وقوله:
٩٣٦ - وَمِنْهُ مَا فِي نَسَبٍ كالْحَنَفِي ... قَبِيْلاً اوْ مَذْهَباً او باليا صِف
الشرح: القسم الثامن منه (١): أن يتفقا في النسبة خاصة، وهو كثير، ولمحمد بن طاهر المقدسي في هذا القسم تصنيفٌ حسن، مثل: الحنفي والحنفي، فاللفظ واحد، وأحدهما منسوب إلى القبيلة، وهم بنو حنيفة، منهم: أبو بكر عبد الكبير بن عبد المجيد، وأخوه أبو علي عبيد الله، أخرج لهما الشيخان.
والثاني: منسوب إلى مذهب أبي حنيفة.
وقوله: «أو بالياء صف» يعني: إذا نَسَبْتَ إلى المذهب فزد ياءً، فقل «حنيفي»، تفرقةً بين المذهب والقبيلة، وعلى هذا جماعة من المحدثين، ومنهم محمد بن طاهر المقدسي.
قال ابن الصلاح: ولم أجد ذلك عن أحدٍ من النحويين إلا عن أبي بكر بن الأنباري نص عليه في «الكافي».
стр. 422
تلخيص المتشابه
قوله:
٩٣٧ - وَلَهُمُ قِسْمٌ مِنَ النَّوْعَيْنِ ... مُرَكَّبٌ مُتَّفِقُ الَّلَفظَيْن
٩٣٨ - فِي الاسْمِ لَكِنَّ أَبَاهُ اخْتَلَفَا ... أَوْ عَكْسُهُ أوْ نَحْوُهُ وَصَنَّفَا
٩٣٩ - فِيْهِ الْخَطِيبُ نَحْوُ مُوسَى بنِ عليْ ... وَابْنِ عُلَيٍّ وَحَنَانَ الأَسَدِيْ
الشرح: هذا النوع مُرَكَّب من النوعين الذي قبله، وهو أن يتفق الاسمان في اللفظ والخط، ويفترقا في الشخص، ويأتلف أسماء أبويهما في الخط، ويختلفان في اللفظ، أو على العكس بأن يأتلف الاسمان خطاً، ويختلفا لفظاً، وتتفق أسماء أبويهما أو نحو ذلك، بأن يتفق الاسمان أو [١٦٦ - أ] الكنيتان لفظاً، وما أشبه ذلك (١)، وقد أفرد [في] (٢) ذلك الخطيب كتابه المسمى بـ «تلخيص المتشابه»، وهو من أحْسَن كتبه.
وقوله: «نحو موسى» (خ) هذا مثال الأول: وهو موسى بن عَلي، وموسى بن عُلَي، فالأول: بفتح العين مكبراً وهم جماعة متأخرون، ليس في الكتب
стр. 423
منهم أحدٌ.
والثاني: بضم العين مُصَغَّراً ابن رَبَاح اللَّخمي المصري، أمير مصر اشتهر بضم العين، وصحَّحَ البخاري وصاحب «المشارق» الفتح، ورويَ عنه أنه قال من قال لي موسى بن عُلَي لم أجعله في حل.
واختلف في سبب تصغيره، فقيل كان بنو أمية إذا سمعوا بمولود اسمه «عَلي» قتلوه، فبلغ ذلك رباحاً فقال هو عُلَي.
وقال ابن حبان في «الثقات»: كان أهل الشام يجعلون كلَّ علي عندهم عُلياً لبغضهم علياً رضي الله تعالى عنه.
وقوله: «أو عكسه»، يعني عكس الأول.
ومثاله: سُرَيج بن النعمان، وشريح بن النعمان، فالأول: اللؤلؤي البغدادي، روى عنه البخاري، وروى له أصحاب السنن الأربعة.
والثاني: الكوفي التابعي له في السنن الأربعة حديث واحد عن علي بن أبي طالب.
ومثال الثالث: محمد بن عبد الله المُخَرِّمي ومحمد بن عبد الله المَخْرَمي، فالأول بضم الميم، وفتح الخاء المعجمة، وكسر الراء المشددة، وهو محمد بن عبد الله، قاضي حُلْوان، روى عنه البخاري و (د) و (ن) (١).
والثاني: بفتح الميم، وسكون الخاء المعجمة، وفتح الراء، محمد بن
стр. 424
عبد الله، وروى عن الشافعي.
ومثال الرابع: أبو عمرو الشيباني [١٦٦ - ب] بالشين المعجمة، وبالسين المهملة (١).
فالأول جماعة منهم سعيد بن إياس الكوفي التابعي حديثه في الكتب الستة.
والثاني: زُرعة التابعي الشامي، عم الأوزاعي، له عند البخاري في كتاب «الأدب» حديث واحد موقوف على عقبة بن عامر.
وقوله: «وحَنَان» (خ)، هذا مثال الخامس، وهو حَنَان الأسدي، وحيان الأسدي، فالأول بفتح الحاء المهملة، وتخفيف النون، وآخره نون، البصري، يروي عن أبي عثمان النهدي حديثاً مرسلاً.
والثاني: بتشديد الياء المثناة تحت، وهو أبو الهيَّاج التابعي الكوفي، له في «صحيح مسلم» حديث عن علي في الجنائز.
ومثال السادس: أبو الرِّجال الأنصاري وأبو الرَّحَّال الأنصاري، فالأول بكسر الراء، [وتخفيف الجيم، اسمه محمد بن عبد الرحمن مدني، روى عن أمه عمرة بنت عبد الرحمن وغيرها، حديثه في الصحيحين.
والثاني: بفتح الراء] (٢)، وتشديد الحاء المهملة بصري، واسمه محمد بن خالد، روى له (ت) حديثاً واحداً عن أنس، وهو ضعيف.
стр. 425
المشتبه المقلوب
قوله:
٩٤٠ - وَلَهُمُ المُشْتَبَهُ المَقْلُوْبُ ... صَنَّفَ فِيْهِ الحَافِظُ الخَطِيْبُ
٩٤١ - كابْنِ يَزِيْدَ الاسْوَدِ الرَّبَّانِيْ ... وَكَابْنِ الاسْوَدِ يَزِيْدَ اثْنَان
الشرح: هذا النوع في المتشابهين في الاسم واسم الأب المتمايزين في التقديم والتأخير فيقع الاشتباه فيه ذهناً لا خَطًّا، وذلك أن يكون اسم أحد الراويين كاسم أبي الآخر خطاً ولفظاً، واسم الآخر كاسم أبي الأول، فينقلب على بعض أهل الحديث، كما انقلب على البُخاري ترجمة مسلم بن الوليد المدني، فجعله الوليد بن مسلم [١٦٧ - أ] كالوليد بن مسلم الدمشقي المشهور، وخطأه ابن أبي حاتم في كتابه الذي صنفه في خطأ البخاري في «تاريخه» حكاه عن أبيه، وصنف فيه الخطيب «رافع الارتياب عن المقلوب من الأسماء والأنساب».
مثاله: الأسود بن يزيد، ويزيد بن الأسود، فالأول النخعي المشهور، وخال إبراهيم النخعي، من كبار التابعين وعلمائهم، حديثه في الستة.
والثاني: يزيد بن الأسود الخزاعي، له صحبة، وله في السنن حديث واحد.
ويزيد بن الأسود الجُرَشي، تابعي مخضرم، يكنى أبا الأسود، سكن
стр. 426
الشام، واستسقوا به فَسُقوا في الوقت، حتى كادوا لا يبلغون منازلهم.
فقوله: «الرباني» هو العالم العامل المعلم.
وقال في «الصِّحَاح»: المتأله والعارف بالله.
وكان الأسود يصلي كل يوم سبعمائة ركعة، وسافر ثمانين حجة وعمرة من الكوفة لم يجمع بينهما.
وقوله: «اثنان» يُريد أن يزيد اثنان، كما قررنا.
стр. 427
من نُسِبَ إلى غير أبيه
قوله:
٩٤٢ - وَنَسَبُوا إِلَى سِوَى الآبَاءِ ... إمَّا لأُمٍّ كَبَنِيْ عَفْرَاء
٩٤٣ - وَجَدَّةٍ نَحْوُ ابنِ مُنْيَةٍ، وَجَدْ ... كَابْنِ جُرَيْجٍ وَجَمَاعَةٍ وَقَدْ
٩٤٤ - يُنْسَبُ كَالمِقْدَادِ بالتَّبَنِّيْ ... فَلَيْسَ للأَسْوَدِ أَصْلاً بِابْن
الشرح: هذا النوع فيمن نُسِبَ إلى غير أبيه، وهو أنواع:
الأول: من نُسِبَ لأمه كبني عَفْرَاء: معاذ، ومُعَوِّذ، وعَوْذ بالذال المعجة، أو بالفاء (١)، وعفراء أمهم بنت عبيد بن ثعلبة من بني النجار، وأبوهم الحارث بن رفاعة [١٦٧ - ب] من بني النجار، وشهد بنو عفراء بدراً، قتل منهم بها اثنان: عوف، ومعوذ، وبقي معاذ إلى زمن عثمان، وقيل إلى زمن علي، فقتل بصفين.
وفي ذلك من الصحابة: بلال بن حَمَامة.
وفي التابعين: محمد بن الحنفية.
وصنف فيه الحافظ علاء الدين مغلطاي تصنيفاً حسناً.
стр. 428
قال شيخنا (ن) (١): هو عندي بخطه في ثلاث وستين ورقة.
(و) قوله: «وجَدَّه» القسم الثاني: من نُسب إلى جَدَّتِه، دنيا كانت أو عُليا كيعلى بن مُنْيَة الصحابي المشهور، اسم أبيه أمية، و «مُنْيَة» بضم الميم، وإسكان النون، وفتح المثناة تحت، وبعده هاء، أم أبيه، وقيل أمه، ورجَّحه المزي، وذكر ابن وضَّاح أن منية أبوه وهو وهم فيما حكاه صاحب «المشارق».
ومثال الجدة العليا: بشير بن الخَصَاصية الصَّحابي، واسم أبيه معبدٌ، والخصاصية أُمُّ الثالث من أجداده، وقيل: هي أمه فيما نصه ابن الجوزي في «التلقيح».
ومن ذلك ابن تيمية مجد الدين صاحب «المنتقى»، فيقال أن جدته من وادي التَّيْم.
(و) قوله: «وجَد» القسم الثالث: مَن نُسِب إلى جده، كأبي عبيدة بن الجَرَّاح عامر بن عبد الله بن الجراح، وحَمَل بنُ النابغة [هو] (٢) ابن مالك من النابغة.
وفيالأئمة: ابن جُرَيج عبد الملك بن العزيز بن جُرَيج.
ومثله: ابن الماجشون، وجماعات: كابن أبي ليلى، وأحمد بن حنبل، وأبي بكر بن أبي شيبة، وابن يونس صاحب «تاريخ مصر»، وابن مسكين بمصر اشتهروا ببني مسكين من زمن [١٦٨ - أ] النسائي إلى زمننا هذا، وجَدُّهم
стр. 429
الحارث بن مسكين أحد شيوخ النسائي.
وأصل ذلك قول النبي ﷺ : «أنا (١) ابن عبد المطلب».
وقول الأعرابي في «الصحيح»: أيكم ابن عبد المطلب (٢).
وقوله: «وقد يُنسب» (خ) القسم الرابع: من نُسِبَ إلى غير أبيه نَسَب تبني ونحوه، كالمقداد بن الأسود، ليس هو بابن الأسود، إنما كان في حجره وتَبَنَّاه فنُسِبَ إليه، واسم أبيه عمرو بن ثعلبة الكندي.
стр. 430
المنسوبون إلى خلاف الظاهر
قوله:
٩٤٥ - وَنَسَبُوا لِعَارِضٍ كَالْبَدْرِيْ ... نَزَلَ بَدْراً عُقْبَةُ بْنُ عَمْرِو
٩٤٦ - كَذَلِكَ التَّيْمِيْ سُلَيْمَانُ نَزَلْ ... تَيْماً، وَخَالِدٌ بِحَذَّاءٍ جُعِلْ
٩٤٧ - جُلُوْسُهُ، وَمِقْسَمٌ لَمَّا لَزِمْ ... مَجْلِسَ عَبْدِ اللهِ مَوْلاَهُ وُسِمْ
الشرح: هذا النوع وهو أن يُنْسَب الراوي إلى مكان، أو وقعة به، أو قبيلة، أو صنعة، وليس الظاهر تلك النسبة مراداً (١) بل لعارض عَرَض [من] (٢) نزوله ذلك المكان، أو تلك القبيلة، أو نحو ذلك.
مثاله: أبو مسعود البدري ليس ببدري (٣) فنُسب إليها ولم يشهد وقعتها عند الأكثرين، وعدَّهُ البخاري [١٦٨ - أ] ممن شهدها، وروى في «صحيحه» حديث عروة بن الزبير: «أخَّرَ المغيرة بن شعبة ... » الحديث.
وقوله: «كذلك» من ذلك أيضاًَ سليمان التيمي، نزل فيهم وليس منهم.
стр. 431
وقوله: «وخالد» (خ) يعني: أنه يقرب من ذلك خالد الحذَّاء، وهو خالد بن مهران، واختُلف في سبب انتسابه لذلك، فقيل -كما نَصَّهُ البخاري في «التاريخ» -: ما حذا نَعْلاً قط، إنما كان يجلس إلى حذَّاء فنسب إليه.
قلت: والحذاء: بفتح الحاء المهملة، وتشديد الذال المعجمة، أظنه ممدود، انتهى.
وقوله: «ومِقْسَم» (خ) يعني ومن ذلك: مقسم مولى ابن عباس، هو مولى عبيد الله بن الحارث ونسب إلى ابن عباس لملازمته إياه.
стр. 432
المبهمات
قوله:
٩٤٨ - وَمُبْهَمُ الْرُّوَاةِ مَا لَمْ يُسْمَى ... كَامْرَأَةٍ فِي الْحَيْضِ وَهْيَ أَسْمَا
٩٤٩ - وَمَنْ رَقَى سَيِّدَ ذَاكَ الحَيِّ ... رَاقٍ أَبِي سَعِيْدٍ الخُدْرِيّ
٩٥٠ - وَمِنْهُ نَحْوُ ابْنِ فُلاَنٍ، عَمِّهِ ... عَمَّتِهِ، زَوْجَتِهِ، ابْنِ أُمِّه
الشرح: من أنواع الحديث: مَعْرِفَة الأسماء المبهمة في الحديث، أو الإسناد، من الرجال والنساء، وصنف فيه جماعة من الحفاظ، ومنهم عبد الغني، والخطيب، [وأبو القاسم] (١) ابن بشكوال، وهو أكبر كتاب فيه، جَمَعَ فيه ثلاثمائة حديث [و] (٢) واحداً وعشرين حديثاً، ولم يرتب، ورتب الخطيب كتابه على الحروف في الشخص المبهم، وجملةُ ما فيه مائة وأحد وسبعون حديثاً اختصره [١٦٩ - أ] النووي ورتبه على الحروف في راوي الحديث، وهو أسهل للكشف، وزاد فيه بعض أسماء، وهذا النوع يعرف بوروده مسمىً في بعض الروايات، أو بتنصيص أهل السير على كثير منهم، وهو أقسام:
الأول: أبهمها رجل أو امرأة، ومنه: حديث عائشة: «أن امرأة سألت النبي
стр. 433
صلى الله عليه وسلم عن غسلها من الحيض فقال: حدي» الحديث. فهذه المرأة اسمها أسماء، والحجة في ذلك سألت النبي ﷺ عن غسل الحيض الحديث.
واختلف من صنف المبهمات في أسماء هذه فقال الخطيب: هي بنت يزيد بن السكن الأنصارية.
وقال ابن بشكوال: بنت شكل، وصوبه شيخنا (ن) لما ثبت ذلك في بعض طرق الحديث.
وفي مسلم قال النووي في «مختصر المبهمات»: ويجوز أن تكون القصة جرت للمرأتين في مجلس أو مجلسين.
وقوله: «ومن رقي» (خ) يعني: أن من ذلك حديث أبي سعيد الخدري أن من أصحاب رسول الله ﷺ كانوا في سفر فمروا بحي من أحياء العرب ... الحديث، وفيه: «فقال رجلٌ منهم: نعم فأتاه فرقاه بفاتحة الكتاب فبرأ الرجل».
فقال الخطيب: الراقي أبو سعيد الخدري راوي الحديث، وتبعه ابن الصلاح.
قال شيخنا (ن): وفيه نظر إذ في بعض طرقه عند مسلم من حديث أبي سعيد فقام معها رجل منا يحسنُ رقيةً فقلنا: أكنت تحسن رقيه فقال: ما رقيته إلا بفاتحة [١٦٩ - ب] الكتاب، وهذا ظاهر في أنه غيره، إلا أن يقال وقع ذلك مرتين مرة له ومرة لغيره.
стр. 434
وقوله: «ومنه» (خ) من ذلك أيضاً: ابن فلان مبهم، كرواية أصحاب السنن الأربعة من حديث يزيد بن شيبان، قال: أتانا ابن مِرْبَع الأنصاري، ونحن بعرفة، فقال: إني رسول الله ﷺ الحديث، فقوله: ابن مربع: بكسر الميم، وإسكان الراء، وبعده موحدة مفتوحة، فعين مهملة، هو يزيد أو زيد أو عبد الله خلاف.
وقوله: «عمِّه» (خ) من ذلك: عم فلان، كرواية (ن) (١) من رواية علي بن يحيى بن خَلَّاد عن أبيه، عن عَمٍّ له بدري، في حديث المسيء صلاته، العم هو رفاعة بن رافع الزرقي، كما وقع ذلك مُصَرَّحاً في سنن (د) وغيرها.
وفي الصحيح حديث رافع بن خَديج عن بعض عمومته في النهي عن المخابرة، واسمه ظُهَيْر.
وقوله: «عَمَّتِهِ» مثاله ما رواه (ن) من رواية حصين بن مِحْصَن عن عَمَّةٍ له أنها أتت النبي ﷺ لحاجة ... الحديث، اسم عمته هذه أسماء فيما نَصَّهُ ابن السكن، والأمير، وابن بشكوال.
وقوله: «زوجته» مثاله: حديث عقبة بن الحارث، قال: تزوجت امرأةً فجاءتنا امرأةٌ سوداء ... الحديث. فقال ابن بشكوال: هي غُنية بنت أبي إهاب.
وقوله: «ابن أمه» مثاله: حديث أم هاني أنها قالت: زعم ابن أمي ... الحديث، ابن أمها: علي بن أبي طالب، كما صُرِّح بذلك في رواية مالك في «الموطأ».
стр. 435
تأريخ الرواة والوفيات
قوله: [١٧٠ - أ]
٩٥١ - وَوَضَعُوا التَّارِيْخَ لَمَّا كَذَبَا ... ذَوُوْهُ حَتَّى بَانَ لَمَّا حُسِبَا
٩٥٢ - فَاسْتَكْمَلَ النَّبِيُّ والصِّدِّيْقُ ... كَذَا عَلِيٌّ وَكَذَا الفَارُوْقُ
٩٥٣ - ثَلاَثَةَ الأَعْوَامِ والسِّتِّينَا ... وَفِي رَبِيْعٍ قَدْ قَضَى يَقِيْنَا
٩٥٤ - سَنَةَ إِحْدَى عَشْرَةٍ، وَقُبِضَا ... عَامَ ثَلاَثَ عَشْرَةَ التَّالِي الرِّضَى
٩٥٥ - وَلِثَلاَثٍ بَعْدَ عِشْرِيْنَ عُمَرْ ... وَخَمْسَةٍ بَعْدَ ثَلاَثِيْنَ غَدَرْ
٩٥٦ - عَادٍ بِعُثْمَانَ، كَذَاكَ بِعَلِيْ ... فِي الأرْبَعِيْنَ ذُوْ الشَّقَاءِ الأزَلِيْ
الشرح: هذا النوع فنٌّ مهمٌّ في علوم الحديث، به يُعْرَف اتصال الحديث وانقطاعه، وادَّعَى قومٌ روايةً عن أُناس، فَنُظِرَ في التاريخ، فَظَهَرَ أنهم زعموا الرواية عنهم بعد سنين (١)، كإبراهيم بن يزيد في روايته عن الأوزاعي (٢).
قال الثوري (٣): «فلما استعمل الرواة الكذب استعملنا لهم التاريخ».
وعن حفص بن غياث القاضي: «إذا اتهمتم الشيخُ فحاسبوه بالسِّنَّيْن -بفتح
стр. 436
النون المشددة، تثنية، سنٍ وهو العمر- يريد: احسبوا سِنَّهُ وسِنَّ من كَتَبَ عنه.
وعن الحميدي أبي عبد الله قال: ثلاثة أشياء من علم الحديث يجب تقديم العناية بها: العلل، وأحسن مصنَّف فيها الدارقطني، والمؤتلف، وأحسن كتاب فيه كتاب الأمير، ووفيات الشيوخ وليس فيه كتاب يستوعبه، وصنف فيه ابن زَبْر وابن قانع، وذَيَّلَ قومٌ على ابن زَبْر إلى زمننا، فذيل عليه الحافظ الكتاني عبد العزيز، وعلى الكتاني الأكفانيُّ أبو محمد هبة الله ذيلاً [١٧٠ - ب] صغيراً، وعلى الأكفاني الحافظ ابن المفضل، وعليه المنذري ذيلاً كبيراً مفيداً، وعليه الشريف عز الدين بن الحسيني، وعليه بن أَيْبَك الدمياطي إلى الطاعون، سنة تسع وأربعين وسبعمائة، وعليه شيخنا (ن).
وأول من وَضَعَ التاريخ الإسلامي الهجري عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه سنة ست عشرة أو سنة عشرين.
وقوله: «ذَوُوهُ» يعني: الكذب.
وقوله: «فاستكمل النبيُّ» (خ) يعني أن سِنَّ سيدِنا رسول الله ﷺ وسن أبي بكر، وعُمَر، وعَلي، ثلاث وستون سنة، وهذا هو الصحيح من خلافٍ أُشير إليه في (ش) (١) وفي غيره.
وقوله: «وفي ربيع» (خ) يعني أن تاريح وفياتهم: أنه ﷺ توفي في ربيع الأول سنة إحدى عشرة، ولا خلاف بين أهل السير في الشهر، ولا خلاف أنه كان يوم الاثنين، ضُحى.
стр. 437
وقوله: «وقُبِضاً» (خ) يعني: أنه تُوِفِّى الصديق أبو بكر سنة ثلاث عشرة في جمادى الأولى في قول الواقدي وغيره، وقيل غير ذلك، وتوفي عُمَر في آخر يوم من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين.
وقوله: «وخمسةٍ» (خ) يعني: وتوفي عثمان رضي الله تعالى عنه مقتولاً شهيداً سنة خمس وثلاثين، في ذي الحجة، يوم الجمعة، الثامن عشر منه، وادعى ابن ناصر الإجماع عليه.
قال شيخنا (ن) (١): وليس بجيد، فقد قيل إنه يوم التروية لثمان خلت منه.
وقوله: «غَدَر» (خ) يعني: أن قاتله عادٍ، واختلف فيه فقيل: جبلة، وقيل: سودان، وقيل: رومان [١٧١ - أ]، وقيل: غير ذاك.
وقوله: «كذاك بعلى» (خ) يعني: وتُوفي علي رضي الله تعالى عنه مقتولاً شهيداً، من شهر رمضان، سنة أربعين، وقتله عبد الرحمن بن ملجم المرادي، أشقى الآخرين، كما في حديث صهيب.
وذكر (ن) (٢) من حديث عمار بن ياسر عن النبي ﷺ أنه قال: «لعل أشقى الناس الذي عقر الناقة، والذي يضربك على هذا -ووضعَ يده على رأسه- حتى تخضب هذه -يعني لحيته-».
стр. 438
وقوله:
٩٥٧ - وَطَلْحَةٌ مَعَ الزُّبَيْرِ جُمِعَا ... سَنَةَ سِتٍّ وَثَلاَثِيْنَ مَعَا
الشرح: يعني أنه توفي طلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، في سنة واحدة، سنة ست وثلاثين، في شهر واحد، في يوم واحد، كلاهما في وقعة الجمل لعشر خلون من جمادى الآخرة.
وقوله:
٩٥٨ - وَعَامَ خَمْسَةٍ وَخَمْسِيْنَ قَضَى ... سَعْدٌ، وقَبْلَهُ سَعِيْدٌ فَمَضَى
٩٥٩ - سَنَةَ إحْدَى بَعْدَ خَمْسِيْنَ وَفِي ... عَامِ اثْنَتَيْنِ وَثَلاَثِيْنَ تَفِي
٩٦٠ - قَضى ابْنُ عَوْفٍ، والأَمِيْنُ سَبَقَهْ ... عَامَ ثَمَانِي عَشْرَةٍ مُحَقَّقَهْ
الشرح: توفي سعد بن أبي وقاص سنة خمس وخمسين، وشهره المزِّي (١).
وتوفي سعيد بن زيد سنة إحدى، شهد سعد جنازته، ونزل في حُفْرَته.
وقوله: «وفي عام» (خ) وتوفي عبد الرحمن بن عوف سنة اثنتين وثلاثين.
وقوله: «الأمين» (خ) توفي أمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح، واسمه عامر، سنة ثماني عشرة [١٧١ - ب] في طاعون عمواس.
وقوله:
٩٦١ - وَعَاشَ حَسَّانُ كَذَا حَكِيْمُ ... عِشْرِيْنَ بَعْدَ مِائَةٍ تَقُوْمُ
стр. 439
٩٦٢ - سِتُّوْنَ فِي الإِسْلاَمِ ثُمَّ حَضَرَتْ ... سَنَةَ أرْبَعٍ وَخَمْسِيْنَ خَلَتْ
٩٦٣ - وَفَوْقَ حَسَّانَ ثَلاَثَةٌ، كَذَا ... عَاشُوْا، وَمَا لِغَيْرِهِمْ يُعْرَفُ ذَا
٩٦٤ - قُلْتُ: حُوَيْطِبُ بْنُ عَبْدِ العُزَّى ... مَعَ ابْنِ يَرْبُوْعٍ سَعِيْدٍ يُعْزَى
٩٦٥ - هَذَانِ مَعْ حَمْنَنَ وابْنُ نَوْفَلِ ... كُلٌّ إلى وَصْفٍ حَكِيْمٍ فَاحْمِل
٩٦٦ - وفِي الصِّحَابِ سِتَّةٌ قَدْ عَمَّرُوا ... كَذَاكَ في المُعَمِّرِيْنِ ذُكِرُوا
الشرح: ذكر في هذه الأبيات مَنْ عاش من الصحابة مائة وعشرين سنة، ستين في الجاهلية، وستين في الإسلام، وهما شَخْصان: حكيم بن حِزام، وحَسَّان بن ثابت بن المنذر.
وقوله: «سنة أربعٍ» (خ) يعني أنهما ماتا بالمدينة سنة أربع وخمسين.
وقوله: «ثلاثة» (خ) يعني أن ثلاثة فوق حسان عاشوا مائة وعشرين سنة: أبوه ثابت، والمنذر أبوه، وحَرَام أبوه.
قال أبو نعيم: ولا يعرف في العرب مثل ذلك لغيرهم.
وقوله: «قلت» يعني أن شيخنا (ن) (١) زاد علي بن الصلاح أربعة اشتركوا معهما في ذلك، فصاروا سِتَّة يشتركون في هذا الوصف.
فالأول: حسان بن ثابت الأنصاري، فعاش مائة وعشرين سنة، ستين في الجاهلية، وستين في الإسلام، وقيل: إن أباه وجده وقع لهم أن عاشوا مائة وعشرين سنة.
стр. 440
والثاني: [١٧٢ - أ] حكيم بن حزام بن خويلد، بن أخي خديجة بنت خويلد، أسلم في الفتح، وعاش ستين في الجاهلية، وستين في الإسلام، فيما نَصَّهُ البخاري.
والثالث: حُوَيطب بن عبد العُزَّى القرشي العامري من مُسْلِمَة الفتح، فروى الواقديُّ عن إبراهيم بن جعفر بن محمود، عن أبيه، قال: كان حُويطب قد بلغ عشرين ومائة سنة، ستين في الجاهلية، وستين في الإسلام.
والرابع: سعيد بن يربوع القرشي، من مسلمة الفتح.
والخامس: حَمْنَن بن عوف القرشي الزهري، أخو عبد الرحمن بن عوف، وحمنن: بفتح الحاء المهملة، وإسكان الميم، وبعده نون مفتوحة، فنون.
قال الدارقطني في كتاب «الأخوة والأخوات»: أسلم، ولم يهاجر إلى المدينة، وعاش في الجاهلية ستين سنة، وفي الإسلام ستين سنة.
والسادس: مخرمة بن نَوْفَل القرشي الزهري، والد المِسْوَر بن مخرمة، من مُسْلِمَة الفتح، عاش مائة وعشرين سنة، ستين في الجاهلية، وستين في الإسلام، جزم بذلك ابن منده في جزء جمع فيه من عاش مائة وعشرين من الصحابة.
وقوله: «وفي الصحاب» (خ) يعني ابن مندة، فذكر في هذا الجزء جماعة أُخر من الصحابة عاشوا مائة وعشرين، لكن لم يُعْلم كون نصفها في الجاهلية ونصفها في الإسلام، لتقدم وفاتهم على المذكورين، أو تأخرها، أو عدم معرفة التاريخ لموتهم، وهم ستة كما قال.
стр. 441
الأول: عاصم بن عدي العجلاني، صاحب عويمر العجلاني في قصة اللِّعان [١٧٢ - ب].
والثاني: المنتجع جَدُّ ناجية.
والثالث: اللَّجْلَاج العامري.
والرابع: سعد بن جُنادة العوفي الأنصاري.
والخامس: عدي بن حاتم الطائي.
والسادس: نافع أبو سليمان العبدي.
وقوله:
٩٦٧ - وَقُبِضَ الثَّوْرِيُّ عَامَ إحْدَى ... مِنْ بَعْدِ سِتِّيْنَ وَقَرْنٍ عُدَّا
٩٦٨ - وَبَعْدُ في تِسْعٍ تَلِي سَبْعِيْنَا ... وَفَاةُ مَالِكٍ، وَفي الخَمْسِيْنَا
٩٦٩ - وَمِائَةٍ أَبُو حَنِيْفَةٍ قَضَى ... والشَّافِعِيُّ بَعْدَ قَرْنَيْنِ مَضَى
٩٧٠ - لأَرْبَعٍ ثُمَّ قَضَى مَأمُوْنَا ... أحْمَدُ في إحْدَى وأَرْبَعِيْنَا
الشرح: ذكر أصحاب المذاهب الخمسة، فقد كان سفيان الثوري معدوداً فيهم، قَلَّدَهُ جماعة إلى بعد القرن الخامس، وممن ذَكَرَهُ معهم الغزالي في «الإحياء»، فتوفى أبو عبد الله سفيان الثوري سنة إحدى وستين ومائة بالبصرة، فيما نصه الطيالسي أبو داود، وابن معين، وابن سعد، مدعياً الاتفاق عليه، وقيل غير ذلك.
وقوله: «وبَعْدُ» (خ) يعني أنه توفي مالك بن أنس بالمدينة سنة تسع
стр. 442
وسبعين ومائة، فيما نصه الواقدي وغيره، ومولده سنة تسعين وقيل غير ذلك.
وقوله: «وفي الخمسينا» (خ) يعني أنه توفي أبو حنيفة سنة خمسين ومائة -وهو المحفوظ- ببغداد، ومولده سنة ثمانين.
وقوله: «والشافعي» (خ) يعني أنه توفي الشافعي سنة أربع ومائتين، آخر يوم من رجب، وقيل غير ذلك، ومولده [١٧٣ - أ] سنة خمسين ومائة، فعاش أربعاً وخمسين سنة.
وقوله: «ثم قضى» (خ) يعني أنه توفي الإمام أحمد ببغداد أيضاً، سنة إحدى وأربعين ومائتين على الصحيح المشهور، وفي الشهر الذي مات فيه خلاف، ومولده في ربيع الأول سنة أربع وستين ومائة.
وقوله:
٩٧١ - ثُمَّ البُخَارِيْ لَيْلَةَ الفِطْرِ لَدَى ... سِتٍّ وَخَمْسِيْنَ بِخَرْتَنْكَ رَدَى
٩٧٢ - وَمُسْلِمٌ سَنَةَ إحْدَى في رَجَبْ ... مِنْ بَعْدِ قَرْنَيْنِ وَسِتِّيْنَ ذَهَبْ
٩٧٣ - ثُمَّ لِخَمْسٍ بَعْدَ سَبْعِيْنَ أبُو ... دَاوُدَ، ثُمَّ التِّرْمِذِيُّ يَعْقُبُ
٩٧٤ - سَنَةَ تِسْعٍ بَعْدَهَا وَذُو نَسَا ... رَابِعَ قَرْنٍ لِثَلاَثٍ رُفِسَا
الشرح: ذكر أصحاب الكتب الخمسة، فذكر أن البخاري توفي ليلة السبت، عند صلاة العشاء، ليلة الفطر، سنة ست وخمسين، ومولده يوم الجمعة، بعد الصلاة، لثلاث عشرة ليلة خلت من شوال، سنة أربع وتسعين ومائة، وكانت وفاته بخَرْتَنْك.
стр. 443
وقوله: «ومسلم» (خ) يعني: أن مسلماً توفي عَشِيَّة يوم الأحد من رجب، سنة إحدى وستين ومائتين، وفي سِنِّهِ خلاف، فقيل: خمس وخمسون، وبه جزم ابن الصلاح، وقيل: ستون وبه جزم الذهبي في «العبر».
وقوله: «ثم لخمس» (خ) يعني: أن أبا داود توفي بالبصرة يوم الجمعة، سادس عشر شوال، سنة خمس وسبعين ومائتين.
وقوله: «ثم الترمذي» يعني: أن الترمذي توفي ليلة الاثنين، لثلاث عشرة [١٧٣ - ب] ليلة مَضَت من رجب، سنة تسع وسبعين ومائتين.
وقوله: «وذو نَسَا» (خ) يعني: أن النسائي توفي بفلسطين في صفر سنة ثلاث وثلاثمائة، ودُفِنَ ببيت المقدس، وذكر أبو عبد الله بن مندة عن مشائخه أنه مات بمكة.
فقوله: «بِخَرْتَنْك»: هو بفتح الخاء المعجمة، وإسكان الراء المهملة، وفتح المثناة فوق، وبعده نون ساكنة، فكاف، وذكر ابن دقيق العيد في «شرح الإلمام» أنها بكسر الخاء والمعروف فتحها، وكذا ذكر السمعاني.
وما ذُكِرَ أنه مات بها هو المعروف الذي جزم به السمعاني وغيره، وذكر ابن يونس في «تاريخ الغُرباء» أنه مات بمصر بعد الخمسين ومائتين.
قال شيخنا (ن) (١): ولم أره لغيره والظاهر أنه وهم، انتهى.
وخرتنك: قرية بقرب سمرقند.
стр. 444
وقوله: «رَدَى». قلت: هو بفتح الراء، والدال المهملتين، أي: ذَهَب، ويقال فيه بمعنى الهلاك بكسر الدال.
وقوله: «نَسَا».قلت: هو بفتح النون من كور نيسابور، وقيل من أرض فارس، والقياس النَّسَوي.
وقوله: «رُفِسَا». قلت: هو بضم الراء المهملة، وكسر الفاء، وبعده سين مهملة، معناه: أن سبب موته فيما حكاه ابن منده عن مشائخه أنه سُئِل بدمشق عن معاوية، وما روي عن فضائله؟ فقال: ألا يرضى معاوية رأساً برأسٍ حتى يُفَضَّل، فما زالوا يرفسونه في خصييه حتى أُخرج من المسجد ثم حمل إلى مكة ومات بها، وذكر [١٧٤ - أ] الدارقطني أن ذلك بالرملة، وعاش ثمانياً وثمانين سنة.
وأما ابن ماجه فأغفله (ن) تبعاً لابن الصلاح، وهو في سنة ثلاث وسبعين ومائتين، وقيل غير ذلك، على ما أشرنا إليه في كتابنا «التيسير والتقريب مختصر الترغيب والترهيب» للمنذري، نفع الله تعالى به.
وقوله:
٩٧٥ - ثُمَّ لِخَمْسٍ وَثَمَانِيْنَ تَفِي ... الدَّارَقُطْنِيْ، ثُمَّتَ الحَاكِمُ فِيْ
٩٧٦ - خَامِسِ قَرْنٍ عَامَ خَمْسَةٍ فَنِي ... وَبَعْدَهُ بِأرْبَعٍ عَبْدُ الغَنِيْ
٩٧٧ - فَفِي الثَّلاَثِيْنَ: أبُوْ نُعَيْمِ ... وَلِثَمَانٍ بَيْهَقِيُّ القَوْم
٩٧٨ - مِنْ بَعْدِ خَمْسِيْنَ وَبَعْدَ خَمْسَةِ ... خَطِيْبُهُمْ والنَّمَرِيْ في سَنَة
الشرح: ذكر أصحاب التصانيف بعد الكتب الخمسة، قال ابن الصلاح:
стр. 445
وهم سبعة أحسنوا التصنيف بعدهم فانتُفِع بها، وهم:
أبو الحسن علي بن عمر الدارقطني البغدادي، توفي بها يوم الأربعاء، لثمان خلون من ذي القعدة، سنة خمس وثمانين وثلاثمائة، فعاش ثمانين سنة.
ثم الحاكم أبو عبد الله صاحب «المستدرك»، توفي سنة خمس وأربعمائة.
ثم أبو محمد عبد الغني بن سعيد المصري، توفي لسبع خلون من صفر، سنة تسع وأربعمائة.
ثم أبو نعيم أحمد الأصبهاني صاحب «الحلية»، توفي بكرة يوم الاثنين، العشرون من المحرم، سنة ثلاث وأربعمائة.
ثم أبو بكر أحمد البيهقي، توفي بنيسابور، عاشر جمادى الأولى، سنة [١٧٤ - ب] ثمان وخمسين وأربعمائة، ونُقِلَ تابوته إلى بيهق سنة أربع وثمانين وثلاثمائة.
ثم الخطيب أبو بكر أحمد البغدادي، توفي بها في ذي الحجة سنة ثلاث وستين وأربعمائة، وقيل غير ذلك.
وقوله: «والنمري» (خ) يعني: أن الحافظ ابن عبد البر توفي في السنة التي توفي بها الخطيب بشاطبة من الأندليس، عن خمس وتسعين سنة.
فقوله: «بيهقي القوم». قلت: البيهقي: نسبةً إلى بَيْهَق بفتح الباء الموحدة، وسكون الياء المثناة تحت، وبعده هاء مفتوحة، فقاف، وهي قُرَى مجتمعة بنواحي نيسابور، على عشرين فرسخاً منها، وكانت قصبتها خسروجرد، فصارت سبزور، انتهى.
стр. 446
وقوله: «والنَّمَري». قلت: بفتح النون، والميم، نسبةً إلى النَّمِر بن قاسط بن هنب بن أفصى بن دُعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة، وإلى النمر بن عثمان بن نضر (١) بن زهران بن كعب بن الحارث بن عبد الله بن مالك بن نضر (٢) بن الأزد، وإلى النمر بن ثعلب بن حلوان بن عمران ... (٣) بن قضاعة، وهذه النسبة من شواذ النسب التي تحفظ ولا يُقاس عليها، ومن ذلك النسبة إلى أُمَية بضم الهمزة: أموي بفتحها. انتهى.
стр. 447
معرفة الثقات والضعفاء
قوله:
٩٧٩ - وَاعْنِ بِعِلْمِ الجَرْحِ وَالتَّعْدِيْلِ ... فَإِنَّهُ المَرْقَاةُ لِلتَّفْضِيْل
٩٨٠ - بَيْنَ الصَّحِيْحِ وَالسَّقِيْمِ وَاحْذَرِ ... مِنْ غَرَضٍ، فَالجَرْحُ أَيُّ خَطَرِ [١٧٥ - أ]
٩٨١ - وَمَعَ ذَا فَالنُّصْحُ حَقٌّ وَلَقَدْ ... أَحْسَنَ يَحْيَى فِي جَوَابِهِ وَسَدْ
٩٨٢ - لأَنْ يَكُونُوا خُصَمَاءَ لِي أَحَبْ ... مِنْ كَوْنِ خَصْمِي المُصْطَفَى إذْ لَمْ أَذُبْ
٩٨٣ - وَرُبَّمَا رُدَّ كَلاَمُ الجَارِحِ ... كَالنَّسَئِي فِي أَحْمَدَ بنِ صَالِح
٩٨٤ - فَرُبَّمَا كَانَ لِجَرْحٍ مَخْرَجُ ... غَطَّى عَلَيْهِ السُّخْطُ حِيْنَ يُحْرَجُ
الشرح: هذا النوع من أَجَلِّ أنواع علوم الحديث، وأهمها، وبه يُعْرَف الصحيح والضعيف، وفيه لِأَئِمَّةِ الحديث تصانيف كثيرة، منها ما أُفرد في الضعفاء، وأفرده البخاري، والنسائي، والعُقَيلي، والساجي، وابن حبان، والدارقطني، والأزدي، وابن عدي، إلا أنه ذكر في كتابه «الكامل» من تُكلم فيه وإن كان ثقة، وتبعه على ذلك الذهبي في «الميزان»، إلا أنه لم يذكر أحداً من الصحابة والأئمة المتبوعين، وفاته جماعة ذَيَّل عليه بذلك ذيلاً في مجلد شيخُنا (ن).
ومنها ما أُفْرِد في الثقات، ولابن حبان، وابن شاهين، وابن أيبك السَّرُوجي
стр. 448
من المتأخرين فيه مصنف.
ومنها ما جُمع فيه بين الثقات والضعفاء، كـ «تاريخ البخاري» و «تاريخ ابن أبي خيثمة» وهو كثير الفوائد، و «الطبقات» لابن سعد، و «الجرح والتعديل» لابن أبي حاتم.
وقوله: «فإنه المرقاة».قلت: المرقاة بفتح الميم، وإسكان الراء المهملة، وبعده قاف، فألف، فهاء تأنيث.
قال الجوهري في «الصِّحاح»: والمرقاة بالفتح الدَّرَجة [١٧٥ - ب]، ومن كَسَرَهَا شَبَّهها بالآلة التي يعمل بها، ومن فتح قال: هذا موضع يُفْعَل فيه فجعله بفتح الميم، مخالفاً، عن يعقوب، انتهى.
وقوله: «واحذَرِ» (خ) يعني: المتصدي إلى ذلك يحذر الغرض في جانب التوثيق والجرح فالمقام خطر، وأحسن القشيري رحمه الله تعالى في قوله: أعراض المسلمين حفرة من حفر النار، وقف على شفيرها طائفتان من الناس المحدثون والحُكَّام.
وقوله: «ومع ذا» (خ) يعني: ومع كون الجرح خطر فَتُطلب النصيحة في الدين، وقيل: إن النخشبي قال لأحمد: لا تغتاب العلماء. فقال له أحمد: ويحك هذا نصيحة، وليس غيبة.
وقد أوجب اللهُ تعالى الكشفَ والتبيينَ عند خبر الفاسق بقوله: ﴿إن جاءكم فاسق ... الآية﴾ وقال النبي ﷺ : «بئس أخو العشيرة» وقال: «إن عبد الله رجلٌ صالح».
стр. 449
وقوله: «ولقد» (خ) يعني: أن يحيى بن سعيد القطان أحسن إذ قال له أبو بكر بن خَلَّاد: أما تخشى أن يكون هؤلاء الذين تركتَ حديثَهم خصماءَك عند الله تعالى يوم القيامة؟ فقال: لأن يكونوا خصمائي، أحب إليَّ من أن يكون خصمي رسول الله ﷺ ، يقول لي: لِمَ لَمْ تَذُب الكذبَ عن حديثي؟
وقوله: «إذ لم أَذُب». قلت: هو بفتح الهمزة، وضم الذال المعجمة، وبعده باء موحدة، مِنْ ذَبَبْتُ عنه إذا منعته ودفعته، ومنه المَذَبّ لما يُذَبُّ به الذباب، انتهى.
وقوله: «وربما رُدَّ» (خ) يعني [١٧٦ - أ]: أن الجارح وإن كان إماماً معتمداً في ذلك فربما أخطأ فيه، كما جَرح النسائي أحمدَ بن صالح المصري بقوله: «غير ثقة ولا مأمون»، وهو ثقةٌ إمامٌ حافظٌ، احتجَّ به البخاريُّ في «صحيحه»، وقال: ثقة، ما رأيت أحداً تكلم فيه بحُجة، وكذا وثقه الرازي، والعجلي، وآخرون.
قال الخليلي: اتفق الحفاظ على أن كلام النسائي فيه تحامُل، ولا يقدح كلام أمثاله فيه.
وبيَّن ابنُ عدي سبب كلام النسائي فيه فقال: سمعت محمد بن هارون البرقي يقول: حضرتُ مجلس أحمد، فطرده من مجلسه، فحمله ذلك على أن يتكلم فيه.
قال في «الميزان»: آذى النسائيُّ نفسه بكلامه فيه.
стр. 450
قال ابن يونس: لم يكن لأحمد عندنا كما قال النسائي، لم يكن له آفة غير الكبر، وتكلم فيه ابن معين فأشار إلى الكبر، فقال: كذاب يتفلسف، رأيته يخطر في جامع مصر في مشيته. فنَسَبَه إلى الفلسفة وأنه يخطر، ولعلَّ ابن معين لا يدري الفلسفة، فإنه ليس من أهلها.
وقوله: «فربما» (خ) هذا جواب عن سؤالُ مُقَدَّر، وهو: أنه إذا نسب مثل النسائي وهو إمام حجة في الجرح والتعديل إلى مثل هذا فكيف يوثق بقوله في ذلك؟ فأجاب ابنُ الصلاح: بأن عين السُّخْط تبدي مساوئ لها في الباطن مخارج صحيحة يعتمي عنها بحجاب السخط، لا أن ذلك يقع من مثله تعمداً لقدحٍ يُعْلَم بُطلانه.
стр. 451
معرفة من اختلط من الثقات
قوله:
٩٨٥ - وَفِي الثِّقَاتِ مَنْ أخِيْراً اخْتَلَطْ ... فَمَا رَوَى فِيْهِ أَوِ ابْهَمَ سَقَطْ [١٧٦ - ب]
٩٨٦ - نَحْوُ عَطَاءٍ وَهُوَ ابْنُ السَّائبِ ... وَكَالْجُرَيْرِي سَعِيْدٍ، وَأَبِي
٩٨٧ - إِسْحَاقَ، ثُمَّ ابْنِ أبِي عَرُوبَةِ ... ثُمَّ الرَّقَاشِيِّ أَبِي قِلاَبة
الشرح: هذا فنٌّ مهم لا يُعْرَف فيه تصنيفٌ مفرد به، وهو جدير بذلك، كذا قال ابن الصلاح، ولأجله أفرده بالتصنيف الشيخ صلاح الدين العلائي في جزء.
قال شيخنا (ن) (١): حدثنا به، ولكنه اختصره ولم يبسط الكلام فيه، ورتبهم على حروف المعجم.
وقوله: «وفي الثقات» (خ) يعني أن الحكم فيمن اخْتَلَط أنه لا يُقبل من حديثه ما حَدَّث به حال الاختلاط، وكذا ما أُبهم أمره وأُشكل فلم يُدرَ حَدَّثه قبل الاختلاط أو بعده، وما حَدَّث به قبله يُقبل.
ويَتميز ذلك باعتبار الراوة عنهم، فمنهم من سمع منهم قبل الاختلاط فقط، ومنهم من سمع بعده فقط، ومنهم من سمع في الحالين ولم يتميز.
стр. 452
فممن اختلط آخر عمره: عطاء بن السائب ولم يفحش خطأه، وسمع منه قبل الاختلاط: شعبة وسفيان الثوري، ويحيى بن سعيد القطان.
وممن اختلط أخيراً: أبو مسعود سعيد بن إياس الجريري، سمع منه قبل [التغير] (١): شعبة، والثوري، وجماعة. وسمع منه بعده: محمد بن أبي عدي، وإسحاق (٢) بن الأزرق، والقطان.
وقوله: «وأبي إسحاق»: ممن اختلط أخيراً (٣): أبو إسحاق السبيعي عمرو بن عبد الله بعد، احتج به الشيخان، لكن لم [١٧٨ - أ] يخرج له من رواية بن عيينة عنه شيئاً إنما أخرج له من طريقة الترمذي والنسائي في «عمل اليوم والليلة».
وأنكر في «الميزان» اختلاطه فقال: شَاخ ونَسي ولم يختلط.
وقوله: «ثم ابن أبي عروبة»، ومنهم: سعيد بن أبي عروبة، واسم أبي عَرُوبة -بفتح العين- مِهْرَان -بكسر الميم-، وسعيد ثقة، احتج به الشيخان إلا أنه اختلط وطالت مدة اختلاطه فوق العشر سنين، فسمع منه قبل اختلاطه ابن المبارك وجماعة وسمع منه فيه (٤) جماعة منهم: أبو نعيم الفضل بن دكين.
وقوله: «ثم الرقاشي» (خ) يعني أن منهم أبو قِلَابة الرقاشي، واسمه عبد الملك، أحد شيوخ ابنِ خُزَيمة.
стр. 453
وقوله:
٩٨٨ - كَذَا حُصَيْنُ السُّلَمِيُّ الكُوْفِيْ ... وعَارِمٌ مُحَمَّدٌ والثَّقَفِي
٩٨٩ - كَذَا ابْنُ هَمَّامٍ بِصَنْعَا إذْ عَمِي ... وَالرَّأيُ فِيْمَا زَعَمُوا والتَّوْأمِي
٩٩٠ - وَابْنُ عُيَيْنَةَ مَعَ المَسْعُودِي ... وَآخِراً حَكَوْهُ فِي الحَفِيْد
٩٩١ - ابنُ خُزَيْمَةَ مَعَ الغِطْرِيْفِي ... مَعَ القَطِيْعِي أَحْمَدَ المَعْرُوْف
الشرح: هذا ما زاده (ن) على ابن الصلاح فيمن اختلط فذكر جماعة منهم: حُصَيْن بن عبد الرحمن السُّلَمي الكوفي، أحد الثقات الأثبات، احتجَّ به الشيخان، وَثَّقَهُ أحمد وغيره.
قلت: وحُصَيْن هذا بضم الحاء، وفتح الصاد المهملتين، وبعده مُثناة تحت ساكنة، فنون.
ومنهم: عارم محمد بن الفضل، أبو النعمان السَّدوسي، أحد الثقات الأثبات، روى عنه [١٧٨ - ب] البخاري في «صحيحه» ومسلم بواسطةٍ.
قال البخاري: تغير آخر عمره فسمع منه قبل اختلاطه: الإمام أحمد وغيره، وبعده: أبو زرعة الرازي، وعمرة.
قلت: «وعارم» بالعين والراء المهملتين مكسورة، وبعده ألف، فميم، لقب عليه انتهى.
ومنهم: عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي، أحد الثقات الذين احتج بهم الشيخان، اختلط آخر عمره.
стр. 454
ومنهم: عبد الرزاق بن همام الصنعاني، احتج به الشيخان.
قال أحمد: أتيناه قبل المائتين وهو صحيح البصر، من سمع منه بعد ما ذهب بصره فهو ضعيف السماع، وكان يلقن بعد ما عمي، وسمع منه قبل اختلاطه: أحمد وغيره، وبعده جماعة منهم: يحيى بن أحمد الظهراني.
ومنهم -فيما زعموا- ربيعة الرأي شيخ مالك، وهو ربيعة بن عبد الرحمن أحد الأئمة الثقات، احتج به الشيخان.
قال شيخنا (ن): ولم أر من ذكره بالاختلاط إلا ابن الصلاح، ولذا قال فيما زعموا.
ومنهم: صالح مولى التؤمة، اختلف في الاحتجاج به. قال الإمام أحمد: أدركه الإمام مالك وقد اختلط وهو كبير، وما أعلم به بأساً من سمع منه قديماً فقد روى عنه أكابر أهل المدينة.
وممن سمع منه بعد الاختلاط: مالك، والسفيانان.
ومنهم: سفيان بن عيينة، أحد الأئمة الثقات، قال القطان: أشهد أنه اختلط سنة سبع وتسعين فمن سمع منه هذه السنة وبعد [١٧٩ - أ] هذا فسماعه لا شيء، كذا حكاه عن القطان عنه الموصلي، يحيى بن عبد الله بن عمار.
قال في «الميزان»: وأنا أستبعده وأعده غلطاً من ابن عمار، فإن القطان مات في صفر سنة ثمان وتسعين وقت قدوم الحاج، ووقت تحدثهم عن أخبار الحجاز، فمتى يمكن القطان من ابن الصلاح، سمع اختلاط سفيان لم يشهد يشهد بذلك والموت قد نزل به، ثم قال: فلعله بلغه ذلك أثناء سنة سبع.
стр. 455
ومنهم: المسعودي عبد الرحمن بن عبد الله بن عيينة بن عبد الله بن مسعود، وثقه ابن سعد إلا أنه اختلط آخر عمره، وسمع منه زمان المهدي فليس سماعه بشيء، ومن سمع منه زمان أبي جعفر المنصور فهو صحيح السماع.
قال شيخنا (ن): توفي المنصور بمكة في ذي الحجة سنة ثمان وخمسين فكانت مدة اختلاطه كما نص أبو حاتم قبل موته بسنة أو سنتين، فإن المسعودي مات سنة ستين ومائة ببغداد، ونص ابن حبان على أنه اختلط حديثه فلم يتميز، فاستحق الترك.
قال (ن): فميز الأئمة عن جماعة ممن سمع منه في الصحة أو الاختلاط فممن سمع منه قديماً قبله وكيعٌ وأبو نعيم الفضل بن دكين، فيما نصه الإمام أحمد، وممن سمع منه أخيراً بعد الاختلاط: أبو النضر هاشم، وعاصم بن علي فيما نصه الإمام أحمد أيضاً، وقيل: إن الطيالسي سمع منه بعد [١٧٩ - ب] ما تغير.
وقوله: «وآخِراً» (خ) يعني: أن من اختلط من المتأخرين جماعة، منهم أبو الطاهر محمد بن الفضل بن خُزَيمة حفيد الحافظ أبي بكر بن خزيمة، وكذلك أبو أحمد محمد بن أحمد بن الحسين الغِطْرِيفي.
وكذلك الجرجاني أبو بكر أحمد بن جعفر بن حمدان القطيعي (١) الذي روى «مسند الإمام أحمد» و «الزُّهْد» له.
قلت: والغِطْريفي بكسر الغين المعجمة، وإسكان الطاء المهملة، وكسر
стр. 456
الراء، وبعده مثناة تحت ساكنة، ففاء، نسبةً إلى الغِطْرِيف، وهو جَدُّ المنتسِب إليه، واشتهر بهذه النسبة جماعة، منهم أبو أحمد هذا وكان إماماً فاضلاً يكتب (١) المسند الصحيح على كتاب البخاري، وروى عنه جماعة منهم القاضي أبو الطيب الطبري، وهو آخر من حَدَّثَ عنه، وروى عنه أبو بكر الإسماعيلي فقال مرة: حدثنا محمد بن أبي حامد النيسابوري، ومرة محمد بن أحمد العَبْقَسي، ومرة محمد بن أحمد الوردي، وانفرد الغطريفي هذا عن ابن سريج الشافعي بأحاديث لم يروها عنه غيره، وتوفي بجرجان في رجب سنة سبع وسبعين وثلاثمائة.
والقَطيعي: بفتح القاف، وكسر الطاء المهملة، وبعده ياء مثناة تحت ساكنة، فعين مهملة، نسبةً إلى القَطيعة، وهو اسم لعدة محالٍ ببغداد، منها قطيعة الربيع مولى المنصور نسب إليه لأن المنصور أقطعه هذا الموضع، ومن هذه جماعة منهم أبو بكر هذا يروي عن إسحاق [١٨٠ - أ] وإبراهيم الحربيين، وعبد الله بن الإمام أحمد، وروى عنه الحاكم أبو عبد الله، وأبو نعيم الحافظ، وكان مُكثراً، مات في ذي الحجة سنة ثمان وستين وثلاثمائة، رحمه الله تعالى.
قال شيخنا (ن) (٢): واعلم أن ما كان من هذا القبيل صحيحاً بروايته في الصحيحين أو أحدهما، فإنا نعرف جملةً أنَّ ذلك مما تَمَيَّز، وكان مأخوذاً عنه قبل الاختلاط. انتهى.
стр. 457
طبقات الرواة
قوله:
٩٩٢ - وَلِلرُّوَاةِ طَبَقَاتٌ تُعْرَفُ ... بِالسِّنِّ وَالأَخْذِ، وَكَمْ مُصَنِّفُ
٩٩٣ - يَغْلَطُ فِيْهَا، وَابْنُ سَعْدٍ صَنَّفَا ... فِيْهَا وَلَكِنْ كَمْ رَوَى عَنْ ضُعَفَا
الشرح: من المهمات معرفة طبقات الرواة، فإنه ربما يَتَّفِق اسمان لفظاً فَيُظَن أن أحدهما الآخَر فيتميز ذلك بمعرفة طبقتهما إن كانا من طَبَقَتَين، فإن كانا من طبقة واحدة فربما يُشكل الأمر، وربما يعرف بمن فوقه أو دونه من الرواة، فربما كان أحد المتفقين في الاسم لا يروي عن من روى عنه الآخر، فإن اشتركا في الراوي الأعلى وفيمن روى عنهما فيشتد الإشكال، فيميزه من لديه حفظ ومعرفة.
ويعرف كون الراويين أو الرواة من طبقة واحدة بتقاربهم في السن، وفي الشيوخ الآخذين عنهم، إما بكون شيوخ هذا [هم شيوم هذا] (١)، أو (٢) تقارب شيوخ هذا من شيوخ هذا في الأخذ، كما نَصَّ عليه في رواية الأقران [١٨٠ - ب]، فإنَّ مدلول الطبقة لغةً: القوم المتشابهون، واصطلاحاً: التشابه في الأنساب والإسناد، وربما اكتفوا بالمتشابه في الإسناد.
стр. 458
وقوله: «وكم مُصَنِّف» (خ) يعني أنه غلط غير واحد من المصنفين بمعرفة الطبقات، فربما زاد راوياً آخر غيره.
وقوله: «وابن سعد» (خ) يعني أنه أفرد الطبقات بالتصنيف جماعة منهم: محمد بن سعد في «الطبقات الكبرى»، وله في ذلك ثلاث تصانيف، وكتابه الكبير جليل كثير الفائدة، وابن سعد وثقه (١) جماعة، إلا أنه يكثر الرواية في الكتاب عن الضعفاء كمحمد بن عمر بن واقد الأسلمي الواقدي، ويقتصر كثيراً على اسمه واسم أبيه من غير نسب، وكهاشم بن محمد بن السائب الكلبي، وغيرهما.
стр. 459
الموالي من العلماء والرواة
قوله:
٩٩٤ - وَرُبَّمَا إلَى القَبِيْلِ يُنْسَبُ ... مَوْلَى عَتَاقَةٍ وَهَذَا الأغْلَبُ
٩٩٥ - أَوْ لِوَلاَءِ الحِلْفِ كَالتَّيْمِيِّ ... مَالِكٍ اوْ لِلدِّيْنِ كَالْجُعْفِيّ
٩٩٦ - وَرُبَّمَا يُنْسَبُ مَوْلَى المَوْلَى ... نَحْوُ سَعِيْدِ بنِ يَسَارٍ أَصْلاَ
الشرح: من المهمات عرفان الموالي من العلماء والرواة، وأهمّ ذلك أن يُنْسَب إلى القبيلة مولى لهم مع إطلاق النسب، فربما ظن أنه منهم صَليبَةً بحُكم ظاهر الإطلاق، وربما وقع من ذلك خلل في الأحكام الشرعية في الأمور المشترط فيها النَّسَب كالإمامة العظمى [١٨١ - أ]، والكفاءة في النكاح، ونحو ذلك.
وقد أفرد الموالي بالتصنيف الكندي أبو عُمر، ولكن بالنسبة إلى المصريين لا مطلقاً.
فالموالي المنسوبون إلى القبائل منهم من يكون المراد به إلى العتاقة، وهذا هو الأغلب كأبي البَخْتري الطائي، والليث بن سعد الفهمي، وعبد الله بن المبارك الحنظلي، وعبد الله بن صالح الجهني كاتب الليث.
ومنهم من يكون المراد به ولاء الحِلف، كالإمام مالك فهو أصبحيٌّ صلبية، وقيل له التيمي لأن نفره أصبح موالي لتيم قريش بالحلف، أو لأن جده مالك
стр. 460
بن أبي عامر كان أجيراً لطلحة بن عبيد الله التيمي، وطلحة مختلف بالتجارة.
ومنهم من أريد به ولاء الإسلام، كالبخاري، فقيل له الجُعفي لأن جده كان مجوسياً فأسلم على يد اليمان بن أخنس الجعفي.
وقوله: «وربما» (خ) يعني أنه ربما نُسِبَ إلى القبيلة مولى مولاها كأبي الحباب سعيد بن يسار، قيل له الهاشمي لأنه مولى شُقْرَان مولى رسول الله ﷺ ، وقيل إنه مولى ميمونة زوج النبي ﷺ .
ومن ذلك عبد الله بن وهب القرشي الفهري المصري، فإنه مولى يزيد بن رمانة، وابن رمانة مولى يزيد بن أنس الفهري.