← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 96878

مفتاح السعيدية في شرح الألفية الحديثية

ابن عمار المالكي

Полный текст (471 стр.). Показаны 456–471 · переход к 461.

стр. 456

الراء، وبعده مثناة تحت ساكنة، ففاء، نسبةً إلى الغِطْرِيف، وهو جَدُّ المنتسِب إليه، واشتهر بهذه النسبة جماعة، منهم أبو أحمد هذا وكان إماماً فاضلاً يكتب (١) المسند الصحيح على كتاب البخاري، وروى عنه جماعة منهم القاضي أبو الطيب الطبري، وهو آخر من حَدَّثَ عنه، وروى عنه أبو بكر الإسماعيلي فقال مرة: حدثنا محمد بن أبي حامد النيسابوري، ومرة محمد بن أحمد العَبْقَسي، ومرة محمد بن أحمد الوردي، وانفرد الغطريفي هذا عن ابن سريج الشافعي بأحاديث لم يروها عنه غيره، وتوفي بجرجان في رجب سنة سبع وسبعين وثلاثمائة. والقَطيعي: بفتح القاف، وكسر الطاء المهملة، وبعده ياء مثناة تحت ساكنة، فعين مهملة، نسبةً إلى القَطيعة، وهو اسم لعدة محالٍ ببغداد، منها قطيعة الربيع مولى المنصور نسب إليه لأن المنصور أقطعه هذا الموضع، ومن هذه جماعة منهم أبو بكر هذا يروي عن إسحاق [١٨٠ - أ] وإبراهيم الحربيين، وعبد الله بن الإمام أحمد، وروى عنه الحاكم أبو عبد الله، وأبو نعيم الحافظ، وكان مُكثراً، مات في ذي الحجة سنة ثمان وستين وثلاثمائة، رحمه الله تعالى. قال شيخنا (ن) (٢): واعلم أن ما كان من هذا القبيل صحيحاً بروايته في الصحيحين أو أحدهما، فإنا نعرف جملةً أنَّ ذلك مما تَمَيَّز، وكان مأخوذاً عنه قبل الاختلاط. انتهى.

стр. 457

طبقات الرواة قوله: ٩٩٢ - وَلِلرُّوَاةِ طَبَقَاتٌ تُعْرَفُ ... بِالسِّنِّ وَالأَخْذِ، وَكَمْ مُصَنِّفُ ٩٩٣ - يَغْلَطُ فِيْهَا، وَابْنُ سَعْدٍ صَنَّفَا ... فِيْهَا وَلَكِنْ كَمْ رَوَى عَنْ ضُعَفَا الشرح: من المهمات معرفة طبقات الرواة، فإنه ربما يَتَّفِق اسمان لفظاً فَيُظَن أن أحدهما الآخَر فيتميز ذلك بمعرفة طبقتهما إن كانا من طَبَقَتَين، فإن كانا من طبقة واحدة فربما يُشكل الأمر، وربما يعرف بمن فوقه أو دونه من الرواة، فربما كان أحد المتفقين في الاسم لا يروي عن من روى عنه الآخر، فإن اشتركا في الراوي الأعلى وفيمن روى عنهما فيشتد الإشكال، فيميزه من لديه حفظ ومعرفة. ويعرف كون الراويين أو الرواة من طبقة واحدة بتقاربهم في السن، وفي الشيوخ الآخذين عنهم، إما بكون شيوخ هذا [هم شيوم هذا] (١)، أو (٢) تقارب شيوخ هذا من شيوخ هذا في الأخذ، كما نَصَّ عليه في رواية الأقران [١٨٠ - ب]، فإنَّ مدلول الطبقة لغةً: القوم المتشابهون، واصطلاحاً: التشابه في الأنساب والإسناد، وربما اكتفوا بالمتشابه في الإسناد.

стр. 458

وقوله: «وكم مُصَنِّف» (خ) يعني أنه غلط غير واحد من المصنفين بمعرفة الطبقات، فربما زاد راوياً آخر غيره. وقوله: «وابن سعد» (خ) يعني أنه أفرد الطبقات بالتصنيف جماعة منهم: محمد بن سعد في «الطبقات الكبرى»، وله في ذلك ثلاث تصانيف، وكتابه الكبير جليل كثير الفائدة، وابن سعد وثقه (١) جماعة، إلا أنه يكثر الرواية في الكتاب عن الضعفاء كمحمد بن عمر بن واقد الأسلمي الواقدي، ويقتصر كثيراً على اسمه واسم أبيه من غير نسب، وكهاشم بن محمد بن السائب الكلبي، وغيرهما.

стр. 459

الموالي من العلماء والرواة قوله: ٩٩٤ - وَرُبَّمَا إلَى القَبِيْلِ يُنْسَبُ ... مَوْلَى عَتَاقَةٍ وَهَذَا الأغْلَبُ ٩٩٥ - أَوْ لِوَلاَءِ الحِلْفِ كَالتَّيْمِيِّ ... مَالِكٍ اوْ لِلدِّيْنِ كَالْجُعْفِيّ ٩٩٦ - وَرُبَّمَا يُنْسَبُ مَوْلَى المَوْلَى ... نَحْوُ سَعِيْدِ بنِ يَسَارٍ أَصْلاَ الشرح: من المهمات عرفان الموالي من العلماء والرواة، وأهمّ ذلك أن يُنْسَب إلى القبيلة مولى لهم مع إطلاق النسب، فربما ظن أنه منهم صَليبَةً بحُكم ظاهر الإطلاق، وربما وقع من ذلك خلل في الأحكام الشرعية في الأمور المشترط فيها النَّسَب كالإمامة العظمى [١٨١ - أ]، والكفاءة في النكاح، ونحو ذلك. وقد أفرد الموالي بالتصنيف الكندي أبو عُمر، ولكن بالنسبة إلى المصريين لا مطلقاً. فالموالي المنسوبون إلى القبائل منهم من يكون المراد به إلى العتاقة، وهذا هو الأغلب كأبي البَخْتري الطائي، والليث بن سعد الفهمي، وعبد الله بن المبارك الحنظلي، وعبد الله بن صالح الجهني كاتب الليث. ومنهم من يكون المراد به ولاء الحِلف، كالإمام مالك فهو أصبحيٌّ صلبية، وقيل له التيمي لأن نفره أصبح موالي لتيم قريش بالحلف، أو لأن جده مالك

стр. 460

بن أبي عامر كان أجيراً لطلحة بن عبيد الله التيمي، وطلحة مختلف بالتجارة. ومنهم من أريد به ولاء الإسلام، كالبخاري، فقيل له الجُعفي لأن جده كان مجوسياً فأسلم على يد اليمان بن أخنس الجعفي. وقوله: «وربما» (خ) يعني أنه ربما نُسِبَ إلى القبيلة مولى مولاها كأبي الحباب سعيد بن يسار، قيل له الهاشمي لأنه مولى شُقْرَان مولى رسول الله ﷺ ، وقيل إنه مولى ميمونة زوج النبي ﷺ . ومن ذلك عبد الله بن وهب القرشي الفهري المصري، فإنه مولى يزيد بن رمانة، وابن رمانة مولى يزيد بن أنس الفهري.

стр. 461

أوطان الرواة وبلدانهم قوله: ٩٩٧ - وَضَاعَتِ الأَنْسَابُ في البُلْدَانِ ... فَنُسِبَ الأَكْثَرُ لِلأَوْطَانِ [١٨١ - ب] ٩٩٨ - وَإنْ يَكُنْ في بَلْدَتَيْنِ سَكَنَا ... فَابْدَأْ بِالاوْلَى وَبِثُمَّ حَسُنَا ٩٩٩ - وَإنْ يَكُنْ مِنْ قَرْيَةٍ مِنْ بَلْدَةِ ... يُنْسَبْ لِكُلٍّ وَإلَى النَّاحِيَة الشرح: من المحتاج إليه في هذا الفن العرفان بأوطان الرواة وبلدانهم، فإنه ربما مَيَّزَ بين الاسمين المتفقين لفظاً، فَيُنْظَر في شيخه وتلميذه الذي روى عنه، فربما كانا أو أحدهما من بلد أحد المتفقين في الاسم، فيغلب على الظن أن بلديهما هو المذكور في السند، لا سيما إذا لم يُعرف له سماع بغير بلده. وربما يُستدل بذكر وطن الشيخ، أو ذكر مكان السماع، على الإرسال بين الروايتين إذا لم يُعرف لهما اجتماع، عند من لا يَكْتفي بالمعاصرة. قال شيخنا (ن) (١): وسمعت شيخنا الحافظ أبا محمد عبد الله بن محمد بن أبي القرشي يقول غير مَرَّة: كنت أسمعُ بقراءة الحافظ أبي الحجَّاج المزي من كتاب عمل اليوم والليلة للحسن بن علي بن شبيب المعمري، فَمَرَّ حديث من

стр. 462

رواية يونس بن محمد المؤدب (١)، عن الليث بن سعد، فقلت للمزي: في (٢) أين سمع يونس من الليث؟ (٣) فقال: لعله سمع منه في الحج، ثم استمر في القراءة، ثم قال: لا الليث ذهب في الرُّسَيْلة إلى بغداد فسمع هناك، انتهى. وإنما حدث للعرب الانتساب إلى البلاد والأوطان لما غلب عليها سُكنى القري والمدن، وضاع كثير من أنسابها، فلم يبق لها غير الانتساب إلى البلدان [١٨٢ - أ]، وكانت العرب تُنْسَب قبل ذلك إلى القبائل. فَمَن سَكَن في بلدتين وأراد الانتساب إليهما، فليبدأ بالتي سكنها أولاً، ثم الثانية التي انتقل إليها، ويحسن أن يأتي بلفظ «ثُم» في النسب إلى البلدة الثانية، فيقول: مثلاً المصري [ثم] (٤) الدمشقي. وقوله: «ومن يكن» (٥) (خ) يعني من كان من أهل قرية من قرى بلدةٍ، فجائز أن يُنسب إلى القرية، وإلى البلدة أيضاً، وإلى الناحية التي منها تلك البلدة، فمن هو من أهل دارياً مثلاً، نقول له في نَسَبه: الدَّاري، والدمشقي، والشامي، فإن أراد الجمع بينهما فليبدأ بالأعم فيقول الشامي، الدِّمَشقي، الداري.

стр. 463

وقوله: ١٠٠٠ - وَكَمَلَتْ بِطِيْبَةَ المَيْمُوْنَهْ ... فَبَرَزَتْ مِنْ خِدْرِهَا مَصُوْنَهْ ١٠٠١ - فَرَبُّنَا المَحْمُودُ وَالمَشْكُوْرُ ... إِلَيْهِ مِنَّا تَرْجِعُ الأُمُوْرُ ١٠٠٢ - وَأَفْضَلُ الصَّلاَةِ وَالسَّلاَمِ ... عَلَى النَّبِيِّ سَيِّدِ الأَنَام الشرح: أشار إلى أن هذه الأرجوزة تمت بطَيْبَة مدينة رسول الله ﷺ ، وبها برزت إلى الخارج. وقوله: «كَمَلت»، يقال: بفتح الميم في الأفصح، وبكسرها وضمها، وهذا مما جاء فيه، «فَعَل» بفتح العين، وكسرها، وضمها باتفاق المعنى. وقوله: «بطَيْبة» هو بفتح الطاء، وإسكان الياء المثناة تحت، وبعده باء موحدة، فهاء تأنيث، اسم من أسماء المدينة، وتُسَمَّى طَابَة بطاء، فألف، فباء موحدة، فهاء تأنيث، [١٨٢ - ب] لقوله ﷺ : «إن الله تعالى سمَّى المدينة طَابَة» (١)، وسمَّاها النبي ﷺ طَيْبَة من الطِّيب الذي هو الرائحة الحسنة، والطَّاب والطيب لغتان. قال النووي في «شرح مسلم» (٢): وقيل من الطَّيِّب بفتح الطاء وتشديد الياء وهو الطاهر لخلوصها من الشرك، وطهارتها، وقيل: من طيب [العيش] (٣) بها، انتهى.

стр. 464

وللمدينة أسماء كثيرة استوفاها ابن المنجم في «أخبار النواحي» له، اقتصر البكري منها في كتابه «معجم البلاد» على أربعة عشر اسماً ذكرتها مستوفاة في كتابي «غاية الإلهام شرحي لعمدة الأحكام» نفع الله تعالى به، وأعلاها: طابة وطيبة كما تلفظ المؤلف لحسن لفظهما، وكان النبي ﷺ يحب الاسم الحسن، ويكره الاسم القبيح، وفي بعض الأحاديث أن النبي ﷺ كان يكتب لعماله: «إذا أبردتم لي بريداً فأبردوه حسن الوجه حسن الاسم» (١)، ويستحب لمن لجأ إلى الله تعالى متوسلاً إليه بالصادق الحبيب الأمين في قصة نثرية أو نظمية (٢) يرسلها إلى الموضع الشريف الذي ضَمَّ أعضاءه الشريفة (٣) ﷺ أن يلقبه بطيبة، تفاؤلاً بخلوصه مما وقع فيه وبحصول مطلبه ومراده، كما أنشدني بلفظه بالثغر المحروس الإسكندرية عام واحد وتسعين وسبعمائة شيخنا الرحلة والمعمر بهاء الدين [١٨٣ - أ] عبد الله المخزومي الدماميني من قصيدة يمدح فيها رسول الله ﷺ ويشكو له من ظَلَمَه مطلعها: فؤاد لأطلال المحصَّب شائقٌ ... ونفس لها منه شهيد وسائق إلى أن قال: أقمت به جذلان ستون حجةً ... وعشرون عاماً بالشكاية ناطقُ ...

стр. 465

ذ ... ذ فلم أر إلاَّ محسناً متصدقاً ... يصدقني في مقولي ويصادقُ صحتُ بشيخ دونهم فاستشرته ... وقلت بأن الشيخ بالرأي صادقُ وصرَّحت بالشكوى وقلت له أشِرْه ... عليَّ فقد ضاقت على الطرائق فأخبرني أن الشفاء بطيبةٍ ... وسيف رسول الله للبغي ماحقُ فقمتُ مُجداً وامتطيتُ بشمله ... تخدُ وخلفي فتية وأيانقُ إلى أن بدا من جانب القبر شارق ... تبلج منه أفقه والشوارق مرغت به شيبي وعفرتُ وجنتي ... فقيراً لأبواب النبوة طارقُ قرعت بذلي بابه قرع حاجةٍ ... أطوف وأشكو ظالمي وأحاققُ وأبديت بالأبواب ما أنا كاتمٌ ... ولا ....... (١) فيها ولا الباب غالقُ وقمت بجاه القبر يسمعني الذي ... له نسب في ذروة المجد شاهق وقلت أغثني يا أماني فإنني ... بنصرك قلبي في البرية واثقُ وقد ذهب الأعداء إلَّا بما له ... وباطلها في جنب حقك زاهقُ [١٨٣ - ب] جعلتك قصدي والمهيمن حاكمٌ ... وأنت شفيع الخلق والله رازقُ وقلت لخصمي إذ تجردت شاكياً ... تأنَّى فقد حقت لدينا الحقائقُ تأنَّى فهذا منزلٌ منزلٌ فيه حاكمٌ ... عن الله عن جبريل بالحق ناطقُ شكوت ولا شك بانك ناصرٌ ... ولا شك بين الناس أني صادقُ ومن يك بالباب المعظم لائذٌ ... يدور عليه من حلاه المناطق إلى أن قال:

стр. 466

أتيت رسول الله خاتم رسله ... لواؤك في الدارين فوقك خافقُ لك البدر في أفق السماء مشققٌ ... يشاهده جمهوره والخلائقُ لك الشمس من غيبوبة رجعت كما ... لفقدك حن الجدع والجذع شائقُ لك انقادت الأشجار لما دعوتها ... تُخَدُّ عُذُوقاً لم تعقها العوائق بكفك روَّيت الجيوش من الظمأ ... وصمُّ الحصا في الذكر بالكف ناطقُ وألفاً بصاعٍ من شعيرة اكتفوا ... وأنت به في حالة الري باصق وفي بيتك الأملاك تنزل خدمةً ... ودون مقامات الحبيب السرادقُ لك ألقاب نزل والتقرب منزلٌ ... لدى نظرٍ دون البرية صادق ... ذذ بعينيك قد شاهدت ربك جهرةً ... حكاه ابن عباس حديثٌ مطابق تباشرت الآفاق إذ قمت منذرٌ (١) الأعظم في الشكوى وحصول المراد تبركاً بذكره [١٨٤ - أ] الشريف، واستغاثةً به ﷺ أن الله تعالى يبلغني مقصودي ومرادي ويغفر لي ويميتني بطيبة المشرفة. وحامل الهوى تعب ... يستفزه الطرب. وقوله: «الميمونة» يعني: المباركة؛ لقوله ﷺ : «اللهم بارك لهم في مكيالهم وبارك لهم في صاعهم، وبارك لهم في مُدِّهم» (٢) فقيل: المراد بالبركة الدينية فيما يتعلق بهذه المقادير من حقوق الله تعالى في الزكوات

стр. 467

والكفارات، وقيل الدنيوية من تكثير الكيل والقدر بهذه الأكيال حتى يكفي منه ما لا يكي من غيره في غير المدينة، والذي يظهر لي والله تعالى أعلم، والشاهد به قائمٌ معايَن: عموم البركة دنيا وأخرى، وفي القدر في الأكيال، وفي التصرف بها في التجارات وأرباحها، وفي كثرة ما يكال بها من غلاتها وثمارها، وفيما يُكَال بها لإشباع عيشهم وكثرته بعد ضيقه، لما فتح الله عليهم ووسع عليهم من فضله لهم، ومَلَّكَهم من بلاد الخصب والريف بالشام والعراق ومصر وغيرها، حتى كَثُرَ الحملُ إليها، واتَّسَعَ عيشهم، حتى صارت هذه البركة في الكَيْل نفسه، فزاد مُدُّهم. ومن تأمل ما يحمله الحجيج خصوصاً زمن الموسم من اليمن إلى جميع أقطار البلاد شرقيها وغربيها بحيث يفوق [١٨٤ - ب] غلات الأمصار، وما يفضل لهم عن ذلك مما يقوم بهم إلى زمن التَمْرِ يجد مصداق ذلك، وكل ذلك من ظهور إجابة دعوته ﷺ وقبولها. وقوله: «فبرزت» أي: خَرَجت. وقوله: «من خِدْرِها» هو بكسر الخاء المعجمة، وإسكان الدال المهملة، وبعدها واو مهملة. قال في «الصحاح»: الخِدْرِ: السِّتْر، وجارية مخدرة: إذا لزمت الخدر، انتهى. وقوله: «مَصُونة» هو بفتح الميم، وضم الصاد المهملة، وإسكان الواو، وبعده نون، فهاء تأنيث، ولعله -والميمونة- من أسماء المدينة، وكانت مصونة

стр. 468

لأن الله تعالى صانها ممن يريد بها سوءاً لقوله ﷺ : «ولا يريد أحد أهل المدينة بسوءٍ إلا أذابه الله تعالى في النار ذوب الرصاص أو ذوب الملح في الماء» (١). وقد شوهد من أرادها بسوءٍ أَنَّ الله لا يُمْهِلُه، ولا يمكِّن له سلطاناً، بل قد يذهبه عن قريب، كما انقضى من حاربها أيام بني أمية كمَسْلَمة بن عقبة، فإنه هلك في منصرفه عنها، ثم هلاك يزيد بن معاوية الذي أرسله بأثر ذلك، وغيرهما ممن صنع صنيعهما. وكفى بذلك ما نصه محمد بن إسحاق عن تُبَّع الآخر وهو أسعد بن كرب حين أقبل من المشرق مَرَّ على المدينة ولم يهج أهلها وخلف عندهم ابناً له فَقُتِلَ غيلةً، فجاء مجمعاً بخرابها واستئصال [١٨٥ - أ] أهلها، فأجمع هذا الحي من الأنصار على قتاله، ورئيسهم عمرو بن الطلة أخو بني النجار، وكان رجل من بني النجار قد قَتَلَ قبل ذلك رجلاً من صحابة تبع، وجده يخدُّ عرقاً له، فزعم الأنصار أنهم كانوا يقاتلونه بالنهار ويقرونه بالليل فيعجبه ذلك ويقول: إن قومنا هؤلاء لكرام، إذ جاءه حبران من أحبار يهود بني قريظة مِن أعلم أهل زمانهما فقالا: أيها الملك لا تقاتلهم، فإنا لا نأمن عليك العقوبة، فإنها مهاجر نبي يخرج من هذا الحي من قريش في آخر الزمان هي داره وقراره، فكف عنهم ثم دعواه إلى دينهما فاتبعهما، وقال:

стр. 469

ولقد هبطنا يثرباً وصدورنا ... تغلي بلابلها بقتل محصد فعفوت عنهم عفو غير مترب ... وتركتهم لعقاب يوم سرمد نفراً يكون النصر في أعقابهم ... أرجو بذاك ثواب رب محمد (١) ورجع إلى اليمن، انتهى. لا جرم أنَّ رسول الله ﷺ رَغَّبَ في سكناها وقال: «لا يدعها أحدٌ رغبة عنها إلا أبدله الله فيها من هو خير منه» (٢) وهذا عامٌّ في حياته وبعده ﷺ على الأصح فيما صرح به النووي في «شرح مسلم» تبعاً لعياض. ولما قدم المهدي بعث إلى مالك بألفي دينار [١٨٥ - ب] أو بثلاثة آلاف دينار، ثم أتاه الربيع بعد ذلك فقال له: إن أمير المؤمنين يحب أن تعادله إلى مدينة السلام، فقال له مالك، قال رسول الله ﷺ : «والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون» (٣) والمال عندي على حاله. وقوله: «فربنا» (خ). قلت: فَصَدقَ لا يحمد إلا الله، ولا يُشكر إلا الله، وهذا بعين الحقيقة، وأما بعين المجاز فشكر المنعم واجب لحديث: «لا يشكر الله

стр. 470

من لا يشكر الناس» (١) وفي الحديث: «إذا جمع الله الخلائق يوم القيامة قال لعبد: هل شكرت فلاناً؟ فيقول يا رب علمت أنك المنعم فشكرتك، فيقول الله تعالى: لم تشكرني إذ لم تشكر من أجريت ذلك على يديه، من لم يحمد من استحق الحمد فقد عَيَّ وحسد، ومن حمد من لم يستحق الحمد فقد ملق» وفي الحديث: «الثناء من غير استحقاق ملق، والتقصير عن الاستحقاق عيٌّ وحسد». وقوله: «إليه منا ترجع الأمور». قلت: أشار بذلك أن مرجعنا وأعمالنا إلى الله حسب ما نطق بذلك السماع القرآني، والسماع السني، والشاهد المعاين من خلق السماوات وما فيهن، والأرضين وما فيهن، يؤيد ذلك، لا يعاند ذلك إلا شقي مسلوب من العقل والعاقلة، والله يعيذنا وذريتنا من ذلك إنه على كل شيء قدير [١٨٦ - أ]، وبالإجابة جدير، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم، كل ما ذكره الذاكرون، وغفل عن ذكره الغافلون. [وهذا آخر ما لخصناه بحمد الله تعالى وفضله وحوله وقوته من شرح شيخنا الناظم لهذه الأرجوزة المباركة النافعة وأسأل الله العظيم أن ينفع بذلك، وما ألفته، وما ألفه ولدي، والمسلمين، أنصفوا أو لم ينصفوا. وحسبنا الله ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. نجزت بحمد الله تعالى وعونه وعز توفيقه على يد فقير رحمة الله

стр. 471

محمد بن عبد الواحد بن عبد الله بن محمد الدالاصي الأنصاري المالكي غفر الله تعالى له ولوالديه ولمن دعا له بالرحمة والمغفرة ولجميع المسلمين والحمد لله وحده. وذلك في تاسع شهر ذي الحجة الحرام من شهور سنة أربع وثلاثين [ ..... ] من الهجرة النبوية ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم] [١٨٦ - ب]