← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 96878

مفتاح السعيدية في شرح الألفية الحديثية

ابن عمار المالكي

Полный текст (471 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

الجزم، وإن لم تَثِق فَقُل: بلغني عن فلانٍ ونحوه مما لا جَزْم فيه. وقوله: «والجزم» (خ) قال ابن الصلاح: إن كان المطالع عالماً فَطِناً لا يخفَى عليه مواضع الإسقاط غالباً والسقط، رجونا أن يُطْلِقَ اللفظ الجازم فيما يحكيه من ذلك، واستروح إليه الكثير من المصنفين فيما نقلوه من كُتُبِ الناس والعلم عند الله تعالى.

стр. 282

كِتَابَةُ الْحَدِيْثِ وضَبْطُهُ قوله: ٥٥٩ - وَاخْتَلَفَ الِصّحَابُ وَألأَتْبَاعُ ... فِي كِتْبَةِ الْحَدِيْثِ، وَالإِجْمَاعُ ٥٦٠ - عَلَى الْجَوَازِ بَعْدَهُمْ بالْجَزْمِ ... لِقَوْلِهِ: (اكْتُبُوْا) وَكَتْبِ (السَّهْمِيْ) الشرح: النوع الثالث في كتابة الحديث وضبطه وفيه فصول: الفصل الأول: اختلف السَّلَفُ في كتابة [١٠٨ - أ] الحديث؛ فكرهها طائفة منهم كعُمَر، وبن مسعود، وزيد بن ثابتٍ، وأبي موسى، والخدري، وجماعة من الصحابة والتابعين؛ لقوله ﷺ : «لا تكتبوا عني شيئاً إلا القرآن، ومَنْ كتب عني شيئاً غير القرآن فليمحه» أخرجه مسلم من حديث أبي سعيد. وجَوَّزَه أو فعله جماعة من الصحابة منهم عمرو بن العاص، وأنس، وجابر، وابن عباس، وابن عمر أيضاً، وعمر بن عبد العزيز، وجماعة من التابعين فيما حكاه عياض. وقوله: «والإجماع» (خ) كذا قال عياض: ثم أجمع المسلمون على جوازها، وزال ذلك الخلاف. ومما يدل على الجواز قوله ﷺ في «الصحيح»: «اكتبوا لأبي شاة».

стр. 283

وروى أبو داود من حديث عبد الله بن عمرو قال: كنت أكتب كُلَّ شيءٍ أسمعه من رسول الله ﷺ ... الحديث، وفيه أنه ذكر للنبي ﷺ فقال: اكتب. قلت: وعن الصاحب أبي القاسم بن عباد إسماعيل قال: من لم يكتب الحديث لم يجد حلاوة الإسلام. وفي (خ) عن أبي هريرة قال: ليس أحد من أصحاب النبي ﷺ أَكْثر حديثاً عنه مني، إلا ما كان من عبد الله بن عمرو فإنه كان يكتب ولا أكتب. فهذان (١) هما المراد [١٠٨ - ب] بقول (ن) «وكتب السهمي» يريد عبد الله بن عمرو بن العاص. قلت: «والسَّهْمي» بفتح السين المهملة، وإسكان الهاء، وبعده ميم، نسبةً إلى سَهْم جُمح، ونسب إليه جماعة من العلماء، منهم أبو حذافة السهمي، حدث عن مالك، وحاتم بن إسماعيل، حدث عنه جماعة منهم أبو عبد الله بن ماجه القزويني، لا سَهْم باهلة، ولا إلى عمل السَّهم كما نبه على ذلك ابن نقطة في «الذيل» على كتاب أبي موسى وابن طاهر المقدسي. انتهى. وقوله: «الصِّحاب»، قلت: هو بكسر الصاد، واحِدُهُ صاحب، كجائع وجياع، وأنشد على ذلك الجوهري في «الصِّحاح» قول الشاعر: وقالتِ صِحَابي قد شأوتُك فاطلب انتهى.

стр. 284

وقوله: ٥٦١ - وَيَنْبَغِي إِعْجَامُ مَا يُسْتَعْجَمُ ... وَشَكْلُ مَا يُشْكِلُ لاَ مَا يُفْهَمُ ٥٦٢ - وَقِيْلَ: كُلِّهِ لِذِي ابْتِدَاءِ ... وَأَكَّدُوْا مُلْتَبِسَ الأَسْمَاء ٥٦٣ - وَلْيَكُ فِي الأَصْلِ وَفِي الْهَامِشِ مَعْ ... تَقْطِعْيِهِ الْحُرُوْفَ فَهْوَ أَنْفَعْ الشرح: هذا الفصل الثاني من فصول النوع الثالث، وهو أنه ينبغي للطالب أن يضبط كتابه بالنقط والشكل ليؤديه كما سمعه. قال (ن) (١): وروينا عن الأوزاعي قال: العَجْمُ نور الكتاب. وقوله: «إعجام»، الإعجام: النقط، وهو أن يبين التاء من الباء، والحاء من الخاء، والشكل تقييد الإعراب. وقوله: «لا ما [١٠٩ - أ] يُفهم» يعني أنهم اختلفوا هل يُقتصر على ضَبْطٍ المشكِل، أو هو وغيره؟ فقال البغدادي علي بن إبراهيم في كتاب «سمات الخط ورقومه»: أهل العلم يكرهون الإعجام والإعراب إلا في الملتبس. وصَوَّبَهُ عياض، ولا سيما للمبتدئ وغير المتبحر في العلم، فإنه لا يُمَيِّز ما يشكل، مما لا يشكل ولا صواب وجه الإعراب للكلمة من خطئه. وقوله: «وكله» هو بالجر عطفاً على «ما يُشكل» المخفوض بإضافة وشكل، أي: وينبغي شكل كله. وقوله: «لِذِى ابتداء» تعليل لمن يقول بشكل الكُلِّ لأجل المبتدئ, فهو

стр. 285

مشكل عليه، وربما ظن أن الشيء غير مشكل لوضوحه، وهو في الحقيقة محل نظر يحتاج إلى الضبط، ووقع من العلماء اضطراب في مسائل مرتبة على إعراب الحديث كحديث ذكاة الجنين ونحوه، والأحاديث التي يترتب الاحتجاج بها على الإعراب. وقوله: «وكذا» (خ) يعني أنه ينبغي الاعتناء بضبط ما يَلْتَبِس من الأسماء قال أبو إسحاق النَّجِيرَمي بفتح النون، وكسر الجيم، وإسكان المثناة تحت، وفتح الراء المهملة، وكسر الميم: أولى الأشياء بالضبط أسماء الناس؛ لأنه لا يدخله القياس، ولا قبله ولا بعده شيء يدل عليه. وذكر النسائي أن عبد الله بن إدريس قال: لما حدثني [١٠٩ - ب] شعبة بحديث أبي الحوراء السَّعدي عن الحسن، كتبنا تحته: «حور عين» لئلا أغلط، فيقرأه بالجيم والزاي. وقوله: «وَلْيَكُ». قلت: هو بإسكان اللام، بعد الواو، على حد «ولينفق» (١) في قراءة، ومعنى هذا أن صورة ضبط المشكل فيما نصه عياض في «الإلماع» بأنه جرى رسم المشايخ، وأهل الضبط، أن تَرْسُمَ ذلك الحرف المشكل مفرداً في حاشية الكتاب، قبالة الحرف بإهماله أو نقطه، وعُلِّلَ بأن الانفراد يرفع إشكال اللبس بضبط ما فوقه وما تحته من السطور، لا سيما مع دقة الكتاب وضيق الأسطر. وقوله: «مع تقطيعه الحروف». قلت: هو بنصب الحروف بـ «تقطيعه»،

стр. 286

ومعناه أن حروف الكلمة المشكلة التي تُكتب في هامش الكتاب تُكتب مُقَطَّعَة. قال (ن) (١): ورأيت غير واحدٍ من أهل الضبط يفعله، وهو حسن، وفائدته أنه يُظْهر شكل الحرف بكتابته مفرداً في بعض الحروف، كالنون، والياء المثناة تحت، بخلاف ما إذا كتبت الكلمة كلها، والحرف المذكور في أولها أو وسطها. قال ابن دقيق العيد في «الاقتراح»: ومِنْ عادة المتقدمين أن يبالغوا في إيضاح المشكل، فيفرقوا حروف الكلمة في الحاشية، ويضبطوها حرفاً حرفاً. وقوله: ٥٦٤ - وَيُكْرَهُ الْخَطُّ الرَّقِيْقُ إِلاَّ ... لِضِيْقِ رَقٍّ أَوْ لِرَحَّالٍ فَلاَ [١١٠ - أ] ٥٦٥ - وَشَرُّهُ التَّعْلِيْقُ وَالْمَشْقُ، كَمَا ... شَرُّ الْقِرَاءَةِ إذا مَا هَذْرَمَا الشرح: يعني أنه يكره الخط الدقيق؛ لعدم النفع به من نظره ضعيف، وربما ضُعف النظر لكاتبه بعد، كما قال الإمام أحمد لابن أخيه حنبل بن إسحاق ورآه يكتب خطاً دقيقاً: لا تفعل، أحوجَ ما تكون إليه يخونك. وقوله: «إلا لضيقٍ» (خ) يعني فإن كان ثَمَّ عذر كضيق الورق، أو الرَّق الذي يُكتب فيه، أو كان رحَّالاً في طلب العلم يَحْمِلُ كتبه معه فيخف الحمل، فلا يُكره ذلك.

стр. 287

وقوله: «وشَرُّه» (خ) يعني: أنه يُسْتَحَبُّ تحقيق الخط وتجويده بلا مشقٍ وتعليقٍ. ونقل ابن قتيبة أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال: شر الكتابة المشق، وشر القراءة الهَذْرَمَة، وأجود الخط أبينه. والمَشْق: بفتح الميم، وإسكان الشين المعجمة، وبعده قاف: سُرْعَة الكتابة. وهذرم: بالهاء، والذال المعجمة، والميم: السرعة في القراءة. وقوله: ٥٦٦ - وَيُنْقَطُ الْمُهْمَلُ لاَ الْحَا أَسْفَلاَ ... أَوْ كَتْبُ ذَاكَ الْحَرْفِ تَحْتُ مَثَلاَ ٥٦٧ - أَوْ فَوْقَهُ قُلاَمَةً، أَقْوَالُ ... وَالْبَعْضُ نَقْطَ الِسّيْنِ صَفّاً قالَوْا ٥٦٨ - وَبَعْضُهُمْ يَخُطُّ فَوْقَ الْمُهْمَلِ ... وَبَعْضُهُمْ كَالْهَمْزِ تَحْتَ يَجْعَل الشرح: بَيَّنَ كيفية ضَبْطِ الحرف المهمل. فقال القاضي عياض: وسبيل الناس في ضبطها يختلف، فمنهم من يَقْلِبُ النقط الذي [١١٠ - ب] فوق المعجم تحت ما شاكلها من المبهمات، فينقط تحت الراء، والصاد، والطاء، والعين، ونحوها من المهملات. واختُلِفَ في كيفية نقط السين المهملة من تحت، فقيل: كصورة النقط من فوق. وقيل: شكلهما يختلف فيجعل النقط فوق المعجمة كالأثافي، وتحت المهملة مبسوطة صفاً. وقوله: «لا الحاء» (خ) استثناء لبعض الحروف المهملة مما ينقط تحته، وهو الحاء وإلا فلو فعل ذلك لاشتبهت بالجيم، فلا يدخل هذا الحرف في عموم هذه العلامة للمُهْمَل.

стр. 288

والعلامة الأخرى للحرف المهمل: أن يكتب ذلك الحرف المهمل بعينه مفرداً تحت الحرف المشار إلى إهماله، فيجعل تحت الحاء حاء مفردة صغيرة، وكذا الدال، والصاد، والطاء، والعين. قال القاضي: وهو عَمَلُ بَعْضِ أهل المشرق والأندلس. وقوله: «أو فوقه» (خ) العلامة الثالثة: أن يجعل فوق الحرف المهمل صورة هلال كعلامة ظفر مُضْجَعَة على قفاها. وقوله: «وبعضهم» (خ) العلامة الرابعة أن يجعل فوق المهمل خط صغير. قال ابن الصلاح: ووُجِدَ ذلك في كتب من الكتب القديمة، ولا يفطن له كثيرون. قال شيخنا: وسمعت بعضُ أهل الحديث يفتح الراء من «رضوان»، فقلت له في ذلك، فقال: ليس لهم رضوان بالكسر [١١١ - أ]، فقلت: إنما سُمِّي بالمصدر وهو بالكسر، فقال: وجدته بخط فلان بالفتح وسمى من لا يحضرني ذكره الآن ثم إني وجدت بعد ذلك في بعض الكتب القديمة هذا الاسم وفوقه فتحة فتأملت هذا الكتاب فإذا هو يَخُطُّ فوق الحرف المهمل خطاً صغيراً، فعرفت أنه علامة الإهمال لا الفتح، وأن الذي قال الفتح من هاهنا أُتِي. وقوله: «وبعضهم» (خ) هذه العلامة الخامسة، وهو أن يجعل تحت الحرف المهمل مثل الهمزة، حكاه ابن الصلاح، وذكر عياض أن منهم من يقتصر على مثال النبرة تحت الحرف المهمل. فقوله: «أو كَتْبُ» هو بالرفع خبراً لمبتدأ محذوف، أي: علامتُهُ كَتْبُ ذاك.

стр. 289

وقوله: ٥٦٩ - وَإِنْ أَتَى بِرَمْزِ رَاوٍ مَيَّزَا ... مُرَادَهُ وَاخْتِيْرَ أَنْ لاَ يَرْمِزَا الشرح: جَرَت العادة عند المحدثين إذا سمعوا الكتاب من طُرُق أن يبينوا اختلاف الروايات إن اختلفت على ما سنبين، وبينوا عند ذكر لفظ كل رواية منها اسم راويها إما كاملاً -وهو الأولى وأدفع للبس-، وإما برمز يدل عليه كحرف أو حروف من اسمه، كما فعل اليونيني في نسخته من صحيح (خ) (١)، فإن بين مراده بتلك العلامات أول كتابه وآخره كما فعل اليونيني فلا بأس، وإلا فيُكره لما يوقع غيره من الحيرة في فهم مراده. وقوله: [١١١ - ب] ٥٧٠ - وَتَنْبَغِي الدَّارَةُ فَصْلاً وَارْتَضَى ... إِغْفَالَهَا (الْخَطِيْبُ) حَتَّى يُعْرَضَا الشرح: يعني أنه ينبغي أن يجعل بين كل حديثين دارة صورة O ويميز بينهما، ورَوَى ابن خلَّاد من رواية ابن أبي الزناد أن كتاب أبيه كان كذلك، وحكاه عن أحمد، والحربي، وابن جَرير. وقوله: «وارتضى» يعني أن الخطيب استحبَّ أن تكون الدارات غُفلاً، فإذا عارض فكلُّ حديث يُفْرَغ من عَرْضِه ينقط في الدَّارة التي تليه نقطة، أو يخط في وسطها خطاً، قال: وكان بعض أهل العلم لا يعتد من سماعه إلا بما كان كذلك أو في معناه. قلت: والإغفال بالغين المعجمة، والفاء، واللام، من أغفل، والإغفال:

стр. 290

الموات، يقال أرض غُفْل بضم الغين وإسكان الفاء: لا علم بها، ولا أثر عمارة. وعن الكسائي: أرض غُفْل: لم تمطر، ودابةٌ غُفل: لا سِمَة عليها، وقد أغفلتها: إذا لم تسمها، ومنه رجل غُفل: لم يجرب الأمور. انتهى. وقوله: ٥٧١ - وَكَرِهُوْا فَصْلَ مُضَافِ اسْمِ اللهْ ... مِنْهُ بِسَطْرٍ إِنْ يُنَافِ مَا تَلاَهْ الشرح: يعني أنه يُكْرَه أن يُفْصَل في الخط بين ما أضيف إلى اسم الله تعالى، وبين اسم الله تعالى، في مثل عبد الله بن فلان، وغيره من الأسماء، فَيَكْتُب عبد في آخر سطرٍ، ويكتب في السطر الآخر اسم الله، ونص الخطيب على المنع من ذلك، وقَبَّحَه، وغَلَّط فاعلَه نصاً عن أبي [١١٢ - أ] عبد الله بن بَطَّه. وعليه فقول (ن) «وكرهوا» تبعاً لابن الصلاح محمول على التحريم. قال الخطيب: ومما أكرهه أن يُكتب: «قال رسول» في آخر السطر ويكتب في أول السطر، الذي يليه «الله ﷺ ». قال (ن) (١): ولا يختص ذلك باسم الله تعالى، بل الحُكْمِ كذلك في أسماء النبي ﷺ والصحابة، كما لو قيل: سابُّ النبي ﷺ كافر، أو قاتل بن صفية في النار، يريد الزبير بن العوام ونحوه، فلا يجوز أن يكتب «ساب» و «قاتل» في سطر، وما بعد ذلك في آخَر، فيجتنب ذلك، ولو وقع في غير المتضايفين كقوله في حديث شارب الخمر الذي أتى به النبي

стр. 291

صلى الله عليه وسلم وهو ثمل: فقال عمر: أخزاه الله ما أكثر ما يؤتى به فلا يجوز أن يكتب «فقال» في آخر سطر، و «عمر» وما بعده في أول السطر الذي يليه. وقوله: «إن يناف» (خ) يعني فإذا لم يكن في شيء من ذلك مما بعد الاسم ما ينافيه، بأن يكون الاسم آخر الكتاب، أو آخر الحديث، ونحوه، أو يكون بعده شيء ملائم له، غير منافٍ له، فلا بأس بالفصل، نحو قوله آخر البخاري: «سبحان الله العظيم»؛ فإنه إذا فصل بين المضاف والمضاف إليه كان أول السطر: «الله العظيم»، ولا منافاة في ذلك، وجمعها في سطر مع ذلك أولى. وقوله: ٥٧٢ - وَاكْتُبْ ثَنَاءَ (اللهِ) وَالتَّسْلِيْمَا ... مَعَ الصَّلاَةِ للِنَّبِي تَعْظِيْمَا [١١٢ - ب] ٥٧٣ - وَإِنْ يَكُنْ أُسْقِطَ فِي الأَصْلِ وَقَدْ ... خُوْلِفَ فِي سَقْطِ الصَّلاَةِ (أَحْمَدْ) ٥٧٤ - وَعَلَّهُ قَيَّدَ بِالرَّوَايَهْ ... مَعْ نُطْقِهِ، كَمَا رَوَوْا حِكَايَهْ ٥٧٥ - وَالْعَنْبَرِيْ وَابْنُ الْمُدِيْنِيْ بَيَّضَا ... لَهَا لإِعْجَالٍ وَعَادَا عَوَّضَا ٥٧٦ - وَاجْتَنِبِ الرَّمْزَ لَهَا وَالْحَذْفَا ... مِنْهَا صَلاَةً أَوْ سَلاَماً تُكْفَى الشرح: يعني أنه ينبغي أن يحافظ على كتب الثناء على الله تعالى عند ذكر اسمه ، وكذلك كتابة الصلاة والتسليم على النبي ﷺ عند ذكره، ولا يَسْأم من تكراره، فالأجر عظيم، وقيل في قوله ﷺ : «أولى الناس بي أكثرهم علي صلاة» أنهم أهل الحديث. قلت: ونقل ابن الأَبَّار في «التكملة» عن ابن القاسم بن بشكوال، قال: قال

стр. 292

لي أبو الوليد محمد بن عبد الرحمن بن أحمد بن رضا سمعت أبي ﵀ يقول عن أبي عبد الله بن فرج الفقيه رحمه الله تعالى أنه كان ينشد بيت حسان (١) ﵁: هجوت محمداً ﷺ وأجبت عنه ... وعند الله في ذاك الجزاء فكان يقال له: ليس يتزن هكذا. فكان يقول: أنا لا أترك الصلاة على النبي ﷺ . قال ابن بشكوال: لقد كان يعجبني ما كان يفعله، نفعه الله تعالى بنبيه في ذلك. انتهى. وقوله: «وإن يكن» (خ) يعني أن أصل سماعه إن كان فيه الثناء والصلاة والتسليم فواضح، وإن لم يكن فلا يتقيد به، بل [١١٣ - أ] يتلفظ به ويكتبه. وقوله: «وقد خُولف» (خ) يعني: أن الإمام أحمد رضي الله تعالى عنه وُجِد في خطه إغفال الصلاة والتسليم، وخالفه غيره من الأئمة المتقدمين، فيما نصه الخطيب. وقوله: «وعَلَّه» يعني: ولعل الإمام أحمد كان يَرَى التقييدَ في ذلك بالرواية، وعَزَّ عليه اتصالها في جميع من فوقه من الرواة. قال الخطيب: وبلغني أنه كان يصلي على النبي ﷺ نطقاً لا خطاً، ومال إليه القشيري فيما نصه في «الاقتراح» وقال: فينبغي مع ذلك أن يُصْحِبَها قرينة تدل على ذلك فيرفع رأسه عن النظر في الكتاب، وينوي بقلبه أنه هو المصلي لا حاكياً

стр. 293

[عن] (١) غيره. وقال عبد الله بن سنان: سمعت عباساً العنبري، وعلي بن المديني يقولان: ما تركنا الصلاة على رسول الله ﷺ في كُلِّ حديث سمعناه، وربما عجلنا فنبيض الكتاب في كل حديث حتى نرجع إليه. قال النووي: وكذا الترضي والترحم على الصحابة، والعلماء، وسائر الأخيار. قلت: «وابن المديني» بفتح الميم، وكسر الدال، وبعده ياء مثناة تحت ساكنة، فنون، نسبةً إمَّا إلى مدينة الرسول، أو إلى مدينة نيسابور، أو إلى مدينة أصبهان. قال ابن الأثير في «جامع الأصول»: وهذا أَحَد ما استُعمل فيه النَّسب خارجاً عن القياس؛ فإن قياسه المدني. وقال الجوهري في النسب إلى مدينة الرسول مدني، وإلى مدينة منصور مديني للفرق. انتهى كلامه [١١٣ - ب]، وهو واضح، وعليه ذَيَّل ابنُ نقطة في كتابه «الأنساب المتفقة في الخط المتماثلة في النقط والضبط» وهو كتاب بديع في فنه، ذَيَّل به على كتاب أبي موسى، وابن طاهر. وابن المديني هذا هو أبو الحسن علي بن عبد الله البصري، مدني الأصل، كان آية من آيات الله تعالى في معرفة الحديث وعلله. قال أبو حاتم: كان علماً في الناس في معرفة الحديث وعلله، وكان ابن عيينة يسميه حية الوادي، وعنه روى الإمام أحمد، وابنه صالح، والبخاري،

стр. 294

وجماعة انتهى. وقوله: «واجتنب» (خ) يعني: أنه كَرِه الرَّمز للصلاة على النبي ﷺ في الخَطّ، فيقتصر على لفظين ونحوه فيكتب: (صلعم)، إشارةً إلى الصلاة والتسليم. وكذا يكره الاقتصار على الصلاة أو (١) التسليم كما فعل الخطيب في كتاب «الموضح» ولم يُرْتَضَى. قال حمزة الكناني: كنتُ أكتبُ عند ذكر النبي: «صلى الله عليه»، ولا أكتب «وسَلَّم»، فرأيت النبي ﷺ في المنام، فقال لي: مالك لا تُتِمُّ الصلاة عليَّ؟ قال: فما كتبتُ بعد ذلك: «صلى الله عليه»، إلا كتبتُ: «وسلم».

стр. 295

الْمُقَابَلَةُ قوله: ٥٧٧ - ثُمَّ عَلَيْهِ الْعَرْضُ بِالأَصْلِ وَلَوْ ... إِجَازَةً أَوْ أَصْلِ أَصْلِ الشَّيْخِ أَوْ ٥٧٨ - فَرْعٍ مُقَابَلٍ، وَخَيْرُ الْعَرْضِ مَعْ ... أُسْتَاذِهِ بِنَفْسِهِ إِذْ يَسْمَعْ ٥٧٩ - وَقِيْلَ: بَلْ مَعْ نَفْسِهِ وَاشْتَرَطَا ... بَعْضُهُمُ هَذَا، وَفِيْهِ غُلِّطَا [١١٤ - أ] ٥٨٠ - وَلْيَنْظُرِ السَّامِعُ حِيْنَ يَطْلُبُ ... فِي نُسْخَةٍ وَقالَ (يَحْيَى): يَجِبُ الشرح: هذا الفصل الرابع من فصول النوع الثالث، وهو أنه على الطَّالب مقابلة كتابه بأصل شيخه، وإن كان إجازةً. وقوله: «أو أصل» (خ) يعني: أو بأَصْلِ أَصْل شيخِهِ المقابَل به أصلُ شيخِه. وقوله: «فرعٍ مقابل» (خ) يعني أو بفرعٍ مُقَابَلٍ بأصل السماع المقابلة المشروطة. قال الأوزاعي ويحيى بن أبي كثير: مَثَلُ الذي يكتب ولا يعارض مثل الذي يدخل الخلاء ولا يستنجي. وقوله: «وخير العرض» (خ) يعني: أن أفضل المعارضة أن يُعَارِض كتابَه بنفسه مع شيخه بكتابه حال التحديث به. وقوله: «وقيل» (خ) يعني يُعَارِض مع نفسه. كذا قال أبو الفضل الجارودي:

стр. 296

أصدق المعارضة مع نفسك. والأَوَّل (١) أولى. وقوله: «واشترطا» (خ) يعني: أن بعضهم قال: لا يَصِحُّ مقابلته مع أحد غير نفسه، ولا يُقَلِّد غيره، حكاه عياض عن بعض المحققين. وقوله: «وفيه» (خ) قال ابن الصلاح: هذا مذهبٌ متروك. وقوله: «ولينظر» (خ) يعني أنه يُسْتَحَبُّ للطالب أن يَنْظُر في نسخته حالة السماع، ومَنْ لا نُسْخَةَ معه ينظر في نسخة من معه نسخة. وقوله: «وقال يحيى» (خ) يعني: أن يحيى بن معين أَوْجَبَ ذلك، وسُئل عَمَّن لم يَنْظُر في الكتاب والمحدِّث يقرأ، هل يجوز أن يحدث بذلك عنه؟ فقال: أما عندي فلا يجوز، ولكن عامة الشيوخ [١١٤ - ب] هكذا سماعهم. والصحيح أن ذلك لا يُشْتَرَط. وقوله: ٥٨١ - وَجَوَّزَ الأُسْتَاذُ أَنْ يَرْوِيَ مِنْ ... غَيْرِ مُقَابَلٍ وَ (لِلْخَطِيْبِ) إِنْ ٥٨٢ - بَيَّنَ وَالنَّسْخُ مِنَ اصْلٍ وَلْيُزَدْ ... صِحَّةُ نَقْلِ نَاسِخٍ فَالشَّيْخُ قَدْ ٥٨٣ - شَرَطَهُ ثُمَّ اعْتَبِرْ مَا ذُكِرَا ... فِي أَصْلِ الاصْلِ لاَتَكُنْ مُهَوِّرَا الشرح: اختُلِفَ في جواز رواية الراوي من كتابه الذي لم يُعَارَض، فقال عياض: لا يَحِلُّ للمسلم التقي الرواية بما لم يُقابل بأصل شيخه، أو نسخة تَحَقَّق وَوَثِقَ بمقابلتها بالأصل، وتكون مقابلته لذلك مع ثقة مأمون على ذلك،

стр. 297

وذهب الأستاذ أبو إسحاق الإسفرايني إلى الجواز. وقوله: «وللخطيب» (خ) يعني أن الخَطِيب أجازه بشرط أن تكون نسخته نُقِلَت من أصل، وأنه يبين عند الرواية أنه لم يُعارِض. وقوله: «وليُزَد» (خ) يعني: أن ابن الصلاح زاد شَرْطاً ثالثاً، وهو أن يكون ناسِخ النسخة من الأصل غير سَقيم النقل، بل صحيح النقل، قليل السقط. وقوله: «ثم اعتبر» (خ) يعني: أنه ينبغي أن يُرَاعى في كتاب شيخه بالنسبة إلى من فوقه مثل ما ذُكر أنه يراعيه من كتابه، ولا يكون كمن إذا رأى سماعَ شيخٍ لكتابٍ قرأَهُ عليه من أي نسخةٍ اتفقت. وقوله: «وجوز الأستاذ». قلت: الأستاذ بالذال المعجمة لفظ مُعَرَّب. انتهى. وقوله: «لا تكن مُهَوِّراً».قلت: هو بضم الميم، اسم فاعلٍ من [١١٥ - أ] هور يَهُور تَهَوُّراً، وهو الوُقوع في الشيء بِقِلَّةِ مبالاة.

стр. 298

تَخْرِيْجُ السَّاقِطِ قوله: ٥٨٤ - وَيُكْتَبُ السَّاقِطُ: وَهْوَ اللَّحَقُ ... حَاشِيَةً إلى الْيِمَيْنِ يُلْحَقُ ٥٨٥ - مَا لَمْ يَكُنْ آخِرَ سَطْرٍ وَلْيَكُنْ ... لِفَوْقُ وَالسُّطُوْرُ أَعْلى فَحَسُنْ ٥٨٦ - وَخَرِّجَنْ لِلسَّقْطِ مِنْ حَيْثُ سَقَطْ ... مُنْعَطِفاً لَهُ، وَقِيْلَ: صِلْ بِخَطْ ٥٨٧ - وَبَعْدَهُ اكْتُبْ صَحَّ أَوْ زِدْ رَجَعَا ... أَوْ كَرِّرِ الكَلِمَةَ لَمْ تَسْقُطْ مَعَا ٥٨٨ - وَفِيْهِ لَبْسٌ وَلِغَيْرِ الأَصْلِ ... خَرِّجْ بِوَسْطِ كِلْمَةِ الْمَحَلّ ٥٨٩ - وَ (لِعِيَاضٍ): لاَ تُخَرِّجْ ضَبِّبِ ... أَوْ صَحِّحَنْ لِخَوْفِ لَبْسٍ وَأُبِي الشرح: الفصل الخامس من فصول النوع الثالث، وهو اللَّحَق بفتح اللام، والحاء المهملة، وبعده قاف: الإلحاق. وضابطه عندهم: ما سَقَطَ من أصل الكتاب فأُلْحِقَ بالحاشية، أو بين السطور، ووَقَع في شعرٍ منسوب للإمام أحمد: اللَّحْق بإسكان الحاء، فيما أنشده الشريف أبو علي محمد بن أحمد الهاشمي لأحمد، وهو: مَنْ طَلَبَ العِلْمَ والحديثَ فلا ... يَضْجَرُ من خمسةٍ يُقَاسِيها دَرَاهم للعلوم يجمَعُها ... وعند نشر الحديث يُفْنيها يُضْجِرُهُ الضَّربُ في دفاتره ... وكثرة اللَّحْقِ في حواشيها

стр. 299

يغسل أثوابه وبِزَّتَّهُ ... مِنْ أثر الحبر ليس يُنْقيها [١١٥ - ب] فسَكَّنَ الحاء ضرورةً، والله تعالى أعلم. وقوله: «ويكتب» (خ) يعني: أن كيفية كتابة ما سَقَطَ من الكتاب: أَنْ تكتب في الحاشية لا بين السطور؛ لأنه يضيقها ويُدَلِّس ما يقرأ، لا سيما إن ضاقت السطور متلاصقة. وقوله: «إلى اليمين» (خ) يعني: أن الساقط لا يخلو إما أن يكون سَقَطَ من وسط السطر، أو آخره، فإن كان الأول فيخرج له إلى جهة اليمين. وقوله: «ما لم يكن» (خ) يعني: وإن كان الذي سَقَط محله بعد تمام السطر، فقال القاضي عياض: لا وَجْهَ له إلا أن يخرجَه إلى جهة الشمال بقرب التخريج من اللحق وسرعة لحاق الناظر به، وتبعه ابنُ الصلاح على ذلك، اللهم إلا أن يضيق ما بعد آخر السطر لقرب الكتابة من طرف الوَرَق لضيقه، أو لضيقه بالتجليد، بأن يكون السَّقط في الصَّحيفة اليُمنى فلا بأس بالتخريج إلى اليمين. قال (ن) (١): وقد رأيت ذلك في خط غير واحدٍ من أهل العلم. وقوله: «وليكن» (خ) يعني: ثم الأَوْلى بكتب السَّاقط صاعداً لفوق إلى أعلى الورقة من أي جهة كان التخريج الساقط اليمين أو الشمال؛ لاحتمال حدوث سقط آخر فَيُكْتب إلى أسفل. وقوله: «لفوق». قلت: هو بضم القاف، ضمة بناء كما بيناه فيه.

стр. 300

وقوله: «والسُّطور» (خ) يعني: الأَوْلَى أن يَبتدئ السطور من أعلى إلى أسفل، فإن كان التخريج في اليمين انقضت الكتابة إلى [١١٦ - أ] جهة باطن الورقة، وإن كان في جهة الشمال انتهت إلى طرف الورقة، وهذا فيما كَتَبَ الساقط لفوق، فإن كانت الكتابة إلى أسفل بأن يكون ذلك في السقط الثاني، أو خالف أولاً وخرج إلى أسفل، فينعكس الحال، فيكون انتهاء الكتابة في الجانب اليمين إلى طرف الورقة، وفي الجانب اليسار إلى باطنها. فقوله: «والسطور» مرفوعاً اسماً لـ «يكن» أي: وليكن. وقوله: «فحسن» أي: فحسن هذا الفعل ممن يفعله. وقوله: «وخَرِّجْن» (خ) هذا صفة التخريج للساقط. قال القاضي عياض فيه وجوه أحسنها ما استمر عليه العمل عندنا من كتابة خط بموضع النقص صاعداً إلى تحت السطر الذي فوقه، ثم ينعطف إلى جهة التخريج في الحاشية انعطافاً يشير إليه، واختاره ابنُ الصلاح. وقوله: «وقيل» (خ) يعني: أن يخرج من موضعه، حتى يلحق به طرف الحرف المبتدأ به في الكلمة الساقطة في الحاشية، وإليه ذهب ابن خلاد. قال عياض: وهذا فيه بيان، إلا أنه تسخيم بالكتاب، وتسويد له، لا سيما إن كثرت الإلحاقات والنقص. وقوله: «وبعده» (خ) هذا من الزيادة على ابن الصلاح بغير «قلت»، وهو أن اللَّحَق إذا لم يكن قبالة موضع السقوط، بأن لا يكون ما يقابله خالياً، وكتب اللحق في موضع آخر فيتعين حينئذٍ جر الخط إلى أول اللحق، أو يكتب قباله موضع السقوط يتلوه كذا وكذا في الموضع الفلاني [١١٦ - ب]،لزوال اللبس. ثم إذا انتهت كتابة الساقط كتب بعده «صَحَّ» قال القاضي عياض: وبعضهم

стр. 301

يكتب آخره بعد التصحيح «رَجَع». وقوله: «أو كرر الكلمة» (خ) يعني يُكْتَبُ في الطرف الثاني حرفٌ واحدٌ مما يتصل به الدفتر، ليدل أن الكلام قد انتظم، وإليه مال ابن خلاد. وقوله: «لم تسقط» أي: التي لم تسقط في الأصل، بل سقط ما قبلها. وقوله: «وفيه لبس» يعني: أن هذا غير مختار عند عياض لما يوجبه من اللبس، وبيانه أن رُبَّ كلمةٍ تجيء في الكلام مكررة مرتين أو ثلاثاً لمعنى صحيح، فإذا كَرَّرَ الحرفَ لم يؤمن أن يوافق ما يتكرر حقيقةً، أو يشكل أمره، فيوجب الريب والإشكال. وقوله: «ولغيرِ الأصلِ» (خ) يعني: أن هذا في التخريج الساقط (١)، أما ما يُكْتَب في حاشية الكتاب من غير الأصل مِنْ شرحٍ، أو تنبيهٍ على غلط، واختلافِ رواية، أو نسخة، ونحو ذلك، فالأولى أن يُخَرِّجَ له على نفس الكلمة التي من أجلها كتبت الحاشية، لا بين الكلمتين. وقوله: «ولعياض» (خ) يعني: أن عياضاً لا يُحبُّ أن يُخَرِّج إليه خشية اللبس وأن يحسب أصلاً، ولا يخرج إلا لما هو من نفس الأصل، إلا أنه ربما جعل على الحرف كالضبة أو التصحيح ليدل عليه. وقوله: «وأُبِي» قلت: هو بضم أوله مبنياً للمفعول. يعني: أن ابن الصلاح أَبَى هذا الذي قاله عياض، وقال التخريج أولى وأدَلّ. وقوله: «بوَسْطِ»، [١١٧ - أ] قلت: هو بإسكان السين؛ لأنها هنا بمعنى «بين»، وكل موضع يصح فيه «بين» فوسْط فيه بالإسكان. انتهى.

стр. 302

التَّصْحِيْحُ والتَّمْرِيْضُ، وَهو التَّضْبِيْبُ قوله: ٥٩٠ - وَكَتَبُوْا (صَحَّ) عَلى الْمُعَرَّضِ ... لِلشَّكِّ إِنْ نَقْلاً وَمَعْنًى ارْتُضِي ٥٩١ - وَمَرَّضُوْا فَضَبَّبُوْا (صَاداً) تُمَدّْ ... فَوْقَ الذَّيِ صَحَّ وُرُوْداً وَفَسَدْ ٥٩٢ - وَضَبَّبُوْا فِي الْقَطْعِ وَالإِرْسَالِ ... وَبَعْضُهُمْ فِي الأَعْصُرِ الْخَوَالي ٥٩٣ - يَكْتُبُ صَاداً عِنْدَ عَطْفِ الأَسْمَا ... تُوْهِمُ تَضْبِيْباً، كَذَاكَ إِذ مَا ٥٩٤ - يَخْتَصِرُ التَّصْحِيْحَ بَعْضٌ يُوْهِمُ ... وَإِنَّمَا يَمِيْزُهُ مَنْ يَفْهَمُ الشرح: هذا الفصل السادس من فصول النوع الثالث، وهو التصحيح، وما عُطف عليه، وذلك من شأن المتقنين. فالتصحيح: كتابته «صَحَّ» على كلام صَحَّ روايةً ومعنى، لكنه عُرْضَةٌ للشك أو الخلاف. والتضبيب -ويسمى التمريض-: أن يَمُدَّ خطاً أوَله كرأس للصاد، ولا يلصق بالممدود عليه، على ثابتٍ نقلاً فاسدٍ لفظاً أو معنى، أو ضعيف، أو ناقص، وصورته (ص)، ويسمى ذلك الحرف ضبة؛ لأن الحرف مقفل بها لا يتجه لقراءةٍ، كما أن الضبة مقفل بها، وقيل غير ذلك. واختار (ن) رحمه الله تعالى أنها علامة لكون الرواية هكذا، ولم يتجه

стр. 303

وجهها، فهي علامة لصِحَّةِ ورودها؛ لئلا يظن الراوي أنها من غلطٍ فيصلحها [١١٧ - ب]، وقد يأتي بَعْدُ مَنْ يَظْهَر له وجهُ ذلك. وقوله: «وضببوا» (خ) يعني: أن من مواضع التضبيب أن يَقَع في الإسناد إرسال وانقطاع، فيضببوا موضع الإرسال والانقطاع. وقوله: «وبعضهم» (خ) يعني: أنه يوجد في بعض الأصول القديمة في الإسناد الذي يجتمع فيه جماعة معطوفة أسماءهم بعضها على بعض علامة تشبه الضَّبَّة فيما بين أسمائهم، فيتوهم من لا خبرة له أنها ضبة، وليست بضبة، وكأنها علامة وصلٍ فيما بينهما، أثبتت تأكيداً للعطف، خوفاً من أن تُجعل «عن» مكان الواو، والعلم عند الله تعالى. وقوله: «كذاك» (خ) يعني أن بعضهم ربما اختصر علامة التصحيح فجاءت صورتها تشبه صورة التضبيب، والفِطْنة من خير ما أوتيه الإنسان، والله تعالى أعلم.

стр. 304

الكَشْطُ والْمَحْوُ والضَّرْبُ قوله: ٥٩٥ - وَمَاَ يزِيْدُ فِي الْكِتَابِ يُبْعَدُ ... كَشْطاً َوَمَحْواً وَبِضَرْبٍ أَجْوَدُ ٥٩٦ - وَصِلْهُ بِالْحُرُوْفِ خَطّاً أَوْ لاَ ... مَعْ عَطْفِهِ أَوْ كَتْبَ (لاَ) ثُمَّ إلى ٥٩٧ - أَوْ نِصْفَ دَارَةٍ وَإِلاَّ صِفْرَا ... فِي كُلِّ جَانِبٍ وَعَلِّمْ سَطْرَا ٥٩٨ - سَطْراً إذا مَا كَثُرَتْ سُطُوْرُهْ ... أَوْلا وَإِنْ حَرْفٌ أتَى تَكْرِيْرَهْ ٥٩٩ - فَأَبْقِ مَا أَوَّلُ سَطْرٍ ثُمَّ مَا ... اخِرُ سَطْرٍ ثُمَّ مَا تَقَدَّمَا ٦٠٠ - أَوِ اسْتَجِدْ قَوْلاَنِ مَا لَمْ يُضِفِ ... أَوْ يُوْصَفُ اوْ نَحْوُهُمَا فَأَلِفِ [١١٨ - أ] الشرح: الفصل السابع من فصول النوع الثالث في إبطال الزائد المناسب لإلحاق الساقط (١)، فإذا وقع في الكتاب شيءٌ زائدٌ ليس منه فينتفي عنه بالكشط، وهو الحك، أو بالمحو، بأن تكون الكتابة في لوح، أو ورق، أو ورَقٍّ صقيل جداً، حال طراوة المكتوب. وعن سحنون: أنه كان ربما كتب الشيء ثم لَعقه. وإما بالضرب عليه. قال ابن الصلاح: وهو أجود من الحَكِّ والمحو. قال ابن خلاد: والحكُّ تهمة. وقوله: «وصِلْه» (خ) يعني: أن أجود الضرب فيما قاله ابن خلاد أن لا

стр. 305

يطمس الحرف المضروب عليه، بل يخط من فوقه خطاً بيناً يَدُلُّ على إبطاله، ويقرأ من تحته ما خط عليه. وقوله: «أوْلا» (خ) يعني أن من كيفية الضرب أن لا يخلط الضرب بأوائل الكلمات، بل يكون فوقها منفصلاً عنها، لكنه يعطف طَرَفي الخَطّ على أول المبطل وآخره، وحكاه عياضٌ عن بعضهم. ومعنى الكلام: أوْلا تصله بالحروف، بل اعطفه عليها من الطرفين، ومثالُ الضرب في هذا القول هكذا ... . وقوله: «أو كَتْبَ» (خ) يعني: أن من كيفية الضرب في قول آخر: أن يكتب في أول الزائد «لا»، وفي آخره «إلى». فقوله: «كَتْبَ» مصدر كَتَبَ كَتْباً. وقوله: «أو نصف دارة» (خ) يعني أن من كيفية الضرب في قول آخر أن يحوق في أول الكلام الزائد بنصف دائرة، وعلى آخره بنصف دائرة. فقوله: [١١٨ - ب] «أو نصف دارة (١)»، أي: أوله وآخره. و «نصفَ» منصوب عطفاً على محل المضاف إليه (مثال ذلك على هذا القول) (٢). وقوله: «وإلا صِفْرَا» (خ) هذا قول آخر في كيفية الضبط: أن يكتب في أول

стр. 306

الزيادة دائرة صغيرة، وكذلك في آخرها دائرة صغيرة، حكاه عياض عن بعض الأشياخ المُحَسِّنين لكتبهم، قال: ويسميها صفرا كما يسميها أهل الحساب، ومعناها خلو موضعها من عدد، كذلك هنا تشعر بخلو ما بينهما O مثال ذلك O (١) . وقوله: «وَعَلِّم» (خ) هذا مبنيٌّ على الأقوال الأخيرة، أنه يُعَلِّم أول الزائد وآخره، من غير ضرب. والمعنى: فإذا كثرت سطور الزائد، فاجعل علامة الإبطال أول كل سطر وآخره للبيان إن شئت، أو لا تكرر العلامة، بل اكتف بها في أول الزائد وفي آخره وإن كثرت السطور. وقوله: «أَوْلا» (خ) يعني: أن بعضهم ربما اكتفى بالتحويق على أول الكلام وآخره وربما كتب عليه «لا» في أوله و «إلى» (٢) في آخره. وقوله: «إن حرف» (خ) يعني: أن هذا فيما إذا كان الزائد غير مكرر، فإن كان حرفاً تكرر كتابته، فرأي عياض أنه إن كان تكراره في أول سطر أن يُضْرَب على الثاني لئلا يطمس أول السطر، وإن كان إحدى الكلمتين في آخر سطر والأخرى في أول الذي يليه فيضرب على الأولى، وإن كانت الكلمتان معاً في آخر السطر يضرب على الأولى صوناً لأوائل السطور وأواخرها، ورعاية أول السطر أولى، وإن كان [١١٩ - أ] التكرار لهما في وسط السطر، فقولان

стр. 307

حكاهما ابن خلاد وغيره في أصل المسألة من غير رعاية لأوائل السطور وأواخرها، أحدهما: أن أولاهما بالإبطال الثاني؛ لأن الأول كُتِبَ على صواب فالخطأ أولى بالإبطال. والقول الثاني: أولاهما بالإبقاء أجودهما صورةً، وأدلهما على قراءته، وهذا معنى قوله «أو استَجِد» أي: استجد للإبقاء أجودهما. وقوله: «ما لم يُضِف» (خ) يعني: أن هذا الخلاف المذكور أطلَقَهُ ابنُ خلاد من غير مراعاةٍ لأوائل السطور وأواخرها، وللفصل بين المضاف والمضاف إليه ونحوه. قال عياض: وهذا عندي إذا تساوت الكلمتان في المنازل، فأما إن كان كالمضاف والمضاف إليه فتكرر أحدهما ينبغي أن لا يُفصل في الخط ويضرب بعد على المتكرر من ذلك، أوَّلاً كان أو آخراً، وكذا الصفة مع الموصوف ونحوه، فمراعاة هذا مضطر إليه للفهم، فمراعاة المعاني أولى من مراعاة تحسين الصورة في الخط.

стр. 308

العَمَلُ في اخْتِلاَفِ الرُّوَايَاتِ قوله: ٦٠١ - وَلْيَبْنِ أَوَّلاً عَلَى رِوَايَهْ ... كِتَابَهُ، وَيُحْسِنِ الْعِنَايَهْ ٦٠٢ - بِغَيْرِهَا بِكَتْبِ رَاوٍ سُمِّيَا ... أَوْ رَمْزَاً اوْ يَكْتُبُهَا مُعْتَنِيَا ٦٠٣ - بِحُمْرَةٍ، وَحَيْثُ زَادَ الأَصْلُ ... حَوَّقَهُ بِحُمْرَةٍ وَيَجْلُو الشرح: إذا كان الكتابُ يُرْوَى بروايتين أو أكثر، ويَقَعُ الاختلافُ في بعضها، فلمن أراد الجمع بين الروايتين فأكثر في نسخةٍ واحدةٍ أن يبنى الكتاب أولاً على رواية واحدة، ثم الرواية الأخرى يُلْحِقُهَا في الحاشية أو غيرها، مع كتابة اسم راويها معها، أو الإشارة إليها برمزٍ إن كانت زيادةً، وإن كان الاختلاف بالنقص أعلم على الزائد أنه ليس في رواية فلانٍ باسمه أو الرمز إليه، وله أن يكتب زيادة الرواية الأخرى بحمرةٍ، والناقص منها يحوق عليه بحمرةٍ، هكذا حكاه عياض عن كثيرٍ من الشيوخ وأهل الضبط، كأبي ذر الهروي، والقابسي أبي الحسن، وغيرهما. وقوله: «ويَجْلُو» مراده (١)، أي: ويوضح مراده بالرمز، أو بالحُمْرَة أول الكتاب أو آخره، غير معتمد على حفظه لذلك فربما نسي.

стр. 309

الإِشَارَةُ بالرَّمْزِ قوله: ٦٠٤ - وَاخْتَصَرُوْا فِي كَتْبِهِمْ (حَدَّثَنَا) ... عَلَى (ثَنَا) أَوْ (نَا) وَقِيْلَ: (دَثَنَا) ٦٠٥ - وَاخْتَصَرُوْا (أَخْبَرَنَا) عَلَى (أَنَا) ... أَوْ (أَرَنَا) وَ (الْبَيْهَقِيُّ) (أَبَنَا) الشرح: هذا الفصل الثامن من فصول النوع الثالث، وهو: أنه غلب على من يكتب الحديث أن يقتصر على الرمز في «حدثنا» و «أخبرنا»، وشاع بحيث لا يخفى، فيكتبون من «حدثنا»: «ثنا» أو «نا» أو «دثنا» (١) ومن أخبرنا: «أنا» «أبنا» أو «أرنا» (٢) أو «دثنا» (٣)، رواه ابن الصلاح في خط الحاكم وأبي عبد الرحمن السُّلَمي، والبيهقي (٤).

стр. 310

مَعْرِفَةُ الصَّحَابَةِ وقوله [١٢٠ - ـ]: ٧٨٦ - رَائي النَّبِيِّ مُسْلِماً ذُو صُحْبَةِ ... وقِيْلَ: إنْ طَالَتْ وَلَمْ يُثَبَِّت ٧٨٧ - وقِيلَ: مَنْ أقَامَ عاماً أو غَزَا ... مَعْهُ وذَا لابْنِ المُسَيِّبِ عَزَا [قوله: «مسلماً»] (١) أخرج من رآه وهو كافر ثم أسلم بعد وفاته ﷺ ، فليس بصحابي على المشهور، كرسول قيصر، وأخرجه أحمد في «مسنده»، وكعبد الله بن صَيَّاد إن لم يكن هو الدَّجَّال، وعَدَّهُ في الصحابة كذلك أبو بكر بن فتحون في الذيل على «الاستيعاب». ومرادهم: من رأى النبي ﷺ حال نبوته، أو أعم من ذلك، فيدخل من رآه قبل النبوة ومات قبلها على دين الحنفية كزيد بن عمرو بن نفيل وقد قال ﷺ «يبعث أمة وحده» وذكره ابن منده في الصحابة وكذا لو رآه قبل النبوة ثم غاب عنه، وعاش إلى بعد زمن البعثة، وأسلم، ثم مات ولم يره؟ لم يتعرض له، ويدلُّ أنَّ المراد: مَنْ رآه بعد النبوة أنهم ترجموا في الصحابة لمن وُلِدَ للنبي ﷺ بعد النبوة كإبراهيم وعبد الله، وما ترجموا لمن ولد قبلها ومات قبلها كالقاسم. وقوله: «من رآه» هل المراد به من رآه بعقل وتمييز فيخرج الأطفال الذين

стр. 311

حَنَّكَهم ولم يروه بعد التمييز، وكذا من رآه وهو لا يعقل، أو المراد أعم من ذلك. ويدل على اعتبار التمييز عند الرؤية نص العلائي أبي سعيد في كتاب «المراسيل» في ترجمة عبد الله بن الحارث بن نوفل: حَنَّكَهُ النبيُّ ﷺ ودَعَا له، ولا يعرف له رؤية، بل هو تابعي جليل، وحديثه مرسل [١٢٠ - ب]. وقوله: «وقيل» (خ) هذا القول الثاني في حَدِّ الصحابة: أنه من طالت صحبتُهُ له، وكَثُرَت مجالستُه على طريق التبع له والأخذ عنه، وهو مذهب الأصوليين فيما حكاه عنهم السمعاني أبو المظفر، وحكاه الآمدي، وابن الحاجب، وجزم ابن الصَبَّاغ في «العدة» به. والصُّحبة أخصُّ من الرؤية فيما نَصَّهُ أبو زرعة وأبو داود بأنهما قالا: طارق بن شهاب له رؤية، ولا صحبة له وكذا عبد الله بن سرجس رأى رسول الله ﷺ ولا صحبة له فيما نصه عاصم الأحول وفيه بحث. وقوله: «ولم يُثَبَّت».قلت: هو بضم الياء المثناة من تحت، وتشديد الباء الموحدة مفتوحة، وبعده تاء مُثَنَّاة فوق، أي: وليس هو الثَّبْتُ الذي عليه العمل عند المحدثين والأصوليين. وقوله: «وقيل مَن [أقام عاماً أو] (١) غزا» (خ)، هذا القول الثالث، وهو ما رُويَ عن ابن المسيب أنه كان لا يعدُّ الصحابي إلا من أقام مع رسول الله صلى

стр. 312

الله عليه وسلم سنَةً أو سنتين، وغزا معه غزوةً أو غزوتين. قال شيخنا (ن) (١): ولا يصح هذا عن ابن المسيب؛ ففي الإسناد إليه محمد بن عمر الواقدي، وهو ضعيف في الحديث، وفي المسألة أقوال أخر بسطها في الشرح. وقوله: ٧٨٨ - وَتُعْرَفُ الصُّحْبَةُ باشْتِهَارٍ او ... تَوَاتُرٍ أو قَوْلِ صَاحِبٍ وَلَوْ [١٢١ - أ] ٧٨٩ - قَدِ ادَّعَاهَا وَهْوَ عَدْلٌ قُبِلاَ ... وَهُمْ عُدُولٌ قِيلَ: لا مَنْ دَخَلاَ ٧٩٠ - في فِتْنَةٍ، والمُكْثِرُونَ سِتَّةُ ... أَنَسٌ، وابنُ عُمَرَ، والصِّدِّيقَةُ ٧٩١ - البَحْرُ، جَابِرٌ أَبُو هُرَيْرَةِ ... أَكْثَرُهُمْ وَالبَحْرُ في الحَقِيقَة ٧٩٢ - أَكْثَرُ فَتْوَى وَهْوَ وابنُ عُمَرا ... وَابْنُ الزُّبَيرِ وَابْنُ عَمْرٍو قَدْ جَرَى ٧٩٣ - عَلَيْهِمُ بِالشُّهْرَةِ العَبَادِلهْ ... لَيْسَ ابْنُ مَسْعُودٍ ولا مَنْ شَاكَلَهْ ٧٩٤ - وَهْوَ وزَيْدٌ وابْنُ عَبَّاسٍ لَهُمْ ... في الفِقْهِ أَتْبَاعٌ يَرَوْنَ قَوْلَهُمْ الشرح: أشار بهذه إلى (٢) ستة مسائل: المسألة الأولى: فيما تُعْرَف به الصُّحْبَة وذلك إما بالتواتر كأبي بكر، وعمر، وبقية العشرة. وإما بالشهرة كعكاشة بن محصن، وضمام، وغيرهما. وإما

стр. 313

بإخبار بعض الصحابة عنه أنه صحابي كحُمَمَة بن أبي حُمَمَة الدَّوسي، مات بأصبهان مبطوناً، فشهد له أبو موسى الأشعري أنه سمع النبيَّ ﷺ حكم له بالشهادة، نَصَّ عليه أبو نعيم في «تاريخ أصبهان». قال شيخنا (١): وروينا قصته في «مسند الطيالسي» و «معجم الطبراني» [على] (٢) أنه يجوز أن يكون أبو موسى إنما أراد شهادة النبي ﷺ لمن قتله بطنه عموماً، وفيهم حُمَمَة؛ لا أنه (٣) سماه باسمه. وقوله: «ولو» (خ) يعني بإخباره عن نفسه أنه صحابي بعد ثبوت عدالته قُبِلَ إخباره بذلك. وقيده (ن) (٤) بأن يكون ادعاؤه [١٢١ - ب] يقتضيه الظاهر، فلو ادعاه بعد مُضي مائة سنة من حين وفاته ﷺ فإنه لا يُقْبَل منه، وإن ثبتت عدالته قُبِلَ ذلك. وقوله: «وهم عدول» هذه المسألة الثانية، وهو أن الصحابة كلهم عدول، لقوله [تعالى] (٥): ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطاً﴾ الآية، وغير ذلك من الآي. فقيل: إنه وارد في أصحاب رسول الله ﷺ .

стр. 314

ولقوله ﷺ في الحديث المتفق على صحته من حديث ابن مسعود: «خير القرون قرني»، وفي تفسير القَرْن ستة أقوال حكاها ابن منده فقيل: عشر سنين، وقيل: عشرون، وقيل: ثلاثون، وقيل: أربعون، وقيل: ستون، وقيل: سبعون. وروى ابنُ منده في «الصحابة» من حديث عبد الله بن بُسر مرفوعاً: «القرن مائة سنة». وقوله: «قيل: لا من دخلا» يعني أن جميع الأمة أَجْمعت على تعديل من لم يُلابس الفتن منهم، وأما من لابسها من حين مَقْتَلِ عثمان، فأَجْمَعَ من يُعْتَدُّ به على تعديلهم إحساناً للظن بهم، وحَمْلاً على الاجتهاد، وفيه نظر؛ لحكاية ابن الحاجب تبعاً للآمدي قولاً: أن من لم يلابس الفتن كغيرهم في البحث عن عدالتهم مطلقاً. وقولاً: أنهم عدول إلى وقوع الفتن، فأما بعد ذلك فلابُد من البحث عَمَّن ليس ظاهر العدالة. والحق الذي حكاه أبو عمر في «الاستيعاب» [١٢٢ - أ]: إجماع أهل الحق من المسلمين وهم أهل السنة والجماعة على أن الصحابة كُلُّهم عدول. وقوله: «والمكثرون» (خ) هذه المسألة الثالثة: المكثرون من الصَّحابة عن النبي ﷺ ستة: أنس بن مالك، وعبد الله بن عمر، وعائشة الصديقة بنت أبي بكر الصديق، وعبد الله بن عباس، وهو البحر، وجابر بن عبد الله، وأبو هريرة. وقوله: «أكثرهم» (خ) يعني أن أكثر الستة حديثاً أبو هريرة، فيما نصه الإمام أحمد رضي الله تعالى عنه، وابن مخلد؛ لأنه روى خمسة آلاف وثلاثمائة

стр. 315

وأربعة وسبعين حديثاً، وابن عمر روى ألفي حديث وستمائة وثلاثين، وأنس روى ألفين ومائتين وستة وثمانين حديثاً، وعائشة روت ألفين ومائتين وعشرة، وابن عباس روى ألفاً وستمائة وستين حديثاً، وجابر روى ألفاً وخمسمائة وأربعين حديثاً، وليس في الصَّحَابي من يزيد حديثه على ألف إلا هؤلاء، والخدري فإنه روى ألفاً ومائة وسبعين حديثاً. وقوله: «والبحر» (خ) هذه هي المسألة الرابعة أكثر الصحابة فتوى: البحرُ عبد الله بن عباس فيما نَصَّ عليه الإمام أحمد. وقوله: «وهو» (خ) هذه هي المسألة الخامسة: العَبَادلة من الصَّحَابة في سؤال الإمام أحمد مَنْ [١٢٢ - ب] العبادلة؟ فقال: عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمرو، وقيل: وابن مسعود؟ قال: لا، ليس من العبادلة. قال البيهقي: لأنه تقدم موتُهُ، وهؤلاء عاشوا حتى احتيج إلى علمهم، وفي ذلك بحث طويل لا يحتمله هذه التعليقة المباركة النافعة إن شاء الله تعالى. وقوله: «ولا مَنْ شَاكَله»، يعني: أن ابن الصلاح قال: يلتحقُ بابن مسعود في ذلك سائر العبادلة المسمين بعبد الله من الصحابة، وهم نحو مائتين وعشرين نفساً فلا يُسَمّون العبادلة اصطلاحاً، فالمعنى: ولا مَنْ أشبه ابن مسعود في التسمية بعبد الله. وقوله: «وهو وزيد» (خ) هذه المسألة السادسة: مَنْ كان له من الصحابة أتباعٌ يقولون برأيه، وهم ثلاثة: عبد الله بن مسعود، وزيد بن ثابت، وابن عباس، كان لكلِّ رجلٍ منهم أصحاب يقومون بقوله، ويُفتون الناس، كذا نص

стр. 316

ابن المديني، فقوله: «وهو» أي: ابن مسعود. وقوله: ٧٩٥ - وَقَالَ مَسْرُوقٌ: انْتَهَى العِلْمُ إلى ... سِتَّةِ أَصْحَابٍ كِبَارٍ نُبَلا ٧٩٦ - زَيْدٍ أَبِي الدَّرْدَاءِ مَعْ أُبَيِّ ... عُمَرَ، عَبْدِ اللهِ مَعْ عَليّ ٧٩٧ - ثُمَّ انْتَهَى لِذَيْنِ والبَعْضُ جَعَلْ ... الأَشْعَرِيَّ عَنْ أَبِي الدَّرْدَا بَدَلْ الشرح: بَيَّنَ مَنْ انتهى إليه العلم من الصحابة الأكابر، وقد نَصَّ على ذلك مسروق والشعبي، فقال مسروق: وجدتُ علمَ أصحاب [١٢٣ - أ] رسول الله ﷺ انتهى إلى ستة: عمر، وعلي، وأُبَي، وزيد، وأبي الدرداء، وعبد الله بن مسعود. وقوله: «ثم انتهى لِذَين» (خ) يعني: أنه انتهى علم هؤلاء الستة إلى اثنين: علي وعبد الله. وقوله: «والبعض» (خ) يعني: أن بعضَهُم، وهو: مطرف، روى عن الشعبي، عن مسروق، أنه ذكر أن أبا موسى الأشعري بَدَل أبي الدرداء. وفيه بحثٌ أشار إليه في الشرح (١). وقوله: ٧٩٨ - وَالعَدُّ لاَ يَحْصُرُهُمْ فَقَدْ ظَهَرْ ... سَبْعُونَ أَلْفاً بِتَبُوكٍ وَحَضَرْ ٧٩٩ - الحَجَّ أَرْبَعُونَ أَلْفاً وَقُبِضْ ... عَنْ ذَيْنِ مَعْ أَرْبَعِ آلاَفٍ تَنِضّْ

стр. 317

الشرح: حَصْرُ الصحابة رضي الله تعالى عنهم بالعَدِّ مُتَعَذِّر لتفرقهم في البلدان والبوادي. وروى البخاري في «صحيحه» أن كعب بن مالك قال في قصة تخلفه عن غزوة تبوك: «وأصحاب رسول الله ﷺ كثير لا يجمعهم كتاب حافظ»، يعني الديوان، ولكن جاء ضَبْطُهُم في بعض المشاهد، كتبوك، وحجة الوداع، ومن قُبِضَ عنه من الصحابة، وعن أبي زرعة الرازي أنه سُئل عن عدة مَنْ رَوَى عن النبي ﷺ ؟ فقال: ومن يَضْبِطُ هذا؟! شهد معه حجة الوداع أربعون ألفاً، وشهد معه تبوك سبعون ألفاً. وقوله: «وقُبِضَ» (خ) يعني أنه ﷺ قُبِضَ عن مائة [١٢٣ - ب] ألف وأربعة عشر ألفاً من الصحابة، ممن روى عنه وسمع منه. وفي رواية ممن رآه وسمع منه، كذا رُوِيَ عن الرازي أبي زرعة، وقيل له أليس يقال حديث رسول الله ﷺ أربعة آلاف حديث؟ قال: من قال ذا؟ قلقل الله أنيابه، هذا قول الزنادقة، ومن يحصي حديث رسول الله ﷺ ، قُبِض رسول الله ﷺ إلى آخره. فقوله: «عن ذَيْن» أي: عن مقدار هذين العددين وهما سبعون ألفاً وأربعون ألفاً مع زيادة أربعة آلاف، فذلك مائة ألف وأربعة عشر ألفاً. وقوله: «تَنِض» بفتح التاء المثناة فوق، وكسر النون، وتشديد الضاد المعجمة، أي: تيسر، يقال خُذ ما نَضَّ لك من دَيْن، أي: تيسر. وفيه الاستعارة، فإن الناض والنَّض منوط حقيقة بالعرضين الدرهم والدينار، فاستعير للصحابة لرواجهم في النقد، وسلامتهم من الزَّيْف بالعدالة. كذا قرره شخينا (ن) في

стр. 318

(ش) (١). قلت: والمحققون على تسمية مثل هذا النحو تشبيهاً بديعاً (٢) لا إستعارة (٣)؛ لأن المستعار له مذكور وهم الصحابة رضي الله تعالى عنهم، والاستعارة إنما تطلق حيث يطوى ذكر المستعار له، ويجعل الكلام خِلْواً عنه، صالحاً لأن يراد به المنقول عنه والمنقول إليه لولا دلالة الحال، أو فحوى الكلام. كقوله [١٢٤ - أ]: لدى أسَد شَاكي السلاح مقَذَّف ... له لِبَد أظفارُهُ لم تقلم وقوله: ٨٠٠ - وَهُمْ طِبَاقٌ إِنْ يُرَدْ تَعْدِيدُ ... قِيلَ: اثْنَتَا عَشْرَةَ أَوْ تَزِيدُ الشرح: يعني أن الصحابة طبقات باعتبار سبقهم إلى الإسلام، أو الهجرة، أو شهود المشاهد الفاضلة. واختَلَف كلامُ من اعتنى بذكر طبقاتهم في العدد، فقال الحاكم في «العلوم» له: اثنتا عشر طبقة. ومنهم من زاد عليها. وقال ابن سعد: خمس طبقات. وعَدُّ الحاكم أبا هريرة في العاشرة: مَنْ هاجَرَ بين الحديبية والفتح لا يَصِحّ؛ فإنه هاجر قبل الحديبية عُقيب خيبر في أواخرها.

стр. 319

وقوله: ٨٠١ - وَالأَفْضَلُ الصِّدِّيقُ ثُمَّ عُمَرُ ... وَبَعْدَهُ عُثْمَانُ وَهْوَ الأَكْثَرُ ٨٠٢ - أَوْ فَعَلِيٌّ قَبْلَهُ خُلْفٌ حُكِيْ ... قُلْتُ: وَقَوْلُ الوَقْفِ جَا عَنْ مَالِك ٨٠٣ - فَالسِّتَّةُ البَاقُونَ، فالبَدْرِيَّهْ ... فَأُحُدٌ، فَالبَيْعَةُ المَرْضِيَّهْ الشرح: أفضل الصحابة مطلقاً بعد النبي ﷺ أبو بكر، ثم عُمَر بالإجماع، فيما حكاه أبو العباس القرطبي، وحُكِيَ عن الشافعي وغيره إجماع الصحابة والتابعين عليه فيما رواه عنه البيهقي في كتاب «الاعتقاد». قلت: أخبرنا إجازةً المكثر أبو العباس السويدائي، قال: أخبرنا بدر الدين الفارقي، قال: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن النعمان التلمساني، قال: أنبأنا أبو المعالي بن علي [١٢٤ - ب]، عن المبارك بن علي، قال: أخبرنا أبو الحسن عبيد الله بن محمد، قال: أخبرنا جدي أبو بكر أحمد الحافظ: حدثنا أبو عبيد الله الحافظ إملاءً: حدثنا أبو بكر أحمد بن إسحاق، قال: أخبرنا موسى بن الحسين: حدثنا عَفَّان بن مسلم: حدثنا السَّرِي بن يحيى: حدثنا محمد بن سيرين قال: ذَكَرَ رجالٌ على عهد رسول الله ﷺ عُمَرَ، فكلهم فضلوا عمر على أبي بكر، فبلغ ذلك عمر فقال: والله لليلة من أبي بكر خير من آل عمر، وليوم من أبي بكر خير من آل عمر، لقد خرج رسول الله ﷺ ليلة انطلق إلى الغار ومعه أبو بكر فجعل يمشي ساعة بين يديه، وساعة خلفه، حتى فطن له رسول الله ﷺ فقال: «يا أبا بكر مالك تمشي ساعة بين يدي وساعة خلفي؟» فقال: يا رسول الله أذكر الطلب فأمشي خلفك، ثم أذكر الرصد فأمشي بين يديك. فقال: «يا أبا بكر لو كان

стр. 320

شيء أحببت أن يكون بك دوني» قال: نعم، والذي بعثك بالحق ما يكون من مسألةٍ إلا أحببت أن تكون بي دونك. فلما انتهينا من الغار قال أبو بكر مكانك يا رسول الله، حتى أستبرئ لك الغار، فدخل فاستبرأه، حتى إذا كان في أعلاه ذكر أنه لم يستتم الحجرة، فقال: مكانك يا رسول الله حتى أستبرئ الحجرة، قال: أنزل يا رسول الله، فنزل. قال: عمر والذي نفسه بيده لتلك الليلة خير من آل عمر. ومذهب الخَطَّابية تفضيل عُمَر، والشيعة تفضيل علي [١٢٥ - أ]، والرَّاوندية تفضيل العباس، وبعضهم أَمْسَك التفضيل. وقوله: «وبعده» (خ) يعني أن أهل السنة اختلفوا في الأفضل بعد عمر، فالأكثرون كما حكَّاه الخَطَّابي وغيره: عثمان ثم علي، وهم في الترتيب كالخلافة، وإليه ذهب الشافعي، وأحمد، فيما رواه عنه (١) البيهقي في «الاعتقاد» عنهما، وهو المشهور عند مالك، والثوري، وكافة الأئمة من المحدثين، والفقهاء، والكثير من المتكلمين، وهو مذهب الأشعري، والباقلاني، وإن اختلفا في التفضيل بين الصحابة هل هو قطعي أو ظني؟ فمال الأشعري إلى أنه قطعي، ويدلُّ عليه قول مالك في «المدونة»، وقال الباقلَّاني، واختاره إمام الحرمين: أنه ظني. وجزم به القرطبي في «المفهم». وقوله: «أو فَعَلي» (خ) يعني أنه يفضل علي على عثمان كما هو مذهب الكوفيين، وبه قال الخطَّابي، ورواه بإسناده إلى الثوري أنه حكاه عن أهل
следующие страницы →