← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 96876

نيل المآرب بشرح دليل الطالب

ابن أبي تغلب

Полный текст (983 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

ومثّل للمعصية بقوله: (كشرْب خمرٍ، وصومِ يومِ العيدِ، ونحوه) كصوم يوم حيضٍ، أو نفاسٍ، أو أيَّامَ التشريق. (فيحرم الوفاء) بهذا النذر، لأن معصية الله تعالى لا تباح في حال من الأحوال. (ويكفرُ) من لم يفعله كفارة يمينٍ. (ويقضي الصومَ) غيرَ صوم يومِ حيضٍ. فمن نذر صومَ يومِ عيدٍ قضى يوماً. ومن نذر صومَ أيامِ التشريق قضى ثلاثة أيام. ولا يصوم يومَ العيدِ ولا أيام التشريق، لانعقاد نذره، فتصحّ منه القربة ويلغو تعيينه، لكونه معصيةً، كنذر مريضٍ صومَ يوم يُخاف عليه فيه، ينعقد نذره ويحرُم صومه. وكذا الصلاةُ في ثوب حريرٍ، والطلاقُ زمن الحيض، ونذرُ صوم ليلةِ العيدِ لا ينعقد، ولا كفَارة لأنها ليستْ زمناً للصوم. النوَع (السادس) من أنواع النذر الستة: (نذرُ تَبَرُّرٍ، كصلاة وصيامٍ، ولو واجبينِ، واعتكافٍ وصدقةٍ وحجٍّ وعمرةٍ) وعيادةِ مريضٍ وشهودِ جنازةٍ (بقصد التقرّب) من غيرِ أن يعلّق ذلك بشرطٍ (أو يعلّق ذلك بشرطِ حصولِ نعمةٍ) يرجوها (أو دفع نقمةٍ) يخافها، (كـ) قوله: (إن شَفَى الله مريضي، أو سَلِم مالي، فعليّ كذا). (فهذا) القسم (يجب الوفاء به) قال في شرح المنتهى بعد سياقِ عبارةِ المتْنِ: وعلم مما تقدّم أن نذر التبرر يتنوع ثلاثة أنواع: أحدها: إذا كان في مقابلةِ نعمة استجْلَبَها، أو نقمةٍ استدفعها، كقوله: إن شفى الله مريضي فللَّه علي صوم شهر. قال في المبدع: وكذا إن لم يكن كذلك، كطلوعِ الشمس وقدومِ الحاج. قاله في المستوعب. قال الشيخ تقي الدين فيمن قال: إن قَدِمَ فلانٌ أصومُ كذا: هذا نذرُ يجب الوفاء به مع القدرة، ولا أعلم فيه نزاعاً اهـ باختصار.

стр. 912

الثاني: التزام طاعةٍ من غير شرطٍ. كقوله ابتداء: لله عليّ صومُ شهر. فيلزم الوفاء به في قول أكثر أهل العلم. الثالث: نذرُ طاعةٍ لا أصل لها في الوجوب، كالاعتكافِ وعيادةِ المريض، فيلزم الوفاء به عند عامة أهل العلم لقوله ﷺ :"مَنْ نَذَرَ أن يطيع الله فليطعه" رواه البخاري: انتهى باختصار. تنبيه: يجوز إخراجُ ما نذره من الصدقة، وفعلُ ما نذره من الطاعة، قبل وجودِ شرطه المعلق عليه، لوجود سببه، وهو النذر، ككفارة اليمين. فائدة: قال الشيخ: النذْرُ للقبور، أو لأهلها، كالنذر لِإبراهيم الخليل ﵇، والشيخ فلانٍ، نَذْرُ معصيةٍ لا يجوز الوفاء به. وإن تصدق بما نذره من ذلك على من يستحقه من الفقراء والصالحين، كان خيراً له عند الله وأنفع. وقال: من نَذَرَ إسراج بئرٍ أو مقبرةٍ أو جبلٍ أو شجرةٍ؛ أو نَذَرَ لَهُ أو لسكّانه أو المضافين إلى ذلك المكان لم يجز، ولا يجوز الوفاء به، إجماعاً. ويصرف في المصالح، ما لم يُعْرَفُ ربه. ومن الحسن صرفه في نظيرِهِ من المشروع، وفي لزوم الكفارة خلاف. انتهى. فصل (ومن نذر صوم شهر معيّن) كشعبان، (لزمَهُ صومُهُ متتابعاً). (فإن أفطر لغير عذرٍ حرم) عليه الإِفطار، (ولزمه استئناف الصوم مع كفارة يمينٍ، لفوات المحلّ.) وإن صام قبل مجيء الشهرِ المعيّن لم يجزِهِ، كما لو صام شعبان عن رمضان الذي بعده.

стр. 913

(و) إن أفطر منه يوماً فأكثر (لعذرٍ بني) على ما مضى من صيامه. (ويكفّر لفوات التتابع). (ولو نَذَرَ شهراً) أي صوم شهرٍ (مطلقاً) يعني من غير تعيين الشهر، (أو) نَذَرَ (صوماً متتابعاً غير مقيد بزمنٍ لزمَهُ التتابع) في صومِهِ المطْلَقِ والمتتابع. (فإن أفطر لغير عذرٍ لزمه استئنافه) أي استئناف الصوم من أوله، (بلا كفارةٍ) لأنه فعل المنذور. (و) إن أفطر (لعذرٍ خُيِّر بين استئنافه) أي الصوم (ولا شيء عليه) أي لا كفارة عليه، (وبين البناء ويكفّر) لفوات التتابع، كفارةَ يمين. وإن نذر صلاةً فركعتان قائماً لقادر. (ولمن نَذر صلاةً جالساً أن يصليها قائماً) لأنه أتى بأفضل مما نذره.

стр. 914

كتَاب (القضَاء) والفتيا وهي تبيينُ الحكم الشرعيّ (١). ولا يلزم جوابُ ما لم يقعْ، ولا ما لا يحتمله سائل، ولا ما لا نفع فيه. والقضاءُ تبيينُهُ الحكمَ، والإلزامُ به، وفصل الخصومات. (وهو فرض كفايةٍ) لأن أمر الناس لا يستقيم بدونه، فكان واجباً، كالإمامة والجهاد. [تنصيب القضاة] (فيجب على الإِمام أن ينصبَ بكلِّ إقليم) بكسرة الهمزة أحد الأقاليم السبعة: أولها: الهند، الثاني: الحجاز، الثالث: مصر، الرابع: بابل، الخامس: الروم والشام، السادس: بلاد الترك، السابع: الصين. كذا رأيته بخط سيدي الشيخ عبد الباقي الحنبلي (٢). (قاضياً) لأن الإمام

стр. 915

لا يمكنه أن يتولّى الخصومات والنظر فيها في جميع البلدان، والخصوماتُ بين الناس تكثر، فوجب أن يرتَّب في كل إقليم من يتولّى فصل الخصومات لئلا يتوقف ذلك على السفر إلى الإِمام، فتضيع الحقوق في السفر إلى الإِمام من المشقة وكلفة النفقة. (و) يجب على الإِمام أيضاً أن (يختار لذلك) أي لنصب القضاء (أفضلَ من يجدُ علماً وورعاً) أي في العلم والورع، لأن الإِمام ناظرٌ للمسلمين، فيجب عليه اختيار الأصلح لهم، فيختار أفضلَهُمْ علماً، لأنه إنما يمكنه القضاء بين المترافعين مع العِلْم، لأن القضاء بالشيء فرع العلم به. والأفضل أولى من المفضول، لأنه أثبت وأمكن. وكذا كلّما كان ورعه أكثر كان سكون النفس فيما يحكم به أعظم، وكان من ترك التحرّي، والميلِ في جانب، أبعد. (ويأمره) عند ولايته (بالتقوى) لأنها رأس الدين. (و) يأمره أيضاً بـ (تحرّي العدل) وهو إعطاء الحق لمستحقه من غير ميل، وهذا هو المقصود من القضاءِ. ويأمره أن يستخلف في كل ناحية من نواحي عمله أفضل من يجد لهم. (وتصحّ ولايةُ القضاءِ، والإِمارةُ) كأميرِ جهادٍ ووكيل بيت المال (منجزةً) كوليتُك الحكمَ الآن (ومعلَّقةً) بشرط، كإن مات فلانٌ القاضي فقد وليت فلاناً عِوَضَهُ، وإن مات أميرُ جيشِ كذا ففلانٌ عوضه، فمات تعيّن المولّى باسمه موضعَهُ. (وشرط لصحة التوليةِ كونُها من إمامٍ، أو نائبه فيه) أي القضاء،

стр. 916

لأن ولاية القضاء من المصالح العامة، لا تجوزُ إلا من جهة الإِمام، كعقد الذمة. ولأن الإِمام صاحبُ الأمر والنهي، وهو واجب الطاعة، ومسموع الكلمة. وأنْ يعرِفَ الإِمام أو نائيُهُ أن المولّى صالح للقضاء، لأن الأصل العَدَمُ، فلا تجوز توليته مع العلم بعدم صلاحيته. (و) يشترط لصحة تولية القضاء أيضاً (أن يعيِّن له ما يوليّه فيه الحكمَ من عملٍ) وهو ما يجمع بلداناً وقُرًى متفرقةً، كالعراق ونواحيه، (وبلدٍ) كمكةَ والقاهرة، ليعلم محلّ ولايته فيحكم فيه، ولا يحكم في غيره. ومشافهتُهُ بها، أو مكاتبتُهُ، وإشهاد عدلين عليها، أو استفاضتُها، إذا كان بلدُ الإِمام من البلد الذي ولي فيه خمسة أيام فما دون، لا عدالة المولِّي بكسر اللام. (وألفاظ التوليةِ الصريحة سبعة): الأول: (وليتك الحكم.) الثاني: ما أشار إليه بقوله: (أو قَلَّدْتُكَهُ) أي الحكم. (و) الثالث: (فوضتُ) إليك الحكم. والرابع: ما أشار إليه بقوله: (أو رددت) إليك الحكم. الخامس: ما أشار إليه بقوله: (أو جعلت إليك الحكم. و) السادس: ما أشار إليه بقوله: (استخلفتك) في الحكم. والسابع: ما أشار إليه بقوله: (أو استَنَبْتُكَ في الحكم.) فإذا وجد أحد هذه الألفاظ السبعة، وقبِلَ مولىً حاضِرٌ بالمجلِسِ، أو غائبٌ عنه، أو شَرَعَ الغائب في العمل انعقدت. (والكناية) من ألفاظ التولية: نحو: (اعتمدتُ) عليك، (أو عوّلت عليك، أو: وَكّلْتُ) إليك، (أو: استندتُ إليك، لا تنعقد) الولاية (بها) أي بألفاظ الكناية (إلا بقرينةٍ، نحو: فاحكم، أو: فتولَّ ما عولتُ عليك

стр. 917

فيه،) لأن هذه الألفاظ تحتمل التوليةَ وغيرَها، من كونه يأخُذُ برأيه وغير ذلك، فلا تنصرف إلى التولية إلا بقرينةٍ تنفي الاحتمال. فصل (وتفيد ولايةُ الحكمِ العامةُ) وهي التي لم تختصّ بحالٍ دون حالٍ، النظرَ في الأشياء والإلزام بها، وهي: (فصلُ الخصوماتِ، وأخذُ الحق) ممن يجب عليه (ودفعُه للمستحق) . (والنظرُ في مال اليتيم) الذي لم يُقَمْ له وصي، (و) مالِ (السفيهِ، و) مالِ (الغائب) ما لم يكن له وكيل. (والحجَرُ لسفهٍ وفَلَسٍ). (والنظرُ في الأوقاف) التي في عمله (لتجري على شروطها). والنظرُ في مصالح طرق عمله وأفنيته. وتنفيذ الوصايا. (وتزويجُ من لا ولي لها) من النساء. وتصفُّح حالِ شهوده وأمنائه. وإقامة حد، وإقامة إمامة جمعةٍ وعيدٍ ما لم يخصّا بإمام. وجبايةُ خراجٍ وزكاةٍ ما لم يخصّا بعامل. (ولا يستفيدُ الاحتسابَ على الباعة) والمشترين، (ولا إلزامهم بالشرع.) وله طلب رزق من بيت المال لنفسه وأمنائه وخلفائه، حتى مع عدم حاجة. (و) إذا ولّاه في محلٍّ خاصٍّ (لا ينفذ حكمه في غيرِ محلّ عمله) فإذا أذنتْ له امرأةٌ في تزويجها وهي في عمله، فلم يزوّجها حتى خرجت من عمله، لم يصح.

стр. 918

فصل [في شروط القاضي] (ويشترط في القاضي عشر خصال): الأولى والثانية: (كونه بالغاً عاقلاً) لأن غير البالغ والعاقلِ تحت وِلاية غيره، فلا يكون ولياً على غيره. الثالثة: كونه (ذكراً) لأن القاضي يحضره محافلُ الخصومِ والرجال، ويحتاج فيه إلى كمالِ الرأيِ وتمام العقلِ والفطنةِ. والمرأةَ ناقصةُ العقل ضعيفةُ الرأي ليستْ أهلاً للحضور في محافل الرّجال، ولا تُقْبَلُ شهادتُها ولو كان معها ألفُ امرأةٍ، ما لم يكن معَهنَّ (١) رجل. الرابعة: كونه (حراً) لأن غيرَهُ ناقصٌ لما فيه من الرق، مشغولٌ بحقوقِ سيّده، فلم يكن أهلاً للقضاء، كالمرأة. الخامسة: كونه (مسلماً) لأن الإسلام شرط العدالة، فأولى أن يكونَ شرطاً للقضاء. السادسة: كونه (عدلاً) ولو تائباً من قذفٍ، فلا يجوز توليةُ الفاسقِ، ولا من فيه نقصٌ يمنع قبول شهادته. السابعة: كونه (سميعاً) لأن الأصم لا يسمع كلام الخصمين. الثامنة: كونه (بصيراً) لأن الأعمى لا يعرِف المدّعي من المدّعى عليه، ولا يعرِفُ المقرّ من المقَرِّ له. التاسعة: كونه (متكلّماً) لأن الأخرس لا يمكنُه النطق في الحكم، ولا يفهم جميعُ الناسِ إشارته. العاشرة: كونه (مجتهداً) قال في الفروع: إجماعاً. ذكره ابن

стр. 919

حزم، وأنهم أجمعوا على أنه لا يحل لحاكمٍ، ولا مفتٍ تقليدُ رجلٍ، لا يحكُمُ ولا يفتي إلا بقوله. وفي الإفصاح: أن الإجماع انعقد على تقليدِ كلٍّ من المذاهب الأربعة وأن الحق لا يخرج عنهم (١). (ولو) كان اجتهادُهُ (في مذهبِ إمامِهِ، للضرورة) واختاره في الترغيب. واختار في الإِيضاح والرعاية: أو مقلّداً. قال في الإنصاف: قلت: وعليه العمل من مدة طويلة، وإلا تعطّلت أحكام الناس. انتهى. فيراعي ألفاظ إمامِهِ ومتأخِّرَهَا ويقلّد كبار [أهل] مذهبه في ذلك، ويحكم به. [التحكيم] (فلو حَكَّم) (٢) بتشديد الكاف (اثنانِ فأكثرُ بينهما شخصاً صالحاً للقضاءِ) يعني متصفاً بصلاحيته للقضاء، فحكم بينهما (نَفَذَ حكمه في كل ما ينفذ فيه حكم من ولاّه الإِمام أو نائبه) لكن لكل من المتحاكمين الرجوعُ عن تحكيمِهِ قَبْلَ شروعِهِ في الحكم، لأنه لا يلزم حكمه إلا برضا الخصمين، أشْبَهَ رجوعَ الموكّل عن التوكيل قبل التصرف فيما وكل فيه. (ويرفع) حكمه (الخلافَ، فلا يحلّ لأحد نقضه حيث أصابَ الحق). وقال الشيخ: لا تشترط العشر صفاتٍ فيمن يحكّمه الخصمان.

стр. 920

فصل [في آدب القضاء] (ويسنُّ كون الحاكم قوياً بلا عنفٍ) وهو ضد الرِّفق، وذلك لئلا يطمع فيه الظالم، (ليناً بلا ضعف) لئلا يهابه صاحبُ الحق، (حليماً) لئلا يغضب من كلامِ الخصمِ فيمنعه ذلك من الحكم بينهم؛ (متأنِّياً) اسم فاعلٍ من التأني وهو ضد العَجَلة، لئلا تؤدي عَجَلَتهُ إلى ما لا ينبغي، (متفطّناً) لئلا يخدع من بعض الخصوم لغِرّةٍ. قال في شرح المقنع: عالماً بلغات أهل ولايته؛ (عفيفاً) وهو الذي يكف نفسه عن الحرام، لأنه لا يطمع في ميله بإطماعه؛ (بصيراً بأحكام الحكّام قبله،) لقولِ عليٍّ رضي الله تعالى عنه، وعن بقية الصحابة، وعنّا بهم: لا ينبغي للقاضي أن يكون قاضياً حتى تكون فيه خمسُ خصال: عفيفٌ حليمٌ، عليمٌ بما كان قبله، يستشيرُ ذوي الألباب، لا يخاف في الله لومة لائم. (ويجب عليه) أي على القاضي (العدلُ بين الخصمين في لحْظِهِ، ولفْظِهِ، ومجلسِهِ، والدخولِ عليه) إلا إذا سَلّمَ أحدُهما فيردّ عليه، ولا ينتظر سلام الثاني، و (إلا المسلم) إذا تخاصَمَ (مَعَ الكافِرِ، فيقدّم) المسلمَ (دخولاً) أي في الدخول على القاضي، (ويُرْفَعُ جلوساً) أي في الجلوس، لحرمة الإِسلام. قال الله تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ﴾ (ويحرم عليه) أي على القاضي (أخذُ الرِّشوة) بتثليث الراء، وكذا هديّة. (و) يحرم (أن يُسَارّ أحدَ الخصمين، أو يضيّفه) دون الآخر، أو يلقّنَهُ حجته، لما في ذلك من الإِعانة على خصمه وكسْرِ قلبه، (أو يقومَ له دون الآخر) أو يعلّمه كيف يَدَّعي، إلا أن يَتْرُكَ ما يلزم ذكرُهُ، كشرطِ

стр. 921

عقدٍ وسببٍ ونحوِه، فله أن يسأله عنه، لأنه لا ضرر على صاحبه في ذلك. (ويحرم عليه الحكمُ وهو غضبانُ كثيراً) لأنه ربما حمله الغضب على الجور في الحكم، (أو) يقضي (وهو حاقِنٌ) البولَ، (أو في شدةِ جوعٍ أو عطشٍ أو همٍّ أو ملَلٍ أو كَسَلٍ أو نُعَاسٍ أو بَرْدٍ مؤلم، أو حرٍّ مزعج) لأنّ ذلك كله يشغل الفكر الذي يتوصل به إلى إصابة الحق في الغالب، ويمنع حضورَ القلب. فهو في معنى الغضب المنصوص عليه، فيجري مجراه. (فإن خالَفَ وحكم) في حالة لا يحل له الحكم فيها، كما لو حكم وهو غضبان ونحو ذلك (صح إن أصاب الحق) ذكره القاضي في المجرد وكان للنبي ﷺ القضاء مع ذلك، (ويحرم عليه أن يحكم بالجهلِ) لما فيه من الوعيد الشديد، (أو) يحكم (وهو متردد) في حكم الله تعالى في الواقعة (فإن خالَفَ، وحَكَمَ، لم يصحّ) حكمه، (ولو أصَابَ) بالحكْمِ، (الحقّ). (ويوصي) القاضي وجوباً (الوكلاءَ والأعوانَ) الذين (ببابه بالرفقِ بالخصومِ وقِلَّةَ الطمع)، لأن في ضد ذلك ضرراً بالناس. فيجب عليه أن يوصيهم بما يزول به الضرر عن الناس. (ويجتهد) القاضي (إن يكونوا شيوخاً أو كهولاً من أهل الدينِ والعفّة والصّيانة) لأن كونهم كذلك أقل شرًّا، فإن الشباب شعبةٌ من الجنون، ولأن الحاكم تأتيه النساءُ وفي اجتماع الشبابِ بهنّ ضرر عظيم. (ويباح له) أي القاضي قال في المبدع: والأشهر أنه يسن له (أن يتخذ كاتباً) لأن الحاكم يكثر اشتغالُه ونظره في أمر الناس، فلا يمكنه أن يتولّى الكتابة بنفسه. وإن أمكنه الكتابة بنفسه جاز له اتخاذ الكاتب،

стр. 922

والاستنابةُ في الكتابة أولى من تولّيها بنفسه، (ليكتب الوقائع). (ويشترط كونه) أي الكاتب (مسلماً مكلّفاً عدلاً). (ويسنّ كونه حافظًا عالمًا) لأن في ذلك إعانة على أمره، وكونُهُ حراً ليخرج من الخلاف، وكونُهُ جيّدَ الخط ليكون أكمل، وكونه عارفاً، قاله في الكافي، لأنه إن لم يكن عارفاً أفسد ما يكتبه بجهله.

стр. 923

باب طريق الحُكم وَصفته طريقُ كل شيءٍ ما يُتَوَصَّلُ به إلى ذلك الشيء. والحكم فصل الخصومات. (إذا حضر إلى الحاكم خصمان فله أن يسكت حتى يبتدئا) أي حتى تكون البداءة بالكلام من جهتهما، (وله أن يقول: أيكما المدعي) لأن سؤاله عن المدعي منهما لا تخصيص فيه لواحد منهما، فجاز لذلك. (فإذا ادَّعى أحدُهما) أي أحد الخصمين (اشتُرِط كون الدعوى معلومة) أي كونها بشيء معلوم، لأن المدعى عليه إذا اعترف بما ادُّعي عليه به، وطلب المدعي من الحاكم إلزامه به، وجب على الحاكم إلزامه، والإِلزام بالمجهول لا يصح، فلذلك اعتُبِر كونها معلومة، إلا في وصيّةٍ بمجهول وإقرارٍ وخلعٍ على مجهول. (و) يشترط (كونها منفكة عما يكذّبها) فلا تصحّ على إنسان أنّه قَتَلَ أو سرق من مدة عشرين سنة، وسنُّهُ دونها، أو ادّعى بنوةَ إنسانٍ لا يمكن كونه منه. (ثم إن كانت) الدعوى (بدينٍ اشترِطَ كونه) أي الدين (حالاًّ) قال في الترغيب: الصحيح تسمع، فيثبت أصل الحق للّزومِ في المستقبل، كدعوى تدبير. انتهى.

стр. 924

(وإن كانت) الدعوى (بعينٍ) كفرسٍ ونحوها (اشترط حضورها لمجلس الحكم، لتعيّن بالإِشارة) لانتفاء اللبس بتعيّنها. (فإن كانت) العين المدَّعى بها (غائبة عن البلد) أو كانت تالفةً، أو في الذّمة (وَصَفَها) المدعي (كصفاتِ السلم،) وذلك بأن يستقصي في الدعوى ما يشترط ذكره في السلم. (فإذا أتمَّ المدعي دعواه) محرَّرةً (فإن أقرّ خصمه بما ادعاه) عليه، (أو اعترف بسبب الحق، ثم ادعى البراءة، لم يلتَفِتْ لقوله، بل يُحلِّف المدعي على نفي ما ادّعاه) المدعى عليه من البراءة بالإِبراء أو الأداء. (وُيلزِمه بالحق، إلا أن يقيم) المدعى عليه (بينةً ببراءته) فيصرفه الحاكم من طلب المدعى عليه. قال في الإِقناع: وإن قال: لي بيّنة بالوفاء والإِبراء، أو قاله بعد ثبوت الحق ببينة أو إقرار، أمهل ثلاثة أيام. وللمدعي ملازمته فيها حتى يقيمها. فإن عجز حلف المدعي على بقاء حقه. (وإن أنكر الخصم ابتداءً بأن قال لمدعِ) عليه (قرضاً أو ثمناً) عن مثمن: (ما أقرضني، أو) قال المدعي عليه ثمنه: (ما باعني، أو) قال: (لا يستحق عليّ شيئاً مما ادعاه) من القرض أو الثمن، (أو) قال: (لا حقّ له عليّ، صح الجواب). (فيقول الحاكم للمدعي: هل لك بينة) بالذي ادعيته؟ (فإن قال: نعم) لي عليه بينة، (قال له: إن شئت فأحضرها) أي بيّنتك. (فإذا أحضرها) المدعي بين يدي الحاكم، (وشهدت) عنده (سمعها، وحَرُمَ) عليه (ترديدها). وفي الرعاية: إن ظن الصلحَ أخّر الحكم. وفي الفصول. أحبَبْنا له (١)

стр. 925

أمرهما بالصلح، ويؤخّره، فإن أبيا حكم. وفي المغني: ويقول: قد شهدا عليك، فإنْ كان لك قادحٌ فبيّنْهُ عندي، يعني: يستحبّ. ذكره غير صاحب المغني. وذكره في المهذّب والمستوعِب فيما إذا ارتاب فيهما. ويكره انتهارهما وطلب زلتهما. فصل [في تعديل الشهود وجرحهم] (ويعتبر في البينة العدالةُ ظاهراً) قال في المنتهى والإِقناع: (و) كذا (باطناً) لقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ ولو لم يطعن فيها خصمه فلا بد من العلم بها. ولو قيل: إن الأصل في المسلمين العدالة. قال الزركشي: لأن الغالب الخروج عنها. وقال الشيخ: ومن قال: الأصل في الإِنسان العدالة، فقد أخطأ. وإنما الأصل فيه الظلم والجهل، لقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً﴾ انتهى. ولا تشترط باطناً في عقدِ نكاحٍ. (وللحاكم أن يعمل بعلمه فيما أقرّ به في مجلس حكمه) ولو لم يسمعْهُ غيره، لأنه إذا جاز الحكم بشهادةِ غيرِه فبسماعِهِ هو أولى، ولأنّه لو لم يعمل بما أقر به عنده أفضى ذلك إلى ضياع الحقوق، لأنه قد يقرُّ عنده، ولا يحضره أحد من الشهود، فإذا لم يحكم به ضاع حَقُّ المقَرِّ له. (و) يعمل بعلمه (في عدالةِ البينة، وفسقها) لأن التهمة لا تلحقه في ذلك، لأن صفات الشهود معنًى ظاهر. ولا يحكم بعلمه في غيرِ ما ذكر، ولو في غير حدٍّ.

стр. 926

(فإن ارتاب) الحاكم (منها) أي من البينة (فلا بد من المزكِّينَ لها) أي للبينة. (فإن طلب المدعي من المحاكم أن يحبس غريمه حتى يأتي بمن يزكّي بيّنته أجابه) أي أجابَ المدعي (لما سأل، وانتظره ثلاثة أيام). (فإذا أتى) المدعي (بالمزكّين اعتُبِرَ معرفتُهُمْ لمن يزكونه بالصُّحبة والمعاملة) والجوار. ويكفي في تزكية الشاهد عدلان، يقول كل منهما: أشهد أنه عدل. وبينةُ جَرْحٍ مقدمة. ومن ثبتت عدالته مرةً لزمَ البحثُ عنها مع طول المدّة بين الشهادتين. (فإن ادّعى الغريمُ فِسْقَ المزكين) للبينة (أو فسق البينة المزكّاة، وأقام بذلك) أي بفسقِ البيّنة، أو بفسق المزكًين لِلْبيِّنة (بينةً، سمعت) البينة (وبطلت الشهادة). (ولا يقبل من النساء (١) تعديل ولا تجريح) لأنها شهادة فيما ليس بمال ولا يقصد به المال، ويطلع عليه الرجال في غالب الأحوال، أشبه الشهادة في القصاص. تنبيه: لا يسمع الجَرْحُ إلا مفسراً بما يقدح في العدالة، عن رؤية، فيقول الشاهد بالجرح أشهد: أني رأيته يشرب الخمر، أو: يظلم الناس بأخذ أموالهم أو ضربهم، أو: يعامِلُ بالرّبا، أو: سمعته يقذف. أو عن استفاضةٍ، فلا يكفي أن يشهد أنه فاسق أو ليس بعدل، ولا قولُه: بلغني عنه كذا. لكن يعرِّضُ جارحٌ بزناً لئلا يجب عليه الحد،

стр. 927

فإن صرّح حُدَّ إن لم يأت بتمام أربعة شهود. (وحيث ظهر فسقُ بينةِ المدعي، أو قال) المدعي (ابتداءً) أي قبل أن يقيم. بينة: (ليس لي بينة) على هذا (قال له الحاكم: ليس لك على غريمِكَ إلا اليمين،) ولا بدّ في اليمين من سؤال المدعي لها طوعاً، وإذن الحاكم فيها. وللمدعي مع الكراهة تحليفه مع علمه بكذبه. (فيحلِّف الغريمُ على صفةِ جوابِهِ في الدعوى) لأنه لا يلزمه أكثر من ذلك الجواب، (ويخلِّي سبيلَه) إذا حلف، لأنه لم يبق عليه شيء. (ويحرم تحليفه بعد ذلك.) قال في المنتهى: وتحرم دعواه ثانياً، وتحليفُه، كبرىء. انتهى. قال في الإِنصاف: ظاهر قوله: حلفه وخلى سبيله: إنه لا يحلف ثانياً بدعوى أخرى. وهو صحيح. وهو المذهب. فيحرم تحليفه. أطلقه المصنف والشارح وغيرهما، وقدمه في الفروع. قال في المستوعب والترغيب والرعاية: له تحليفه عند من جهل حلفه عند غيره، لبقاء الحق بدليل أخذه ببينة. انتهى كلامه في الإِنصاف. (وإن كان للمدعي بينة فله أن يقيمها بعد ذلك). (وإن لم يحلف الغريم) أي المدعى عليه (قال له الحاكم: إن لم تحلف وإلا قضيتُ عليكَ بالنُّكول) قال في المقنع: واختاره عامة شيوخنا. (ويسن تكرارُهُ) أي قول: إن لم تحلف قضيت عليك، (ثلاثاً) من المرات. (فإن لم يحلف قضى عليه) القاضي (بالنكول) بشرط أن يسأل المدعي ذلك، (ولزمه الحقُّ).

стр. 928

تنبيه: إن قال المدعي: ما لي بينة، ثم أتى بها، فإنها لا تسمع. نص على ذلك. فصل [هل ينفذ حكم القاضي باطناً] (وحُكْم الحاكم يرفع الخلاف، لكنه لا يزيل الشيء عن صفته باطناً) ولو كان ذلك في عقدٍ وفسخٍ وطلاقٍ. (فمتى حكم له) أي للمدعي (ببينة زورٍ بزوجيةِ امرأةٍ، ووطئ مع العلم) أي علمه أنها لا تحل له (فكالزنا)، يجب عليه الحدُّ بذلك في الأصح. وعليها أن تمتنع منه ما أمكنها، فإن أكرهها فالإِثم عليه دونها. ويصحّ أن تتزوج غيره، لأن ذلك النكاح كلا نكاحٍ. (وإن باع حنبليٌّ متروكَ التسميةِ) عمداً من ذبيحةٍ أو صيدٍ (فحكم بصحته شافعيٌّ نَفَذَ) حكمُه عند أصحابنا، إلا أبا الخطاب، قاله في الفروع. (ومن قلَّد) مجتهداً (في نكاح) مختلف فيه (صح، ولم يفارق) المنكوحة (بتغيّر اجتهاده) أي اجتهاد المجتهد الذي قلده في الصحة، (كالحكم بذلك) أي كما لو حكم به مجتهد يرى حال الحكم الصحة، ثم تغيّر اجتهاده، بخلاف مجتهدٍ نكح نكاحاً أداه اجتهاده إلى صحته، ثم رأى بطلانه فإنه يلزمه أن يفارق، لاعتقاده بطلانه وحرمةَ الوطء.

стр. 929

فصل [في القضاء على الغائب] (وتصح الدعوى بحقوقِ الآدميّين على الميت). (و) تصح الدعوى (على غير المكلف، وعلى الغائب مسافة قصر) ولو في غير عمله، (وكذا) تصح الدعوى على غائب (دونَها) أي دون مسافة القصر (إذا كان مستتراً، بشرط البيّنة في الكلّ) أي في الدعوى على الميت وغير المكلف أو غائب مسافةِ قصر أو مستترٍ. ثمَّ إذا كُلِّفَ غير المكلف، ورشَد بعد الحكم عليه، أو حضر الغائب بعد الحكم عليه، أو ظهر المستتر بعد الحكم عليه، فهو على حجته. فإن جَرَحَ البينةَ بأمرٍ بعد أداء الشهادة، أو أطلق ولم يقُلْ قبل الشهادة ولا بعدها، لم يقبل جرحه، ولم يبطل الحكم. وإن جرحها بأمرٍ قبل الحكم قُبِل تجريحه وبَطَلَ الحكم. ومن كان دونَ مسافة قصرٍ ظاهراً لم تسمع الدعوى عليه، ولا البينة، حتى يحضرِ، كحاضر، إلا أن يمتنع من الحضور، فيسمعها، ثم إن وُجِد له مال وفَّى منه، وإلا قال للمدّعي: إن عرفت له مالاً، وثبت عندي، وفّيتك منه. [كتاب القاضي إلى القاضي] (ويصحّ أن يكتب القاضي الذي ثبت عنده الحق) من قرضٍ وغصبٍ وبيعٍ وإجارةٍ ورهنٍ ووصيةٍ بمالٍ وطلاقٍ ونكاحٍ ونسبٍ وتوكيلٍ في غير مالٍ وإيصاء على أولادٍ وحدّ قذفٍ وكلِّ ما فيه حق آدميّ (إلى قاض آخر معينٍ أو غير معينٍ) كأن يكتب "إلى من يصل إليه كتابي هذا من قضاة المسلمين وحكامهم" (بصورة الدعوى الواقعة على الغائب، بشرط أن يقرأ ذلك على عدلينِ.) ويعتبَرُ ضبطُهما لمعناه، وما يتعلّق به

стр. 930

الحكم منه، (ثم) يقول القاضي الكاتب إلى غيره: "هذا كتابي إلى فلان بن فلان" أو "إلى من يصل إليه من القضاة" و (يدفعه لهما) أي إلى العدلين اللذين شهدا عليه بما في الكتاب، (ويقول فيه: "إنّ ذلك قد ثبت عندي" و) يقول فيه أيضاً: ("إنك تأخذُ الحق للمستحقّ" فيلزم القاضي الواصلَ إليه) ذلك الكتاب (العملُ به) قال في المنتهى: وإذا وصل الكتاب، وأُحضِرَ الخصم المذكور فيه باسمه ونسبه وحليته، فقال: ما أنا بالمذكور، قُبِل قولُهُ بيمينه. فإن نَكَلَ، قضي عليه. وإن أقر بالاسم والنسب، أو ثبت ببينة، فقال: المحكوم عليه غيري، لم يقبل إلا ببينة تشهد أن بالبلد آخر كذلك، ولو ميتاً يقع به إشكال. فيتوقف حتى يعلم الخصم. انتهى.

стр. 931

باب القسمَة هي تمييز بعض الأنصباء عن بعضٍ وإفرازها عنها. (وهي) أي القسمة (نوعان: قسمةُ تراضٍ، وقسمة إجبارٍ): [قسمة التراضي] (فلا قسمة في) شيء (مشترك إلا برضا الشركاء كلِّهِم حيث كان في القسمة ضرر ينقص القيمة، كحمام ودورٍ صغارٍ) أو لأنه لا تتعدل أجزاؤُه إلا بالتجزئة، وهو جعْلُها أجزاء، ولا بالقيمة، (و) ذلك كـ (شجرٍ مفردٍ)، وأرضٍ ببعضها بناءٌ أو بئر أو معدن، (وحيوان). (وحيثُ تراضَيَا) أي المتقاسمان على القسمة أعياناً بالقيمة (صحّت) القسمة (وكانتْ بيعاً يثبت فيها ما يثبت فيه) أي البيع (من الأحكام). قال القاضي في التعليق، وصاحبُ المبهج، والموفق في الكافي: البيع ما فيهِ ردُّ عوضٍ. فإن لم يكن فيه ردُّ عوضٍ فهي إفراز النصيبين وتمييز الحقّين، وليستْ بيعاً. واختاره الشيخ. (وإن لم يتراضيا) على ذلك (فدعا أحدهما شريكه إلى البيع في ذلك) أي في الدور الصّغار، والشجر المفرد، والحيوانِ، ونحوه، (أو) دعا شريكه (إلى بيعِ عبدٍ أو بهيمةٍ أو سيفٍ ونحوهِ) ككتابِ (مما هو شركة بينهما، أُجْبِرَ) على البيع (إن امتنع، فإن أبى) شريكُهُ أَن يبيع معه

стр. 932

(بيع عليهما) أي باعه الحاكم عليهما (وقسم الثمن) عليهما على قدر حصصهما. قال في الفروع: نقله الميموني وحنبل. [المهايأة] (ولا إجبار في قسمة المنافع) على الأصح، لأن المهايأة معاوضةُ حقٍّ بحقٍّ، فلا يجبر عليها الممتنع. (فإن اقتسماها) أي المنافع مهايأةً (بالزمن كهذا شهراً) أو عاماً ونحوه (والآخر مثله) أي شهراً وعاماً ونحو ذلك؛ (أو) اقتسماها مهايأةً (بالمكان كـ) سكنى (هذا في بيت، و) سكنى (آخر في بيت صح) ذلك (جائزاً) أي غير لازم سواء عيًنا مدةً أوْ لا، كالعارية من الجهتين، يعني كما لو استعار كل واحد من الآخر شيئاً. (ولكلِّ) منهما (الرجوع) متى شاء، فلو رجع أحدهما بعد استيفاء نوبته غرم ما انفرد به. ونفقة الحيوان المشترك مدّةَ كل واحد من الشريكين المتهايئين في نوبته عليه، لتراضيهما على المهايأة. فصل [في قسمة الإِجبار] (النوع الثاني) من نوعي القسمة: (قسمة إجبارٍ، وهي ما لا ضرر فيها) على أحد الشريكين (ولا) فيها (ردُّ عوضٍ) من واحدٍ من الشركاء. وسمّيتْ قسمة إجبار لأن الحاكم يجبر الممتنع منهما إذا كملت عنده شروط الإِجبار. (وتتأتّى) قسمةُ الإِجبار (في كل مكيلٍ) وهو جنسُ الحبوب كلها، والمائعات، وما يكال من الثمار كالتمر، والزبيب، واللوز، والفستق،

стр. 933

والبندق؛ أو يكال من غير الثمار كالأُشنان؛ (وموزونٍ) كالذّهب، والفضة، والنحاس، والرصاص، والحديد ونحوها من الجامدات. وسواء كان ذلك مما مسَّتْهُ نار كدبسٍ وخلِّ تمرٍ، أوْ لا كدهنٍ ولبن. (و) كذا تتأتى قسمة الإِجبار (في دارٍ كبيرة) ودكّانٍ (وأرضٍ واسعةٍ) وبساتينَ، ولو لم تتساوَ أجزاءُ هذه المذكورات إذا أمكنَ قَسْمُها بالتعديل، بأن لا يجعل شيء معها. (ويدخل الشجرُ) في القسمة (تبعاً) للأرض، كالأخذ بالشفعة. (وهذا النوع) أي قسمةُ الإِجبار (ليس بيعاً، فيجبُرُ الحاكمُ أحد الشريكين إذا امتنع) عن القسمة. ويشترط لحكم الحاكم بالإِجبار على القسمة ثلاثة شروط: أحدها: أن يثبت عند الحاكم مِلْكُ الشركاءِ لذلك المقسوم، بالبينة. الثاني: أن يثبت عنده أن لا ضرر فيها. الثالث: أن يثبت عنده إمكان تعديل السهام في العينِ المقسومة من غير شيء يجعل فيها، وإلاَّ لم يجبر الممتنع. [القاسم] (ويصحُّ) من الشريكين (إن يتقاسَمَا بأنفسهما، وأن ينصبا قاسماً بينهما) من عند أنفسهما، لأن الحق لهما، فكيفما اتَّفقا عليه جاز. ويصح أن يسألا حاكماً نصْبَهُ يقسم بينهم، فإذا سألوه إيّاه وجبت عليه إجابتهم لقطع التنازع بين الشريكين. (ويشترط إسلامه) أي القاسم الذي ينصبه الحاكم؛ (وعدالتَهُ) ليقبل قوله في القسمة؛ (وتكليفه؛ ومعرفته بالقسمة) ليحصل منه المقصود، لأنه إذا لم يعرف ذلك لم يكن تعيينه للسِّهام مقبولاً، كحاكِمٍ

стр. 934

يجهلُ ما يحكم به. لا حرّيته، فلا تشترط، فتصحُّ قسمةُ عبدٍ ويكفي واحدٌ إلا مع تقويم. تنبيه: إذا كان القاسمُ كافراً، أو فاسقاً، أو جاهلاً بالقسمة، لم تلزم إلا بتراضيهم بها. (وأجرته) أي القاسم (بينهما) أي الشريكين (على قدر أملاكهما) قال في الإِقناع: وأجرته مباحة. فإن استأجره كل منهما بأجرةٍ معلومةٍ ليقسم نصيبه جاز، وإن استأجروه جميعاً بأجرة واحدة لزم كل واحد من الأجرة بقدر نصيبه من المقسومِ ما لم يكن شرطٌ. انتهى. وقال في المنتهى: وهي بقدر الأملاك. ولو شرط خلافه. [القرعة في القسمة] (وإن تقاسما بالقرعة جاز، ولزمت القسمة بمجرد القرعة، ولو فيما فيه ردٌّ أو ضرر.) وكيفما اقترعوا جاز: إن شاؤوا رِقاعاً، أو بالخواتيم، أو الحصى، أو غيره، لحصول المقصود وهو التمييز. والأحوط أن يُكتَبَ اسم كلِّ شريك في رقعة، ثم تُدْرَجُ في بنادقِ شمعٍ أو طينٍ متساويةٍ قدراً ووزناً، ثم تطرح في حِجْرِ من لم يحضر، ذلك ويقال له: أخرج بندقةً على هذا السهم، فمن خرج اسمه كان له، ثم للثاني كذلك، والسهم الباقي للثالث، إن كانوا ثلاثة واستوت سهامهم. وإن كانت السهام الثلاثة مختلفة، كنصفٍ وثلثٍ وسدس، جُزّئ المقسوم ستّةَ أجزاءٍ، وأَخرَجَ الأسماء على السهام لا غير، فيكتب باسم صاحب النصف ثلاث رقاع، ولرب الثلث رقعتين، ولرب السدس رقعة، ويخرج بندقة على أول سهم. فإن خرج عليه اسم ربّ النصف أخذه،

стр. 935

مع الثاني والثالث. وإن خرج اسم صاحب الثلث أخذه مع الثاني، ثم يقرع بين الآخرين، والباقي للثالث. (وإن خيّر أحدُهما) أي الشريكين (الآخر) بأن قال لشريكه اختر أيَّ القسمين شئت، فيما تقاسماه بأنفسهما (بلا قرعةٍ وتراضَيَا، لزمت بالتفرّق) بأبدانهما، كتفرّق متبايعين. قال في الفروع: وإن خيّر أحدهما الآخر، فبرضاهما وتفرقهما، ذكره جماعة، ولم يذكروا ما يخالف ذلك. [نقض القسمة] (وإن خرج في نصيب أحدهما عيبٌ جَهِلَهُ خُيِّر بين فسخ، أو إمساكٍ) للمعيب (ويأخذَ الأرش) للعيب، لأن ظهورَ العيب في نصيبه نقصٌ فيخيّر بين الفسخ، والأرش كالمشتري. (وإن غُبِنَ فاحشاً بطلت) قال في المنتهى: ومن ادعى غلطاً فيما تقاسماه بأنفسهما، وأشهدا على رضاهما، لم يتلفتْ إليه. وتُقْبَل بيّنةٌ فيما قسمه قاسمُ حاكمٍ، وإلا حلف منكرٌ. وكذا قاسمٌ نصباه انتهى. (وإن ادعى كل) من الشريكين (إن هذا من سهمهِ) وأنكره الآخر (تحالَفَا) أي حلف كلٌّ منهما على نفي ما ادَّعاه الآخر. (ونُقِضَت) القسمة، لأن الملك المدعى به لم يخرج عنهما، ولا سبيل إلى دفعه إلى مستحقّه منهما بدون نقض القسمة. (وإن حصلت الطريقُ في حِصةِ أحدهما) أي الشريكين كأن تقاسمها نصفين، فيحصل لأحدهما ما يلي الباب، وللآخر النصف الداخل (و) الحال أنه (لا منفذ للآخر) الذي جعل له النصف الداخل، كما إذا لم يكن للدار طريق من جهة أخرى، ولا لمن حصل له النصف الداخل ملكٌ يجاورها ينفذها إليه (١) (بطلت).

стр. 936

باب الدعَاوى وَالبيّنات وهي [أي الدعوى] إضافة الإِنسان إلى نفسه استحقاقَ شيء في يد غيره، أو في ذمّته. والمدّعي هو من يطالب غيره بحقٍّ يذكر استحقاقه عليه. والمدعى عليه المطالَب، بفتح اللام. والبيّنة العلامة الواضحة، كالشّاهد فأكثر. (لا تصح الدعوى إلا من) إنسانٍ (جائزٍ التصرّف). (وإذا تداعيا) أي ادعى كل واحدٍ من اثنين (عيناً) أنّها له (لم تخل من أربعة أحوال): (أحدها: أن لا تكون) العين (بيد أحدٍ، ولا ثمّ) بفتح المثلثة (ظاهرٌ) أي لم يوجد أمر ظاهر يعمل بمقتضاه، (ولا بينة) لواحد منهما، وادّعى كل واحدٍ منهما أنها له (فيتحالفان) أي يحلف كل واحد منهما أنها له ولا حقٌّ للآخر فيها، (ويتناصفانها) أي: يقتسمانها بينهما نصفين. قدّمه في المحرر والرعايتين والحاوي، لأنهما استويا في الدعوى، وليس أحدُهما به أولى من الآخر، لعدم اليد. فوجبت قسمتها بينهما مناصفة، كما لو كانت بأيديهما. (وإن وُجِدَ ظاهرٌ لأحدهما) كما لو كانت من آلةِ صنعتِهِ (عُمِلَ به)

стр. 937

أي بهذا الظاهر، فيأخذها ويحلف للآخر. (الثاني: أن تكون) العينُ المتنازع فيها (بيد أحدهما) أي أحد المتنازعين (فهي له بيمينه) أي لاحقّ للآخر فيها. (فإن لم يحلف قُضِيَ عليه بالنكول، ولو أقامَ بينةً) قال في المنتهى والإِقناع: إذا لم تكن بينة. (الثالث: أن تكون) العين المتنازع فيها (بيديهما) أي يدي المتنازعين (كشيء كلٌّ ممسكٌ لبعضه، فيتحالفان) أي يحلف كلُّ واحدٍ منهما أنه له، ولا حق للآخر فيه، (ويتناصفانه) أي المدعى به، إلا أن يدعيَ أحدهمَا نصفاً فأقلّ، والآخَرُ الجميعَ أو أكثر مما بقي عما يدعيه الآخر، فيحلف مدعي الأقلِّ ويأخذه. (فإن قويت يد أحدهما) أي أحد المتداعيين في عينٍ بأيديهما (كحيوان) يدعيه كل من اثنين (واحد سائقهُ والآخر راكبُهُ) فهو للثاني الذي هو راكبه، بيمينه، لأنه أقوى تصرّفاً. وإن اتفقا على أن الدابّة للراكب، وادعى كل منهما ما عليها من الحمل، فهو للراكب، بيمينه، لأن يده على الدابّة والحمل معاً؛ (أو قميصٍ واحدٌ آخذٌ بكمِّهِ. والآخر لابسه، فهو للثاني) الذى هو لابِسُه (بيمينه) لأن تصرّفه أقوى، وهو المستوفي لمنفعته. كإن كان كمُّه في يد أحدهما، وباقيه بيد الآخر، أو تنازعا على عمامةٍ طرفها بيد أحدهما، وباقيها بيد الآخر، فهما سواءٌ فيها لأن يد الممسك بالطرف عليها. (وإن تنازعَ صانعانِ في آلةِ دكانهما فـ) تكون (آلةُ كلِّ صنعةٍ لصانعها) كنجّارٍ وحدادٍ يكونان بدكانٍ، ويتنازعان في آلتهما، أو في بعضها، فإن آلة النجارة للنجاّر، وآلة الحدادة للحدّاد، سواء كانت أيديهما على الآلة من طريق الحكم، أو من طريق المشاهدة، لأن هذا هو الظاهر، فيأخذ كل منهما آلته بيمينه. (ومتى كان لأحدهما بينة فالعين له) ولم يحلف في الأصح، لأن

стр. 938

البينة أحدُ حجّتي الدعوى، فيكتفى بها، كاليمين. وهذا قول أهل الفتيا من الأمصار. (فإن كان لكلٍّ منهما) أي المتنازعين (بينةٌ به، وتساوتا) أي بينتهما (من كل وجهٍ تعارضَتَا وتساقطتا) يعني أن البينتين يسقطان بالتعارض، لأن كل بينةٍ تشهد بعكس ما تشهد به الأخرى، فلا يمكن العمل بواحدةٍ منهما، فيتساقطان ويصيران كمن لا بينة لهما على الأصحّ. (فيتحالفان، ويتناصفان ما بيديهما.) والأصل في هذا الباب حديث أبي موسى، أن رجلين ادّعيا بعيراً على عهد النبي ﷺ ، فبعث كلُّ واحدٍ منهما بشاهدينِ، فقَسَمه النبي ﷺ نصفين (١). رواه أبو داود. (ويقترعان فيما عداه) يعني يُقرَعُ بين المتنازعين في شيء ليس بيد أحد، أو بيد ثالثٍ ولم ينازِعْ واحداً من المتداعيين. (فمن خرجت له القرعة فهي له بيمينه) كما لو لم يكن لواحدٍ منهما بينة. (وإن كانت العين) المتنازعَ فيها (بيد أحدهما) أي أحد المتنازعين فيها، وقد أقام كل واحد منهما بينةً أنها له، (فهو) أي الذي بيده العين (داخلٌ، والآخر خارجٌ). (وبينة الخارج مقدمة على بيّنة الداخل). (لكن لو أقام الخارج بينة أنها ملكه، و) أقام (الداخلُ بينةً أنه اشتراها منه) أي من الخارج (قُدِّمتْ بينته) أي بينة الداخل (هنا) لأنها شهدت بأمرٍ حادثٍ على ملكٍ خفيّ، و (لما معها من زيادة العلم). (أو أقام أحدهما) أي أحد المتداعيين (بينةً أنه اشتراها من فلانٍ،

стр. 939

وأقام الآخر بينة كذلك) أي أنه اشتراها من الذي اشتراها منه الأول (عُمِلَ بأسبقِهِما تاريخاً). الحال (الرابع: أن تكون) العين المتنازع فيها (بيد ثالثٍ) أي غيرِ المتنازعين فيها. (فإن) ادعياها على الثالث، و (ادعاها) الثالث (لنفسِهِ، حلف لكلِّ واحد) من المتداعيين (يميناً، بغير) خلاف، لأن المتداعيين اثنان فوجب أن يحلف لكلِّ واحد منهما يميناً. (فإن نكل) عن اليمين (أخذاها) أي العين المتنازع فيها (منه) أي من الثالث (مع بدلها) وهو قيمتها إن كانت متقوّمة، ومثلها إن كانت مثلية، لأن العين تلفَتْ بتفريطِهِ، وهو ترك اليمين للأول. فوجب عليه بدلها، كما لو أتلفها. (واقترعا عليهما) أي على العين وبدلها، لأن المحكوم له بالعين غيرُ معيَّنٍ، فوجبت القرعة لتعيينه. (وإن أقرّ بها) أي أقر الثالث بالعين (لهما) أي بأن قال: هي للاثنين، أخذاها منه و (اقتسماها) نصفين، (وحلف لكلِّ واحدٍ) منهما (يميناً) بالنسبة إلى النصف الذي أقر به لصاحبه، لأن كلاًّ منهما يدعي الزيادة على ما أقر له به من النصف، فهو في النصف الآخر مقرَّ لغيره، فيجب عليه اليمين لصاحبه، (وحلف كلُّ واحد) من المتداعيَيْنِ (لصاحبِهِ على النصف المحكوم له به.) وإن نَكَلَ المقِرُّ بالعين لهما عن اليمين لكلِّ واحدٍ منهما أَخذا منه بدلها، واقتسماها أيضاً. وإن أقرّ لأحدهما بعينه، حلف المقَرُّ له أنْ لا حقَّ لغيره فيها، وأخذها، ويحلف المقِرُّ للآخر. فإن نكل أخذ منه بدلها. (وإن قال) مَنِ العينُ بيده: (هي لأحدهما)، أي أحد المتداعيين (وأجهله، فصدقاه) على جهله بمستحقها منهما، (لم يحلف) لأنهما مصدقان له في دعواه.

стр. 940

(وإلا) أي وإن لم يصدقاه (حلف) لهما (يميناً واحدة،) لأن صاحب الحق منهما واحدٌ غير معين. ولا يلزمه اليمين إلا بطلبهما جميعاً، لأن أحدهما لم يتعيّنْ مستحقاً، باليمين، (وُيقْرَعُ بينهما) أي بين المتداعيين للعين، (فمن قَرَع) صاحبه (حلف، وأخذها) لأن صاحب اليد أقرّ بها لأحدهما لا بعينه، فصار ذلك المقَرُّ له هو صاحبَ اليد دون الآخر، فبالقرعة يتعيّن المقَرّ له، فيحلف على دعواه، فيستحق. ثم إن بيّن من كانت العين بيده المستحِقّ لها بعد قوله: هي لأحدهما وأجهلُه، قبل، كتبيينِهِ ابتداءً.

стр. 941

كتَاب الشهَادَات واحدتها شهادة. وهي حجّةٌ شرعية تظهر الحق ولا توجبه. فهي: الإِخبار بما عَلِمه بلفظ أشهد أو شهدت. (تحمُّل الشهادةِ في حقوق الآدميين) من الأموال وغيرها (فرضُ كفايةٍ) إذا قام به من يكفي سقط عن بقية المسلمين. فإن لم يوجد إلا من يكفي تعيّن عليه، وإن كان عبداً لم يجزْ لسيده منعه. والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ وقد قال ابن عباس وقتادة والربيع: والمراد به التحمُّل للشهادة. (وأداؤها فرضُ عينٍ) لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ﴾. (ومتى تحمَّلها) أي الشهادة الواجبة (وجَبَتْ كتابَتُها) ويتأكد ذلك في حقّ رديء الحفظ، لأن ما لا يتمُّ الواجب إلا به فهو واجب. (ويحرُمُ أخذ أجرةٍ) عليها، (و) أخذ (جُعْلٍ عليها) أيضاً، ولو لم يتعين عليه، في الأصح، لأن فرضَ الكفايةِ إذا قامَ به البعض وقع منه فرضاً. وذلك لا يجوز أخذ الأجرة والجعْلِ عليه، كصلاة الجنازة. (لكن إن عجز) من دعي إلى الشهادة (عن المشي) إلى محلها، (أو تأذّى به) أي بالمشي (فله أخذ أجرةِ مركوبٍ) قال في الإِنصاف:

стр. 942

حيث قلنا بعدم الأخذ، فإن عجز عن المشي، أو تأذّى به، فله أخذ أجرةِ مركوبٍ. (ويحرم كَتْمُ الشهادة) إذا كانت بحقِّ آدميٍّ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾. (ولا ضمان) (١). (ويجب الإِشهاد في عقد النكاح خاصّةً) لأن الإِشهادَ شرطٌ فيه. فلا ينعقد بدونه. (ويسنّ) الإشهاد (في كلّ عقدٍ سواهُ) أي النكاح، كالبيع، والإِجارة، والرهن، ونحو ذلك، لأن ذلك ليس من شرطه الإِشهاد. ويحمل قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ على الاستحباب، لأنه قال بعده: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ وهذا إنما يكون مع عدم الشهادة (٢). (ويحرم أن يشهد) أحدٌ (إلا بما يعلمه) بدليلِ قوله تعالى: ﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ قال المفسرون هنا: وهو يعلم ما شهد به عن بصيرة وإتقان (برؤية أو سماع) غالباً، لجوازها ببقيّةِ الحواسّ، كالذوق واللمس. (ومن رأى شيئاً بيد إنسان يتصرّف فيه مدةً طويلةً) عرفاً (كتصرُّف

стр. 943

المُلاّك) في أملاكهم (من نقضٍ وبناءٍ وإجارةٍ وإعارةٍ فله) أي جاز له (أن يشهد له بالملك) لأن التصرُّفَ فيه على هذا الوجه من غير منازِعٍ يدلُّ على صحةِ الملك، فجاز أن يشهد به، كمعايَنَةِ السبب من بيع وإرث (والورع أن يشهد باليد والتصرف) لأنه أحوط، خصوصاً في هذه الأزمنة. وإن لم يره يتصرف كما ذكر مدةً طويلة شهد باليد والتصرف. فصل (وإن شهدا) أي الشاهدان (إنه طلق من نسائه واحدة) أو أنه أعتق أو أبطل من وصاياه واحدةً (ونسيا عَيْنَها لم تقبل) هذه الشهادة، لأنها شهادة بغيرِ معيَّنٍ، فلا يمكن العمل بها، فلم تقبل، كما لو قال: أشهَدُ أن إحدى هاتين الأمَتَيْنِ مُعتَقة. قاله في شرح المنتهى. (ولو شهد أحدهما أنه أقرّ له بألفٍ، و) شهد (الآخر أنه أقر له بألفين، كملت) البينة (بألفٍ) واحدٍ لاتفاقهما عليه، (وله) أي المشهودُ له (إن يحلف على الألفِ الآخر مع شاهدٍ ويستحقُّه) وهذا فيما إذا أطلق الشهادة ولم تختلف الأسباب والصفات. (وإن شهدا) أي الشاهدان على إنسانٍ (أنّ عليه ألفاً) لزيد، (وقال أحدهما: قضاه بعضه بطلت شهادته) نصّ عليه. وذلك لأنه شهد بأن الألف جميعه عليه، فإذا قضاهُ بعضَه لم يكن الأَلْفُ كله عليه، فيكون كلامه متناقضاً، فتفسد شهادته. (وإن شهد أنه أقرضه ألفاً، ثم قال أحدهما: قضاه نصفَهُ، صحَّتْ شهادتهما) لأنّ ذلك (١) رجوعٌ عن الشهادةِ بخمسِمائةٍ، وإقرار بغلط

стр. 944

نفسه، وهذا لا يقول ذلك على وجه الرجوع. والمنصوص عن أحمد أن شهادته تقبل بخمسمائة، فإنه إذا شهد بالألف، ثم قال أحدهما قبل الحكم: قضاه منه خمسمائة، أفسد شهادته في الخمسمائة، وللمشهود له ما اجتمعا عليه، وهو خمسمائة. فصحّح شهادته في نصف الألف، وأبطلها في النصف الذي ذكر أنه قضاه، لأنه بمنزلة الرجوع عن الشهادة به. ولو جاء بعد هذا المجلس، فقال: إنه قضاه منه خمسمائة، لم يقبل منه، لأنه قد أمضى الشهادة. قال في شرح المقنع: هذا يحتمل أنه أراد: إذا جاء بعد الحكم، فشهد بالقضاء، لم يقبل منه. (ولا يحل لمن) تحمَّلَ شهادةً بحقٍّ إذا (أخبره عدلٌ باقتضاء الحق) أو انتِقالِهِ (أن يشهد به) قال في الإِنصاف: لو شهد عند الشاهِدِ عدلان أو عدلٌ أنه اقتضاه ذلك الحقّ، أو قد باع ما اشتراه، لم يشهد له. نقله ابن الحكم. وسأله ابن هانئ (١): لو قضاه نصفَهُ، ثم جحد بقيته، أَلهُ أن يدّعيَهُ، أو بقيَتَهُ؟ قال: يدعيهِ كلَّه, وتقومُ البينةُ فتشهد على حقِّه كله، فيقول للحاكمِ قضاني نصفه. انتهى. (ولو شهد اثنان في جمعٍ من الناس على واحدٍ منهم أنه طلَّق أو أعتقَ أو شهدَا على خطيبٍ أنه قال أو فعل على المنبر في الخطبة شيئاً ولم يشهد به أحدٌ غيرهَما) مع المشاركة في سمع وبصر (قبلت شهادتهما) ذكره في المغني وغيره.

стр. 945

باب شرُوط مَن تقبَل شَهَادته وذلك لأنه لو لم يعتبر لقبولِ الشهادةِ شروطٌ يغلِبُ على الظنّ صدقُ الشاهد مع توافر الشروط فيه، لأدّى ذلك إلى أن يشهد الفجَّار بعضهم لبعضٍ، فتؤخَذُ الأموال بذلك بغير حق ولا سابق ملك. فلذلك اعتُبِر أحوالُ الشهود بخلوّهم عما يوجِبُ التهمة فيهم، ووجودِ ما يوجب تيقُّظَهم وتحرُّزهم. (وهي) أي الشروط المعتبرة لذلك (ستة): (أحدها: البلوغ، فلا شهادة) مقبولة (لصغيرٍ) ذكرٍ أو أنثى (ولو اتَّصَفَ) الصغيرُ (بالعدالة) لقوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ والصبي لا يسمى رجلاً. ولأنه غير مقبول القول في حقّ نفسه، ففي حق غيره أولى، ولأنه غير كامل العقل فهو في معنى المعتوه (١). (الثاني: العقل) وهو نوع من العلوم الضرورية يستعدّ به لفهمِ دقيقِ العلوم، وتدبير الصنائع الفكرية.

стр. 946

والعاقل من عرفَ الواجبَ عقلاً الضروريّ وغيره، والممكن، والممتنع، كوجودِ الباري ، وكونَ الجسم الواحد ليس في مكانين، واستِحَالة اجتماعِ الضدّين، وكونَ الواحد أقل من الاثنين، وعرف ما ينفعه وما يضره غالباً. (فلا شهادةَ) مقبولة (لمعتوهٍ ومجنونٍ) إلا من يُخْنَقُ أحياناً إذا شهد في إفاقته. (الثالث: النطق)، أي كونُ الشاهِدِ متكلِّماً. وقال مالك والشافعي وابن المنذر: تقبل الشهادة من الأخرس إذا فُهِمَتْ إشارته، لقيام الإِشارة منه مقام نطقه في أحكامِهِ من طلاقِهِ ونكاحِهِ وغيرهما. (فلا شهادةَ) مقبولةٌ (لأخرس) نص على ذلك أحمد رضي الله تعالى عنه (إلا إذا أدَّاها) الأخرس (بخطِّه) في الأصح. واختاره في المحرَّر (١). قال في الإِنصاف: قلت: وهو الصواب. (الرابع: الحفظ) لأن من لا يحفظُ لا تحصل الثقةُ بقوله، ولا يغلِب على الظن صدقُه، لاحتمال أن تكون من غَلَطِهِ. إذا تقرر هذا (فلا شهادة) مقبولةٌ (لمغفَّلٍ، و) لا (معروفٍ بكثرة غلطٍ وسهو). وعلم مما تقدّم أنها تقبل ممن يَقِلُّ منه الغلط والسهو، لأن ذلك لا يسلم منه أحد. (الخامس: الإِسلام، فلا شهادة) مقبولةٌ (لكافر، ولو) كانت شهادته (على مثله) إلّا رجالَ أهل الكتاب بالوصية في السفر، ممن حضره الموت، من مسلمٍ وكافرٍ عند عدمِ مسلمٍ، فتقبل شهادتهم في هذه

стр. 947

المسألة فقط، ولو لم يكن لهم ذمة. ويحلِّفهم الحاكم وجوباً بعد العَصْر مع ريْبٍ: ما خانوا. ولا حرّفوا. وإنها لوصيةُ الرجل. فإن عثر على أنهما استحقا إثماً حلف اثنانِ من أولياءِ المُوصي: بالله لشهادتنا أحقّ من شهادتهما، ولقد خانا وكَتَما. ويقضى لهم. (السادس: العدالة) ظاهراً وباطناً. وهي استواءُ أحوالِهِ في دينه، واعتدالُ أقوالِهِ وأفعاله. (ويعتبر لها شيئان): [الأول:] الصلاح في الدين، وهو: ١ - (أداء الفرائض برواتبها) أي بسننها الراتبة في الأصح. وأومأ إلى ذلك أحمد، بقوله فيمن يواظب على ترك سنة الصلاة: رَجُلُ سوءٍ، فلا تقبل ممن داوم على تركِها، لفسقه. قال القاضي أبو يعلى: من داوم على ترك السنن الراتبة آثمٌ. وعلم منه أن الشهادة ممن تَرَكهَا في بعض الأيام مقبولة. ٢ - (واجتناب المحرم) لأنّ من أدّى الفرائضَ، واجتنب المحارم عدّ صالحاً عرفاً (بأن لا يأتي كبيرةً ولا يُدْمِنَ على صغيرة) والكذبُ صغيرةٌ، إلاَّ في شهادةِ زورٍ، وكذبٍ على نبيّ، ورمي فتنةٍ، وكذبٍ على أحد الرّعيةِ عند حاكمٍ ظالمٍ، فكبيرة. ويجب لتخليصِ مُسْلمٍ من قتلٍ. ويباح لِإصلاحٍ، وحربٍ، وزوجةٍ فقط. والكبيرة ما فيه حَدٌّ في الدنيا، كالزنا والسرقة، أو وعيدٌ في الآخرة كالربا، وأكلِ مال اليتيم، وشهادةِ الزور، وعقوقِ الوالدين، وما أشبه ذلك. زاد الشيخ: أو غصبٍ أو لعنٍ أو نفي إيمانٍ. (الثاني:) مما يعتبر للعدالة: (استعمال المروءة) ويكون استعمالها

стр. 948

(بفعل ما يجمِّله ويزينه) في العادة، كالسّخاء وحسن الخلق، وبذل الجاه، وحسن المجاورة، ونحو ذلك، (وترك ما يدنسه ويشينه) في العادة من الأمور الدنيئة المزرية به. (فلا شهادة) مقبولة (لمتمسخِر، ورقّاص، ومُشَعْبِذ (١)) ومُغَنٍّ -ويكره الغناء، واستماعه- وطفيلي ومتزيٍّ بزيّ يُسخَر منه، ولا لشاعِرٍ يُفْرط في مدحٍ بإعطاءٍ، أو يُفْرِطُ في ذمٍّ بمنع، أو يشبّبُ بمدحِ خمرٍ أو بأمرد، أو بامرأة معينةٍ محرّمة. ويفسَّقُ بذلك، (ولاعبِ بشطرنجٍ) غيرَ مقلَّدٍ، كمع عوضٍ أو تركِ واجبٍ، أو مع فعلٍ محرّم إجماعاً. (ونحوِه) كلاعبِ بنردٍ. (ولا) شهادة مقبولةً (لمن يمدّ رجليه بحضرة الناس، أو يكشفُ من بدنه ما جرت العادة بتغطيته، كصدره وظهره، أو يحدّث بمباضعة أهله،) أو زوجته، أو أمتِهِ، أو يخاطبهما بخطابِ فاحشٍ بين الناس. (ولا) شهادة مقبولةً (لمن يحكي المضْحِكات، ولا) شهادة مقبولة أيضاً (لمن يأكل بالسوق) شيئاً كثيراً. (ويغتفر اليسير كاللُّقمة والتفاحة) ونحوهما من الأشياء اليسيرة. فصل (ومتى وجد الشرط) أي شرط قبول الشهادة ممن منعنا قبولها منه قبل وجود المشروط (بأن بَلَغ الصغير، وعَقَل المجنون، وأسلم الكافر، وتاب الفاسق، قبلت الشهادة بمجرد ذلك) لأن ردّها إنما كان لمانعٍ، وقد زال. وعنه: يعتبر في التائِبِ إصلاحُ العمل سنة (٢).

стр. 949

(ولا تشترط) في الشاهد (الحرّية. فتقبل شهادةُ العبد والأمة، في كل ما تقبل فيه شهادة الحرّ والحرّة) لعموم آيات الشهادة، وهو داخلٌ فيها، فإنه من رجالنا، وهو عدل، تقبل روايته وفتواه وأخباره الدينية، ولأن القِنّ إذا كان عدلاً غيرُ متَّهم، فإن شهادته مقبولة كالحرّ. (ولا يشترط كون الصناعة) أي صناعة الشاهد (غيرَ دنيئَةٍ) عرفاً، فتقبل شهادة حجّامٍ، وحدّادٍ، وزبالٍ، وقَمّامٍ وكناسٍ وكبّاش وقرّاد (١) وصبّاغ ودبّاغ وجمّال وجزّار وحائكٍ وحارسٍ وصائغٍ، إذا حسنت طريقتهم. وتقبل شهادة ولد الزنا حتى به، وبدويّ وقرويّ (٢). (ولا) يشترط كونه أي الشاهد (بصيراً، فتقبل شهادة الأعمى) في المسموعات، (بما سمعه، حيث تيقَّنَ الصوت) أي صوت المشهود عليه. روي عن عليّ وابن عباس، أنهما أجازا شهادة الأعمى. ولا يعرف لهما مخالف من الصحابة، لحصول العلم له بذلك، (وبما رآه قبل عماه) إذا عرف الفاعل باسمه ونسبه. فإن لم يعرفه إلا بعينه قبلت شهادته إذا وصفه الأعمى للحاكم بما يتميّز به. وتجوز شهادة الأعمى أيضاً بالاستفاضة.

стр. 950

باب مَوَانِع الشهَادة الموانع جمع مانع، من مَنَعَ الشيءُ إذا حال بينه وبين مقصوده. فهذه الموانع تحول بين الشهادة ومقصودِها فإنّ المقصود من الشهادة قبولها والحكمُ بها. (وهي) أي موانع قبول الشهادة (ستة): (أحدها: كونُ الشاهِدِ أو بعضِهِ ملكاً لمن شهد له) لأن نفقته على سيده إن كان واحداً، أو على جميع المشتركين فيه، فهو كالأب مع ابنه. (وكذا لو كان زوجاً، ولو) كان (في الماضي) يعني ولو كانت شهادة أحد الزوجين للآخر بعد الطلاق البائن، أو الخلع. قال في التنقيح: ولو بعد الفراق. وقال في المبدع: ظاهره ولو بعد الفراق. انتهى (أو كان) المشهود له (من فروعه وإن سفلوا من ولد البنين و) ولد (البنات، أو من أصولهِ) فلا تقبل شهادة والدٍ لولده ولا ولدٍ لوالده على الأصح. وسواءٌ في ذلك ولد البنين وولد البنات، وسواءٌ في ذلك الآباء والأمهات والأجداد والجدّات وآباؤهما وأمهاتهما من قبل الأم والأب (وإن علوا) ولو لم يَجُرَّ بها نفعاً غالباً، كعقدِ نكاحٍ أو قذْفٍ. (وتقبل) شهادة الشاهد (لباقي أقاربه كأخيه) وعمّه. قال ابن المنذر: أجمع أهلُ العلم على أن شهادةَ الأخِ لأخيه جائزة، لأنه عدل
следующие страницы →