بقرةٍ، أو ألفا شاةٍ، أو ألفُ مثقالٍ ذهباً، أو اثنا عَشَرَ ألفَ درهمٍ فضةً) قال القاضي: لا يختلف المذهب أن أصول الدية: الإبل، والذهب، والوَرِقُ، والبَقر، والغنم، ويدل لذلك ما روى عطاءٌ عن جابرٍ، قال: "فَرَضَ رسول الله ﷺ في الدية على أهل الإبلِ مائةً من الإِبل، وعلى أهل البقر مائتي بقرةٍ، وعلى أهل الشاءِ ألفي شاةٍ" (١). رواه أبو داود.
وهذه الخمسة فقط أصولها: إذا أحضَرَ من عليه ديةٌ أحدَها، لزمَ وليَّ الجنايةِ قبولُها، بغير خلافٍ في المذهب.
وتعتبر السلامةُ من عيبٍ في كل نوع من الإِبل والبقر والغنم، لا أن تبلغ قيمتُها ديةَ نقدٍ.
٢ - (ودية الحرّةِ المسلمة على النصف من ذلك) أي من دية الحرّ، فيكونُ قدرُها مائةَ بقرةٍ، أو خمسينَ بعيراً، أو ألفَ شاةٍ أو خمسمائةِ مثقالٍ ذهباً، أو ستَّةَ آلافِ درهمٍ فضةً.
٣ - (وديةُ الكتابيّ الحر) سواءٌ كانَ ذمّيًّا أو مُعَاهَداً أو مستأمِناً (كديةِ الحرّة المسلمة) وكذا جراحُهُ. قاله في المنتهى.
٤ - (ودية الكتابيّةِ على النصف) من دية ذكرهم. قال في شرح المقنع: لا نَعْلَمُ في هذا خلافاً.
٥ - (ودية المجوسيّ الحر) ذمّيًّا كان أو مُعَاهَداً أو مستأمِناً (ثمانُمائَةِ درهمٍ.) وممن قال بذلك عمر وعثمان وابن مسعودٍ وسعيد بن المسيب وعطاءٌ وعكرمةُ والحسن ومالكٌ والشافعيُّ، رضي الله تعالى عنهم وعنّا بهم.
٦ - (و) دية (المجوسيّةِ على النصْفِ) من دية ذكرهم.
стр. 807
(ويستوي الذَّكرُ والأنثى) في قطعٍ أو جَرْحٍ (فيما يوجِبُ دون ثلثِ الدِّية) على الأصحّ، لما روى عمرُو بن شُعَيبِ عن أبيه عن جده. قال: قال رسول الله ﷺ : "عَقْلُ المرأةِ مثلُ عَقْلِ الرَّجُلِ حتى يَبلغِ الثلث من ديتها" أخرجه النسائي (١) (فلو قَطَع ثلاثَ أصابعَ مِنْ حرَّةٍ مسلمةٍ لزمه ثلاثون بعيراً، فلو قَطَع رابعةً قَبْل بُرْءٍ رُدَّتْ إلى عشرين) قال ربيعة (٢): قلت لسعيد بن المسيب: كم في أصبع المرأة؟ قال: عشرة، قلت: ففي أصبعين؟ قال: عشرون. قلت: ففي ثلاث أصابع؟ قال: ثلاثون. قلت: ففي أربعِ أصابع؟ قال: عشرون. قال: فقلت: لما عظمتْ مصيبتُها قلَّ عَقْلُها؟ قال: هكذا السُّنَّةُ يا ابن أخي.
[تغليظ الدية]
(وتغلّظ ديةُ قتلِ الخطأ) بوقوعِهِ (في كلٍّ مِنْ حَرَمِ مَكَّة، وإحرامٍ، وشهرٍ حَرَامٍ) فقط (بالثلث) أي ثلثِ ديةٍ. وهذا على الأصح الذي نقله الجماعة عن الإِمام أحمد. وهو من مفردات المذهب. وقال أبو بكر: إنها تُغَلَّظ بقتل رَحِمِهِ المَحْرَمِ خطأً. والأول المذهب (٣).
(فمع اجتماعِ) حالاتِ التغليظِ (الثلاث يجب) عليه (ديتانِ) لأن القتل تجب به دية، وقد تكرَّرَ التغليظُ ثلاثَ مراتٍ، فكان الواجبُ دِيَتَيْن.
(وإن قَتَلَ مسلمٌ كافراً) ذمّيًّا ومُعَاهَداً (عَمْداً أُضْعِفَتْ دِيَتُهُ) أي ديةُ الكافِرِ على المسلم، لإِزالة القود، كما حكم عثمانُ ﵁.
стр. 808
روى أحمدُ عن عبدِ الرزّاق عن معمرٍ عن الزهريّ عن سالم عن أبيه، أن رجلاً قَتَلَ رجلاً من أهل الذمة، فرُفع إلى عثمانُ، فلم يقتلْهُ، وغَلَّظَ عليه الدية ألف دينار. فذهب إليه أحمد. ولأحمد رضي الله تعالى عنه نظائر لذلك في مذهبه، فإنه أوجب على الأعْوَرِ إذا قَلع عينَ صحيحٍ مماثِلةً لعينِهِ ديةً كاملةً، لمّا امتنع عنه القصاص. وأوجب على سارق الثمر المعلَّق مثليْ قيمتِهِ لمَّا درَأَ عنه القطع.
(وديةُ الرقيقِ قيمتُهُ) ذكراً كان أو أنثى صغيرًا كان أو كبيراً، مدبَّراً (١) أو مكاتباً، أو أُمَّ ولدٍ، عمداً كان القتل أو خطأ (قلتْ) القيمة (أو كثرتْ) ولو فوق ديةِ حرٍّ.
فصل [في دية الجنين]
(ومن جنى على حامل) عمداً أو خطأً أو ما يقوم مقام الجنايةِ، كما لو أسقطت فزعاً من استعداءٍ بطلبها إلى ذي سلطان (فألقَتْ جنيناً) بسبب ذلك في الحال، أو بقيتْ متألِّمةً حتى سقط، والجنينُ اسمٌ للولد في البطن، مأخوذٌ من الإجنان، وهو السترِ، لأنه أجَنَّهُ بطنُ أمه، أي سَتَرَه (حرًّا مسلماً، ذكراً كان أو أنثى، فديته غُرَّةٌ) وهي في الأصلِ: الخِيَارُ، سُمِّيَ بها العبدُ والأمة، لأنهما من أنْفَسِ الأموال (٢).
والأصل في وجوب الغرّة في الجنين ما روى أبو هريرة، قال: اقتتلت امرأتان من هذيلٍ، فرمت إحداهما الأخرى بحجر، فقتلتْها وفي
стр. 809
بطنها جنين. فاختصموا إلى رسول الله ﷺ ، فقضى رسول الله ﷺ "أن ديةَ جنينِها عبدٌ أو أمة. وقضى بديةِ المرأةِ على عاقِلَتِها، ووَرَّثَها وَلَدَهَا ومن معه". متفق عليه، (قيمتها عُشْر دية أمّه، وهي خمسٌ من الإِبل. والغرة هي عبد أو أمة) ولو قال: "ودية الجنينِ الحرّ المسلمِ غرةٌ عبدٌ أو أمةٌ قيمتُها خمسٌ من الإِبل" لكانَ أَخْصَرَ.
(وتتعدّد الغُرَّةُ بتعدُّدِ الجنين).
وهي موروثةٌ عن الجنينِ، كأنه سقطَ حيًّا. فلا حقّ فيها لقاتلٍ، ولا كامِلِ رقٍّ. ولا يقبل فيها خصيٌّ وخنثى ولا معيبٌ عيباً يُرَدُّ به في بيع، ولا من له دون سبع سنين.
(ودية الجنينِ الرقيقِ عُشْرُ قيمة أمِّهِ) يوم الجناية، نقداً، لأنه جنينُ آدميّةٍ، وقيمة الأَمَةِ بمنزلةِ دِيةِ الحُرَّة، ولأنه جزءٌ منها، فقُدِّر بَدَلُهُ من قيمتها كسائر أعضائها.
(ودية الجنين المحكومِ بكفرِه) كجنين الذمّيّة من زوجها الذمّيّ (غرةٌ قيمتُها عُشْرُ ديةِ أمِّهِ) لأن جنين الحرّة المسلمةِ مضمونٌ بعُشْرِ ديةِ أمِّهِ، فكذلك جنين الكافرة.
(وإن ألقت الجنينَ حيًّا لوقتٍ يعيشُ لمثلِهِ، وهو نصفُ سنةٍ فصاعداً)، ولو لم يستهلَّ، ثم مات، (ففيه ما في الحيّ. فإن كان حرًّا ففيه ديةُ) الحرّ (كاملةً) لأنه حرٌّ ماتَ بجنايةٍ، أشبهَ ما لو باشره بالقتل. (وإن كان رقيقاً فـ) فيه (قيمتُهُ) لأن قيمة العبدِ بمنزلة الديّة في الحرّ.
(وإن اختلفا) أي الجاني ووليُّ الجناية (في خروجِهِ) أي خروج الجنين (حيًّا أو ميتاً) بأن قال وليّ الجناية: خرج حيًّا ففيه ديةٌ. وقالَ الجاني: خَرَجَ ميتاً، ففيه غرة، ولا بيّنة لواحدٍ منهما بما يذكره (فقولُ الجاني) بيمينه في ذلك، لأنه منكِرٌ، والأصلُ براءَةُ ذمته من الدية الكاملة.
стр. 810
(ويجب في جنين الدابّةِ ما نَقَصَ من قيمةِ أمِّهِ) قال في القواعد: وقياسه جنينُ الصَّيْدِ في الحَرَم والإِحرام.
ومتى ادعت امرأة علىَ إنسانٍ أنه ضربها فأسقطت جنينَها، فأنكر الضَّرْبَ، فالقولُ قولُهُ بيمينه، لأن الأصل عدمه.
وإن أقرَّ بالضربِ، أو قامتْ به بيّنةٌ، وأنكر أن تكون أسقطتْ، فالقول قولُهُ أيضاً بيمينه، أنه لا يعلم أنها أسقطت، لا على البتّ، لأنها يمين على فعل الغيرِ، والأصل عدمه.
وإن ثبت الإسقاط والضربُ، وادّعى إسقاطها من غير الضَّرْبِ، فإن كانتْ أسقطتْهُ عقبَ الضَّرْب فالقول قولها بيمينها، لأن الظاهر أنه من الضرب، لوجودهِ عقب شيء يصلح أن يكون سبباً له.
وكذا إن أسقطته بعدهُ بأيامٍ، وكانت متألّمة إلى حين الإِسقاطِ.
وإن لم تكن متألمة فقولُهُ بيمينه.
فصل (في دية الأعضاء)
(من أتلف ما في الإِنسان منه) شيءٌ (واحدٌ كالأنف)، ولو مع عِوَجِهِ (واللسانِ) ينطق به كبيرٌ أو يحرّكه صغيرٌ ببكاءٍ، (والذَّكَرِ) ولو لصغيرٍ أو شيخٍ فَانٍ، (فـ) يكون (فيه ديةٌ كاملةٌ) لأن في إتلافه إذهابَ منفعة الجنسِ وإتلافَها، كإذهاب النفس في جميع ما ذكر.
(ومن أتلف ما في الإِنسان منه شيئان، كاليدين والرجلين) لأن في إتلافهما إذهاب منفعة الجنس، فكان فيهما الدية، (والعينين) ولو مع عَمَشٍ أو حَوَلٍ، (والأذنين) وفاقاً، (والحاجبين والثَّدْيَيْنِ والخصيتين، ففيه) أي في إتلافهما (الدية؛ وفي أحدهما نصفها) أي نصف الدية (وفي
стр. 811
الأجفان الأربعة الدية، وفي أحدها) أي أحد الأجفان (ربعها) لأنها أعضاءٌ فيها جمالٌ ظاهر ونفع كامل، فإنها تُكِنُّ (١) العين، وتحفظها من الحرّ والبرد، ولولا ذلك لقَبُحَ منظر العين، ولو كانت الأجفان لعينِ أعمى، لأن ذهابَ البصرِ عيبٌ في غير الأجفان.
(وفي أصابع اليدين) إذا قطعت (الديةُ) كاملةً، (وفي أحَدِهَا عُشْرُهَا) أي عشر الدية.
(وفي الأَنْمُلَةِ) ولو قُطِعَتْ مع ظفرٍ (إن كانت من إبهامٍ نصفُ عُشْرِ الدية) لأنّ الإِبهام مفصلان، فيكون في كل مفصلٍ نصفُ عقلِ الإِبهام، (وإن كانتْ) الأنمُلَةُ (من غيرِهَا) أي غيرِ الإِبهام (فثُلُثُ عُشْرِها) أي ثلث عشر الدية، لأنّ دية الأصبع، وهو عُشْر الدية، تقسم على الأصبع كما قسمت دية اليد على الأصابع. والأصبع غيرُ الإِبهام ثلاثة مفاصل، فيكون في كلّ مفصلٍ ثلث دية الأصبعِ غيرِ الإِبهام.
(وكذا) حكم (أصابِعِ الرجليْن).
(و) يجب (في السّنّ) أو الناب أو الضّرس، قُلِعَ بِسِنْخِهِ -بالسين المهملة والخاء المعجمة- أي بأصله، أو الظاهِرِ فقط- ولو من صغيرٍ ولم يَعُدْ، أو عادَ أسودَ واستمرّ، أو ابيضّ ثم اسود بلا علة، (خمسٌ من الإِبل) فيكون في جميعها مائة وستون بعيراً، لأنها اثنان وثلاثون: أربعٌ ثنايا، وأربعٌ رَبَاعِيَاتٌ، وأربعٌ أنيابٌ، وعشرون ضرساً، في كل جانب عشرٌ، خمسٌ من فوق، وخمسٌ من أسفل.
(وفي إذهاب نفع عضو من الأعضاء) كاليدين والرجلين والعينين (ديته) أي دية ذلك العضو (كاملةً)، وفي شفتين صارتا لا تنطبقان على أسنانٍ، أو استرختا فلم ينفصلا عنها، ديتهما.
стр. 812
فصل (في دية المنافع)
لما تمّم الكلامَ على ديات الأعضاء، كالأنف والأذن واليد والرجل، ونحو ذلك، شرع يتكلم على ديات المنافع، وهي: السمع والبصر والشمّ والذوق ونحوها، فقال: (تجب الدية كاملةً في إذهاب كلُّ من سَمْعٍ وبصرٍ وشمٍّ وذوق) بيانٌ للمنافع (وكلامٍ) فمن جنى على إنسان، فخَرِسَ، وجبت عليه ديته، لأن كلّ ما تعلقت الدية بإتلافه تعلقت بإتلاف منفعته، كاليد. (وعقلٍ) قال بعضهم بالإِجماع: لأنه أكبر المعاني قدراً، وأعظَمُ الحواسِّ نفعاً، فإنه يتميز به الإِنسان عن البهائم، وتعرف به صحة حقائق المعلومات، ويهتدى به ألى المصالح، ويدخل به في التكليف، وهو شرطٌ في ثبوتِ الولايات وصحّة التصرّفات وأداء العبادات، فكان أولى من بقية الحواس.
(و) تجب الدية كاملةً أيضاً في (حَدَبٍ) بفتح المهملتين لأن بذلك تذهب المنفعة والجمال، لأن انتصاب القامة من الكمالِ والجمالِ، وبه يتشرّف الآدميّ على سائر الحيوانات (ومنفعةِ مَشْيٍ) لأن منفعته مقصودة، أشبه الكلام.
وتجب في صَعَرٍ، بأن يُضْرَبَ الإِنسان فيصيرُ وجهه في جانب.
(و) تجب كاملةً في منفعة (نكاحٍ) فإذا كُسِرَ صُلْبُهُ فذهب نكاحُهُ ففيه الدية، (و) في منفعةِ (أكلٍ) لأنه نفعٌ مقصود كالشمّ، (و) في ذهاب منفعة (صوتٍ، و) كذا في ذهابِ منفعةِ (بطشٍ) لأن في كل منهما نفعاً مقصوداً.
(وإن أَفْزَعَ إنساناً، أو ضَرَبَهُ) ولو صغيراً (فأحدَثَ بغائطٍ، أو) أحدث (ببولٍ، أو) أحدث (بريحٍ، ولم يَدُمْ فعليهِ ثُلُثُ الديّةِ. وإن دام فعليه الدية) كاملةً.
стр. 813
(وإن جنى عليه، فأذهب سمعه وبصره وعقله وشمّه وذوقَه وكلامه ونكاحه فعليه سبعُ دياتٍ،) لكلّ واحدٍ دية كاملة (و) عليه (أرشُ تلك الجناية) التي جناها عليه.
(وإن مات) المجنيّ عليه (من الجناية فعليه) أي على الجاني (دية واحدة).
فصل (في دية الشَّجّةِ والجائفة)
(الشَّجَّةُ) واحدةُ الشَّجَاجِ (اسمٌ لجرحِ الرأس والوجه) خاصّةً. سميت بذلك لأنها قطع الجلد. فأما في غير الوَجْهِ والرأس فيسمّى جرحاً، ولا يسمى شجة. وهي عشرة: خمسٌ فيها حُكُومَةٌ:
الحارصة: التي تَحْرِصُ الجلدَ، أي تشقُّه ولا تُدْمِيهِ.
ثم البازلة: الدامية الدامعة، وهي التي تُدْمي الجلد.
ثم الباضعة: التي تَبْضَعُ اللَّحْم.
ثم المُتَلاحِمَة: الغائصة في اللحم.
ثم السمحاق: وهي التي بينها وبين العظم قشرة رقيقة تسمّى السِّمحاق.
والحكومة أن يقوّم مجنيٌّ عليه كأنه قنٌّ لا جناية به، ثم يقوّم وهي به قد برئت. فما نقصَ من القيمة فللمجنيّ عليه على الجاني كنسبته من الدية. ولا يُبْلَغُ بحكومةِ محلًّ له مقدّرٌ مقدَّرُهُ.
وخمسةٌ فيها مقدّر، وهي ما أشار إليها بقوله:
(وهي خمسةٌ) (١):
стр. 814
(أحَدُها الموضحة): وهي (التي توضح العظم وتبرزه) ولو بقدر إبرة لمن ينظر ذلك، ذكره ابن القاسم والقاضي، واعتمده في المنتهى. والوَضَحُ البياض. يعني: أبدَتْ بياضَ العظم.
(وفيها نصف عُشْرِ الدية) أي دية الحرِّ المسلم. وذلك (خمسةُ أبعرةٍ).
ولا فَرْقَ في ذلك بين كونِ الموضِحة في الرأس أو الوجه.
(فإن كان بعضُها في الرأس وبعضها في الوجه فموضِحَتَانِ) لأنه أوضَحَهُ في عُضْوين، فكان لكلِّ واحدٍ منهما حكم نفسه.
(الثاني: الهاشمة): وهي (التي تُوضِح العظم)، أي تبرزه (وتَهْشِمُه) أي تكسره.
(وفيها عشرة أبعرة).
وتستوي الهاشمة الصغيرةُ والكبيرةُ، كالموضحة.
(الثالث: المنقّلة): وهي (التي تُوضِح) العظم (وتهشِمُ) العظم (وتَنْقُلُ العظم).
(وفيها خمسةَ عشَرَ بعيراً) بإجماعٍ من أهلِ العلم. حكاه ابنُ المنذر.
(الرابع: المأمومة،) وهي الشجَّة (التي تصلُ إلى جِلدةِ الدماغِ) وتسمى الآمَّةُ، بالمدّ. وتسمى أيضاً أمّ الدماغ (١).
(وفيها ثلث الدية).
стр. 815
(الخامس: الدامغة) وهي الشجَّة (التي تخرِق الجلدة)، يعني جلدة الدماغ.
(وفيها الثلث أيضاً) يعني: ثلث الدية، كالمأمومة.
فصل
(وفي الجائفة ثُلُثُ الدية. وهي كل ما) أي جرحٍ (يصل إلى الجوف) وهو ما بَطَنَ منه مما لا يظهر للرائي، (كـ) داخِلِ (بطنٍ) ولو لم يخرق مَعًى، (و) داخلِ (ظهرٍ وصدرٍ وحَلقٍ) ومثانةٍ وبين خصيتين وداخل دُبُر.
(وإن جَرَحَ جانباً فخرج) السهم الذي جرح به أو نحوه (من) الجانب (الآخر، فجائفتان) نصّ عليه أحمد. وقيل: واحدة.
(ومن وطئ زوجةً صغيرةً لا يوطأ مثلها)، أو نحيفةً لا يوطأ مثلها (فخرق) بوطئِهِ (ما بين مخرَجِ بولٍ و) مخرج (منيٍّ، أو) خَرَقَ بوطئِهِ (ما بين السبيلين، فعليه الدية) كاملة، (إن لم يستمسِكِ البول) بسبب ذلك، لأن للبول مكاناً من البدن يجتمع فيه للخروج، فعدم إمساكِ البول إبطال لنفع ذلك المحل، فيجب فيه الدية، كما لو لم يستمسك الغائط. (وإلا) بأن كان البول يستمسكُ (ف) هي (جائفةٌ) فيها ثلت الدية.
(وإن كانت) الزوجة (ممن يُوطأ مثلها لمثله، أو) كانت الموطوءة (أجنبية) أي غير زوجة (كبيرةً مطاوعةً، ولا شبهة) للواطئ في وطئها (فوقع ذلك) بأن خرق ما بين السبيلين، أو ما بين مخرج بول ومنيّ، (فَهَدْرٌ) لأنه ضرر حصل من فعلٍ مأذونٍ فيه، فلم يضمنه كأرش بكارتها، ومهر مثلها، كما لو كانت أذنت في قطع يدها فسرى القطع إلى نفسها.
стр. 816
باب العَاقلة ومَا تحمله
وهي مَنْ غَرِمَ ثلث ديةٍ فأكثر، بسببِ جنايةِ غيره.
(وهي: ذكورُ عصبةِ الجاني نسباً وولاءً) حتى عمودي نسبه، وحتى مَنْ بَعُدَ كابن ابن عم أبي جدّ الجاني (١) سواء كان الجاني رجلاً أو امرأة.
(ولا تحمل العاقلة عمداً) سواءٌ كان مما يجب القصاص فيه أو لا يجب، كالمأمومة والجائفة.
(ولا) تحمل (عبداً) قُتِلَ عمدًا، أو خطأً، ولا ديةَ طرفِهِ، ولا جنايته.
(ولا) تحمل العاقلة (إقراراً) بأن يقرّ على نفسه بجنايةِ خطأٍ أو شبهِ عمدٍ توجب ثلثَ الديةِ فأكثر، إن لم تصدّقه العاقلة. قاله في الإِقناع.
(ولا) تحمل (ما دونَ ثلثِ ديةِ ذكرٍ مسلمٍ) كأرش الموضحة. نصّ على ذلك، لقضاء عمر: أنها لا تحمل شيئاً حتى يبلغَ عقلَ المأمومةِ، ولأن الأصل وجوب الضمان على الجاني، لأنه هو المتلف، فكان عليه، كسائر المتلِفِينَ، لكن خولف في ثلث الدية فأكثر، بإجحافه بالجاني،
стр. 817
لكثرته. فيبقى ما عداه على الأصل، ولأن الثلث حد الكثيرِ، لقوله ﷺ : "والثلث كثير" (١).
(ولا) تحمل (قيمةَ مُتْلَفٍ).
(وتحمل) العاقلة (الخطأ وشبهَ العمدِ مؤجّلاً) عليها (في ثلاثِ سنينِ) لقول عمر وعليّ في دية الخطأ، ولم يعرف لهما مخالف، فكان كالإِجماع.
(وابتداءُ حول القَتْل من) حين (الزهوقِ) أي زهوقِ الروح، (و) ابتداء حول (الجرح من) حين (البرء) أي برء الجرح، لأن أرش الجرح لا يستقر إلاَّ ببُرئِهِ.
وقال القاضي: إن لم يَسْرِ الجرح إلى شيء، فحوله من حين القطع.
(ويبدأ) في التحميل (بالأقرب فالأقرب، كالإِرث) فيقسم على الآباءِ والأبناء، ثم على الإِخوة، ثم بني الإِخوة، ثم على الأعمام، ثم بنيهم، ثم أعمام الأب، ثم بنيهم، ثم أعمام الجدّ، ثم بنيهم، كذلك أبداً، حتى إذا انقرض المناسبون فعلى المَوْلى المعتِقِ، ثم على عصباتِهِ الأقرب فالأقرب، لأن ذلك حكمٌ يتعلق بالتعصيب، فوجب أن يقدّم فيه الأقرب فالأقرب كالميراث.
(ولا يعتبر) في العاقلة (أن يكونوا وارثين) في حال العقل (لمن يعقِلونَ عنه، بل متى كانوا يرثون لولا الحجْبُ عَقَلُوا) لأنهم عصبة، أشبهوا سائر العصبات. يحقّقه أن العقْلَ موضوعٌ على التناصر، وهم من أهله.
стр. 818
(ولا عقل على فقيرٍ) ولو كان مُعْتَمِلاً، لأن تحمُّل العقل مواساةٌ، فلا يلزم الفقيرَ، كالزكاة. ولأنها وجبت على العاقلة تخفيفاً على القاتل، فلا يجوز التثقيل بها على من لا جناية منه. وفي إيجابها على الفقير تثقيل عليه، وتكليف بما لا يقدر عليه، وإنما تجب على الموسر.
والموسِرُ هنا من مَلك نصاباً فاضلاً عن حاجته كحجٍّ (١) وكفارة، ظهار.
(و) لا عقل على (صبيٍّ ومجنونٍ) يعني أنهما لا يحملان شيئاً من العقل، لأنهما وإن كانا لهما مال فليسا من أهل النصرة والمعاضدة، لعدم العقل الباعث لهما على ذلك، (وامرأةٍ ولو معتِقَةً) وخنثى لأنهما ليسا من أهل المعاضدة.
(ومن لا عاقلة له، أو) كان (له) عاقلة (وعجزت) عن جميع ما وجب بخطئِهِ أو تتمَّتِهِ، (فلا ديةَ عليه. وتكون في بيت المال) حالَّةً، إن كان مسلماً. وإن كان كافراً كان الواجب أو تتمته عليه (٢). (كديةِ من ماتَ في زحمةٍ كجمعةٍ و) زحمةِ (طوافٍ).
(فإن تعذّر الأخذ منه) أي من بيت المال (سقطت).
стр. 819
باب كفّارة القتل
سميت بذلك أخذاً من الكَفْرِ، بفتح الكاف، وهو السَّتْرُ، لأنها تغطي الذنب وتستره.
(ولا كفّارةَ في) القتل (العمدِ) المحضِ. (وتجب) الكفارة (فيما دونه). قال في الإِقناع وشرحه: من قَتَل نفساً محرّمةً، أو شارك فيها، أو نَفْسَهُ، أو قِنَّهُ، أو مستأمناً، أو معاهَداً (١)، خطأً أو ما جرى مجراه، أو شبهَ عمدٍ، أو قَتَلَ بسببٍ في حياته، أو بعد موته، كحفرِ بئرٍ، ونَصْبِ سكّينٍ، وشهادةِ زورٍ، لا في قتلِ عمدٍ محضٍ، ولا في قتل أسيرٍ حربيٍّ يمكنه أن يأتي به الإِمام، فقتله قبله، ولا في قتل نساء حربِ وذريتهم، ولا في قتل من لم تبلغه الدعوة، إن وُجِدَ كفّارةٌ كاملةٌ في ماله. انتهى. (في مال القاتلِ لنفسٍ محرّمة. ولو) كانَ المقتولُ (جنيناً) كما لو ضربَ بَطْنَ امرأةٍ فألقت جنيناً مَيْتاً، أو حيًّا ثم مات، لأنه قتل نفساً محرّمة أشبه قتل الآدمي بالمباشرة.
стр. 820
ولا كفارة بإلقاء مضغة لم تتصوّر.
(ويكفّر الرقيق بالصوم،) لأنه لا ملك له.
(و) يكفّر (الكافر بالعتق).
(ويكفّر غيرهما) أي غير الرقيقِ والكافرِ (بعتقِ رقبةٍ مؤمنةٍ) سليمة. وتَقَدَّم.
(فإن لم يجد) رقبةً (فـ) يلزمه (صيامُ شهرين متتابعين).
(ولا إطعام هنا) أي في كفارة القتل.
(وتتعدَّدُ الكفارة بتعدّد المقتول) فعلى من قتل اثنينِ كفارتان، وعلى من قتل ثلاثةً ثلاثُ كفّارات. وهكذا. لأنّ كل قتلٍ يقوم بنفسه غيرَ متعلّقٍ بغيره، فوجب أن يكون في كل قتلٍ كفارةٌ، كما يجب في كل قتلٍ ديةٌ، وكما يجب في كل قتلِ صيدٍ جزاءٌ. وتقدَّم.
(ولا كفارةَ على من قَتَل من يباحُ قتلُه كزانٍ محصَنٍ ومرتدٍّ، وحربيٍّ وباغٍ وقصاصٍ ودفعاً عن نفسه) لأن قتل هؤلاء لا يحرم.
стр. 821
كتَاب الحُدود
وهو جمع حدٍّ. والحدّ لغةً: المنع. وحدود الله تعالي مَحَارِمُه، لقوله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾.
وهي ما حدّه وقدّره، فلا يجوزُ أن تُتَعَدَّى، كتزويجِ أربعٍ ونحوِهِ، وما حده الشرع فلا يجوز فيه الزيادة والنقصان.
قال في المنتهى: وهو في عرف أهل الشرع: عقوبةٌ مقدّرة شرعاً في معصيةٍ لتمنع من الوقوع في مثلها. انتهى.
(لا حدّ إلاَّ على مكلّفٍ) وهو البالغ العاقل، لأنه إذا سَقَطَ عن غيرِ البالغ العاقل التكليفُ في العبادات، والإِثمُ في المعاصي، فالحدُّ المبنيُّ على الدرء بالشبهاتِ أولى.
لكن إن كان المجنونُ يفيقُ في وقتٍ، فأقَرَّ فيه أنه زنى في حال إفاقته أُخِذَ بما أقرّ به، وحُدَّ. أما لو أقرّ أنه زنى، ولم يضِفْهُ إلى حالٍ، أو شهدَتْ عليه بيّنة أنه زنى ولم تُضِفْهُ إلى حالِ إفاقته، فلا حدَّ، للاحتمال.
وكذا لا يجب على نائمٍ ونائمةٍ.
ولا يجبُ الحدُّ أيضاً إلا على (ملتزم) أحكامَ المسلمين، ليخرج الحربيُّ والمستأمن. أما الذميّ فهو داخل في ذلك.
стр. 822
ولا يجب أيضاً إلا على (عالم بالتحريم) قال عمر وعثمان وعلي رضي الله تعالى عنهم: لا حدّ إلا على من علمه. ولا فرق في ذلك بين جهله تحريمَ الزنا. وتحريمَ عينِ المرأة، مثل أن تُزَفَّ إليه غير زوجته، فيظنها امرأته، فيطأها، أو تدفع إليه جاريةُ غيرِهِ فيتركها مع جواريه، ثم يطؤها ظانًّا أنها من جواريه التي يملكهنّ، فلا يجب عليه حدٌّ بذلك.
(وتحرُمُ الشَّفَاعَةُ وقبولها في حدّ اللَهِ) سبحانه و (تعالى بعد أن يبلغَ) أي يثبت عند (الإِمام). قال في المستوعب: ولا يجوز للِإمام أن يقبلَ شفاعةً فيما هو حق الله من الحدود، ولا يعفوَ عنه. وحَرُمت الشفاعة لكونها طلبَ فعلٍ يحرم على من طلبه منه.
(وتجب إقامة الحدّ، ولو كان من يقيمه شريكاً) أو عوناً (في) تلك (المعصية) قاله الشيخ. واحتجّ بما ذكره العلماء من أصحابنا وغيرهم: أنّ الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، لا يسقط بذلك، بل عليه أن يأمر وينهى، ولا يجمع بين معصيتين.
(ولا يقيمه إلا الإِمام أو نائبه) سواء كان الحدّ لله تعالى، كحدّ الزنا، أو لآدمي، كحدّ القذف، لأنه استيفاء حقٍّ يفتقر إلى الاجتهاد، ولا يؤمَنُ من استيفائِهِ الحيْفُ، فوجب تفويضه إلى نائب الله تعالى في خلقه (١). ولأن النبي ﷺ عَدَد الشفْعِ والوِتر (٢) كانَ يقيمُ الحدَّ في حياتِهِ، وخلفاؤُه من بعده. ويقوم نائب الإِمام في ذلك مقامَهُ، لأن النبيّ ﷺ قال: "واغْدُ يا أُنَيْسُ -لرجل من أسلم- إلى امرأةِ هذا، فإن
стр. 823
اعترفتْ فارجُمْها" (١). وأَمَرَ أيضاً برجْمِ ماعزٍ (٢) ولم يحضره. (و) إلا (السيّد) الحرّ المكلف العالم بإقامة الحدّ، وبشروطه (على رقيقِهِ) ولو كان السيِّدُ فاسقاً أو امرأةً، بجلدٍ، وإقامةِ تعزيرٍ ما لم تكن الأمة مزوّجةً.
(وتحرم إقامتُه) أي إقامةُ الحد (في المسجد) لأنه لا يؤمَنُ أن يَحْدُثَ من المحدود شيء يتلوث به المسجد.
فإن أقيم فيه لم يُعَدْ، لحصول المقصود بالإِقامةِ، وهو الزَّجر.
(وأَشَدُّهُ) أي أشدّ الجلدِ في الحدود (جلدُ الزِّنا، فـ) جلد (القذْف، فـ) جلدُ (الشُّرب،) نصّ على ذلك، (فـ) جلدُ (التعزير لأن الله تعالى خصّ الزنا بمزيد تأكيد, بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفْةٌ فِي دِينِ اللهِ﴾ فاقتضى مزيدَ تأكيدٍ. ولا يمكن ذلك في العدد. فيكون في الصفة. ولأن ما دونه أخفُّ منه في العددِ، فلا يجوز أن يزيد عليه في إيلامه ووجعِهِ. وهذا دليل على أن ما خفّ في عدده كان أخفّ في صفته.
[صفة إقامة الحد]
(ويضرب الرجلُ) الحدّ حال كونه (قائماً) على الأصحّ، لأن قيامه وسيلة إلى إعطاء كلِ عضوٍ حظّه من الضرب، (بالسوط)، قال في شرح المهذب للحنفية: السوط فوق القضيبِ ودونَ العصا. وقال في المبدع: ومن المختار لهم: بسوطٍ لا ثمرةَ لهَ، أي يابس (٣)، فتعيّن أن يكون من
стр. 824
غير الجلد. انتهى.
ولا يبالغ في الضرب بحيث يشق الجلد.
(ويجب) في الجلد (اتّقاءُ الوجه، و) اتقاء (الرأس، و) اتقاء (الفرج، و) اتقاء (المقتل) كالفؤاد والخصيتين، لأنه ربما أدّى ضربه في شيء من هذه الأعضاء إلى قتله أو ذهاب منفعته. والمقصود أدبه لا غيره.
(وتضرب المرأة) لحدّ حال كونها (جالسةً) لقول عليّ كرّم الله وجهه: تضرَبُ المرأة جالسةً، والرجل قائماً.
(وتُشَدُّ عليها ثيابُها، وتمسَكُ يداها) لئلا تنكشف، لأن المرأة عورة، وفعل ذلك أستر لها.
(ويحرم بعد) إقامة (الحد حبسٌ وإيذاءٌ بكلامٍ) أي أن يُحْبَس المحدود. نص عليه. أو يؤذى بكلامٍ، كالتعيير، على كلامِ القاضي.
[الحد وإسقاط الإِثم]
(والحدُّ) المقدَّر في ذنبٍ (كفارةٌ لذلك الذنب) نص عليه. (ومن أتى حدًّا سَتَرَ نفسَهُ ولم يُسَنَّ أَن يُقِرَّ به عند الحاكم) نَقَل مُهَنَّا في رجلٍ زنى، فذهب ليقرّ: قال (١): بل يستر نفسَهُ. واستحب القاضي إن شاعَ رَفْعَهُ إلى حاكم، ليقيمه عليه. قال ابن حامد: إن تعلّقت التوبةُ بظاهرٍ كالصَّلاةِ والزكاةِ أظْهَرَهَا للحاكِم، وإلاَّ أسرَّ.
[تداخل الحدود]
(وإن اجتمعت حدودٌ لله تعالى من جنسٍ) واحد، بأن زنى مراراً، أو سرق مراراً، أو شرب مراراً (تداخلت) فلا يُحَدُّ سوى مرةٍ. قال ابن
стр. 825
المنذر: أجمع على هذا كلُّ من يحفظ عنه من أهل العلم. وذلك لأنّ الغرض الزجر عن إتيان مثلِ ذلِكَ في المستقبل، وهو حاصِلٌ بالحدّ الواحِدِ، لأن الواجِبَ هنا من جنس واحد، فوجَبَ التداخُلُ، كالكفّارات من جنسٍ واحدٍ.
(و) إن اجتمعت حدودٌ لله تعالى (من أجناسٍ) ولم يكن فيها قتلٌ، كمن زنى وهو غيرُ محصن، وشَرِب الخمر (١)، وسرق (فلا) تتداخل، بل يجب أن يُبْدَأ بالأخفّ فالأخف، فيحدّ للشرب أولاً، ثم يحدّ للزنا، ثم يُقْطَعُ للسَّرِقَة.
وإن كان فيها قتلٌ استوفي وحده.
وتستوفى حقوقُ الآدميِّ كلُّها سواء كان فيها قتلٌ أو لم يكن [ويبدأ بغيرِ قتلٍ بالأخف فالأخف، وجوباً]. (٢)
стр. 826
باب حَدّ الزّنَا
الزنا (هو فعلُ الفاحِشةِ في قُبلٍ أو دُبرٍ.)
وهو من أكبر الكبائر. وقد أجْمَعَ المسلمون على تحريمه، لقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَقْرَبُوا الزِّنَا إنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً﴾ (١) وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَهِ إِلَهاً آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بالحَقِّ وَلاَ يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ لَهُ العَذَابُ يَوْمَ القِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾.
(فإذا زنى) المكلف (المحصنُ وجب رَجمه حتى يموت) لأنه ثبت عن النبي ﷺ الرجم، بقوله وفعله. في أخبار كثيرة. وأجمع عليه أصحاب رسول الله ﷺ .
(والمحصَنُ هو من وَطِئَ زوجته في قُبُلِها بنكاحٍ صحيحٍ) ولو كتابيّةً، ولو في حيضٍ، أو صومٍ، أو إحرامٍ، أو في المسجد، أو في النفاس، (وهما) أي الزوجان (حرّان مكلَّفَانِ) ولو ذميين أو مستأمِنَيْنِ حالَ الوطءِ.
إذا علمتَ ذلك فيشترط للإِحصان سبعة شروط:
стр. 827
أحدها: الوطءُ في القبل.
الثاني: أن يكون الوطء في نكاح. ولا خلاف بين أهل العلم في أن وطءَ الزنا والشُّبْهَةِ والتّسري لا يصيرُ به الواطئُ محصناً.
الثالث: أن يكونَ النكاحُ صحيحا ًوفاقاً لمالكٍ والشافعي.
الرابع: الحرية.
الخامس: البلوغ.
السادس: العقل.
السابع: أن يوجد الكمال في الزوجين حال الوطء، بأن يطأ الزوجُ العاقل الحرُّ زوجتَه العاقلة الحرة.
وأما الإِسلام فليس بشرطٍ للإِحصان على الأصح.
(وإن زنى الحرّ غيرُ المحصنِ جُلِدَ مائةَ جلدةٍ) بلا خلاف، (وغُرِّبَ عاماً) إلى مسافةِ قصرٍ سواء كان الزاني مسلماً أو كافراً، لأنه حدٌّ ترتَّب على الزنا، فوجب على الكافر، كوجوب القود في القتل، والقطعِ في السرقة.
(وإن زنى الرقيق) أي كاملُ الرقّ (جُلد خمسين) جلدةً، لقوله تعالى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى المُحْصَنَاتِ مِنَ العَذَابِ﴾ والعذاب المذكور في القرآن مائةُ جلدةٍ لا غير. فينصرف التنصيف إليه، دون غيره، بدليل أنه لا ينصرف إلى تنصيفِ الرجم، لتعذر تنصيفه.
(ولا يغرّب) لأن التغريب في حق القن عقوبةٌ لسيّده دونه، لأنه غريبٌ في موضعه، ويترفّه، أي يتنعم، بتغريبه من الخدمة، ويتضرّر سيّدُهُ بتفويتِ خِدمتِهِ والإِنفاق عليه، مع بعده عنه، فيصيرُ الحد مشروعاً في حقّ غير الزاني، والضرر على غير الجاني.
والمبعَّض يُجْلَد ويغرَّب بحسابه.
стр. 828
(وإن زنى الذمي بمسلمةٍ قُتِلَ) لأنه انتقض عهدُه. وتقدم في الجهاد.
(وإن زنى الحربيّ فلا شيء عليه) من جهة الزنا، لأنه مُهْدَرُ الدم، ولأنه غير ملتزِم للأحكام.
(وإن زنى) المحصَنُ بغير المحصنةِ (فلكلٍّ) من المحصن وغيره (حدُّه).
(ومن زنى ببهيمةٍ) ولو سمكةً (عُزِّر) فقط، وقُتلَتْ، لكن لا تقتل إلا بالشهادة على فعله بها إن لم يكن يملكها.
ويحرُم أكلُها، فيضمنها بقيمتها كاملةً.
(وشرط وجوب الحد ثلاثةٌ):
(أحدها: تغييب الحشفة) الأصلية، ولو كانت من خصيٍّ، (أو) تغييبُ (قدرها) أي قدر الحشفة لعدم وجود الحشفة، (في فرجٍ أصليٍّ، أو دُبُرٍ لآدميٍّ حيٍّ)، فقوله "تغييب" احترازٌ ممن لم يغيِّبْ، كأن أصاب بذكره بابَ الفرْجِ. وقوله "الحشفة" احترازاً عمن غيّبَ بعضَها فإن ذلك لا يسمّى زنا، إذ الوطء لا يتم بدون تغييب جميع الحشفة، لأنه القدر الذي تثبتُ به أحكامُ الوطءِ في القُبُل وغيرِهِ. وقوله: "أو دبر" ليدخل اللّواط ووطءُ المرأة في الدبر، لأنه فاحشة.
وعُلِمَ مما تقدّم أنّ من وطئَ أجنبيَّةً لا تحلُّ له دون الفرْجِ، لم يلزمْه حدّ.
(الثاني) من شروط حد الزنا: (انتفاء الشبهةِ) فلو وطئ زوجتَهُ في حيض، أو نفاس، أو أمته المحرَّمَةَ أبداً برضاعٍ أو غيرِهِ، أو المزوَّجَةَ، أو المعتَدَّةَ، أو أمةً له، أو لمكاتَبِهِ، أو لبيتِ المال فيها شِرْكٌ، أو في نكاحٍ، أو ملكٍ مختَلَفٍ فيه، وهو يعتقد تحريمه، أو امرأةً وجدَهَا على
стр. 829
فراشه، أو في منزله ظنّها زوجتَهُ أو أَمَتَهُ فلا حدّ عليه.
(الثالث) من شروط حد الزنا: (ثبوتُه) أي ثبوت الزنا. وله صورتان:
أشار للأولى بقوله: (إما بإقرارٍ) من مكلّف (أربعَ مراتٍ) ولو كان الاعترافُ في مجالس، لأن ماعزاً أقرّ عندَه [ ﷺ ] أربعاً في مجلس واحدٍ، والغامديّة أقرت عنده بذلك في مجالس (١) (و) يعتبرُ أن (يستمرّ على إقراره) حتى يتمّ الحدّ، لأن من شرط إقامة الحدّ بالإِقرار البقاء عليه إلى تمام الحدّ.
وأشار للثانية بقوله: (أو بشهادةِ أربعةِ رجالٍ عدول) في مجلسٍ واحد، ولو جاؤوا متفرقين، بزنا، واحد ويصفونه.
ويعتبر في ثبوته بالشهادة عليه خمسةُ شروط:
الشرط الأول: أن يكون الشهود أربعة.
الثاني: أن يكونوا رجالاً كلهم.
الثالث: أن يكونوا عدولاً، فلا تقبل شهادة مستور الحال، لجواز أن يكون فاسقاً.
الرابع: أن يشهدوا في مجلسٍ واحد.
الخامس: أن يصف الشهودُ صورَة الزّنا، فيقولون: رأينا ذكره في فرجها كالمِرْوَد في المكحلة.
(فإن كان أحدهم غير عدلٍ، حُدُّوا للقذف) كلهم.
(وإن شهد أربعةٌ بزناه) أي بزنا فلانٍ (بفلانَةَ، فشهد أربعة آخرون أن الشهود) الأربعة (هم الزناة بها) دون من شهدوا عليه، (صُدِّقوا) ولم يُحَدَّ الرجلُ المشهودُ عليه، لأن الشهود الآخرين قدحوا فيمن شهد عليه.
стр. 830
ولهذا قال: (وحُدَّ الأولون فقط) أي دون من شهدوا عليهما من فلان وفلانة (١)، (للقذف، والزنا،) لأن الزنا ثبت عليهم بشهادةِ الآخَرين، فوجب الحدُّ عليهم لذلك، ويجب عليهم حدّ القذف لأنهم شهدوا بزناً لم يثبت.
(وإن حَمَلَتْ من) أي امرأة (لا زوجَ لها، ولا سيّد لم يلزمْهَا شيْءٌ) ولا يجب أن تُسْأل، لأن في سؤالها عن ذلك إشاعة للفاحشة، وذلك منهيّ عنه. فإن ادَّعت أنها أُكرهت، أو وطئتْ بشبهةٍ، أو لم تعترف بالزنا لم تحدّ.
стр. 831
باب حَدّ القَذف
وهو الرمي بزنا أو لواطٍ، أو شهادةٌ بأحدهما ولم تكمل البينة.
(مَنْ قذفَ غيره بالزنا حُدَّ للقذفِ ثمانين إن كان حُرًّا؛ و) حُدّ للقذف (أربعين إن كان رقيقاً) وبالحساب إن كان مبعّضاً.
(وإنما يجب) الحد (بشروطٍ تسعة):
(أربعة: منها) أي من التسعة (في القاذف، وهو: أن يكون بالغاً، عاقلاً،) قال في الإِقناع: وإن كان القاذفُ مجنوناً، أو مُبَرْسَماً، أو نائِماً، أو صغيراً، فلا حدّ عليه، بخلافِ السكران، (مختاراً) أي غير مكره، (ليس بوالدٍ للمقذوف وإن عَلَا) يعني أنه لا يجب حد قذفٍ على من قَذَف ولده، أو ولدَ ولدِهِ، أو ولدَ ابنتِه، أو بنت ابنته، وإن سفل أو سفلت، كقودٍ.
(وخمسة في المقذوف، وهو: كونه حرًّا، مسلماً، عاقلاً، عفيفاً عن الزنا) ظاهراً، (يوطَأُ ويطأ مثله،) وهو ابن عشر، وبنتُ تسعٍ، فأكثر.
أما اعتبار الحرية والإِسلام فلأن العبد والكافر حرمتهما ناقصة، فلا تنهض لِإيجاب الحدّ. والآية الكريمة (١) وردَتْ في الحرّة المسلمة،
стр. 832
وغيرها ليس في معناها.
وأما العقل فلأنّ المجنون لا يُعيَّر بالزنا، لعدم تكليفه. وغيرُ العاقل لا يلحقُه شي بإضافة الزنا إليه، لكونه غيرَ مكلّف.
وأما العفة عن الزنا فلأن غيرَ العفيفِ لا يشينه القذف، والحدُّ إنما وجَبَ لأجل ذلك. وقد أسقط الله ﵎ الحد عن القاذف إذا كان له بينة بما قال.
وأما كونُه يجامِعُ مثلُه، فلأن مَنْ دونَهُ لا يعيّر بالقذف، لتحقّق كذب القاذف.
ولا يشترَطُ في المحصَنِ العدالةُ، فلو كان فاسقاً لشربه الخمر، أو لبدعةٍ، ولم يُعْرَفْ بالزنا، وجب الحد على قاذفه.
(لكن لا يحدّ قاذف غير البالغ حتى يبلُغَ) ويطالِبَ به بعد بلوغه، (لأن الحقّ في حد القذف للآدميّ) أي المقذوف (فلا يقام بلا طلبه) أي طلب المقذوف، ولأنّ مطالبته قبل البلوغ لا توجب الحدّ لعدم اعتبار كلامه، وليس لوليه المطالبةُ عنهُ لأنه حقٌّ شرعيٌّ ثَبَتَ للتشفّي، فلم يقم غيره مقامه في استيفائه، كالقصاص، فإذا بلَغَ وطَلَبَ أُقيمَ حينئذٍ.
(ومن قَذَفَ غيرَ محصنٍ عُزِّر) والمحصن هو الذي اجتمعت فيه الشروط الخمسة المتقدمة.
(ويثبت الحدّ هنا) أي في القذف، (وفي الشرب، وفي التعزير بأحد أمرين: إما بإقراره مرةً، أو شهادةِ) رجلَيْنِ (عدلين.)
стр. 833
فصل [فيما يسقط به حدّ القذف]
(ويسقط حد القذف بأربعة) أشياء:
(بعفوِ المقذوف) ولو بعد طَلَبِ، لا عَنْ بعضِهِ، كما لو كان المقذوف جماعةً بكلمةٍ، فإن عليه حدًّا واحداً لجميعِهِم. ولكل واحد منهمْ حقٌّ في طلب إقامته. فلو كانوا خمسةً مثلاً وعفا أحدهم عن حقه، لم يسقط حقّ الأربعة الباقين. فلو طلب أحدهم حقَّهُ، فلما جُلِدَ عشرين، قال: عفوت عن باقي الحد، لم يسقط حقّ الثلاثة الباقين من تتمته فلو طلبها أحدُ الثلاثة الباقين، فلما جُلِدَ عشرين أخرى قال: عفوتُ عن باقي الحدّ لم يسقط حق الاثنين الباقيين من تتمة الحد. فلو طلبها أحدهما، فلما جلد عشرين، قال: عفوت عن تتمته لم يسقط حق الواحد الباقي، فله طلب جلد العشرين الباقية من الثمانين. ولهذا لا يسقط بالمصالحة عليه، ولا عن بعضه بمال. وهذا بخلاف عفوِ بعض مستحقّي القود عن حقه، فإنه يسقط بذلك حق باقيهم.
(أو بتصديقه) أي بتصديق المقذوف للقاذف.
(أو بإقامة البينة) بما قذفه به.
(أو باللعان) وتقدم.
(والقذفُ حرامٌ، وواجبٌ، ومباحٌ).
(ويحرم فيما تقدم،) وهو من الكبائر.
(ويجب) القذفُ (على من يرى زوجتَهُ تزني، ثم تلدُ ولداً يقوى في ظنّه أنه من الزاني، لشبهه به،) أي لكون الولدِ يشبهُ الزاني.
(ويباح) قذفُها (إذا رآها تزني ولم تلد ما يلزمه نفيُهُ)، أو يستفيضُ زناها في الناسِ، (أو أخبره بزناها ثقة، أو يرى الزوجُ رجلاً يعرَفُ
стр. 834
بالفجور يدخل إليها، زاد في الترغيب: خلوةً.
(وفراقها أولى) من قذفها لأنه أستر، ولأن قذفها يلزم منه أن يحلفَ أحدُهما كاذباً، أو تقرّ فتفتضح.
فصل [في ألفاظ القذف]
والقذف تنقسم ألفاظه إلى صريح وكناية.
(وصريحُ القذفِ) للمرأة: (يا منيوكة) إن لم يفسّرْهُ القاذفُ بفعلِ زوجٍ أو سيّد، وللذكر: (يا منيوك، يا زاني، يا عاهر) أو: قد زنيت، أو: زنى فرجك، ونحوه. أو قال له: (يا لوطيّ.)
فإن قالَ: أردْتُ زاني العين، أو عاهر اليد، أو: أنك من قوم لوطٍ، أو: أنك تعمل عملهم غير إتيان الذكور، لم يقبلْ، لأن القذف بما تقدم صريح، (و: لستَ ولدَ فلانٍ،) أو: لسْتَ لأبيك، (فَقَذْفٌ لأمِّهِ) أيْ أم المقول له ذلك، لأنه إذا وُلِدَ على فراشِ إنسانٍ، ونَفَى أن يكون منه، فقد أثبت الزنا على أمه، لأنه لا يخلو إما إن يكون من أبيه، أو من غيره، فإذا نفاه عن أبيه، فقد أثبته لغيره. والغير لا يمكن أن يحبلها في زوجيّةِ أبيه إلا من زنا، فيكون قاذفاً لها لذلك.
(وكنايته: زنتْ يداك، أو) زنت (رجلاك، أو) زنت (يدك، أو) زنت رجلك، (أو) زنى (بدنك.) لأن زنا هذه الأعضاء لا يوجب الحدّ.
ومن الكنايات: يا نظيف، يا عفيف، (يا مخنّثِ، يا قَحْبَةُ، يا فاجرة، يا خبيثة. أو يقول لزوجة شخص: قد فضحتِ زوجَكِ، وغطّيْتِ رأسِه،) أو نَكَّسْتِ رأسه، (وجعلْتِ له قروناً، وعلّقْتِ عليه أولاداً من غيره، وأفسدتِ فِراشَه،) ولعربيٍّ: يا نبطيّ. يا فارسيّ. يا روميّ. وقوله
стр. 835
لأحدهم: يا عربيّ. ولمن يخاصمه: يا حلالُ ابن الحلال، وما يَعْرِفُك الناس بالزنا. أو: ما أنا بزانٍ أو: ما أمّي بزانيةٍ. أو يسمع من يقذِفُ شخصاً، فيقول له: صدقْتَ. أو: صدقتَ فيما قلت، أو أخبرني فلان أنك زنيت، أو أشْهَدَني فلانٌ أنَّك زنيتَ، وكذّبه فلان.
(فإن أراد بهذه الألفاظ حقيقةَ الزِّنا حُدّ) للقذف، (وإلا،) بأن قال: أردتُ بالنبطيِّ نبطيَّ اللسانِ، وبالفارسيّ فارسيّ الطبع، وبقولي الروميّ روميِّ الخِلقة، وبقولي لها: أفسدتِ فراشَهُ أي أَحْرَقْتِيه، أو أَتْلفتِيهِ، وبقولي: علّقْتِ عليه أولاداً من غيره، أي؛ التقطْتِ ولداً وذكرتِ أنه ولده، وبقولي: مخنّث أَنه فيه طباع التأنيث، وهو التشبّه بالنساء، ونحو ذلك. قُبِل، و (عُزِّر) نقله حنبل.
[قذف جماعة بكلمة]
(ومن قذف أهل بلدةٍ، أو) قذف (جماعةً لا يتصوّر الزنا منهم عادةً) عُزِّر، لأنه لا عار على المقذوف بذلك، للقطعِ بِكَذِبِ القاذف، و (لا حدّ) عليه.
ومن قالَ لمكلفٍ: اقذفْني، فقَذَفَهُ، لم يُحَدَّ، لأنه حق له، وعُزِّرَ، لأن ذلك محرم.
(وإن كان يُتَصَوَّرُ الزنا منهم عادةً، وقَذَفَ كل واحدٍ بكلمةٍ، فعليه لكل واحدٍ حدّ) لأنه قد تعدّد القذف، وتعدّد مَحَلُّه، فتعدد الحد بتعدّده.
(وإن كان إجمالاً) أي بكلمةٍ واحدةٍ، فإن قال: هؤلاء: زناة، فطالبوه جميعهم، أو طالبه أحدهم (فـ) عليهِ (حدٌّ واحِدٌ) لقوله ﵎: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ ولم يفرّق بين القذف لواحدٍ أو لجماعة، لأنه قذفٌ واحد، فلم يجب فيه إلا حد واحد.
стр. 836
باب حَدّ المُسكِر
يعني الذي ينشأ عنه السكر.
والسُّكْرُ اختلاطُ العقل.
وكلُّ مسكرٍ خمرٌ، يحرُم شربُ قليلِهِ وكثيره مطلقاً، ولو لعطَشٍ بخلافِ ماءٍ نجسٍ.
(من شرب مسكراً مائعاً) أو شرب ما خُلِطَ به ولم يُسْتَهلكْ فيه، (أو اسْتَعَطَ بِهِ،) أي بالمسكر، (أو احتقَنَ) به، (أو أكل عجيناً ملتوتاً به، ولو لم يسكر، حُدَّ ثمانين) جلدة (إن كان حرًّا) قال في الإِنصاف: هذا المذهب، وعلمِه جماهير الأصحاب. انتهى. رُوِيَ أن عَلِيًّا قال في المشورة: إنه إذا سَكِرَ هَذَى، وإذا هذى افترى، فَحُدُّوهُ حدّ المفتري. روى ذلك الجُوزَجَاني والدارقطني، وغيرهما، (و) حدَّ (أربعين إن كان رقيقاً) ويستوي في ذلك العبدُ والأمة. فيقامُ الحدّ على كل من الحرِّ والرقيق، ولو ادّعى جهل وجوب الحد، (بشرطِ كونه) أي الشارب ونحوه (مسلماً مكلّفاً) ليخرج الصغيرُ والمجنونُ حال كون مستعمله (مختاراً) لشربه لأنّه إذا لم يكن مختاراً لشُربه لا إثم عليه، لحلِّه، لأنه مكره على شربه، سواءٌ أُكْرِهَ بالضرب، أو أُلْجِئَ إلى شربه، بأن فُتِحَ فمه وصبُّ فيه، (عالماً أن كثيره يسكر) وُيصَدَّقُ إن قال: لم أعلم.
стр. 837
(ومن تَشبَّهَ بشرّاب الخمر) جمع شارب (في مجلسه، وآنيته) وحاضَرَ من حاضَرَهُ بمحاضِرِ الشراب، (حَرُمَ، وعُزِّرَ) قاله في الرعاية.
(ويحرُم العصيرُ إذا أتى عليه ثلاثةُ أيامٍ) بلياليهن، وإن لم يغلِ، قال في الفروع: والمنصوص: يحرُمُ ما تمَّ له ثلاثةُ أيام، انتهى، (ولم يطبخ) قبل ذلك.
قال في المنتهى: وإن طُبِخَ قبل تحريمه حلّ إن ذَهَب ثلثاه.
ويحرم العصير أيضاً إن غلى كغليان القِدْرِ، بأن قَذَفَ بِزَبَدِهِ. قال في شرح المنتهى: ظاهره: ولو لم يسكر.
стр. 838
باب التعزير
أصله المنع. ومنعه التعزيرُ بمعنى النُّصْرَة.
وفي عرف الفقهاء: التأديب.
(يجب) التعزير على كلّ مكلّفٍ على الأصحّ. نقل الميمونيّ فيمن زنى صغيراً: لم يَرَ عليه شيئاً. ونقل ابن منصور في صبي قال لرجل: يا زاني: ليس قولُه شيئاً (١) - (في كل معصيةٍ لا حدّ فيها ولا كفّارةٍ) كمباشرةٍ دون الفرج، وامرأةٍ لامرأةٍ، وسرقةٍ لا قَطْعَ فيها، وجنايةٍ لا قَوَدَ فيها، كصفعٍ، وكلعْنِهِ، وليس لمن لُعِنَ ردُّها على من لعنه.
(وهو) أي التعزير (من حقوقِ الله تعالى، لا يُحتاجُ في إقامته) أي التعزير (إلى مطالبةٍ) لأنه شُرِعَ للتأديب، فللإِمام التعزيرُ إذا رآه. وأما سقوط التعزير بعفوِ المجنيّ عليه ففيه خلاف. قال القاضي في "الأحكام السلطانية": ويسقط بعفوِ آدميٍّ حقُّهُ وحقُّ السلطنة. وفيه احتمال: لا، للتهذيب والتقويم. وفي "الانتصار": في قذفِ مسلمٍ كافراً التعزير لله تعالى، فلا يسقط بإسقاطه انتهى، (إلا إذا شَتَم الوَلَدُ والِدَهُ فلا يعزّر إلا بمطالبةِ والِدِه.)
стр. 839
(ولا يعزّر الوالد بحقوقِ ولدِهِ) قال في الإِقناع: قال في الأحكام السلطانية: إذا تشاتم والد وولده لم يعزّر الوالد بحقوق ولده ويعزّر الولد لحقِّه. ولا يجوز تعزيرُه إلا بمطالبةِ الوالدِ، ولا يحتاج التعزير إلى مطالبةٍ في غير هذه. وإن تشاتَمَ غيرُهما عزِّرا. قال الشيخ: ومن غَضبَ فقال: ما نحن مسلمون، إن أراد ذمّ نفسه لنقصِ دينِهِ، فلا حرج فيه ولا عقوبة. انتهى.
(ولا يزاد في جلدِ التّعزير على عشْرَةٍ أسواطٍ) وهو قول إسحاق، (إلا إذا وطئَ أمةً له فيها شِرْكٌ، فيعزّر بمائةِ سوطٍ إلا سوطاً) بما روى الأثرم عن سعيد بن المسيب أن عمر ﵁ قال في أمةٍ بين رجلين وطئها أحدهما: يجلد الحدّ إلا سوطاً واحتجّ به أحمد ﵁؛ (و) إلا (إذا شرب مسكراً نهارَ رمضان فيعزّر بعشرينَ مع الحدّ) لما روى أحمد بإسناده أن عليًّا رضي الله تعالى عنه أُتِيَ بالنجاشيّ قد شَرِبَ خمراً في رمضان، فجلده ثمانين الحدَّ، وعشرين سوطاً لفطره في رمضان (١).
[أنواع من التعزير]
(ولا بأس بتسويدِ وجهِ من يستحقَّ التعزير، والمناداةِ عليه بذنبه،) ويطافُ به مع ضربه. قال الإِمام أحمد في شاهد الزور: فيه عن عمر: يضرَبُ ظهرُه، ويحلَقُ رأسه، ويسخَّمُ وجهه، ويطافُ به، ويطال حبسه.
(ويحرُم حلق لِحْيَتِهِ،) وقطْعُ طَرَفِهِ، وجَرْحُهُ، (وأَخْذُ ماله) أو إتلافه. قال في الإِنصاف: قال الأصحاب: ولا يجوز قطع شيء منهُ، ولا جرحه، ولا أخذُ شيء من ماله. قال في الفروع: فيتوجَّهُ أنّ إتلافه أولى، مع أنّ ظاهر كلامهم: لا يجوز، انتهى.
стр. 840
فصل
ومن الألفاظِ الموجبةِ للتعزيرِ قوله لغيره: يا كافرُ. يا فاسق. يا فاجر. يا شقيّ. يا كلب. يا حمار. يا تيس. يا رافضي. يا خبيثَ) البطنِ، أو: يا خبيثَ الفرْج، أو: يا عدوَّ الله، أو: يا ظالم، (يا كذّاب، يا خائن) يا شارب الخمر، يا مخنّث. نصّ على ذلك (يا قَرْنانُ. يا قوّاد. يا ديوث) قال إبراهيم الحربي: الديّوث الذي يُدْخِلُ الرجال على امرأته، (يا عِلْقُ) وعند الشيخ تقي الدين أن قوله: يا علق، تعريضٌ. انتهى.
ومأبونٌ كمخنّثٍ عرفاً.
(ويعزّر من قال لذمِّيّ: يا حاجّ) لأن فيه تشبيهَ قاصِدِ الكنائِس بقاصِدِ بيت الله ، وفيه تعظيمٌ لذلك، فإنه بمنزلةِ من يشبه أعيادهم بأعياد المسلمين، وتعظيمهم، (أو لَعَنَهُ بغير موجِبٍ) قال في الفروع: لأنه ليس له أن يلعنه بغير موجب إلا أن يكون صَدَرَ من النصرانىِّ ما يقتضي ذلك. انتهى.
стр. 841
باب القطع في السَّرقة
(ويجب) القطعُ في السرقة (بثمانية شروط):
(أحدُها: السرقة) (١) لأن الله تعالى أوجب القطع على السارق، فإذا لم توجد السرقة لم يكن الفاعل سارقاً.
(وهي) أي السرقة (أخذُ مال الغير) أي غيرِ سارِقِه، بشرط كون المال محترماً (من مالكه أو من نائبه) أي نائب مالِكِ المال، ومن ذلك استراقُ السمع، ومسارقة النظر، إذا كان يستخفي بذلك (٢) (على وجه الاختفاء).
(فلا قطع على مُنْتَهِبٍ) وهو الذي يأخذ المال على وجه الغنيمة، (و) لا (مخْتَطِفٍ) وهو الذي يخطف الشيء ويمرّ به، (و) لا (خائنٍ في وديعة) وهو الذي يؤتَمَنُ على الشيء فيُخْفِيهِ أو يجحده. وأصله من التخوين، وهو التنقيصُ من مودَعٍ ونحوِهِ من الأمناء (لكن يُقْطع جاحِدُ العارية) إن كانت قيمتها نصاباً.
الشرط (الثاني: كون السارق مكلّفاً) لأن غير المكلف لا تناله
стр. 842
الأحكام، (مختاراً) لأن المكره مرفوعٌ عنه القلم ومعذور، (عالماً بأنّ ما سرقه يساوي نصاباً) قال في المنتهى وشرحه: عالماً بمسروقٍ، أي بأنه أخَذَ المسروقَ، عالماً بتحريمه. فلا قطع على صغيرٍ لم يبلغ، ولا على مجنونٍ، ولا على مكرهٍ، ولا بسرقة منديلٍ بطرفِهِ نصابٌ مشدود لم يعلمه، ولا بجوهرٍ يظن قيمته دون نصابٍ، ولا على جاهلِ تحريمِ السرقة.
الشرط (الثالث: كون المسروق مالاً) لأن ما ليس بمالٍ لا حرمة له، فلم يجب به قطعٌ. والأحاديث دالة على ذلك، مع أن غير المال لا يساوي المال، فلا يلحق به. لا يقال: الآية (١) مطلقة، لأن الأخبار مقيَّدة لها.
فعلى هذا لا يقطع بسرقةِ كلبٍ، وإن كان معلَّماً، لأنه ليس بمال، ولا بسرقة حُرٍّ، (لكن لا قطع بسرقة الماءِ) لأنه لا يُتَمَوَّل عادة، ولا بسرقة السَّرجينِ النجس، أي الزبل.
(ولا) قطع (بـ) سرقة (إناءٍ فيه خمر أو) فيه (ماءٌ) لأنها متصلة بما لا قطع فيه، فأشبه ما لو سرق شيئاً مشتركاً بينه وبين غيره. قال ابن شاقلا: فلو سرق إداوةً فيها ماء، لم يقطع لاتصالها بما لا قطع فيه، (ولا بسرقة مصحفٍ) لأن المقصود منه ما فيه من كلام الله تعالى، وهو مما لا يجوز أخذ العوض عنه، (ولا بـ) سرقة (ما عليه من حليٍّ) ككيسه، لأن ذلك تابع لما لا يُقْطَعُ بسرقته، (ولا) قطع (بـ) سرقة (كُتب بِدَعٍ، و) كتب (تصاوير) لأنها واجبة الإِتلاف، (ولا) بسرقة (آلة لهوٍ) كالطنبور والمزمار، ولو بلغت قيمته مكسوراً نصاباً، لأنه للمعصية، فلم يقطع
стр. 843
بسرقته، كالخمر، (ولابـ) سرقة (صليبٍ أو صَنَمٍ) من ذهبٍ أو فضة، تبعاً للصناعة، أشبه الأوتار التي بالطنبور.
الشرط (الرابع) من شروط وجوب القطع في السرقة: (كون المسروقِ نصاباً، وهو) أي النصاب الموجِبُ للقطع في السرقة (ثلاثةُ دراهم) خالصة، أو ثلاثةُ دراهم تَخْلُصْ من دراهم فضة مغشوشة، (أو ربعُ دينارٍ) من الذهب. فيكفي الوزن من الفضة الخالصة، أو التبر الخالص، ولو لم يُضْرَبَا. ويكمل أحدهما بالآخر (أو) سَرَقَ (ما يساوي أحدَهما) أي أحد نصابي الفضة أو الذهب من غيرهما.
(وتعتبر القيمةُ) أي قيمةُ المسروق، إذا لم يكن ذهباً أو فضة، بأحدهما (حال الإِخراج) من الحرز، لأن الاعتبار بحال السرقةِ، وهو وقتُ الوجوب، لوجود السبب فيه، وهو السرقة. فلا يعتبر ما حدث بعدَهُ، فلو نقص بعد إخراجه قُطِعَ، لا إن أتلفه بأكل أو غيره فيه، أو نَقَصَهُ بذبحٍ ثم أخرجه.
الشرط (الخامس) من شروط وجوب القطع في السرقة: (إخراجه) أي إخراج النصاب (من حرزٍ) على الأصحّ في قول أكثر أهل العلم، منهم مالكٌ والشافعيّ وأصحابُ الرأي.
(وعنه لا يشترط الحرز).
(فلو سرق) إنسانٌ (من غير حرزٍ) مثل أن يجد حرزاً مهتوكاً، أو باباً مفتوحاً، فيأخُذُ منه ما بلغ نصاباً، أوْ لا (فلا قطع) عليه لفواتِ شرطِهِ، كما لو أتلفه داخلَ الحرزِ بأكلٍ أو غيرِهِ، إلا أن عليه ضمانَهُ.
ومن أخرج بعض ثوبٍ، قيمة البعض المُخْرَجِ نصابٌ، قُطِعَ به إن قطعه، وإلا فلا.
(وحرز كلِّ مالٍ) يقطع السارق بسرقته منه (ما حُفِظَ فيه) ذلكَ
стр. 844
المال (عادةً) أي في العادة، لأن الحرز معناه الحفظ، ومنه قولك: احترزْتُ، أي تحفَظْتُ. ولمّا ثَبَتَ اعتبارُ الحرزِ بالشرع في موضعٍ اعتبره فيه من غير صفةٍ له، ولا فيه عرفٌ لغَوِي يتقرّر به, عُلِمَ أن المرجِعَ فيه إلى العرف بين الناس.
(فـ) حرزُ (نعلٍ برجلٍ) أي رجلِ من كان لابِسَهُ، (وعمامة على رأسٍ حرزٌ). وحرزُ جوهرٍ ونقدٍ وقماشٍ في العمران بدارٍ ودكْانٍ وراءَ غَلَقٍ وثيقٍ، والغَلَق اسمٌ للقُفْلِ، خشباً كان أو حديداً. وصندوقٌ بسوقٍ وثمّ حارسٌ حرز. وحرزُ بقلٍ وقدورِ باقلاّ وقدورِ طبخٍ، وحرزُ خَزَفٍ وثم حارسٌ وَرَاءَ الشرائج (١). وحرزُ حَطَبِ وخشب الحظائر. وحرز ماشيةٍ الصَّير (٢)، وفي مراعٍ براعٍ يراها غالَباً. وسفنٌ في شطٍّ بربطها. وإبلٌ باركة معقولةٌ بحافظٍ حتى نائمٍ. وحرز الإِبل الحاملة تقطيرها مع قائد يراها، ومع عدم تقطيرِها: بسائقٍ يراها. وحرزُ ثيابِ في حمّام، وحرزُ أعدالٍ بسوق، بحافظ كقعوده على متاعٍ وتوسُّدِهَ، وإن فرّطَ حافظُ الحمّام أو السوقِ فنامَ أو اشتغل فلا قطع. وضَمِنَ المسروقَ حافظٌ معدٌّ للحفظ، وإن لم يُسْتَحْفَظْ.
(ويختلف الحرز باختلاف البلدان) فإن البلد إذا كان واسع الأقطار غُلِّظَتْ أحرازه، لأنه لا يؤمن عليه إن سرق منه أحد، أنه لا يظهر، لِسَعَةِ رقعة البلد، وكثرةُ أهله، وإن كان صغيراً لم يحتج إلى ذلك، لأن السارق يُعْرَفُ فيه، فلا يحتاج إلى زيادة كلفة في منعه عن السرقة (و) يختلف (بـ) اختلاف عدل (السلاطين) وقوتهم وضدهما.
стр. 845
(ولو اشترك جماعةٌ في هتكِ الحرْز و) اشتركوا في (إخراج النصاب قطعوا جميعاً) لأنهم اشتركوا في هتك الحرز وإخراجه منه.
(وإن هَتَكَ الحرزَ أحدهما) فقط، (ودخل الآخر، فأخرج المال، فلا قطع عليهما) أي على واحد منهما، لأن الأول لم يسرق، والثاني لم يهتك الحرز، (ولو تواطآ) على ذلك، في الأصحِّ لأن التواطؤ على السرقة لا أثر له، لأنه لا فعل لواحدٍ منهما في الذي فعل الآخر، فلم يَبْقَ إلا القصدُ، والقصد إذا لم يقارنه الفعل لا يترتَّبُ عليه حكم، فيكون وجود القصد في ذلك كعدمه.
الشرط (السادس) من شروط وجوب القطع في السرقة: (انتفاء الشبهة، فلا قطع بسرقتِهِ من مال فروعِهِ وأصولهِ): أما سرقتُهُ من مال ولدِهِ، فلقوله ﷺ : "أنْتَ وَمَالُكَ لأبيكَ" (١)؛ وأما سرقته من مال أبيه أو جده، أو من مال أمه، أو جدته، أو من مال بنت ابنه أو ابن ابنته، علا الآباء، أو نزل الأبناء، فلأن بينهم قرابةً تمنع شهادةَ أحدِهِم لواحد منهم، فلم يقطع بالسرقة منه، كالسرقة من مال ابنه، ولأن النفقة تجب للابن في مال أبيه حفظاً له، فلا يجوز لأب إتلافُهُ حفظاً للمال (وزوجته) قال في المنتهى: ولا بسرقة زوج أو زوجة من مال الآخر ولو أحرز عنه.
(ولا) قطع على إنسان (بسرقته من مالٍ له فيه شِرْكٌ، أو لأحد ممن ذكر) من عمودي نسب السارق.
ولا قطع بسرقةِ مكاتَبٍ من مال مكاتِبِهِ، وعكسه، كقِنِّه.
الشرط (السابع) من شروطِ وجوب القطع في السرقة: (ثبوتها) أي ثبوت السرقة (إما بشهادة عدلين) لقوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رجَالِكُمْ﴾ وكان القياسُ قبولَ الاثنين في كل شهادةٍ، لكن خولف فيما