← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 96879

الأخلاق الزكية في آداب الطالب المرضية

أحمد بن يوسف الأهدل

Полный текст (237 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وكفى بهذه الآية دليلاً على شرف العلم. الآية الثانية: قوله تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) [الذاريات: ٥٦] وكفى بهذه الآية دليلاً على شرف العبادة. فأعظم بأمرين هما المقصود من خلق الدارين، فحق للعبد ألا يشغل إلا بهما ولا يتعب إلا لهما، ولا ينظر إلا فيهما، وما سواهما من الأمور باطل لا خير فيه ولغو لا حاصل له. فإذا علمت ذلك فاعلم أن العلم أشرف الجوهرين وأفضلهما، ولكن لابد للعبد من العبادة مع العلم، وإلا كان علمه هباء منثوراً. فإن العلم بمنزلة الشجرة والعبادة بمنزلة ثمرة من ثمراتها، فالشرف للشجرة إذ هي الأصل، لكن الانتفاع إنما يحصل بثمرتها، فإذن لابد للعبد من أن يكون له من كلا الأمرين حظ ونصيب، وهناك أمر آخر يقدم العلم على العبادة ألا وهو: ما يلزمك فعله من الواجبات الشرعية، وما يلزمك تركه من

стр. 37

المناهي، وإلا فكيف تقوم بطاعات لا تعرفها ما هي؟ وكيف يجب أن تفعل؟ أم كيف تجتنب معاصي لا تعلم أنها معاصي؟ فا لعبادات الشرعية كالطهارة والصلاة والصوم وغيرها يجب أن تعلمها بأحكامها وشرائطها حتى تقيمها، فربما أنت مقيم على شيء سنيناً وأزماناً مما يفسد عليك طهارتك وصلواتك ويخرجهما عن كونهما واقعتين على وفاق السنة وأنت لا تشعر بذلك) (١). وقال بعض الفضلاء شعراً: إذَا كُنْت لا تَدْرِي وَلَمْ تَكُ بِاَلَّذِي ... يُسَائِلُ مَنْ يَدْرِي فَكَيْفَ إذًا تَدْرِي جَهِلْت وَلَمْ تَعْلَمْ بِأَنَّك جَاهِلٌ ... فَمَنْ لِي بِأَنْ تَدْرِي بِأَنَّك لا تَدْرِي إذَا كُنْت مِنْ كُلِّ الأمُورِ مُقلداً ... فَكُنْ هَكَذَا أَرْضًا يَطَأْكَ الَّذِي يَدْرِي وَمِنْ أَعْجَبِ الأشْيَاءِ أَنَّك لا تَدْرِي ... وَأَنَّك لا تَدْرِي بِأَنَّك لا تَدْرِي

стр. 38

وقال آخر: وباكيةٌ بالعينِ قلتُ لها أقصري ... فلا الموتُ أحلا من معالجة الفقر ولا تحسبنَّ الفقرَ فقراً من الدُّنا ... ولكنَّ فقرَ العلمِ من أعظم الفقر سأطلبُ علماً أو أموت ببلدةٍ ... يقلُّ بها قطرُ الدموع على قبري وإنَّ فتى الفتيان من عاش واهتدى ... ليطلب علماً بالتجلُّد والصَّبر أليس من الخسران أنَّ ليالياً ... تمرُّ بلا عذرٍ وتُحسبُ من عُمْري * * *

стр. 39

آداب الطالب ينبغي على طالب العلم التحلي بأخلاق أهل العلم ليحصل له توفيق العلم وها أنا مشير إليك بخمسة أقسام: القسم الأول: آداب الطالب مع نفسه. القسم الثاني: آداب الطالب مع شيخه. القسم الثالث: آداب الطالب مع دروسه. القسم الرابع: آداب الطالب مع الكتاب. القسم الخامس: آداب المعاشرة مع الخلق. وكل قسم يندرج تحته فروع: القسم الأول: آداب الطالب مع نفسه: وفيه أربعة عشر نوعًا: النوع الأول: تقديم طهارة النفس عن رذائل الأخلاق ومذموم الأوصاف ، إذ العلم عبادة القلب، وصلاة السر، وقربة الباطن إلى الله تعالى؛ وكما لا

стр. 40

تصح الصلاة التي هي وظيفة الجوارح الظاهرة إلا بتطهير الظاهر عن الأحداث والأخباث فكذلك لا تصح عبادة الباطن وعمارة القلب بالعلم إلا بعد طهارته عن خبائث الأخلاق وأنجاس الأوصاف. تنزيه النفس عن المعاصي الظاهرة والباطنة . قال الله : (وَذَرُوا ظَاهِرَ الْأِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْأِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ) (الأنعام:١٢٠) وقال تعالى: (وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ) (الأنعام:١٥١) وقال تعالى: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ) (لأعراف:٣٣) فجعل الله المعاصي الظاهرة والباطنة سواء في التحريم وفي الأمر باجتنابها، فقد يهتم العبد بالتنزه عن المعاصي الظاهرة ويُغفل الباطنة وهى أشد فتكاً،

стр. 41

وهذا من الغفلة وفيه شبهة رياء إذ اهتم بما يطلع عليه الناس من المعاصي الظاهرة وأغفل التنزه عن المعاصي الباطنة التي لايطلع عليها إلا الله تعالى. قال تعالى: (يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطاً) (النساء:١٠٨) بعد هذا التمهيد نقول لطالب العلم خاصة - ولكل مسلم عامة - ينبغي أن تعلم أن اقتراف المعاصي مضاد للعلم النافع، فقد روى الخطيب البغدادي بإسناده عن ابن مسعود ﵁ قال: «إني لأحْسِبُ العبدَ ينسى العلم َ كان يعلمه بالخطيئة يعملها» (١). أهـ وقال النووي: (وينبغي أن يطهِّر قلبه من الأدناس ليصلح لقبول العلم وحفظه واستثماره، ففي الصحيحين عن رسول الله ﵌: «إنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً إذَا صَلُحَتْ صَلُحَ الجَسَدُ كُلُّهُ,

стр. 42

وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ» (١). وقالوا: تطبيب القلب للعلم كتطبيب الأرض للزراعة) (٢). ونقل النووي عن الشافعي -رحمهما الله- قوله: «من أحب أن يفتح الله قلبه أو ينِوِّره فعليه بترك الكلام فيما لايعنيه، واجتناب المعاصي، ويكون له خبيئة فيما بينه وبين الله تعالى من عمل، وفي رواية: فعليه بالخلوة وقلة الأكل وترك مخالطة السفهاء وبُغض أهل العلم الذين ليس معهم إنصاف ولا أدب» (٣). والتنزه عن المعاصي يشتمل على ماظهر منها ومابطن، الكبائر منها والصغائر. فالمعاصي الظاهرة: منها معاصي اللسان من

стр. 43

الغيبة والنميمة والسبّ والكذب، ومنها معاصي السمع والبصر، ومعاصي الفرج، وأكل الحرام والغش والظلم والخداع والبغي وغيرها. والمعاصي الباطنة والتي كثيراً ما يغفل عنها الإنسان منها الرياء والكِبْر والعُجب والحسد وسوء الظن وحب المعاصي وحب العُصاة والظّلمة وغيرها. ومع التنزه عن المعاصي يكون التحلي بمحاسن الأخلاق من باب التخلية والتحلية. الوظيفة الأولى: تطهير القلب من خبث الصفات: مثل الرياء والحسد والكبر والعُجب، والغضب، فلا تظن أنك تسلم بنية صالحة في تعلم العلم وفي قلبك شيء منها. وقد قال ﵌: «ثَلَاثٌ مُهْلِكَاتٌ: شُحٌّ مُطَاعٌ , وَهَوًى مُتَّبَعٌ , وَإِعْجَابُ المَرْءِ بِنَفْسِهِ» (١). ******

стр. 44

١. الرياء: «وهو طلب المنزلة في قلوب الناس بإيرائهم خصال الخير» (١) وهو الشرك الخفي. يعني وهو في غاية من الخفاء لأنه أدق من دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء- أي على الحجر الأملس- في الليلة الظلماء. ولهذا جاء في الحديث: «الشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النملة السوداء على صَفاةٍ سوداء في ظُلمة الليل» (٢). وكفّارته أن يقول: «اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك شيئاً وأنا أعلم، وأستغفرك من الذنب الذي لا أعلم» (٣). قال الله تعالى: (فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً) (الكهف:١١٠) وقَالَ رَسُولُ الله ﵌:

стр. 45

«قال الله ﵎: أنا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عن الشِّرْكِ، من عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فيه مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ» (١). وقَالَ رَسُولُ الله ﵌: «إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَتَخَوَّفُ عَلَى أُمَّتِي الإشْرَاكُ بِالله أَمَا إِنِّي لَسْتُ أَقُولُ يَعْبُدُونَ شَمْسًا وَلا قَمَرًا وَلا وَثَنًا وَلَكِنْ أَعْمَالاً لِغَيْرِ الله وَشَهْوَةً خَفِيَّةً» (٢). وقال ﵌: «الشِّرْكُ الْخَفِيُّ: أَنْ يَقُومَ الرَّجُلُ يُصَلِّي فَيُزَيِّنُ صَلاتَهُ لِمَا يَرَى مِنْ نَظَرِ رَجُلٍ» (٣).

стр. 46

علاج الرياء: «وعلاجه أن يعلم مضرة الرياء، وما يفوته من صلاح قلبه، وما يحرم عنه في الحال من التوفيق، وفي الآخرة من المنزلة عند الله تعالى، وما يتعرض له من العقاب والمقت الشديد والخزي الظاهر، فمهما تفكر العبد في هذا الخزي وقابل ما يحصل له من العباد والتزين لهم في الدنيا بما يفوته في الآخرة وبما يحبط عليه من ثواب الأعمال فإنه يسهل عليه قطع الرغبة عنه، كمن يعلم أن العسل لذيذ، ولكن إذا بان له أن فيه سماً أعرض عنه، ثم أي غرض له في مدحهم وإيثار ذم الله لأجل حمدهم ولا يزيده حمدهم رزقاً ولا أجلاً ولا ينفعه يوم القيامة» (١). وذكر لي شيخي العلامة أحمد بن جابر جبران -رحمه الله تعالى-: أن من علاج العجب والرياء -

стр. 47

ذكر هجوم الموت وأنت على هذه الحالة - ومن العلاج أيضاً: أن تستحضر رضا من تطلب وفي أي نعيم ترغب ومن أي عذاب ترهب. فيجب عليك أيها الطالب للعلم أن تقصد بعلمك وتعلمك ابتغاء وجه الله ولا يكن طلبك للعلم لغير الله فتبوء بالخسران. نسأل الله السلامة والعمل لوجهه الكريم.؛؛؛ ******

стр. 48

٢ - الحسد: وهو كراهية النعمة وحب زوالها عن المنعم عليه. * بيان ذم الحسد اعلم أن الحسد من نتائج الحقد، والحقد من نتائج الغضب فهو فرعُ فرعهِ والغضبُ أصله ثم إن للحسد من الفروع الذميمة ما لا يكاد يحصى. وقد ورد في ذمه أخبار كثيرة: قال الله تعالى: (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ) (النساء:٥٤). وقال تعالى: (وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ) (الفلق:٥) وقال رسول الله ﵌: «الحَسَدُ يَأْكُلُ الحَسَنَاتِ كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الحَطَبَ» (١).

стр. 49

وقال ﵌ في النهي عن الحسد وأسبابه وثمراته: «إِيَّاكُمْ والظَّنَّ (١)، فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الحديثِ، ولا تَحَسَّسُوا ولا تَجَسَّسُوا (٢)، ولا تَنَاجَشُوا (٣)، ولا تَحَاسَدُوا، ولا تَبَاغَضُوا، ولا تَدَابَرُوا (٤)، وكُونُوا عبادَ الله إِخْوَاناً» (٥).

стр. 50

قال بعضهم: الحاسد لا ينال من المجالس إلا مذمة وذلاً، ولا ينال من الملائكة إلا لعنة وبغضاً، ولا ينال من الخلق إلا جزعاً وغماً، ولا ينال عند الموقف إلا فضيحة ونكالاً. بيان حقيقة الحسد وحكمه وأقسامه ومراتبه اعلم أنه لا حسد إلا على نعمة، فإذا أنعم الله على أخيك بنعمة فلك فيها حالتان: إحداهما: أن تكره دوام تلك النعمة عليه وتحب زوالها عنه، وهذه الحالة تسمى حسداً. فالحسد حدُّه كراهة النعمة وحب زوالها عن المنعم عليه. وهذا هو المذموم، فهو حرام بإجماع الأمة , لأنه اعتراض على الحق , ومعاندة له , ومحاولة لنقض ما فعله , وإِزالةُ فَضْلِ الله عَمَّن أَهَّلَهُ لَهُ. الحالة الثانية: أن لا تحب زوالها ولا تكره وجودها ودوامها ولكن تشتهي لنفسك مثلها. وهذه تسمى غبطة، وقد تختص باسم المنافسة. فالغبطة إن كانت في الطاعة فهي محمودة , وإن كانت في المعصية

стр. 51

فهي مذمومة , وإن كانت في الجائزات فهي مباحة. أسباب الحسد: للحسد المذموم مداخل كثيرة وأسباب عديدة: السبب الأول: العداوة والبغضاء، وهذا أشد أسباب الحسد، فإن من آذاه شخص بسبب من الأسباب وخالفه في غرض بوجه من الوجوه أبغضه قلبه وغضب عليه وسنح في نفسه الحقد، والحقد يقتضي منه التشفي والانتقام، فإن عجز المتنغص عن أن يتشفى بنفسه أحب أن يتشفى منه الزمان. السبب الثاني: التعزز وهو أن يثقل عليه أن يترفع عليه غيره. فإذا أصاب بعض أمثاله ولايةً أو علماً أو مالاً خافَ أن يتكبر عليه وهو لا يطيق تكبره، ولا تسمح نفسه باحتمال صلفه وتفاخره عليه، وليس من غرضه أن يتكبر بل غرضه أن يدفع كبره، فإنه قد رضي بمساواته مثلاً، ولكن لا يرضى بالترفع عليه. السبب الثالث: الكبر، وهو أن يكون في طبعه

стр. 52

أن يتكبر عليه ويستصغره ويستخدمه ويتوقع منه الانقياد له والمتابعة في أغراضه، فإذا نال نعمة خاف أن لا يحتمل تكبره ويترفع عن متابعته، بل لربّما يتشوّف إلى مساواته أو إلى أن يترفع عليه فيعود متكبِّراً بعد أن كان متكبَّراً عليه. السبب الرابع: التعجب، كما أخبر الله تعالى عن الأمم السالفة إذ قالوا: (مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا) (يّس:١٥) (فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا) (المؤمنون:٤٧) (وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذاً لَخَاسِرُونَ) (المؤمنون:٣٤). فتعجبوا من أن يفوز برتبة الرسالة والوحي والقرب من الله تعالى بشر مثلهم فحسدوهم، وأحبوا زوال النبّوة عنهم جزعاً أن يفضل عليهم مَنْ هو مثلهم في الخلقة، لا عن قصد تكبر وطلب رياسة وتقدّم عداوة أو سبب آخر من سائر الأسباب، وقالوا متعجبين: (أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَسُولاً) (الاسراء:٩٤) وقالوا: (لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ) (الفرقان:٢١). وقال تعالى: (أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ

стр. 53

مِنْكُمْ) (لأعراف:٦٣) السبب الخامس: الخوف من فوت المقاصد، وذلك يختص بمتزاحمين على مقصود واحد، فإن كلّ واحد يحسد صاحبه في كل نعمة تكون عوناً له في الانفراد بمقصوده، ومن هذا الجنس تحاسد الضرات في التزاحم على مقاصد الزوجية، وتحاسد الإِخوة في التزاحم على نيل المنزلة في قلب الأبوين للتوصل به إلى مقاصد الكرامة والمال. السبب السادس: حب الرياسة وطلب الجاه بأن يكون منفرداً عديم النظير غير مشارك في المنزلة، يسوؤه وجود مناظر له في المنزلة. وليس السبب في هذا عداوة ولا تعزز ولا تكبر على المحسود ولا خوف من فوات مقصود سوى محض الرياسة بدعوى الانفراد. السبب السابع: خبث النفس وشُحها بالخير لعباده الله بحيث يشق عليه أن يوصف عنده حُسن حال عبد فيما أنعم عليه، ويفرح بذكر فوات مقاصد

стр. 54

أحد واضطراب أموره وتنغص عيشه، فهو أبداً يحب الأدبار لغيره ويبخل بنعمة الله على عباده كأنهم يأخذون ذلك من ملكه وخزانته، وهذا ليس له سبب ظاهر إلا خبث في النفس ورذالة في الطبع. علاج مرض الحسد عن القلب: اعلم أن الحسد من الأمراض العظيمة للقلوب، ولا تداوي أمراض القلوب إلا بالعلم والعمل، والعلم النافع لمرض الحسد هو أن تعرف تحقيقاً أن الحسد ضرر عليك في الدنيا والدين وأنه لا ضرر فيه على المحسود في الدنيا والدين بل ينتفع به فيمها. أما كونه ضرراً عليك في الدين: فهو أنك بالحسد سخطت قضاء الله تعالى وكرهت نعمته التي قسمها بين عباده، وعدله الذي أقامه في ملكه بخفيّ حكمته، فاستنكرت ذلك واستبشعته وهذه جناية في حدقة التوحيد وناهيك بها جناية على الدين. وأما كونه ضرراً في الدنيا: فهو أنك تتألم بحسدك في الدنيا أو تتعذب به ولا تزال في كمد

стр. 55

وغم، وإذ أعداؤك لا يخليهم الله تعالى عن نعيم يفيضها عليهم فلا تزال تتعذب بكل نعمة تراها، وتتألم بكل بلية تنصرف عنهم فتبقى مغموماً ضيق الصدر. فإذا تأملت هذا عرفت أنك عدو نفسك وصديق عدوك إذ تعاطيت ما تضررت به في الدنيا والآخرة، وانتفع به عدوك في الدنيا والآخرة، وصرت مذموماً عند الخالق والخلائق شقياً في الحال والمآل، ونعمة المحسود دائمة شئت أم أبيت باقية. ومن تفكر بهذا بذهن صاف وقلب حاضر انطفأت نار الحسد من قلبه. أما العمل النافع فيه: فهو أن يكلف نفسه نقيض ما يتقاضاه الحسد، وذلك بالتواضع للمحسود والثناء والمدح وإظهار السرور بالنعمة، فتعود القلوب إلى التآلف والتحاب، وبذلك تستريح القلوب من ألم الحسد وغم التباغض. فهذه هي أدوية الحسد وهي نافعة جداً إلا أنها مرة على القلوب جداً، ولكن النفع في الدواء المر،

стр. 56

فمن لم يصبر على مرارة الدواء لم ينل حلاوة الشفاء، وإنما تهون مرارة هذا الدواء، أعني التواضع للأعداء والتقرب إليهم بالمدح والثناء، بقوة العلم بالمعاني التي ذكرناها، وقوة الرغبة في ثواب الرضا بقضاء الله تعالى) (١). ****** ٣ - العجب: وقد عرفه صاحب فتح الكريم المنان بقوله: «وهو النظر إلى النفس بعين الكمال والفخر بما فيها من علم أو صلاح صوري» (٢). قال ﵊: «إذا رأيت شحاً مطاعاً وهوى متّبعاً ودنيا مؤثرة وإعجابَ كل ذي رأيٍ برأيه فعليك بخاصة نفسك» (٣). هذه أمراض متى وجدت تعذرّت الحياة

стр. 57

الجماعية والعمل المشترك، ولذلك أفتى رسول الله ﵌ من يجد ذلك بالعزلة، مع أنه ﵊ حضّ كثيراً على الجماعة والألفة والتعاون في الخير، ومن ههنا ندرك خطورة العجب والشُّحِّ وحب الدنيا واتباع الهوى على الحياة البشرية عموماً وعلى الحياة الإِسلامية خصوصاً. إنه مع العجب يوجد الرضا عن النفس، والرضا عن النفس يتفرّع عنه الكثير من التقصير، والكثير من الأمراض، كالغرور وازدراء الآخرين ودعوى المقامات وغير ذلك حتّى إن ابن عطاء الله السكندري اعتبر الرضا عن النفس أصل كل بلاء. قال: (أصل كل معصية وغفلة وشهوة الرضا عن النفس، وأصل كل طاعة ويقظة وعفّة عدم الرضا منك عنها، ولأن تصحب جاهلاً لا يرضى عن نفسه خير لك من أن تصحب عالماً يرضى عن نفسه، فأي علم لعالمٍ يرضى عن نفسه، وأي جهلٍ لجاهل لا يرضى عن نفسه). ومن ههنا نعلم

стр. 58

خطورة أمراض النفس على الحياة البشرية عموماً وعلى الحياة الإِسلامية خصوصاً، وعلى أي عمل جماعي. بيان ذم العجب اعلم أن العجب مذموم في كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﵌. قال الله تعالى: (وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً) (التوبة:٢٥). ذكر ذلك في معرض الإنكار. وقال : (وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ الله فَأَتَاهُمُ الله مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا) (الحشر:٢). فرد على الكفار في إعجابهم بحصونهم وشوكتهم. قال الله تعالى: (ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ الله لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ) (الحج:٩) وقال تعالى: (فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ) (النجم:٣٢).أي لا

стр. 59

تعتقدوا أنها بارة. وقال تعالى: (وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً) (الكهف:١٠٤). وهذا يرجع إلى العجب بالعمل وقد يعجب الإنسان بعمل وهو مخطيء فيه كما يعجب بعمل وهو مصيب فيه. (والعُجب محبط للأعمال الصالحة مفسد للقلب، وهو من الأمراض القلبية الخبيثة التي تحرم طالب العلم التوفيق في العلم، «وذلك لأن المعجب يغتر بنفسه وبرأيه وإن أعجب برأيه وعمله وعقله منع ذلك من الاستفادة ومن الاستشارة والسؤال فيستبد بنفسه ورأيه، ويستنكف عن سؤال من هو أعلم منه) (١). [فالعجب إنَّما يكون ويوجد من الإنسان لاستشعار وصف كمال , ومن أُعجب بعمله

стр. 60

استعظمه فكأَنَّه يمُنُّ على الله بطاعته , ورُبَّمَا ظنَّ أنَّها جَعَلت له عند الله موضعًا , وأنه قد استَوجَب بها جزاءً , ويكُونُ قد أهلك نفسه , فقد قال ﵊: «ثَلَاثٌ مُهْلِكَاتٌ: شُحُّ مُطَاعٌ , وَهَوًى مُتَّبَعٌ , وَإِعْجَابُ الْمَرْءِ بِنَفْسِهِ» (١). ورُبَّمَا منعه عُجْبُهُ من الازدياد , ولهذا قالوا: عُجْبُ الْمَرْءِ بِنَفْسِهِ أَحَدُ حُسَّادِ عَقْلِهِ] (٢). [قال علي ﵁: «الإعجاب آفة الألباب». وقال غيره: «إعجاب المرء بنفسه دليل على ضعف عقله». وقالوا: «من أعجب برأيه ضلّ، ومن استغن بعقله زلَّ، ومن تكبَّر على الناس ذلَّ، ومن خالط

стр. 61

الأنذال صُغِّر، ومن جالس العلماء وِقِّرَ»] (١). وقال مالك بن دِينَارٍ: «كَيْفَ يَتِيهُ مَنْ أَوَّلُهُ نُطْفَةٌ مَذِرَةٌ , وَآخِرُهُ جِيفَةٌ قَذِرَةٌ , وَهُوَ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ يَحْمِلُ الْعَذِرَةَ» (٢). وقال الشَّاعر: وَمَنْ أَمِنَ الآفَاتِ عَجَبًا بِرَأْيِهِ ... أَحَاطَتْ بِهِ الآفَاتُ مِنْ حَيْثُ يَجْهَلُ وعلاج العجب: «اعلم أن علاج كل علة هو مقابلة سببها بضده، وعلة العجب الجهل المحض فعلاجه المعرفة المضادة لذلك الجهل، وذلك أن المعجب بجماله أو قوته أو نسبه وما لا يدخل تحت اختياره، إنما يعجب بما ليس إليه لأن كل ذلك من فضل الله، وإنما هو محل

стр. 62

لفيضان جوده تعالى، فله الشكر والمنة لا لك إذ فاض على عبده ما لا يستحق وآثره به على غيره من غير سابقه ووسيلة، فإن منشأ العجب بذلك هو الجهل، وإزالة ذلك بالعلم المحقق بأن العبد وعمله وأوصافه كلها من عند الله تعالى نعمة ابتداؤه بها قبل الاستحقاق ينفي العجب، ويورث الخضوع والشكر والخوف من زوال النعمة. قال الله تعالى: (وَلَوْلا فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً) (النور:٢١) وقال النبي ﵌ لأصحابه وهو خير الناس: «مَا منكم مِن أحَدٍ يُنجيه عمله» قالوا: وَلا أَنْتَ يَا رَسُولَ الله، قَالَ: «وَلا أَنَا، إِلا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي الله مِنْهُ برَحْمَةٍ» (١). ومهما غلب الخوف على القلب شغله خشية سلب هذه النعمة عن الإعجاب بها، فإن هذا هو العلاج المانع لمادة العجب من

стр. 63

القلب) (١). ****** ٤ - الكبر: فهو الداء العضال، وقد عرفه الإمام الغزالي بقوله: «وهو نظر العبد إلى نفسه بعين العز والاستعظام وإلى غيره بعين الاحتقار والذُل». وقال ﵀: «فكل من رأى نفسه خيراً من أحد من خلق الله تعالى فهو متكبر» (٢). فالكبر هو ابن العجب، ولذلك جعلناه بعده، لأن الكبر - كما عرفّه رسول الله ﵌ هو: «بَطَرُ الحَقِّ (٣) وَغَمْطُ النَّاسِ» (٤). وذلك جذره العميق هو العجب.

стр. 64

الفرق بين الكبر والعجب: فالكبر هو الركون إلى رؤية النفس على المتكبر عليه، فإن الكبر يستدعي متكبراً عليه ومتكبراً به، وبه ينفصل الكبر عن العجب. فإنّ العجب لا يستدعي غير المعجب، بل لو لم يخلق الإِنسان إلا وحده تصوّر أن يكون معجباً، ولا يتصوّر أن يكون متكبراً إلا أن يكون مع غيره، وهو يرى نفسه فوق ذلك الغير في صفات الكمال، فعند ذلك يكون متكبراً، فيحصل في قلبه اعتداد وهزة وفرح وركون إلى ما اعتقده وعز في نفسه بسبب ذلك، فتلك العزة والهزة والركون إلى العقيدة في النفس هو خلق الكبر. بيان ذم الكبر: قال الله تعالى: (سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ) (لأعراف:١٤٦) وقال تعالى: (كَذَلِكَ يَطْبَعُ الله عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ) (غافر:٣٥)

стр. 65

وقال تعالى: (وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ) (ابراهيم:١٥) وعَنْ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﵌ قَالَ: «لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ، قَالَ رَجُلٌ: إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنَةً، قَالَ: إِنَّ الله جَمِيلٌ يُحِبُّ الجَمَالَ، الْكِبْرُ بَطَرُ الحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ» (١). وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَال: َ قَالَ رَسُولُ الله ﵌: «يَقُولُ الله سُبْحَانَهُ: الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي، وَالْعَظَمَةُ إِزَارِي، مَنْ نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا أَلْقَيْتُهُ فِي جَهَنَّمَ» (٢).

стр. 66

فعليك بعلاج نفسك من هذا الداء لكي توفق للعلم. • ومن علامات الكبر: ١ - حب التقدم على الناس وإظهار الترفع عليهم. ٢ - التبختر والاختيال في المشية. ٣ - تزكية النفس والثناء عليها. ٤ - الفخر بالآباء من أهل الدين والفضل. ٥ - الفخر بالنسب - وذلك مذموم ومستقبح جداً - وقد يبتلى به بعض أولاد الأخيار من لا بصيرةله ولا معرفة بحقائق الدين. وقد قال ﵌: ((مَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ ل يُسِْعْ بِهِ نَسَبُهُ)) (١) بيان الطرق في معالجة الكبر واكتساب التواضع: اعلم أن الكبر من المهلكات ولا يخلو أحد من الخلق عن شيء منه، وإزالته فرض

стр. 67

عين ولا يزول بمجرد التمني بل بالمعالجة واستعمال الأدوية القامعة له. وفي معالجته مقامان: (أحدهما) استئصال أصله، وقلع شجرته من مغرسها في القلب. (الثاني) دفع العارض منه بالأسباب الخاصة التي بها يتكبر الإِنسان على غيره. (المقام الأول) في استئصال أصله، وعلاجه علمي وعملي، ولا يتم الشفاء إلا بمجموعهما: أما العلمي: «أن يعرف نفسه ويعرف ربه تعالى، ويكفيه ذلك في إزالة الكبر، فإنه لو عرف نفسه حق المعرفة لأيقن أنه لا يليق به إلا التواضع، وإذا عرف ربه علم أنه لا تليق العظمة والكبرياء إلا لله ويكفيه أن يعرف معنى هذه الآيات من كتاب الله، قال تعالى: (قُتِلَ الْأِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ * مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ * مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ * ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ * ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ * ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ) [عبس: ١٧ - ٢٢].

стр. 68

فقد أشارت الآيات الكريمة إلى أول خلق الإنسان وإلى آخر أمره وإلى وسطه. (١). قال مالك بن دينار: «كَيْفَ يَتِيهُ مَنْ أَوَّلُهُ نُطْفَةٌ مَذِرَةٌ , وَآخِرُهُ جِيفَةٌ قَذِرَةٌ , وَهُوَ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ يَحْمِلُ الْعَذِرَةَ» (٢). وأما العلاج العملي فهو التواضع لله بالفعل ولسائر الخلق بالمواظبة على أخلاق المتواضعين، من أحوال الصالحين. قال الإمام عبد الوهاب الشعراني - رحمه الله تعالى - في كتابه «المختار»: ومن وصية الإمام النووي - رحمه الله تعالى -: «لا تستصغر أحداً فإن العاقبة منطوية، والعبد لا يدري بم يختم له، فإذا رأيت عاصياً فلا تر نفسك عليه، فربما كان في علم الله أعلى منك مقاماً، وأنت من الفاسقين، ويصير يشفع فيك يوم القيامة!

стр. 69

وإذا رأيت صغيراً فاحكم بأنه خير منك، باعتبار أنه أحقر منك ذنوباً، وإذا رأيت من هو أكبر منك سناً فاحكم بأنه خير منك باعتبار أنه أقدم منك هجرة في الإسلام، وإذا رأيت كافراً فلا تقطع له بالنار لاحتمال أنه يسلم ويموت مسلماً» (١). فينبغي لك أن تعلم أن الخيّر من هو خيّرُ عند الله في دار الآخرة وذلك غيب وهو موقوف على الخاتمة، فاعتقادك في نفسك أنك خير من غيرك جهل محض. المقام الثاني: فيما يعرض من التكبر بالأسباب السبعة: ونحن نذكر طريق العلاج من العلم والعمل في جميع أسبابه السبعة: الأول: النسب: فمن يعتريه الكبر من جهة

стр. 70

النسب فليداو قلبه بمعرفة أن هذا جهل من حيث إنه تعزز بكمال غيره، ومن كان خسيسا فمن أين تجبر خسته بكمال غيره وبمعرفة نسبه الحقيقي أعني أباه وجده، فإن أباه القريب نطفة قذرة، وجده البعيد تراب، وقد عرف الله تعالى نسبه فقال: ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (٧) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (٨)﴾ [السجدة: ٧، ٨] فإذا كان أصله من التراب وفصله من النطفة فمن أين تأتيه الرفعة؟ فهذا هو النسب الحقيقي للإنسان، ومن عرفه لا يتكبر بالنسب. الثاني: الكبر بالجمال: ودواؤه أن ينظر إلى باطنه نظر العقلاء، ولا ينظر إلى الظاهر نظر البهائم، ومهما نظر إلى باطنه رأى من القبائح ما يكدر عليه تعززه بالجمال، إذ خلق من أقذار ووكل به في جميع أجزائه الأقذار، وسيموت فيصير جيفة أقذر من سائر الأقذار، وجماله لا بقاء له، بل هو في كل حي يتصور أن يزول بمرض أو سبب من الأسباب، فكم

стр. 71

من وجوه جميلة قد سمجت بهذه الأسباب. فمعرفة ذلك تنزع من القلب داء الكبر بالجمال لمن أكثر تأملها. الثالث: الكبر بالقوة: ويمنعه من ذلك أن يعلم ما سلط الله عليه من العلل والأمراض، وأنه لو توجع عرق واحد في يده لصار أعجز من كل عاجز، أو أن شوكة لو دخلت في رجله لأعجزته، وأن حمى يوم تحلل من قوته ما لا ينجبر في مدة فمن لا يطيق شوكة، ولا يقدر على أن يدفع عن نفسه ذبابة، فلا ينبغي أن يفتخر بقوته. ثم إن قوي الإنسان فلا يكون أقوى من حمار أو بقرة أو فيل أو جمل، وأي افتخار في صفة يسبقك بها البهائم. السبب الرابع والخامس: الغنى وكثرة المال: وفي معناه كثرة الأتباع والأنصار، والتكبر بالمناصب والولايات، وكل ذلك تكبر بمعنى خارج عن ذات الإنسان، وهذا أقبح أنواع الكبر، فلو ذهب ماله أو احترقت داره لعاد ذليلا، وكم في اليهود من يزيد عليه

стр. 72

في الغنى والثروة والتجمل، فَأُفٍّ لشرفٍ يسبقه به يهودي، أو يَأخُذُهُ سارقٌ في لحظةٍ فيعود ذليلًا مفلسًا. السادس: الكبر بالعلم: وهو أعظم الآفات، وعلاجه بأمرين: أحدهما: أن يعلم أن حجة الله على أهل العلم آكد، وأنه يحتمل من الجاهل ما لا يحتمل عُشْرَهُ من العالم، فإن من عصى الله تعالى عن معرفة وعلم فجنايته أفحش وخطره أعظم. ثانيهما: أن يعرف أن الكبر لا يليق إلا بالله وحده، وأنه إذا تكبر صار ممقوتا عند الله بغيضا، فهذا ما يزيل التكب ويبعث على التواضع. وإذا دعته نفسه للتكبر على فاسق أو مبتدع فليتذكر ما سبق من ذنوبه وخطاياه لتصغر نفسه في عينه، وليلاحظ إبهام عاقبته وعاقبة الآخر فلعله يختم له بالسوء ولذاك بالحسنى، حتى يشغله الخوف عن التكبر عليه، ولا يمنعه ترك التكبر عليه أن يكرهه،

стр. 73

ويغضب لفسقه، بل يبغضه ويغضب لربه إذ أَمَرَهُ أن يغضب عليه من غير تكبر عليه. السابع: التكبر بالورع والعبادة: وذلك فتنة عظيمة على العباد، وسبيله أن يلزم قلبه التواضع لسائر العباد، قال وهب بن منبه: ((ما تم عقل عبد حتى يكون فيه خصال)) وعد منها خصلة قال: ((بها ساد مجده، وبها علا ذكره أن يرى الناس كُلَّهُمْ خَيْرًا مِنْهُ، وإنما الناس عنده فرقتان: فرقة هي أفضل منه وأرفع، وفرقة هي شر منه وأدنى، فهو يتواضع للفرقتين جميعا بقلبه، وإن رأى من هو خير منه سره ذلك وتمنى أن يلحق به، وإن رأى من هو شر منه قال: لعل هذا ينجو وأهلك أنا، فلا تراه إلا خائفا من العاقبة، ويقول: لعل بِرَّ هذا باطن فذلك خير له، ولا أدري لعل فيه خُلُقًا كَرِيمًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الله فيرحمه الله ويتوب عليه، ويختم له بأحسن الأعمال، وبري ظاهر فذلك شر لي، فلا يأمن فيما أظهره من الطاعة أن يكون دخلها الآفات فأحبطتها))، قال: ((فحينئذ

стр. 74

كمل عقله وساد أهل زمانه)). والذي يدل على فضيلة هذا الإشفاق قوله ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٠] أي أنهم يؤتون الطاعات وهم على وجل عظيم من قبولها، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٧] وقال تعالى: ﴿قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ﴾ [الطور: ٢٦]. وقد وصف الله تعالى الملائكة ﵈ مع تقدسهم عن الذنوب ومواظبتهم على العبادات بِالدَّؤُوبِ على الإشفاق فقال تعالى مُخْبرًا عنهم: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٠] ﴿وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٨] فمتى زال الإشفاق والحذر غلب الأمن من مكر الله، وذلك يوجب الكبر، وهو سبب الهلاك، فالكبر دليل الأمن والأمن مهلك، والتواضع دليل الخوف، وهو مسعد. فإذن ما يفسده العباد بإضمار الكبر واحتقار

стр. 75

الخلق أكثر ما يصلحه بظاهر الأعمال. فهذه معارف بها يزال داء الكبر عن القلب، إِلَّا أَنَّ النَّفْسَ بعد هذه المعرفة قد تضمر التواضع، وتدعي البراءة من الكبر وهي كاذبة، فإذا وقعت الواقعة عادت إلى طبعها، فعن هذا لا ينبغي أن يُكتفى في المداواة بمجرد المعرفة، بل ينبغي أن تكمل بالعمل، وتجرب بأفعال المتواضعين في مواقع هيجان الكبر من النفس، وبيانه أن يمتحن النفس بالامتحانات الدالة على استخراج ما في الباطن، والامتحانات كثيرة، فمنها: أن يناظر في مسألة مع واحد من أقرانه، فإن ظهر شيء من الحق على لسان صاحبه فثقل عليه قبوله والانقياد له والشكر له على تَنْبِيهه فذلك يدل على أن فيه كبرًا دفينًا، فليتق الله فيه ويشتغل بعلاجه. أما من حيث العلم فبأن يذكر نفسه خسة نفسه، وخطر عاقبته وأن الكبر لا يليق إلا بالله تعالى. وأما العمل فبأن يكلف نفسه ما ثقل عليه من
следующие страницы →