٤٥٧ - فِي ذَا اخْتِلاَفَاً بَيْنَهُمْ مِمَّنْ يَرَى ... إِجَازَةً لِكَوْنِهِ مُنْحَصِرَا
الشرح: يعني أن الإجازة العامة إذا قُيِّدَت بوصفٍ حاصرٍ فهذا إلى الجواز أقرب. كقوله: «أجزتُ لمن هو الآن من طَلَبَةِ العِلْم ببلدِ كَذَا، ولمَنْ قرأ علي قبل هذا».
قال عياض: فما أحسبهم اختلفوا في جوازه ممن تصح عنده الإجازة، ولا رأيت منعه لأحدٍ؛ لأنه محصورٌ موصوفٌ، كقوله: لأولاد فلان، أو أخوة فلان.
وقوله:
٤٥٨ - وَالرَّابعُ: الْجَهْلُ بِمَنْ أُجِيْزَ لَهْ ... أو مَا أُجِيْزَ كَأَجَزْتُ أَزْفَلَهْ
٤٥٩ - بَعْضَ سَمَاَعاِتي، كَذَا إِنْ سَمَّى ... كِتَاباً أو شَخْصَاً وَقَدْ تَسَمَّى
٤٦٠ - بِهِ سِوَاهُ ثُمَّ لَمَّا يَتَّضِحْ ... مُرَادُهُ مِنْ ذَاكَ فَهْوَ لاَ يَصِحْ
٤٦١ - أَمَّا الْمُسَمَّوْنَ مَعَ الْبَيَانِ ... فَلاَ يَضُرُّ الْجَهْلُ بِالأَعْيَان
٤٦٢ - وَتَنْبَغِي الصِّحَّةُ إِنْ جَمَلَهُمْ ... مِنْ غَيْرِ عَدٍّ وَتَصَفُّحٍ لَهُمْ [٩٢ - ب]
الشرح: النَّوْع الرابع من أنْوَاع الإجازة: الإجازة للمجهول أو بالمجهول، فالأول أن يقول أجزتُ لجماعةٍ من الناس مسموعاتي، والثاني: أجزتُ لك بعض مسموعاتي.
وقوله: «كأجزتُ» (خ) جَمَعَ في مثال واحد الجهل فيهما.
و «الأزفلة» بفتح الهمزة، وإسكان الزاي، وفتح الفاء، وبعده لامٌ مفتوحة، فهاء تأنيث: الجماعة من الناس، ومنه إن عائشة أَرْسَلَت إلى أزفلة من الناس،
стр. 247
في قصة خطبة عائشة في فضل أبيها.
وقوله: «كذا» (خ) من أمثلة هذا النوع أن يُسَمِّى شخصاً تسمى به غير واحد ذلك الوقت: كأجزت لمحمد بن خالدٍ الدمشقي، أو يُسمي كتاباً: كأجزتُ فلاناً كتاب «السُّنن» وهو يروي عِدَّة كتب تُعْرَف بالسُّنن ولم يَتَّضِح مراده في المسألتين، فهذه إجازة باطلة لا فائدة فيها.
وقوله: «أما المُسَمُّون» (خ) يعني إذا اتضح مرادَه بقرينة بأن قيل له: أجزتَ لمحمد بن خالد بن علي بن محمود الدمشقي؟ -مثلاً بحيث لا يلتبس-، فقال: أجزتُ لمحمد بن خالد الدمشقي. أو قيل له: أجزتَ لي رواية «السُّنَن» لأبي داود؟ فقال: أجزتُ لك روايةً السُّنَن. فالظاهر صحتها.
وكذا إذا سَمَّى الشيخ المسئول منه المجاز له مع البيان المزيل للاشتباه، إلا أن الشيخ لا يعرف المسئول له بل يجهل عينه، فلا يَضُرُّ ذلك والإجازة صحيحة.
وقوله: «وتنبغي» (خ) يعني أنه إذا سئل الشيخ الإجازة لجماعةٍ مسمَّين [٩٣ - أ] مع البيان في الاستدعاء جرياً للعادة، فأجاز لهم من غير معرفة بهم، ولم يعرف عددهم، ولا تصفح أسماءهم واحداً واحداً، فينبغي الصحة، كما يَصِحُّ سماعُ مَنْ سمع منه على هذا الوصف.
وقوله:
٤٦٣ - وَالْخَامِسُ: التَّعْلِيْقُ فِي الإِجَازَهْ ... بِمَنْ يَشَاؤُهَا الذَّيِ أَجَازَهْ
٤٦٤ - أو غَيْرُهُ مُعَيَّنَاً، وَالأُولَى ... أَكْثَرُ جَهْلاً، وَأَجَازَ الْكُلاَّ
стр. 248
٤٦٥ - مَعاً (أبو يَعْلَى) الإِمَامُ الْحَنْبَلِيْ ... مَعَ (ابْنِ عَمْرُوْسٍ) وَقَالاَ: يَنْجَلِي
٤٦٦ - الْجَهْلُ إِذْ يَشَاؤُهَا، وَالظَّاهِرُ ... بُطْلاَنُهَا أَفْتَى بِذَاك (طَاهِرُ)
٤٦٧ - قُلْتُ: وَجَدْتُ (ابنَ أبي خَيْثَمَةِ) ... أَجَازَ كَالَّثانِيَةِ الْمْبُهَمَة
٤٦٨ - وَإِنْ يَقُلْ: مَنْ شَاءَ يَرْوِي قَرُبَا ... وَنَحْوَهُ (الأَزْدِي) مُجِيْزَاً كَتَبَا
٤٦٩ - أَمَّا: أَجَزْتُ لِفُلاَنٍ إِنْ يُرِدْ ... فَالأَظْهَرُ الأَقْوَى الْجَوَازُ فَاعْتَمِدْ
الشرح: هذا النوع الخامس من أنواع الإجازة: الإجازة المعلقة بالمشيئة والتعليق قد يكون مع إبهام المجاز أو تعيينه، وقد يُعَلَّق بمشيئة المجاز أو بمشيئة غيره معيناً، وقد يكون لنفس الإجازة، وقد يكون للرواية بالإجازة.
فأما تعلقها بمشيئة المجاز مبهماً كأن يقول: من شاء أن أجيز له فقد أجزت له.
وأما تعليقها بمشيئة غير المجاز فإن كان المعلق بمشيئته مبهماً فهذه باطلة قطعاً، نحو: أجزتُ لمن شاء بعض الناس أن يروي عني. وإن [٩٣ - ب] كان معيناً كقوله: من شاء فلانٌ أن أجيز له فقد أجزته.
وقوله: «والأولى» (خ) يعني: أن التعليق بمشيئة المجاز مبهماً أكثر في الجهل من التعليق بمشيئة غير المجاز معيناً.
وقوله: «وأجاز» (خ) يعني: من ذَكَرَ أجاز هذا النوع بأسره؛ لأن الجهالة ترتفع بالمشيئة.
وأبو يعلى هذا هو الإمام محمد بن الحسين بن الفراء.
стр. 249
وابن عَمْرُوس بفتح العين المهملة، وإسكان الميم، وبعده راء مهملة مضمومة، فواوٌ ساكنةٌ، فسين مهملة، وهو أبو الفضل محمد بن عبيد الله بن عَمْرُوس المالكي، حدث عن المخلص وغيره، وكان إماماً في المذهب، ومتقدِّماً في علم الكلام على مذهب الأشعري، وقُبِلَت شهادته، انتهى.
وقوله: «والظاهر» (خ) قال ابن الصلاح: والظاهر أنه لا يَصِحُّ، وبذاك أفتى القاضي أبو الطيب طاهر بن عبد الله الطبري لما سأله الخطيب عن ذلك، وعلل بأنه إجازةٌ لمجهول، كقوله: أجزت لبعض الناس.
وقوله: «قلت» (خ) هذا من الزيادة على ابن الصلاح، وهو أن جماعة من أئمة الحديث المتقدمين والمتأخرين استعملوا هذا، ومن المتقدمين: أبو بكر أحمد بن أبي خيثمة زُهير بن حرب صاحب ابن معين، وصاحب «التاريخ» فقال ابن الوَزَّان الإمام أبو الحسين محمد: ألفيتُ بِخَطِّ ابن أبي خيثمة: قد أجزتُ لأبي زكريا يحيى بن مسلمة أن يروي [٩٤ - أ] عني ما أَحَبَّ من كتاب «التاريخ» الذي سمعه مِنِّي أبو محمد القاسم بن الأصبغ، ومحمد بن عبد الأعلى، كما سمعاه مِنِّي، فأذنت له في ذلك، ولمن أحب من أصحابه، فإن أحب أن تكون الإجازة لأحدٍ بعد هذا فأنا أجزتُ له ذلك بكتابي هذا، وكتب أحمد بن أبي خيثمة بيده في شوال من سنة ست وسبعين ومائتين.
وقوله: «وإن يقل» (خ) يعني: إذا كان المعلَّق هو الرواية، كقوله: أجزت لمن شاء الرواية عني أن يروي عني.
وقوله: «قَرُبَا» بضم الراء، معناه: قَرُب من التصريح بما يقتضيه الإطلاق والحكاية للحال، لا أنه تعليقٌ حقيقةً، وبَنى على هذا ابن الصلاح إجازة:
стр. 250
بعتك هذا بكذا إن شئت. فيقول: قبلت.
وفَرَّقَ بينهما (ن) بتعيين المبتاع هنا، بخلافه في الإجازة، فإنه مبهمٌ ووِزَان الفرع في الإجازة أن يقول: أجزتُ لك أن تروي عني إن شئت الرواية عني، بخلاف المثال الذي ذكره، فالتعليق وإن لم يضره فالجهالة تبطله.
وقوله: «الأزدي» (خ) يعني أنه وُجِدَ بخط أبي الفتح الأزدي: أجزتُ رواية ذلك لجميع من أَحَبَّ أن يروي عني ذلك.
وقوله: «أما أجزت» (خ) يعني أن تعليق الرواية مع التصريح بالمجاز له وتعيينه كقوله: أجزتُ لك كذا وكذا إن شئت روايته عني، أو أجزت لك إن شئت أن تروي [٩٤ - ب] عني، ونحو ذلك، فالأظهر الأقوى جوازه.
فقوله: «إن يُرِد» أي: الرواية، لقوله قبل «من شاء يروي».
قال (ن) (١): ويجوز أن يُراد الأمران، أي: إن أراد الرواية أو الإجازة.
وقوله:
٤٧٠ - وَالسَّادِسُ: الإِذْنُ لِمَعْدُوْمٍ تَبَعْ ... كَقَوْلِهِ: أَجَزْتُ لِفُلاَنِ مَعْ
٤٧١ - أَوْلاَدِهِ وَنَسْلِهِ وَعَقِبِهْ ... حَيْثُ أَتَوْا أَوْ خَصَّصَ الْمَعْدُوْمَ بِهْ
٤٧٢ - وَهْوَ أَوْهَى، وَأَجَازَ الأَوَّلاَ ... (ابْنُ أبي دَاوُدَ) وَهْوَ مُثِّلاَ
٤٧٣ - بِالْوَقْفِ، لَكِنْ (أَبَا الطَّيِّبِ) رَدْ ... كِلَيْهِمَا وَهْوَ الصَّحِيْحُ الْمُعْتَمَدْ
стр. 251
٤٧٤ - كَذَا أبو نَصْرٍ. وَجَازَ مُطْلَقَا ... عِنْدَ الْخَطِيْبِ وَبِهِ قَدْ سُبِقَا
٤٧٥ - مِنِ ابْنِ عُمْرُوْسٍ مَعَ الْفَرَّاءِ ... وَقَدْ رَأَى الْحُكْمَ عَلى اسْتِوَاء
٤٧٦ - فِي الْوَقْفِ في صِحَّتِهِ مَنْ تَبِعَا ... أَبَا حَنِيْفَةَ وَمَالِكَاً مَعَا
الشرح: النوع السادس من أنواع الإجازة: الإجازة للمعدوم، وهي على قسمين:
الأول: كقوله: أجزتُ لمن يولد لفلانٍ، أو لفلان، ولولده، وعقبِهِ ما تناسلوا، ونحوه. وفَعَلَهُ أبو بكر عبد الله بن أبي داود و [قد] (١) سُئل الإجازة فقال: أجزت لك، ولأولادك، ولحبل الحبلة. يعني الذين لم يولدوا بعد.
وقوله: «أو خَصَّص» (خ) هذا القسم الثاني من قسمي هذا النوع، وهو: أن يخصَّص المعدوم بالإجازة من غير عطفٍ عل موجودٍ، كقوله: أجزت لمن يولد لفلان. وهو [٩٥ - أ] أضعف من الأول، والأول أقرب إلى الجواز، وشُبِّه بالوقف على المعدوم، وأجازه الشافعية في الأول دون الثاني.
وقوله: «لكن» (خ) يعني أن الطبري فيما حكاه الخطيب عنه مَنَعَ صحة الإجازة للمعدوم مطلقاً.
وقوله: «كذا أبو نصرٍ» يعني أن ابن الصَّبَّاغ بَيَّنَ بطلانها.
وقوله: «وجاز مُطلقاً» (خ) يعني أن الخطيب أجازها مطلقاً، وحكاه عن أبي يعلى، وابن عمروس.
стр. 252
قال القاضي عياض: وعليه مُعْظَم الشيوخ المتأخرين، وبه استمر عَمَلُهم بعدُ شرقاً وغرباً.
وقوله: «وقد» (خ) يعني أن الخطيب حكى عن مالك وأبي حنيفة جواز الوقف على المعدوم وإن لم يكن أصله موجوداً حال الإيقاف، كأن يقول: وقفت هذا على من يولد لفلان، وإن لم يكن وَقَفَهُ على فلان.
وقوله:
٤٧٧ - وَالسَّاِبعُ: الإِذْنُ لِغَيْرِ أَهْلِ ... لِلأَخْذِ عَنْهُ كَافِرٍ أو طِفْل
٤٧٨ - غَيْرِ مُمَيِزٍ وَذَا الأَخِيْرُ ... رَأَى (أبو الطَّيِّبِ) وَالْجُمْهُوْرُ
٤٧٩ - وَلَمْ أَجِدْ فِي كَافِرٍ نَقْلاً، بَلَى ... بِحَضْرَةِ (الْمِزِّيِّ) تَتْرَا فُعِلا
٤٨٠ - وَلَمْ أَجِدْ فِي الْحَمْلِ أَيْضَاً نَقْلاَ ... وَهْوَ مِنَ الْمَعْدُوْمِ أولَى فِعْلاَ
٤٨١ - وَ (لِلْخَطِيْبِ) لَمْ أَجِدْ مَنْ فَعَلَهْ ... قُلْتُ: رَأَيْتُ بَعْضَهُمْ قَدْ سَأَلَهْ
٤٨٢ - مَعْ أبويْهِ فَأَجَازَ، وَلَعَلْ ... مَا اصَّفَّحَ الأَسماءَ فِيْهَا إِذْ فَعَلْ
٤٨٣ - وَيَنْبَغِي الْبِنَا عَلى مَا ذَكَرُوْا ... هَلْ يُعْلَمُ الْحَمْلُ؟ وَهَذَا أَظْهَرُ [٩٥ - ب]
الشرح: هذا النوع السابع من أنواع الإجازة: الإجازة لمن ليس بأهل حين الإجازة للأداء والأخذ عنه.
وقوله: «كافرٍ» (خ) لم يذكر ابن الصلاح إلا الصبي، وزاد (ن) هنا الكافر.
فأما الصبي فلا يخلو إما أن يكون مميزاً أولاً، فإن كان فالإجازة صحيحة كسماعه، وإن كان الثاني فاختُلِف فيه، فذهب الجمهور والطبري أبو الطيب
стр. 253
إلى الجواز، وحكى الخطيب عن بعض الشافعية المنع.
وقوله: «ولم أجد في كافر» (خ) يعني: أن الإجازة للكافر لم نَجِد فيها نقلاً وإن صَحَّ سماعه، إلا أن شخصاً (١) من الأطباء بدمشق ممن رأيته بدمشق ولم أسمع عليه يقال له: محمد بن عبد السيد بن الدَّيَّان، سمع الحديث في حال يهوديته على أبي عبد الله محمد بن عبد المؤمن الصوري، وكتب اسمه في طَبَقَة السماع مع السامعين، وأجاز ابن عبد المؤمن لمن سمع وهو من جملتهم، وكان السماع والإجازة بحضور الحافظ المزي أبي الحجاج يوسف، وبعض السماع بقراءته وذلك في غير ما جزء، فلولا أن المزي يرى جواز ذلك ما أَقَرَّ عليه، ثُمَّ هدى الله اليهودي للإسلام، وحدث، وسمع منه أصحابنا.
وقوله: «لغير أهل» يدخل تحته الإجازة للمجنون وهي صحيحة، وللفاسق وللمبتدع والظاهر جوازها.
وقوله: «ولم أجد في الحمل» (خ) يعني: أن (ن) رحمه الله تعالى قال (٢): لم أجد أيضاً [٩٦ - أ] نقلاً في الإجازة للحَمْل غير أن الخطيب قال: لم نَرَهُم أجازوا لمن لم يكن مولوداً في الحال. ولم يتعرض لكونه إذا وقع يصح أو لا.
وقوله: «وهو» (خ) يعني: أنه أولى بالصحة من المعدوم، والخطيب يرى صحتها للمعدوم.
стр. 254
وقوله: «قلت» يعني أن (ن) قال (١): رأيت بعض شيوخنا المتأخرين سُئل الإجازة لحملٍ بعد ذكر أبويه قبله وجماعة معهم، فأجاز فيها، وهو الحافظ أبو سعيد العلائي.
وقوله: «ولعل» (خ) يعني أَنَّ من عَمَّمَ الإجازة للحمل وغيره أعلم وأحفظ وأتقن، إلا أنه يُقال: لعله ما اصَّفَّح أسماء الإجازة حتى يعلم هل فيها حمل أم لا، فقد جوزوا الإجازة ولو لم يتصفح الشيخ المجيز أسماء الجماعة المسئول لهم الإجازة.
وقوله: «وينبغي» يعني أنه ينبغي بناء الحكم في الإجازة للحمل على الخلاف في أن الحمل هل يُعْلَم أم لا، فإن قلنا: لا يُعْلَم، فكالإجازة للمعدوم، وفيه الخلاف، وإن قلنا: يُعْلَم، وهو الأصح -قال (٢): كما صَحَّحَهُ الرَّافعي- صَحَّت الإجازة.
قال: ومعنى «يُعْلَم» أن يُعامل معاملة المعلوم، قال (٣): وإلا فقد قال إمام الحرمين: لا خلاف أنه لا يُعْلَم، وجزم به الرافعي.
وقوله: «وهذا أظهر»، يعني: أن الحمل يُعْلَم.
وقوله:
٤٨٤ - وَالثَّامِنُ: الإِذْنُ بِمَا سَيَحْمِلُهْ ... الشَّيْخُ، وَالصَّحِيْحُ أَنَّا نُبْطِلُهْ
стр. 255
٤٨٥ - وبعضُ عَصْرِيِّ عِيَاضٍ بَذَلَهْ ... وَ (ابْنُ مُغِيْثٍ) لَمْ يُجِبْ مَنْ سَأَلَهْ [٩٦ - ب]
٤٨٦ - وَإِنْ يَقُلْ: أَجَزْتُهُ مَا صَحَّ لَهْ ... أو سَيَصِحُّ، فَصَحِيْحٌ عَمِلَهْ
٤٨٧ - (الدَّارَقُطْنِيُّ) وَسِواهُ أوحَذَفْ ... يَصِحُّ جَازَ الكُلُّ حَيْثُمَا عَرَفْ
الشرح: النوع الثامن من أنواع الإجازة: إجازة ما سيحمله (١) المجيز مما لم يسمعه قبل ذلك ولم يتحمله، فيرويه المجاز له بعد أن يتحمله المجيز.
وقوله: «وبعض» (خ) يعني أن عياضاً قال في «الإلماع»: لم نر مَنْ تَكَلَّم عليه من المشايخ، ورأيت بعضَ المتأخرين والعَصْرِيين يصنعونه، إلا أني قرأت في «فهرست أبي مروان عبد الملك بن زيادة الله الطُّبْنِي» قال: كنت عند القاضي بقرطبة أبي الوليد يونس بن مغيث، فجاءه إنسانٌ فسألَهُ الإجازة له بجميع ما رواه إلى تاريخها، وما يرويه بعد، فلم يُجبه إلى ذلك، فَغَضِبَ السائلُ، فنظر إليَّ يونس، فقلت له: يا هذا يعطيك ما لم يأخذ؟ هذا محال. فقال يونس: هذا جوابي. قال عياض: وهذا هو الصحيح.
فقوله: «وابن مُغيث» قلت: هو بضم الميم، وكسر الغين المعجمة، وبعده ياء مثناة تحت ساكنة، فثاء مثلثة، هو مَنْ ذُكِر: قاضي الجماعة بقرطبة، وصاحب الصلاة والخطبة بجامعها، ويُعرف بابن الصفار، كَتَبَ إليه من المشرق الدارقطني وجماعة، وهو من أهل العلم بالحديث والفقه، كثير الرواية، وافر الخط من عِلْم اللغة والعربية، صَحِبَ الصَّالحين، من تَوَاليفه كتاب «التسلِّي عن [٩٧ - أ] الدنيا بتأمل خبر الآخرة»، ﵀، ونفع بعلومه.
стр. 256
والخلاف في ذلك مبني على أن الإجازة هل الإخبار بالمجاز جملةً أو إذنٌ؟ فعلى الأول لا يَصِحُّ إذ لا يُخْبِر بما ليس عنده، وعلى الثاني فمبني على الإذن في الوكالة بما لم يملكه الآذنُ بعد.
قال (ن) (١): وأجازه بعض الشافعية، والصحيح البطلان، قال: وصوبه النووي.
وقوله: «وإن يَقُل» (خ) يعني إذا قال: أجزتُ له ما صَحَّ ويَصِحُّ عنده من مسموعاتي فصحيحة، وفعله الدارقطني وغيره.
وقوله: «أو حَذَف يصح» (خ) يعني أنه لو قال له: أجزتُ ما صح عنده من مسموعاتي، ولم يَقُل: «ويَصِحُّ» فله الرواية.
وقوله: «جاز الكل» أي: ما عُرِفَ حالة الأداء أنه سماعه.
وقوله: «بَذْلَهُ» هو بذال معجمة، أي: أعطاه لمن سأله.
وقوله:
٤٨٨ - وَالتَّاسِعُ: الإِذْنُ بِمَا أُجِيْزَا ... لِشَيْخِهِ، فَقِيْلَ: لَنْ يَجُوْزَا
٤٨٩ - وَرُدَّ، وَالصَّحِيْحُ: الاعْتِمَادُ ... عَلَيْهِ قَدْ جَوَّزَهُ النُّقَّاْدُ
٤٩٠ - أبو نُعَيْمٍ، وَكَذَا ابْنُ عُقْدَهْ ... وَالدَّارَقُطْنِيُّ وَنَصْرٌ بَعْدَهْ
٤٩١ - وَالَى ثَلاَثَاً بإِجَازَةٍ وَقَدْ ... رَأَيْتُ مَنْ وَالَى بِخَمْسٍ يُعْتَمَدْ
стр. 257
٤٩٢ - وَيَنْبَغِي تَأَمُّلُ الإِجازَهْ ... فحيثُ شَيْخُ شَيْخِهِ أَجَاْزَهْ
٤٩٣ - بَلِفْظِ مَا صَحَّ لَدَيْهِ لَمْ يُخَطْ ... مَا صَحَّ عِنْدَ شَيْخِهِ مِنْهُ فَقَطْ
الشرح: النوع التاسع من أنواع الإجازة: إجازة المُجَاز مثل: أجزتُ [٩٧ - ب] لك مجازاتي ونحوه، فَمَنَعَ جوازه الحافظُ أبو البركات عبد الوهاب بن المبارك الأنماطي من شيوخ ابن الجوزي، وصَنَّفَ جزءاً في منع ذلك، وحكاه الحافظ أبو علي البَرَدَاني بفتح الموحدة، والدال المهملة، وبعده ألف، فنون، عن بعض منتحلي الحديث وما سَمَّاه.
وقوله: «ورُد» (خ) يعني القول بالمنع، والصحيح المعتمد عليه جوازه، وقطع به الدارقطني، وأبو نعيم، وابن عُقدة، وفعله الحاكم في «تاريخه».
وقوله: «ونَصْرٌ» (خ) هو بالرفع مبتدأ خبره «والى» أي بين ثلاث أجايز. ويجوز عطف «ونصرٌ» على «الدارقطني».
وقوله: «وقد رأيت» (خ) يعني أن (ن) قال (١): رأيتُ في كلام غير واحد من الأئمة وأهل الحديث الزيادة على ثلاث أجايز، فرووا بأربع أجايز متواليةٍ، وبخمس. وروى الحلبي عبد الكريم في «تاريخ مصر» عن عبد الغني بن سعيد الأزدي: خَمْسِ أجايز متوالية في عِدَّة مواضع.
وقوله: «وينبغي» (خ) يعني أنه ينبغي لمن يَرْوي بالإجازة عن الإجازة أن يتأمَّل كيفيةَ إجازة شيخ شيخه لشيخه ومقتضاها، حتى لا يروي بها ما لم يندرج تحتها، فربما قَيَّدَهَا بعضهم بما صَحَّ عند المجاز، أو بما سمعه المجيز
стр. 258
فقط، أو بما حَدَّث من مسموعاته، أو غير ذلك.
وكان ابنُ دقيق العيد لا يجيز رواية سماعه، بل يُقيده بما حدث به من مسموعاته.
قال (ن) (١): هكذا [٩٨ - أ] رأيته بخطه في عِدَّة إجازات، ولم أر له إجازةً تشمل مسموعه، و [ذلك] (٢) أنه كان يَشُكُّ في بعض سماعاته فلم يُحَدِّث به، ولم يجزه، وهو سماعه على ابن المُقَيَّر فَمن حَدَّثَ عنه بإجازته منه بشيء مما حَدَّثَ به من مسمُوعاته فهو غير صحيح.
وقوله: «وابن عُقدة».
قلت: هو بضم العين المهملة، وإسكان القاف، وبعده دال مهملة، فهاء تأنيث، هو أبو العباس، يشتبه بعكب بن عُبْدَة بالباء الموحدة بدل القاف أحد شهود علي يوم الحكمين، انتهى.
وقوله: «ونصر». قلت: بفتح النون، وإسكان الصاد المهملة، هو الفقيه نصر بن إبراهيم المقدسي، قال محمد بن طاهر: سمعته ببيت المقدس يروي بالإجازة عن الإجازة، وربما تابع بين ثلاث منها.
стр. 259
لَفْظُ الإِجَازَةِ وَشَرْطُهَا
قوله:
٤٩٤ - أَجَزْتُهُ (ابْنُ فَارِسٍ) قَدْ نَقَلَهْ ... وَإِنَّمَا الْمَعْرُوْفُ قَدْ أَجَزْتُ لَهْ
الشرح: قال ابن فارس: الإجازة في كلام العرب مأخوذة من جواز الماء الذي يُسْقَاه المال من الماشية والحرث، يقال: استجزتُ فلاناً فأجازني، إذا أسقاك ماءً لماشيتك أو أرضك، فكذا طالب العلم يستجيز العالم علمه فيجيز له، وعليه فيجوز أن تُعَدِّي الفعل بغير حرف الجر ولا ذكر «رواية» (١) فتقول: أجزتُ فلاناً مسموعاتي.
قلت: «وابن فارس» هو أبو الحسين أحمد بن فارس اللُّغَوي، وألف «المجمل [٩٨ - ب] في اللغة» مختصراً جمع كثيراً من اللغة، له رسائل أنيقة، ومسائل في اللغة يعاني (٢) منها الفقهاء، ومنه اقتبس الحريري في «المقامات» ذلك الأسلوب، ووضع المسائل الفقهية في المقامة الطيبية وهي مائة مسألة، ومن شعره:
اسمع مقالة ناصح ... جمع النصيحة والمقه
إياك واحذر أن تبيت ... من الثقات على ثقه
انتهى.
стр. 260
وقوله: «وإنما المعروف» (خ) يعني أن الإجازة إن كانت بمعنى الإذن والإباحة وهو المعروف، فيقول: أجزت له رواية مسموعاتي. وإذا قال: أجزت له مسموعاتي فعلى حذف مضاف.
وقوله:
٤٩٥ - وَإِنَّمَا تُسْتَحْسَنُ الإِجَازَهْ ... مِنْ عَالِمٍ بِهِ، وَمَنْ أَجَازَهْ
٤٩٦ - طَالِبَ عِلْمٍ (وَالْوَلِيْدُ) ذَا ذَكَرْ ... عَنْ (مَالِكٍ) شَرْطاً وَعَنْ (أبي عُمَرْ)
٤٩٧ - أَنَّ الصَّحِيْحَ أَنَّهَا لاَ تُقْبَلُ ... إِلاَّ لِمَاهِرٍ وَمَا لاَ يُشْكِلُ
٤٩٨ - وَالْلَفْظُ إِنْ تُجِزْ بِكَتْبٍ أَحْسَنُ ... أو دُوْنَ لَفْظٍ فَانْوِ وَهْوَ أَدْوَنُ
الشرح: يعني أن الإجازة تُستحسن إذا كان المجيز عالماً بما يجيزه، والمجاز من أهل العلم؛ لأنها توسع يحتاج إليه أهل العلم.
وقوله: «والوليد» (خ) يعني: أن بعضهم بالغ في ذاك فجعله شرطاً فيها، وحكاه الوليد بن بكر المالكي عن مالك رحمه الله تعالى.
وقوله: «وعن أبي عمر» (خ) يعني أن ابنَ عبد البر أبا عمر قال: الصحيح أنها لا تجوز [٩٩ - أ] إلا لماهرٍ بالصناعة، وفي شيء معين لا يُشكل إسناده.
وقوله: «واللفظ» (خ) يعني أن الإجازة قد تكون باللفظ من الشيخ، أو بالخط، سواءً أجاز ابتداءً، أو كتب به على سؤال الإجازة كما جرت العادة، فإن كانت بالخط فالأحسن والأولى التَلَفُّظ بالإجازة، فإن اقتصر على الكتابة قاصداً الإجازة صَحَّت؛ لأن الكتابةَ كنايةٌ، وهي دون الإجازة باللفظ في الرتبة، فإن لم ينو فالظاهر عدم الصحة.
لها صور: أعلاها أن يناوله شيئاً من سماعه أصلاً أو فرعاً مقابَلاً به فيقول هذا سماعي، أو روايتي عن فلان فاروه عني، أو أجزت لك روايته، ثم يبقيه في يده تمليكاً، أو إلى أن ينسخه.
وقوله: «كذا» (خ) هذه الصورة الثانية: أن يُحْضِرَ الطالبُ الكتابَ -أصل الشيخ أو فرعه المقابل به- فيعرضه عليه، ويقول: هو حديثي، أو سماعي، أو روايتي، فاروه عني. وسماه غير واحدٍ من الأئمة عرضاً فيكون هذا عرض المناولة وذلك عرض القراءة.
وقوله: «والشيخ» (خ) يعني: إذا عرض الطالبُ الكتابَ على الشيخ، تَأَمَّله الشيخ، وهو عارف متيقظ، ثم يناوله الطالبَ ويقول له: هو روايتي أو من حديثي فاروه عني.
وقوله: «وقد حكوا» (خ) يعني: أن هذه المناولة المقرونة بالإجازة حَالَّة محل السماع عند بعضهم، كما حكاه الحاكم عن الزهري، وربيعة الرأي، ويحيى بن سعيد الأنصاري، ومالك، في جماعةٍ من أهل المدينة، ومكة، والكوفة، والبصرة، والشام، ومصر، وخراسان، وحكاه ابن جماعة عن مجاهد، والشعبي، وعلقمة، وإبراهيم، وابن وهب، وابن القاسم.
وقوله: «وقد أبى» (خ) يعني أن الذين أفتوا في الحلال والحرام فإنهم لم يروه سماعاً، وبه قال الشافعي [١٠٠ - أ]، والأوزاعي، والبويطي، والمزني، وأبو حنيفة، والثوري، وأحمد، وابن المبارك.
стр. 263
قال الحاكم: وعليه عهدنا أئمتنا وإليه نذهب.
قلت: «والشيباني» بالشين المعجمة؛ لأن في نسبه ذهل بن شيبان بن ثعلبة إلى عدنان، انتهى.
وقوله: «قلت» (خ) هذا من الزيادة على ابن الصلاح، وهو اتفاق أهل النقل هنا، لما حكى ابن الصلاح الخلاف المتقدم في الإجازة، ولم يحك هنا إلا كونها موازية للسماع أَولا، فزاد نقل الاتفاق على صحتها تبعاً لنقل عياض في «الإلماع».
وقوله: «مُحضْرَهُ». قلت: بضم الميم وكسر الضاد ونَصَبَهُ «يناول».
وقوله: «معتمداً» ضبطه (ن) بفتح الميم، منصوب على التمييز، أي: اعتماداً.
فقوله: «المفتون».قلت: واحده مفتي، اسم فاعل مِنْ أفتى رباعياً، فلما جُمِع جَمْعَ تصحيح بالواو والنون التقى ساكنان الياء التي آخر الكلمة وواو الجمع، فحذفت الياء لالتقائهما، ومثله المُهْدُون ونحوه.
وقوله: «وغيرِهم» قلت: هو بالجر عطفاً على المجرور بـ «مع»، والله تعالى أعلم.
وقوله:
٥٠٨ - أَمَّا إذا نَاولَ وَاسْتَرَدَّا ... فِي الْوَقْتِ صَحَّ وَالْمُجَازُ أَدَّى
٥٠٩ - مِنْ نُسْخَةٍ قَدْ وَافَقَتْ مَرْوِيَّهْ ... وَهَذِهِ لَيْسَتْ لَهَا مَزِيَّهْ
стр. 264
٥١٠ - عَلَى الذَّيِ عُيَّنَ فِي الاجَازَهْ ... عِنْدَ الْمُحَقِّقِيْنَ لَكِنْ مَازَهْ
٥١١ - أَهْلُ الْحَدِيْثِ آخِراً وَقِدْمَا ... أَمَّا إذا مَا الشَّيْخُ لَمْ يَنْظُرْ مَا [١٠٠ - ب]
٥١٢ - أَحْضَرَهُ الطَّالِبُ لَكِنْ اعْتَمَدْ ... مَنْ أَحْضَرَ الْكِتَابَ وَهْوَ مُعْتَمَدْ
٥١٣ - صَحَّ وَإِلاَّ بَطَلَ اسْتِيْقَانَا ... وَإِنْ يَقُلْ: أَجَزْتُهُ إِنْ كَانَا
٥١٤ - ذَا مِنْ حَدِيْثِي، فَهْوَ فِعْلٌ حَسَنُ ... يُفِيْدُ حَيْثُ وَقَعَ التَّبَيُّنُ
الشرح: من صور المناولة المقرونة بالإجازة أن يناوله الشيخُ الكتابَ، ويجيز له روايته، ثم يرتجعه منه في الحال، فهي صحيحة، ولكنها دون الصورة المتقدمة لعدم احتواء الطالب عليه وغيبته عنه.
وقوله: «المجاز» (خ) يعني والمجاز له، وهو مبتدأ خبره «أَدَّى» أي: ومن تناول على هذه الصورة فله أن يؤدي من الأصل الذي نَاوَلَهُ الشيخُ واسترده إذا ظفر به، مع غلبة ظنه بسلامته من التغيير، أو من فَرْعٍ مُقَابَلٍ به كذاك، وهذا معنى قوله: «قد وافَقَت مَرْوِيَّه» أي: الكتاب الذي تناوله، إما بكونه من الكتاب المناول نفسه مع غلبة السلامة، أو من نسخة موافقة بمقابلته، أو إخبار ثقة بموافقتها، ونحو ذلك.
وقوله: «وهذه» أي: هذه الصورة من صور المناولة لا مَزِيَّةَ لها على الإجازة بكتابٍ مُعَيَّنٍ عند المحققين على ما نقله عياض، وبه رَدَّ على ابن الصلاح في حكايته ذلك عن غير أهل التحقيق من الفُقَهَاء والأصوليين.
وقوله: «لكن» (خ) يعني لكن قديماً وحديثاً شيوخنا [١٠١ - أ] من أهل الحديث يرون لها مزية على الإجازة.
стр. 265
وقوله: «أما» (خ) من صور المناولة: أن يُحْضِرَ الطالبُ الكتابَ للشيخ فيقول: هذا روايتك فناولنيه وأَجِزْ لي روايته، فلا ينظر فيه الشيخ، ولا يتحقق أنه روايته، ولكن اعتمد خَبَرَ الطالب، والطالب ثقة يعتمد على مثله، فأجابه إلى ذلك، صَحَّت المناولة والإجازة.
وقوله: «وإلا» (خ) يعني وإن لم يكن الطالبُ موثوقاً به بخبره ومعرفته، فإنه لا تجوز هذه المناولة ولا تَصِحُّ، ولا الإجازة.
وقوله: «وإن يَقُل» (خ) يعني: فإن ناولَهُ وأَجَازَه ثم تَبَيَّنَ بعد ذلك بخبر ثقة يعتمد عليه أن ذلك كان من سماع الشيخ أو من مروياته، فهل يحكم بصحة المناولة والإجازة السابقتين؟ خلافٌ، واستظهر (ن) الصحة؛ لأنه تبين بعدُ صحةُ سماع الشيخ لما ناوله وأجازه، وزال ما كان يُخْشَى من عدم ثقة المخبر.
وقوله:
٥١٥ - وإنْ خَلَتْ مِنْ إذْنِ المُنَاْولَهْ ... قِيْلَ: تَصِحُّ والأَصَحُّ بَاْطِلَهْ
الشرح: هذا النوع الثاني من نوعي المناولة، وهو المُجَرَّد عن الإجازة، كأن يناوله كتاباً، ويقول: «هذا سماعي» مقتصراً عليه، ولا يقول له: اروه عني، ولا أجزت لك روايته، ونحوه.
وفيها خلافٌ، فحكى الخطيبُ عن طائفةٍ صحتَهَا، والرواية بها، وقال [١٠١ - ب] ابن الصلاح: عَابَهَا غيرُ واحدٍ من الفقهاء والأصوليين على المحدثين الذين أجازوها.
وقوله: «والأصح» (خ) يعني: فلا يجوز الرواية بها.
стр. 266
كَيْفَ يَقُوْلُ مَنْ رَوَى بِالمُنَاولَةِ وَالإِجَاْزَةِ ؟
قوله:
٥١٦ - وَاخْتَلَفُوا فِيْمَنْ رَوَى مَا نُوْوِلاَ ... (فَمَالِكٌ) وَ (ابْنُ شِهَابٍ) جَعَلاَ
٥١٧ - إِطْلاَقَهُ (حَدَّثَنَا) وَ (أَخْبَرَا) ... يَسُوْغُ وَهْوَ لاَئِقٌ بِمَنْ يَرَى
٥١٨ - الْعَرْضَ كَالسَّمَاعِ بَلْ أَجَازَه ... بَعْضُهُمُ في مُطْلَقِ الإِجَازَهْ
٥١٩ - وَ (الْمَرْزُبَانِيْ) وَ (أبو نُعَيْمِ) ... أَخْبَرَ، وَالصَّحِيْحُ عِنْدَ القَوْم
٥٢٠ - تَقْيِيْدُهُ بِمَا يُبيِنُ الْوَاقِعَا ... إِجَازَةً تَنَاولاً هُمَا مَعَا
٥٢١ - أَذِنَ لِي، أَطْلَقَ لِي، أَجَازَنِي ... سَوَّغَ لِي، أَبَاحَ لِي، نَاولَنِي
٥٢٢ - وَإِنْ أَبَاحَ الشَّيْخُ لِلْمُجَازِ ... إِطَلاَقَهُ لَمْ يَكْفِ فِي الْجَوَاز
الشرح: هذا كالتفريع على المناولة، وهو أنهم اختلفوا في عبارة الراوي لما تحمَّلَهُ بطريق المناولة.
فعن جماعة منهم الزهري، ومالك، إطلاق: «حدثنا» و «أخبرنا»، وهو مقتضى قول بقية مَنْ جَعَلَهُ سماعاً (١).
стр. 267
وقوله: «بل» (خ) يعني أنه حُكِىَ عن قومٍ جواز إطلاق «حدثنا» و «أخبرنا» في الرواية بالإجازة مطلقاً، وحكاه عياضٌ عن ابن جُرَيج وجماعةٍ من المتقدمين، وحكى الوليد بن بكر أنه مذهب مالكٍ وأهل المدينة، وذَهَبَ إليه إمامُ الحرمين، وخالفه غيرُهُ [١٠٢ - أ] من الأصوليين.
وقوله: «والمرزباني» (خ) يعني أَنَّ من ذُكِرَ أطلق في الإجازة «أخبرنا» من غير بيان، وحكى الخطيبُ أن المرزباني عُيِّرَ بذلك.
فقوله: «أخبرا» أي: أطلقا لفظ أخبر في الإجازة.
وقوله: «والصحيح» (خ) يعني: أن الصحيح المختار الذي عليه الجمهور، واختاره أهل التحري والورع: المنع من إطلاق «حدثنا» و «أخبرنا» ونحوهما، في المناولة والإجازة، وتقييد ذلك بعبارة تبين الواقع في كيفية التحمل، وتُشْعِر به، كحدثنا إجازةً، أو مناولةً، أو إذناً، أو أجازني، أو ناولني، ونحو ذلك.
وقوله: «وإن أباح» (خ) يعني إن أباح المجيز للمجاز إطلاق «أنا» أو «ثنا» في الإجازة أو المناولة، لم يَجُزْ له ذلك، كما يفعلُهُ بعض المشايخ على إجازتهم، فيقولون عَمَّن أجازوا له: إن شاء قال: «حدثنا»، وإن شاء قال: «أخبرنا».
قلت: «والمرزباني» بفتح الميم، وسكون الراء، وضم الزاي، وبعده باء موحدة، منسوب إلى المَرْزُبان، اسم جَدِّه، وهو محمد بن أحمد بن محبوب
стр. 268
بن فضيل المروزي، أحد رواة كتاب (ت) عن (ت) (١)، انتهى.
وقوله:
٥٢٣ - وَبَعْضُهُمْ أَتَى بِلَفَظٍ مُوْهِمْ ... (شَافَهَنِي) (كَتَبَ لِي) فَمَا سَلِمْ
٥٢٤ - وَقَدْ أَتَى بِـ (خَبَّرَ) الأوزَاعِيْ ... فِيْهَا وَلَمْ يَخْلُ مِنَ النِّزَاع
٥٢٥ - وَلَفْظُ ((أَنْ)) اخْتَارَهُ (الْخَطَّابي) ... وَهْوَ مَعَ الإِسْنَادِ ذُوْ اقْتِرَابِ [١٠٢ - ب]
٥٢٦ - وَبَعْضُهُمْ يَخْتَارُ فِي الإِجَازَهْ ... (أَنْبَأَنَا) كَصَاحِبِ الْوِجَازَهْ
٥٢٧ - وَاخْتَارَهُ (الْحَاكِمُ) فِيْمَا شَافَهَهْ ... بِالإِذْنِ بَعْدَ عَرْضِهِ مُشَافَهَهْ
٥٢٨ - وَاسْتَحْسَنُوْا لِلْبَيَهْقَيْ مُصْطَلَحا ... (أَنْبَأَنَا) إِجَازَةً فَصَرَّحَا
٥٢٩ - وَبَعْضُ مَنْ تَأَخَّرَ اسْتَعْمَلَ عَنْ ... إِجَازَةً، وَهْيَ قَرِيْبَةٌ لِمَنْ
٥٣٠ - سَمَاعُهُ مِنْ شَيْخِهِ فِيْهِ يَشُكّْ ... وَحَرْفُ (عَنْ) بَيْنَهُمَا فَمُشْتَرَكْ
٥٣١ - وَفِي الْبُخَارِيْ قَالَ لِي: فَجَعَلَهْ ... حِيْرِيُّهُمْ لِلْعَرْضِ وَالمُنَاولَهْ
الشرح: هذه ألفاظ استُعْمِلَت في الرواية بالإجازة، منها: «شافهني فلانٌ» أو «مشافهة»، إذا شافهه بالإجازة لفظاً، ومنها: «كتب لي» في الإجازة بالكتابة، أو إلى فلان، أو كتابه، أو في كتابه وهذه وإن استُعْمِلَت فلا يَسْلَمُ مَن استعملها من الإبهام، وطَرْفٍ من التدليس، وهو واضح.
وقوله: «وقد أتى» (خ) ومنها لفظ خَبَّرَنَا (٢) ورد عن الأوزاعي تخصيص
стр. 269
الإجازة بها، والقراءة بأخبرنا.
وقوله: «ولم يخل» (خ) يعني أن معنى خَبَّرَ وأَخْبَرَ واحدٌ لغةً واصطلاحاً متعارفاً بينهم.
وقوله: «ولفظ أن» (خ) ومنها لفظ «أنَّ»، يعني: بفتح الهمزة، وتشديد النون، فيقول في الرواية بالسماع عن الإجازة: «أخبرنا فلانٌ أن فلاناً حدثه»، أو أخبره، واختاره الخطَّابي أو حكاه.
وقوله: «وهو» (خ) يعني أن ابن الصلاح قال: إن هذا الذي [١٠٣ - أ] اختاره الخَطَّابي فيما إذا سَمِعَ منه الإسناد فحسب، وأجاز له ما رواه قريبٌ، لما كان فيها من الإشعار بوجود أصل الإخبار، وإن أجمل المخبر به.
وقوله: «وبعضهم» (خ) ومنها: «أنبأنا» في الإجازة، فهي عند المتقدِّمين بمنزلة «أخبرنا» وحكى عياضٌ عن شعبة أنه قال في الإجازة به (١) مرةً «أنبأنا» وأخرى «أخبرنا»، ومصطلحُ قومٍ من المتأخرين إطلاقها في الإجازة، واختاره صاحب «الوجازة».
وقوله: «واختاره» (خ) يعني أن الحاكم قال: الذي اختاره، وعهدتُ عليه أكبر مشايخي، وأئمة عصري، أن يقول فيما عُرِضَ على المحدِّث فأجازه شفاهاً: «أنبأني»، وكان البيهقي يقول في الإجازة: «أنبأنا إجازةً»، وفيه التصريح بالإجازة.
стр. 270
وقوله: «وبعض» (خ) ومنها لفظ «عن»، وكثيراً يأتي بها بعض المتأخرين في مَوْضِع الإجازة.
وقوله: «وهي قريبةٌ» (خ) قال ابن الصلاح: وذلك قريبٌ فيما إذا كان سَمِعَ منه بإجازته من شيخه إن لم يكن سماعاً فإنه شاك.
و «حرف عن» مشترك بين السماع والإجازة صادق عليهما.
وقوله: «فمشترك». قلت: خبرٌ عن المبتدأ الذي هو «وحرف عن»، ودخلت الفاء على حد قوله: ويحدِّثُ ناسٌ والصغير فيكبر، وهو مذهب الأخفش خاصةً.
وقول (ن) في (ش) (١) على رأي الكسائي [١٠٣ - ب] لا أعرفه، ولعله من طُغْيَان القلم منه، أو من الناسخ، أو سهو، فاعرفه، والله تعالى أعلم.
وقوله: «وفي البخاري» (خ) ومنها «قال لي»، وكثيراً يعبر بها (خ)، كما قال الحيري: كلما قال البخاري: «قال لي فلان» فهو عرضٌ ومناولة، وهي كأخبرنا، وكثيراً تستعمل في المذاكرة، وجعلها بعضهم من التعليق، وابن منده جعلها إجازة.
وقوله: «حِيْرِتُهم». قلت: يعني به الحيري بكسر الحاء المهملة، وإسكان الياء المثناة تحت، وبعده راء مهملة، فياء مُشَدَّدة، نسبةً إلى الحِيَرة التي عند الكوفة، ومنها أبو عمروٍ محمد بن أحمد بن حمدان النيسابوري، روى عنه أبو عبد الله الحاكم.
стр. 271
الْخَامِسُ: الْمُكَاتَبَةُ
قوله:
٥٣٢ - ثُمَّ الْكِتَابَةُ بِخَطِّ الشَّيْخِ أَوْ ... بِإِذْنِهِ عَنْهُ لِغَائِبٍ وَلَوْ
٥٣٣ - لِحَاضِرٍ فَإِنْ أَجَازَ مَعَهَا ... أَشْبَهَ مَا نَاوَلَ أَوْ جَرَّدَهَا
٥٣٤ - صَحَّ عَلى الصَّحِيْحِ وَالْمَشْهُوْرِ ... قَالَ بِهِ (أَيُّوْبُ) مَعْ (مَنْصُورِ)
٥٣٥ - وَالْلَيْثُ وَالسَّمْعَانِ قَدْ أَجَازَهْ ... وَعَدَّهُ أَقْوَى مِنَ الإِجَازَهْ
٥٣٦ - وَبَعْضُهُمْ صِحَّةَ ذَاكَ مَنَعَا ... وَصَاحِبُ الْحَاوِيْ بِهِ قَدْ قَطَعَا
الشرح: هذه الطريق الخامس من طُرُق التحمل للحديث، وهو: المكاتبة، وهو: أن يكتبَ الشيخُ مسموعَه لغائبٍ، أو حاضرٍ [١٠٤ - أ] بخطِّه، أو بإذنه.
وهي أيضاً قسمان: الأول: الكتابة المقرونة بالإجازة، بأن يكتب إليه ويقول: «أجزت لك ما كتبته لك»، ونحوه، وهي في الصِّحَّة والقوة كالمناولة المقرونة بالإجازة.
وقوله: «أو جَرَّدَها» (خ) هذا القسم الثاني من قِسْمَي الكتابة، وهي الكتابة المُجَرَّدة عن الإجازة، فهي صحيحة يجوز الرواية بها على الصحيح المشهور بين أهل الحديث، وقال به الكثير من المتقدمين والمتأخرين: السختياني، ومنصور، والليث، وغيرهم. ومنهم: السمعاني أبو المظفر، وجَعَلَهَا أقوى من
стр. 272
الإجازة.
وفي الصحيح أحاديث من هذا النوع:
منها: حديث عامر بن سعد بن أبي وقاص في مسلمٍ قال: كتبت إلى جابر بن سَمُرَة مع غلامي نافع: أن أَخْبِرْني بشيء سمعته من رسول الله ﷺ . قال: فكتبَ إليَّ: سمعتُ رسول الله ﷺ يوم جمعةٍ، عَشِيَّة رُجِمَ الأَسْلَمي (ح).
وفي (خ) من كتاب الأيمان والنذور: كَتَبَ إليَّ محمد بن بشار.
وقوله: «وبعضهم» (خ) يعني أن قوماً آخرين منعوا صحة ذلك، وبه قطع الماوردي في «الحاوي».
وقوله:
٥٣٧ - وَيَكْتَفِي أَنْ يَعْرِفَ الْمَكْتُوْبُ لَهْ ... خَطَّ الَّذِي كَاتَبَهُ وَأَبْطَلَهْ
٥٣٨ - قَوْمٌ لِلاشْتِبَاهِ لَكِنْ رُدَّا ... لِنُدْرَةِ اللَّبْسِ وَحَيْثُ أَدَّى
٥٣٩ - فَاللَّيْثُ مَعْ مَنْصُوْرٍ اسْتَجَازَا ... (أَخْبَرَنَا)، (حَدَّثَنَا) جَوَازَا [١٠٤ - ب]
٥٤٠ - وَصَحَّحُوْا التَّقْيِيْدَ بِالْكِتَابَهْ ... وَهْوَ الِذَّي يَلِيْقُ بِالنَّزَاهَهْ
الشرح: يعني أنه يكتفي في الرواية بالكتابة أن يعرف المكتوبُ له خَطَّ الكاتب، وإن لم تَقُم البينة عليه.
وقوله: «وأَبْطَلَه» (خ) يعني: أن منهم من قال: الخط يُشبه الخط فلا يجوز الاعتماد على ذلك.
стр. 273
وقوله: «لكن» (خ) يعني أن هذا القول غير مَرْضِي لنُّدرة الاشتباه، والظاهر أن خَطَّ الإنسان لا يشتبه بغيره، ولا يقع فيه إلباس.
وقوله: «وحيث» (خ) يعني أنهم اختلفوا في اللفظ [الذي] (١) يؤدي به مَنْ تَحَمَّل الكتابة، فذهب غيرُ واحدٍ ومنهم الليث ومنصور إلى جواز إطلاق «حدثنا» و «أخبرنا».
وقوله: «وصححوا» (خ) يعني أن المختار الصحيح اللائق بمذاهب أهل التحري والنزاهة، أن يُقَيّد ذلك بالكتابة، فيقول حدثنا أو أخبرنا كتابةً، أو مكاتبةً ونحو ذلك.
قلت: «والنزاهة» بفتح النون، وبعده زاي، فألف، فهاء تأنيث (٢). قال في «الصحاح»: البُعد من السوء، انتهى.
стр. 274
السَّادِسُ: إِعْلاَمُ الشَّيْخِ
قوله:
٥٤١ - وَهَلْ لِمَنْ أَعْلَمَهُ الشَّيْخُ بِمَا ... يَرْوِيْهِ أَنْ يَرْوِيَهُ؟ فَجَزَمَا
٥٤٢ - بِمَنْعِهِ (الطُّوْسِيْ) وَذَا الْمُخْتَارُ ... وَعِدَّةٌ (كَابْنِ جُرَيْجٍ) صَارُوْا
٥٤٣ - إلى الْجَوَازِ وَ (ابْنُ بَكْرٍ) نَصَرَهْ ... وَصَاحِبُ الشَّامِلِ جَزْماً ذَكَرَهْ
٥٤٤ - بَلْ زَادَ بَعْضُهُمْ بِأَنْ لَوْ مَنَعَهْ ... لَمْ يَمْتَنِعْ، كَمَا إذا قَدْ سَمِعَهْ [١٠٥ - أ]
٥٤٥ - وَرُدَّ كَاسْتِرْعَاءِ مَنْ يُحَمَّلُ ... لَكِنْ إذا صَحَّ، عَلَيْهِ الْعَمَلُ
الشرح: الطريق السادس من طرق [أخذ] (١) الحديث وتحمله: إعلام الشيخ للطالب أن هذا الحديث أو الكتاب سماعه من فلان، أو روايته، من غير أن يأذن له في روايته عنه.
وقد اختُلِف في جواز روايته له بمجرَّد ذلك؛ فذهب غير واحدٍ من المحدثين وغيرهم إلى المنع من ذلك، و [به] (٢) قطع أبو حامد الطوسي من الشافعية.
وقوله: «وعدَّة» (خ) يعني أنه ذهب الكثير ومنهم ابن جُرَيج إلى الجواز.
стр. 275
وقوله: «وابن بكر» (خ) يعني أن الجواز نصره ابن بكر الوليد الغَمْري -بفتح الغين المعجمة- في كتاب «الوجازة» له، وبه قطع ابن الصَّبَّاغ صاحب «الشامل»، وهو مذهب ابن حبيب من المالكية.
وقوله: «بل زاد» (خ) يعني أن بعضهم -وعنى به القاضي أبا محمد بن خلَّاد الرامهرمزي- زاد على هذا فقال: حتى لو قال له هذه روايتي لكن لا تروها عني، ولا أجيزه لك، لم يضره ذلك. قال عياض: وما قاله صحيح لا نظر سواه (١) كما تقدم في السماع.
وقوله: «ورُدَّ» (خ) يعني أن ابن الصلاح رَدَّ هذا قياساً على الشاهد يَذْكُرُ في مجلس الحكم شهادته بشيء، فليس لمن سمعه أن يشهد على شهادته؛ لعدم الإذن له، ولم يُشْهِدْه على شهادته، وذلك عنده مما تساوت فيه الرواية والشهادة.
ورَدَّ ذلك عياضٌ وفَرَّقَ بينهما [١٠٥ - ب] بكون الشهادة لا تَصِح إلا مع الإشهاد والإذن في كل حالٍ، بخلاف الحديث عن السماع والقراءة لا يحتاج فيه إلى إذنٍ باتفاق.
وقوله: «كاسترعاء» (خ) يعني أن مسألة استرعاء الشاهد لمن يُحَمِّلُهُ شهادتَه لا يكفي فيها إعلامَه، بل لابُد من الإذن أن يشهد على شهادته، إلا إذا سمعه يؤدي عند الحاكم، فهو نظيرُ ما إذا سمعه يُحَدِّث بالحديث، فحينئذٍ لا يحتاج إلى إذنه في أن يرويه عنه، ولا يَضُرُّه مَنْعُه إذا منعه.
стр. 276
وقوله: «لكن» (خ) يعني هذا كله في الرواية بإعلام الشيخ أما العمل بما أخبره الشيخ أنه سماعه فإنه يجب عليه إذا صح إسناده والله أعلم.
وقوله: «الطُّوسي»، قلت: هو بضم الطاء، وإسكان الواو، بعده سين مهملة، نسبة إلى طُوس قرية من قرى بُخارى والمراد به أبو حامد الغزالي، كذا قَرَّر (ن) (١) لوجود ذلك في نص «المستصفى».
قلت: ولد ﵀ بطُوس، وكان والده ﵀ يَغْزِلُ الصُّوفَ، ويبيعه في دكانه بطوس. قال ابن الصلاح: ومن غرائب الغزالي ما ذَكَرَهُ أخوه على رأس المنبر، قال: سمعت أخي حجة الإسلام يقول: إن الميت من حين يوضع في النعش يوقَف في أربعين موقف يُسَائِلُهُ رَبُّهُ . انتهى.
стр. 277
السَّابِعُ: الوَصِيَّةُ بالكِتَابِ
قوله: [١٠٦ - أ]
٥٤٦ - وَبَعْضُهُمْ أَجَازَ لِلْمُوْصَى لَهُ ... بالْجُزْءِ مِنْ رَاوٍ قَضَى أَجَلَهُ
٥٤٧ - يَرْوِيْهِ أَوْ لِسَفَرٍ أَرَادَهْ ... وَرُدَّ مَا لَمْ يُرِدِ الْوِجَادَهْ
الشرح: هذا الطريق السابع من طُرُق الأخذ والتحمل: الوصية.
وهو: أن الراوي عند موته أو سفره يوصي لشخصٍ بكتاب يرويه، فهل له أن يروي عنه بتلك الوصية؟
فجوَّزَ بعضُ السلف الموصَى له رواية ذلك عن الموصي كالإعلام.
وروى الرامهرمزي من رواية حماد بن زيد عن أيوب قال: قلت لمحمد بن سيرين إن فلاناً أوصى لي بكتبه أفأحدث بها عنه؟ قال: نعم. ثم قال لي بَعْدَ ذلك: لا آمرك ولا أنهاك.
وقوله: «ورد» (خ) يعني: أن ابن الصلاح رد هذا بأنه إما زلة عالمٍ أو مؤول على أنه أراد الرواية على سبيل الوجادة.
стр. 278
الثَّامِنُ: الوِجَادَةُ
قوله:
٥٤٨ - ثُّمَ الوِجَادَةُ وَتِلْكَ مَصْدَرْ ... وَجَدْتُهُ مُوَلَّداً لِيَظْهَرْ
٥٤٩ - تَغَايُرُ الْمَعْنَى، وَذَاكَ أَنْ تَجِدْ ... بِخَطِّ مَنْ عَاصَرْتَ أَوْ قَبْلُ عُهِدْ
٥٥٠ - مَا لَمْ يُحَدِّثْكَ بِهِ وَلَمْ يُجِزْ ... فَقُلْ: بِخَطِّهِ وَجَدْتُ، وَاحْتَرِزْ
٥٥١ - إِنْ لَمْ تَثِقْ بِالْخَطِّ قُلْ: وَجَدْتُ ... عَنْهُ، أَوْ اذْكُرْ (قِيْلَ) أَوْ (ظَنَنْتُ)
الشرح: الطريق الثامنة من طُرق أخذ الحديث ونقله: الوجادة بكسر الواو، وبعده جيم، فألف، فدال مهملة، فهاء تأنيث، مصدر [١٠٦ - ب] مُوَلّد لـ «وَجَدَ، يَجد»، وعن المعافى بن زكريا النَّهْرَواني: أن المولَّدين فَرَّعوا قولهم: «وجادة» فيما أُخذ من العلم من صحيفة، من غير سماع، ولا إجازة، ولا مناولة، من تفريق العرب بين مصادر «وَجَدَ» للتمييز بين المعاني المختلفة.
قال ابن الصلاح: يعني قولهم: وَجَدَ ضالتَهُ وِجْدَاناً، ومطلوبَهُ وجوداً، وفي الغضب مَوْجِدَةً، وفي الغِنَى: وجداً، وفي الحب: وَجْداً. وفيه بحث (ن) استوفاه في (ش) (١).
وقوله: «وذاك» (خ) يعني أن الوجادة: أن تجد بخط من عَاصَرْتَهُ لقيته أو لم
стр. 279
تلقه، أو لم تعاصِرْه بل كان قبلك، أحاديث يرويها أو غير ذلك مما لم تسمعه منه، ولم يُجِزْهُ لك، فلك أن تقول: وجدتُ بخط فلان أخبرنا فلان، وتسوق الإسناد والمتن، أو ما وجدته بخطه ونحو ذلك، هذا إذا وثق بخطه، فإن لم يثق فليحترز عن جزم العبارة فيقول: بَلَغني عن فلان، أو وجدتُ عنه، أو وجدت بخط قيل إنه خط فلان، ونحوه من العبارات المفصحة بالمستَنَد في كونه خَطِّه.
وقوله:
٥٥٢ - وَكُلُّهُ مُنْقَطِعٌ، وَالأَوَّلُ ... قَدْ شِيْبَ وَصْلاً مَا، وَقَدْ تَسَهَّلُوْا
٥٥٣ - فيْهِ (بِعَنْ)، قالَ: وَهَذَا دُلْسَهْ ... تَقْبُحُ إِنْ أَوْهَمَ أَنَّ نَفْسَهْ
٥٥٤ - حَدَّثَهُ بِهِ، وَبَعْضٌ أَدَّى ... (حَدَّثَنَا)، (أَخْبَرَنَا) وَرُدَّا [١٠٧ - أ]
٥٥٥ - وَقِيْلَ: فِي الْعَمَلِ إِنَّ الْمُعْظَمَا ... لَمْ يَرَهُ، وَبالْوُجُوْبِ جَزَمَا
٥٥٦ - بَعْضُ الْمَحُقِّقِيْنَ وَهْوَ الأَصْوَبُ ... وَ (لاِبْنِ إِدْرِيْسَ) الْجَوَازَ نَسَبُوْا
الشرح: يعني أن كل ما ذُكر مِن الرواية بالوجادة منقطع، سواءً وثق بأنه خط من وجده عنه أم لا.
وقوله: «والأول» (خ) يعني: أن الأول وهو ما إذا وثق بأنه خَطُّهُ أخذ شوباً من الاتصال، بقوله: وجدت بخط فلان.
وقوله: «وقد تسهلوا» (خ) يعني أنه تسهل من أتى بلفظ «عن فلانٍ» في موضع الوجادة.
стр. 280
قال ابن الصلاح: وذلك تدليسٌ قبيح إذا كان بحيث يوهم سماعه منه.
فقوله: «أنَّ نفسه» (خ) يعني نفس من وجد ذلك بخطه حدثه به.
وقوله: «وبعض» (خ) يعني: أن بعضهم جازف فأطلق في الوجادة حدثنا وأخبرنا، فانتُقِد عليه ذلك.
وقوله: «وقيل: في العمل» (خ) يعني: أن العمل بالوجادة لم يره المعظم من المحدثين والفقهاء من المالكية وغيرهم هكذا حكاه عياض في «الإلماع».
وقوله: «وبالوجوب» (خ) يعني: أن بعض المحققين من أصحاب الشافعي في أصول الفقه جزموا بوجوب العمل بها عند حصول الثقة به، هكذا نقل ابنُ الصلاح عنهم.
وقوله: «ولابن إدريس» (خ) يعني أن محمد بن إدريس الشافعي ﵁ حُكِيَ عنه جواز العمل بها، وهو الذي نصره الجويني، واختاره غيره من المحققين كما قررنا.
وقوله: [١٠٧ - ب]
٥٥٧ - وَإِنْ يَكُنْ بِغَيْرِ خَطّهِ فَقُلْ: ... (قالَ) وَنَحْوَهَا، وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ
٥٥٨ - بِالنُّسْخَةِ الْوُثُوْقُ قُلْ: (بَلَغَنِيْ) ... وَالْجَزْمُ يُرْجَى حِلُّهُ لِلْفَطِن
الشرح: يعني أنك إذا نقلت شيئاً من كتاب مصنِّف، فإن كانت بخط المصنف ووثقت بأنه خطه، فقل: وجدت بخط فلان واحك كلامه كما تقدم، وإن كانت بغير خطه فإن وثقت بصحة النسخة، بأن قابلها المصنف، أو وثقه غيره بالأصل، أو بفرع مقابَل، فقل: قال فلان، أو ذَكَر، ونحوه من ألفاظ
стр. 281
الجزم، وإن لم تَثِق فَقُل: بلغني عن فلانٍ ونحوه مما لا جَزْم فيه.
وقوله: «والجزم» (خ) قال ابن الصلاح: إن كان المطالع عالماً فَطِناً لا يخفَى عليه مواضع الإسقاط غالباً والسقط، رجونا أن يُطْلِقَ اللفظ الجازم فيما يحكيه من ذلك، واستروح إليه الكثير من المصنفين فيما نقلوه من كُتُبِ الناس والعلم عند الله تعالى.
стр. 282
كِتَابَةُ الْحَدِيْثِ وضَبْطُهُ
قوله:
٥٥٩ - وَاخْتَلَفَ الِصّحَابُ وَألأَتْبَاعُ ... فِي كِتْبَةِ الْحَدِيْثِ، وَالإِجْمَاعُ
٥٦٠ - عَلَى الْجَوَازِ بَعْدَهُمْ بالْجَزْمِ ... لِقَوْلِهِ: (اكْتُبُوْا) وَكَتْبِ (السَّهْمِيْ)
الشرح: النوع الثالث في كتابة الحديث وضبطه وفيه فصول:
الفصل الأول:
اختلف السَّلَفُ في كتابة [١٠٨ - أ] الحديث؛ فكرهها طائفة منهم كعُمَر، وبن مسعود، وزيد بن ثابتٍ، وأبي موسى، والخدري، وجماعة من الصحابة والتابعين؛ لقوله ﷺ : «لا تكتبوا عني شيئاً إلا القرآن، ومَنْ كتب عني شيئاً غير القرآن فليمحه» أخرجه مسلم من حديث أبي سعيد.
وجَوَّزَه أو فعله جماعة من الصحابة منهم عمرو بن العاص، وأنس، وجابر، وابن عباس، وابن عمر أيضاً، وعمر بن عبد العزيز، وجماعة من التابعين فيما حكاه عياض.
وقوله: «والإجماع» (خ) كذا قال عياض: ثم أجمع المسلمون على جوازها، وزال ذلك الخلاف. ومما يدل على الجواز قوله ﷺ في «الصحيح»: «اكتبوا لأبي شاة».
стр. 283
وروى أبو داود من حديث عبد الله بن عمرو قال: كنت أكتب كُلَّ شيءٍ أسمعه من رسول الله ﷺ ... الحديث، وفيه أنه ذكر للنبي ﷺ فقال: اكتب.
قلت: وعن الصاحب أبي القاسم بن عباد إسماعيل قال: من لم يكتب الحديث لم يجد حلاوة الإسلام.
وفي (خ) عن أبي هريرة قال: ليس أحد من أصحاب النبي ﷺ أَكْثر حديثاً عنه مني، إلا ما كان من عبد الله بن عمرو فإنه كان يكتب ولا أكتب. فهذان (١) هما المراد [١٠٨ - ب] بقول (ن) «وكتب السهمي» يريد عبد الله بن عمرو بن العاص.
قلت: «والسَّهْمي» بفتح السين المهملة، وإسكان الهاء، وبعده ميم، نسبةً إلى سَهْم جُمح، ونسب إليه جماعة من العلماء، منهم أبو حذافة السهمي، حدث عن مالك، وحاتم بن إسماعيل، حدث عنه جماعة منهم أبو عبد الله بن ماجه القزويني، لا سَهْم باهلة، ولا إلى عمل السَّهم كما نبه على ذلك ابن نقطة في «الذيل» على كتاب أبي موسى وابن طاهر المقدسي. انتهى.
وقوله: «الصِّحاب»، قلت: هو بكسر الصاد، واحِدُهُ صاحب، كجائع وجياع، وأنشد على ذلك الجوهري في «الصِّحاح» قول الشاعر:
وقالتِ صِحَابي قد شأوتُك فاطلب
انتهى.
стр. 284
وقوله:
٥٦١ - وَيَنْبَغِي إِعْجَامُ مَا يُسْتَعْجَمُ ... وَشَكْلُ مَا يُشْكِلُ لاَ مَا يُفْهَمُ
٥٦٢ - وَقِيْلَ: كُلِّهِ لِذِي ابْتِدَاءِ ... وَأَكَّدُوْا مُلْتَبِسَ الأَسْمَاء
٥٦٣ - وَلْيَكُ فِي الأَصْلِ وَفِي الْهَامِشِ مَعْ ... تَقْطِعْيِهِ الْحُرُوْفَ فَهْوَ أَنْفَعْ
الشرح: هذا الفصل الثاني من فصول النوع الثالث، وهو أنه ينبغي للطالب أن يضبط كتابه بالنقط والشكل ليؤديه كما سمعه.
قال (ن) (١): وروينا عن الأوزاعي قال: العَجْمُ نور الكتاب.
وقوله: «إعجام»، الإعجام: النقط، وهو أن يبين التاء من الباء، والحاء من الخاء، والشكل تقييد الإعراب.
وقوله: «لا ما [١٠٩ - أ] يُفهم» يعني أنهم اختلفوا هل يُقتصر على ضَبْطٍ المشكِل، أو هو وغيره؟ فقال البغدادي علي بن إبراهيم في كتاب «سمات الخط ورقومه»: أهل العلم يكرهون الإعجام والإعراب إلا في الملتبس. وصَوَّبَهُ عياض، ولا سيما للمبتدئ وغير المتبحر في العلم، فإنه لا يُمَيِّز ما يشكل، مما لا يشكل ولا صواب وجه الإعراب للكلمة من خطئه.
وقوله: «وكله» هو بالجر عطفاً على «ما يُشكل» المخفوض بإضافة وشكل، أي: وينبغي شكل كله.
وقوله: «لِذِى ابتداء» تعليل لمن يقول بشكل الكُلِّ لأجل المبتدئ, فهو
стр. 285
مشكل عليه، وربما ظن أن الشيء غير مشكل لوضوحه، وهو في الحقيقة محل نظر يحتاج إلى الضبط، ووقع من العلماء اضطراب في مسائل مرتبة على إعراب الحديث كحديث ذكاة الجنين ونحوه، والأحاديث التي يترتب الاحتجاج بها على الإعراب.
وقوله: «وكذا» (خ) يعني أنه ينبغي الاعتناء بضبط ما يَلْتَبِس من الأسماء قال أبو إسحاق النَّجِيرَمي بفتح النون، وكسر الجيم، وإسكان المثناة تحت، وفتح الراء المهملة، وكسر الميم: أولى الأشياء بالضبط أسماء الناس؛ لأنه لا يدخله القياس، ولا قبله ولا بعده شيء يدل عليه.
وذكر النسائي أن عبد الله بن إدريس قال: لما حدثني [١٠٩ - ب] شعبة بحديث أبي الحوراء السَّعدي عن الحسن، كتبنا تحته: «حور عين» لئلا أغلط، فيقرأه بالجيم والزاي.
وقوله: «وَلْيَكُ». قلت: هو بإسكان اللام، بعد الواو، على حد «ولينفق» (١) في قراءة، ومعنى هذا أن صورة ضبط المشكل فيما نصه عياض في «الإلماع» بأنه جرى رسم المشايخ، وأهل الضبط، أن تَرْسُمَ ذلك الحرف المشكل مفرداً في حاشية الكتاب، قبالة الحرف بإهماله أو نقطه، وعُلِّلَ بأن الانفراد يرفع إشكال اللبس بضبط ما فوقه وما تحته من السطور، لا سيما مع دقة الكتاب وضيق الأسطر.
وقوله: «مع تقطيعه الحروف». قلت: هو بنصب الحروف بـ «تقطيعه»،