الصنف الثالث: وهم الأصدقاء:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﵌: «الرَّجُلُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ» (١).
وقال بعض السلف: «استكثروا من الإخوان فإن لكل مؤمن شفاعة» (٢).
شروط الصحبة
فإذا طلبت رفيقاً ليكون شريكاً في التعلم وصاحبك في أمر دينك ودنياك. فراع فيه خمس خصال:
١ - العقل:
فلا خير في صحبة الأحمق، فإلى الوحشة والقطيعة يرجع آخرها، وأحسن أحواله أن يضرك وهو يريد أن ينفعك، والعدو العاقل خير من
стр. 212
الصديق الأحمق.
٢ - حسن الخلق:
فلا تصحب من ساء خلقه، وهو الذي يملك نفسه عند الغضب والشهوة.
٣ - الصلاح:
فلا تصحب فاسقاً مُصِّراً على معصيته، لأن من يخاف الله لا يصر على معصية.
قال الله تعالى: (وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً) (الكهف:٢٨)
فاحذر صحبة الفاسق، فإن مشاهدة الفسق والمعصية على الدوام تزيل عن قلبك كراهية المعصية، ويهون عليك أمرها.
٤ - لا تصحب حريصاً:
فصحبة الحريص على الدنيا سمّ قاتل، لأن الطباع مجبولة على التشبه والإقتداء، بل الطبع يسرق من الطبع من حيث لا يدري، فمجالسة الحريص
стр. 213
تزيد في حرصك ومجالسة الزاهد تزيد في زهدك.
٥ - الصدق:
فلا تصحب كذاباً، فإنك منه على غرور، فإنه مثل السراب يقرب منك البعيد ويبعد عنك القريب) (١).
عند عدم اجتماع هذه الخصال فعليك بأحد أمرين:
ولعلك تعدم اجتماع هذه الخصال في سكان المدارس والمساجد، فعليك بأحد أمرين:
إما العزلة والانفراد؛ ففيها سلامتك ..
وإما أن تكون مخالطتك مع شركائك بقدر خصالهم، بأن تعلم أن الأخوة ثلاثة:
١ - أخ لآخرين فلا تراع فيه إلا الدين.
٢ - وأخ لدنياك فلا تراع فيه إلا الخلق الحسن.
٣ - وأخ لتأنس به فلا تراع فيه إلا السلامة من شره وفتنته وخبثه.
стр. 214
والناس ثلاثة:
أحدهم: مثله مثل الغذاء لا يستغنى عنه.
والآخر: مثله مثل الدواء يحتاج إليه في وقت دون وقت.
والثالث: مثله مثل الداء لا يحتاج إليه قط، ولكن العبد قد يتسلى به، وهو الذي لا أنس فيه ولا نفع؛ فتجب مداراته إلى الخلاص منه.
وفي مشاهدته فائدة عظيمة إن وفقت لها، وهو أن تشاهد من خبائث أحواله وأفعاله ما تستقبحه فتجتنبه؛ فالسعيد من وعظ بغيره، والمؤمن مرآة المؤمن.
стр. 215
حقوق الصحبة
إن حقوق الصحبة كثيرة، ولكن نذكر لك من الحقوق التي لابد منها:
... وقد ذكرها الإمام عبد الوهاب الشعراني - رحمه الله تعالى - في أكثر من ستين نوعاً في كتابه المختار (١) وما هنا مأخوذ منها مع بعض تصرف.
١ - من حقوق الأخ على الأخ: أن يتعامى عن عيوبه:
فقد قال العلماء: «من نظر إلى عيوب الناس قل نفعه وخرب قلبه».
وقالوا: «إذا رأيتم الرجل موكلاً بعيوب الناس، خبيراً بها، فاعلموا أنه قد مُكر به».
وقالوا أيضاً: «ما رأينا شيئاً أحبط للإعمال، ولا أفسد للقلوب، ولا أسرع لهلاك العبد، ولا أقرب
стр. 216
من المقت، ولا ألزم بمحبة الرياء، والعجب، والرياسة، من قلة معرفة العبد عيوب نفسه، ونظره في عيوب الناس».
٢ - ومن حق الأخ على الأخ: أن يحمل ما يراه منه على وجه التأويل جميل ما أمكن ، فإن لم يجد تأويلاً رجع على نفسه باللوم.
ومن كلام سيدنا سعيد بن المسيب (١) -رحمه الله تعالى-: «ما من شريف ولا ذي فضل إلا وفيه نقص، ولكن من كان فضله أكثر من نقصه وهب نفسه لفضله».
٣ - ومن حق الأخ على الأخ: أن يرجو له من الخيرات والمسامحة وقبول التوبة كما يرجو لنفسه.
٤ - ومن حق الأخ على الأخ: ألا ينظر إلى زلة
стр. 217
سبقت، ولا يكشف عورة سترت.
قال بعض العلماء: «كل من لم يستر على إخوانه ما يراه منهم من الهفوات فقد فتح على نفسه باب كشف عورته، بقدر ما أظهر من هفوتهم».
وقال بعضهم: «إذا رأيتم أحداً من إخوانكم على معصية لم يتجاهر بها فاستروه، فإن تجاهر بها فوبخوه بينكم، فإن لم ينزجر فوبخوه بين الناس، مصلحة له لا تشفياً فيه، فلعله يكف وينزجر».
(فينبغي أن تحب المسلم لإسلامه وتبغضه لمعصيته، فتكون معه على حالة متوسطة بين الانقباض والاسترسال، فأما ما يجري منه مجري الهفوة التي يعلم أنه نادم عليها، فالأولى حينئذ الإغماض والستر، فإذا أصر على المعصية فلابد من إظهار أثر البغض بالإعراض عنه والتباعد، وتغليظ القول له حسب غلظ المعصية وخفتها) (١).
стр. 218
٥ - ومن حق الأخ على الأخ: ألا يعيره بذنب ولا غيره، فإن المعاير تقطع الود أو تكدر صفاه.
ومن كلام الحسن البصري - رحمه الله تعالى -: «إذا بلغكم عن أحد زلة، ولم تثبت عند الحاكم فلا تعيروه بها، وكذبوا إشاعتها عنه، ولا سيما إن كان هو ينكر ذلك، لأن الأصل براءة الساحة، حتى تقام البينة العادلة عند الحاكم. ثم بعد ثبوت ذلك عنده فإياكم أن تعيروه أيضاً فربما عافاه الله وابتلاكم».
٦ - ومن حق الأخ على الأخ: «ألا ينظر له بعين الاحتقار» .
فقد قال العلماء: «من نظر إلى أخيه بعين احتقار عوقب بالذل».
٧ - ومن حق الأخ على الأخ: إذا أطلع على عيب فيه، أن يتهم نفسه في ذلك ويقول: «إنما ذلك العيب فيّ، لأن المسلم مرآة المسلم، ولا يرى الإنسان في المرآة إلا صورة نفسه».
стр. 219
وقد صحب رجل أبا إسحاق إبراهيم بن أدهم فلما أراد أن بفارقه قال له: «لو نبهتني على ما في العيب»، فقال له: (يا أخي لم أر لك عيباً، لأني لحظتك بعين الولاء، فاستحسنت منك ما رأيت، فاسأل غيري عن عيبك».
وفي هذا المعنى أنشدوا:
وعين الرضا عن كل عيب كليلة ... كما أن عين السخط تبدي المساويا
٨ - ومن حق الأخ على الأخ: أن يرى نفسه دون أخيه على الدوام وذلك على سبيل الظن والتخمين.
قال بعض العلماء: «من لم ير نفسه دون أخيه لم ينتقع بصحبته».
٩ - ومن حق الأخ على الأخ: «أن يؤثره على نفسه في كل شيء».
قال بعض العلماء: «لا يسود أحد على أقرانه إلا إن آثرهم على نفسه، فاحتمل أذاهم، ولم
стр. 220
يشاركهم في شيء مما استشرفت إليه نفوسهم».
١٠ - ومن حق الأخ على الأخ: أن يخدمه إذا مرض .
فقد ذكر العلماء: «أن الفتوة في خدمة الإخوان».
١١ - ومن حق الأخ على الأخ: أن يحترمه ويوقره ، ولا سيما إذا استحق ذلك، كأن كان من العلماء (١)، أو من حملة القرآن الكريم (٢)، أو من عترة (٣) رسول الله ﵌.
١٢ - ومن حق الأخ على الأخ: أن يثني عليه في غيبته وفي حضوره بطريق الشرع ، فإن ذلك مما يزيد في صفاء المودة.
стр. 221
١٣ - ومن حق الأخ على الأخ: أن يكرمه إذا ورد عليه ، بأن يتلقاه بالترحيب وطلاقة الوجه.
١٤ - ومن حق الأخ على الأخ: أن يوسع له في المجلس إذا رآه ، فإن ذلك مما يزيده في تقوية المودة.
١٥ - ومن حق الأخ على الأخ: ألا يدعوه باسمه فقط ، ومن وصية بعضهم: «إذا ناديت أخاك فعظمه ثبت مودته»
١٦ - ومن حق الأخ على الأخ: أن يعترف له بالفضل ، وأن يظهر عدم مكافأته لا سيما إن كان قد بدأه بهدية، لأنه لا يقدر على بدايته.
١٧ - ومن حق الأخ على الأخ: أن يزوره كل قليل من الأيام .
وقد كان الإمام الشافعي - رحمه الله تعالى - يزور تلميذه الإمام أحمد بن حنبل - رحمه الله تعالى - كثيراً ويزوره الآخر كثيراً، فقيل للشافعي في ذلك، فأنشد - رحمه الله تعالى -:
قالوا يزورك أحمد فتزوره ... قلت الفضائل لا تفارق منزله
стр. 222
إن زارني فبفضله، أو رزته ... فلفضله، والفضل في الحالين له
فأجاب الإمام أحمد - رحمه الله تعالى -:
إن زرتنا فبفضل فيك تمنحنا ... أو نحن فللفضل الذي فيك
فلا عدمنا كلا الحالين منك ولا ... نال الذي يتمنى فيك شانيك
١٨ - ومن حق الأخ على الأخ: أن يصافحه كلما لقيه .
ففي الحديث عن النبي ﵌ قال: «مَا مِنْ مُسْلِمَيْنِ يَلْتَقِيَانِ فَيَتَصَافَحَانِ إِلَّا غُفِرَ لَهُمَا قَبْلَ أَنْ يَتَفَرَّقَا» (١).
١٩ - ومن حق الأخ على الأخ: إذا لاقاه وصافحه أن يصلي ويسلم على النبي ﵌ ويذكره بذلك .
ففي الحديث عَنْ أَبِي
стр. 223
هُرَيْرَةَ- ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﵌ قَالَ: «مَا جَلَسَ قَوْمٌ مَجْلِسًا لَمْ يَذْكُرُوا الله فِيهِ وَلَمْ يُصَلُّوا عَلَى نَبِيِّهِمْ إِلاَّ كَانَ عَلَيْهِمْ تِرَةً (١) فَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُمْ وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُمْ» (٢).
٢٠ - ومن حق الأخ على الأخ: أن يهادي كل قليل من الأيام .
لأن الهدية تجلب المحبة كما في الحديث: «تَهَادَوْا تَحَابُّوا» (٣).
وفي رواية عن عائشة ﵂: «تَهَادَوُا تَزْدَادُوا حُباً، وَهَاجِرُوا تُوَرثُوا أَبْنَاءَكُمْ مَجْداً، وَأَقِيلُوا الْكِرَامَ عَثَرَاتِهِمْ» (٤).
стр. 224
٢١ - ومن حق الأخ على الأخ: أن يرشده إلى ترك البغي على من بغى عليه .
٢٢ - ومن حق الأخ على الأخ: مساعدته له في التزويج .
٢٣ - ومن حق الأخ على الأخ: ألا يغفل عن عيادته إذا مرض ولا عن خدمته لا سيما في الليل.
قال الشافعي - رحمه الله تعالى -:
مرض الحبيب فعدته ... فمرضت من حذري عليه
وأتى الحبيب يعودني ... فبرئت من نظري إليه
٢٤ - ومن حق الأخ على الأخ: أن يرشده إلى الوصية إذا حضرته الوفاة . ولا يتبع الحياء الطبعي، والفائدة من ذلك معلومة.
٢٥ - ومن حق الأخ على الأخ: أن يسهر عنده إلى الصباح إذا كان في حالة تفضي إلى الموت ، فربما يكون الأجل في ذلك الوقت فيفارقه على وفائه بحقه.
стр. 225
٢٦ - ومن حق الأخ على الأخ: ألا يبغض ذاته إذا وقع فيما لا ينبغي .
ومن كلام على الخواص -رحمه الله تعالى-: «عدواتنا لأفعال من أمرنا الحق تعالى بعداوته، عداوة شرعية، وعداوتنا لذاته عدواة طبيعية، والسعادة في الشرعية لا في الطبيعية. والغالب في الناس بغضهم لذات من سمعوا عنه أنه وقع في محرم، وأما إن سمعوا عنه أنه تكلم فيهم بشيء يكرهونه فإنهم يكرهون أولاده فضلاً عن ذاته، ويحتقرونه زيادة على ذلك، وربما يزعم أنه مصيب في احتقاره له، وغاب عنهم أن من الجهل المحض احتقار عبد اعتنى به الحق تعالى وأخرجه من العدم» (١).
٢٧ - ومن حق الأخ على الأخ: إذا حصل بينه وبين أخيه لومة أو عتب أن يزيد في بث محاسنه أكثر مما كان قبل -مراعاة للود -
стр. 226
وقد كان بعض السلف يمدحون عدوهم كلما ذكر بحضرتهم، بحيث يظن الظان أنه من أعظم المعجبين لهم!
فاقتد يا أخي بهم ولا تتوقف في ذكر أخيك بالمعروف أيام غيظك عليه واحذر من الوقوع في عرضه، فربما وقع الصلح فيصير ذلك يكدر صفاء المودة، وتذكر ما أكلت عنده وما سبق من المعروف.
٢٨ - ومن حق الأخ على الأخ: أن يقبل اعتذاره، ولو كان مبطلاً .
وفي معنى ذلك أنشد:
أقبل معاذير من يأتيك معتذرا ... إن بر عندك فيما قال أو فجرا
فقد أطاعك من يرضيك ظاهره ... وقد أجلك من يعصيك مستترا
قال عبد الله بن المبارك: «المؤمن طالب عذر
стр. 227
إخوانه، والمنافق طالب عثراتهم» (١).
ومن كلام علي الخواص - رحمه الله تعالى -: «إذا جاءكم أخوكم معتذراً فاقبلوه، ولا سيما إن طال به الوقوف، فإن لم يجد أحدكم في قلبه رقة لأخيه فليرجع على نفسه باللوم وليقل لها: يأتيك أخوك معتذراً فلا تقبليه؟! فكم وقعت أنت في حقه، فلم تلتفتي إليه فأنت إذاً أسوأ حالاً منه!!».
٢٩ - ومن حق الأخ على الأخ: كثرة فرحه إذا كثرت طاعاته وانقلب الناس إليه بالاعتقاد، ومن لم يكن كذلك قام به داء الحسد، وفي الحديث: «الحَسَدُ يَأْكُلُ الحَسَنَاتِ كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الحَطَبَ» (٢).
стр. 228
٣٠ - ومن حق الأخ على الأخ: إذا أراد سفراً ألا يخرج حتى يودعه بالعناق إن كان رجلاً وبالإشارة إن كان صغيراً.
٣١ - ومن حق الأخ على الأخ: إذا رجع من سفر أن يذهب إليه في منزله، فيسلم عليه ويهنئه بالسلامة ، وكذلك ولده وسائر أعزته إذا رجعوا من سفر، أو شفوا من مرض، فمن حقه أن يذهب إليه ويهنئه بالسلامة.
٣٢ - ومن حق الأخ على الأخ: إن يشاوره في كل أمر مهم ، فقد ذكروا أن المشاورة تزيد في صفاء المودة، ففي الحديث: «مَا خَابَ مَنْ اسْتَخَارَ، وَلَا نَدِمَ مَنْ اسْتَشَارَ» (١).
٣٣ - ومن حق الأخ على الأخ: أن يتفقد عياله وأولاده إذا غاب عنهم ، ومن كلامهم: «من لم يتفقد عيال أخيه في غيبته فقد خان الصحبة».
стр. 229
٣٤ - ومن حق الأخ على الأخ: أن يكتم سره ، إذ السر كالعورة. وفي وصية الشيخ أبي المواهب الشاذلي: «إحذر أن تفشي سر أخيك إلى غيره، فإن الله ربما مقتك بذلك فخسرت الدنيا والآخرة».
٣٥ - ومن حق الأخ على الأخ: ألا يصدق من نم له فيه (١).
وكلام الشيخ أبي المواهب الشاذلي: «إذا نقل إليك أحد كلاماً عن صاحب لك، فقل: يا هذا أنا من محبة أخي ووده على يقين، ومن قولك على ظن، ولا يترك يقين بظن».
وقال بعض الفضلاء: (من نم لك نم عليك، ومن أخبرك خبر غيرك أخبره بخبرك) (٢).
стр. 230
٣٦ - ومن حق الأخ على الأخ: أن يذب عن عرضه لكن مع النية الصالحة والسياسة الحسنة .
ومن كلام الإمام الشافعي - رحمه الله تعالى -: «من علامات الصادق في أخوة أخيه أن يقبل علله، ويسد خلله، ويغفر زلَلَه».
٣٧ - ومن حق الأخ على الأخ: أن يرشده إلى تعظيم حرمات الله والتباعد عن تعدي حدوده.
٣٨ - ومن حق الأخ على الأخ: أن يتظاهر بعدواة من عاداه بغير حق ، أما معاداته بالباطن فلا تجوز.
٣٩ - ومن حق الأخ على الأخ: ألا يحدثه بحديث كذب ؛ لأنه فيه استهانة به.
٤٠ - ومن حق الأخ على الأخ: ألا ينساه من الدعاء والمغفرة والرحمة. كلما وجد وقته صافياً مع ربه، سواء أكان ذلك في ليل أو نهار، أو سجود أو غيره.
٤١ - ومن حق الأخ على الأخ: إذا تحدث أن
стр. 231
يشخص ببصره إليه حتى يفرغ من حديثه، فإن ذلك يزيد في صفاء المودة، كما أن التلاهي عن حديث الأخ، أو قطع كلامه قبل تمامه، يورث الجفاء.
٤٢ - ومن حق الأخ على الأخ: أن يحفظ وده وإن خانه مراعاة للود.
٤٣ - ومن حق الأخ على الأخ: ألا يمن عليه بما فعله من المعروف إذ هو خاصمه ونسى ذلك المعروف، فإن ذكر المعروف في المخاصمة عنوان على عدم الإخلاص فيه، ودليل على خسة الأصل، فإن طيب الأصل لا يمن أبداً بما فعله مع أخيه من المعروف، بل يرى الفضل لذلك الأخ الذي أكل عنده مثلاً أو قبل منه هدية.
قال بعض العلماء: «المن بالمعروف في المخاصمة دمل لا يندمل» يعني: لا ينسى، بل يصير يكدر الصحبة كلما تذكره.
٤٤ - ومن حق الأخ على الأخ: ألا يخاصمه ، فإن المخاصمة تقطع الود.
стр. 232
وقد قال بعض العلماء: «ما وجد أذهب للدين، ولا أشغل للقلب من المخاصمة) يتولد الغضب، والحقد، والخديعة، حتى إنه يكون في الصلاة وخاطره معلق بالمحاججة، ولا يخفى ذلك.
٤٥ - ومن حق الأخ على الأخ: ألا يُقِّره على بدعة .
وإن لم يرجع عنها تركه، خوفاً على نفسه أن يلحقه شؤمها ولو بعد حين.
٤٦ - ومن حق الأخ على الأخ: (ألا يؤخذه إذا قصر في حقه مراعاة للأدب)
ومن وصية علي الخواص - رحمه الله تعالى -: «اترك حقك لأخيك ما استطعت، وأقل عثرة أهل المروءات من إخوانك، وإياك أن تعتدي على من اعتدى عليك، فإن الحق تعالى ما أباح الاعتداء إلا بشرط المثلية (١)، والمثلية متعذرة
стр. 233
جداً، فربما أثرت تلك السيئة في الخصم أكثر مما أثرت فيك، والمجازاة رخصة للضعفاء».
٤٧ - ومن حق الأخ على الأخ: دوام الشفقة على أولاد أخيه والقيام بهم بعد موته .
وقد قال بعض العلماء: «من لم يشفق على أولاد أخيه في غيبته، ولم يقم بهم بعد موته فليس بصادق في أخوته» (١).
وبالجملة يعامله بما يحب أن يعامل به، فمن لا يجب لأخيه مثل ما يحب لنفسه فأخوِّته نفاق، وهي عليه وبال في الدنيا والآخرة.
نسأل الله تعالى حسن الأدب والوفاء في المعاملة
مع إخواننا بمنه وكرمه آمين.
стр. 234
خاتمة
وأفضل ما نختم هذا الجمع المبارك نبذة مختصرة من:
(أخلاق رسول الله ﵌
قال الله تعالى (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ). [القلم: ٤].
كان ﵌ متخلقاً بأخلاق القرآن، ير ضى لرضاه ربه، ويغضب لغضبه، وكان لا يغضب لنفسه، ولا ينتقم لها إلا أن تُنتهك حرمات الله! وما خُيّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً، وما ذمِّ قوتاً قط ... بل إن اشتهاه أكله وإلا تركه.
وكان ﵌ متواضعاً لله تعالى، وكان يرقع ثوبه ويخصف نعله، ويحلب شاته، ويخيط ثوبه، ويجيب من دعاه من غني أو فقير صغير أو كبير.
وكان أشجع الناس ... قال على ﵁: (لقد رأيتني يوم بدر ونحن نلوذ بالنبي ﵌ وهو أقربنا إلى العدو، وكان من
стр. 235
أشد الناس يومئذ بأساً).
وقال أيضاً: (كنا إذا احمر البأس ولقي القوم القوم اتقينا برسول الله ﵌ فما يكون أحد أقرب إلى العدو منه).
وكان أجود الناس ... وما سُئل شيئاً قط فقال: لا!
وإن رجلاً أتاه فسأله فأعطاه غنماً سدّت ما بين جبلين فرجع إلى قومه وقال: (أسلموا فإن محمداً يعطي عطاء من لا يخشى الفاقه).
وجاءه رجل فسأله فقال: (ما عندي شيء ولكن ابتع علي فإذا جاءنا شيء قضيناه) فقال عمر ﵁: (يا رسول الله ما كفلك الله ما لا تقدر عليه) فكره النبي ﵌ ذلك. فقال الرجل: (أنفق ولا تخش من ذي العرش إقلالا) فتبسم النبي ﵌ وعرف السرور في وجهه.
стр. 236
وكان أحلم الناس ... وسُئل: لم لا تدعو على قوم من الكفار؟ فقال: ((إنما بُعثت رحمة ولم أبعث عذاباً)).
وكسرت رباعيته، وشجّ جنبيه في وقعة أحد من الكفار. فدعا لهم بالهداية ولم يدع عليهم!
وكان أفصح الناس لسناً، وأرجحهم عقلاً، وأغزرهم علماً، وألطفهم أدباً وأصدقهم حديثاً، وأوفاهم ذمة وعهداً، وأشدهم رأفة ورحمة ...
اصطفاه الله لنبوته، واختاره لرسالته، وخصة بالحوض المورود والمقام المحمود، وجعله سيد المرسلين، وخاتم النبيين، وأسله رحمة للعالمين ﵌ (١).
جعلنا الله من المتأدبين بأخلاق رسوله الكريم ﵌.
стр. 237
وكان هذا آخر ما تيسر من هذا الجمع المبارك على يد الفقير إلى عفو ربه الكريم أحمد بن يوسف بن محمد الأهدل، وهو نبذة مختصرة بالنسبة إلى آداب الطالب فما وجدت فيه أيها الناظر من صواب فهو من كلام العلماء الإعلام وما وجدت فيه من خطأ فهو مني وأنا الحقيق بالملام؛ فإن قدرت أن تبدله بالصواب فافعل بعد التأكد والتحقق من ذلك.
أسأل الله العظيم أن ينفع به النفع العميم لي ولأحبابي وكل ناظر فيه وسائر المسلمين.
وكان الفراغ منه في يوم الجمعة الموافق (١٧) من شهر محرم الحرام من عام (١٤١٨) هجرية على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى التحية ... والحمد لله رب العالمين.