← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 96879

الأخلاق الزكية في آداب الطالب المرضية

أحمد بن يوسف الأهدل

Полный текст (237 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

[كلمة الغلاف] قال الله تعالى في حَقِ نبينا ﵌: (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ). [القلم: ٤]. وقال ﵌: «إِنَّ مِنْ أَحَبِّكُمْ إِلَيَّ وَأَقْرَبِكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَحَاسِنَكُمْ أَخْلاقًا». رواه الترمذي وقال ﵌: «إِنَّ المُؤْمِنَ لَيُدْرِكُ بِحُسْنِ خُلُقِهِ دَرَجَةَ الصَّائِمِ الْقَائِمِ». رواه أبو داود اللَّهُمَّ اهْدِنِي لِأَحْسَنِ الْأَخْلَاقِ ... لَا يَهْدِي لِأَحْسَنِهَا إِلَّا أَنْتَ وَاصْرِفْ عَنِّي سَيِّئَهَا ... لَا يَصْرِفُ عَنِّي سَيِّئَهَا إِلَّا أَنْتَ

стр. 2

قال بعض الأدباء: بقدر الكدِّ تكتسب المعالي ... ومن طلب العُلا سهر الليالي ومن رام العُلا من غير كدٍّ ... اضاع العمر في طلب المحال تركت النوم ربي في الليالي ... لأجل رضاك يا مولى الموالي فوفقني إلى تحصيل علمٍ ... وبلغني إلى أقصى المعالي اللهم أغنني بالعلم، وزيني بالحلم، وأكرمني بالتقوى، وجمِّلني بالعافية.

стр. 3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تقريظ فضيلة الدكتور هاشم محمد علي مهدي المستشار بإدارة الدراسات برابطة العالم الإسلامي -مكة المكرمة- الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده سيدنا محمد وعلى آله وصحبه. وبعد: لقد اطلعت على كتاب: "الأخلاَق الزَّكِيَّة في آدْاب الطَّالِب المرضِيَّة ". لمؤلفه السيد أحمد بن يوسف بن محمد الأهدل خريج المدرسة الصولتية وأحد طلبة العلم بالمسجد الحرام، فوجدته قد حوى الزبدة وجمع الخلاصة لكل راغب في تذوق العلم من خلال الأدب النبوي الرفيع الذي لا يماثله مماثل على وجه البسيطة. ويكفي أن أجمل ﵊ معنى رسالته بقوله ﵌: " بُعثْتُ لأتمِّمَ مَكارِمَ الأخلاقِ ". وهذه القولة قد جعلت الأخلاق بمنزلة الروح للجسد بالنسبة للعلم. وصدق شوقي الشاعر إذ يقول: إنما الأمم الأخلاق ما بقيت ... فإن هموا ذهبت أخلاقهم ذهبوا وبالله التوفيق .. ؛ د. هاشم محمد علي مهدي المستشار بإدارة الدراسات برابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة

стр. 4

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تقريظ فضيلة العلامة الشيخ طه عبد الواسع البركاتي مدير إدارة الوعظ والإرشاد ورقابة التدريس والمدرس بالمسجد الحرام سابقًا-رحمه الله تعالى- الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه وبعد: فقد اطلعت على رسالة: «الأخلاَق الزَّكِيَّة في آدْاب الطَّالِب المرضِيَّة». لمؤلفها السيد أحمد بن يوسف بن محمد الأهدل فوجدتها مفيدة لمن يقرأها ولمن يقتنيها - وجزى الله مؤلفها خيرا. والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل .. ؛ طه عبد الواسع البركاتي المدرس بالمسجد الحرام ٢٧/ ٨/١٤١٨هـ

стр. 5

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تقريظ فضيلة العلامة الشيخ أحمد جابر جبران المدرس بمعهد إعداد الإئمة والدعاة التابع لرابطة العالم الإسلامي سابقًا -رحمه الله تعالى- الحمد لله رافع أهل العلم درجات والموفق من شاء للسلوك والأخلاق والآداب المرضيات، والصلاة والسلام على سيدنا وحبيبنا المبعوث بمكارم الأخلاق والآداب الزكيات وعلى آله وأصحابه الذين بلغوا في الآداب والسلوك ذروة الكمالات. أما بعد: فلا شك أن الأخذ بالآداب الشرعية والسلوك المرضية من أفضل المهمات إذ بهما يترقى المريد في أعلى الكمالات ويعيش عيشة مرضية في كل المجتمعات لذا قال الإمام مالك: (الأدب قبل العلم). هذا وقد اطلعت على الرسالة التي جمعها السيد الفاضل أحمد بن يوسف بن محمد الأهدل الموسومة: «بالأخلاَق الزَّكِيَّة في آدْاب الطَّالِب

стр. 6

المرضِيَّة». فوجدتها من أحسن ما ألف في هذا الفن نقل فيها من الكتب المعتمدة ما فيه الكفاية في هذا الزمن الذي فقد فيه الطالب الآداب المطلوبة منه. ومع اختصارها فهي وافية بالمطلوب سيما في هذه الظروف الصعبة التي اندرس فيها هذا الفن وعفت عليه الآثار .. فنسأل الله تعالى أن ينفع بها طلاب العلم وغيرهم، وأن يوفق الجميع لما يحب ويرضى. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. قاله بفمه ورقمه بقلمه الفقير إلى عفو الرحمن أحمد جابر جبران - عفا الله عنه - رجب ٢/ ٧/١٤١٨هجرية

стр. 7

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تقريظ فضيلة العلامة الدكتور حسن محمد الأهدل نائب رئيس جامعة صنعاء -عافاه الله تعالى- الحمد لله الذي جعل العلم نورا، وهدى للسالكين سبيله، نحمده أن جعل اتباع رسوله دليلاً على محبته وأوضح طُرق الهداية لمن شاء من عباده، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له. علم الإنسان مالم يعلم، ونشهد أن محمداً عبده ورسوله أرشد أمته إلى الخير وحذرهم من الشر وتركهم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم تسليمًا كثيرًا. وبعد: لقد اطلعت على ما كتبه الأخ السيد أحمد بن يوسف بن محمد الأهدل وذلك ما قدمه من البحث المرضي في الآداب والسلوك المسمى: «بالأخلاَق

стр. 8

الزَّكِيَّة في آدْاب الطَّالِب المرضِيَّة». وجدته مرضيًا كإسمه وزكيًا طيبًا لمن تحلى به، ولقد أجاد الكاتب فيما جمعه في هذا الباب وعرضه بأسلوب سهل ومبسط ومفيد لطالبه فأجاد وأفاد، وما أحوجنا لمثل هذه الآداب والصفات. فكم من طالب علمٍ يطلب العلم ولا يعرف حقه. فنرجو أن يكون هذا الكتاب مفيدًا لمثل هؤلاء ولمن أراد السير على نهج العلماء والسلف الصالح. ولا شك أن هذه الرسالة مفيدة ونافعة في بابها .. ؛ فنسأل الله أن يأجُر الكاتب على ذلك خيرًا، وأن ينفع بها المسلمين. ونسأله التوفيق للجميع لما يحبه ويرضاه. وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين .. ؛ كتبه د. حسن محمد الأهدل ٩/ ٩/١٤١٨هـ

стр. 9

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تقريظ فضيلة العلامةالشيخ ماجد سعيد مسعود رحمت الله مدير المدرسة الصولتية -عافاه الله تعالى- فقد عرض علي الأخ العزيز الفاضل الشيخ السيد أحمد يوسف محمد الأهدل مؤلفه الجديد الذي سماه ((الأخلاَق الزَّكِيَّة في آدْاب الطَّالِب المرضِيَّة)) فقرأته باستيعاب حيث أجاد المؤلف وأفاد بأسلوب مختصر جذاب وبترتيب حسن بديع حسب حاجة العصر الذي نعيشه وقد وجدته مفيداً نافعاً وحمدت له صنيعه المشكور وعمله المبرور لأن العلم من أفضل وأكرم الغايات التي تصرف لها الهمم وتبذل له المساعي وفقدان كتب الآداب وانعدامها تتطلبان نشرها وإذاعتها خاصة في الوقت الحاضر وخصوصاً لطلاب العلم ليطلعوا على الآداب والمحاسن والفضائل والمناقب والصفات والأخلاق التي يتحتم وجودها في الطلاب فأسأل الله تعالى للمؤلف والمؤلف القبول التام والنفع العام وأن يأخذ به مسلك الصلاح والرشاد والإستقامه والسداد آمين- إنه جواد كريم والحمد لله أولاً وآخراً .. ،، خادم العلم والعلماء بالبلد الحرام ماجد سعيد بن مسعود رحمت الله مدير المدرسة الصولتيه بمكة المكرمة

стр. 10

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تقريظ فضيلة العلامة الشيخ أيوب أبكر الأهدل المدرس بالمدرسة الصولتية بمكة المكرمة -عافاه الله تعالى- الحمد لله الذي جعل مأدبته القرآن وأنزله على خير ولد عدنان. وأشهد أن لا إله إلا الله الذي خلق فسوى وقدَّرَ فهدى. خلق الإنسان في أحسن تقويم. ووعد عباده الصالحين العاملين بأنَّ لهم أجراً غير ممنون- أحمده حمداً يرضى عنه ليكون بسبه بقاء رضاه عنا إلى يوم الدين. وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله المجبول على الخُلق العظيم القائل: أدبني ربي فأحسن تأديبي. فأعظم به من تكريم. اللهم صل وسلم على رسولك محمد رحمة العالمين وعلى آله وصحبه الهداة المهتدين. أما بعد: فإن التوفيق عزيز كما قيل لذلك لم يذكر في القرآن سوى مرة واحدة. والتوفيق خلق القدرة في العبد على فعل الطاعات والقربات،

стр. 11

وإنَّ من أفضل الطاعات بعد الواجبات توصيل الخير إلى الغير أياً كان لأنه فعل وعمل متعدي بخلاف العمل الصالح اللازم. خاصة إذا كان هذا العمل من باب تعليم الناس الخير - وفي الحديث - إن الملائكة لتصلي على مُعَلِّمِي النَّاسِ الخير. الحديث. وقد وفق الله أخانا السيد الجليل الشيخ أحمد بن السيد يوسف محمد الأهدل. نفع الله به أمين في تأليف هذا الكتاب الموسوم «بالأخلاَق الزَّكِيَّة في آدْاب الطَّالِب المرضِيَّة». وهو كتاب بحق يحتاج إليه الناشئة وطلاب العصر خاصة وأن الكتب القديمة المؤلفة في هذا الموضوع - أعني أدب المتعلم - كادت تختفي من المكتبات التجارية ولم تعد في متناول الأيدي نظراً لعدم توجيه المعلمين المعاصرين الطلاب إليها واقتنائها اللهم إلا ما ندر، وإن وجدت فالنفع بها يكون قليلاً جداً للمعاصرين لسرد أحاديثها وقصصها بلأسانيد الطويلة على طريقة السلف. لذا فقد جاء هذا الكتاب خالياً من تلك الموانع

стр. 12

غايةً في بابه موفقاً في اختياراته دقيقاً في نقله سالكاً مسلك التسهيل والتيسير متفنناً في موضوعاته مجانباً التطويل الممل والاختصار المخل. ولقد سُعدت غاية السعادة عندما ناولني إياه مؤلفه حيث وافق مجيؤه إليَّ وأنا أشرح للطلاب الجانب الروحي والسلوك الأدبي الذي ينبغي أن يكون عليه طالب العلم وما ورد في ذلك من الأدب النبوي خاصة جانب التطبيق والعمل بالعلم والفرق بين طالب العلم وغيره مع ذكر بعض الكتب المؤلفة في هذا الشأن التي أشار إليها المؤلف في هذا الكتاب المصدر له هنا. وقد تمنيت لو يصنف فيما ذكرت مصنفاً مناسباً يستفيد منه طلاب العلم. وقد جاء هذا الكتاب مواكباً لتلك الأمنية على يد هذا الشاب النجيب فلله الحمد والمنة. جزى الله السيد الجليل أحسن الجزاء، ووفقه لما يصبو إليه من خير الدنيا والآخرة. آمين. كاتبه أيوب أبكر أسد بن علي الأهدل ٢٩/ ٧/١٤١٨هـ

стр. 13

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ المقدمة الْحَمْدُ لله القَائل في حَقِ نَبِيه ﵌: (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ) (١) وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إلَهَ إلاَ الله وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ. وَأَشْهَدُ أَنْ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ , وَحَبِيبُهُ وَخَلِيلُهُ، الَّذِي أَكْمَلَ خَلْقَهُ , وَعَظَّمَ خُلُقَهُ , وَوَضَعَ عَنْهُ وِزْرَهُ, وَرَفَعَ لَهُ ذِكْرَهُ , وَأَدَّبَهُ فَأَحْسَنَ تَأْدِيبَهُ , فَكَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ. القائل ﵌:" إِنَّ مِنْ أَحَبِّكُمْ إِلَيَّ وَأَقْرَبِكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَحَاسِنَكُمْ أَخْلاقًا " (٢). والقائل ﵌: " إِنَّ

стр. 14

المُؤْمِنَ لَيُدْرِكُ بِحُسْنِ خُلُقِهِ دَرَجَةَ الصَّائِمِ الْقَائِمِ " (١). وَعَلَى آلِهِ وَصْحَبِهِ , المُتَخَلِّقِينَ بِخُلُقِهِ , وَالمُتَأَدِّبِينَ بِآدَابِهِ, وَعَلَى التَّابِعِينَ وَتَابِعِيهِمْ إلى يوم الدين، وعَلينا مَعَهم بِرَحمَتِك يا أرحم الراحِمين. (أَمَّا بَعْدُ) , فَإِنَّ الاِشْتِغَالَ بِالْعِلْمِ مِنْ أَفْضَلِ القُرَب وأجَل الطَّاعَاتِ , وَأَوْلَى مَا أُنْفِقَتْ فِيهِ نَفَائِسُ الأوْقَاتِ. ومدخَل العِلم " الأدب " فلا عِلم بِلا أدب .. وقد سَألنِي بَعضُ المُحِبِين أن أجمَعَ مُختَصَراً في آدَابِ طَلِبِ العِلِم، وقَد اعتذرت لَهُ كَثِراً، وَلَكِن لمّا رَأيتُ كَثِراً مِن طُّلابِ العِلم في زماننا يَجِدُّونَ إلى العِلم ولا يَصِلُونَ، وَمِن مَنَافِعه وَثَمَرَاتِه يُحرَمُون، وسَبَبُ ذَلِكَ أنَهُم أخطَئُوا طَرَائِقه وَتَرَكُوا شَرَائِطه وَلَم يَلتَزِموا بِآدا بِهِ: " وَكُلُ مَن أخطأ الطرِيقَ ضَل " استخَرتُ الله تَعَالَى في جَمعِ نُبذةٍ مُختَصَرَةٍ مِن

стр. 15

الآداب لِكَى يكُون نِبراساً وَمِنهَاجاً لِي وَلِكُلِ طَالبِ عِلم ـ وَأسميتُه: ((الأخلاق الزكية في آداب الطالب المرضية)) وَقَد بدأتُهُ بِبَابِ إخلاص النية لله تَعَالى ثُمَ فضل العِلم والعُلّماء، وَفضل طالب العِلم وَالحَث عَلى طَلب العِلم، ثُمَ شَرَعتُ في الآدابِ، وَقَسَّمتُهُ إلى خمسَةِ أقسام: القسم الأول: آداب الطالب مع نفسه. والقسم الثاني: آداب الطالب مع شيخه. والقسم الثالث: آداب الطالب مع دروسه. والقسم الرابع: آداب الطالب مع الكتاب. والقسم الخامس: آداب المعاشرة مع الخلق. وَكُلُ قِسمٍ يندَرِجُ تحتهُ فُرُع وأنواع مِن نفَائِس ومُهِمات الفوائِد مِن أقوال العُلّماء الإجلاء، وختمتُهُ بِذِكرِ نُبذةٍ مُختصرةٍ مِن أخلاق رسُول الله صلى الله عليه

стр. 16

وآله وسلم، جعلنا الله مِن المُتأسين بِأخلاق رسُوله الكرِيم ﵌, وَأسألُ الله أن ينفعني بِه وَجميع المُسلِمين وَأن يرزُقنا الإخلاص في العَمل بِوجهِهِ الكَرِيم .. ، وكتبه: الفقير إلى عفو الله أحمد بن يوسف بن محمد الأهدل أحد خريجي المدرسة الصولتية وطالب العلم بالمسجد الحرام غفر الله له ولوالديه ولمشايخه والمسلمين أجمعين آمين

стр. 17

باب الإخلاص لله تعالى قال الله تعالى: (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ) (البينة:٥) وقال رَسُولُ الله ﵌: «إِنَّمَا الأعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» (١) وعن أبي هُرَيْرَةَ-﵁ قال: سمعت رَسُولَ الله ﵌ يقول: «إِنَّ أَوَّلَ الناس يُقْضَى يوم الْقِيَامَةِ عليه رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قال: فما عَمِلْتَ فيها، قال: قَاتَلْتُ فِيكَ حتى اسْتُشْهِدْتُ، قال: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ لِأَنْ يُقَالَ جَرِيءٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ على وَجْهِهِ حتى أُلْقِيَ في النَّارِ، وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ وَعَلَّمَهُ، وَقَرَأَ الْقُرْآنَ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قال: فما عَمِلْتَ فيها، قال: تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ وَعَلَّمْتُهُ، وَقَرَأْتُ

стр. 18

فِيكَ الْقُرْآنَ، قال: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ الْعِلْمَ لِيُقَالَ عَالِمٌ، وَقَرَأْتَ الْقُرْآنَ لِيُقَالَ هو قَارِئٌ، فَقَدْ قِيلَ ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ على وَجْهِهِ حتى أُلْقِيَ في النَّارِ، وَرَجُلٌ وَسَّعَ الله عليه وَأَعْطَاهُ من أَصْنَافِ الْمَالِ كُلِّهِ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قال: فما عَمِلْتَ فيها، قال: ما تَرَكْتُ من سَبِيلٍ تُحِبُّ أَنْ يُنْفَقَ فيها إلا أَنْفَقْتُ فيها لك، قال: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ فَعَلْتَ لِيُقَالَ هو جَوَادٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ على وَجْهِهِ ثُمَّ أُلْقِيَ في النَّارِ» (١). وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَال: َ قَالَ رَسُولُ الله ﵌: «مَنْ تَعَلَّمَ عِلْمًا مِمَّا يُبْتَغَى بِهِ وَجْهُ الله لا يَتَعَلَّمُهُ إِلاّ لِيُصِيبَ بِهِ عَرَضًا مِنَ الدُّنْيَا لَمْ يَجِدْ عَرْفَ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (٢) يَعْنِي رِيحَهَا.

стр. 19

وعن كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَال: َ سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﵌ يَقُولُ: «مَنْ طَلَبَ الْعِلْمَ لِيُجَارِيَ بِهِ الْعُلَمَاءَ أَوْ لِيُمَارِيَ بِهِ السُّفَهَاءَ أَوْ يَصْرِفَ بِهِ وُجُوهَ النَّاسِ إِلَيْهِ، أَدْخَلَهُ الله النَّارَ» (١) وما أحسن قول الإمام الغزالي-رحمه الله تعالى- في كتابه بداية الهداية حيث قال: اعلم أن الناس في طلب العلم على ثلاثة أحوال: ١ - رجل طلب العلم ليتخذهُ زادهُ إلى المعاد، ولم يقصد إلا وجه الله والدار الآخرة، فهذا من الفائزين. ٢ - ورجل طلبه ليستعين به على حياته العاجلة، وينال به العِز والجاه والمال، وهو عالم بذلك، مُستشعِرٌ في قلبه ركاكة حاله، وخِسّة مقصده، فهذا من المخاطرين، فإن عاجله أجله قبل التوبة خيف عليه من سوء

стр. 20

الخاتمة، وبقي أمره في خطر المشيئة، وإن وفق للتوبة قبل حلول الأجل وأضاف إلى العلم العمل، وتدارك ما فرّط فيه من الخلل، التحق بالفائزين، فإن التائب من الذنب كمن لا ذنب له. ٣ - ورجل ثالث استحوذ عليه الشيطان، فا تخذ علمه ذريعة إلى التكاثر بالمال، والتفاخر بالجاه، التعزز بكثرة الأتباع، يدخل بعلمه كل مدخل، رجاء أن يقضي من الدنيا وطرهُ، وهو مع ذلك يضمر في نفسه أنه عند الله بمكانة لاتِّسامه بسمة العلماء، وترّسمه برسومهم في الزي والمنطق، مع تكالبه على الدنيا ظاهراً وباطناً، فهذا من الهالكين ومن الحمقى المغرورين، إذ الرجاء منقطع عن توبته (١) لظنه أنه من المحسنين، وهو غافل

стр. 21

عن قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ) [الصف: ? - ?]. وهو ممن قال فيهم رسول الله ﵌: «أنا من غير الدجال أخوف عليكم من الدجال! فقيل: وماهو يارسول الله، فقال: علماء السوء». وهذا لأن الدجال غايته الإضلال، ومثل هذا العالم وإن صرف الناس عن الدنيا بلسانه ومقاله، فهو داع لهم اليها بأعماله وأحواله، ولسان الحال أفصح من لسان المقال، وطباع الناس إلى المساهمة في الأعمال أميل منها إلى المتابعة في الأقوال. فما أفسده هذا المغرور بأعماله أكثر مما أصلحه بأقواله! إذ لا يستجريء الجاهل على الرغبة في الدنيا إلا باستجراء العلماء، فقد صار علمه سبباً

стр. 22

لجراءة عباد الله على معاصيه، ونفسه الجاهلة مُدلّةُ مع ذلك تُمّنيه وتُرّجيه، وتدعوه إلى أن يمن على الله بعلمه، وتُخيّل إليه نفسه أنه خير من كثير من عباد الله. فكن أيها الطالب من الفريق الأول، واحذر أن تكون من الفريق الثاني، فكم من مسوف عاجله الأجل قبل التوبة فخسر. وإياك ثم إيك أن تكون من الفرق الثالث، فتهلك هلاكاً لا يرجى معه فلاحك ولاينتظر صلاحك (١). نسأل الله السلامة كما نسأله تعالى الإخلاص في طلب العلم والعمل به بمنه وكرمه آمين. * * *

стр. 23

فضل العلم والعلماء قال الله تعالى: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) [فاطر: ٢٨]. وقال تعالى: (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ) [آل عمران: ١٨] فانظر كيف بدأ بنفسه وثنى بالملائكة وثلث بأهل العلم، وناهيك بهذا شرفاً وفضلاً. وقال تعالى: (وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ) [النساء: ٨٣]. فقد رد حكمه في الوقائع إلى استنباطهم وألحق رتبتهم برتبة الأنبياء في كشف حكم الله تعالى. وقَالَ رَسُولُ الله ﵌: «إنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الأنْبِيَاءِ» (١).

стр. 24

ومعلوم أنه لا رتبة فوق النبوة ولا شرف فوق شرف الورثة لتلك الرتبة. وقَالَ رَسُولُ الله ﵌: «مَنْ يُرِدْ الله بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ» (١). وقَالَ رَسُولُ الله ﵌: «لا حَسَدَ إلاّ فِي اثْنَتَيْنِ رَجُلٌ آتَاهُ الله مَالاً فَسَلَّطَهُ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ، وَرَجُلٌ آتَاهُ الله الْحِكْمَةَ فَهُوَ يَقْضِي بِهَا، وَيُعَلِّمُهَا» (٢). وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ رَسُولَ الله ﵌ قَالَ: «فَقِيهٌ وَاحِدٌ أَشَدُّ عَلَى الشَّيْطَانِ مِنْ أَلْفِ عَابِدٍ» (٣).

стр. 25

وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﵌: «فَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِي عَلَى أَدْنَاكُمْ. ثُمَّ قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : إنَّ الله، وَمَلائِكَتَهُ، وَأَهْلَ السَّمَوَاتِ، وَالاَرْضينَِ حَتَّى النَّمْلَةَ فِي جُحْرِهَا، وَحَتَّى الحُوتَ لَيُصَلُّونَ عَلَى مُعَلِّمِ النَّاسِ الخَيْرَ» (١). ويقول أبو هريرة ﵁: «لَأَنْ أَعْلَمَ بَابًا مِنْ الْعِلْمِ فِي أَمْرٍ , وَنَهْيٍ , أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ سَبْعِينَ غَزْوَةٍ فِي سَبِيلِ الله» (٢). وفضائل العلم وأهله من العلماء والمتعلمين لا تحصى. قال سيدنا علي ﵁: «يا طالب العلم، إن العلم ذو فضائل كثيرة، فرأْسُهُ التواضع، وعينه البراءة من الحسد، وأذنه الفهم، ولسانه

стр. 26

الصدق، وحفظه الفَحْص، وقلبه حسن النية، وعقله معرفة الأشياء والأمور الواجبة، ويده الرحمة، ورجله زيارة العلماء، وهمته السلامة، وحكمته الورع، ومستقره النجاة، وقائده العافية، ومركبه الوفاء، وسلاحه لين الكلمة، وسيفه الرضى، وقوسه المداراة، وجيشه مجاورة العلماء، وماله الأدب، وذخيرته اجتناب الذنوب، وزاده المعروف، وماؤه الموادعة، ودليله الهدى، ورفيقه صحبة الأَخْيَار» (١). قال صاحب فتح الكريم المنان (٢): ذكر الإمام النووي في المجموع هذه الآثار منها: قول عَلِيٍّ ﵁: «كَفَى بِالْعِلْمِ شَرَفًا أَنْ يَدَّعِيَهُ مَنْ لا يُحْسِنُهُ، وَيَفْرَحَ إذَا انتُسِبَ إلَيْهِ، وَكَفَى بِالْجَهْلِ ذَمًّا أَنْ يَتَبَرَّأَ مِنْهُ مَنْ هُوَ مُتخبط فِيهِ».

стр. 27

وقَالَ أَبُو مُسْلِمٍ الْخَوْلانِيُّ: «مَثَلُ الْعُلَمَاءِ فِي الاَرْضِ مَثَلُ النُّجُومِ فِي السَّمَاءِ إذَا بَدَتْ لِلنَّاسِ اهْتَدَوْا بِهَا، وَاذَا خَفِيَت تَحَيَّرُوا». ومما أنشده العلماء في فضل العلم قول أَبِي الأسْوَدِ الدُّؤَلِيِّ -رحمه الله تعالى-: الْعِلْمُ زَيْنٌ (١) وَتَشْرِيفٌ لِصَاحِبِهِ ... فَاطْلُبْ هُدِيتَ فُنُونَ الْعِلْمِ وَالأدَبَا لا خَيْرَ فِيمَنْ لَهُ أَصْلٌ بلا أَدَبٍ ... حَتَّى يَكُونَ عَلَى مَا زَانَهُ حَدَبَا كَمْ مِنْ كَرِيمٍ أَخِي عَيٍّ (٢) وَطَمْطَمَةٍ ... فَدْمٌ لَدَى الْقَوْمِ مَعْرُوفٌ إذَا انْتَسَبَا فِي بَيْتِ مَكْرُمَةٍ (٣) آبَاؤُهُ نُجُبُ ... كَانُوا الرُّءُوسَ فَأَمْسَى بَعْدَهُمْ ذَنَبَا وَخَامِلٍ مُقْرِفِ الآبَاءِ ذِي أَدَبٍ ... نَالَ الْمَعَالِيَ بِالآدَابِ وَالرُّتَبَا

стр. 28

أَمْسَى عَزِيزًا عَظِيمَ الشَّأْنِ مُشْتَهِرَا ... فِي خَدِّهِ صَعَرٌ قَدْ ظَلَّ مُحْتَجِبَا الْعِلْمُ كَنْزٌ وَذُخْرٌ (١) لا نَفَادَ لَهُ ... نِعْمَ الْقَرِينُ إذَا مَا صَاحِبٌ صَحِبَا قَدْ يَجْمَعُ الْمَرْءُ مَالاً ثُمَّ يُحْرَمُهُ ... عَمَّا قَلِيلٍ فَيَلْقَى الذُّلَّ وَالْحَرْبَا وَجَامِعُ الْعِلْمِ مَغْبُوطٌ بِهِ أَبَدَا ... وَلا يُحَاذِرُ مِنْهُ الْفَوْتَ وَالسَّلَبَا يَا جَامِعَ الْعِلْمِ نِعْمَ الذُّخْرُ تَجْمَعُهُ ... لا تَعْدِلَنَّ بِهِ دُرًّا وَلا ذَهَبَا * * *

стр. 29

فضل طالب العلم قال الله تعالى: (يَرْفَعِ الله الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ) [المجادلة: ١١] وقال تعالى: (فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ) (١). وقال تعالى: (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ) (٢). وعَنْ عُثْمَانَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﵌ قَالَ: «خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ» (٣). وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﵌ يَقُولُ: «مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَبْتَغِي فِيهِ عِلْمًا سلكَ الله لَهُ طَرِيقًا إلَى الْجَنَّةِ، وَإِنَّ المَلائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضَاً لِطَالِبِ

стр. 30

الْعِلْمِ، وَإِنَّ الْعَالِمَ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ، وَمَنْ فِي الاَرْضِ، حَتَّى الْحِيتَانُ فِي الْمَاءِ، وَفَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ، وَإِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الأنْبِيَاءِ، إِنَّ الأنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلا دِرْهَمًا، إِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ فَمَنْ أَخَذَ به أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ» (١). وعَنْ أَبِي هُرَيْرَة ﵁ أَنَّ رَسُولَ الله ﵌ قَال: َ «إِذَا مَاتَ الإنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلاّ مِنْ ثَلاثَةٍ: إِلاَّ مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ» (٢). وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﵌: «مَنْ خَرَجَ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ كَانَ فِي سَبِيلِ الله حَتَّى يَرْجِعَ» (٣). وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁ أَنَّ

стр. 31

رَسُولَ الله ﵌ قَالَ لِعَلِيٍّ ﵁: «فَوَاَلله لَأَنْ يَهْدِيَ اللهُ بِكَ رَجُلاً وَاحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِن أن يكون لك حُمْرُ النَّعَمِ» (١). وقَالَ رَسُولُ الله ﵌: «لا حَسَدَ إلاّ فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ الله مَالاً فَسَلَّطَهُ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الحَقِّ، وَرَجُلٌ آتَاهُ الله الْحِكْمَةَ فَهُوَ يَقْضِي بِهَا، وَيُعَلِّمُهَا» (٢). ومن الآثار ماروي َعنْ مُعَاذٍ ﵁ أنه قَال: «تَعَلَّمُوا الْعِلْمَ فَإِنَّ تَعَلُّمَهُ لله خَشْيَةٌ، وَطَلَبَهُ عِبَادَةٌ، وَمُذَاكَرَتَهُ تَسْبِيحٌ، وَالْبَحْثَ عَنْهُ جِهَادٌ، وَتَعْلِيمَهُ مَنْ لا يَعْلَمُهُ صَدَقَةٌ، وَبَذْلَهُ لأهْلِهِ قُرْبَةٌ، وهو الأنِيسُ في الوحِدةٍ، والصاحِبُ في الخِلوةٍ، والدليل على الدّين، والمُصبِّر على البأساء والضّراء، يرفع الله به أقواماً، فيجعلهم في الخير قادةً سادةً هُداةً

стр. 32

يُقتدى بهم، أدلةً على الخيرِ، تُقتصُّ آثارهم، وتُرمق أفعالهم، يبلُغُ العَبدُ به منازل الأبرار والدرَجات العُلى، والتّفكُر فيه يعدل بالصيام، ومُدارسته بالقيام، به يُطاع الله ، وبه يُعبد، وبه يوُحَّد ويُمجَّد، وبه يُتورَّع، وبه توصل الأرحام، وبه يعرف الحلال والحرام، وهو إمامٌ، والعَملُ تابِعه، يُلهمه السُعداء، ويُحرمه الأشقِياء» (١). وقال الحسن البصري (٢) -رحمه الله تعالى-: «لولا العلماء لصار الناس مثل البهائم» (٣) أي أنهم بالتعلم يُخرجون الناس من حد البهيمية إلى حد الإنسانية. وكان سرياً السقطي يقول: «من علم ما طلب هان عليه ما بذل» (٤)

стр. 33

قال صاحب فتح الكريم المنان (١): نقل النووي عن الشافعي أنه قال: طَلَبُ الْعِلْمِ أَفْضَلُ مِنْ صَلاةِ النَّافِلَةِ. وَقَالَ: «لَيْسَ بَعْدَ الْفَرَائِضِ أَفْضَلُ مِنْ طَلَبِ الْعِلْمِ». وَقَالَ: «مَنْ أَرَادَ الدُّنْيَا فَعَلَيْهِ بِالْعِلْمِ، وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ فَعَلَيْهِ بِالْعِلْمِ». وَقَالَ: «مَنْ لا يُحِبُّ الْعِلْمَ فَلا خَيْرَ فِيهِ، فَلا يَكُنْ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ مَعْرِفَةٌ وَلا صَدَاقَةٌ». وَقَالَ: «إنْ لَمْ يَكُنْ الْفُقَهَاءُ الْعَامِلُونَ أَوْلِيَاءَ الله فَلَيْسَ لله وَلِيٌّ». وَقَالَ: «مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ عَظُمَتْ قِيمَتُهُ، وَمَنْ نَظَرَ فِي الْفِقْهِ نَبُلَ قَدْرُهُ، وَمَنْ نَظَرَ فِي اللُّغَةِ رَقَّ طَبْعُهُ، وَمَنْ نَظَرَ فِي الْحِسَابِ جَزُلَ رَأْيُهُ، وَمَنْ كَتَبَ الْحَدِيثَ قَوِيَتْ حُجَّتُهُ، وَمَنْ لَمْ يَصُنْ نَفْسَهُ لَمْ يَنْفَعْهُ عِلْمُهُ». اهـ

стр. 34

وَقَالَ كَعْبُ الأَحْبَارِ: أَوْحَى الله تَعَالَى إلَى مُوسَى ﵊: «أَنْ تَعَلَّمْ يَا مُوسَى الخَيْرَ وَعَلِّمْهُ لِلنَّاسِ، فَإِنِّي مُنَوِّرٌ لِمُعَلِّمِ الْخَيْرِ وَمُتَعَلِّمِهِ فِي قُبُورِهِمْ حَتَّى لا يَسْتَوْحِشُوا مَكَانَهُمْ» (١) وَقَالَ عِيسَى ﵊: «مَنْ تَعَلَّمَ وَعَلَّمَ وَعَمِلَ فَذَاكَ يُدْعَى عَظِيمًا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاءِ.» (٢) * * *

стр. 35

الحث على طلب العلم قال الله تعالى: (إِنَّمَا يَخْشَى الله مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) [فاطر: ٢٨]. وذلك أن من لم يعرفه حق معرفته لم يهبه حق مهابته، ولم يعظمه حق تعظيمه وحرمته فبالعلم يعرفه ويعظمه ويهابه. قال الإمام الغزالي: اعلم أن العلم والعبادة لأجلهما كان كل ما ترى وتسمع من تأليف المؤلفين وتعليم المعلمين ووعظ الواعظين، بل لأجلهما أنزلت الكتب وأرسلت الرسل، بل لأجلهما خلقت السموات والأرض وما فيهن من الخلق. وتأمل آيتين في كتاب الله : إحداهما: قوله جلّ ذكره: (الله الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ الله عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ الله قَدْ أَحَاَطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً) (الطلاق:١٢)

стр. 36

وكفى بهذه الآية دليلاً على شرف العلم. الآية الثانية: قوله تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) [الذاريات: ٥٦] وكفى بهذه الآية دليلاً على شرف العبادة. فأعظم بأمرين هما المقصود من خلق الدارين، فحق للعبد ألا يشغل إلا بهما ولا يتعب إلا لهما، ولا ينظر إلا فيهما، وما سواهما من الأمور باطل لا خير فيه ولغو لا حاصل له. فإذا علمت ذلك فاعلم أن العلم أشرف الجوهرين وأفضلهما، ولكن لابد للعبد من العبادة مع العلم، وإلا كان علمه هباء منثوراً. فإن العلم بمنزلة الشجرة والعبادة بمنزلة ثمرة من ثمراتها، فالشرف للشجرة إذ هي الأصل، لكن الانتفاع إنما يحصل بثمرتها، فإذن لابد للعبد من أن يكون له من كلا الأمرين حظ ونصيب، وهناك أمر آخر يقدم العلم على العبادة ألا وهو: ما يلزمك فعله من الواجبات الشرعية، وما يلزمك تركه من

стр. 37

المناهي، وإلا فكيف تقوم بطاعات لا تعرفها ما هي؟ وكيف يجب أن تفعل؟ أم كيف تجتنب معاصي لا تعلم أنها معاصي؟ فا لعبادات الشرعية كالطهارة والصلاة والصوم وغيرها يجب أن تعلمها بأحكامها وشرائطها حتى تقيمها، فربما أنت مقيم على شيء سنيناً وأزماناً مما يفسد عليك طهارتك وصلواتك ويخرجهما عن كونهما واقعتين على وفاق السنة وأنت لا تشعر بذلك) (١). وقال بعض الفضلاء شعراً: إذَا كُنْت لا تَدْرِي وَلَمْ تَكُ بِاَلَّذِي ... يُسَائِلُ مَنْ يَدْرِي فَكَيْفَ إذًا تَدْرِي جَهِلْت وَلَمْ تَعْلَمْ بِأَنَّك جَاهِلٌ ... فَمَنْ لِي بِأَنْ تَدْرِي بِأَنَّك لا تَدْرِي إذَا كُنْت مِنْ كُلِّ الأمُورِ مُقلداً ... فَكُنْ هَكَذَا أَرْضًا يَطَأْكَ الَّذِي يَدْرِي وَمِنْ أَعْجَبِ الأشْيَاءِ أَنَّك لا تَدْرِي ... وَأَنَّك لا تَدْرِي بِأَنَّك لا تَدْرِي

стр. 38

وقال آخر: وباكيةٌ بالعينِ قلتُ لها أقصري ... فلا الموتُ أحلا من معالجة الفقر ولا تحسبنَّ الفقرَ فقراً من الدُّنا ... ولكنَّ فقرَ العلمِ من أعظم الفقر سأطلبُ علماً أو أموت ببلدةٍ ... يقلُّ بها قطرُ الدموع على قبري وإنَّ فتى الفتيان من عاش واهتدى ... ليطلب علماً بالتجلُّد والصَّبر أليس من الخسران أنَّ ليالياً ... تمرُّ بلا عذرٍ وتُحسبُ من عُمْري * * *

стр. 39

آداب الطالب ينبغي على طالب العلم التحلي بأخلاق أهل العلم ليحصل له توفيق العلم وها أنا مشير إليك بخمسة أقسام: القسم الأول: آداب الطالب مع نفسه. القسم الثاني: آداب الطالب مع شيخه. القسم الثالث: آداب الطالب مع دروسه. القسم الرابع: آداب الطالب مع الكتاب. القسم الخامس: آداب المعاشرة مع الخلق. وكل قسم يندرج تحته فروع: القسم الأول: آداب الطالب مع نفسه: وفيه أربعة عشر نوعًا: النوع الأول: تقديم طهارة النفس عن رذائل الأخلاق ومذموم الأوصاف ، إذ العلم عبادة القلب، وصلاة السر، وقربة الباطن إلى الله تعالى؛ وكما لا

стр. 40

تصح الصلاة التي هي وظيفة الجوارح الظاهرة إلا بتطهير الظاهر عن الأحداث والأخباث فكذلك لا تصح عبادة الباطن وعمارة القلب بالعلم إلا بعد طهارته عن خبائث الأخلاق وأنجاس الأوصاف. تنزيه النفس عن المعاصي الظاهرة والباطنة . قال الله : (وَذَرُوا ظَاهِرَ الْأِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْأِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ) (الأنعام:١٢٠) وقال تعالى: (وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ) (الأنعام:١٥١) وقال تعالى: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ) (لأعراف:٣٣) فجعل الله المعاصي الظاهرة والباطنة سواء في التحريم وفي الأمر باجتنابها، فقد يهتم العبد بالتنزه عن المعاصي الظاهرة ويُغفل الباطنة وهى أشد فتكاً،
следующие страницы →