← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 96882

قيمة الزمن عند العلماء

عبد الفتاح أبو غدة

Полный текст (118 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

قال الوزير الصالح يحيى بن هبيرة: والوقت أنفس ما عنيت بحفظه ... وأراه أسهل ما عليك يضيع! (قيمة الزمن عند العلماء) بقلم: عبد الفتاح أبو غدة -رحمه الله تعالى- ولد سنة (١٣٣٦) هـ، وتوفي سنة (١٤١٧) هـ الطبعة العاشرة مكتب المطبوعات الإسلامية

стр. 2

تقدمة الطبعة الخامسة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين ولي كل عون وتيسير، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على سيدنا محمد النبي البشير النذير، وعلى آله وصحبه ومن سار على صراطه المستقيم المنير، إلى يوم الدين. وجزى الله عنا خير الجزاء علماء هذه الأمة المحمدية، الذين كانت سيرهم طيبة، وأعمالهم الصالحة، وعلومهم النافعة، وأوقاتهم الرابحة: خير قدوة وحافز للمستفيدين والطالبين، في حياتهم وبعد مما تهم، فالله مسئول أن يغدق عليهم شآبيب الرحمة والرضوان، ويسكنهم رفيع غرف الجنان، ويحبب إلينا الاقتداء بهم في صالح القول والعمل والعلم والسلوك. وبعد هذه الطبعة الخامسة من كتابي (قيمة الزمن عند العلماء)، وقد أضفت إليه زيادات كثيرة هامة جدا، وعناوين لمقاطعه، وفهرسا للأعلام فيه، لم تكن في الطبعة الرابعة وما قبلها، راجيا أن يكون بذلك قد تكامل مجموعه، واستوفى موضوعه، فيزيد النفع به والاستفادة منه إن شاء الله تعالى. وأبقيت ترتيب الأخبار فيه على تسلسل سني الوفيات، ولم أرتبه

стр. 3

على الموضوعات، ليتجلى فيه تعاقب الخالف للسالف على رعاية هذه الصفة الرفيعة: (حفظ الوقت) عند العلماء. وأسأله أن يتقبله عملا صالحا، ويرزقني الإخلاص فيه وفي غيره مما كتبته أو خدمته، ويجعلني من الذين يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم يوم العرض عليه، بفضله وإحسانه، وهو أرحم الراحمين. هذا وان كتابي هذا: (قيمة الزمن عند العلماء)، حين صدر في طبعته الأولى سنة ١٤٠٤ والطبعات التي بعدها، نفع الله تعالى به، وآتى أفضل الثمرات الطيبة، ولقي القبول والرواج الحسن، في محيط طلبة العلم والعلماء والمثقفين عامة، وخرك همم كثير من الأساتذة الفضلاء إلى الكتابة في موضوعه والاستفادة منه والاقتباس من أخباره ونصوصه. فكتب فيه الأستاذ الدكتور عبد الستار نوير في سنة ١٤٠٦، كتابه الذي تناول فيه الوقت من جوانب شتى ونواحي متعددة، وسماه بعنوان: (الوقت هو الحياة). وكتب بعد ذلك الأستاذ خلدون الأحدب في أول سنة ١٤٠٧، كتابه الذي أعطاه اسم (تأملات وسوانح في قيمة الزمن)، وهو في جل أخباره ومعظم نصوصه من كتابي سابق الذكر. ويبدو أن السيد خلدونا قد أحب كتابي هذا حبا جما، حتى اقتبسه في كتابه بمضمونه ومصادره، ومنحه زيادة في العنوان. وإنه ليسرني أن ينتفع هذا المحب - أحد أبنائي في الطلب والتحصيل - بكتابي، ويقتبسه بجملته وجمهرته، وكنت أود أن يذكر من

стр. 4

أين اقتبس هذه النصوص التي ألف كتابه منها، أداء لأمانة، فقد قال العلماء: من الأمانة في العلم عزوه إلى قائله أو ناقله. وكتب بعد ذلك الأستاذ جاسم بن محمد بن بدر المطوع في أواخر سنة ١٤٠٧، كتابه الذي سماه: (الوقت عمار أو دمار)، وأكثر فيه من النصوص التي نقلها من كتابي، وبني عليها نصائحه وإرشاداته، ناسيا أو متناسيا عزوها إلى مصدرها الذي التقطها منه، مجموعة منسقة محققة، وقد حرص كل الحرص على أن لا يذكر كتابي أو يحيل إليه، نعم عزا بعض النصوص إلى كتاب الأستاذ خلدون الأحدب، الذي قبس من كتابي قبله، ولله في خلقه شؤون، ولله در الإمام الشافعي إذ يقول: الحر من راعي وداد لحظة، وانتمى لمن أفاده لفظة. وكتابي: (قيمة الزمن عند العلماء) - على ما فيه من قصور - حصيلة نحو عشرين سنة، من مطالعاتي ومراجعاتي في كتب العلم: التفسير، والحديث، والفقه، والتاريخ، والرجال، والتراجم، والبلدان، واللغة، والنحو، والأدب، والأخلاق، وسواها، في جمع مادته، وانتخابها، وضبطها، وعزوها إلى مصادرها ومراجعها، والمقابلة بينها، وتمحيصها، وسبكها، وتحقيقها، وإخراجها بأبهى حلة. وليس هذا مني - علم الله - حرصا على الشهرة أو الفخفخة، ولكن هي الأمانة والأدب الذي علمناه الإسلام، وصاغه الإمام الشافعي ﵁ بأدبه وبيانه الرفيع، الذي أوردته آنفا، والله الهادي، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين. وكتبه عبد الفتاح أبو غدة في الرياض ٤ من جمادى الأول سنة ١٤٠٨

стр. 5

تقدمة الطبعة الرابعة: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، وأرسل إلينا رسوله النبي المكرم، سيدنا محمدا ﷺ ، ورضي الله عن أصحابه وتابعيهم بإحسان ومن سار على سننهم فعلم وعلم أو تعلم. أما بعد فقد أرشدنا الله تعالى في كتابه الكريم، وعلى لسان نبيه العظيم، إلى أهمية الوقت والتوقيت في حياتنا وأعمالنا، فرسم لنا الأحكام الشرعية، وحدد لنا أوقاتها ومواعيد أدائها، وحذرنا من التساهل والتجاوز بها عن توقيتها. وفي ذلك منه سبحانه تعليم وتربية لنا على تنظيم الأعمال والقيام بها في مواقيتها المحددة، قال : (إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا) (١). وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: سألت رسول الله ﷺ : أي الأعمال أحب إلى الله؟ قال: الصلاة على وقتها. رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي (٢).

стр. 6

والصلاة تكرر من المسلم والمسلمة في اليوم والليلة خمس مرات، فإن أداها المسلم في أول وقتها كما طلبت منه، غرست في سلوكه خلق الحفاظ على الوقت، والدقة في المواعيد، والانتباه لتوقيت كل عمل بوقته المناسب له، الموصل إلى الغاية منه على الوجه الأتم الأكمل. ومن هذا تبدو لنا الحكمة البالغة: لماذا خص الله تعالى ثم النبي ﷺ : الصلاة بالذكر من بين سائر التكاليف الكثيرة المؤقتة، لأنها تتكرر كل يوم خمس مرات، ففي زمن يسير ينطبع سلوك فاعلها بخلق ضبط الوقت، ودقة الوعد، وأداء كل عمل في ميقاته المخصص له على الوجه الأمثل، ويصير ذلك له عادة وطبيعة متبعة في سلوكه وحياته. وقد رسم الشرع الحنيف: التوقيت في تكاليف كثيرة غير الصلاة، فوقت في أحكام الحج، والزكاة، والصوم، وزكاة الفطر، والأضحية،

стр. 7

والسفر، والتيمم، والمسح على الخفين، والرضاع، والطلاق، والعدة، والرجعة، والنفقة، والدين، والرهن، والضيافة، والعقيقة، والحيض، والنفاس، وغيرها. وما ذلك إلا لمعنى هام رتب الشرع التوقيت عليه، ولحظ المصلحة والنفع به. وقد غفل كثير من المسلمين اليوم عن هذا التوجيه الإسلامي الدقيق لهم من جانب الشرع الأغر، فجعلوا يأخذن ويتعلمون أهمية ربط الأعمال بالتوقيت المناسب، من غيرهم! وكأنهم لم يمرنوا أو يربوا على ذلك من أول يوم كلفوا فيه بأحكام الشريعة الغراء، وفي أولها الصلاة. فيجب على المسلم أن ينتبه إلى الوقت في حياته، وإلى تنفيذ كل عمل من أعماله في توقيته المناسب، فالوقت من حيث هو معيار زمني: من أغلى ما وهب الله تعالى للإنسان، وهو في حياة العالم وطالب العلم رأس المال والربح جميعا، فلا يسوغ للعاقل أن يضيعه سدى، ويعيش فيه هملا سبهللا، ومن أجل هذا دونت هذه الصفحات حافزا لنفسي ولأبناء جنسي، رجاء الانتفاع بما فيها من أخبار آبائنا وسلفنا الماضين، والله ولي التوفيق. وبعد فهذه الطبعة الرابعة من كتابي ((قيمة الزمن عند العلماء))، وقد قدر الله تعالى له قبولا ورواجا غير متوقع، فأقبل عليه القراء والطلبة والعلماء، واستحسنه من وقف عليه، وانتفع به خلق كثير، فلله الحمد على ذلك، وهو ولي السداد والرشاد. وقد أضفت إلى هذه الطبعة بعض الأخبار الحافزة على حفظ الوقت وكسبه، آملا أن يستفيد من ذلك طلاب العلم وسواهم، من الذين

стр. 8

يقدرون للوقت والزمن في حياتهم قدره، فتنالني دعوتهم الصالحة، وأكون معهم من الذين تعاونوا على البر والتقوى، والله ولي المحسنين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين. وكتبه عبد الفتاح أبو غدة في الرياض ١٣ من شعبان سنة ١٤٠٦

стр. 9

تقدمة الطبعة الأولى: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله وكفى، وصلاة وسلام على عباده الذين اصطفى، وفي مقدمتهم سيدنا ورسولنا محمد المصطفى، وعلى آله وصحبه وتابعيه ومن بهم اهتدى واقتفى. وبعد فهذه الصفحات وجيزة، كتبتها في بيان (قيمة الزمن عند العلماء)، وأردت بها التعريف بقيمة هذه النعمة العظيمة التي هي ميدان الحياة، في محيط العلم وأهله، وكيف يمكن أن تأتى بالعجائب المدهشات، إذا أحسن المرء الاستفادة منها، ونظم حياته وأوقاته بنظام، وبعد عن الوقوع في الفضول في الكلام والطعام والمجالس والاجتماعات واللقاءات .. ، فتكون له أوفر الآثار الزاكيات، وأطيب الحسنات الباقيات، ويخلد ذكره - بنفعه ومآثره - مع الخالدين المحسنين (١). وجزى الله عنا خير الجزاء سلفنا الصالح وعلماءنا السابقين

стр. 10

الأبرار، فقد كانوا لنا قدوة في كل خير، نموذجا لكل فضيلة، فاللهم ارزقنا انتهاج سبيلهم في جميع الشؤون، ووفقنا للاستفادة من أعمارنا وأوقاتنا، واجعلنا نشغلها بما يرضيك عنا، وجنبنا الفضول في كل شيء، إنك على كل شيء قدير، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين. وكتبه عبد الفتاح أبو غدة في الرياض ١٨ من جمادى الأولى سنة ١٤٠٢

стр. 11

قيمة الزمن لهذا العنوان الصغير أطراف كثيرة وكبيرة من المعاني والمواضيع، تتجاذب الكلام فيها، فللزمن قيمة عند الفلاسفة غير قيمته عند التجار، وغيرها عند الزراع، وغيرها عند الصناع، وغيرها عند العسكريين، وغيرها عند السياسيين، وغيرها عند الشباب، وغيرها عند الشيوخ، وغيرها عند طلبة العلم وأهل العلم. وأخص بحديثي (قيمة الزمن) عند طلبة العلم وأهل العلم فحسب، رجاء أن يكون ذلك حافزا لهمم أصحاب العزائم من شبابنا طلاب العلم، في هذه الأيام التي فترت فيها همم الطالبين، وتقاعست غايات المجدين، وندر فيها وجود الطلبة المحترقين بالعلم، فمات النبوغ وساد الكسل والخمول، وبرز من جراء ذلك الضعف والتأخر في صفوف أهل العلم وآثارهم، فأقول: إن نعم الله تعالى على عباده كثيرة لا تحصى، ولا يمكن للبشر أن يحصوها أو يدركوها على حقيقتها، وذلك لكثرتها، واستمرارها، ويسرها، وتتابع إنعام الله بها، وتفاوت مدارك الناس بها؛ وصدق الله العظيم إذ يقول: (وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار) (١).

стр. 12

للنعم أصول وفروع وإن للنعم أصولا وفروعا، فمن فروع النعم مثلا: البسطة في العلم والجسم والمال، والمحافظة على نوافل العبادات، مثل قيام الليل والإكثار من تلاوة القرآن، وذكر الله تعالى، والمحافظة على سنن الفطرة في الوجه واليدين والأطراف، وسنن الأعمال مثل التطيب للرجال عند الاجتماع، والمصافحة عند اللقاء، ودخول المسجد باليمنى، والخروج منه باليسرى، وإماطة الأذى عن الطريق، وما إلى ذلك من الآداب والسنن والمستحبات وبعض الواجبات، فكل أولئك من فروع النعم، وما أجلها من فروع عند عارفيها. أصول النعم وأما أصول النعم فكثيرة أيضا لا تحصى، وأول أصول النعم، الإيمان بالله تعالى وبما جاء من عنده، والعمل بمقتضى ذلك على ما أوجبه الله تعالى وأمر سبحانه. ومن أصول النعم أيضاً: نعمة الصحة والعافية، التي منها سلامة السمع والبصر والفؤاد والجوارح، وهي محور حركة الإنسان وقوام استفادته من وجوده. ومن أصول النعم أيضاً: نعمة العلم، فهي نعمة كبرى يتوقف عليها رقي الإنسانية وسعادتها الدنيوية والأخروية جميعا، فالعلم نعمة جلى، كيفما كان، فتحصيله نعمة، والانتفاع به نعمة، والنفع به نعمة، وتخليده ونقله للأجيال المقبلة نعمة، ونشره في الناس نعمة، وهكذا وهناك أمثلة كثيرة لأصول النعم، لا أطيل بذكرها مراعاة لقيمة الزمن.

стр. 13

من أجل أصول النعم ومن أصول النعم أيضاً، بل من أجل أصولها وأغلاها: نعمة (الزمن)، الذي جمعت هذه الصفحات للحديث عن قيمته، في جنب طلبة العلم وأهل العلم خاصة. فالزمن هو عمر الحياة، وميدان وجود الإنسان، وساحة ظله وبقائه ونفعه وانتفاعه. وقد أشار القرآن الكريم إلى عظم هذا الأصل في أصول النعم، وألمع إلى علو مقداره على غيره، فجاءت آيات كثيرة ترشد إلى قيمة الزمن، ورفيع قدره وكبير أثره. بعض الآيات المذكرة بنعمة الزمن وأجتزئ هنا ببعض الآيات الكريمة في هذا المقام، قال تعالى ممتنا على عباده بهذه النعمة الكبرى: (الله الذي خلق السموات والأرض، وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم، وسخر لكم الفلك لتجرى في البحر بأمره وسخر لكم الأنهار. وسخر لكم الأنهار. لكم الشمس والقمر دائبين، وسخر لكم الليل والنهار. وآتاكم من كل ما سألتموه، وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار) (١). فامتن سبحانه في جلائل نعمه بنعمة الليل والنهار، وهما الزمن الذي نتحدث عنه ونتحدث فيه، ويمر به هذا العالم الكبير من أول بدايته، إلى نهاية نهايته. وقال تعالى مؤكدا هذه المنة العليا في آية ثانية: (وسخر لكم

стр. 14

الليل والنهار والشمس والقمر، والنجوم مسخرات بأمره، إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون) (١). فأشار في ختام الآية إلى أن تلك النعم فيها آيات بالغة عند الذين يعقلون ويتدبرون. وقال سبحانه: (وجعلنا الليل والنهار آيتين، فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة، لتبتغوا فضلا من ربكم، ولتعلموا عدد السنين والحساب، وكل شيء فصلناه تفصيلا) (٢). وقال سبحانه: (ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر، لا تسجدوا للشمس ولا للقمر، واسجدوا لله الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون) (٣). وتمدح سبحانه بأنه مالك الزمان والمكان وما يحل فيهما من زمانيات ومكانيات، فقال: (وله ما سكن في الليل والنهار وهو السميع العليم) (٤). تأنيب الله للكفار إذ أضاعوا أعمارهم وقال تعالى مخاطباً الكفار ومؤنباً لهم، إذ أضاعوا أعمارهم، واستبقوا أنفسهم فيها على الكفر! ولم يخرجوا - مع امتداد العمر - من الكفر إلى الإيمان، وقد آتاهم الله الزمان المديد، والعمر العريض، فقال

стр. 15

سبحانه: (أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر، وجاءكم النذير، فذوقوا فما للظالمين من نصير) (١). فجعل سبحانه (التعمير) موجبا للتذكر والاستبصار، وميدانا للإيمان والاستذكار، وأقام (العمر) الذي هو الزمن بحياة الإنسان: حُجْة على الإنسان، كما أقام وجود الرسالة والنذارة حجة عليه أيضاً. قال الحافظ ابن كثير (٢) في تفسير هذه الآية الكريمة: ((أي: أو ما عشتم في الدنيا أعمارا لو كنتم ممن ينتفع بالحق لانتفعتم به في مدة عمركم! قال قتادة: اعلموا أن طول العمر حجة، فنعوذ بالله أن نعير بطول العمر. إعذار الله لمن بلغه من العمر ستين سنة وروى البخاري في ((صحيحه)) (٣)، عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : ((أعذر الله إلى امرىء أخر عمره حتى بلَّغَه ستين سنة))، وروى الإمام أحمد في ((مسنده)) (٤)، عن أبي هريرة أيضاً: قال: قال رسول الله ﷺ : ((من عَمَّره الله تعالى ستين سنة، فقد أعذر إليه في العمر)). أي أزال عذره ولم يبق له موضعا للاعتذار، إذ أمهله طول المدة المديدة في العمر.

стр. 16

قَسَم الله تعالى بالزمن لبيان عظمه وأهميته وهناك آيات كثيرة فيها التنبيه إلى عظم هذا الأصل من النعم غير التي أسلفتها، وحسبك أ، تعلم أن الله سبحانه قد أقسم بالزمن في مختلف أطواره، في كتابه الكريم، في آيات جمة، إشعارا منه بقيمة الزمن، وتنبيها إلى أهميته، فأقسم جل شأنه بالليل، والنهار، والفجر، والصبح والشفق، والضحى، والعصر، فمن ذلك قوله تعالى: (والليل إذا يغشى، والنهار إذا تجلى) (١)، وقوله تعالى: (والليل إذا أدبر، والصبح إذا أسفر) (٢)، وقوله تعالى: (والليل إذا عسعس، والصبح إذا تنفس) (٣)، وقوله تعالى: (فلا أقسم بالشفق، والليل وما وسق) (٤)، وقوله تعالى: (والفجر، وليال عشر) (٥)، وقوله تعالى: (والضحى، والليل إذا سجى) (٦)، وقوله تعالى: (والعصر، إن الإنسان لفي خسر) (٧). ويلاحظ أن كل ما أقسم الله عليه بالزمن، كان هاما في أعلى درجات الأهمية، وكان قسمه بالزمن في أمرين هامين جدا، أحدهما تبرئة الرسول ﷺ ، من أن يكون هجره ربه كما زعم ذلك المشركون والأعداء. والمقام الآخر في بيان أن كل إنسان خاسر وهالك

стр. 17

إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات، فقال سبحانه مقسما بالزمن: (والضحى. والليل إذا سجى. ما ودعك ربك وما قلى) (١). وقال أيضا: (والعصر. إن الإنسان لفي خسر. إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر) (٢). قال حبر الأمة وترجمان القرآن سيدنا عبد الله بن عباس ﵄: العصر هو الزمن. بيان الفخر الرازي لقيمة الزمن وشرفِهِ قال الإمام فخر الدين الرازي رحمه الله تعالى، في تفسيره (٣)، في تفسير سورة (العصر)، ما ملخصه ومعناه: ((أقسم بالله تعالى بالعصر - الذي هو الزمن -، لما فيه من الأعاجيب، لأنه يحصل فيه السراء والضراء، والصحة والسقم، والغنى والفقر، ولأن العمر لا يقوم بشيء نفاسة وغلاء. فلو ضيعت ألف سنة فيما لا يعني، ثم تبت وثبتت لك السعادة في اللمحة الأخيرة من العمر، بقيت في الجنة أبد الآباد، فعلمت أن أشرف الأشياء حياتك في تلك اللمحة، فكان الزمان من جملة أصول النعم، فلذلك أقسم الله به، ونبه سبحانه على أن الليل والنهار فرصة يضيعها الإنسان! وأن الزمان أشرف من المكان فأقسم به، لكون الزمان نعمة خالصة لا عيب فيها، إنما الخاسر المعيب هو الإنسان)) انتهى.

стр. 18

هذا طرف مما جاء في الكتاب الكريم مما أشير فيه إلى قيمة الزمن، وأنه من أصول النعم وجلائلها. بيان السنة المطهرة لقيمة الزمن أما السنة المطهرة فالبيان فيها أصرح وأوضح، فقد روى البخاري، والترمذي، وابن ماجة (١)، عن ابن عباس ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : ((نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ)) (٢).

стр. 19

فالزمن نعمة جلى ومنحة كبرى، لا يدريها ويستفيد منها كل الفائدة إلا الموفقون الأفذاذ، كما أشار إلى ذلك لفظ الحديث الشريف فقال: ((مغبون فيهما كثير من الناس))، فأفاد أن المستفيدين من ذلك قلة، وأن الكثير مفرط مغبون. الغيرة القاتلة على الوقت عند العابد والعاقل قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى، في كتابه ((مدارج السالكين)) (١)، وهو يتحدث عن منزلة الغيرة وشمولها لكثير من الأمور، فذكر منها الغيرة على الوقت بقوله: الغيرة على وقت فات! وهي غيرة قاتلة، فإن الوقت وحي التقضي -أي سريع الانقضاء- أبي الجانب، بطيء الرجوع. والوقت عند العابد: هو وقت العبادة والأوراد، وعند المريد: هو وقت الإقبال على الله، والجمعية عليه، والعكوف عليه بالقلب كله. والوقت أعز شيء عليه، يغار عليه أن ينقضي بدون ذلك! فإذا فاته الوقت لا يمكنه استدراكه البتة، لأن الوقت الثاني قد استحق واجبه الخاص، فإذا فاته وقت فلا سبيل له إلى تداركه. ومعنى أنها (غيرة قاتلة) أي أن أثرها يشبه القتل، لأن حسرة الفوت قاتلة، ولا سيما إذا علم المتحسر: أنه لا سبيل إلى الاستدراك. وأيضاً

стр. 20

فالغيرة على التفويت تفويت آخر، كما يقال: الاشتغال بالندم على الوقت الفائت تضييع للوقت الحاضر! ولذلك يقال: الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك (١). فالوقت منقض بذاته، منصرم بنفسه، فمن غفل عن نفسه تصرمت أوقاته، وعظم فواته، واشتدت حسراته، فكيف حاله إذا علم عند تحقق الفوت مقدار ما أضاع! وطلب الرجعى فحيل بينه وبين الاسترجاع! وطلب تناول الفائت، وكيف يرد الأمس في اليوم الجديد؟! (وأنى لهم التناوش من مكان بعيد)؟! (٢) ومنع مما يحبه ويرتضيه، وعلم أ، ما اقتناه ليس مما ينبغي للعاقل أن يقتنيه، وحيل بينه وبين ما يشتهيه! فيا حسرات، مال إلى رد مثلها ... سبيل! ولو ردت لهان التحسر!

стр. 21

والواردات سريعة الزوال، تمر أسرع من السحاب، وينقضي الوقت بما فيه، فلا يعود عليك منه إلا أثره وحكمه، فاختر لنفسك ما يعود عليك من وقتك، فإنه عائد عليك لا محالة، لهذا يقال للسعداء في الجنة: (كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية) (١)، ويقال للأشقياء المعذبين في النار: (ذلكم بما كنتم تفرحون في الأرض بغير الحق، وبما كنتم تمرحون) (٢). انتهى بتصرف يسير. جميع المصالح تنشأ من الوقت ... فمن أضاعه لم يستدركه أبداً وقال الإمام ابن القيم أيضاً، في كتابه ((الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي)) (٣): ((أعلى الفكر وأجلها وأنفعها ما كان الله والدار الآخرة، فما كان لله فهو أنواع، ... ، النوع الخامس: الفكرة في واجب الوقت ووظيفته، وجمع الهم (٤) كله عليه، فالعارف ابن وقته، فإن أضاعه ضاعت عليه مصالحه كلها، فجميع المصالح إنما تنشأ من الوقت، فمتى أضاع الوقت لم يستدركه أبداً! قال الشافعي ﵁: صحبت الصوفية، فلم أستفد منهم سوى حرفين، أحدهما قولهم: الوقت سيف، فإن لم تقطعه قطعك، وذكر الكلمة الأخرى، و: نفسك إن شغلتها بالحق وإلا شغلتك بالباطل.

стр. 22

فوقت الإنسان هو عمره في الحقيقة، ومادة حياته الأبدية في النعيم المقيم، ومادة المعيشة الضنك في العذاب الأليم. وهو يمر أسرع من السحاب، فما كان من وقته لله وبالله، فهو حياته وعمره، وغير ذلك ليس محسوبا من حياته وإن عاش فيه طويلا، فهو يعيش عيش البهائم، فإذا قطع وقته في الغفلة والشهوة والأماني الباطلة، وكان خير ما قطعه بالنوم والبطالة: فموت هذا خير له من حياته، وإذا كان العبد وهو في الصلاة: ليس له من الصلاة إلا ما عقل منها، فليس له من عمره إلا ما كان فيه بالله ولله تعالى)). حرص السلف على كسب الوقت وملئه بالخير وقد كان السلف الصالح ومن سار على نهجهم من الخلف أحرص الناس على كسب الوقت وملئه بالخير، سواء في ذلك عالمهم وعابدهم، فقد كانوا يسابقون الساعات، ويبادرون اللحظات، ضنا منهم بالوقت، وحرصا على أن لا يذهب منهم هدرا. أمسك الشمس حتى أكلمك نقل عن عامر بن عبد قيس أحد التابعين الزهاد: أن رجلا قال له: كلمني، فقال له: عامر بن عبد قيس: أمسك الشمس. يعني أوقف لي الشمس واحبسها عن المسير حتى أكلمك، فإن الزمن متحرك دائب المضي، لا يعود بعد مروره، فخسارته خسارة لا يمكن تعويضها واستدراكها، لأن لكل وقت ما يملؤه من العمل (١).

стр. 23

ندم ابن مسعود على اليوم يمر من عمره قال الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود ﵁: ما ندمت على شيء ندمي على يوم غربت شمسه، نقص فيه أجلي، ولم يزد فيه عملي. الليل والنهار يعملان فيك فاعمل فيهما وقال الخليفة الصالح عمر بن عبد العزيز ﵁: إن الليل والنهار يعملان فيك، فاعمل فيهما. يا ابن آدم إنما أنت أيام ! وقال الحسن البصري ﵁: يا ابن آدم، إنما أنت أيام، فإذا ذهب يوم ذهب بعضك. وقال أيضا: أدركت أقواما كانوا على أوقاتهم أشد منكم حرصا على دراهمكم ودنانيركم. حماد بن سلمة إما يحدث أو يقرأ أو يسبح أو يصلي قال الحافظ الذهبي في ((تذكرة الحفاظ)) (١)، في ترجمة الإمام المحدث حماد بن سلمة البصري، البزاز الخرقي: ((الإمام المحدث النحوي الحافظ القدوة شيخ الإسلام، ولد سنة إحدى وتسعين من الهجرة، ومات سنة سبع وستين ومئة. وهو أول من صنف التصانيف مع ابن أبي عروبة، وكان بارعا في العربية فقيها فصيحا مفوها صاحب سنة، وكان عابدا من العباد. قال تلميذه عبد الرحمن بن مهدي: لو قيل لحماد بن سلمة: إنك

стр. 24

تموت غدا ما قدر أن يزيد في العمل شيئا. وقال موسى بن إسماعيل التبوذكي: لو قلت لكم: إني ما رأيت حماد بن سلمة ضاحكا لصدقت، كان مشغولا: إما أن يحدث أو يقرأ، أو يسبح، أو يصلي، وقد قسم النهار على ذلك. قال يونس المؤدب: مات حماد بن سلمة وهو في الصلاة، رحمه الله تعالى عليه)). أثقل الساعات على الخليل بن أحمد ساعة يأكل فيها ! وقال أبو هلال العسكري في كتابه ((الحث على طلب العلم والاجتهاد في جمعه)) (١): ((كان الخليل بن أحمد - الفراهيدي البصري، أحد أذكياء العالم، المولود سنة ١٠٠، والمتوفي سنة ١٧٠ رحمه الله تعالى - يقول: أثقل الساعات علي: ساعة آكل فيها)). فالله أكبر ما أشد الفناء في العلم عنده؟! وما أوقد الغيرة على الوقت لديه؟!. أبو يوسف ساعة موته يباحث في مسألة فقهية وهذا الإمام أبو يوسف القاضي (يعقوب بن إبراهيم الأنصاري الكوفي ثم البغدادي)، المولود سنة ١١٣، والمتوفي سنة ١٨٢ رحمه الله تعالى، صاحب الإمام أبي حنيفة وتلميذه وناشر علمه ومذهبه، وقاضي الملوك الخلفاء العباسيين الثلاثة: المهدي والهادي والرشيد، وأول من دعي: قاضي القضاة، وكان يقال له: قاضي قضاة الدنيا: يباحث - وهو في النزع والذماء: النفس الأخير من الحياة - بعض عواده في مسألة فقهية، رجاء النفع بها لمستفيد أو متعلم،

стр. 25

ولا يخلي اللحظة الأخيرة من لحظات حياته من كسبها في مذاكرة علم وإفادة واستفادة. ((قال تلميذه القاضي إبراهيم بن الجراح الكوفي ثم المصري: مرض أبو سيف، فأتيته أعوده، فوجدته مغمى عليه، فلما أفاق قال لي: يا إبراهيم، ما تقول في مسألة؟ قلت: في مثل هذه الحالة؟! قال: ولا بأس بذلك، ندرس لعله ينجو به ناج؟ ثم قال: يا إبراهيم، أيما أفضل في رمي الجمار - أي في مناسك الحج - أن يرميها ماشياً أو راكباً؟ قلت: راكباً، قال: أخطأت، قلت: ماشياً، قال: أخطأت، قلت: قل فيها، يرضى الله عنك. قال: أما ما كان يوقف عنده للدعاء، فالأفضل أن يرميه ماشيا، وأما ما كان لا يوقف عنده فالأفضل أن يرميه راكباً. ثم قُمت من عنده، فما بلغت باب داره حتى سمعت الصراخ عليه، وإذا هو قد مات، ﵀ عليه (١).

стр. 26

وهذه طريقة العلماء والمشايخ، فإنهم يقولون: - طلب العلم - من المهد إلى اللحد)) (١). أبو يوسف يموت ابنه فيوكل بتجهيزه ودفنه ليحضر الدرس وهذا الإمام الجليل الذكي، أبو يوسف القاضي الألمعي، كان شديد الملازمة لشيخة الإمام أبي حنيفة، لازم مجلسه ١٧ سنة أو ٢٩ سنة، ما فاته صلاة الغداة معه، ولا فارقه في فطر ولا أضحى إلا من

стр. 27

مرض، ((روى محمد بن قدامة، قال: سمعت شجاع بن مخلد، قال: سمعت أبا يوسف يقول: مات ابن لي، فلم أحضر جهازه ولا دفنه، وتركته على جيراني وأقربائي، مخافة أن يفوتني من أبي حنيفة شيء لا تذهب حسرته عني)) (١). محمد بن الحسن لا ينام من الليل إلا قليلا وقال العلامة طاشكبري زاده في ((مفتاح السعادة ومصباح السيادة)) (٢): ((كان محمد بن الحسن الشيباني الكوفي البغدادي، الإمام الفقيه المجتهد المحدث، تلميذ الإمام أبي حنيفة، - المولود سنة ١٣٢، والمتوفي سنة ١٨٩ رحمه الله تعالى - لا ينام الليل، وكان يضع عنده دفاتر - يعني كتبا -، فإذا مل من نوع نظر في آخر، وكان يزيل نومه بالماء ويقول: إن النوم من الحرارة)). عصام البلخي اشترى قلما بدينار ليكتب ما سمعه فوراً ثم قال العلامة طاشكبري زاده (٣): ((واشترى عصام بن يوسف - البلخي الفقيه الحنفي ومحدث بلخ، المتوفي سنة ٢١٥ رحمه الله تعالى - قلما بدينار ليكتب ما سمع في الحال. فالعمر قصير، والعلم كثير، فينبغي للطالب أن لا يضيع الأوقات والساعات، ويغتنم الليالي والخلوات، ويغتنم الشيوخ ويستفيد منهم، فليس كل ما فات يدرك!. ولست بمدرك ما فات مني ... بلهف ولا بليت ولا لو اني!)).

стр. 28

محمد بن سلام البيكندي ينادي: قلم بدينار وهذا محمد بن سلام البيكندي شيخ البخاري، المتوفي سنة ٢٢٧، كان في حال الطلب جالسا في مجلس الإملاء، والشيخ يحدث ويملي، فانكسر قلم محمد بن سلام فأمر أ، ينادي: قلم بدينار، فتطايرت إليه الأقلام. حكاه الحافظ العيني في ((عمدة القاري)) (١). وما هذا البذل السخي منه، إلا لمعرفته بقيمة ذاك الوقت الغالي، وقيمة ما يملأ به أيضا. فهذا عالم بل متعلم ممن عرف قيمة الزمن والوقت، فبذل الذهب والدينار في تحصيل قلم. عبيد بن يعيش تلقمه أخته العشاء ثلاثين سنة ليكتب الحديث وحكى الحافظ الذهبي في ((سير أعلام النبلاء)) (٢)، في ترجمة المحدث الكبير عبيد بن يعيش شيخ البخاري ومسلم، ما يلي: ((هو الحافظ الحجة الأوحد، أبو محمد عبيد بن يعيش الكوفي، المحاملي العطار. حدث عنه البخاري في جزء رفع اليدين، ومسلم في الصحيح، والنسائي بواسطة، وأبو زرعة الرازي، ومحمد بن أيوب البجلي، ... وخلق. ومات في رمضان سنة تسع وعشرين ومئتين. قال عمار بن رجاء: سمعت عبيد بن يعيش يقول: أقمت ثلاثين

стр. 29

سنة ما أكلت بيدي بالليل، كانت أختي تلقمني وأنا أكتب الحديث)) (١). ابن معين يقول لشيخه: أمله علي الآن أخاف أن لا ألقاك . وروى الإمام أحمد والإمام أبو عيسى الترمذي (٢)، ولفظ الحديث وإسناده المسوق هنا هو للترمذي. قال الترمذي: ((حدثنا عبد بن حميد، قال حدثنا محمد بن الفضل، قال حدثنا حماد بن سلمة، عن حبيب بن الشهيد، عن الحسن البصري، عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، أن النبي ﷺ خرج من بيته - وهو في مرض موته - يتكئ على أسامة بن زيد، وعليه ثوب قطري قد توشح به فصلى بهم (٣). ثم قال الترمذي بعد رواية هذا الحديث: ((قال عبد بن حميد - وهو شيخ الترمذي -: قال محمد بن الفضل: سألني يحيى بن معين عن هذا الحديث أول ما جلس إلي، فقلت: حدثنا حماد بن سلمة، فقال: لو كان من كتابك، فقمت لأخرج كتابي، فقبض على ثوبي ثم

стр. 30

قال: أمله علي، فإني أخاف أن لا ألقاك، فأمليته عليه، ثم أخرجت كتابي فقرأته عليه)). انتهى. إمامة يحيى بن معين في الحديث ولزيادة فهم هذا الخبر أرى أن أذكر طرفا من ترجمة الإمام يحيى بن معين، قال الحافظ الذهبي في ((سير أعلام النبلاء)) (١)، في ترجمة يحيى بن معين: هو الإمام الحافظ، الجهبذ، سيد الحفاظ، ومالك الحفاظ، شيخ المحدثين، أبو زكريا، يحيى بن معين بن عون بن زياد بن بسطام، ولم يكن من العرب وإنما والى بعض بني مر منهم فقيل له: المري ولاء، البغدادي ولاة ومنشئا، أحد أعلام المحدثين الكبار. ولد في بغداد سنة ثمان وخمسين ومئة من الهجرة، ونشأ في بغداد، وكتب العلم وهو ابن عشر سنين، وكان أبوه معين من نبلاء الكتاب لعبد الله بن مالك على خراج الري، فخلف له ألف ألف درهم، فأنفقها كلها على تحصيل الحديث حتى لم يبق له نعل يلبسه!. سمع الحديث من عبد الله بن المبارك، وهشيم بن بشير، وإسماعيل بن عياش، وسفيان بن عيينة، وعبد الرزاق الصنعاني باليمن، ووكيع بن الجرح، ويحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، وخلق كثير سواهم، بالعراق والشام والجزيرة ومصر والحجاز. وروى عنه الحديث الإمام أحمد بن حنبل، والبخاري، ومسلم،

стр. 31

وأبو داود، وعباس الدوري البغدادي وهو راوية علمه، وأبو زرعة الرازي، وأبو حاتم الرازي، وعثمان بن سعيد الدرامي، وأبو يعلى الموصلي، وخلائق لا يحصون كثرة. كتابة ابن معين بيده ألف ألف حديث وكتابته الحديث الواحد خمسين مرة قال علي بن المديني: انتهى علم الناس إلى يحيى بن معين، وقال عبد الخالق بن منصور: قلت لعبد الله بن الرومي: سمعت بعض أصحاب الحديث يحدث بأحاديث يحيى بن معين ويقول: حدثني من لم تطلع الشمس على أكبر منه، فقال ابن الرومي: وما تعجب؟ سمعت علي بن المديني يقول: ما رأيت في الناس مثله، وما نعلم أحدا من لدن آدم كتب من الحديث ما كتب يحيى بن معين. قال محمد بن نصر المروزي: سمعت يحيى بن معين يقول: كتبت بيدي ألف ألف حديث (١). قال الذهبي: يعني بهذا العدد المكرر من الحديث الواحد، ألا تراه قال: لو لم نكتب الحديث خمسين مرة ما عرفناه. كل حديث لا يعرفه ابن معين فليس بحديث وقال الإمام أحمد بن حنبل: كل حديث لا يعرفه يحيى بن معين فليس بحديث، يحيى بن معين رجل خلقه الله لهذا الشأن، يظهر كذب الكذابين.

стр. 32

وقال أبو حاتم الرازي: إذا رأيت البغدادي يحب أحمد بن حنبل فاعلم أنه صاحب سنة، وإذا رأيته يبغض يحيى بن معين فاعلم أنه كذاب. قول ابن معين: إذا كتبت فقمش وإذا حدثت ففتش ويحيى بن معين هو صاحب المنهج العظيم في تلقي العلم ونشره، إذ يقول كلمته التي صارت دستور المحدثين والعلماء، في التحصيل والأداء: إذا كتبت فقمش -أي اكتب كل ما تسمع واجمعه- وإذا حدثت ففتش. كثرة الكتب التي خلفها ابن معين قال صالح بن أحمد الحافظ: سمعت أبا عبد الله محمد بن عبد الله قال، سمعت أبي يقول: خلف يحيى بن معين من الكتب مئة قمطر، وأربعة عشر قمطرا (١)، وأربعة حباب شرابية مملوءة كتباً (٢). ابن معين كان يذب الكذب عن رسول الله وكان يحيى بن معين هذا، إذا حج ذهب إلى مكة من طريق المدينة، وإذا رجع من مكة رجع عن طريق المدينة، فلما حج في سنة ثلاث وثلاثين ومئتين، دخل المدينة قبل الحج في أواخر ذي القعدة، وأصابه المرض فمات لسبع ليال بقين من ذي القعدة، فتسامع الناس

стр. 33

بقدومه وبموته، وأخرج له بنو هاشم الأعواد - أي السرير - التي غسل عليها رسول الله ﷺ فغسل عليها، وصلى عليه الناس ودفن في البقيع، وكان الناس يقولون: هذا الذي كان يذب الكذب عن رسول الله. انتهى. شرح واقعة ابن معين مع شيخه محمد بن الفضل قلت: في تلقي يحيى بن معين لهذا الحديث من شيخه محمد بن الفضل لطائف غالية، وفوائد ثمينة، وذلك أن يحيى بن معين الذي عرفنا طرفا من ترجمته فيما تقدم، طلب من شيخه محمد بن الفضل السدوسي البصري الملقب بعارم: أ، يحدثه بهذا الحديث أول ما جلس إليه يحيى، فلما بدأ يحدثه واستهل التحديث بقوله: حدثنا حماد بن سلمة، قال له يحيى: لو كان من كتابك. وإنما طلب يحيى هذا منه زيادة في التوثق والتثبت، فإن محمد بن الفضل حافظ ثبت صدوق مأمون أحد الثقات المعروفين، ولكن أراد يحيى زيادة الاستيثاق والضبط. وكان من عادة المحدثين قبل إنشاء المدارس في القرن الخامس الهجري أن يحدث الشيخ طلابه في المسجد، أو في مكان فسيح إذا كانوا لا يسعهم المسجد، أو على باب داره إذا كان العدد قليلا، وكان الفضل بن محمد يحدث يحيى بن معين هذا الحديث على باب داره. فلما قام محمد بن الفضل ليدخل داره ويأتي بكتابه من بيته فيحدثه منه، خشي يحيى أن يحصل لمحمد بن الفضل مانع في هذه الفترة القصيرة بين قيامه لبيته للاتيان بالكتاب وعودته إليه، فيفوت عليه سماع هذا الحديث منه، فأخذ بثيابه قبل أن يتم قيامه ليأتي بالكتاب من بيته،

стр. 34

ومنعه من دخول الدار حتى يحدثه بالحديث من حفظه، لشدة حرصه على سماع الحديث، خشية أن يفوته سماعه بعارض يعرض أو مانع يمنع. وقال له: أمله علي الآن من حفظك، فإني أخاف أن لا ألقاك، فإن الحياة لها قواطعها، فأخاف أن يحال بيني وبينك فلا ألقاك، فأملى محمد بن الفضل: الحديث على يحيى بن معين من حفظه أولاً، ثم دخل داره فجاء بالكتاب فقرأه عليه منه ثانياً. وهذه الواقعة تسجل لنا ما كان عليه الإمام يحيى بن معين، من شدة الحرص على كسب الوقت، وعظيم الحفاظ على تحصيل العلم، ومتانة التوثق فيه، وقوة المسارعة والاستباق إلى الاستفادة، وما كان عليه من الابتعاد عن الأمل والتمهل في تقييد العلم والفوائد، وخوف المباغتة من قواطع الحياة (١). وبهذه الواقعة الصغيرة التي جاء تسجيلها عرضا، عرفنا ما كان عليه الإمام يحيى بن معين من حفظ الوقت وكسب الزمن، وأدركنا كيف تسنى ليحيى بن معين أن يكتب بيده ألف ألف حديث، ويطوف البلدان، ويسمع من الشيوخ، ويحدث بما سمعه وتلقاه ألوف المحدثين والطالبين. وليس الإمام يحيى بن معين في هذه المنقبة نسيج وحده وفريد

стр. 35

نوعه، بل قل مثل ذلك في الإمام علي بن المديني وأحمد بن حنبل والبخاري ومسلم وأبي داود والترمذي والنسائي وأمثالهم. حرص الجاحظ والفتح بن خاقان وإسماعيل القاضي على العلم وروى الخطيب البغدادي في كتابه ((تقييد العلم)) (١): ((عن أبي العباس المبرد، قال: ما رأيت أحرص على العلم من ثلاثة: الجاحظ -عمرو ابن بحر إمام أهل الأدب، ولد سنة ١٦٣، ومات سنة ٢٥٥ - ، والفتح بن خاقان - الأديب الشاعر أحد الأذكياء، من أبناء الملوك، اتخذه الخليفة المتوكل العباسي وزيرا له وأخا، واجتمعت له خزانة كتب حافلة من أعظم الخزائن، توفي سنة ٢٤٧ - ، وإسماعيل بن إسحاق القاضي - الإمام الفقيه المالكي البغدادي، ولد سنة ٢٠٠، ومات سنة ٢٨٢ - . فأما الجاحظ فإنه كان إذا وقع بيده كتاب قرأه من أوله إلى آخره، أي كتاب كان، حتى إنه كان يكتري دكاكين الوراقين ويبيت فيها للنظر في الكتب. وأما الفتح بن خاقان فإنه كان يحمل الكتاب في كمه أو في خفه، فإذا قام من بين يدي المتوكل للبول أو الصلاة، أخرج الكتاب فنظر فيه وهو يمشي، حتى يبلغ الموضع الذي يريده، ثم يصنع مثل ذلك في رجوعه، إلى أن يأخذ مجلسه. فإذا أراد المتوكل القيام لحاجة، أخرج الكتاب من كمه أو خفه، وقرأه في مجلس المتوكل إلى حين عوده. وأما إسماعيل بن إسحاق القاضي، فإني ما دخلت عليه قط إلا

стр. 36

رأيته وفي يده كتاب ينظر فيه، أو يقلب الكتب لطلب كتاب ينظر فيه، أو ينفض الكتب)) (١). ابن سحنون ألقمته جاريته العشاء ولم يشعر به لاشتغاله بالتأليف وجاء في ((ترتيب المدارك)) للقاضي عياض (٢)، في ترجمة الفقيه المالكي المحدث الإمام (محمد بن سحنون القيرواني) المولود سنة ٢٠٢، والمتوفي سنة ٢٥٦ رحمه الله تعالى، ما يلي: ((قال المالكي: كانت لمحمد بن سحنون سرية - أي جارية مملوكة - يقال لها: أم مدام، فكان عندها يوما، وقد شغل في تأليف كتاب إلى الليل، فحضر الطعام، فاستأذنته فقال لها: أنا مشغول الساعة. فلما طال عليها - الانتظار - جعلت تلقمه الطعام حتى أتى عليه، وتمادى هو على ما هو فيه، إلى أن أذن لصلاة الصبح، فقال شغلنا عنك الليلة يا أم مدام! هات من عندك، فقالت: قد - والله يا سيدى - ألقمته لك، فقال: ما شعرت بذلك!)) (٣).

стр. 37

ثعلب النحوي يجيب الدعوة بشرط أن يفرغ لمطالعة كتابه وقال أبو هلال العسكري في كتابه ((الحث على طلب العلم والاجتهاد في جمعه)) (١): ((وحكي عن ثعلب - أحمد بن يحيى الشيباني الكوفي البغدادي، أحد أئمة النحو واللغة والأدب والحديث الشريف والقراءات، المولود سنة ٢٠٠، والمتوفي سنة ٢٩١ رحمه الله تعالى - أنه كان لا يفارقه كتاب يدرسه، فإذا دعاه رجل إلى دعوة، شرط عليه أن يوسع له مقدار مسورة - هي المتكأ من الجلد - يضع فيها كتابا ويقرأ. ثعلب صدمته أثناء مطالعته في الطريق فمات وكان سبب وفاته أنه خرج من الجامع يوم الجمعة بعد العصر، وكان قد لحقه صمم لا يسمع إلا بعد تعب، وكان في يده كتاب ينظر فيه في الطريق، فصدمته فرس فألقته في هوة، فأخرج منها وهو كالمختلط - أي المشوه العقل -، فحمل إلى منزله على تلك الحال وهو يتأوه من رأسه، فمات ثاني يوم، رحمه الله تعالى (٢). حفظ ابن جريرة لوقته وعزمه أن يفسر القرآن بثلاثين ألف ورقة وهذا الإمام ابن جرير الطبري شيخ المفسرين والمحدثين والمؤرخين، والإمام المجتهد العظيم، كان رحمه الله تعالى آية من الآيات، في استفادته من الوقت وحفاظه على ملئه بالتعلم والتعليم والكتابة والتأليف، حتى بلغت مؤلفاته من الكثرة - مع الإبداع والإتقان - العدد العجاب.

стр. 38

قال العلامة ياقوت الحموي في كتابه ((معجم الأدباء)) (١)، في الترجمة الحافلة التي كتبها للإمام ابن جرير الطبري، وبلغت ٥٦ صفحة، والحافظ الخطيب البغدادي في ((تاريخ بغداد)) (٢)، ما أقطف منه هنا الجمل التالية من ترجمة هذا الإمام الجليل، ودخل حديث أحدهما في الآخر: ((حدث علي بن عبيد الله اللغوي السمسمي، عن القاضي أبي عمر عبيد الله بن أحمد السمسار (٣) وأبي القاسم بن عقيل الوراق: أن أبا جعفر الطبري قال لأصحابه: أتنشطون لتفسير القرآن؟ قالوا: كم يكون قدره؟ قال: ثلاثون ألف ورقة، فقالوا: هذا مما تفنى الأعمار قبل تمامه! فاختصره في نحو ثلاثة آلاف ورقة، وأملاه في سبع سنين، من سنة ثلاث وثمانين ومئتين إلى سنة تسعين. عزم ابن جرير أن يؤلف التاريخ في ثلاثين ألف ورقة ثم قال لهم: أتنشطون لتاريخ العالم من آدم إلى وقتنا هذا؟ قالوا: كم قدره؟ فذكر نحوا مما ذكره في التفسير، فأجابوه بمثل ذلك! فقال: إنا لله! ماتت الهمم! فاختصره في نحو مما اختصر ((التفسير))، وفرغ من تصنيفه ومن عرضه - أي قراءته - عليه يوم الأربعاء لثلاث بقين من شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وثلاث مئة، وقطعه - أي ختمه وانتهى فيه عند الكلام - على آخر سنة اثنتين وثلاث مئة.

стр. 39

ابن جرير كان يكتب كل يوم أربعين ورقة تأليفاً قال الخطيب: وسمعت السمسمي يحكي أن ابن جرير مكث أربعين سنة، يكتب في كل يوم منها أربعين ورقة. وحدث تلميذه أبو محمد عبد الله بن أحمد بن جعفر الفرغاني، في كتابه المعروف بكتاب ((الصلة))، وهو كتاب وصل به ((تاريخ ابن جرير)): أن قوما من تلاميذ ابن جرير، حصلوا أيام حياته - أي جمعوها -، منذ بلغ الحلم إلى أن توفي وهو ابن ست وثمانين سنة، ثم قسموا عليها أوراق مصنفاته، فصار منها على كل يوم أربع عشرة ورقة. وهذا شيء لا يتهيأ لمخلوق إلا بحسن عناية الخالق)). انتهى. تبارك الله ماذا تبلغ الهمم! مجموع ما صنفه ابن جرير نحو ٣٥٨ ألف ورقة وقد ولد ابن جرير سنة ٢٢٤، وتوفي سنة ٣١٠، فعاش ٨٦ سنة، وإذا طرحنا منها سنه قبل البلوغ وقدرناها بأربع عشرة سنة، يكون قد بقي ابن جرير ثنتين وسبعين سنة يكتب كل يوم ١٤ ورقة، فإذا حسبنا أيام الاثنين والسبعين سنة، وجعلنا لكل يوم منها ١٤ ورقة تصنيفا، كان مجموع ما صنفه الإمام ابن جرير نحو ٣٥٨ ألف ورقة. وقد اعتبروا كلاً من ((تاريخه)) و ((تفسيره)) نحو ثلاثة آلاف ورقة، فيكون الكتابان مجموعهما نحو سبعة آلاف ورقة أو ثمانية آلاف ورقة. وقد جاء التاريخ مطبوعا في أحد عشر جزءا كبيراً، وجاء التفسير مطبوعاً في ثلاثين جزءا كبيراً، من الأجزاء الكبار التي يكون كل جزء منها مجلداً. فاحسب حساب الباقي من أوراق مصنفاته، وهو ٣٥١ ألف ورقة، لتعرف كم تبلغ مؤلفات هذا الإمام، الذي كان في علومه بمثابة مجمع

стр. 40

علمي واسع الفنون، وفي كثرة تآليفه بمثابة دار للنشر، وهو فرد واحد بنفسه، يكتب بقلمه لنفسه، ويؤلف على ورقة بنفسه، ويخرج للناس فكره وعلمه: عسلا مصفى وزبدا شهيا، وما كان يكون له كل ذلك، لولا أنه كان يكسب وقته، ويدري كيف يملؤه بالاستفادة والتأليف. تنظيم ابن جرير لأوقاته وأعماله قال القاضي أبو بكر بن كامل - أحمد بن كامل الشجري - تلميذ ابن جرير وصاحبه، يصف انتظام أوقات ابن جرير وأعماله رحمه الله تعالى: ((كان إذا أكل نام في الخيش - ثياب في نسجها رقة، وخيوطها غلاظ، تتخذ من مشاقة الكتان، تلبس في الحر عند النوم لبرودتها على الجسم -، في قميص قصير الأكمام، مصبوغ بالصندل وماء الورد. ثم يقوم فيصلي الظهر في بيته، ويكتب في تصنيفه إلى العصر، ثم يخرج فيصلي العصر، ويجلس للناس يقرئ ويقرأ عليه إلى المغرب، ثم يجلس للفقه والدرس بين يديه إلى العشاء الآخرة، ثم يدخل منزله. وقد قسم ليله ونهاره في مصلحة نفسه، ودينه، والخلق، كما وفقه الله ). انتهى. ابن جرير يكتب معلومة قبيل وفاته بساعة وقال الأستاذ محمد كردعلي، في كتابه ((كنوز الأجداد)) (١)، في ترجمة الإمام ابن جرير الطبري: ((وما أثر عنه أضاع دقيقة من حياته في غير الإفادة والاستفادة، روى المعافى بن زكريا عن بعض الثقات، أنه كان بحضرة أبي جعفر الطبري رحمه الله تعالى قبل موته، وتوفي بعد ساعة
следующие страницы →