أسلم قبل وفاة رسول الله ﷺ بسنين، وروى عنه ابن سيرين وغيره.
ويعني أن أصح الأسانيد إما الزهري (خ) (١) من قوله، وإما ابن سيرين محمد، عن عَبيدة السَّلْماني، عن علي - في الضمير المجرور-، يعني: يعود إلى جده في البيت قبله، وهو علي بن أبي طالب.
وذهب إلى هذا القول عَمرو بن الفلاس، وعلي بن المديني، وسليمان بن حرب، إلا أن عبارة ابن المديني: «أجود الأسانيد: عبد الله بن عون عن ابن سيرين عنه».
وعبارة بن حرب: «أصحها: أيوب عن ابن سيرين به».
وقيل: أصح الأسانيد: الأعمش [٦ - أ] سليمان بن مِهْران -بكسر الميم-، عن النخعي إبراهيم بن يزيد، عن علقمة بن قيس، عن عبد الله بن مسعود، وهو قول يحيى بن معين. وإلى هذا الإشارة بقوله:
٢١ - النَّخَعِيْ عَنِ ابْنِ قَيْسٍ عَلْقَمَهْ ... عَنِ ابْنِ مَسْعُوْدٍ وَلُمْ مَنْ عَمَّمَهْ
ش: أي من عَمَّمَ الحكمَ في أصَحِّ الأسانيد في ترجمةٍ لصحابيٍّ واحدٍ، بل ينبغي أن تقيد كل ترجمة منها لصحابِيِّهَا؛ لأن لكلِّ صحابي رواة من التابعين ولهم أتباع وأكثرهم ثقات، فلا يمكن أن يُقطع في أصح الأسانيد لصحابي واحد، بل ينبغي أن تقيد كل ترجمة منها لكن بحسب أسانيد كل واحد لكن (٢)
стр. 37
باعتبار الصفات في نظر الحاكم، فيقال: أصح الأسانيد لأهل البيت جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده، عن علي، إذا كان الراوي عن جعفر ثقة.
[وأصح أسانيد الصديق: إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم، عن أبي بكر] (١).
وأصح أسانيد (٢) عمر: الزهري، عن سالم، عن أبيه، عن جده.
وأصح أسانيد أبي هريرة: الزهري، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة.
وأصح أسانيد ابن عمر: مالك به (٣).
وأصح أسانيد عائشة: عبيد الله عن القاسم عنها.
وأصح أسانيد ابن مسعود: الثوري [عن منصور] (٤) عن إبراهيم به (٥).
وأصح أسانيد أنس بن مالك: [مالك] (٦) عن الزهري عنه.
وأصح أسانيد المكيين: ابن عيينة، عن ابن دينار، عن جابر.
стр. 38
واليمانيين: معمر، عن همام، عن أبي هريرة.
وأثبت أسانيد المصريين: الليث، عن يزيد عن أبي حبيب، عن أبي الخير، عن عقبة بن عامر. وهذه زيادة على ابن الصلاح نص عليها التبريزي في «مختصره» (١).
стр. 39
أَصَحُّ كُتُبِ الْحَدِيْثِ
وقوله:
٢٢ - أَوَّلُ مَنْ صَنَّفَ في الصَّحِيْحِ ... مُحَمَّدٌ وَخُصَّ بِالتّرْجِيْحِ [٦ - ب]
ش: يعني أن أول من صَنَّفَ في جمع الحديث الصحيح البخاري محمد، وهو أرجح من مسلم عند الجمهور، وصَوَّبَه النووي وصحح.
قلت: ولبعضهم ووُجد على قبر البخاري مكتوب:
ألا أيها الحَبْر الإمام المفَضَّل ... وعالم قول المصطفى والمُحَصّل
بأخبار إذ قد جَمَعْتَ صِحَاحها ... لعلمك بالصِّدِّيق ممن يَحْمِل
عن المصطفى والتابعين وبعدهم ... كأنهم في نَصْب عينك مُثَّل
تأملت فيما قد جمعت فما أرى ... سوى مسند مما يَصِحُّ فَيُقْبَل
تركت روايات ضعاف رواتها ... ولم يأت فيها مرسل أو معلل
كتابك قد فاق الجوامع كلها ... فما هو إلا حاكم أو معدل
والمراد ما أسنده دون ما عَلَّقَهُ وتَرْجَمَهُ.
وقوله:
٢٣ - وَمُسْلِمٌ بَعْدُ، وَبَعْضُ الغَرْبِ مَعْ ... أَبِي عَلِيٍّ فَضَّلُوا ذَا لَوْ نَفَعْ
ش: يعني أن كتاب مسلم يتلو كتاب البخاري في الصِّحة، وذهب بعض
стр. 40
أهل الغرب والحافظ أبو علي الحسين النيسابوري شيخ الحاكم إلى تفضيل كتاب مسلم عليه، وحكاه عياض عن شيخه أبي مروان الطُّبني -بضم الطاء المهلمة، وإسكان الموحدة، وبعده نون- وما قُبِلَ ذلك منهم فما نَفَعَ قولُ من فَضَّل مسلماً.
وقوله:
٢٤ - وَلَمْ يَعُمَّاهُ ولكن قَلَّمَا ... عِنْدَ ابْنِ الاخْرَمِ مِنْهُ قَدْ فَاتَهُمَا
ش: يعني أن البخاري ومسلماً لم يذكُرَا كلَّ الصحيح في كتابيهما ولم يلتزما ذلك، فإلزام الدارقطني وغيره إياهما بأحاديث لا تلزم.
وذهب الحافظ ابن الأَخْرم -بفتح الهمزة [٧ - أ]، وإسكان الخاء المعجمة، وبعده راء مهملة، فميم- أبو عبد الله محمد شيخ الحاكم إلى أنه قَلَّ ما يفوتهما ذلك.
وقوله:
٢٥ - وَرُدَّ لكن قَالَ يَحيَى البَرُّ ... لَمْ يَفُتِ الخَمسَةَ إلاَّ النَّزْرُ
ش: يعني رُدَّ كلام ابن الأخرم وقيل: بل فاتهما كثير، وإنما لم يَفُت الأصول الخمسة منه إلا قليل، وصوبه النووي في «التقريب»، وصححه ابن جماعة في «مختصره».
والمراد بالخمسة: الأصول الخمسة، التي هي: كتاب البخاري، ومسلم، وأبي داود، والترمذي، والنسائي.
قلت: والبَر بفتح الباء الموحدة: كُلُّ عَمَلٍ صالحٍ وقصد به هنا مَنْ دَأْبُهُ
стр. 41
العمل الصالح، ويحيى النووي لم يزل طول عمره على طريق أهل السنة والجماعة، مواظباً على الخير، لا يصرف ساعةً في غير طاعة، ولا دقيقة في شهوة معصيةٍ أطاعها فرحمه الله تعالى وأعاد علينا من بركته، انتهى.
وقوله:
٢٦ - وَفيهِ مَا فِيْهِ لِقَوْلِ الجُعْفِي ... أَحْفَظُ مِنْهُ عُشْرَ أَلفِ أَلْف
ش: يعني أن كلام النووي فيه نظر؛ لقول البخاري الجُعْفي: «أحفظ مائة ألف حديث صحيح»، وهي «عُشْر» ألف الألف بضم العين.
وقوله:
٢٧ - وَعَلَّهُ أَرَادَ بِالتَّكرَارِ ... لَهَا وَمَوْقُوْفٍ وفي البُخَارِي
ش: قلت: «وعلة» لغة في [لعله] (١) حكاها سيبويه وغيره، قال الكسائي: هي لغة بني تيم الله من ربيعة.
ومنه:
لا تُهِنِ الفقير عَلَّكَ أن ... تركع يوماً والدهر قد رفعه
انتهى.
ويعني: أن لَعَلَّ البخاري أراد بالأحاديث: المكررة الأسانيد والموقوفات.
وعليه فموقوف بالجر عطفاً على التكرار.
стр. 42
وقوله:
٢٨ - أَرْبَعَةٌ آلافِ والمُكَرَّرُ ... فَوْقَ ثَلاثَةٍ أُلُوْفاً ذَكَرُوا [٧ - ب]
ش: يعني أن عدد أحاديث البخاري بإسقاط المكرر أربعة آلاف، وبالمكرر سبعة آلاف ومائتان وخمسة وسبعون، ومُسَلَّمٌ ذلك في رواية الفربري، وأما رواية حماد بن شاكر فدونها بمائتي حديث، ودون هذه بمائة رواية ابن مَعْقل إبراهيم.
واقتصر الناظم تبعاً لابن الصلاح على عِدَّة كتاب البخاري دون كتاب مسلم، وذكر النووي وابن جماعة أنه نحو من أربعة آلاف بلا مكرر.
стр. 43
الصَّحِيْحُ الزَّائِدُ عَلَى الصَّحِيْحَيْنِ
قوله:
٢٩ - وَخُذْ زِيَادَةَ الصَّحِيْحِ إذْ تُنَصُّ ... صِحَّتُهُ أوْ مِنْ مُصَنِّفٍ يُخَصُّ
ش: يعني أن الشيخين لما لم يستوعبا الصحيح فيعرف الصحيح الزائد على ما فيهما حيث يَنُصُّ على صِحَّتِه إمام معتمد كالترمذي، والنسائي، والدارقطني، والبيهقي، وأبي داود، والخطابي، وإن لم يكن في مُصَنَّفَاتهم عند الناظم خلافاً لابن الصلاح؛ فإنه قيد ذلك بمصنفاتهم، فلو صَحَّحَهُ من لم يشتهر له تصنيف، كيحيى بن سعيد القطان وابن معين ومثلهما فكذلك عند الناظم.
ويؤخذ الصحيح أيضاً من المصنفات المختصة بجمع الصحيح فقط كصحيح ابن خزيمة، وابن حبان، والمستدرك على الصحيحين للحاكم، والموجود في المستخرجات عليهما زيادة أو تتمة لمحذوف كذلك، وإليه الإشارة بقوله:
٣٠ - بِجَمْعِهِ نَحوَ (ابْنِ حِبَّانَ) الزَّكِيْ ... (وَابنِ خُزَيْمَةَ) وَكَالمُسْتَدْرَك
ش: ابن حِبَّان بكسر الحاء وبالباء الموحدة أبو حاتم محمد.
قلت: والزكي بالزاي وصفه بذلك لما زكاه الأمير في «الإكمال» مرتين والخطيب قائلاً: «وكان ثقة ثبتاً فاضلاً فهماً». وابن نقطة وأبو سعيد الإدريسي
стр. 44
قائلاً: «وكان من فقهاء الدين [٨ - أ]، وحُفَّاظ الآثار المشهورين في الأمصار والأقطار» إلى آخر كلامه والحاكم في «تاريخ نيسابور» قائلاً: «كان من أوعية العلم في اللغة والفقه والحديث والوعظ، ومن عقلاء الرجال»، إلى آخره، انتهى.
وابن خزيمة: أبو بكر.
وقوله:
٣١ - عَلى تَسَاهُلٍ-وَقَالَ: مَا انْفَرَدْ ... بِهِ فَذَاكَ حَسَنٌ مَا لَمْ يُرَدّْ
ش: يعني: نأخذ الصحة من «المستدرك» على تساهل في «المستدرك» لا فيها (١) لقوله: و «كالمستدرك» بإعادة الكاف (٢).
قال ابن الصلاح: ما انفرد الحاكم بتصحيحه لا بتخريجه فقط، إن لم يكن صحيحاً فهو حسن يُحتج به ويُعمل إلى أن يظهر فيه علة مُضَعِّفة.
وقوله:
٣٢ - بِعِلَّةٍ، وَالحقُّ أنْ يُحْكَمْ بِمَا ... يَليْقُ، والبُسْتِيْ يُدَانِي الحَاكِما
ش: يعني أن الحكم عليه بالحسن فقط تَحَكُّم، والحقُّ: ما انفرد بتصحيحه يُتتبع بالكشف عنه، ويحكم عليه بما يليق بحاله من الصحة أو الحسن أو
стр. 45
الضعف إلا أن [ابن] (١) الصلاح رأيه أن لا يُصحح أحدٌ من هذه الأعصار فقطع النظر عن الكشف عليه، وهذه من زيادات (٢) الناظم على ابن الصلاح، وتَمَيَّزَ بنفسه لكونه اعتراضاً على ابن الصلاح.
وابن حبان يقارب الحاكم في التساهل، والحاكم أشد تساهلاً. قال الحازمي: ابن حبان أمكن في الحديث من الحاكم.
قلت: و «البُسْتِي» بضم الموحدة، وإسكان السين المهلمة، وبعده مثناة فوق، فمثناة تحت، نسبةً إلى مدينة من بلاد كَابُل، بين هَرَاة وغزنة، وهي مدينة حسنة كثيرة الخضرة والأنهار، خرج منها جماعة من الأئمة منهم أبو حاتم [٨ - ب] هذا، والخَطَّابي، وغيرهما.
وقوله:
стр. 46
الْمُسْتَخْرَجَاتُ
الشرح: موضوعه أن يُخَرِّج مُوَثَّقٌ أحاديث البخاري أو مسلم بأسانيد لنفسه من غير طريقهما، فيجتمع إسناد المُخَرِّج مع إسنادهما في شيخه أو في من فوقه، كمُستخرج الإسماعيلي والبرقاني والأصبهاني أبي نعيم على «البخاري»، ومستخرج أبي عوانة وأبي نعيم أيضاً على «صحيح مسلم».
وقوله:
٣٣ - وَاسْتَخْرَجُوا عَلى الصَّحِيْحِ (كَأَبي ... عَوَانَةٍ) وَنَحْوِهِ، وَاجْتَنِب
ش: يعني أن المستخرج لما لم يلتزم لفظ الصحيح منهما بل رواه بلفظ وقع له عن شيخه مخالفاً للفظ الصحيح منهما، فيجتنب أن يعزو لفظ متن المستخرج لهما بقوله (١): «أخرجه البخاري أو مسلم بهذا اللفظ» إلا أن يكون علم أنه في المستخرج بلفظ الصحيح بمقابلته عليه.
وقوله:
٣٤ - عَزْوَكَ ألفَاظَ المُتُونِ لَهُمَا ... إذْ خَالَفتْ لَفْظاً وَمَعْنىً رُبَّمَا
ش: يعني أن مخالفة المستخرجات لألفاظ الصحيحين كثير، ومخالفتهما لهما في المعنى قليل، فيتعلق قوله «ربما» بقوله «ومعنى» لا بما قبله ومعه.
стр. 47
وقوله:
٣٥ - وَمَا تَزِيْدُ فاحْكُمَنْ بِصِحَّتِه ... فَهْوَ مَعَ العُلُوِّ مِنْ فَائِدَتِهْ
ش: يعني أن المستخرج على الصحيح إذا زاد لفظاً عليه من تتمةٍ لمحذوف أو شرحٍ في حديث ونحو ذلك، فاحكم بصحة الزائد؛ لأنها من مخرج الصحيح، ثم إن المستخرج فائدته الزيادة المذكورة لدلالتها على حكم، وعلوِّ الإسناد لأن المستخرج إذا [٩ - أ] روى حديثاً من طريق مسلم [لوقع] (١) أنزل (٢) من الطريق الذي رواه به في المستخرج، كحديث في مسند [أبي داود الطيالسي فلو رواه أبو نعيم مثلاً من طريق مسلم، لكان بينه وبين] (٣) أبي داود رجال أربعة: شيخان بينه وبين مسلم، ومسلم وشيخه، وإذا رواه من غير طريق مسلم كان بينه وبين أبي داود رجلان فقط، فإن أبا (٤) نعيم سمع المسند على ابن فارس بسماعه من يونس بن حبيب بسماعه منه.
ومن فوائده: القوة بكثرة الطرق للترجيح عند المعارضة، وهي زيادة على ابن الصلاح، حيثُ لم يذكر إلا الزيادة أو العلو، أو هما عند الناظم تبعاً لابن جماعة.
وقوله:
٣٦ - وَالأَصْلَ يَعْني البَيْهَقي وَمَنْ عَزَا ... وَلَيْتَ إذْ زَادَ الحُمَيدِي مَيَّزَا
стр. 48
ش: أي فإن قيل قد منعت فيما تقدم العزو إلى البخاري ومسلم لاختلاف الألفاظ والمعاني، ورأينا البيهقي في «سننه الكبرى» و «المعرفة» وغيرهما، والبغوي في «شرح السنة» يروون الحديث بأسانيدهم ثم يعزونه إلى أحدهما؟ أجاب بأنهم يريدون أصل الحديث لا ألفاظه.
فقوله: «والأصلَ» منصوبٌ بـ «عزا» مفعولاً مقدماً.
ثم ذكر أن الحميدي في «جمعه بين الصحيحين» زاد الألفاظ (١) وتتمات ليست فيهما من غير تمييز، وذلك كثير، وهو مما أُنكر عليه؛ لأنه جمع بين كتابين فمن أين يأتي بالزيادة؟ بخلاف «الجمع بين الصحيحين» لعبد الحق ومختصرات الصحيحين فيجوز أن ينقل منها ويعزوه للصحيح ولو باللفظ لأنهم أتوا بألفاظ الصحيح، بخلاف النقل من زيادات «الجمع» للحميدي.
قلت: و «البيهقي» بفتح الباء الموحدة، وإسكان الياء المثناة تحت، وبعدها مفتوحة [٩ - ب]، وقاف، نسبةً إلى بيهق قُرى مجتمعة بنواحي نيسابور على عشرين فرسخاً منها، هو أبو بكر أحمد بن الحسين الفقيه الشافعي الحافظ المشهور، وانفرد زمانه (٢) في فنون من العلم، غلب عليه فن الحديث، واشتهر، وهو من كبار أصحاب أبي عبد الله الحاكم ابن البَيِّع، وهو أول من جمع نصوص الشافعي ﵁ في عشرين مجلداً، ومصنفاته مشهورة، ومن أشهرها «دلائل النبوة» و «السنن والآثار» و «الشُّعَب» و «مناقب الشافعي»، و «الإمام أحمد»، وهو الذي قال إمام الحرمين في حقه: ما من شافعي إلا
стр. 49
وللشافعي عليه مِنَّة إلا البيهقي فإن له على الشافعي مِنَّة، رحمه الله تعالى.
و «الحُمَيْدي» بضم الحاء المهلمة، وبفتح الميم، وسكون الياء المثناة تحت، وبعده دال مهملة، نسبة إلى جَدِّه حُمَيْد، وهو أبو عبد الله محمد بن أبي نصر الأندلسي صاحب «الجمع بين الصحيحين» وغيره، كان عالماً خيراً ورعاً ثقة، أثنى عليه الأمير ابن ماكولا فقال: أخبرني صديقنا أبو عبد الله الحميدي، وهو من أهل العلم والفضل والتيقظ، ولم أر مثله في عفته وزهادته وورعه [وأثنى] (١) عليه بالعلم.
وله:
لقاء الناس ليس يفيد شيئاً ... سوى الهذيان من قيلٍ وقال
فاقلل من لقاء الناس إلا ... لأخذ العلم أو لصلاح حال
стр. 50
مَرَاتِبُ الصَّحِيْحِ
وقوله:
٣٧ - وَأَرْفَعُ الصَّحِيْحِ مَرْويُّهُمَا ... ثُمَّ البُخَارِيُّ، فَمُسْلِمٌ، فَمَا
ش: يعني [١٠ - أ] إن درجات الصحيح تتفاوت بحسب تَمَكُّن الحديث من شروط الصحة وعدم [تمكنه.
وأصح كتب الحديث] مروي [البخاري] وكذا ما عطف عليه «فمسلم» بالفاء (١)، فالصحيح أقسام سبعة:
أحدها: وهو أصحها ما أخرجه الشيخان وهو المتفق عليه عندهم.
وثانيها: ما انفرد به البخاري.
وثالثها: ما انفرد به مسلم.
ورابعها: ما هو على شروطها ولم يخرجه واحد منهما.
وخامسها: ما هو على شرط البخاري وحده.
стр. 51
وسادسها: ما هو على شرط مسلم وحده.
وسابعها: ما صح عند غيرهما من المعتمدين وليس على شرط واحد منهما.
وقوله:
٣٨ - شَرْطَهُمَا حَوَى، فَشَرْطُ الجُعْفِي ... فَمُسْلِمٌ، فَشَرْطُ غَيْرٍ يَكْفي
ش: «فشرطهما» مفعول «حوى» أي: فما حوى شرطَ للبخاري الذي هو الجعفي، فما حوى شرط مسلم، فشرط غير البخاري ومسلم من الأئمة، فهذه الأقسام السبعة.
وقوله في (ش) (١): «واستعمال «غير» غير مضافة قليل» ممنوعٌ بل هي مضافة وعوض عن المضاف إليه للتنوين (٢).
والمراد بعلى شرطهما أن يكون رجال إسناده من كتابيهما؛ لأنه ليس لهما شرط في كتابيهما ولا في غيرهما، كذا قاله النووي وأخذه ابن الصلاح، وعليه عمل القشيري والذهبي في «مختصر المستدرك» وتعقبه الناظم في (ش) (٣) بأن الحاكم صرح في خطبة «المستدرك» بخلاف ما فهموه فقال: «وأنا أستعين الله على إخراج أحاديث رواتها ثقات قد احتج بمثلها الشيخان أو أحدهما» أي: بمثل رواتها لا بهم أنفسهم [١٠ - ب]، أو بمثل تلك الأحاديث، وذلك إذا
стр. 52
كانت بنفس رواتها، انتهى.
وقوله:
٣٩ - وَعِنْدَهُ التَّصْحِيْحُ لَيْسَ يُمْكِنُ ... فِي عَصْرِنَا، وَقَالَ يَحْيَى: مُمْكِنُ
ش: يعني عند ابن الصلاح أنه يتعذر في هذه الأعصار الاستقلال (١) بإدراك الصحيح بمجرد اعتبار الأسانيد؛ لأنه ما من إسناد إلا وفيه من اعتمد على كتابه عريًّا عن الضبط والإتقان، فما صَحَّ سنده في كتاب أو جزء ولم يصححه فلا نتجاسر على الجزم بصحته لما ذُكر، واستظهر النووي جواز ذلك لمن تمكن وقويت معرفته. قال في (ش): «وعليه عمل أهل الحديث، فقد صحح غير واحد من المعاصرين لابن الصلاح وبعده أحاديث لم نجد لمن تقدمهم فيها تصحيحاً كأبي الحسن بن القطَّان والضياء المقدسي والمنذري ومن بعدهم، انتهى.
قلت: وفي المسألة قول ثالث اختاره ابن جماعة وهو التفصيل مع غلبة الظن أنه لو صح لما أهمله أئمة الأعصار المتقدمة لشدة فحصهم واجتهادهم، انتهى.
стр. 53
حُكْمُ الصَّحِيْحَيْنِ والتَّعْلِيْق
قوله:
٤٠ - وَاقْطَعْ بِصِحَّةٍ لِمَا قَدْ أَسْنَدَا ... كَذَا لَهُ، وَقِيْلَ ظَنّاً وَلَدَى
ش: قلت: «لَدَى» بفتح اللام والدال المهلمة لغة في لَدُن قال الله تعالى: ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾ [يوسف:٢٥].
يعني قال ابن الصلاح: ما رواه الشيخان بإسنادهما المتصل فَيُقْطَع بصحته تبعاً لابن طاهر (١) المقدسي، وأبي نصر عبد الرحيم. وقيل: لا بل يفيد الظن، وتلقيه بالقبول لإيجاب العمل عليهم [١١ - أ] بالظن ... (٢) [ابن] (٣) الصلاح فاشترط الجزم في التعليق (٤).
٤١ - مُحَقِّقِيْهِمْ قَدْ عَزَاهُ (النَّوَوِيْ) ... وَفي الصَّحِيْحِ بَعْضُ شَيءٍ قَدْ رُوِيْ
стр. 54
٤٢ - مُضَعَّفاً وَلَهُمَا بِلا سَنَدْ ... أَشْيَا فَإنْ يَجْزِمْ فَصَحِّحْ، أو وَرَدْ
٤٣ - مُمَرَّضاً فَلا، وَلكِنْ يُشْعِرُ ... بِصِحَّةِ الأصْلِ لَهُ كَـ (يُذْكَرُ)
٤٤ - وَإنْ يَكُنْ أوَّلُ الاسْنَادِ حُذِفْ ... مَعْ صِيغَةِ الجَزْم فَتَعليْقاً عُرِفْ
قال في (ش) (١): ووقع في غير الجزم في استعماله جماعةٌ من المتأخرين، ومنهم المزي، كقول البخاري في باب «مس الحرير من غير لُبس»: ويُروَى فيه عن الزبيدي عن الزهري عن أنس بن مالك عن النبي ﷺ ، ذكره في «الأطراف» وعَلَّمَ عليه علامة التعليق للبخاري.
٤٥ - وَلَوْ إلى آخِرِهِ، أمَّا الَّذِي ... لِشَيْخِهِ عَزَا بـ (قالَ) فَكَذِي
٤٦ - عَنْعَنَةٍ كخَبَرِ المْعَازِفِ ... لا تُصْغِ (لاِبْنِ حَزْمٍ) المُخَالِف
يعني أنه لو حذف الإسناد إلى آخره واقتصر على ذكر النبي ﷺ في المرفوع أو على الصحابي في الموقوف فإنه يُسَمَّى تعليقاً. كذا قال ابن الصلاح نقلاً عن بعضهم وما حَكَى غَيَره، ومثاله قول البخاري في العلم: «وقال عمر: تفقهوا قبل أن تسودوا».
وأما ما عزاه البخاري إلى بعض شيوخه بصيغة الجزم كقوله: قال فلان، وزاد، ونحوه، فليس [حكمه] (٢) حكم التعليق عن شيوخ شيوخه ومن فوقهم، بل حكمه حكم الإسناد المعنعن، وحكمه الاتصال بشرط ثبوت اللقاء والسلامة من التدليس وهما موجودان في البخاري، ومثاله قول البخاري: قال
стр. 55
هشام بن عمار: حدثنا صدقة بن خالد: حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر: حدثنا عطية بن قيس، قال: حدثني عبد الرحمن بن غنمٍ، قال: حدثني أبو عامر أو أبو مالك الأشعري، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والمعازف» فهذا حكمه الاتصال لأن ابن عمار (١) من شيوخ البخاري [١١ - ب] حدث عنه أحاديث، وخالف الظاهريُّ ابنُ حزم في ذلك فقال في «المحلى»: هذا حديث منقطع لم يتصل ما بين صدقة والبخاري، ولا يصح في هذا الباب شيءٌ أبداً، وكلُّ ما فيه موضوع. وخَطَّأَهُ ابن الصلاح في ذلك بما يُوقَف عليه في كتابه.
قال في (ش) (٢): والحديث اتصل من طريق ابن عمار وغيره فقال الإسماعيلي في «المستخرج»: حدثنا الحسن بن سفيان النسوي الإمام، قال: حدثنا هشام بن عمار ... إلى آخره.
وقال الطبراني في «مسند الشاميين»: حدثنا محمد بن يزيد بن عبد الصمد حدثنا هشام بن عمار، انتهى.
стр. 56
نَقْلُ الْحَدِيْثِ مِنَ الكُتُبِ الْمُعْتَمَدَةِ
٤٧ - وَأخْذُ مَتْنٍ مِنْ كِتَابٍ لِعَمَلْ ... أوِ احْتِجَاجٍ حَيْثُ سَاغَ قَدْ جَعَلْ
ش: يعني إذا أخذ من يسوغ له العمل بالحديث أو الاحتجاج به حديثاً من كتابٍ معتمد لعمل به أو احتجاج، فَشَرَط ابنُ الصلاح أن يكون ذلك الكتاب بمقابلةِ ثقةٍ على أصولٍ صحيحةٍ متعددةٍ مرويةٍ برواياتٍ متنوعة.
وقال النووي: إنْ قابلَها بأصلٍ معتمدٍ مُحققٍ أجزأه، والإشارة بقوله:
٤٨ - عَرْضَاً لَهُ عَلى أُصُوْلٍ يُشْتَرَطْ ... وَقَالَ (يَحْيَى النَّوَوِي):أصْلٌ فَقَطْ
ش: فالضمير في «جَعَل» يعود على ابن الصلاح، وظاهر كلامه في قسم الحسن في قول الترمذي باختلاف النسخ بين حسن أو حسن صحيح (١) أن ذلك ليس بشرط بل يستحب، قال (ن) (٢): وهو كذلك.
وقوله:
стр. 57
٤٩ - قُلْتُ: (وَلابْنِ خَيْرٍ) امْتِنَاعُ ... جَزْمٍ سِوَى مَرْوِيِّهِ إجْمَاعُ [١٢ - أ]
هذا تنبيه على اشتراط ابن الصلاح في من أخذ حديثاً من معتمد أن يقابل في أن الحافظ ابن خيرٍ نص على اتفاق العلماء على أنه لا يصح لمسلم أن يقول: قال رسول الله ﷺ كذا حتى يكون عنده ذلك القول مروياً ولو على أقل وجوه الروايات، لحديث «من كذب علي متعمداً»، وفي بعضها «من كذب عَليَّ» مطلقاً، فـ «امتناعُ جزمٍ» مبتدأ، و «إجماع» خبره معموله.
قلت: و «ابن خَير» بفتح الخاء المعجمة، وإسكان الياء المثناة تحت، وبعده راء مهملة، هو: الحافظ أبو بكر محمد بن خير من أهل إشبيلية، وكان يقول في نسبه الأموي: بفتح الهمزة، سمع بالمغرب من جماعات كثيرين، ولقي عياضاً، وسمع منه، وأجاز له من الأعلام الأندلسيين بن عتاب وغيره، ومن أهل المشرق السِّلَفي، وكان من الإكثار في تقييد الآثار والعناية بتحصيل الرواية بحيث يأخذ عن أصحابه الذين شركهم في السماع من شيوخه، فكان عدد مَنْ سمع منه أو كتب إليه نيفاً ومائة رجل، قد احتوى على أسمائهم برنامج له ضخم في غاية الاحتفال والإفادة، ومن برنامجه هذا تَلَقَّفَ (ن) ما نص عنه هنا، تَصَدَّر بإشبيلية للإقراء والسماع، وأخذ عنه الناس، وكان مُقَرَّئاً، مجوِّداً، ضابطاً، محدثاً، جليلاً، متقناً، أديباً، نحوياً، لغوياً، واسع المعرفة، رضياً، مأموناً، كريم العشرة، خيراً، فاضلاً، ما صَحِبَ أحداً ولا صحبه أحدٌ إلا وأثنى عليه، انتهى.
стр. 58
القِسْمُ الثَّانِي: الْحَسَنُ [ ١٢ - ب]
٥٠ - وَالحَسَنُ المَعْرُوْفُ مَخْرَجاً وَقَدْ ... اشْتَهَرَتْ رِجَالُهُ بِذَاكَ حَدْ
ش: اختُلِف في حد الحسن فقال الخطابي: «هو ما عُرِفَ مخرجُه واشتهر رجاله» قال: «وعليه مدار أكثر الحديث». فبالأول خرج المنقطع والمدلس قبل أن يتبين تدليسه.
٥١ - (حَمْدٌ) وَقَالَ (التّرمِذِيُّ):مَا سَلِمْ ... مِنَ الشُّذُوْذِ مَعَ رَاوٍ مَا اتُّهِمْ
ش: «حَمْد» بفتح الحاء المهملة، وإسكان الميم، وبعده دال مهملة، هو أبو سليمان الخَطَّابي، وهو فاعل «حَد» في البيت قبله.
وقوله: (خ) (١) وهذا قول آخر في حد الحسن وهو قول (ت) (٢) في «العلل» آخر جامعه: «وما ذكرنا في هذا الكتاب فإنما أردنا به ما حَسُن إسناده عندنا: كل حديث يُروضي لا يكون في إسناده من يُتهم بالكذب، ولا يكون الحديث شاذاً، ويُروَى من غير وجه نحو ذلك، فهو عندنا حديث حسن».
وقوله:
٥٢ - بِكَذِبٍ وَلَمْ يَكُنْ فَرْداً وَرَدْ ... قُلْتُ: وَقَدْ حَسَّنَ بَعْضَ مَا انفَرَدْ
стр. 59
ش: فبكذب يتعلق بـ «اتُّهَم»، و «لم يكن» (ح) هو بمعنى (١): ولا يكون الحديث شاذاً (خ).
وأورد على الحد المذكور في قوله: «ولم يكن» (خ) بأن الترمذي حَسَّنَ أحاديث لا تروى إلا من حديث واحد، كحديث إسرائيل، عن يوسف بن أبي بردة، عن أبيه، عن عائشة ﵂ قالت: «كان رسول الله ﷺ إذا خرج من الخلاء قال: غفرانك» فإنه قال فيه: «حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث إسرائيل عن يوسف بن أبي بردة، ولا نعرف في هذا الباب إلا حديث عائشة»، انتهى.
وقوله: [١٣ - أ]
٥٣ - وَقِيْلَ: مَا ضَعْفٌ قَرِيْبٌ مُحْتَمَلْ ... فِيْهِ، وَمَا بِكُلِّ ذَا حَدٌّ حَصَلْ
هذا قول آخر في الحديث (٢) الحسن نَصَّ عليه ابن الجوزي في «العلل المتناهية» و «الموضوعات»: «الحديث الذي فيه ضعف قريب محتمل هو الحديث الحسن». وبه أراد ابن الصلاح: ببعض (٣) المتأخرين، واعترضه القشيري.
قال ابن الصلاح [بعد] (٤) ما ذكر هذه الحدود الثلاثة: «كل هذا مُستبهَم لا
стр. 60
يشفي الغليل، وليس في كلام الترمذي والخطابي ما يفصلُ الحسن من الصحيح».
وهذا معنى: «وما بكل ذا حَدٌّ حصل».
وقوله:
٥٤ - وَقَالَ: بَانَ لي بإمْعَانِ النَّظَرْ ... أنَّ لَهُ قِسْمَيْنِ كُلٌّ قَدْ ذَكَرْ
ش: أي: وقال ابن الصلاح: «وقد أمعنت النظرَ في ذلك والبحثَ، جامعاً بين أطراف كلامهم، ملاحظاً مواقع استعمالهم، فتنقح لي واتضح أن الحديث قسمان ... » إلى آخر كلامه.
ونَزَّل على القسم الأول كلام الترمذي، وعلى القسم الثاني كلام الخطابي، وإليه الإشارة بقوله «كُلٌّ»، أي: كل واحدٍ من الترمذي والخطابي.
وقوله:
٥٥ - قِسْماً، وَزَادَ كَونَهُ مَا عُلِّلا ... وَلاَ بِنُكْرٍ أوْ شُذُوْذٍ شُمِلاَ
ش: يعني أنه في كل هذا مع سلامة الحديث من أن يكون شاذاً أو منكراً سلامته من أن يكون معللاً. وهذه زيادة [من] (١) ابن الصلاح على ما ذُكِر.
وقوله:
٥٦ - وَالفُقَهَاءُ كلُّهُمْ يَستَعمِلُهْ ... وَالعُلَمَاءُ الْجُلُّ مِنْهُمْ يَقْبَلُهْ
(ش): يشير بذلك إلى قول الخطابي في حده الحسن: «وهو الذي يقبله
стр. 61
أكثر العلماء، ويستعمله عامة الفقهاء»، فَفَرَّقَ بين العلماء والفقهاء في ذلك.
قوله: [١٣ - ب]
٥٧ - وَهْوَ بأقْسَامِ الصَّحِيْحِ مُلْحَقُ ... حُجّيَّةً وإنْ يَكُنْ لا يُلْحَقُ
ش: يعني أن الحسن ملحق بالصحيح في الاحتجاج به، وإن كان دونه رتبةً، فـ «حُجية» منصوب على التمييز.
وقوله:
٥٨ - فَإنْ يُقَلْ: يُحْتَجُّ بِالضَّعِيْفِ ... فَقُلْ: إذا كَانَ مِنَ المَوْصُوْف
٥٩ - رُوَاتُهُ بِسُوْءِ حِفْظٍ يُجْبَرُ ... بِكَوْنِهِ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ يُذْكَرُ
٦٠ - وَإنْ يَكُنْ لِكَذِبٍ أوْ شَذَّا ... أوْ قَوِيَ الضُّعْفُ فَلَمْ يُجْبَر ذَا
ش: هو بضم أول «يُقل» مبنياً للمفعول.
لما قَرَّرَ أن الحسن يحتج به، قيل: كيف يحتج بالضعيف؟ فأجاب بأن الضعف يختلف، فضعيفٌ (١) يزول بمجيئه من وجوه بأن يكون ضعفه نشأ عن ضَعْفِ حفظِ راويه مع كونه صادقاً ديناً، فإذا رأينا حديثاً جاء من وجه آخر عرفنا أنه مما حفظه، ولم يختل ضبطه له، وكذا إذا كان ضعفُه من حيث الإرسال زال بنحو ذلك، كالمرسَل الذي أرسله إمام حافظ؛ إذ ضعفه قليل يزول بروايته من وجه آخر. ومنه ضَعْفٌ لا يزول بنحو ذلك لقوة ضعفه، وتقاعد هذا الجابر عن جبره ومقاومته، كالضعف الناشئ عن كون الراوي
стр. 62
متهماً بالكذب، أو كون الحديث شاذاً (١)، وإلى ذلك الإشارة بقوله: [الموصوف رواته ... ] (٢).
ش: فـ «رواتُه» مرفوع مبنياً على الفاعل فيه: «الموصوف» أي: الذي وُصِفَ رواته.
وقوله: [١٤ - أ]
٦١ - أَلاَ تَرَى الْمُرْسَلَ حَيْثُ أُسْنِدَا ... أوْ أرْسَلُوا كَمَا يَجِيءُ اعْتُضِدَا
هذا جوابٌ عمَّن قال: إن الحسن متقاصرٌ عن الصحيح، فكيف يُحتج به إذا انضم إليه من لا يحتج به منفرداً؟ فيقال: نَصَّ الشافعي ﵁ في مراسل التابعين أنه يقبل منها المرسَل الذي جاء نحوه مسنداً، وكذا لو وافقه مُرْسَلٌ آخَر أرسله من أخذ العلم عن غير رجال التابعي الأول (خ) في كلام له ذكر فيه وجوهاً من الاستدلال على صحة مخرج المرسل لمجيئه من وجه آخر.
وقوله:
٦٢ - وَالحَسَنُ: الْمشهُوْرُ بِالعَدَالَهْ ... وَالصِّدْقِ رَاوِيهُ، إذَا أَتَى لَهْ
٦٣ - طُرُقٌ أُخْرَى نَحْوُهَا مِن الطُّرُقْ ... صَحَّحْتُهُ ........................
стр. 63
ش: يعني أن الحَسَن الذي رواه مشهور بالصدق والعدالة إذا أتت له طرقٌ أُخرى حُكِمَ بصحته، كحديث محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة».
فمحمد بن عمرو من المشهورين بالصدق والصيانة إلا أنه لم يكن من أهل الإتقان حتى ضُعِّفَ لسوء حفظه ووُثِّقَ لصدقه وجلالته فحديثه هذا من هذه الجهة حسن، فلما انضم إليه كونه رُويَ من جهة أخرى زال بذلك ما يُخشى عليه من سوء حفظه، وانجبر بذلك النقصُ اليسير، والتحق بدرجة الصحيح.
فـ «طرقٌ أخرى» فاعل أتى.
وقوله:
....................... ... ........ ُ كَمَتْنِ (لَوْلاَ أنْ أَشُقْ)
٦٤ - إذْ تَابَعُوْا (مُحَمَّدَ بْنَ عَمْرِو) ... عَلَيْهِ فَارْتَقَى الصَّحِيْحَ يَجْرِي
ش: فَقَيَّدَ قولُه: «كمتن» بقوله: «إذ» (خ) إعلاماً بأن التمثيل ليس بمطلق [١٤ - ب] الحديث، بل بقيد كونه من رواية محمد بن عمرو.
[و] (١) أراد بالمتابعة متابعة شيخِ محمد بن عمرو أبي سلمة عليه عن أبي هريرة، فقد تابعَ أبا سلمة عن أبي هريرة عبدُ الرحمن بن هرمز الأعرج، وسعيد المقبري، وأبوه أبو سعيد، وعطاء مولى أم حبيبة (٢)، وحميد بن عبد
стр. 64
الرحمن، وأبو زرعة بن عمرو بن جرير، وهو متفق عليه من طريق الأعرج، والمتابعة قد يُراد بها متابعة الشيخ، ومتابعة شيخ الشيخ كما يأتي إن شاء الله.
٦٥ - قَالَ: وَمِنْ مَظِنَّةٍ لِلحَسَنِ ... جَمْعُ (أبي دَاوُدَ) أيْ في السُّنَن
ش: يعني أن من مظان الحَسَن «سُنن أبي داود السجستاني». كذا قال ابن الصلاح.
٦٦ - فإنَّهُ قَالَ: ذَكَرْتُ فِيْهِ ... ما صَحَّ أوْ قَارَبَ أوْ يَحْكِيْه
٦٧ - وَمَا بهِ وَهَنٌ شَدِيْدٌ قُلْتُهُ ... وَحَيْثُ لاَ فَصَالِحٌ خَرَّجْتُهُ
ش: يعني أن ابن الصلاح قال: روينا عنه أنه قال: «ذكرتُ فيه الصحيح، وما يشبهه، ويقاربه»، وروينا عنه أيضاً ما معناه أنه يذكر في كل باب ما عرفه في ذلك الباب، وقال: «ما كان في كتابي من حديث فيه وهن شديد فقد بينته، وما لم أذكر فيه شيئاً فهو صالح، وبعضها أصلح من بعض».
قال ابن الصلاح: فعلى هذا ما وجدته في كتابه مذكوراً مطلقاً، وليس في واحد من الصحيحين، ولا نَصَّ على صحته أحدٌ يميز بين الصحيح والحسن عرفناه، فإنه من الحسن عند أبي داود.
وإلى هذا الإشارة بقوله:
٦٨ - فَمَا بِهِ وَلَمْ يُصَحَّحْ وَسَكَتْ ... عَلَيْهِ عِنْدَهُ لَهُ الحُسْنُ ثَبَتْ
ش: «ولم يُصَحَّح» بضم أوله مبنياً على المفعول.
وقوله: [١٥ - أ]
стр. 65
٦٩ - و (ابْنُ رُشَيْدٍ) قَالَ -وَهْوَ مُتَّجِهْ- ... : قَدْ يَبْلُغُ الصِّحَّةَ عِنْدَ مُخْرِجِهْ
ش: هذا اعتراض من أبي عبد الله محمد بن عمر الفِهْري الأندلسي، عُرِف بابن رُشيد بضم الراء المهلمة، وفتح الشين المعجمة، وإسكان المثناة تحت، وبعده دال مهملة، على ابن الصلاح؛ فإنه لا يَلْزَم من كون الحديث لم يَنُصُّ عليه أبو داود بضعف، ولا صححه غيره أن الحديث عند أبي داود حَسَن، إذ قد يكون [عنده] (١) صحيحاً وإن لم يكن عند غيره كذلك، واستحسنه أبو الفتح اليَعْمُري، و [هذا] (٢) معنى قوله: «وهو متجه».
٧٠ - وَللإمَامِ (اليَعْمُرِيِّ) إنَّما ... قَوْلُ (أبي دَاوُدَ) يَحْكي (مُسْلِما)
ش: يعني أن اليَعْمُري محمد بن سيد الناس تعقب كلام ابن الصلاح في شرح الترمذي قائلاً: «لم يرسم أبو داود شيئاً بالحُسن، وعمله في ذلك شبيه بعمل مسلم الذي لا ينبغي أن يحمل كلامه على غيره، أنه اجتنب الواهي الضعيف، وأتى بالقسمين الأول والثاني، وحديث مَنْ مَثَّل به من الرواة من القسمين المذكورين موجود في كتابه دون القسم الثالث، فكان ينبغي أن يُلْزِمَ أبو عمرو مسلماً ما ألزمه أبا داود، فإن معنى كلامهما واحد.
قلت: واليَعْمَري بفتح المثناة تحت، وإسكان العين المهملة، وبعده ميم مفتوحة (٣)، فراء مهملة، انتهى.
стр. 66
٧١ - حَيثُ يَقُوْلُ: جُمْلَةُ الصَّحِيْحِ لا ... تُوجَدُ عِنْدَ (مَالِكٍ) وَالنُّبَلا
ش: يعني أن قول أبي داود يشبه قول مسلم في الصِّحة والمقاربة حيث يقول إنه ليس كل الصحيح نجده عند مالك وشعبة وسفيان.
وقوله: [١٥ - ب]
٧٢ - فَاحْتَاجَ أنْ يُنْزَلَ في الإسْنَادِ ... إلى (يَزيْدَ بنِ أبي زيَادِ)
ش: يعني فاحتاج أن ينزل -يعني مسلماً- إلى (١) مثل حديث ليث بن أبي سُليم، وعطاء بن السائب، ويزيد بن أبي زياد، لما يشمل الكل من اسم العدالة والصدق وإن تفاوتوا حفظاً وإتقاناً.
وقوله:
٧٣ - وَنَحْوِهِ، وإنْ يَكُنْ ذُو السَّبْقِ ... قَدْ فَاتَهُ، أدْرَكَ بِاسْمِ الصِّدْق
ش: يعني أنه لا فرق بين الطريقين، غير أن مسلماً شرط الصحيح فتحرَّج (٢) من حديث الطبقة الثالثة، وأبا داوود ما اشترطه فذكر ما يشتد وهنُه والتزم عنده البيان عنه.
وقوله:
٧٤ - هَلاَّ قَضى عَلى كِتَابِ (مُسْلِمِ) ... بِمَا قَضَى عَلَيْهِ بِالتَّحَكُّم
стр. 67
ش: هذا جواب عن اعتراض اليعمري (١)، وهو أن مسلماً التزم الصحة في كتابه فليس لنا أن نحكم على حديث خرجه فيه بأنه حسن عنده لقصور الحسن عن الصحيح، وأبو داود قال: إن ما سكت عنه فصالح. والصالح قد يكون صحيحاً، وقد يكون حسناً عند من يرى الحَسَن دون الصحيح رتبةً، وما نقل عن أبي داود هل يقول بذلك، أو يرى ما ليس بضعيف صحيحاً؟ فكان الأحوط ألا يُرتفع بما سكت عنه إلى الصحة حتى يُعلم أن رأيه هو الثاني، ويحتاج إلى نقل. والضمير المجرور بـ «على» يعود إلى كتاب أبي داود.
وقوله:
٧٥ - وَ (البَغَوِيْ) إذْ قَسَّمَ المَصْابحَا ... إلى الصِّحَاحِ والحِسَانِ جَانِحا
ش: قلت البغوي نسبةً إلى بلد من بلاد خُراسان يقال لها «بغ» و «بغشور» وقيل [١٦ - أ] لأبي القاسم هذا البغوي؛ لأجل جده أحمد بن منيع البغوي، ووُلِدَ هو ببغداد ونشأ بها، وكان محدِّث العراق في عصره، وإليه الرحلة من البلاد، انتهى.
يعني أن البغوي رُدَّ عليه تسميته في كتاب «المصابيح» ما رواه أصحاب السُّنن: الحسان؛ إذ في السنن غير الحسن من الضعيف والصحيح إذا قلنا الحسن ليس أعم من الصحيح.
стр. 68
وقوله:
٧٦ - أنَّ الحِسَانَ مَا رَوُوْهُ في السُّنَنْ ... رَدَّ عَلَيهِ إذْ بِهَا غَيْرُ الحَسَنْ
ش: فـ «أَنَّ» بفتح الهمزة بإسقاط «إلى» أي: جانحا «إلى» أن.
وقوله:
٧٧ - كَانَ (أبُوْ دَاوُدَ) أقْوَى مَا وَجَدْ ... يَرْوِيهِ، والضَّعِيْفَ حَيْثُ لاَ يَجِدْ
ش: هذا بيان لكون السنن فيها غير الحسن، لقول أبي داوود، يعني أنه يذكر في كل باب أصحَّ ما عرفه في ذلك الباب قال ابن منده عنه إنه يخرج الإسناد الضعيف إذا لم يجد في الباب غيره؛ لأنه أقوى عنده من رأي الرجال.
وقوله:
٧٨ - في البَابِ غَيْرَهُ فَذَاكَ عِنْدَهْ ... مِنْ رَأيٍ اقوَى قَالهُ (ابْنُ مَنْدَهْ)
ش: معناه ما تقدم.
وقوله:
٧٩ - وَالنَّسَئي يُخْرِجُ مَنْ لَمْ يُجْمِعُوا ... عَليْهِ تَرْكَاً، مَذْهَبٌ مُتَّسِعُ
ش: قال ابن منده: إنه سمع محمد بن سعد الباوردي -بالباء الموحدة- بمصر يقول: كان مذهب النسائي أن يخرج عن كل من لم يُجْمَع على تركه.
و «مذهبٌ متسعٌ» خبر مبتدأ محذوف أي: «وهو ... ».
وقوله: [١٦ - ب]
стр. 69
٨٠ - وَمَنْ عَليها أطْلَقَ الصَّحِيْحَا ... فَقَدْ أَتَى تَسَاهُلاً صَرِيْحَا
ش: يعني أن من أطلق الصحيح على كتب السنن فقد تساهل كالسِّلَفي، حيث يقول في الكتب الخمسة: اتفق على صحتها المشرق والمغرب.
وكالحاكم حيث يطلق على الترمذي «الجامع الصحيح» وكذا الخطيب أطلق على النسائي: «الصحيح».
٨١ - وَدُوْنَهَا في رُتْبَةٍ مَا جُعِلاَ ... عَلى المَسَانِيْدِ، فَيُدْعَى الجَفَلَى
ش: يعني أن دون السنن في رتبةِ الصَّحيح المصنَّف على المسانيد مما أُفرد فيه حديث كلِّ صحابي على حِدة من غير نظر للأبواب كأبي داوود الطيالسي، ويقال إنه أول مسنَد صُنِّفَ، وكمسند الإمام أحمد، والبزار، والبغوي، والدارمي عند ابن الصلاح، ووَهِم لأنه مُرَتَّبٌ على الأبواب.
و «يُدعَى الجَفَلا» بضم أول الفعل مبنياً للمفعول.
و «الجَفَلا» بضم الجيم (١) والفاء مقصور: الدعوة العامة للطعام، والدعوة الخاصة عندهم تسمى النقرى.
قلت: والنقرى بفتح النون، والقاف، والراء المهملة، وبعده ألف. قال الأخفش: يقال: دُعي فلان في النقرى لا في الجفلا قال طَرَفة الشاعر:
نحن في المَشْتَاة ندعو الجَفَلا ... لا ترى الآدب فينا ينتقر
стр. 70
وكنى بذلك عن [كون] (١) المسانيد [دون السنن في مرتبة الصحة، لأن من جمع مسند الصحابي يجمع] (٢) فيه ما يقع له من حديث الصحابي صَلُح للاحتجاج أم لا.
وقوله:
٨٢ - كَمُسْنَدِ (الطَّيَالَسِيْ) و (أحْمَدَا) ... وَعَدُّهُ (لِلدَّارِميِّ) انْتُقِدَا
ش: [١٧ - أ] فالضمير في «عَدُّه» لابن الصلاح.
قلت: «الطَّيالسي» بفتح الطاء، والياء المثناة تحت، وبعده ألف، فلام مكسورة، فسين مهملة، نسبةً إلى الطَّيَالِسَة التي تجعل على العمائم، وشُهِرَ بهذه النسبة إلى الطَّيالسة أبو داود سليمان، وأصله من فارس وسكن البصرة، يروي عن الدستوائي وغيره، وعن الإمام أحمد، وابن المديني وغيرهما، ومسنده هذا من حَسَنِ الحديث، ولي به رواية، والله أعلم، انتهى.
وقوله:
٨٣ - والحُكْمُ لِلإسْنَادِ بِالصِّحَّةِ أوْ ... بِالْحُسْنِ دُوْنَ الحُكْمِ لِلمَتْنِ رَأَوْا
ش: يعني أنهم يرون الحكم (٣) بالصحة للإسناد دون المتن، فيقولون: هذا حديث إسناده صحيح، دون قولهم هذا حديث صحيح، وكذلك يقولون في حكمهم على الإسناد بالحسن: هذا إسناده حسن، دون: حديث حسن؛ لأنه
стр. 71
قد يَصِحُّ الإسناد لثقة رجاله، ولا يَصِحُّ الحديث لشذوذٍ أو علةٍ.
وقوله:
٨٤ - وَاقْبَلْهُ إنْ أَطْلَقَهُ مَنْ يُعْتَمَدْ ... وَلَمْ يُعَقِّبْهُ بضَعْفٍ يُنْتَقَدْ
ش: يعني أن المعتَمد من المُصَنِّفين إذا اقتصر على: «صحيح الإسناد»، ولم يذكر له علة، ولم يقدح فيه، فالظاهر الحُكْم بالصحة في نفس الحديث، لعدم العلة والقادح في الظاهر والأصل، كذا قال ابن الصلاح، وزاد (ن): وكذلك لو اقتصر على قوله: «حسن الإسناد»، ولم يعقبه بضعف فَيُحْكَم له بالحُسْن.
وقوله:
٨٥ - وَاسْتُشْكِلَ الحسْنُ مَعَ الصِّحَّةِ في ... مَتْنٍ، فَإنْ لَفْظاً يَرِدْ فَقُلْ: صِفِ [١٧ - ب]
ش: يعني أن الجماعة استشكلوا قول الترمذي مثلاً أو غيره: «هذا حديث حسن صحيح»، كيف يجمع بينهما مع كون الحسن قاصراً عن الصحيح، فيكون جَمَعَ إثبات القصور ونفيه في حديث واحد؟ وأجاب ابن الصلاح عنه بجوابين ضَعَّفَهُما القُشيري؛ أحدهما: أن ذلك يرجع إلى الإسناد بأن يكون له إسنادان صحيح وحسن. فأورد (١) عليه القشيري أحاديث قيل فيها ذاك، وليس لها إلا مخرج واحد، كقول الترمذي في مواضع: «هذا حديث حسن صحيح لا نعرفه إلا من هذا الوجه»، كقوله في حديث العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁: «إذا بقى نصف شعبان فلا
стр. 72
تصوموا» فقال فيه: «حسن صحيح لا نعرفه إلا من هذا الوجه على هذا اللفظ».
والثاني: أنه أراد بالحسن معناه اللغوي دون العرفي.
قال القشيري: فيلزم عليه أن يُطْلَق على الموضوع إذا كان حَسَن اللفظ حَسَن.
وقد مزج (ن) هذين الجوابين بردهما في هذا البيت وما بعدها بقوله:
٨٦ - بِهِ الضَّعِيْفَ، أوْ يَرِدْ مَا يَخْتَلِفْ ... سَنَدُهُ، فَكَيْفَ إنْ فَرْدٌ وصِفْ؟
٨٧ - وَ (لأبي الفَتْحِ) في الاقْتِرَاحِ ... أنَّ انفِرَادَ الحُسْنِ ذُوْ اصْطِلاَح
ش: أجاب القشيري أبو الفتح عن ما استشكله في كتابه «الاقتراح» لما رَدَّ الجوابين كما رأيت بأن الحَسَن لا يُشترط فيه أن يكون قاصراً عن الصحة إلا إن انفرد فيراد به حينئذ الحَسَن لا العُرفي (١)، وأما إن ارتفع إلى درجة الصحة [١٨ - أ] فالحسن حاصل تبعاً للصحة لا محالة؛ لأن وجود الدرجة العليا وهي الحفظ والإتقان، وذلك لا ينافي وجود الدنيا كالصدق، فيقال حسن باعتبار الدنيا، صحيح باعتبار العليا، وعلى ذلك فالصحة أخَصّ، فكل صحيح حسن، وأيده قولهم: «حسن» في الأحاديث الصحيحة كما هو في كلام المتقدمين.
وقد قال ابن المواق: كل صحيح عند الترمذي حسن، ولا ينعكس. وإلى هذا أشار بقوله:
стр. 73
٨٨ - وَإنْ يَكُنْ صَحَّ فَليْسَ يَلْتَبِسْ ... كُلُّ صَحِيْحٍ حَسَنٌ لاَ يَنْعَكِسْ
٨٩ - وَأوْرَدوا مَا صَحَّ مِنْ أفْرَادِ ... حَيْثُ اشْتَرَطْنَا غَيْرَ مَا إسْنَاد
ش: هذا إيراد أورده ابن سيد الناس على ابن المواق، فقال: قد بقي عليه أنه اشترط في الحَسن أن يُرْوَي نحوه من وجه آخر، ولم يشترط ذلك في الصحيح، فانتفى ما قاله، وعلى هذا فالأفراد الصحيحة ليست بحسنة عند الترمذي؛ إذ يشترط في الحسن أن يروى من غير وجه، كحديث الأعمال، والسَّفَر قطعة من العذاب، ونهى عن بيع الولاء وهبته.
وأجاب (ن) (١) عن هذا بأن الترمذي إنما يشترط مجيئه من وجه آخر إذا لم يبلغ رتبة الصحيح، فإن بلغها لم يشترط ذلك، كقوله في مواضع: «هذا الحديث حديث حسن صحيح غريب» لما ارتفع إلى درجة الصحة أثبت له الغرابة باعتبار فرديته، انتهى.
стр. 74
القِسْمُ الثَّالِثُ: الضَّعِيْفُ
قوله:
٩٠ - أمَّا الضَّعِيْفُ فَهْوَ مَا لَمْ يَبْلُغِ ... مَرْتَبَةَ الحُسْنِ، وإنْ بَسْطٌ بُغِي:
ش: يعني أن ما قَصُر عن رتبة الحسن فهو ضعيف.
وقوله: «وإن بسطٌ بُغي» معناه: إذا أردت [١٨ - ب] أقسام الضعيف باعتبار الانفراد والاجتماع فتنتهي الأقسام إلى اثنين وأربعين قسماً أشار إليها (ن) ﵀ بقوله:
٩١ - فَفَاقِدٌ شَرْطَ قَبُوْلٍ قِسْمُ ... وَاثْنَيْنِ قِسْمٌ غَيْرُهُ، وَضَمُّوْا
٩٢ - سِوَاهُما فَثَالِثٌ، وَهَكَذَا ... وَعُدْ لِشَرْطٍ غَيْرَ مَبْدُوٍّ فَذَا
٩٣ - قِسْمٌ سِوَاهَا ثُمَّ زِدْ غَيْرَ الَّذِي ... قَدَّمْتُهُ ثُمَّ عَلى ذَا فَاحْتَذِي
ش: قوله: «ففاقد» مبتدأ يسوغ الابتداء به، وهو نكرة اسم فاعل منون عمله النصب في «شرطَ قبولٍ». وقوله: «قسم» خبره، والجملة في محل الجزم على الجواب.
ش: ومعنى ذلك أن ما فُقِدَ فيه شرطٌ من شروط القبول فهو قسم، وشروط القبول هي شروط الصحيح والحسن وهي ستة:
стр. 75
أولها: اتصال السند حيث لم ينجبر [المرسل] (١) بما يؤكده كما سيأتي.
وثانيها: عدالة الرجال.
وثالثها: السلامة من كثرة الخطأ والغفلة.
ورابعها: مجيء الحديث من وجه آخر حيث كان في الإسناد مستور، لم تعرف أهليته، وليس متهماً كثير الغلط.
وخامسها: السلامة من الشذوذ.
وسادسها: السلامة من العلة القادحة.
ففاقد الأول قسم تحته قسمان: منقطع، ومرسل لم ينجبر.
وقوله: «واثنين» هو بالنصب عطفاً على «شرط قبول» أي: وفاقد شرطاً مضافاً إلى الشرط الأول الذي هو الاتصال قسم غير القسم الأول وتحته اثنا عشر قسماً إذ فقد العدالة [يدخل] (٢) تحته الضعيف والمجهول [وهذه أقسامه] (٣).
مرسل في إسناده ضعيف.
منقطع فيه ضعف.
مرسل فيه [١٩ - أ] مجهول.