّطَ حافظُ الحمّام أو السوقِ فنامَ أو اشتغل فلا قطع. وضَمِنَ المسروقَ حافظٌ معدٌّ للحفظ، وإن لم يُسْتَحْفَظْ. (ويختلف الحرز باختلاف البلدان) فإن البلد إذا كان واسع الأقطار غُلِّظَتْ أحرازه، لأنه لا يؤمن عليه إن سرق منه أحد، أنه لا يظهر، لِسَعَةِ رقعة البلد، وكثرةُ أهله، وإن كان صغيراً لم يحتج إلى ذلك، لأن السارق يُعْرَفُ فيه، فلا يحتاج إلى زيادة كلفة في منعه عن السرقة (و) يختلف (بـ) اختلاف عدل (السلاطين) وقوتهم وضدهما.

стр. 845

(ولو اشترك جماعةٌ في هتكِ الحرْز و) اشتركوا في (إخراج النصاب قطعوا جميعاً) لأنهم اشتركوا في هتك الحرز وإخراجه منه. (وإن هَتَكَ الحرزَ أحدهما) فقط، (ودخل الآخر، فأخرج المال، فلا قطع عليهما) أي على واحد منهما، لأن الأول لم يسرق، والثاني لم يهتك الحرز، (ولو تواطآ) على ذلك، في الأصحِّ لأن التواطؤ على السرقة لا أثر له، لأنه لا فعل لواحدٍ منهما في الذي فعل الآخر، فلم يَبْقَ إلا القصدُ، والقصد إذا لم يقارنه الفعل لا يترتَّبُ عليه حكم، فيكون وجود القصد في ذلك كعدمه. الشرط (السادس) من شروط وجوب القطع في السرقة: (انتفاء الشبهة، فلا قطع بسرقتِهِ من مال فروعِهِ وأصولهِ): أما سرقتُهُ من مال ولدِهِ، فلقوله ﷺ : "أنْتَ وَمَالُكَ لأبيكَ" (١)؛ وأما سرقته من مال أبيه أو جده، أو من مال أمه، أو جدته، أو من مال بنت ابنه أو ابن ابنته، علا الآباء، أو نزل الأبناء، فلأن بينهم قرابةً تمنع شهادةَ أحدِهِم لواحد منهم، فلم يقطع بالسرقة منه، كالسرقة من مال ابنه، ولأن النفقة تجب للابن في مال أبيه حفظاً له، فلا يجوز لأب إتلافُهُ حفظاً للمال (وزوجته) قال في المنتهى: ولا بسرقة زوج أو زوجة من مال الآخر ولو أحرز عنه. (ولا) قطع على إنسان (بسرقته من مالٍ له فيه شِرْكٌ، أو لأحد ممن ذكر) من عمودي نسب السارق. ولا قطع بسرقةِ مكاتَبٍ من مال مكاتِبِهِ، وعكسه، كقِنِّه. الشرط (السابع) من شروطِ وجوب القطع في السرقة: (ثبوتها) أي ثبوت السرقة (إما بشهادة عدلين) لقوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رجَالِكُمْ﴾ وكان القياسُ قبولَ الاثنين في كل شهادةٍ، لكن خولف فيما

стр. 846

عدا ذلك، للنصّ فيه، فبقي فيما عداه على عمومه. (ويصفانها. ولا تسمع) شهادتهما (قبل الدعوى) من مالك المسروق، أو ممن يقوم مقامه (أو بإقرار) السارق (مرتين) لأنه إقرار يتضمن إتلافاً فكان من شرطه التّكرار كحدِ الزنا. أو يقال: إن الإِقرار أحد حجتي القطع، فيعتبر فيها التكرار. ويصف السارقُ السرِقَةَ في كل مرة. (ولا يرجع حتى يقطع.) ولا بأس بتلقينِهِ الإِنكار. الشرط (الثامن) من شروط وجوب قطعِ السارق: (مطالَبَةُ المسروقِ منه بمالٍ)، أو مطالبةُ وكيلِهِ أو وليِّهِ. (ولا قطع) بسرقةٍ (عامَ مجاعةِ غلاءٍ) إن لم يجد السارق ما يشتريه، أو لم يجد ما يشتري به، نص عليه قال جماعة: ما لم يبذُلْهُ له ولو بثمنِ مثل غالٍ، وفي الترغيب: ما يحيي به نفسه. (فمتى توافرت هذه الشروط) الموجبة لقطع السارق (قطعت يده اليمنى) لأن في قراءة عبد الله بن مسعود (فاقْطعوا أيمانها) وهذا إما أن يكون قراءة، أو تفسيراً سَمِعَهُ من النبي ﷺ ، فإنه لا يظن بمثله إن يُثْبِتَ في القرآن شيئاً لم يسمعه من النبي ﷺ (١)، ولأنه قول أبي بكر وعمر ﵄، ولا مخالف لهما من الصحابة، فيكون إجماعاً. ولأن الغالب من الناس إنما يعمل الأعمال بِيمينه، فكان الأنسب قطعَهَا، لأن السرقةَ جنايتُها في الغالب، دون اليسرى. [كيفية القطع والحسم] ويكون القطع (من مَفْصِلِ كفه) لأن أبا بكر وعمر ﵄

стр. 847

قالا: تقطع يمنى السارقِ من الكُوعِ. ولا مخالف لهما من الصحابة. فكان إجماعاً. (وغُمِسَتْ وجوباً في زيتِ مغليّ) والحكمة في الغمس أن العضو إذا قطع فغمس في الزيت المغلي، اسْتدت أفواهُ العروقِ، فينقطع الدم، إذ لو ترك بلا غمسٍ لنَزَفَ الدّمُ، فأدى إلى موته. (وسُنَّ تعليقُها) أي تعليقُ يد السارق المقطوعة (في عنقه) زاد في البلغة والرعايتين والحاوي (ثلاثةَ أيامٍ إن رآه الإِمام) لتتعظ بذلك اللصوص. [العود في جريمة السرقة] (فإن عاد) إلى السرقة من قُطِعَتْ يده اليمنى (قطعتْ رجلُه اليسرى من مفصِلِ كعبِهِ، بترك عقبه) نص عليه ليمشي عليها، وحُسِمَتْ أيضاً للحكمة المذكورة في قطع اليد. (فإن عاد) فسرق بعد قطع يده ورجله (لم يقطع) منه شيء (وحُبِسَ حتى يموت أو يتوب) لأنه جنى جنايةً لا توجب الحد، فوجب حبسه كفًّا لهُ عن السرقة، وتعزيراً له، لأنه القدر الممكن في ذلك. [ضمان المال المسروق وأجرة القاطع] (ويجتمع) على السارق (القطْعُ والضّمان) أي ضمانُ ما سرقه. نقله الجماعة عن أحمد. لأنهما حقّان يجبان لمستحقينِ، فجاز اجتماعهما، كالجزاءِ والقيمةِ في الصَّيْدِ الحَرَمِيّ إذا كان مملوكاً لآدمي (فيردُّ ما أخذه لمالكه) إن كان باقياً، لأنه عينُ مالِهِ. وإن تلف فعلى سارقٍ مثلُ مثليٍّ وقيمةُ غيره. (ويعيد ما خرب من الحرز) لتعديه.

стр. 848

(وعليه) أي على السارق الذي وجب عليه القطع (أجرةُ القاطِع وثَمَنُ الزيتِ) للحسْمِ في ماله في الأصحّ. أما أجرة القاطع فلأنّ القطع حقٌّ وجب عليه الخروج منه، فكانت مؤنته عليه، كسائر الحقوق، وأما ثمن زيت الحسم فلأنه يَلزمُهُ حفظُ نفسِهِ، وهذا منه، فإنه إذا لم يحسم لم يأمن على نفسه التلف، فوجب لذلك.

стр. 849

باب حَدّ قطّاع الطّريق (وهم المكلفون الملتزمون) ولو أنثى أو ذميين أو أرقاء (الذين يخرُجُون على الناس) بسلاح ولو عصاً أو حجراً في صحراء أو بنيان أو بحر (فيأخذونَ أموالهم مجاهرةً.) والأصل في حدهم قول الله ﵎: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ قال ابن عباس وأكثر المفسرين: نزلت في قطّاع الطريق من المسلمين، لقوله تعالى بعد ذلك: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ والكفار تقبل توبتهم بعد القدرة كما تقبل قبلها. فلما خصّ الحكم بما قبل القدرة عُلِمَ أنه أراد المحاربين. قاله في شرح المنتهى. (ويعتبر) لوجوب الحد على المحارب ثلاثة شروط: الأول: (ثبوتُه) أي ثبوت كونِهِ محارباً (ببيّنةٍ أو إقرارٍ مرتين) كما يعتبر ذلك في السرقة. ذكره القاضي وغيره. (و) الثاني: (الحرز) بأن يَغْصِبَ المال من يد مستحقه. فلو وَجَدَهُ مطروحاً ليس بيدِ أحدٍ، أو أخذه من يدِ من غَصَبَهُ لم يكن محارباً. (و) الثالث: (النصاب) وهو القدر الذي يُقْطَعُ به السارق.

стр. 850

وتقدّم قدرُه في الباب قبله. (ولهْم أربعة أحكام): أشار للأول بقوله: (إن قَتَلوا) يعني بقصد المال (ولم يأخذوا مالاً تحتَّم قتلهم جميعاً.) قال في المنتهى: وإن قَتَلَ فقط لقصدِ المال قُتِلَ حتماً ولا يصلب. قال في شرحه: يعني أن المحاربين إذا قتلوا في المحاربةِ بقصدِ المالِ، ولم يأخذوا، قُتِلُوا حتماً ولا يُصْلَبون، على الأصح. انتهى. وأشار للثاني بقوله: (وإن قتلوا وأخذوا مالاً تحتَّم قتلهُمْ وصلْبُهمْ حتَّى يشتهروا) قال في المنتهى: فمن قُدِرَ عليه وقد قَتَلَ، ولو من لا يقاد به (١)، كولده وقنّ وذمّيٍّ، لقصد ماله، وأخَذَ مالاً، قُتِلَ ثم صُلِبَ قاتِلُ [من] (٢) يقاد به، حتى يشتهر. ولا يقطع مع ذلك. انتهى. وأشار للثالث بقوله: (وإن أخذوا مالاً، ولم يَقْتُلوا، قطعت أيديهم وأرجلهم من خِلَافٍ حَتْماً) في آنٍ واحد. قال في المنتهى: وإن لم يَقْتُل، وأَخَذَ نصاباً لا شبهة له فيه، لا من مُفْرَدٍ عن قافلةٍ، قطعت يده اليمنى، ثم رجله اليسرى، في مقامٍ واحد حتماً، وحسمتا وخلي. انتهى. وأشار للرابع بقوله: (وإن أخافوا الناسَ، ولم يأخذوا مالاً، نُفُوا من الأرضِ، فلا يتركون يأوون إلى بلدٍ حتى تَظْهَرَ توبتُهم) قال في المنتهى: وإن لم يقتُلْ، ولا أَخَذَ مالاً نُفِيَ وشُرِّدَ، ولو قنًّا، فلا يُتْرَكُ يأوي إلى بلد حتّى تظهر توبته. وتُنْفَى الجماعَةُ متفرّقة. انتهى. (ومن مات منهم) أي من المحاربين (قبل القدرةِ عليه سقطت عنه

стр. 851

حقوقُ الله) ﵎، من صلبٍ وقطعٍ ونفيٍ وتَحتّمِ قتلٍ، وكذا خارجيٌّ وباغٍ ومرتدٌّ محارب (وأُخِذَ بحقوقِ الآدميين.) ومن وجب عليه حدٌّ سرقةٍ أو زناً أو شربِ فتابَ منه قبل ثبوته عند الحاكم، سقط عنه بمجرد توبته قبل إصلاح عمَلٍ، على الأصح (١). فصل [دفع المعتدين] (ومن أريد بأذًى في نفسه، أو) أريدَ (مالُه، أو) أُريدتْ (حريمُهُ) ولو قلّ المال الذي أخَذَه، أو لم يكافئ من أريدتْ نفسُهُ أو حرمته أو مالُه، (فله دفعُهُ) عن نفسه وحرمته وماله (بالأسهل فالأسهل) أي بأسهل شيءٍ يظنُّ اندفاعَه به. (فإن لم يندفع إلا بالقتل قَتَلَهُ ولا شيء عليه) أي على عاقلته. وإن قُتِل كان شهيداً. ومع مزح في قتل يحرم قتلٌ (٢)، ويقاد به. ولا يضمن بهيمةً صالت عليه إذا قتلها كصغيرٍ ومجنونٍ، لاشتراكهم في المجوّز للدفع، وهو الصول. لكن لا بد من ثبوت صِيَالِها عليه. ولا يكفي قوله في ذلك. هذا ظاهر الفقه. وصرَّح به في الرعاية،

стр. 852

فقال: وإن ادعى صياله بلا بيّنةٍ ولا إقرارٍ لم يصدّق. ولم يذكر ذلك في الفروع (١). (ويجب) على من أريدت حرمته (أن يدفَعَ عن حريمِهِ) فمن رأى مع امرأتِهِ أو ابنتِهِ أو أختِهِ أو نحوهنّ رجلاً يزني بها، أو رجلاً يلوط بابنه، أو نحوِهِ، وجب عليه قتلُهُ إن لم يندفعْ بدونه، لأنه اجتمَعَ فيه حق الله تعالى، وهو منعه من الفاحشةِ، وحقُّ نفسِهِ بالمنع عن أهلِهِ، فلا يسعه إضاعةُ هذه الحقوق. (و) يجب على كل مكلف أن يدفع عن (حريمِ غيرِهِ). (وكذا) يجب على الإِنسان الدفع (في غير الفتنة عن نفسِهِ ونفسِ غيرِهِ) على الأصح لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التّهْلُكَةِ﴾ وكما يحرم عليه قتل نفسِهِ، يحرُم عليه إباحةُ قتل نفسِه. ولأنه قدر على إحياء نفسه فوجب عليه فعل ما تبقى معه الحياة، كالمضطر إذا وجد الميتة. (و) كذا (ماله) يعني وكذا يجب عليه الدفع عن مالِهِ، أي مال غيره، لئلا تذهب الأموال. تنبيه: إنما يجب الدفع عن حرمة غيرِهِ، أو مال غيرِهِ، مع ظنّ سلامة الدافع والمدفوع عن حرمته أو ماله، وإلا حَرُمَ. (لا مالُ نفسِهِ) يعني أنه لا يجب على إنسان دفع من أراد ماله على الأصح، لأنه ليس فيه من المحذورِ ما في النفس، فإن المالَ لا حرمةَ له كحرمةِ النفسِ، فلا يجب عليه أن يفعل بسبب المال ما فيه الخطَرُ على نفسه، لأنه ربما لا يمكنه دفع الصائل بدون القتال، ولا يأمنُ أن يقتله الصائل، فناسَبَ ذلك عدمَ وجوبه عليه.

стр. 853

(ولا يلزمه) أي لا يلزم ربَّ المال (حفطُهُ عن الضَّياع والهلاكِ) قال في الفروع: ولا يلزمه عن ماله على الأصح، كما لا يلزمه حفظه عن الضياعِ والهلاك. ذكره القاضي وغيرُه. وفي التبصرة، في الثلاثة: يلزمه في الأصح انتهى. وله بذل مالِهِ لمن أراده منه على وجه الظلمِ. وذكر القاضي: أن بذلَهُ أفضل من الدفع عنه (١). وأن حنبلاً نقله عن أحْمَد.

стр. 854

باب قتال البغَاة البغْيُ الظلم والجَوْر والعدول عن الحقّ. وسُمُّوا بغاةً لأنهم يعدلِونَ عن الحقّ. والأصل في قتالِهِم قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ في الآية خمس فوائد: إحداها: أنه لم يخرجهم بالبغي عن الإِيمان، وسماهم مؤمنين. الثانية: أنه أوجب قتالهم، لأنه أَمَرَ به. الثالثة: أنه أسقط قتالهم إذا فاؤوا إلى أمر الله. الرابعة: أنه أسقط عنهم التَّبِعَةَ فيما أتلفوه في قتالهم. الخامسة: أنها أفادت جوازَ قتالِ كل من يمنع حقًّا عليه (١). (وهم) أي البغاةُ (الخارجونَ على الإِمامِ) ولو غيرَ عدلٍ (بتأويلٍ سائغ، ولهم شوكةٌ) ولو لم يكن فيهم مطاعٌ في الأصحّ.

стр. 855

(فإن اختلّ شرط من ذلك) بأن لم يكن خروجهم بتأويل، أو [كان] بتأويل غير سائغ، أو كانوا جمعاً يسيراً لا شوكةَ لهم (فقطاعُ طريقٍ) يعني فحكمهم حكم قُطّاع الطريق. [رئاسة الدولة] (ونصب الإِمام) على المسلمين (فرضُ كفايةٍ) يُخَاطَب بذلك طائفتان من الناس: إحداهما: أهلُ الاجتهاد حتى يختاروا. والثانية: من تُوجدَ فيه شرائِطُ الإِمامة حتى ينتصب أحدهم للإِمامة. أما أهل الاختيار فيعتبر فيهم ثلاثة شروط: أحدها: العدالة. والثاني: العلم الذي يتوصّل به. إلى معرفة من يستحق الإِمامة. والثالث: أن يكونوا من أهل الرأي والتدبير المؤدّيين إلى اختيار من هو للإِمامة أصلح. وكونُ نصب الإِمامِ فرضَ كفايةٍ لأن للناس حاجةً إلى ذلك، لحماية بيضة الإِسلام، والذبِّ عن الحَوْزَةِ، و (قامة الحدود، واستيفاء الحقوق، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر. (ويعتبر) في الإمام (كونه قرشيًّا) أي من قريش، وهم بنو النَّضْرِ بن كنانة، لحديث "الأئمة من قريش" (١) ولقول أحمد، في رواية مهنا: "لا يكونُ من غيرِ قريشٍ خليفة".

стр. 856

(بالغاً عاقلاً) لأن غير البالغ يحتاجُ إلى من يلي أمره، فلا يلي أمره غيره. (سميعاً بصيراً ناطقاً) لأن غير المتصف بهذه الصفات لا يصلح للسياسة؛ (حرًّا) لا عبداً أو مبعّضاً، لأن الإمام ذا الولايةِ العامّةِ لا يكون وليًّا عليهِ غيرُه. وحديث "اسمَعُوا وَأَطِيعُوا ولو وُلّيَ عليكم عبدٌ أسودٌ، كأنَّ رأسَهُ زبيبةٌ" (١) محمول على نحو أمير سريّة؛ (ذكراً) لحديث "خابَ قومٌ ولَّوا أمرهم امرأة" (٢)؛ (عدلاً) لاشتراط ذلك في ولاية القضاء، وهي دون الإِمامةِ العظمى فإن قَهَرَ الناسَ غيرُ عدلٍ فهو إمام (٣).

стр. 857

(عالماً) بالأحكام الشرعيّة، لاحتياجها إلى مراعاتها في أمره ونهيه. (ذا بصيرةٍ) أي معرفة وفطنة. (كافياً ابتداءً ودواماً) للحروب والسِّياسة وإقامة الحدود، ولا يلحقه رأفة في ذلك، ولا في الذبّ عن الأمة. وأمّا فَقْدُ الشَّم والذَّوْقِ، وتمتمةُ اللسان، وثقلُ السمع، مع إدراك الصوت إذا علا، وقطعُ الذكر والأنثيين، فلا يمنع عَقْدها ولا استدامتها. وذهابُ اليدين والرجلين يمنع ابتداءها واستدامَتَها. (ولا ينعزل بفسقِهِ) بخلاف القاضي، لما فيه من المفسدة. [العمل مع الخارجين على الإِمام] (وتلزم مراسَلَةُ البغاة) لأن المراسلة طريقٌ إلى الصلح، ووسيلةٌ إلى رجوعهِم إلى الحق، وقد روي أنّ عليّ بن أبي طالب راسَلَ أهل البصرة قبل وقعة الجمل، ولما اعتزلَتْهُ الحروريّة بعث إليهم عبْدَ الله بن عباس. (و) تلزمه أيضاً (إزالة شُبَهِهِمْ) لأن في كشف شبههم رجوعاً إلى

стр. 858

الحق، وذلك المطلوب منهم. (و) تلزمه أيضاً إزالة (مَا يَدّعونَهُ من المظالم) لأنّ ذلك واجب مع عدم إفضاء الأمر به إلى القتلِ والهرْجِ، فلأن يجب في حالٍ يؤدّي إلى ذلك بطريق الأوْلى. وذلك لأن الله تعالى أمر بالإِصلاح أوَّلاً في قوله تعالى: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ والإِصلاح إنما يكون بمراسلتهم، وكشْف شبههم، وإزالة ما يدّعونه من مظلمة. (فإن رجعوا) عما هم فيه من البغي وطلب القتال (وإلا لَزِمَهُ) أي الإمام إن كان قادراً (قتالُهمِ) لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾. (ويجب على رعيّته معاوَنَتُهُ) على قتالهم (١)، لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾. (وإذا ترك البغاةُ القتالَ حرم قتلُهُمْ) لقول عليٍّ ﵁: "ومن ألقى السلاح فهو آمن". (و) يحرم أيضاً (قتل مدبرهم، و) قتل (جريحهم). (ولا يُغْنَمُ مالهم) لأن أموالهم كأموال غيرهم من المسلمين. (ولا تسبى دراريهم). (ويجب ردّ ذلك إليهم) فمن وَجَدَ ماله بيد غيره من أهل العدل أو البغي أخذه منهم. ومن أُسِرَ منهم ولو كان صبيًّا أو أنثى حُبِسَ حتى تنكسر شوكتهم، وتنقضي حربُهُمْ، لأن في إطلاقهم قبل ذلك ضرراً على أهل العدل. (ولا يَضْمنُ البغاة ما أتلفوه) على أهل العدل (حال الحرب) على الأصحّ، كما أنه لا ضمان على أهل العدل فيما أتلفوه على أهل البغي.

стр. 859

(وهم) أي أهل البغي (في شهادتهم، و) في (إمضاء حكم حاكمهم، كأهل العدل). لأن التأويل الذي له مساغٌ في الشرع لا يوجب تفسيق قائلِهِ والذاهِب إليه، أشبه المخطى، من الفقهاء في فرع من الأحكام.

стр. 860

باب حُكم المُرتد وهو لغةٌ الراجع. قال الله : ﴿وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾. (وهو) شرعاً (من كفر بعد إسلامه) ولو مميّزاً، بنُطْقٍ، أو اعتقادٍ، أو شكٍّ، أو فعلٍ طوعاً ولو هازلاً. (ويحصُلُ الكفر بأحدِ أربعة أمور): أشار للأول بقوله: (بالقول، كسبّ الله) تبارك و (تعالى، أو) سبِّ (رسولهِ) أيّ رسولٍ كان، (أو) سبِّ (ملائكته) كَفَر (١)، لأنه لا يسبُّ واحداً منهم إلاَّ وهو جاحِدٌ به، أو جَحَدَ ربوبيّةَ الله تعالى، أو وحدانيَّتَه، أو كتاباً من كتبه، أو صفةً من صفاتِهِ اللازمة له، كالحياةِ والعلم، أو جَحَد رسولاً له من الرسل، أو من الملائكة الذين ثَبَتَ أنهم رسله، أو ملائكته، كَفَر، لثبوتِ ذلك في القرآن، ولأن جَحْد شيءٍ من ذلك كجحد كله، لاشتراكهما في كون الكل من عند الله تعالى، أو جَحَدَ وجوب عبادة من العبادات الخمس، ومنها الطهارة، (أو ادعاءِ النبوة) أو

стр. 861

صدَّقَ من ادّعاها، كَفَر، لأنه مكذّبٌ لله في قوله: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ ولقوله ﷺ : "لا تقوم الساعةُ حتى يخرجَ ثلاثونَ كذابونَ كلُّهم يزَعم أنه رسول الله." (١) (أو) ادعاءِ (الشركةِ لهُ) سبحانَه و (تعالى). وأشار للثاني بقوله: (وبالفعلِ، كالسجود للصنم ونحوِهِ) كالشمس والقَمَرِ، لأن ذلك إشراك، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (وكإلقاءِ المصْحَفِ في قاذورةٍ) قال في المنتهى: أو امتَهنَ القرآن. وأشار للثالث بقوله: (وبالاعتقادِ، كاعتقاد الشريك له) سبحانه و (تعالى. أو) اعتقد (إنّ الزنا) حلال كَفَر، (أو) اعتَقَد أن (الخمْر حلال) كفر، (أو) اعتقد (إن الخبز حرام، ونحو ذلك) كاللحم والماء (مما أُجْمعَ عليه إجماعاً قطعيًّا) كفرَ. وأشار للرابع بقوله: (وبالشكّ في شيء من ذلك) ومثله لا يجهله، كالناشئ في قرى الإِسلام كَفَر، لأنه مكذّبٌ لله ولرسوله ﷺ وسائر الأمة. (فمن ارتدّ وهو مكلّفٌ مختارٌ) ولو كان أنثى دُعي إلى الإِسلام، و (استتيب ثلاثة أيام وجوباً،) لأنه أمكن استصلاحُهُ، فلم يجزْ إتلافه قبل استصلاحه. وإنما كانت ثلاثة أيامٍ لأن الردة إنما تكون لشبهةٍ، ولا تزول في الحال، فوجب أن ينظر مدةً يتروى فيها. وأولى ذلك ثلاثة أيام، للأثر (٢).

стр. 862

وينبغي أن يضيّق عليه ويحبس. (فإن تاب) في مدة الاستتابة برجوعِهِ إلى إسلامه (فلا شيء عليه) من قتلٍ أو تعزيرٍ. (ولا يَحْبَطُ عَمَلُه) الذي عمله في حال إسلامه، قبل رِدَّتِهِ من صلاةٍ وحجٍّ وغيرِهِما إذا عاد إلى الإِسلام. (وإن أصرّ) على ردته (قتل بالسيف) لأنه آلة القتل، ولا يحرَّق بالنار (ولا يقتله إلا الإمام أو نائبه) سواء كان المرتد حرًّا أو عبداً لأنه قتلٌ لحقّ الله تعالى، فكان إلى الإمام، كرجم الزاني، وقتل الحد. (فإن قتله) أي المرتد (غيرُهما) أي غيرُ الإمام أو نائبه (بلا إذنٍ) من واحد منهما (أساءَ وعُزِّرَ) لافتياته على وليّ الأمر، (ولا ضَمانَ) على قاتله (ولو كان) قتله (قبل استتابته) لأنه مُهْدَرُ الدم في الجملة، وردَّتُهُ مبيحةٌ لدمه، وهي موجودة قبل الاستتابة كما هي موجودة بعدها، إلاَّ أن يلحق بدار حربٍ فلكل واحدٍ قتلُه وأخْذُ ما معه من المال، لأنه صار حربيًّا. تتمة: من أطلق الشارعُ كفرَهُ، كدعواه لغير أبيه، ومن أتى عرافاً فصدّقه، فهو تشديدٌ لا يخرج به عن الإِسلام. [إسلام الصغير وردته] (ويصح إسلام المميّز) الذي يعقل الإسلام من ذكرٍ وأنثى، ومعنى عقلِهِ الإسلام أن يعلم أن الله ربُّه لا شريكَ له، وأن محمداً عبدُهُ ورسوله للناس كافة، لأن عليًّا ﵁، أسلم وهو ابن ثمانِ سنين. أخرجه البخاري.

стр. 863

(و) تصح أيضاً (رِدَّتُهُ) على الأصح، لأن الردة هي الكفر بعد الإِسلام (لكن لا يُقْتَلُ) الصغير الذي ارتدّ، ولا سكران (حتى يستتابَ) كل واحد منهما (بعد بلوغِهِ) أي بلوغ الصغير وصَحُوِ السكران (ثلاثَةَ أيام). وإن مات وهو سكرانُ في سكرِهِ، أو مات الصغير قبل بلوغٍ وقبل توبةٍ، مات كافراً. فصل [في توبة المرتد] (وتوبة المرتد، و) توبة (كل كافرٍ، إتيانه بالشهادتين) وهو قول: "أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله" لقوله ﷺ : "أمرتُ أن أقاتلَ الناسَ حتى يشْهَدُوا أن لا إله إلا الله وأنَّ محمداً رسولُ اللهِ، ويقيمُوا الصَّلاة، ويؤتُوا الزَّكاةَ، فإذا فَعَلوا ذلك عَصَمُوا مني دماءَهُم وأموالَهُم إلا بحقّ الإِسلام وحسابُهم على الله " متفق عليه من رواية ابن عمر. وهذا يدل على أن العِصمة تثبت بمجرّد الإِتيان بالشهادتين، (مع رجوعِهِ عمّا كَفَر به) أي مع إقرار جاحدٍ لفرضٍ أو تحليلٍ أو تحريمٍ أو نبيٍّ أو كتابٍ أو رسالةِ محمد ﷺ إلى غيرِ العرب، بما جحده. (ولا يغني قوله) أي قول الكافر: ("محمد رسول الله" عن كلمة التوحيد) وهي "أشهد أن لا إله إلا الله [وأشهد أن محمداً رسول الله] " (١) ولو من مقر بالتوحيد.

стр. 864

(وقوله "أنا مسلم" توبة) وإن لم يلفظ بالشهادتين، لأنه إذا أخبر عن نفسه بما تضمّن الشهادتينِ كان مخبراً بهما. (وإن كَتَب كافرٌ الشهادتينِ) بما يُبِينُ (صار مسلماً) لأن الخطّ كاللفظ، فإذا تلفّظ كافرٌ بالشهادتين، أو كتبَهما، ثم قال: لم أُرِدِ الإِسلام، فقد صارَ مرتدًّا، ويجبر على الإِسلام. (وإن قال) كافر: (أسلمت، أو: أنا مسلم، أو: أنا مؤمن، صار مسلماً) بهذا القول وإن لم يتلفظ بالشهادتين. فلو قال: لم أُرِدِ الإِسلام، أو قال: لم أعتقده، لم يقبل منه ذلك، وأجبر على الإِسلام وقد علم ما يراد منه. وإن قال: أنا مسلم ولا أنطق بالشهادتين، ولا يحكم بإسلامه حتى يأتي بالشهادتين. [توبة الزنادقة] (ولا يقبل في الدنيا بحسَبِ الظاهر) بحيث يُتْرَك قتلهم وتثبت أحكام الإِسلام في حقّهم (توبةُ زنديقٍ,. وهو المنافِقُ الذي يُظْهِرُ الإِسلام ويخفي الكفر) لقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا﴾ والزنديق لا يُظْهرَ منه على ما يتبين به رجوعه وتوبته، لأن الزنديق لا يظهر منه بالتوبة خلافُ ما كان عليه، فإنه كان ينفي الكفر عن نفسه قبل ذلك. وقلبه لا يطَّلِع عليه إلا الله، فلا يكون لما قاله حكم، لأن الظاهر من حاله أنه إنما يستدفع القتل بإظهار التوبة في ذلك. والمشهور على ألسنة الناسِ أن الزنديقَ هو الذي لا يتمسُكُ بشريعةٍ، ويقول بدوامِ الدهر. والعربُ تعبِّر عن هذا بقولهم: "مُلْحِدٌ" أي طاعن في الأديان. ولا تقبل توبة الحلوليّة، ولا المباحية (١)، وكمن يفضّل متبوعَه على

стр. 865

النبي ﷺ ، أو يعتقد أنه إذا حصلت له المعرِفَةَ والتحقيق سقط عنه الأمر والنهيُ، أو يعتقد أن العارِفَ المحقّق يجور له التدّين بدين اليهود والنصارى، فلا يجب عليه الاعتصام بالكتاب والسنة، وأَمثال هؤلاء الطوائف المارقين من الدين، فلا تقبل توبتُهم في الظاهر كالمنافق (١). [الردة التي لا تقبل التوبة منها] (ولا) تقبل توبة (من تكرّرت ردته) لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً﴾ ولأنّ تكرار الردة منه يدل على فساد عقيدتِهِ، وقلَّةِ مبالاتِهِ بالإِسلام؛ (أو سبّ الله) سبحانه و (تعالى) سبًّا صريحًا. يعني أنه لا تقبل توبةُ من سبَّ اللهَ على الأصح، لأن ذنبه عظيمٌ جداً يدلُّ منه على فسادِ عقيدتِهِ واستخفافِهِ بالله الواحد القهار، (أو) سبَّ (رسولَهُ) أيّ رسولٍ كانَ (أو ملكاً له) يعني أنه لا تقبل توبةُ من سبَّ رسولاً أو مَلَكَاً لله ، أو تَنَقَصَهُ. ومن أظهر الخير، وأَبْطَنَ الفسق، كزنديقٍ في توبته. (وكذا) لا تقبل توبة (من قذف نبيًّا) من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام (أو) قذف (أمّه) كَفَر لما في ذلك من التعرض للقَدْحِ في النبوّة الموجِبِ للكُفْر. (ويقتلُ حتّى ولو كانَ كافراً) ملتزماً (فأسلم) لأن قتلَهُ حدُّ قذفِهِ، فلا يسقِطُ بالتوبة، كقذفِ غيرِهما.

стр. 866

ومن قَذَفَ عائشة رضي الله تعالى عنها بما برّأها الله تعالى منه كَفَر، بلا خلافٍ. ومن سبَّ غيرها من أزواجه ﷺ ، ففيه قولانِ: أحدُهما أنه كسبِّ واحدٍ من الصحابة. والثاني: هو الصحيح، أنه كقذفِ عائشةَ رضي الله تعالى عنها، لقدحه فيه ﷺ . ومن أنكرَ صحبةَ أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، فقد كفر، لقوله تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ﴾.

стр. 867

كتَاب الأطعَمة واحِدُها طعامٌ، وهو ما يؤكَلُ ويُشرَب. وأصلها الحل. (يباحُ كلُّ طعامٍ طاهر) ليخرج النجس والمتنجّس (لا مضرَّةَ فيه) احترازاً من السموم (حتى المِسْكُ ونحوُه) مما لا يؤكل عادةً، كقِشْرِ البيض، وقرن الحيوان، إذا صار بصفةٍ يسوغُ أكلُهما، كما لو دُقَّا، أو نحو ذلك. وقد سأل الشالنجيُّ الإِمامَ أحمدَ عن المسك يُجعَل في الدواء ويشرب، قال: لا بأس به. [الأطعمة المحرمة] (ويحرم النجس، كالميتة والدم) لأن أكلَ الميتة أقبحُ من أن يُدْهَنَ بدُهْنِها أو يُستَصْبَحَ به، وهما حرامان، فيحرم ما هو أقبح، بطريق الأولى (١). (ولحمُ الخنزير) بلا خلافٍ بين المسلمين، لقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾. (وكذا) يحرم (البولُ والرَّوْثُ، ولو) كانا (طاهرين) لاستقذارِهِما،

стр. 868

بلا ضرورةٍ، فإن اضطرّ إليهما، أو إلى أحدهما جاز. (ويحرُم من حيوانِ البرِّ الحُمُرُ الأهليّةُ) قال ابن عبد البرّ: لا خلاف بين أهل العلم اليوم في تحريمِها. وسَنَد الإِجماع ما روى جابرٌ أن النبي ﷺ "نهى يوم خيبرَ عن لحوم الحمر الأهلية، وأذن في لحوم الخيل" متفق عليه. [السباع المفترسة] (و) يحرم أيضاً (ما يفترس بنابه) أي ينهَشُ (كأسدٍ ونَمِرٍ وذئبٍ وفهدٍ وكلبٍ) لما روى أبو ثعلبة الخُشَنِيّ، قال: "نهى رسول الله ﷺ عن أكل كلِّ ذي نابٍ من السباع" متفق عليه. (وقردٍ،) قال ابن عبد البر: لا أعلم خلافاً بين علماء المسلمين في أن القردَ لا يُؤكَلُ، ولأن له ناباً، فيدخل في عموم التحريم. وهو مِسْخٌ أيضاً (١)، فيكون من الخبائثِ؛ (ودُبٌّ ونِمسٌ وابنُ آوى) هو شبه الكلب، ورائحته كريهة، (وابنُ عِرْسٍ) بالكسِر. قاله في الحاشية (وسِنَّوْرٌ ولو) كان (بَرِّياً، وثعلبٌ) على الأصح. (و) يحرم (سِنْجَابٌ وسَمُّورٌ) (٢) وفَنَكٌ (٣). [محرمات الطيور] (ويحرم من الطير ما يصيد بمخلبه، كعقابٍ وبازٍ وصَقْرٍ وباشقٍ وشاهينٍ وحِدَأَةٍ) تم على وزن عِنَبَةٍ، (وبومةٍ) وهذا قَول أكثر أهل العلم،

стр. 869

منهم الشافعي رضي الله تعالى عنه وأصحابُ الرأي. وقال مالك والليث والأوزاعي: لا يحرُمُ من الطير شيء. واحتجُّوا بعموم الآيات المبيحة، وقولِ أبي الدرداء وابن عباسٍ رضي الله تعالى عنهما: "ما سكت الله تعالى عنه فهو مما عفا عنه" ولنا ما روى ابن عباس قال: "نَهَى رسولُ الله ﷺ عن كل ذي نابٍ من السباعِ (١) وكل ذي مِخْلبٍ من الطير" فيدخل في هذا كل ما له مخلب يعدو به. (و) يحرم أيضاً (ما يأكل الجِيَفَ) من الطير (كنسْرٍ ورَخَمٍ وقاقٍ) ويسمى العَقْعَقَ، بوزن جَعْفَر، طائرٌ نحوُ الحمامة، طويل الذنب، فيه بياضٌ وسوادٌ، وهو نوعٌ من الغربان تتشاءم به العرب. قاله في الحاشية. ويحرم أيضاً اللَّقْلَق، طائرٌ نحوُ الإِوزٌ طويلُ العُنُقِ يأكُلُ الحيّات. (وغرابُ) بَيْنٍ (٢). [الحشرات ونحوها] [ويحرمٌ] (خُفَّاشٌ) أي وَطْوَاطٌ، قال أحمد رضي الله تعالى عنه: ومن يأكلُ الخفاش؟ (وفأرٌ) يقرأ بالهمزة (وزُنْبورٌ ونَحْلٌ وذُبابٌ) وفراشٌ وطبابيعُ وقمل وبراغيث (وهُدْهُدٌ وخُطَّافٌ) طائرٌ أسودُ معروفٌ. (وقنفذٌ ونيصٌ) وهو عظيمُ القنافِذِ، قدرُ السخلة، على ظهرِهِ شوكٌ طويل نحو ذراعٍ. (وحيَّةٌ) وقال مالك: هي حلالٌ إذا ذُكِّيتْ. (وحَشَرات) يعني: وباقي الحشرات كالديدان، والجُعْلان، وبناتِ

стр. 870

وَرْدَان، والخنافس، والأوزاغ، والحِرْباء، والعَقَارب، والحراذين (١) ويحرم كل ما أمر الشرع بقتله كالجراذين، أو نهى عن قتله، كالنَّحْلِ والنَّمل. ويحرم ما تولّد بين مأكولٍ وغيره، كبغلٍ. وما تجهلُه العربُ، ولا ذُكِرَ في الشَّرع، يُرَدُّ إلى أقرب الأشياء شبهاً به بالحجاز. فإن لم يشبه شيئاً بالحجاز فهو مباحٌ. ولو أشبَه مباحاً ومحرماً غلب التحريم. (ويؤكل ما تولد من مأكولٍ طاهرٍ كذُبابٍ الباقلاً، ودودِ الخَلّ، و) دود (الجبنِ تبعاً) لما تولد منه (لا انفراداً.)، وقال ابن عقيل: يحلّ بموته. قال أحمد في الباقّلا المدوِّدة: ويجتنبه أحبُّ إلي، وإن لم يتقذَّرْهُ فأرجو. وقال عن تفتيش التَّمرِ المدوِّد: لا بأسَ به إذا علمه. وكره أحمل جعل التمر والنوى في شيءٍ واحد (٢). فائدة: ما أحدُ أبويه المأكولينِ من الحيواناتِ مغصوبٌ فكأمِّه لا كأبيه، فإن كانت الأمُّ مغصوبةً لم تحلّ هي ولا شيء من أولادِها للغاصب. وإن كان الأبُ مغصوباً لم يحرم على الغاصب شيء من أولاده.

стр. 871

فصل [في الحيوانات المباح أكلها] (ويباح ما عدا هذا) الذي ذكرنا أنه حرامٌ، لعموم النصوص الدالّة على الإِباحة. والذي عداه (كبهيمةِ الأنعام) وهي الإِبل، والبقر، والغنم، لقوله تعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾ (١) (والخيل) كلِّها، عرابِها وبراذينها، نصّ عليه أحمد. (وباقي الوحوش، كضَبُعٍ) وإن عرف بأكل الميتة فكجَلاّلة. قاله في الروضة. (وزرافة) وهي دابّة تشبه البعير، إلا أن عنقها أطول من عنقه. وجسمها ألطفُ من جسمهَ. ويداها أطولُ من رجليها. سئل أحمد عنها: هل تؤكل؟ قال: نعم. وهي مباحة لعموم النصوص المبيحة، ولأنها مستطابة أشبهت الإِبل؛ (وأرنب) قال في المغني: أكلها سعد بن أبي وقاص، ورخّص فيها أبو سعيد وعطاء وابن المسيب والليث ومالك والشافعي وأبو ثور وابن المنذر. ولا نعلم قائلاً بتحريمِها إلاَّ شيئاً روى عن عمرو بن العاص. (ووَبْرٍ) بسكون الباء، لأنه طيّب يعتلف النبات والبقول، فكان مباحاً كالأرنب؛ (وَيرْبُوعٍ) نصّ عليه أحمد. وبحلهِ، قال عروة وعطاء والشافعي وأبو ثور وابن المنذر، وحرّمه أبو حنيفة، لأنه شبيه الفأر؛ (وبقرِ وَحْشٍ) على اختلافِ أنواعها من الأيِّل، والثَّيْتَلِ، والوَعِلِ، والمَهَا (وحُمُرِهِ) أي حُمُر الوحش؛ (وضَبٍّ) يروى حلُّه عن عمر بن الخطاب وابن عباس وأبي سعيدٍ الخدريّ رضي الله تعالى عنهم، قال أبو سعيد: كنا معشر أصحابِ محمدٍّ ﷺ لأن يهدى لأحِدِنا ضبٌّ أحبُّ إليه من

стр. 872

دجاجةٍ، قاله في الحاشية. وهو دابَّةٌ تشبه الحرذون، من عجيب خلقته أن الذكر له ذكران، والأنثى لها فرجان تبيض منهما. (وظباءٌ) بجميع أنواعها، لأنها كلها تفدى في الإِحرام والحرم. (وباقي الطير كنعامٍ ودجاجٍ) بفتح الدّال، وكسرها لغةٌ، الواحدةُ دجاجةٌ للذكر والأنثى (١). (ويَبِّغَا) بتشديد الباء الموحدة، وهي الدُّرَّة. وشحرور. (وزاغ) طائر صغير أغبر (٢). (وغراب زرع) وهو أسودُ كبيرٌ يأكل الزرع ويطير مع الزاغ، لأن مرعاهما الزرع والحبوب، أشبه الحَجَل. وكالحمام بأنواعه من الفواخِتِ، والقَمَاريّ، والجَوَازِلِ، والرُّقْطِي، والدَّباسيّ، وتقدم. [الحيوانات البحرية] (ويحل كلُّ ما في البحر) لقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ (غيرَ ضفدعٍ) لأنها مستخبثة، فتدخل في عموم قوله تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ (و) غير (حيّةٍ) لأنها من الخبائث، (و) غير (تمساحٍ) نص عليه لأنه يفترس بنابه، وقال ابن حامد والقاضي: وغيرَ الكَوْسَج وهو سمكة تسمى القِرْش (٣) لها خرطوم

стр. 873

كالمنشار، والأشهر أنه مباح كخنزيرِ الماء وإنسانِهِ وكلبِه. [الجلاَّلة] (وتحرمُ الجلّالة التي أكثر علفها) أي غذائها (النجاسة، و) يحرم (لبنها وبيضها،) على الأصحّ لما روى ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: "نهى رسول الله ﷺ عَنْ أكلِ الجلاَّلة وألبانها" (١) قال القاضي: هي التي تأكل العذرة. فإن كان أكثرُ علفها النجاسةَ حرم لحمُها ولبنُها. وإن كان أكثرُ علفها الطاهر لم تحرم. قال الموفق: وتحديدُ الجلاّلة بكونِ أكثرِ علَفها النجاسة لم نسمعه عن أحمد. ولا هو ظاهر كلامه. لكن يمكن تحديده بما يكون كثيراً في مأكولها، ويعفى عن اليسير (حتّى تحبَسَ ثلاثاً) أي ثلاثَ ليالٍ بأيامهن. نصّ عليه. لأن ابن عمر كان إذا أراد أكلها يحبسها ثلاثاً، (وتطعمُ الطاهر) وتمنَعُ من النجاسةِ، طيراً كانت أو بهيمةً. ومثله خروفٌ ارتضعَ من كلبةٍ، ثم شربَ لبناً طاهراً أو أكلَ شيئاً طاهراً ثلاثة أيام. وُيكره ركوب الجلالة. [الأطعمة المكروهة] (ويكره أكلُ ترابٍ وفحمٍ) قال في الإِنصاف: جزم به في الرعايتين والحاوي وغيرهم. (وطينٍ) لضرره. نصًّا. ونقل بعضُهم أن أكله عيب في المبيع. نقله ابن عقيل. لأنه لا يطلبه إلاَّ من به مرض.

стр. 874

(و) يكره أيضاً أكل (أُذُنِ قلبٍ) وغدة. (وبصلٍ وثومٍ ونحوهما) كالكرّاث (ما لم يُنْضَجْ بطبخٍ). ويكره أكلُ كلّ ذِي رائحة كريهة، ولو لم يردْ دخول المسجد. فإن أكله كره له دخولُه حتى يذهب ريحه. ويكره أَكْلُ حَبٍّ دِيسَ بِحُمُرٍ أو بغالٍ (١). وينبغي أن يغسل. ويكره مداومة أكل اللحم، وأكل لحم نيء ومنتنٍ (٢). قاله في الإقناع، وخالفه فيهما في المنتهى (٣). فصل [في أحكام المضطرّ] (ومن اضطُرَّ) بأن خاف التلف إن لم يأكل (جازَ له أن يأكُلَ من المحرَّم ما يسدّ رمقه فقط) قال في الإِقناع: ومن اضطُرَّ إلى محرّمٍ مما ذكرنا، حضراً أو سفراً، سوى سمٌّ ونحوِهِ، بأن يخاف التلف، إما من جوعٍ، أو يخافُ إن تركَ الأكلَ عجز عن المشي وانقطع عن الرفقة فيهلك، أو يعجز عن الركوب فيهلك ولا يتقيد ذلك بزمنٍ مخصوصٍ، وَجَبَ عليه أن يأكل منه ما يسدّ رمقه ويأمنُ معه الموت. وليس له الشبع. وقَيَّدَ في المنتهى السفر بالمباح، فإن كان في محرّمٍ ولم يتبْ فلا. (ومن لم يجد) من المضطرين (إلاّ آدميًّا مباحَ الدم، كحربيٍّ وزانٍ

стр. 875

محصنٍ فله قتله وأكله،) لأنه لا حرمة له، فهو بمنزلة السباع. وكذا إن وجده ميتاً فإنه يجوز له أكله لأن أكله بعد قتله كأكله بعد موته، لا أكلُ معصومِ ميتٍ. (ومن اضطُرَّ إلى نفعٍ بمال الغيرِ مع بقاءِ عينِه) إما لدفعِ بردٍ كثيابِ، وكل ما يُتَدثَّر به، والمِقْدَحةِ ونحوِها، أو استِقاءِ ماءٍ، كالدلوِ والحبَل ونحو ذلك (وجب على ربّه بذله له) أي لمن اضطر إليه (مجاناً) أي من غير عوضٍ عن انتفاع المضطر في الأصحّ. [الأكل من الثمر المعلّق] (ومن مرّ بثمرة بستانٍ) على شجرٍ، أو ساقطٍ تحته (لا حائط عليه ولا ناظر) (١) أي حافظ ولو غيرَ مسافرٍ ولا مضطرّ (فله) أن يأكل منه مجاناً، ولو لغير حاجةٍ، ولو عن غصونه (من غيرِ أن يصعدَ على شجرةٍ، أو يرميهِ بحجرٍ، أن يأكلَ) (٢) لأن كلاً من الضرب والرمي يفسد الثمرة. (ولا يحملُ) شيئاً من الثمر، ولا يأكلُ من ثمرٍ مجنيٌّ مجموعٍ إلا لضرورة. (وكذا) أي وكثمر الشجر (الباقلّا والحمِّص) الأخضرين (٣). وكذا زرعٌ قائم، وشربُ لبنِ ماشيةٍ على الأصحّ، أما الزرعُ فلأن العادةَ جاريةٌ بأكل الفَرِيكِ، أشبه الثمر، وأما شرب لبنِ الماشية فلما روى الحسن عن سمرة عن النبي ﷺ ، قال: "إذا أتى أحَدُكمْ على ماشيةٍ فإن كان فيها صاحبُها فليستأذنه، وإن لم يُجِبْهُ أحدٌ فليحتلب ويشربْ ولا يحمل" رواه الترمذي (٤).

стр. 876

تنبيه: ما لم تجر العادة بأكله رَطْباً لا يجوز الأكل منه، لعدم الإِذن فيه شرعاً وعادة، كالشعير ونحوه. [حق الضيافة] (وتجب ضيافة المسْلِمِ) المسافرِ المجتازِ (على المسلم) إذا نزل به (في القرى دون) الضيافة في (الأمصار،) لأنه يكون فيها السوِقُ والمساجدُ، فلا يحتاج مع ذلك إلى الضيافة، بخلاف القرى فإنه يبعد فيها البيعُ والشراءُ، فوجبت ضيافة المجتاز إذا نزل بها (يوماً وليلةً) مجاناً، فلا يلزم الضيفَ عوضُ الضيافةِ، وهي قدرُ كفايتِهِ مع أدمٍ. وفي الواضح: لفرسه تبنٌ لا شعير. قال في الفروع: ويتوجّه وجهٌ: كأدمه. فإن أبى فللضيف طلبه به عند الحاكم. فإن تعذّر جازَ له الأخذ من مالِهِ بقدرِ ما وجب له. ولا تجب للذمّيّ إذا اجتاز بالمسلم. (وتستحبُّ) ضيافته (ثلاثاً) أي ثلاثَ ليال بأيامهن. والمراد يومان مع اليوم الأول. فما زاد على الثلاث فهو صدقة. ولا يجب عليه إنزاله في بيته إلا أن لا يجد مسجداً أو رباطاً ونحوهما يبيت فيه، ولا يخافُ ضرراً.

стр. 877

باب الذّكَاة قال الزجّاجي: أصل الذكاةِ تمامُ الشيءِ، فمنه الذكاة في السّنّ، وهو تمام السن. وسمّي الذّبحُ ذكاةً لأنه إتمام للزهوق. (وهي) أي الزكاة، شرعاً (ذبحُ) الحيوانِ (أو نحرُ الحيوان المقدورِ عليه) المباحِ أكله الذي يعيش في البرّ، لا جراد ونحوه. (وشروطها) أي الذكاة، وكذا النحر (أربعة): (أحدها: كون الفاعل) للذكاةِ أو النَّحرِ (عاقلاً) ليصحّ منه قصدُ التذكية، فلا يباح ما ذكّاه مجنونٌ أو سكرانُ، (مميزاً) فلا يحلّ ما ذكاه طفلٌ لم يميّز، (قاصداً للذكاة) فلو احتكّ حيوانٌ مأكولٌ بمحدّدٍ بيد إنسان لم يقصد ذبحه، فانقطع بانحكاكه حلقومُهُ ومريئُهُ لم يحلّ، لعدم قصد التذكية. (فيحل ذبحُ الأنثى) ولو حائضاً (والقنّ والجنبُ) على الأصحّ (والكتابي) ولو حربيًّا. قال في شرح المقنع: أجمع أهل العلم على إباحة ذبائحِ أهلِ الكتاب، لقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ يعني ذبائحهم. قال البخاري: قال ابن عباس: طعامهم ذبائحُهُم. وكذلك قال مجاهد وقتادة. وروي معناه عن ابن مسعود. وهذا قول مالك والشافعي وأصحاب الرأي.

стр. 878

ولا فرق بين العدلِ والفاسق من المسلمين وأهل الكتاب. انتهى. (لا) تحل ذبيحة (المرتد) وإن كانت رِدّته إلى دين أهل الكتاب. (و) لا ذبيحةُ (المجوسيّ والوثنيّ والدرزيّ والنُّصَيْري) والتَّيْماني. ويؤكل من طعامهم غيرُ اللَّحْمِ والشَّحْمِ والكَوارعِ (١) ونحوها. الشرط (الثاني) من شروط صحّة الذكاة: (الآلة) وهو أن يذبح بمحدّدٍ يَقْطَعُ، بأن يُنْهِرَ الدم بحدّه. إذا تقرر هذا (فيحلّ الذبح بكل محدّدٍ) حتى (من حجرٍ وقصبٍ وخشبٍ وعظمٍ غيرَ السنِّ والظُّفُر) نص على ذلك، متصلَيْنِ أو منفصلين، لقول النبي ﷺ : "ما أَنهَر الدَّمَ فكُلْ، ليس السنَّ والظفر" متفق عليه من حديث رافع بن خديج، قال: قلت: يا رسول الله إنا نلقى العدوّ غداً، وليس مَعَنا مُدًى -أي سكاكين (٢) - قال رسول الله ﷺ : ما أنهرَ الدَّمَ، وذُكِرَ اسم الله عليه، فكُلوا، ما لم يكن سنًّا أو ظُفُراً. وسأحدّثكم عن ذلك: أما السنُّ فعظمٌ، وأما الظُّفُرُ فمدى الحبشة." وعن كعب بن مالك، عن أبيه، أنه "كانت لهم غنم ترعى بِسَلْعٍ (٣)، فأبصرت جاريةٌ لنا بشاةٍ من غنمها موتاً، فكَسَرَتْ حَجَراً، فذبحتها به، فقال لهم: لا تأكلوا حتّى أسألَ رسول الله ﷺ ، أو أرسل إليه من يسأله. وإنه سأل النبيّ ﷺ عن ذلك، أو أرسل إليه، فأمره بأكلها رواه أحمد والبخاري. وقال عبد الله: يعجبني أنها أمَةٌ، وأنها ذبحَتْ. قال في شرح المقنع (٤): وفي هذا الحديث فوائدُ سبع:

стр. 879

إحداها: إباحةُ ذبيحة المرأة. والثانية: إباحة ذبيحة الأمة. والثالثة: إباحة ذبيحة الحائض، لأن النبي ﷺ لم يستفصل (١). الرابعة: إباحة الذبح بالحجر. الخامسة: إباحة ذبح ما خيفَ عليه الموت. السادسة: حِلُّ ما يذبحه غيرُ مالِكِه بغير إذنه. السابعة: إباحة ذبحه لغير مالكِهِ بغير إذنه عند الخوف عليه. الشرط (الثالث) لصحة الذكاة: (قطع الحلقوم) وهو مجرى النَّفَس (والمريءِ) بالمدّ، وهو مجرى الطعام والشراب، وهو تحت الحلقوم. ولا يشترط قطع الوَدْجَيْنِ (٢). وهما عِرْقانِ محيطان بالحلقوم. والأوْلى قطعُهما خروجاً من الخلاف. (ويكفي قطعُ البعضِ منهما) أي من الحلقوم والمريء (فلو قَطَع رأسه حلّ) سواء أتت الآلة على محل الذبح وفيه حياةٌ مستقرة، أوْ لا، على الصحيح. وما ذُبِحَ من قفاهُ، ولو عمداً، إن أتت الآلة على محل الذبح وفيه حياةٌ مستقرةٌ حلّ بذلك، وإلا فلا. (ويحل ذبحُ ما أصابه سبب الموت) من الحيوان المأكولِ (من

стр. 880

منخنقةٍ) وهي التي تُخْنَق في حلقها (ومريضةٍ وأكيلةِ سبع) وهي ما أكل منها ذئبٌ أو نَمِرٌ أو سَبُعٌ، (وما صيد بشبكةٍ) أو شَرَكٍ (أو فخّ) فأصابه شيء من ذلك، ولم تصل إلى حدٍّ لا يعيش معه، (أو أنقذه) أي أَنَقَذَ إنسان حيواناً (من مهلكةٍ، إن ذكّاه وفيه حياة مستقرة) يمكن زيادتها على حركةِ مذبوحٍ, سواء أَنتهتِ المنخنقة ونحوِها إلى حالٍ يعلم أنها لا تعيش معه، أوْ تعيش (١)، حلَّتْ (كتحريك يده أو رجله أو طرف عينه) أو مَصْعِ ذنبه بأن حركه وضربَ به الأرض. (وما قُطِعَ حلقومُه، أو أبينت حَشْوَته) ونحوه مما لا تبقى الحياة معه (فوجودُ حياته كعدمها) على الأصح، (لكن لو قطع الذابحُ الحلقومَ، ثم رفع يده قبل قطع المريء، لم يضرّ، إن عادَ فتمَّمَ الذكاةَ على الفور) قال في الإِقناع والمنتهى ولا يضر رفع يده إن أتمّ الذكاة على الفور. انتهى. (وما عُجِزَ عن ذبحِهِ، كواقعٍ في بئرٍ أو متوحّشٍ) كان ينفر البعيرُ، أو يتردّى من عُلْوٍ فلا يقدِر المذكيّ على ذبحه، فذكاته (بجرحه في أي محلٍّ كان) أي في أي موضع أمكنه جرحه فيه، من بدنه، فهذا قول أكثر الفقهاء. روى ذلك عن عليّ وابن مسعود وابن عمر وابن عباس وعائشة رضي الله تعالى عنهم، وبه قال أبو حنيفة والشافعي. وقال مالك: لا يجوزُ أكلُهُ إلا أن يذكَّى. الشرط (الرابع) لصحة الذكاة: (قول: بسمِ الله، لا يجزئ غيرُها) أي لا يقومُ تسبيحٌ ولا نحوه مقامها (عند حركةِ يده) أي يد الذابح (بالذبح) وذكر جماعة منهم الموفق والشارح: تكونُ التسميةُ عند الذبح، أو قريباً منه، فَصَلَ بالكلامِ أوْ لا، كالتسمية على الطهارة.
следующие страницы →