١٤٠ - مُنْقَطِعٌ، حَتَّى يَبِينَ الوَصْلُ، ... ..................................
الشرح: يعني أن بعضهم وهو أبو عمر (١) وأبو عمرو الداني ادَّعيا الإجماع على أن المعنعن مُتصل بشرطه، وزاد الداني أن يكون معروفاً بالرواية عنه.
وقوله: «ومسلم» (خ) يعني أن مسلماً أنكر في خطبة «صحيحه» اشتراط ثبوت اللقاء، وادعى أنه قول مخترع لم يسبق قائله إليه، وأن القول الشائع المتفق عليه إمكان لقائهما في كونهما في عصرٍ واحد، وإن لم يأت في خبر قط أنهما اجتمعا.
وقوله: «وقيل يشترط» (خ) يعني أن السمعاني أبا المظفر شَرَط طُول الصُّحبة بينهما.
وقوله: «وبعضهم» (خ) يعني أن الداني شرط ما ذكرناه.
وقوله: «وقيل» (خ) يعني أن بعضهم ذهب إلى أن المعنعن مرسل ومنقطع حتى يتبين اتصاله بغيره.
وقوله:
........................... ... وَحُكْمُ (أَنَّ) حُكمُ (عَنْ) فَالجُلُّ
١٤١ - سَوَّوْا، وَللقَطْعِ نَحَا (البَرْدِيْجِيْ) ... حَتَّى يَبِينَ الوَصْلُ في التَّخْرِيج
الشرح: هذا تفريعٌ على العنعنة، وهو ما إذا قال الراوي: «أن فلاناً قال كذا»،
стр. 107
كقول الزهري: أن سعيد بن المسيب قال [٣٠ - أ] كذا.
فالجمهور سووا بين الرواية بالعنعنة والرواية بلفظ «أن»، وبه قال الإمام مالك ﵁ والجمهور، فيما حكاه أبو عُمر في «التمهيد»، وأنه لا اعتبار بالحروف والألفاظ بل باللقاء والمجالسة والسَّماع والمشاهدة.
قلت: و «الجُل» بضم الجيم وتشديد اللام انتهى.
وقوله: «وللقطع» (خ) يعني أن البرديجي نحا أي ذهب إلى أن مُطْلَقه محمول على الانقطاع ولا يلحق بـ «عن» حتى يتبين السماع في ذلك الخبر بعينه من جهة أخرى.
قلت: والبَرْدِيجي بفتح الباء الموحدة، وإسكان الراء، وكسر الدال المهملتين، وبعدهما مثناة تحت ساكنةٌ، فجيم، نسبةً إلى بَرْدِيج بليدة بأقصى أذربيجان، بينها وبين بردعة أربعة عشر فرسخاً، وهو أبو بكر البردعي المقدم ذكره، حافظ ثقة إمام انتهى.
وقوله:
١٤٢ - قَالَ: وَمِثْلَهُ رَأى (ابْنُ شَيْبَهْ) ... كَذا لَهُ، وَلَمْ يُصَوِّبْ صَوْبَهْ
الشرح: يعني أن ابن الصلاح قال: «وجدت ما حكاه ابن عبد البر عن البرديجي للحافظ الفحل يعقوب بن شيبة في «مسنده» الفحل».
وقوله: «كذا له» يعني أن ابن الصلاح أقام من قول ابن شيبة في مسنده لما ذَكَر رواية قيس بن سعد [٣٠ - ب]، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن الحنفية: أن عماراً مَرَّ بالنبي ﷺ وهو يُصَلِّي، وجعله مرسلاً لقوله
стр. 108
«أن عماراً» فعل، ولم يقل: «عن عمارٍ» أنه وافق البرديجي فيما قاله. وقوله: «ولم يُصَوِّب» (خ) يعني أن ابن الصلاح في هذه الإقامة لم يُعَرِّج صوب مقصد بن شيبة، وبيانه أن الذي فعله ابن شيبة هو صوابٌ من العمل، وهو الذي عليه عمل الناس، وما جعله مرسلاً من لفظ «أن» إنما جعله مرسلاً من جهة كونه لم يسند حكاية القصة إلى عمارٍ، فلو قال: «إن عماراً قال مررت بالنبي ﷺ » لما جعله مرسلاًَ، فلما قال: «أن عماراً فعل» كان ابن الحنفية هو الحاكي لقصة لم يدركها إذ لم يدرك مرور عمارٍ بالنبي ﷺ ، فكان نقله لذلك مرسلاً.
وقوله:
١٤٣ - قُلتُ: الصَّوَابُ أنَّ مَنْ أدْرَكَ مَا ... رَوَاهُ بالشَّرْطِ الَّذي تَقَدَّمَا
١٤٤ - يُحْكَمْ لَهُ بالوَصْلِ كَيفَمَا رَوَى ... بـ (قَالَ) أو (عَنْ) أو بـ (أنَّ) فَسَوَا
الشرح: بَيَّنَ بذلك قاعدةً يُعْرَف بها المتصل من المرسل فقال من الزيادة على ابن الصلاح: أن الراوي إذا روى حديثاً فيه قصةٌ أو واقعةٌ فإن كان أدرك ما رواه [٣١ - أ] بأن حكى قصة وقعت بين النبي ﷺ وبين صحابي والراوي لذلك صحابيٌّ أدرك الواقعة فهي متصلةٌ، وإن لم يُعلم أنه شاهدها.
وإن لم يدرك الواقعة فمرسل صحابي.
وإن كان الراوي تابعياً فمنقطع.
وإن روى التابعي عن الصحابي قصة أدرك وقوعها كان متصلاً، وإن لم
стр. 109
يدركها وأسندها الصحابي كانت متصلة، وإن لم يدركها ولا أسند حكايتها إلى الصحابي فمنقطعة، كرواية ابن الحنفية عن عمارٍ.
وقوله: «بالشرط» (خ) يعني لابد من اعتبار السلامة من التدليس في التابعين ومن بعدهم.
وقوله:
١٤٥ - وَمَا حُكِي عَنْ (أحمَدَ بنِ حَنْبَلِ) ... وَقَولِ (يَعْقُوبٍ) عَلَى ذا نَزِّل
الشرح: يعني أن ما حكاه ابن الصلاح عن الإمام أحمد وعن قول ابن شيبة المتقدم في «مسنده» فنزله على هذه القاعدة التي زادها (ن) على ابن الصلاح، والذي قاله أحمد ما رواه الخطيب في «الكفاية» بإسناده إلى أبي داود، قال: سمعت أحمد قيل له إن رجلاً قال: «عروة أن عائشة قالت: يا رسول الله». «وعن عروة عن عائشة» سواء؟ قال كيف هذا سواء، ليس هذا بسواء. فَفَرَّق الإمام بين اللفظين لكون عروة في اللفظ الأول لم [٣١ - ب] يُسند ذلك إلى عائشة ولا أدرك القصة فكانت مرسلة، بخلاف اللفظ الثاني فإنه أسند ذلك إليها يعني فكانت متصلة.
وقوله:
١٤٦ - وَكَثُرَ استِعْمَالُ (عَنْ) في ذَا الزَّمَنْ ... إجَازَةً وَهْوَ بِوَصْلٍ مَا قَمَنْ
الشرح: يعني إن حمل «عن» على السماع مقيد بالزمن المتقدم بخلاف هذه الأزمان فإنها محمولة على الإجازة، فإذا قال أحدٌ قرأت على فلان عن فلان ونحوه فَظُنَّ به الرواية إجازةً.
стр. 110
قلت: «وإجازةً» منصوب على البيان انتهى.
وقوله: «وهو بوصل» (خ) يعني أن هذا الظن لا يخرجه عن الاتصال؛ لأن الإجازة في حكم الاتصال لا القطع. و «قَمَن» بفتح القاف والميم، قلت: وبعده نون انتهى، ويجوز كسر الميم إلا أن الفتح هنا يتعين لمناسبة «زَّمَن» (١)، ومعناه حقيق وجدير بذلك.
стр. 111
تَعَارُضُ الْوَصْلِ وَالإِرْسَالِ، أَو الرَّفْعِ وَالوَقْفِ
قوله:
١٤٧ - وَاحْكُمْ لِوَصْلِ ثِقَةٍ في الأظْهَرِ ... وَقِيْلَ: بَلْ إرْسَالِهِ لِلأكْثَر
الشرح: يعني أن الثقات إذا اختلفوا في حديث فرواه بعضهم متصلاً، ورواه بعضهم مرسلاً، فهل الحكم لمن أوصل، أو لمن أرسل، أو للأكثر، أو للأحفظ؟ أقوال أربعة:
أحدها: -وهو الأظهر- الأول الذي صححه الخطيب.
وقوله: «وقيل» (خ) هذا القول الثاني، وهو الحكم لمن أرسل، وهو قول الأكثر.
قلت: «وإرسالِهِ» [٣٢ - أ] بالجر عطفاً بـ «بل» على «لوصلِ ثقةٍ» انتهى.
و «للأكثر» خبر مبتدأ محذوف أي: وهذا للأكثر.
وقوله:
١٤٨ - وَنَسبَ الأوَّلَ لِلْنُّظَّارِ ... أنْ صَحَّحُوْهُ، وَقَضَى (البُخَارِيْ)
١٤٩ - بِوَصْلِ ((لاَ نِكَاحَ إلاَّ بِوَلِيْ)) ... مَعْ كَوْنِ مَنْ أَرْسَلَهُ كَالْجَبَل
١٥٠ - وَقِيْلَ الاكْثَرُ، وَقِيْلَ: الاحْفَظُ ... ثُمَّ فَمَا إرْسَالُ عَدْلٍ يَحْفَظُ
١٥١ - يَقْدَحُ فِي أَهْليَّةِ الوَاصِلِ، أوْ ... مُسْنَدِهِ عَلَى الأَصَحِّ، وَرَأَوْا
стр. 112
١٥٢ - أَنَّ الأصَحَّ: الْحُكْمُ لِلرَّفْعِ وَلَوْ ... مِنْ وَاحِدٍ في ذَا وَذَا، كَما حَكَوْا
الشرح: يعني أن ابن الصلاح نسب القول الأول من الأربعة للنظار.
قلت: والنُّظَّار بضم النون، وتشديد الظاء المشددة، وآخره راء مهملة، وزن فُعَّالٍ، وهو جمع كثرةٍ لما كان على فاعل وفاعلةٍ قياساً، ومنه ناظر ونظار انتهى، وهم أهل الفقه والأصول.
وقوله: «أن صححوه».
قلت: هو بفتح الهمزة، وتخفيف النون، موصولٌ حرفي مسبوك بتصحيحه منصوباً على البدل من الأول، أي: ونسب ابن الصلاح تصحيح القول الأول للنظار، انتهى.
وقوله: «وقضى» (خ) يعني أن البخاري لما سُئل عن حديث: «لا نكاح إلا بولي» رواه إسرائيل وجماعة، عن أبي إسحاق، عن أبي بُردة، عن أبي موسى الأشعري، عن النبي ﷺ .
ورواه [٣٢ - ب] الثوري وشعبة عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن النبي ﷺ .
فحكم البخاري لمن وصله وقال: الزيادة من الثقة مقبولةً. هذا مع أن المرسل سفيان وشعبة ودرجتهما في الحفظ والإتقان معلومةٌ.
وقوله: «مع كون من أرسله» (خ) يعني أنهما جبلان حفظاً وإتقاناً.
وقوله: «الأكثر» هذا القول الثالث من الأربعة: أن الحكم للأكثر من أرسله أو وصله فالحكم له.
стр. 113
وقوله: «وقيل الأحفظ» هذا قول رابع، وهو الحكم للأحفظ من أرسله أو وصله، فالحكم له.
وقوله: «ثم» (خ) يعني هذا تفريعٌ على القول الرابع، وهو أنه ينبني عليه فيما إذا كان الحكم للأحفظ ما إذا أرسل هل يقدح ذلك في عدالة من وصله وفي أهليته أو لا؟ قولان: أصحهما وبه صدر ابن الصلاح كلامه: لا يقدح، ثم قال: ومنهم من قال: يقدح في مسنده وفي عدالته وفي أهليته.
وقوله: «أو مسنده» أي: وما أسنده من الحديث غير الذي أرسله من هو أحفظ لأن هذا بناءً على أن الحكم للأحفظ، وقد أرسل، فلا يشك على القول الثاني في قدحه في هذا المسند.
قلت: فقوله: «فما» (خ) ما نافية حجازية، و «إرسال عدلٍ يحفظ» اسمها وخبرها [٣٣ - أ] جملة «يقدح» إلى آخرها، أي قادحاً انتهى.
وقوله: «ورَأوا» (خ) إشارة إلى مسألة تعارُض الرفع والوقف كما إذا رفع بعض الثقات حديثاً ووقفه بعضهم، فقال ابن الصلاح: الحكم على الأصح للرفع؛ لأنه مثبتٌ وغيره ساكِتٌ.
وقوله: «ولو» (خ) إشارة إلى ما إذا وقع الاختلاف من راوٍ واحدٍ ثقةٍ في المسألتين معاً فوصله في وقت، وأرسله في وقت أو رفعه في وقت، ووقفه في وقت فالحكم على الأصح به لوصله ورفعه.
стр. 114
التَّدْلِيْسُ
قوله:
١٥٣ - تَدلِيْسُ الاسْنَادِ كَمَنْ يُسْقِطُ مَنْ ... حَدَّثَهُ، وَيَرْتَقِي بـ (عَنْ) وَ (أَنْ)
الشرح: التدليس ثلاثة أقسام، ذكر ابن الصلاح قسمين: تدليس الإسناد، وهو أن يروي عن مَنْ عاصره أو لقيه ما لم يسمعه منه، موهماً أنه سمعه منه وما سمعه إلا من شيخه بسماع شيخه من شيخه أو ممن فوقه (١) بقوله «عن فلانٍ» أو «أنَّ فلاناً» أو «قال فلانٌ»، ولا يقول «أخبرنا» ولا ما في معناه ونحوه.
وقوله:
١٥٤ - وَقَالَ: يُوْهِمُ اتِّصَالاً، وَاخْتُلِفْ ... فِي أَهْلِهِ، فَالرَّدُّ مُطْلَقاً ثُقِفْ
الشرح: فقوله «وقال» معطوف على قوله بـ «عن» و «أن» أي وبـ «قال».
وقوله: «يوهم» (خ) يُفهم الشرط في تدليس الإسناد أن يكون المدلِّس عاصر المروي عنه أو لقيه؛ لأن الإيهام إنما [٣٣ - ب] يقع مع المعاصرة.
стр. 115
وقوله: «واختُلف» (خ) يعني أنه اختُلف في أهل هذا القسم من التدليس وهم المعروفون به، فقيل: يُرد حديثهم مطلقاً بينوا السماع أم لم يبينوا، ومن عُرف به مجروحٌ. وحكاه ابن الصلاح عن جماعة من المحدثين والفقهاء.
وقوله: «فالرد» (خ) قلت: «ثُقِف» بضم المثلثة، وبعده قاف، ففاء، مبني للمفعول أي: وُجد عن بعضهم، انتهى.
وقوله:
١٥٥ - وَالأكْثَرُوْنَ قَبِلُوْا مَا صَرَّحَا ... ثِقَاتُهُمْ بِوَصْلِهِ وَصُحِّحَا
الشرح: يعني أن الصحيح التفصيل، فما بُيِّن فيه الاتصال بـ «سمعت» و «حدثنا» ونحوه مقبول محتج به، وإن أتى بلفظ محتملٍ فمُرسل حكمه.
وقوله: «والأكثرون» من الزيادات على ابن الصلاح التي أهمل (ن) فيها لفظ «قلت»، والذي حكاه عن الأكثرين العلائيُّ في كتاب «المراسيل». قال (ن) (١): وهو قول الشافعي وابن المديني وابن معين وغيرهم.
قلت: «وصُحِّحَا» بضم أوله مبني للمفعول، انتهى.
وقوله:
١٥٦ - وَفي الصَّحِيْحِ عِدَّةٌ كـ (الاعْمَشِ) ... وَكـ (هُشَيْمٍ) بَعْدَهُ وَفَتِّش
الشرح: يعني أن في الصحيحين وغيرهما من الكتب الصحيحة عِدَّة رواةٍ من المدلسين كمن ذكره.
стр. 116
قلت: [٣٤ - أ] وهُشَيمٌ بضم الهاء، وفتح الشين المعجمة، وبعده ياء مثناة تحت ساكنة فميم، هو ابن بشيرٍ انتهى.
وقوله: «وفتش» يعني فتش في الصحيح تجدْ جماعةً منهم كقتادة والسفيانين وعبد الرزاق وغيرهم.
ونقل (ن) (١) عن الحلبي عبد الكريم في كتابه «القِدْح» أن المعنعنات التي في الصحيحين مُنَزَّلة بمنزلة السماع.
وقوله:
١٥٧ - وَذَمَّهُ (شُعْبَةُ) ذُو الرُّسُوْخِ ... وَدُوْنَهُ التَّدْليْسُ لِلشِّيُوْخ
الشرح: يعني أن تدليس الإسناد مكروه جداً، وفاعله مذموم، وممن ذمه شعبة، فبالغ في ذمه. وروى الشافعي ﵁ عن شعبة قال: «التدليس أخو الكذب». وقال: «لأن أزني أَحَبُّ إلي من أن أدلس».
قلت: وَصف شعبة بالرسوخ، وهو أبو بسطامٍ شعبة ابن الحجاج، كان إماماً من أئمة المسلمين، وركناً من أركان الدين، به حفظ الله أكثر الحديث.
قال الشافعي: «لولا شعبة ما عُرِفَ الحديثُ بالعراق».
وروى عنه الخلق، ومنهم سفيان الثوري، وابن المبارك، والطيالسي أبو داود ﵁. انتهى.
وقوله: «ودونه» (خ) هذا القسم الثاني: تدليس الشيوخ، وهو أخَف من
стр. 117
الأول.
وقوله:
١٥٨ - أنْ يَصِفَ الشَّيْخَ بِمَا لا يُعْرَفُ ... بِهِ، وَذَا بِمقْصِدٍ يَخْتَلِفُ [٣٤ - ب]
الشرح: هو بفتح «أَنْ» مخففةً مصدريةً والجملة في موضع رفع على البيان لقوله: «التدليس» أو خبر مبتدأ محذوفٍ أي: وهو أن يصف المدلس شيخه الذي سمع منه ذلك الحديث بوصفٍ لا يُعْرَف به من اسمٍ، أو كنيةٍ، أو نِسبةٍ إلى قبيلة، أو بلد، أو صنعة، ونحو ذلك؛ ليوعر الطريق إلى معرفة السامع له. كقول أبي بكر بن مجاهدٍ أحد أئمة القرآن: حدثنا عبد الله بن أبي عبد الله، يريد عبد الله بن أبي داود السجستاني.
وقوله: «وذا» (خ) يعني أن الحال يختلف في كراهة هذا القسم بحسب اختلاف المقصد الحامل على ذلك.
وقوله:
١٥٩ - فَشَرُّهُ للضَّعْفِ وَاسْتِصْغَارا ... وَكـ (الخَطِيْبِ) يُوْهِمُ اسْتِكْثَارَا
١٦٠ - و (الشَّافِعيْ) أثْبَتَهُ بِمَرَّةِ ... قُلْتُ: وَشَرُّهَا أخُو التَّسْوِيَة
الشرح: يعني أن شر ذلك إذا كان الحامل عليه كون المروي عنه ضعيفاً فيدلِّسُهُ حتى لا يُظهر روايته عن الضعفاء، أو كونه صغيراً في السن، أو تأخرت وفاته وشاركه فيه من هو دونه، أو إيهام كثرة الشيوخ بأن يروي عن الواحد في مواضع يُعَرِّفُهُ في موضعٍ بصفةٍ وفي آخر بأخرى موهماً إنه غيره، كما يصنعه كثيراً الخطيب، فإنه أكثر من ذلك في تصانيفه.
стр. 118
وقوله: [٣٥ - أ] «والشافعي» (خ) يعني: أن الشافعي أثبت أصل التدليس لا هذا القسم الثاني، فلا يُقبل (١) من المدلس حتى يُبين، قد أجراه الشافعي ﵁ فيمن عرفناه دَلَّسَ مرةً، وممن حكاه عن الشافعي البيهقي في «المدخل».
وقوله: «قلت» (خ) هذا هو القسم الثالث الذي زاده (ن) على ابن الصلاح وهو تدليس التسوية، وصورته أن يروي حديثاً عن شيخٍ ثقةٍ، وذلك الثقة يرويه عن ضعيف عن ثقةٍ، فيأتي المدلِّس الذي سمع الحديث من الثقة الأول فيُسقط الضعيف الذي في السند ويجعل الحديث عن شيخه الثقة عن الثقة الثاني بلفظٍ محتمل فيستوي الإسناد كله ثقاتٌ.
وهذا شر أقسام التدليس لما فيه من الغرور الشديد، وقد كان يفعل ذلك بقية بن الوليد، والوليد بن مسلم.
أما بقية فقال ابن أبي حاتم في كتاب «العلل»: سمعت أبي وذكر الحديث الذي رواه ابن راهويه، عن بقية: حدثني أبو وهب الأسدي، عن نافع، عن ابن عمر حديث: «لا تحمدوا إسلام المرء حتى تعرفوا عقدة رأيه». فقال أبي: هذا الحديث له أمرٌ قَلَّ من يفهمه، روى هذا الحديث عبيد الله بن عمروٍ، عن إسحاق بن أبي فروة، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ . وعبيد الله بن عمرو يكنى أبا وهبٍ [٣٥ - ب] وهو أسدي، فكناه بقية ونسبه إلى بني أسد لكي لا يُفْطَنَ له، حتى إذا تُرِك إسحاق بن أبي فروة من الوسط لا يُهتدى إليه.
стр. 119
وأما الوليد، فقال أبو مسهر: كان الوليد يحدث بأحاديث الأوزاعي عن الكذابين ثم يدلسها عنهم.
وقال جزرة صالحٌ: سمعت الهيثم بن خارجة يقول [قلت] (١) للوليد: قد أفسدت أحاديث الأوزاعي. قال: كيف؟ قلت: تروي عن الأوزاعي عن نافع، وعن الأوزاعي عن الزهري، وعن الأوزاعي عن يحيى بن سعيد، وغيرك يدخل بين الأوزاعي وبين نافع عبد الله بن عامر الأسلمي، وبينه وبين الزهري إبراهيم بن مرة، وقُرَّة. قال: أُنَبِّل الأوزاعي أن يروي عن مثل هؤلاء. قلت: فإذا روى عن هؤلاء وهم ضعفاء أحاديث مناكير فأسقطتهم أنت وصيَّرتها من رواية الأوزاعي عن الثقات ضُعِّفَ الأوزاعي. فلم يلتفت إلى قولي.
стр. 120
الشَّاذُّ
قوله:
١٦١ - وَذُو الشُّذُوذِ: مَا يُخَالِفُ الثِّقَهْ ... فِيهِ المَلاَ فَالشَّافِعيُّ حقَّقَهْ
الشرح: اختُلف في الشاذ، فقال الشافعي ﵁: هو ما رواه الثقة مخالفاً لما رواه الناس.
وحكى الخليلي أبو يعلى عن جماعةٍ من الحجازيين نحو هذا.
وقوله:
١٦٢ - والحَاكِمُ الخِلاَفَ فِيهِ ما اشْتَرَطْ ... وَلِلْخَلِيليْ مُفْرَدُ الرَّاوي فَقَطْ [٣٦ - أ]
الشرح: يعني أن الحاكم حَدَّ الشاذ فقال: ما انفرد به الثقة، وليس له أصل بمتابعٍ لذلك الثقة. فلم يشترط الحاكم فيه مخالفة الناس.
وقوله: «وللخليلي» (خ) يعني أن الخليلي حَدَّهُ فقال: الذي عليه حُفَّاظ الحديث أن الشاذ ما ليس له إلا إسنادٌ واحدٌ يَشِذُّ بذلك شيخٌ ثقة أو غيرُ ثقة، فما كان غير ثقة فمتروك، وما كان عن ثقة يتوقف فيه، ولا يُحتج به. فلم يشترط تفرد الثقة بل مطلق التفرد.
قلت: و «الخليلي» بفتح الخاء المعجمة، وكسر اللام، بينهما ياء مثناة تحت ساكنة، نسبةً إلى جده الخليل؛ لأنه أبو يعلى الخليل بن عبد الله بن أحمد بن
стр. 121
إبراهيم بن الخليل القزويني الحافظ، وابنه واقدٌ حدث عنه يحيى بن منده. انتهى.
وقوله:
١٦٣ - وَرَدَّ مَا قَالاَ بِفَرْدِ الثِّقَةِ ... كالنَّهْي عَنْ بَيْعِ الوَلاَ وَالهِبَة
١٦٤ - وَقَوْلٍ مُسْلِمٍ: رَوَى الزُّهْرِيُّ ... تِسْعِينَ فَرْداً كُلُّهَا قَوِيُّ
الشرح: يعني أن ما قاله الحاكم والخليلي رده ابن الصلاح بأفراد الثقات الصحيحة كحديث: «إنما الأعمال بالنيات»، تفرد به يحيى عن التيمي، والتيمي عن علقمة، وعلقمة عن عمر، وعمر عن النبي ﷺ .
وكحديث «النهي عن بيع الولاء» تفرد به عبد الله بن دينار عن ابن عمر.
وهذان وغيرهما أيضاً [٣٦ - ب] مخرجة في الصحيحين، وليس لها إلا إسنادٌ واحد، فليس كما أطلقه الحاكم والخليلي.
وقوله: «وقول مسلم» (خ) هو بِجَرِّ «وقول» عطفاً على بـ «فرد» أي: ورَدَّ ما قالاه بقولِ مسلمٍ: «للزهري نحو تسعين حرفاً يرويه عن النبي ﷺ لا يشاركه فيه أحدٌ بأسانيد جياد».
وقوله:
١٦٥ - واخْتَارَ فِيْمَا لَمْ يُخَالِفْ أنَّ مَنْ ... يَقْرُبُ مِنْ ضَبْطٍ فَفَرْدُهُ حَسَنْ
١٦٦ - أوْ بَلَغَ الضَّبْطَ فًصَحِّحْ أَوْ بَعُدْ ... عَنْهُ فَمِمَّا شَذَّ فَاطْرَحْهُ وَرُدْ
стр. 122
الشرح: يعني أن ابن الصلاح اختار التفصيل فما خالف مُفْرِدُهُ أحفظَ منه وأضبط فشاذ مردودٌ، وإن لم يخالف وهو عدلٌ ضابطٌ فصحيح، أو غير ضابطٍ ولا يبعد عن درجة الضابط فحسنٌ، وإن بَعُدَ فشاذ منكر.
وقوله: «ورُدْ» فعل أمر، و «رد» معطوف على قوله: «فاطرحْه».
قال ابن الصلاح: فخرج من ذلك أن الشاذ المردود قسمان: الحديث الفرد المخالف، والفرد الذي ليس في راويه من الثقة والضبط ما يقع جابراً لما يوجبه التفرد والشذوذ من النكارة والضعف.
стр. 123
الْمُنْكَرُ
قوله:
١٦٧ - وَالْمُنكَرُ: الفَرْدُ كَذَا البَرْدِيجِيْ ... أَطْلَقَ، وَالصَّوَابُ فِي التَّخْرِيْج
١٦٨ - إِجْرَاءُ تَفْصِيْلٍ لَدَى الشُّذُوْذِ مَرْ ... فَهْوَ بِمَعْناهُ كَذَا الشَّيْخُ ذَكَرْ [٣٧ - أ]
١٦٩ - نَحْوَ «كُلُوا البَلَحَ بالتَّمْرِ» الخَبَرْ ... وَمَالِكٍ سَمَّى ابْنَ عُثْمَانَ: عُمَرْ
١٧٠ - قُلْتُ: فَمَاذَا؟ بَلْ حَدِيْثُ «نَزْعِهْ ... خَاتَمَهُ عِنْدَ الخَلاَ وَوَضْعِهْ»
الشرح: يعني أن البرديجي حَدَّ المنكر بأنه الحديث الذي تفرد به الرجل، ولا يُعرف متنه من غير روايته، لا من الوجه الذي رواه، ولا من آخر.
قال ابن الصلاح: فأطلق البرديجي ذلك ولم يفصِّل.
«وكذا» بمعنى: عند.
والصواب فيه التفصيل الذي بيناه آنفاً في شرح الشاذ.
وقوله: «نحو كلوا» (خ) هذا مثالٌ للفرد الذي ليس في راويه من الثقة والإتقان ما يحتمل معه تفرده، وهو رواية النسائي وابن ماجه من رواية أبي زُكيرٍ -بضم الزاي، وفتح الكاف، وبعده مثناة تحت ساكنة، فراء مهملة- يحيى بن محمد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: أن رسول الله ﷺ قال: «كلوا البلح بالتمر فإن ابن آدم إذا أكله غضب الشيطان»
стр. 124
الحديث. قال النسائي: حديث منكر. قال ابن الصلاح: تفرد به أبو زكير وهو شيخ صالحٌ أخرج عنه مسلمٌ في كتابه غير أنه لم يبلغ مبلغ من يحتمل تفرده انتهى.
قال (ن) (١): وإنما أخرج مسلم في المتابعات.
وقوله: «ومالك» (خ) هذا مثال ثانٍ للفرد المخالف لما رواه الثقات، وهو ما رواه عن الزهري، عن علي بن حسين، عن عمر بن عثمان، عن أسامة [٣٧ - ب] بن زيد، عن رسول الله ﷺ قال: «لا يرث المسلم الكافر» (ح) (٢) فخالف مالك غيره من الثقات في قوله عمر بن عثمان بضم العين، وإنما هو عمروٌ بفتحها، فيما نص عليه مسلمٌ في «التمييز» إذ كل من روى هذا الحديث من أصحاب الزهري إنما يقوله «عمرو»، وذكر أن مالكاً كان يشير بيده إلى دار عُمر بن عثمان لما علم أنهم يخالفونه، وعمرو وعمر ولدا عثمان، إلا أن الحديث عن عمرو.
وقوله: «فماذا» (خ) يعني أن قول مالكٍ عُمر بضم العين ماذا يترتب عليه؟ وغايته أن الإنكار أو الشذوذ في السند لمخالفة الثقات مالكاً في ذلك، ولا يلزم من شذوذ السند ونكارته اتصاف المتن بذلك، وقد ذكر ابن الصلاح أن العلة في السند قد تقدح في المتن، وقد لا، ومَثَّل لنفي القدح برواية يعلى بن عبيد، عن الثوري، عن عمرو بن دينار، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: «البيعان بالخيار» (ح) فهذا إسناد معلل غير صحيح والمتن
стр. 125
صحيح. قال: والعلة في قوله: «عمرو بن دينار» وإنما هو «عبيد الله بن دينار»، فقد صح المتن مع الحكم بوهم يعلى بن عبيد فيه.
وقوله: «بل» (خ) إشارةً منه إلى مثال صحيح لأحد قسمي المنكر، وهو ما في السنن الأربعة عن همام بن يحيى عن ابن جريج، عن الزهري [٣٨ - أ]، عن أنس قال: «كان النبي ﷺ إذا دخل الخلاء وضع خاتمه». فقال أبو داود بعد تخريجه: هذا حديث منكر، وإنما يُعرف عن ابن جريج، عن زياد بن سعد، عن الزهري، عن أنس: أن النبي ﷺ اتخذ خاتماً من ورقٍ، ثم ألقاه. قال: والوهم فيه من همامٍ، ولم يروه إلا همامٌ.
وقال النسائي بعد تخريجه: هذا حديث غير محفوظ.
قال (ن) (١): وهمام ثقةٌ إلا أنه خالف الناس في روايته عن ابن جريج هذا المتن بهذا السند، والذي رواه الناس عن ابن جريج الحديث الذي أشار إليه (د) (٢) انتهى.
стр. 126
الاعْتِبَارُ وَالْمُتَابَعَاتُ وَالشَّوَاهِدُ
قوله:
١٧١ - الاعْتِبَارُ سَبْرُكَ الحَدِيْثَ هَلْ ... شَارَكَ رَاوٍ غَيْرَهُ فيْمَا حَمَلْ
١٧٢ - عَنْ شَيْخِهِ، فَإنْ يَكُنْ شُوْرِكَ مِنْ ... مُعْتَبَرٍ بِهِ، فَتَابِعٌ، وَإنْ
١٧٣ - شُورِكَ شَيْخُهُ فَفَوْقُ فَكَذَا ... وَقَدْ يُسَمَّى شَاهِداً، ثُمَّ إذَا
١٧٤ - مَتْنٌ بِمَعْنَاهُ أتَى فَالشَّاهِدُ ... وَمَا خَلاَ عَنْ كُلِّ ذَا مَفَارِدُ
١٧٥ - مِثَالُهُ ((لَوْ أَخَذُوا إهَابَهَا)) ... فَلَفْظَةُ ((الدِّبَاغِ)) مَا أتَى بِهَا
١٧٦ - عَنْ عَمْرٍو الاَّ ابنُ عُيَيْنَةٍ وَقَدْ ... تُوبِعَ عَمْروٌ في الدِّبَاغِ فَاعْتُضِدْ
١٧٧ - ثُمَّ وَجَدْنَا ((أَيُّمَا إِهَابِ)) ... فَكَانَ فيهِ شَاهِدٌ في الباب
الشرح: قلت: هذه أمور يتعرفون بها حال الحديث، فالاعتبار [٣٨ - ب] أنه تأتي إلى حديث لبعض الرواة فتعتبره بروايات غيره منهم، فتسبر طرق الحديث لتعرف هل شاركه في الحديث راو غيره فرواه عن شيخه أم لا، فإن شاركه ممن حديثُه معتبرٌ فتسمي حديثه تابعاً، وإن لم تجد أحداً تابعه عليه عن شيخه، فانظر هل تابع أحدٌ شيخَ شيخه فرواه متابعاً له أم لا، فإن وُجد فسمه أيضاً تابعاً وشاهداً، وإن لم تجد فافعل ذلك فيمن فوقه إلى آخر الإسناد حتى في الصحابي، فكل من وُجد له متابع فسمه تابعاً وشاهداً، فإن لم تجد لأحدٍ
стр. 127
ممن فوقه متابعاً عليه، نظرت هل جاء بمعناه حديثٌ آخر في الباب أم لا، فإن (١)، فَسَمِّ ذلك الحديث شاهداً، وإن لم تجد حديثاً آخر يؤدي معناه فلا متابعة، ولا شاهداً، والحديث إذٍ فردٌ. وعلى هذا نَزِّل النظم.
وقوله: «سبرك». قلت: هو بفتح السين المهملة، وإسكان الموحدة، وبعده راء مهملة، من سَبَرْتُ الجُرْح أسبُرُه إذا نظرت ما غَورُه، وكل أمر رُزْتَه (٢) فقد سبرته وأسبرته.
وقوله: «ففوق». قلت: هو بضم القاف غير منون مبنياً لَمَّا حذفَ المضاف إليه «فوق» ونُوي، ومنه: «ابدأ بهذا أَوَّلُ» (٣)، وخذ هذا حسب: قال: «أقَبُّ من تحت عريضٌ من عَلِ». انتهى.
ومثال طريق الاعتبار في الأخبار: حديث رواه حماد [٣٩ - أ] بن سلمة مثلاً ولم يتابع عليه، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، فينظر هل رواه ثقة غير أيوب كذلك، فإن لم يوجد فثقة غير ابن سيرين كذلك، فإن لم يوجد فصحابي غير أبي هريرة، فأي ذلك وجدنا عُلِمَ أن له أصلاً يُرْجَع إليه، وإلا فلا.
ومثاله أعني ما عُدمت فيه المتابعات رواية الترمذي برواية حماد بن سلمة بسنده المذكور إلى أبي هريرة أراه رفعه: «أحبِبِ حبيبك هوناً ما ... » الحديث،
стр. 128
قال (ت) (١): حديث غريب لا نعرفه بهذا الإسناد إلا من هذا الوجه.
قال (ن) (٢): أي من وجه يثبت، وقد رواه الحسن بن دينار وهو متروك الحديث، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، قال (٣): في «الكامل»: ولا أعلم أحداً قال عن ابن سيرين عن أبي هريرة إلا الحسن بن دينار. ومن حديث أيوب بسنده رواه حماد، ويرويه الحسن بن أبي جعفر عن أيوب عن ابن سيرين عن حميد بن عبد الرحمن الحميري عن علي مرفوعاً.
والحسن بن أبي جعفر منكر الحديث فيما نص عليه البخاري انتهى.
وقوله: «مثاله» (خ) هذا مثال لما وجد له تابع وشاهد، وهو رواية مسلم والنسائي من رواية ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عطاء، عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ [٣٩ - ب] مر بشاةٍ مطروحة أُعْطِيَتْهَا مولاةٌ لميمونة من الصَّدَقة، فقال النبي ﷺ : «ألا أخذوا إهابها فدبغوه فانتفعوا به» رواه ابن جريج عن عمروٍ ولم يذكر الدباغ إلا ابن عيينة (٤).
قلت: و «الإهاب» بكسر الهمزة، وبعده هاء، فألف، فباء موحدة، قيل: هو الجلد مطلقاً. وقيل: هو الجلد قبل الدباغ، فأما بعده فلا يسمى إهاباً، انتهى.
وقوله: «وقد توبع» (خ) يعني: أنا نظرنا هل نجد أحداً تابع شيخه عمرو بن
стр. 129
دينار على ذكر الدباغ أم لا فوجدنا أسامة بن زيد الليثي تابع عمراً عن عطاء عن ابن عباس: «ألا نزعتم إهابها فدبغتموه فانتفعتم به» فيما رواه الدارقطني من طريق ابن وهب عن أسامة.
قال البيهقي: وهكذا رواه الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عطاءٍ. وكذا رواه يحيى بن سعيد، عن ابن جريج، عن عطاء. فهذه متابعات لرواية ابن عيينة.
وقوله: «ثم وجدنا» (خ) يعني: ثم نظرنا أيضاً فوجدنا له شاهداً، وهو رواية مسلم والسنن الأربعة عن عبد الرحمن بن وَعْلَة المصري، عن ابن عباسٍ، عن النبي ﷺ : «أيما إهاب دُبِغَ فقد طهر».
стр. 130
زِيَادَةُ الثِّقَاتِ
قوله:
١٧٨ - وَاقْبَلْ زِيَادَاتِ الثِّقَاتِ مِنْهُمُ ... وَمَنْ سِوَاهُمْ فَعَلَيْهِ المُعْظَمُ [٤٠ - أ]
١٧٩ - وَقِيْلَ: لاَ، وَقِيْلَ: لاَ مِنْهُمْ، وَقَدْ ... قَسَّمَهُ الشَّيْخُ، فَقَالَ: مَا انْفَرَدْ
١٨٠ - دُوْنَ الثِّقَاتِ ثِقَةٌ خَالَفَهُمْ ... فِيْهِ صَرِيْحَاً فَهُوَ رَدٌّ عِنْدَهُمْ
١٨١ - أَوْ لَمْ يُخَالِفْ، فَاقْبَلَنْهُ، وَادَّعَى ... فِيْهِ الخَطِيْبُ الاتِّفَاقَ مُجْمَعَا
١٨٢ - أَوْ خَالَفَ الاطْلاَقَ نَحْوُ ((جُعِلَتْ ... تُرْبَةُ الارْضِ)) فَهْيَ فَرْدٌ نُقِلَتْ
١٨٣ - فَالْشَّافِعِيْ وَأَحْمَدُ احْتَجَّا بِذَا ... ...............................
الشرح: هو فن العناية به مستحسنة، واشتُهر بمعرفته الفقيه أبو بكر عبد الله النيسابوري فكان يعرف زيادات الألفاظ في المتون فيما نص عليه الحاكم عنه، واشتهر به أيضاً أبو الوليد حسان بن محمد القرشي النيسابوري تلميذ ابن سُرَيج (١) وغير واحد من الأئمة، واختُلِف في زيادة الثقة على أقوال:
أحدُها: القبول، وهو مذهب الجمهور من الفقهاء والمحدثين فيما حكاه الخطيب عنهم، سواءً تعلق بها حكم شرعي أم لا، وسواءً غيرت الحكم الثابت أم لا، وسواءً أوجبت نقصاً من أحكام ثبتت بخبر ليس فيه تلك
стр. 131
الزيادة أم لا، وسواءً كان ذلك من شخص واحد بأن رواه مرةً ناقصاً ومرةً بزيادة، أو كانت الزيادة من غير من [٤٠ - ب] رواه ناقصاً. وهذا معنى قوله «ومن سواهم» أي: ومَن سوى من زادها بشرط كونه ثقة؛ لأن الفصل معقود لذلك، لا أن المراد ومَن سوى الثقات.
وقوله: «وقيل لا» هذا قول ثان: لا تقبل مطلقاً ممن رواه ناقصاً ولا من غيره، حكاه الخطيب في «الكفاية»، وابن الصباغ في «العدة».
وقوله: «وقيل لا» (خ) هذا قول ثالث لا تُقبل ممن رواه ناقصاً، وتُقبل من غيره من الثقات، حكاه الخطيب عن بعض الشافعية.
وزاد (ن) (١) في (ش) حكاية قولٍ رابع، وهو إن كانت الزيادة مغيرةً للإعراب كانا متعارضين، وإن لم تُغَير قُبِلت، حكاه في «العدة» عن بعض المتكلمين، وقول خامس: أنها لا تقبل إلا إذا أفادت [حكماً] (٢).
وقول سادس: أنها تقبل في اللفظ دون المعنى حكاهما الخطيب.
وقوله: «وقد قسمه» (خ) يعني ابن الصلاح قسم هذا النوع الذي هو زيادة الثقة إلى أقسام ثلاثة:
أحدها: زيادة تخالف ما رواه الثقات، وحكم هذا الرد كما سبق في الشاذ.
والثاني: زيادة حديث لا يخالف فيه غيره بشيء أصلاً، كالحديث الذي تفرد برواية جملته ثقة، ولا تعرض فيه لما رواه الغير بمخالفةٍ أصلاً، فهذا مقبول،
стр. 132
ونَقَل الخطيب اتفاق العلماء عليه، وسبق مثاله في نوع الشاذ.
والثالث: زيادة لفظ في حديث لم يذكرها سائر من رواه، كرواية مالك عن [٤١ - أ] نافع عن ابن عمر في حديث الفِطْر (١) لَفْظَ «من المسلمين»، فذكر (ت) (٢) أن مالكاً تفرد بزيادة هذه اللفظة، وأخذ بها غير واحد من الأئمة ومنهم الشافعي وأحمد ﵃. وإلى هذا أشار (ن) بقوله: فالشافعي وأحمد احتجا بذا.
وترك (ن) المثال بهذا مخالفاً لابن الصلاح قائلاً: إن مالكاً لم يتفرد بالزيادة كما زعم (ت) بل تابعه عليها عمر بن نافع، والضحاك بن عثمان، ويونس بن يزيد، وابن عمر، وعبد الله (٣) والمعلى بن إسماعيل، وكثير بن فَرْقَد، واقتَصَرَ على مثال حديث: «جُعلت لنا الأرض مسجداً وجعلت تربتها لنا طهوراً» فهذه الزيادة تفرد بها أبومالك سعد بن طارق الأشجعي وسائر الروايات لفظها: «جعلت لنا الأرض مسجدا وطهورا» فلذلك قال: «فهي فرد نُقلت» وهو صحيح، تفرد بالزيادة (٤) سعد بن طارق الأشجعي المذكور والحديث في صحيح مسلم والنسائي من رواية الأشجعي، عن ربعي، عن حذيفة.
стр. 133
وقوله:
............................. ... وَالوَصْلُ والارْسَالُ مِنْ ذَا أُخِذَا
١٨٤ - لَكِنَّ في الإرْسَالِ جَرْحاً فَاقْتَضَى ... تَقْدِيْمَهُ وَرُدَّ أنَّ مُقْتَضَى
١٨٥ - هَذَا قَبُولُ الوَصْلِ إذْ فِيْهِ وَفِيْ ... الجَرْحِ عِلْمٌ زَائِدٌ لِلْمُقْتَفِيْ
الشرح: يعني أن زيادة الوصل مع الإرسال من راوي الزيادة كما بين الوصل والإرسال من المخالفة، إلا أن الإرسال نوعُ قَدْحٍ في الحديث فترجيحه وتقديمه من قبيل تقديم الجرح على التعديل، وأُجيب عنه بأن الجرح قُدِّم لما فيه من زيادة العلم، والزيادة هنا مع من وصل، فَقُدِّمَ على الإرسال. هذا معنى قوله: «لكن» (خ).
стр. 134
الأَفْرَادُ
قوله:
١٨٦ - الفَرْدُ قِسْمَانِ، فَفَرْدٌ مُطْلَقَاْ ... وَحُكْمُهُ عِنْدَ الشُّذُوْذِ سَبَقَا
١٨٧ - وَالفَرْدُ بِالنِّسْبَةِ: مَا قَيَّدْتَهُ ... بِثِقَةٍ، أوْ بَلَدٍ ذَكَرْتَهُ
١٨٨ - أوْ عَنْ فُلانٍ نَحْوُ قَوْلِ القَائِلِ ... لَمْ يَرْوِهِ عَنْ بَكْرٍ الاَّ وَائِل
١٨٩ - لَمْ يَرْوِهِ ثِقَةٌ الاّ (ضَمْرَهْ) ... لَمْ يَرْوِ هَذَا غيرُ أهْلِ البَصْرَهْ
١٩٠ - فَإنْ يُرِيْدُوا وَاحِدَاً مِنْ أهْلِهَا ... تَجَوُّزَاً، فاجْعَلْهُ مِنْ أوَّلهِا [٤١ - أ]
١٩١ - وَلَيْسَ في أفْرَادِهِ النِّسْبِيَّهْ ... ضَعْفٌ لَهَا مِنْ هَذِهِ الحَيْثِيَّهْ
١٩٢ - لَكِنْ إذَا قَيَّدَ ذَاكَ بِالثِّقَهْ ... فَحُكْمُهُ يَقْرُبُ مِمَّا أطْلَقَهْ
الشرح: يعني أن الفرد قسمان: أحدهما: فرد عن جميع الرواة وهذا معنى كونه مطلقاً.
وقوله: «وحكمه» (خ) يعني أن حكم هذا القسم ومثاله سبق في قسم الشاذ.
وقوله: «والفرد» (خ) هذا هو القسم الثاني، وهو أن يكون مفرداً بالنسبة إلى
стр. 135
جهةٍ خاصة، كتقييد التفرد به بثقة أو بلد معين كمكة والبصرة [فإذا] (١) ذكرته فتقول: تفرد به أهل مكة ونحوه.
وقوله: «أو عن فلانٍ» (خ) يعني أو تقول: تفرد به فلان عن فلان، أو أهل البصرة عن أهل الكوفة.
وقوله: «نحو قول القائل» (خ) ومثاله حديث السنن الأربعة عن سفيان بن عيينة، عن وائل بن داود، عن ابنه بكر بن وائل، عن الزهري، عن أنس: «أن النبي ﷺ أَوْلَمَ على صفية بسَويقٍ وتمرٍ». قال ابن طاهر في «أطراف الغرائب»: غريبٌ من حديث بكر بن وائل عنه، تفرد به وائل بن داود، ولم يروه عنه غير سفيان.
وقوله: «لم يروه ثقة» (خ) مثاله حديث: «أن النبي ﷺ كان يقرأ في الأضحى والفطر بقاف واقتربت الساعة». رواه مسلم والسنن الأربعة من رواية ضمرة بن سعيد المازني، عن عبيد الله بن عبد الله [٤٢ - أ] المازني، عن أبي واقد الليثي، عن النبي ﷺ . وهذا الحديث لم يروه إلا ضمرة فيما نص عليه علاء الدين التركماني شيخ (ن) في «الدُّر النقي».
قلت: وضمرة بفتح الضاد المعجمة وإسكان الميم انتهى.
وقوله: «لم يرو هذا» (خ) مثاله رواية أبي داود، عن أبي الوليد الطيالسي، عن همام، عن قتادة، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد قال: «أمرنا رسول الله ﷺ أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسر».
стр. 136
قال الحاكم تفرد بذكر الأمر فيه أهل البصرة من أول الإسناد إلى آخره، ولم يشركهم في هذا اللفظ سواهم.
وحديث عبد الله بن زيد في صفة وضوء رسول الله ﷺ ومسح رأسه بماءٍ غير فضل يده، رواه مسلم وأبو داوود والترمذي، قال الحاكم: وهذه سنة غريبة تفرد بها أهل مصر ولم يشركهم فيها أحد.
فقوله: «لم يروه عن بكر» يرجع إلى «أو عن فلانٍ».
وقوله: «لم يروه إلا ضمرة» يرجع إلى قوله: «بثقةٍ».
وقوله: «لم يرو هذا» يرجع إلى قوله: «أو بلد» فهو لف بياني غير مرتب.
وقوله: «فإن يريدوا» (خ) يعني أنهم إن أرادوا بقولهم: «انفرد به أهل البصرة» ونحو ذلك واحداً منها انفرد به متجوزين بذلك فإنه من القسم الأول الفرد والمطلق.
مثاله: حديث: «كلوا البلح» المتقدم. قال الحاكم: «هو من أفراد البصريين عن المدنيين، تفرد به أبو زُكير عن هشام بن عروة» [٤٢ - ب]. فجعله من أفراد البصريين وأراد واحداً منهم. فالضمير في «أولها» يعود إلى الأفراد.
وقوله: «وليس» (خ) يعني أنه ليس في أفراد القسم الثاني ما يقتضي الحكم بضعفها من حيث كونها أفراداً.
وقوله: «لكن» (خ) يعني اللهم إلا أن يكون القيد بالنسبة لرواية الثقة مثل: «لم يروه ثقة إلا فلان» فحكمه قريب من القسم الأول المطلق؛ لأن رواية غير الثقة كلا رواية.
стр. 137
الْمُعَلَّلُ
قوله:
١٩٣ - وَسَمِّ مَا بِعِلّةٍ مَشْمُوْلُ ... مُعَلَّلاً، وَلاَ تَقُلْ: مَعْلُوْلُ
الشرح: يعني أن الحديث إذا شملته علةٌ من علل الحديث يسمى مُعَلَّلاً لا معلولاً كما هو في عبارة الكثير من المحدثين، والترمذي، وابن عدي، والدارقطني، وأبي يعلى الخليلي، والحاكم، وغيره من الفقهاء في باب القياس حيث قالوا: «العلة والمعلول» قال ابن الصلاح: وهو مرذولٌ عند أهل العربية واللغة، وقال النووي: لحن. واختار (ن) المُعَلَّ.
وقوله:
١٩٤ - وَهْيَ عِبَارَةٌ عَنْ اسْبَابٍ طَرَتْ ... فِيْهَا غُمُوْضٌ وَخَفَاءٌ أثَّرَتْ
١٩٥ - تُدْرَكُ بِالخِلاَفِ وَالتَّفَرُّدِ ... مَعَ قَرَائِنٍ تُضَمُّ، يَهْتَدِيْ
١٩٦ - جِهْبَذُهَا إلى اطِّلاَعِهِ عَلَى ... تَصْويْبِ إرْسَالٍ لِمَا قَدْ وُصِلاَ
١٩٧ - أوْ وَقْفِ مَا يُرْفَعُ، أوْ مَتْنٌ دَخَلْ ... في غَيْرِهِ، أوْ وَهْمِ وَاهِمٍ حَصَلْ [٤٣ - أ]
١٩٨ - ظَنَّ فَأمْضَى، أوْ وَقَفْ فأحْجَمَا ... مَعْ كَوْنِهِ ظَاهِرَهُ أنْ سَلِمَا
الشرح: يعني أن المعلل هو ما فيه سببٌ قادحٌ غامضٌ مع أن ظاهره السلامة منه، ويتمكن منه أهل الحفظ والخبرة والفهم الثاقب. ويتطرق ذلك إلى
стр. 138
الإسناد الجامع لشروط الصحة ظاهراً ويُدرَك ذلك بتفرد الراوي، وبمخالفة غيره له مع قرائن منضمة إلى ذلك، يهتدي الناقد بذلك إلى اطلاعه على إرسال في الموصول أو وقف في المرفوع، أو دخول حديث في حديث أو وهم واهمٍ بغير ذلك بحيث يغلب على ظنه ذلك فأمضاه وحكم به، أو تردد في ذلك فوقف وأحجم عن الحكم بصحة الحديث، وإن لم يغلب على ظنه صحة التعليل بذلك، مع كون الحديث المعلل ظاهره السلامة من العلة.
فقوله: «جهبذها». قلت: هو بكسر الجيم، وإسكان الهاء، وبعده باء موحدة مكسورة، فذال معجمة.
وقوله: «أن سَلما»، هو بفتح الهمزة، مخفف النون مصدريةٌ في موضع رفع على الخبر، لقوله: «ظاهره» والجملة من مبتدأ وخبر في موضع نصبٍ خبر لكونِهِ.
وقوله: «فأحجما».
قلت: هو بالحاء المهملة، وبعده جيم، فميم، أي: كَفَّ. انتهى.
ومثال العِلَّة في الحديث: حديث رواه الترمذي وحسنه أو صححه، وابن حبان، والحاكم وصححه [٤٣ - ب]، من رواية ابن جريج، عن موسى بن عقبة، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة مرفوعاً: «من جلس في مجلسٍ فَكَثُرَ فيه لَغَطُه» الحديث.
قال الحاكم: في «العلوم» له: هذا حديثٌ من تأمله لم يشك أنه من شرط الصحيح، وله علةٌ فاجتنبه، ثم روى أن مسلماً جاء إلى البخاري فسأله عن
стр. 139
علته فقال: هذا حديث مليح، ولا أعلم في الدنيا في هذا الباب غير هذا الحديث الواحد، إلا أنه معلول؛ حدثنا به موسى بن إسماعيل: حدثنا وهيب: حدثنا سهيل، عن عون بن عبد الله (١).
وقوله:
١٩٩ - وَهْيَ تَجِيءُ غَالِباً في السَّنَدِ ... تَقْدَحُ في المتْنِ بِقَطْعِ مُسْنَد
٢٠٠ - أوْ وَقْفِ مَرْفُوْعٍ، وَقَدْ لاَ يَقْدَحُ ... (كَالبَيِّعَانِ بالخِيَار) صَرَّحُوا
٢٠١ - بِوَهْمِ (يَعْلَى بْنِ عُبَيدٍ): أبْدَلا ... (عَمْراً) بـ (عَبْدِ اللهِ) حِيْنَ نَقَلا
٢٠٢ - وَعِلَّةُ المتْنِ كَنَفْي البَسْمَلَهْ ... إذْ ظَنَّ رَاوٍ نَفْيَها فَنَقَلَهْ
٢٠٣ - وَصَحَّ أنَّ أَنَساً يَقُوْلُ: (لا ... أحْفَظُ شَيْئاً فِيهِ) حِيْنَ سُئِلاَ
الشرح: يعني أن العلة تكون غالباً في السَّنَد، أي الإسناد، وهو الأكثر، وتكون في المتن.
والتي تكون في الإسناد قد تقدح في صحة المتن، وقد لا تقدح. فالتي تقدح في المتن كالتعليل بالإرسال والوقف، والتي لا تقدح كحديث يعلى بن عبيد، عن الثوري، عن عمرو بن دينارٍ، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ [٤٤ - أ]: «البيعان بالخيار» (خ) فوهم فيه يعلى بن عبيدٍ الطنافسي أحد رجال الصحيح على سفيان في قوله: عمرو بن دينار، وإنما
стр. 140
المعروف من حديث سفيان عن عبد الله بن دينارٍ عن ابن عمر، هكذا رواه الأئمة من أصحاب سفيان كالفضل بن دكين وعبيد الله بن موسى العبسي، ومحمد بن يوسف الفِرْيَابي، وغيرهم.
فقوله: «بقطع مسند». قلت: لك أن تقرأه بكسر النون اسم فاعلٍ من أَسْنَدَ رباعياً، وبفتحها اسم مفعول منه، بمعنى: الحديث، أي: الإسناد والمرسلُ صالح لهما (١). انتهى.
وقوله: «أَبْدَلا» (خ) يعني أن السبب في توهم يعلى كونه ترك عبد الله بن دينار وأتى بعمرو بن دينار، فأدخل الباء على المتروك وهو جائز.
وقوله: «وعلة المتن» (خ) يعني أن مثال علة المتن انفراد مسلم في «الصحيح» من رواية الوليد بن مسلمٍ: حدثنا الأوزاعي، عن قتادة: أنه كتب إليه يخبره عن أنس بن مالك أنه حدثه قال: «صليت خلف النبي ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان فكانوا يستفتحون بالحمد لله رب العالمين، لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم في أول قراءة ولا في آخرها».
ثم رواه من رواية الوليد، عن الأوزاعي: أخبرني إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة: أنه سمع أنس بن مالكٍ يذكر ذلك [٤٤ - ب].
وروى مالك في «الموطأ»، عن حُميد، عن أنسٍ قال: «صليت وراء أبي بكر وعمر وعثمان فكلهم كان لا يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم»، وزاد فيه الوليد: عن مالك: «صَلَّيت خلف رسول الله ﷺ ».
стр. 141
قال أبو عمر: «هو عندهم خطأ»، وحديث أنسٍ أَعَلَّه الشافعي ﵁ فيما نص عليه البيهقي في «المعرفة» عنه أنه قاله في «سنن حرملة» جواباً لسؤال أورده (١).
وقوله: «إذ ظن» (خ) يعني أن بعض الرواة ظن فهماً منه أن معنى قول أنس «يستفتحون بالحمد لله» أنهم لا يبسملون، فرواه على ما فهمه بالمعنى، وأخطأ في فهمه.
وقوله: «وصح» (خ) هذا دليلٌ على قوله: «إذ ظن» (خ)، أي: والدليل على أن أنساً لم يُرِد بما قاله نفي البسملة: ما صح عنه من رواية أبي مسلمة سعيد بن يزيد قال: سألت أنس بن مالك: أكان رسول الله ﷺ يستفتح بالحمد لله رب العالمين أو ببسم الله الرحمن الرحيم؟ فقال: إنك لتسألني عن شيء ما أحفظه، وما سألني عنه أحدٌ قبلك. كذا رواه أحمدُ في «مسنده»، وابن خزيمة في «صحيحه»، والدارقطني قائلاً: هذا إسناد صحيح.
قال البيهقي في «المعرفة»: وفي هذا دليل على أن مقصود أنسٍ ما ذكره الشافعي.
وقوله: [٤٥ - أ]
٢٠٤ - وَكَثُرَ التَّعْلِيْلُ بِالإرْسَالِ ... لِلوَصْلِ إنْ يَقْوَ عَلَى اتِّصَال
٢٠٥ - وَقَدْ يُعِلُّوْنَ بِكُلِّ قَدْحِ ... فِسْقٍ، وَغَفْلَةٍ، وَنَوْعِ جَرْح
стр. 142
٢٠٦ - وَمِنْهُمُ مَنْ يُطْلِقُ اسْمَ العِلَّةِ ... لِغَيْرِ قادحٍ كَوَصْلِ ثِقَة
٢٠٧ - يَقُوْلُ: مَعْلُوْلٌ صَحِيْحٌ كَالذّيْ ... يَقُوْلُ: صَحَّ مَعْ شُذُوْذٍ احْتَذِيْ
الشرح: يعني أنهم قد يُعِلُّون بأمور ليست خفية كالتعليل بالإرسال، وفِسْق الراوي وضعفه، ومالا يقدح أيضاً.
قال ابن الصلاح: وكثيراً ما يُعَلِّلون الموصول بالمرسل مثل أن يجيء الحديث بإسنادٍ موصولٍ وبإسناد منقطع أقوى من إسناد الموصول.
وقوله: «إن يَقْوَ» (خ) أي: إن يقوي الإرسال على الاتصال.
وقوله: «ومنهم» (خ) يعني أن بعضهم يُطلق اسم العلة على ما ليس بقادح مِن وجوه الخلاف كالحديث الذي وصله الثقة الضابط وأرسله غيره.
وقوله: «يقول» (خ) يعني حتى يقول: مِنْ أقسام الصحيح ما هو صحيح معلول. والقائل ذلك هو أبو يعلى الخليلي في «الإرشاد» لما قال: «إن أقسام الحديث كثيرةٌ: صحيح متفق عليه، وصحيحٌ معلول، وصحيح مختلف فيه». ثم مَثَّل الصحيحَ المعلول بحديث رواه إبراهيم بن طهمان، والنعمان بن عبد السلام، عن مالكٍ، عن محمد بن عجلان، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «للمملوك [٤٥ - ب] طعامه وشرابه». رواه أصحاب مالك كلهم في «الموطأ» عن مالكٍ، قال: بلغنا عن أبي هريرة.
قال: الخليلي فقد صار الحديث بتبيين الإسناد صحيحاً يُعتمد عليه، ثم قال: وكان مالكٌ يرسل الأحاديث لا يبين إسنادها، وإذا استقصى عليه من
стр. 143
يتجاسَر سؤاله ربما أجابه بالإسناد.
وقوله: «كالذي» (خ) يعني كما قال بعضهم في الصحيح ما هو صحيحٌ شاذٌ.
وقوله:
٢٠٨ - وَالنَّسْخَ سَمَّى (التِّرْمِذِيُّ) عِلَّهْ ... فَإنْ يُرِدْ في عَمَلٍ فَاجْنَحْ لَهْ
الشرح: يعني أن الترمذي سمىَّ النسخ علةً من علل الحديث.
وقوله: «فإن يُرد»، هو من الزوائد على ابن الصلاح، ويعني: إن أراد (ت) أنه علةٌ في العمل بالحديث فهو كلام صحيح فَمِلْ له إلى كلامه، وإن يراد أنه علةٌ في صحة نقله فلا؛ لأن في الصحيح أحاديث كثيرة منسوخة.
فقوله: «فاجنح» بالجيم، والنون، والحاء المهملة، أَمْرٌٌ من جَنَحَ إلى كذا: إذا مال إليه. انتهى.
стр. 144
الْمُضْطَرِبُ
قلت: بكسر الراء اسم فاعل من اضطرب نوعٌ من أنواع الحديث.
وقوله:
٢٠٩ - مُضْطَرِبُ الحَدِيثِ: مَا قَدْ وَرَدَا ... مُخْتَلِفاً مِنْ وَاحِدٍ فَأزْيَدَا
٢١٠ - في مَتْنٍ اوْ في سَنَدٍ إنِ اتَّضَحْ ... فِيْهِ تَسَاوِي الخُلْفِ، أَمَّا إِنْ رَجَحْ [٤٦ - أ]
٢١١ - بَعْضُ الوُجُوْهِ لَمْ يَكُنْ مُضْطَرِبَا ... وَالحُكْمُ للرَّاجِحِ مِنْهَا وَجَبَا
٢١٢ - كَالخَطِّ للسُّتْرَةِ جَمُّ الخُلْفِ ... والاضْطِرَابُ مُوْجِبٌ للضَّعْف
الشرح: يعني أن المضطرب من الحديث هو ما اختلف راويه فيه فرواه مرةً على وجه ومرةً على آخر مخالف له، وكذا إن اضطرب راويان فأكثر فرواه كل واحدٍ على وجه مخالف للآخر. فقوله: «من واحدٍ» صفة لموصوف أي: راوٍ واحدٍ.
وقوله: «في متن» (خ) يعني أن الاضطراب يكون في المتن وفي السند.
وقوله: «إن اتضح» (خ) يعني أنه لا يُسَمَّى مضطرباً إلا إذا تساوت الروايتان المختلفتان في الصحة، بحيث لم تُرَجَّح إحدى الروايتين على الأخرى، أما إذا ترجَّحت إحداهما بكون راويها أحفظ أو أكثر صحبةً للمروي عنه أو غير ذلك من وجوه الترجيح، فإنه لا يُطلق على الوجه الراجح وصف الاضطراب، ولا
стр. 145
حكمه، والحكم للراجح.
وقوله: «كالخط» (خ) مثال الاضطراب في السند رواية أبي داود وابن ماجه من رواية إسماعيل بن أمية، عن أبي عمرو بن محمد بن حُريث، عن جده حُريث، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﵌ قال: «إذا صلى أحدكم فليجعل شيئاً تلقاء وجهه» الحديث، وفيه: «فإذا لم يجد عصاً [٤٦ - ب] ينصبها بين يديه فليخط خطاً».
وقوله: «جَمّ الخُلْف» يعني أنه اختُلف فيه على إسماعيل اختلافاً كثيراً:
فرواه بشر بن المفضل، وروح بن القاسم عنه هكذا.
ورواه سفيان الثوري عنه، عن أبي عمروٍ بن حريث، عن أبيه، عن أبي هريرة.
ورواه حميد بن الأسود عنه، عن أبي عمرو بن محمد بن عمرو بن حريث، عن جده حُريث بن سليم، عن أبي هريرة.
ورواه وهيب بن خالد وعبد الوارث عنه، عن أبي عمرو بن حريث، عن جده حُريث.
ورواه ابن جريج عنه، عن حُريث بن عمار، عن أبي هريرة.
ورواه ذَوَّاد بن عُلْبَة الحارثي عنه، عن أبي عمرو بن محمد، عن جده حريث بن سليمان.
قال أبو زرعة الدمشقي: لا نعلم أحداً بَيَّنَهُ ونَسَبَهُ غير ذَوَّاد.