رأيته وفي يده كتاب ينظر فيه، أو يقلب الكتب لطلب كتاب ينظر فيه، أو ينفض الكتب)) (١).
ابن سحنون ألقمته جاريته العشاء ولم يشعر به لاشتغاله بالتأليف
وجاء في ((ترتيب المدارك)) للقاضي عياض (٢)، في ترجمة الفقيه المالكي المحدث الإمام (محمد بن سحنون القيرواني) المولود سنة ٢٠٢، والمتوفي سنة ٢٥٦ رحمه الله تعالى، ما يلي: ((قال المالكي: كانت لمحمد بن سحنون سرية - أي جارية مملوكة - يقال لها: أم مدام، فكان عندها يوما، وقد شغل في تأليف كتاب إلى الليل، فحضر الطعام، فاستأذنته فقال لها: أنا مشغول الساعة.
فلما طال عليها - الانتظار - جعلت تلقمه الطعام حتى أتى عليه، وتمادى هو على ما هو فيه، إلى أن أذن لصلاة الصبح، فقال شغلنا عنك الليلة يا أم مدام! هات من عندك، فقالت: قد - والله يا سيدى - ألقمته لك، فقال: ما شعرت بذلك!)) (٣).
стр. 37
ثعلب النحوي يجيب الدعوة بشرط أن يفرغ لمطالعة كتابه
وقال أبو هلال العسكري في كتابه ((الحث على طلب العلم والاجتهاد في جمعه)) (١): ((وحكي عن ثعلب - أحمد بن يحيى الشيباني الكوفي البغدادي، أحد أئمة النحو واللغة والأدب والحديث الشريف والقراءات، المولود سنة ٢٠٠، والمتوفي سنة ٢٩١ رحمه الله تعالى - أنه كان لا يفارقه كتاب يدرسه، فإذا دعاه رجل إلى دعوة، شرط عليه أن يوسع له مقدار مسورة - هي المتكأ من الجلد - يضع فيها كتابا ويقرأ.
ثعلب صدمته أثناء مطالعته في الطريق فمات
وكان سبب وفاته أنه خرج من الجامع يوم الجمعة بعد العصر، وكان قد لحقه صمم لا يسمع إلا بعد تعب، وكان في يده كتاب ينظر فيه في الطريق، فصدمته فرس فألقته في هوة، فأخرج منها وهو كالمختلط - أي المشوه العقل -، فحمل إلى منزله على تلك الحال وهو يتأوه من رأسه، فمات ثاني يوم، رحمه الله تعالى (٢).
حفظ ابن جريرة لوقته وعزمه أن يفسر القرآن بثلاثين ألف ورقة
وهذا الإمام ابن جرير الطبري شيخ المفسرين والمحدثين والمؤرخين، والإمام المجتهد العظيم، كان رحمه الله تعالى آية من الآيات، في استفادته من الوقت وحفاظه على ملئه بالتعلم والتعليم والكتابة والتأليف، حتى بلغت مؤلفاته من الكثرة - مع الإبداع والإتقان - العدد العجاب.
стр. 38
قال العلامة ياقوت الحموي في كتابه ((معجم الأدباء)) (١)، في الترجمة الحافلة التي كتبها للإمام ابن جرير الطبري، وبلغت ٥٦ صفحة، والحافظ الخطيب البغدادي في ((تاريخ بغداد)) (٢)، ما أقطف منه هنا الجمل التالية من ترجمة هذا الإمام الجليل، ودخل حديث أحدهما في الآخر:
((حدث علي بن عبيد الله اللغوي السمسمي، عن القاضي أبي عمر عبيد الله بن أحمد السمسار (٣) وأبي القاسم بن عقيل الوراق: أن أبا جعفر الطبري قال لأصحابه: أتنشطون لتفسير القرآن؟ قالوا: كم يكون قدره؟ قال: ثلاثون ألف ورقة، فقالوا: هذا مما تفنى الأعمار قبل تمامه! فاختصره في نحو ثلاثة آلاف ورقة، وأملاه في سبع سنين، من سنة ثلاث وثمانين ومئتين إلى سنة تسعين.
عزم ابن جرير أن يؤلف التاريخ في ثلاثين ألف ورقة
ثم قال لهم: أتنشطون لتاريخ العالم من آدم إلى وقتنا هذا؟ قالوا: كم قدره؟ فذكر نحوا مما ذكره في التفسير، فأجابوه بمثل ذلك! فقال: إنا لله! ماتت الهمم! فاختصره في نحو مما اختصر ((التفسير))، وفرغ من تصنيفه ومن عرضه - أي قراءته - عليه يوم الأربعاء لثلاث بقين من شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وثلاث مئة، وقطعه - أي ختمه وانتهى فيه عند الكلام - على آخر سنة اثنتين وثلاث مئة.
стр. 39
ابن جرير كان يكتب كل يوم أربعين ورقة تأليفاً
قال الخطيب: وسمعت السمسمي يحكي أن ابن جرير مكث أربعين سنة، يكتب في كل يوم منها أربعين ورقة. وحدث تلميذه أبو محمد عبد الله بن أحمد بن جعفر الفرغاني، في كتابه المعروف بكتاب ((الصلة))، وهو كتاب وصل به ((تاريخ ابن جرير)): أن قوما من تلاميذ ابن جرير، حصلوا أيام حياته - أي جمعوها -، منذ بلغ الحلم إلى أن توفي وهو ابن ست وثمانين سنة، ثم قسموا عليها أوراق مصنفاته، فصار منها على كل يوم أربع عشرة ورقة. وهذا شيء لا يتهيأ لمخلوق إلا بحسن عناية الخالق)). انتهى. تبارك الله ماذا تبلغ الهمم!
مجموع ما صنفه ابن جرير نحو ٣٥٨ ألف ورقة
وقد ولد ابن جرير سنة ٢٢٤، وتوفي سنة ٣١٠، فعاش ٨٦ سنة، وإذا طرحنا منها سنه قبل البلوغ وقدرناها بأربع عشرة سنة، يكون قد بقي ابن جرير ثنتين وسبعين سنة يكتب كل يوم ١٤ ورقة، فإذا حسبنا أيام الاثنين والسبعين سنة، وجعلنا لكل يوم منها ١٤ ورقة تصنيفا، كان مجموع ما صنفه الإمام ابن جرير نحو ٣٥٨ ألف ورقة.
وقد اعتبروا كلاً من ((تاريخه)) و ((تفسيره)) نحو ثلاثة آلاف ورقة، فيكون الكتابان مجموعهما نحو سبعة آلاف ورقة أو ثمانية آلاف ورقة. وقد جاء التاريخ مطبوعا في أحد عشر جزءا كبيراً، وجاء التفسير مطبوعاً في ثلاثين جزءا كبيراً، من الأجزاء الكبار التي يكون كل جزء منها مجلداً.
فاحسب حساب الباقي من أوراق مصنفاته، وهو ٣٥١ ألف ورقة، لتعرف كم تبلغ مؤلفات هذا الإمام، الذي كان في علومه بمثابة مجمع
стр. 40
علمي واسع الفنون، وفي كثرة تآليفه بمثابة دار للنشر، وهو فرد واحد بنفسه، يكتب بقلمه لنفسه، ويؤلف على ورقة بنفسه، ويخرج للناس فكره وعلمه: عسلا مصفى وزبدا شهيا، وما كان يكون له كل ذلك، لولا أنه كان يكسب وقته، ويدري كيف يملؤه بالاستفادة والتأليف.
تنظيم ابن جرير لأوقاته وأعماله
قال القاضي أبو بكر بن كامل - أحمد بن كامل الشجري - تلميذ ابن جرير وصاحبه، يصف انتظام أوقات ابن جرير وأعماله رحمه الله تعالى:
((كان إذا أكل نام في الخيش - ثياب في نسجها رقة، وخيوطها غلاظ، تتخذ من مشاقة الكتان، تلبس في الحر عند النوم لبرودتها على الجسم -، في قميص قصير الأكمام، مصبوغ بالصندل وماء الورد.
ثم يقوم فيصلي الظهر في بيته، ويكتب في تصنيفه إلى العصر، ثم يخرج فيصلي العصر، ويجلس للناس يقرئ ويقرأ عليه إلى المغرب، ثم يجلس للفقه والدرس بين يديه إلى العشاء الآخرة، ثم يدخل منزله. وقد قسم ليله ونهاره في مصلحة نفسه، ودينه، والخلق، كما وفقه الله ). انتهى.
ابن جرير يكتب معلومة قبيل وفاته بساعة
وقال الأستاذ محمد كردعلي، في كتابه ((كنوز الأجداد)) (١)، في ترجمة الإمام ابن جرير الطبري: ((وما أثر عنه أضاع دقيقة من حياته في غير الإفادة والاستفادة، روى المعافى بن زكريا عن بعض الثقات، أنه كان بحضرة أبي جعفر الطبري رحمه الله تعالى قبل موته، وتوفي بعد ساعة
стр. 41
أو أقل منها، فذكر له هذا الدعاء عن جعفر بن محمد، فاستدعى محبرة وصحيفة فكتبه، فقيل له: أفي هذه الحال؟! فقال: ينبغي للإنسان أن لا يدع اقتباس العلم حتى الممات)). فرحمه الله وجزاه عن العلم والدين والإسلام وأهله خير الجزاء.
بقاء ذكر ابن جرير ببقاء مؤلفاته وآثاره الخالدة
هذه إلماعة عابرة إلى مؤلفات الإمام ابن جرير الطبري رحمه الله تعالى، دون تعدادها وإحصائها وذكر أسمائها وبيان موضوعاتها، وقد كتب لطائفة منها البقاء إلى يومنا هذا، فهي أكثر تذكيرا من الأولاد والأحفاد ولو بلغوا العشرة أو العشرين أو الثلاثين إنسانا، فإنهم ينغمرون في صفحات الفناء بعد قليل من الزمان، ويدخلون في طيات الإغفال والنسيان أما هذه المؤلفات فهي الذكر الدائم الحسن له على مدى الأزمان، وقد مضى على وفاته ألف ونحو مئة عام، فهي باقية ما تعاقب الملوان إلى ما شاء الله تعالى. وصدق الإمام ابن الجوزي إذ قال: كتاب العالم ولده المخلد.
ابن الخياط النحوي يدرس في الطريق فيسقط في جرف !
وقال أبو هلال العسكري في كتابه ((الحث على طلب العلم والاجتهاد في جمعه)) (١): ((كان أبو بكر بن الخياط النحوي - الإمام: محمد بن أحمد بن منصور السمرقندي الأصل، البغدادي القرار (٢)،
стр. 42
المتوفي سنة ٣٢٠ رحمه الله تعالى - يدرس جميع أوقاته حتى في الطريق، وكان ربما سقط في جرف أو خبطته دابة!)).
الحاكم الشهيد لا يكلم زواره لاشتغاله بالتأليف
وجاء في ((الأنساب)) للسمعاني (١)، في ترجمة الحاكم الشهيد: أبي الفلض محمد بن محمد بن أحمد المروزي البلخي، الحنفي القاضي الوزير، الحاكم الشهيد، المتوفي شهيدا سنة ٣٣٤ رحمه الله تعالى، عالم مرو وإمام أصحاب أبي حنيفة في عصره، ما يلي:
((ذكر أبو عبد الله بن الحاكم الشهيد، قال: عهدت الحاكم وهو يصوم يوم الإثنين والخميس، ولا يدع صلاة الليل في السفر والحضر، وكان يقعد والسفط والكتب والمحبرة بين يديه، وهو وزير السلطان، فيأذن لمن لا يجد بدا من الإذن له، ثم يشتغل بالتصنيف، فيقوم الداخل. ولقد شكاه أبو العباس بن حمويه، قال: ندخل عليه ولا يكلمنا، ويأخذ القلم بيده ويدعنا ناحية!
قال الحاكم أبو عبد الله الحافظ صاحب ((المستدرك)): ولقد حضرت عشية الجمعة مجلس الإملاء للحاكم أبي الفضل، ودخل أبو علي بن أبي بكر بن المظفر الأمير، فقام له قائما ولم يتحرك من مكانه، ورده من باب الصفة، وقال: انصرف أيها الأمير، فليس هذا يومك)).
стр. 43
كثرة مؤلفات الحافظ المحدث ابن شاهين
وقال الحافظ الذهبي ((في تذكرة الحفاظ)) (١)، في ترجمة المحدث (ابن شاهين)، المولود سنة ٢٩٧، والمتوفي سنة ٣٨٥ رحمه الله تعالى عن ٨٨ سنة.
((هو الحافظ الإمام المفيد المكثر، محدث العراق، أبو حفص عمر بن أحمد بن عثمان البغدادي، الواعظ، المعروف بابن شاهين، صاحب التصانيف، صنف شيئا كثيراً.
قال أبو الحسين بن المهتدي بالله - تلميذه -: قال لنا ابن شاهين: صنفت ثلاث مئة مصنف وثلاثين مصنفا، منها ((التفسير الكبير)) ألف جزء، ومنها ((المسند)) ألف وثلاث مئة جزء، و ((التاريخ)) مئة وخمسون جزءا، و ((الزهد)) مئة جزء (٢).
صرف ابن شاهين في ثمن الحبر سبع مئة درهم
قال محمد بن عمر الداودي القاضي: سمعت ابن شاهين يقول: حسبت ما اشتريت من الحبر إلى هذا الوقت، فكان سبع مئة درهم، قال ابن أبي الفوارس: صنف ابن شاهين ما لم يصنفه أحد)). انتهى.
تلقيب منذر المرواني النحوي (المذاكرة) لشدة تعلقه بمذاكرة النحو
وكان بعض أئمة اللغة العربية يلقب: (المذاكرة)، لشدة تعلقه بمذاكرة على العربية مع كل من يراه من العلماء، قال الحافظ ابن حجر
стр. 44
في ((نزهة الألباب في الألقاب)) - مخطوط -: ((المذاكرة، هو المنذر بن عبد الرحمن بن معاوية بن محمد بن عبد الله بن المنذر بن عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك (١)، الأندلسي المرواني.
لقب بذلك لأنه كان مغرى بعلم النحو، وكان إماما فيه، مقدما في اللغة، وكان متى لقي رجلا من إخوانه، قال له: هل لك في مذاكرة باب من العربية؟ فلقب بالمذاكرة لذلك، ذكره ابن حزم، قال: مات سنة ٣٩٣)) (٢).
أبو نعيم الأصفهاني يقرأ عليه في الطريق
وقال الحافظ الذهبي في ((تذكرة الحفاظ)) (٣)، في ترجمة الحافظ أبي نعيم الأصفهاني أحمد بن عبد الله، المحدث المؤرخ الصوفي، المولود سنة ٣٣٦، والمتوفي سنة ٤٣٠ رحمه الله تعالى:
((قال أحمد بن مردويه: كان أبو نعيم في وقته مرحولا إليه، لم يكن في أفق من الآفاق أحد أحفظ منه، ولا أسند منه، كان حفاظ الدنيا قد اجتمعوا عنده، وكل يوم نوبة واحد منهم، يقرأ ما يريده إلى قريب الظهر، فإذ قام إلى داره ربما يقرأ عليه في الطريق جزء، وكان لا يضجر، لم يكن له غذاء سوى التسميع والتصنيف)).
стр. 45
البيروني يتعلم مسألة في الفرائض وهو في الغرغرة والنزع
وجاء في ((معجم الأدباء)) لياقوت الحموي (١)، في ترجمة الإمام الفلكي الرياضي الفذ، والمؤرخ اللغوي الأديب الأريب، الجامع لأشتات العلوم أبي الريحان البيروني (محمد بن أحمد الخوارزمي)، الملود سنة ٣٦٢، والمتوفي سنة ٤٤٠ رحمه الله تعالى:
((كان أبو الريحان مع الفسحة في التعمير، وجلالة الحال في عامة الأمور، مكبا على تحصيل العلوم، منصبا إلى تصنيف الكتب، يفتح أبوابها، ويحيط بشواكلها وأقرابها - أي بغوامضها وجلياتها -، ولا يكاد يفارق يده القلم، وعينه النظر، وقلبه الفكر، إلا في يومي النيروز والمهرجان من السنة، لإعداد ما تمس إليه - الحاجة - في المعاش، من بلغة الطعام وعلقة الرياش، ثم هجيراه في سائر الأيام من السنة علم يسفر عن وجهه قناع الإشكال، ويحسر عن ذراعيه كمام الإغلاق.
حدث الفقيه أبو الحسن علي بن عيسى الولوالجي، قال: دخلت على أبي الريحان وهو يجود بنفسه، قد حشرج نفسه، وضاق به صدره، - قد بلغ من العمر ٧٨ سنة -، فقال لي في تلك الحال: كيف قلت لي يوما: حساب الجدات الفاسدة - وهي التي تكون من قبل الأم -؟
فقلت له إشفاقا عليه: أفي هذه الحالة؟ قال لي: يا هذا! أودع الدنيا وأنا عالم بهذه المسألة، ألا يكون خيرا من أن أخليها وأنا جاهل بها، فأعدت ذلك عليه، وحفظ، وعلمني ما وعد، وخرجت من عنده وأنا في الطريق فسمعت الصراخ!)). انتهى.
стр. 46
وكان هذا الإمام الباقعة في العلم يتقن خمس لغات: العربية، والسريلنية، والسنسكريتية، والفارسية، والهندية، وترك من المؤلفات في علوم الفلك والطب والرياضيات والأدب واللغة والتاريخ وغيرها ما زاد على ١٢٠ مؤلف. قال فيه المستشرق الكبير سخاو: ((إنه أكبر عقلية عرفها التاريخ)). وقال المستشرق المشهور سارطون: ((كان البيروني من أعظم عظماء الإسلام، ومن أكابر علماء العالم)). وانظر ترجمته وحياته العلمية في كتاب ((تراث العرب العلمي في الفلك والرياضيات)) لقدري حافظ طوقان (١).
سليم الرازي إما ينسخ أو يدرس أو يقرأ أو يتلو لا فراغ لديه
وجاء في كتاب ((تبيين كذب المفتري)) للحافظ ابن عساكر (٢)، و ((طبقات الشافعية الوسطى)) لتاج الدين السبكي، في ترجمة الإمام سليم الرازي، أحد أئمة السادة الشافعية في عصره، المتوفي سنة ٤٤٧ رحمه الله تعالى، قول التاجي السبكي فيه: ((كان ﵀ من الورع على جانب قوي، يحاسب نفسه على الأوقات، لا يدع وقتا يمضي بغير فائدة، إما ينسخ أو يدرس أو يقرأ، وينسخ شيئا كثيراً.
قال الحافظ ابن عساكر: ولقد حدثني عنه شيخنا أبو الفرج الأسفراييني أنه نزل يوما إلى داره ورجع، فقال: قد قرأت جزءا في طريقي. قال أبو الفرج: وحدثني المؤمل بن الحسن أنه رأى سليما حفي عليه القلم، فإلى أن قطة جعل يحرك شفتيه، فعلم أنه يقرأ بإزاء إصلاحه القلم، لئلا يمضي عليه زمان وهو فارغ)). انتهى. أي لما شغلت يداه
стр. 47
حرك شفتيه بذكر الله، لئلا يذهب الزمان فارغا، بغير عمل وطاعة، فلله دره ما أعرفه بالغنائم.
الخطيب البغدادي يمشي في الطريق وهو يطالع في كتاب
وقال الحافظ الذهبى في ((تذكرة الحفاظ)) (١) في ترجمة الخطيب البغدادي مؤرخ بغداد ومحدثها، المولود سنة ٣٩٢ والمتوفي سنة ٤٦٣ رحمه الله تعالى: ((كان الخطيب يمشي وفي يده جزء يطالعه)). وما ذلك إلا للحفاظ على الوقت وكسب الزمن أن يهب فارغا أثناء المشي دون استفادة وانتفاع به في جنب العلم.
إمام الحرمين يأكل وينام اضطرارا لا عادة
وجاء في ((تبيين كذب المفتري)) للحافظ ابن عساكر (٢) و ((طبقات الشافعية الكبرى)) للتاج السبكي (٣) في ترجمة (إمام الحرمين) أبي المعالي عبد الملك بن عبد الله الحويني النيسابوري الشافعي الفقيه الأصولي المتكلم النظار المحجاج، شيخ الإمام الغزالي، المولود سنة ٤١٩، والمتوفي سنة ٤٧٨ رحمه الله تعالى، ما يلي:
((قال عبد الغافر الفارسي في كتابه: ((سياق نيسابور)): إمام الحرمين، فخر الإسلام، إمام الأئمة على الإطلاق، حبر الشريعة المجمع على إمامته شرقا وغربا، من لم تر العيون مثله ولا ترى بعده ...
стр. 48
سمعته في أثناء كلام يقول: أنا لا أنام ولا آكل عادة، وإنما أنام إذا غلبني النوم ليلا كان أو نهارا، وآكل إّذا اشتهيت الطعام أي وقت كان. وكانت لذته ولهوه ونزهته في مذاكرة العلم، وطلب الفائدة من أي نوع كان.
إمام الحرمين وهو في الخمسين من العمر يتتلمذ لعالم نحوي
ولقد سمعت الشيخ أبا الحسن علي بن فضال بن علي المجاشعي القيرواني النحوي، القادم علينا سنة تسع وستين وأربع مئة، وقد قبله الإمام فخر الإسلام، وقابله بالإكرام، وأخذ في قراءة النحو عليه والتلمذة له، بعد أن كان إمام الأئمة في وقته - وقد بلغ من العمر خمسين سنة -، وكان يحمله كل يوم إلى داره، ويقرأ عليه كتاب ((إكسير الذهب في صناعة الأدب)) من تصنيفه. فكان أبو الحسن المجاشعي يحكي ويقول: ما رأيت عاشقا للعلم مثل هذا الإمام، فإنه يطلب العلم للعلم. وكان كذلك)).
يعقوب النجيرمي يطالع كتابه خلال مشيه
وجاء في ((إنباه الرواة على أنباه النحاة)) للقفطي (١)، في ترجمة محمد السعيدي بن بركات النحوي البصري المصري، المولود سنة ٤٢٠، والمتوفي سنة ٥٢٠ عن مئة سنة رحمه الله تعالى، ((قال: رأيت وأنا صبي أبا يوسف يعقوب بن خرزاد النجيرمي ماشيا في طريق القرافة، شيخا أسمر كبير اللحية، مدور العمامة، وبيده كتاب وهو يطالع فيه في مشيه)). انتهى.
ابن عقيل وابن الجوزي غاية الغايات في حفظ الوقت
стр. 49
ويحتل الذروة في مقام المحافظة على الزمن، ومعرفة نفاسته، وغلاء قيمه، والحرص على ملء الأوقات بالأعمال الزاكيات، والاستفادة من الخطرات واللحظات، تأليفا وتفكيرا، وتذكرا وتذكيرا: ما جاء في سيرة إمامين جليلين من كبار رجال فقهاء السادة الحنابلة، بل من كبار أئمة المسلمين، الأول منهما:
الإمام أبو الوفاء ابن عقيل الحنبلي تلميذ الحافظ الخطيب البغدادي، والثاني: الإمام أبو الفرج ابن الجوزي تلميذ تلامذة أبي الوفاء ابن عقيل، رحمهما الله تعالى، فأنقل من سيرة كل واحد منهما سطورا تغني في هذا المقام عن كتاب كبير، فأقول:
ابن عقيل أحد أذكياء بني آدم
أما الإمام أبو الوفا ابن عقيل الحنبلي على بن عقيل البغدادي، فقال الحافظ ابن رجب الحنبلي في ((ذيل طبقات الحنابلة))، في ترجمته الحافلة الحافزة (١)، ما ملخصه: ((ولد سنة ٤٣١، وتوفي سنة ٥١٣، وكان من أفاضل العالم، وأذكياء بني آدم، مفرط الذكاء، متسع الدائرة في العلوم.
ابن عقيل لا يضيع ساعة من عمره
وكان يقول: إني لا يحل لي أن أضيع ساعة من عمري، حتى إذا تعطل لساني عن مذاكرة أو مناظرة، وبصري عن مطالعة، أعملت فكري في حال راحتي وأنا منطرح، فلا أنهض إلا وقد خطر لي ما أسطره، وإني لأجد من حرصي على العلم وأنا في عشر الثمانين أشد مما كنت أجده وأنا ابن عشرين سنة.
стр. 50
اختيار ابن عقيل الكعك المبلول على الخبز لكسب الوقت
وأنا أقصر بغاية جهدي أوقات أكلي، حتى أختار سف الكعك وتحسيه بالماء على الخبز، لأجل ما بينهما من تفاوت المضغ، توفرا على مطالعة، أو تسطير فائدة لم أدركها فيه، وإن أجل تحصيل عند العقلاء، بإجماع العلماء، هو الوقت، فهو غنيمة تنتهز فيها الفرص، فالتكاليف كثيرة، والأوقات خاطفة.
قال الشيخ ابن الجوزي: كان الإمام ابن عقيل دائم الاشتغال بالعلم، وكان له الخاطر العاطر، والبحث عن الغوامض والدقائق، وجعل كتابه المسمى ب ((الفنون)) مناطا لخواطره وواقعاته.
تنوع علوم ابن عقيل وتنوع تصانيفه
وله تصانيف كثيرة في أنواع العلوم، نحو العشرين، وأكبر تصانيفه كتاب ((الفنون))، وهو كتاب كبير جدا، فيه فوائد كثيرة جليلة، في الوعظ، والتفسير، والفقه، وأصول الفقه، وأصول الدين، والنحو، واللغة، والشعر، والتاريخ، والحكايات. وفيه مناظراته ومجالساته التي وقعت له، وخواطره ونتائج فكره، قيدها فيه.
كتابه ((الفنون)) ثماني مئة مجلدة وهو أحد كتبه
قال الحافظ الذهبي: لم يصنف في الدنيا أكبر من هذا الكتاب، حدثني من رأى منه المجلد الفلاني بعد الأربع مئة. قال ابن رجب: وقال بعضهم: هو ثماني مئة مجلدة)). انتهى (١).
стр. 51
خير ما قطع به الوقت وتقرب به لله طلب العلم
وهو القائل رحمه الله تعالى، في فاتحة القسم الأول المطبوع من كتابه ((الفنون)): ((أما بعد فإن خير ما قطع به الوقت، وشغلت به النفس، فتقرب به إلى الرب جلت عظمته: طلب علم أخرج من ظلمة الجهل إلى نور الشرع، وذلك الذي شغلت به نفسي، وقطعت به وقتي.
فما أزال أعلق ما أستفيده من ألفاظ العلماء، ومن بطون الصحائف، ومن صيد الخواطر (١) التي تنثرها المناظرات والمقابسات، في مجالس العلماء، ومجامع الفضلاء، طمعا في أن يعلق بي طرف من الفضل، أبعد به عن الجهل، لعلي أصل إلى بهض ما وصل إليه الرجال قبلي؟!
ولو لم يكن من فائدته عاجلا إلا تنظيف الوقت عن الاشتغال برعونات الطباع، التي تنقطع بها أوقات الرعاع، لكفى، وعلى الله قصد السبيل، وهو حسبي ونعم الوكيل)). انتهى.
ابن عقيل يقول عند وفاته: دعوني أتهنأ بلقاء الله
قال ابن الجوزي: ولما أدركت الوفاة الإمام أبا الوفاء ابن عقيل واحتضر بكى النساء! فقال أبو الوفاء: قد وقعت عن الله خمسين سنة - يعني أنه كان يوقع الفتاوى التي يبين فيها أحكام الله في الوقائع والحوادث التي تقع للناس، فكان يوقع فيها نيابة عن الله تعالى -، فدعوني أتهنأ بلقائه.
стр. 52
ولم يخلف هذا الإمام الجليل من الدنيا سوى كتبه وثياب بدنه، وكانت بمقدار كفنه وأداء دينه، رحمه الله تعالى وجزاه عن العلم خيراً.
فانظر أيها القارئ الكريم - رعاك الله وإياي - كيف يثمر إعمال الخاطر، وحفظ الوقت، ودأب النفس في الخير والعلم، إنه ليثمر ثمرات لا تكاد تصدق وإنها لصدق، يثمر (ثماني مئة مجلدة): أكبر كتاب في الدنيا، يؤلفه فرد واحد من الناس أبو الوفاء ابن عقيل، إلى جانب تآليف كثيرة غيره، ألفها، تبلغ نحو العشرين مؤلفا، وبعضها في عشر مجلدات.
القليل إلى القليل كثير وإنما السيل اجتماع النقط
وما أصدق وأجما ما قاله الإمام بهاء الدين ابن النحاس الحلبي النحوي (محمد بن إبراهيم)، المتوفي سنة ٦٩٨ رحمه الله تعالى، إذ يشير بقوله الآتي إلى أن ضم القليل إلى القليل مع الدوام عليه، يتكون منه الكثير الهائل العجيب، كما حصل لأبي الوفاء ابن عقيل (ثماني مئة مجلدة)، يقول بهاء الدين ابن النحاس الحلبي كما في ترجمته في ((بغية الوعاة)) للسيوطي (١):
اليوم شيء وغدا مثله ... من نخب العلم التي تلتقط
يحصل المرء بها حكمة ... وإنما السيل اجتماع النقط
ابن الجوزي أربت تآليفه على ٥٠٠ مؤلف بحفظ الوقت وأما الإمام أبو الفرج ابن الجوزي (عبد الرحمن بن علي الحنبلي البغدادي)، فقد ولد سنة ٥٠٨، وتوفي سنة ٥٩٧، وعاش تسعا وثمانين سنة، وألف تآليف أربت على خمس مئة كتاب.
стр. 53
لزوم معرفة شرف الوقت وملئه بالأفضل فالأفضل وإليك نبذة من سيرته، لتشهده كيف كان يعرف شرف الوقت وقيمته، وكيف كان يكسب الوقت إذا زاره ضيوف أو نزل به ثقلاء بطالون. قال رحمه الله تعالى، كما في كتابه ((صيد الخاطر)) (١)، و ((الآداب الشرعية)) لابن مفلح الحنبلي (٢).
((ينبغي للإنسان أن يعرف شرف زمانه وقدر وقته، فلا يضيع منه لحظة في غير قربة، ويقدم - فيه - الأفضل فالأفضل من القول والعمل. ولتكن نيته في الخير قائمة من غير فتور، بما لا يعجز عنه البدن من العمل، كما جاء في الحديث الشريف: ((نية المؤمن خير من عمله)) (٣)، وقد كان جماعة من السلف يبادرون اللحظات، فنقل عن عامر بن عبد قيس - أحد التابعين العباد الزهاد - أن رجلا قال له: (كلمني) فقال له عامر: أمسك الشمس.
أكثر الناس يضيعون الوقت بما لا ينفع
وقد رأيت عموم الخلائق يدفعون الزمان دفعا عجيبا! إن طال الليل فبحديث لا ينفع، أو بقراءة كتاب فيه عزل وسمر، وإن طال النهار فبالنوم، وهم في أطراف النهار على دجلة أو في الأسواق - وكان
стр. 54
ابن الجوزي يعيش في بغداد - فشبهتهم بالمتحدثين في سفينة وهي تجري بهم، وما عندهم خبر!! ورأيت النادرين قد فهموا معنى الوجود، فهم في تعبئة الزاد والتهيؤ للرحيل، فالله الله في مواسم العمر، والبدار البدار قبل الفوات، ونافسوا الزمان.
تعوذ ابن الجوزي من صحبة البطالين
وأعوذ بالله من صحبة البطالين! لقد رأيت خلقا كثيرا يجرون معي فيما اعتاده الناس من كثرة الزيارة، ويسمون ذلك التردد: خدمة! ويطيلون الجلوس، ويجرون فيه أحاديث الناس وما لا يعني، ويتخلله غيبة. وهذا شيء يفعله في زماننا كثير من الناس، وربما طلبه المزور، وتشوق إليه، واستوحش من الوحدة، وخصوصا في أيام التهاني والأعياد، فتراهم يمشي بعضهم إلى بعض، ولا يقتصرون على الهناء والسلام، بل يمزحون ذلك بما ذكرته من تضييع الزمان!
قيامه بأعمال لا تمنع من المحادثة وقت لقاء الزوار
فلما رأيت أن الزمان أشرف شيء، والواجب انتهابه بفعل الخير، كرهت ذلك وبقيت معهم بين أمرين: إن أنكرت عليهم وقعت وحشة لموضع قطع المألوف، وإن تقبلته منهم ضاع الزمان! فصرت أدافع اللقاء جهدي، فإذا غلبت قصرت في الكلام لأتعجل الفراق. ثم أعددت أعمالا لا تمنع من المحادثة، لأوقات لقائهم، لئلا يمضي الزمان فارغا، فجعلت من الاستعداد للقائهم قطع الكاغد - أي قص الورق - وبري الأقلام، وحزم الدفاتر، فإن هذه الأشياء لابد منه، ولا تحتاج إلى فكر وحضور قلب، فأرصدتها لأوقات زيارتهم، لئلا يضيع شيء من وقتي.
стр. 55
شرف الوقت لا يعرفه إلا الموفقون
ولقد شاهدت خلقا كثيرا لا يعرفون معنى الحياة، فمنهم من أغناه الله عن التكسب بكثرة ماله، فهو يقعد في السوق أكثر النهار ينظر إلى الناس، وكم تمر به من آفة ومنكر. ومنهم من يخلو بلعب الشطرنج، ومنهم من يقطع الزمان بحكاية الحوادث عن السلاطين والغلاء والرخص إلى غير ذلك، فعلمت أن الله تعالى لم يطلع على شرف العمر ومعرفة قدر أوقات العافية إلا من وفقه وألهمه اغتنام ذلك، (وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم) (١). نسأل الله أن يعرفنا شرف أوقات العمر، وأن يوفقنا لاغتنامه.
حفاظ السلف على الوقت وحذرهم من إضاعته
وقد كان القدماء - يعنى السلف - يحذرون من تضييع الزمان، قال الفضيل بن عياض: أعرف من يعد كلامه من الجمعة إلى الجمعة. ودخلوا على رجل من السلف، فقالوا: لعلنا شغلناك؟ فقال: أصدقكم، كنت أقرأ فتركت القراءة لأجلكم! وجاء عابد إلى السري السقطي، فرأى عنده جماعة، فقال: صرت مناخ البطالين! ثم مضى ولم يجلس. ومتى لان المزور طمع فيه الزائر فأطال الجلوس، فلم يسلم من أذى. وقد كان جماعة قعدوا عند معروف الكرخي، فأطالوا، فقال: إن ملك الشمس لا يفتر عن سوقها، فمتى تريدون القيام؟!
نماذج رائعة من المحافظة على الوقت عند السلف
وكان جماعة من السلف يحفظون اللحظات، وكان داود الطائي يستف الفتيت، ويقول: بين سف الفتيت وأكل الخبز قراءة خمسين
стр. 56
آية. وكان عثمان الباقلاوي دائم الذكر لله تعالى، فقال: إني وقت الإفطار أحس بروحي كأنها تخرج! لأجل اشتغالي بالأكل عن الذكر. وأوصى بعض السلف أصحابه فقال: إذا خرجتم من عندي فتفرقوا، لعل أحدكم يقرأ القرآن في طريقه، ومتى اجتمعتم تحدثتم.
واعلم أن الزمان أشرف من أن يضيع منه لحظة، فإن في ((الصحيح)) عن رسول الله ﷺ أنه قال: ((من قال سبحان الله العظيم وبحمده، غرست له بها نخلة في الجنة)) (١). فكم يضيع الآدمي من ساعات يفوته فيها الثواب الجزيل؟! وهذه الأيام مثل المزرعة، فهل يجوز لعاقل أن يتوقف عن البذر أو يتوانى؟
بيان ما يعين على اغتنام الوقت
والذي يعين على اغتنام الزمان: الانفراد والعزلة مهما أمكن، والاختصار على السلام أو حاجة مهمة لمن يلقي، وقلة الأكل، فإن كثرته سبب النوم الطويل وضياع الليل. ومن نظر في سير السلف، وآمن بالجزاء، بان له ما ذكرته.
علو همم العلماء السالفين وفضل تصانيفهم
ولقد كانت همم القدماء من العلماء علية، تدل عليها تصانيفهم،
стр. 57
التي هي زبدة أعمارهم، إلا أن أكثر تصانيفهم دثرت، لأن همم الطلاب ضعفت، فصاروا يطلبون المختصرات، ولا ينشطون للمطولات، ثم اقتصروا على ما يدرسون به من بعضها، فدثرت الكتب ولم تنسخ!
فسبيل طالب الكمال في طلب العلم: الاطلاع على الكتب التي قد تخلفت من المصنفات، فليكثر من المطالعة، فإنه يرى من علوم القوم وعلو هممهم ما يشحذ خاطره، ويحرك عزيمته للجد. وما يخلو كتاب من فائدة.
وأعوذ بالله من سير هؤلاء الذين نعاشرهم، لا نرى فيهم ذا همة عالية يقتي بها المبتدي، ولا صاحب ورع فيستفيد منه المتزهد، فالله الله، وعليكم بملاحظة سير القوم، ومطالعة تصانيفهم وأخبارهم، فالاستكثار من مطالعة كتبهم، رؤية لهم كما قال:
فاتني أن أرى الديار بطرفي ... فلعلي أرى الديار بسمعي
نهم ابن الجوزي في العلم وشدة تعلقه بالكتب
وإني أخبر عن حالي، ما أشبع من مطالعة الكتب، وإذا رأيت كتابا لم أره فكأني وقعت على كنز.
ولقد نظرت في ثبت الكتب - أي فهرس الكتب - الموقوفة في المدرسة النظامية، فإذا به يحتوي على نحو ستة آلاف مجلد، وفي ثبت كتب أبي حنيفة، وكتب الحميدي: - محمد بن فتوح الأندلسي البغدادي صاحب ابن حزم -، وكتب شيخنا عبد الوهاب الأنماطي، وابن ناصر، وكتب أبي محمد الخشاب وكانت أحمالا، وغير ذلك من
стр. 58
كل كتاب أقدر عليه (١)، ولو قلت: إني قد طالعت عشرين ألف مجلد - أي كتاب - كان أكثر، وأنا بعد في الطلب.
فاستفدت بالنظر فيها من ملاحظة سير القوم، وقدر هممهم وحفظهم، وعباداتهم، وغرائب علومهم، ما لا يعرفه من لم يطالع، فصرت أستزري ما الناس فيه، وأحتقر همم الطلاب، ولله الحمد)). انتهى.
كل نفس خزانة فاحذر أن تكون خزانتك فارغة
وقال الإمام ابن الجوزي أيضا، رحمه الله تعالى، في رسالته اللطيفة التي نصح بها ولده، وسماها: ((لفتة الكبد في نصيحة الولد))، حاضا لولده على حفظ الوقت: ((واعلم يا بني، أن الأيام تبسط ساعات، والساعات تبسط أنفاسا، وكل نفس خزانة، فاحذر أن يذهب نفس بغير شيء، فترى في القيامة خزانة فارغة فتندم!
وانظر كل ساعة من ساعاتك بماذا تذهب، فلا تودعها إلا إلى أشرف ما يمكن، ولا تهمل نفسك، وعودها أشرف ما يكون من العمل وأحسنه، وابعث إلى صندوق القبر ما يسرك يوم الوصول إليه)). انتهى.
ابن الجوزي كان يكتب في اليوم أربعة كراريس تأليفاً
وقال الحافظ ابن رجب في ((ذيل طبقات الحنابلة)) في ترجمة ابن الجوزي (٢): ((لم يترك فنا من الفنون إلا وله فيه مصنف، وسئل عن عدد تآليفه، فقال: زيادة على ثلاث مئة وأربعين مصنفا، منها
стр. 59
ما هو عشرون مجلداً، ومنها ما هو كراس واحد. وقال الموفق عبد اللطيف: كان ابن الجوزي لا يضيع من زمانه شيئا، يكتب في اليوم أربعة كراريس، ويرتفع له كل سنة من كتابته ما بين خمسين مجلدا إلى ستين)).
كتابة ابن الجوزي بيده ألفي مجلدة، بكسب الوقت
وقال الذهبي في ((تذكرة الحفاظ)) وابن رجب في ((الذيل)) (١): ((قال أبو المظفر سبط ابن الجوزي: سمعت جدي يقول على المنبر في آخر عمره: كتبت بإصبعي هاتين ألفي مجلد)). ويقول ابن الوردي في ((تتمة المختصر في أخبار البشر)) (٢): ((قيل: إنه جمعت الكراريس التي كتبها أبو الفرج ابن الجوزي، وحسبت مدة عمره فقسمت على المدة، فكان ما خص كل يوم منها تسعة كراريس)).
براية أقلام ابن الجوزي سخن بها ماء غسل موته وزادت
ونقل القمي في ((الكنى والألقاب)) (٣): ((أن براية أقلام ابن الجوزي التي كتب بها الحديث، جمعت فحصل منها شيء كثير، وأوصى أن يسخن بها الماء الذي يغسل به بعد موته، ففعل ذلك، فكفت وفضل منها)).
وقد ألف الأستاذ عبد الحميد العلوجي العراقي كتابا باسم ((مؤلفات ابن الجوزي))، وطبعته وزارة الثقافة والإرشاد العراقية ببغداد سنة ١٣٨٥،
стр. 60
وقد عدد فيه أسماء مؤلفاته، فبلغت ٥١٩ كتاب، ما بين كبير في أكثر من عشر مجلدات وصغير في صفحات - وفاته مؤلفات أخرى -
قول ابن تيمية: مصنفات ابن الجوزي أكثر من ألف مصنف
ونقل في مقدمته (١) ما يلي: ((ذكر الحافظ ابن رجب الحنبلي في ((ذيل طبقات الحنابلة)) (٢) أن الإمام ابن تيمية، قال في ((أجوبته المصرية)): كان الشيخ أبو الفرج ابن الجوزي كثير التصنيف والتأليف، وله مصنفات في أمور كثيرة، حتى عددتها فرأيتها أكثر من ألف مصنف، ورأيت بعد ذلك ما لم أره)).
قول الذهبي: ما علمت أحدا صنف ما صنف ابن الجوزي
وقال الحافظ الذهبي في ((تذكرة الحفاظ)) (٣)، بعد أن ذكر طائفة كثيرة من مؤلفات ابن الجوزي: ((وما علمت أحدا من العلماء صنف ما صنف هذا الرجل)). ثم نقل عن الموفق عبد اللطيف قوله في ابن الجوزي: ((إنه لا يضيع من زمانه شيئا، وكان يكتب في اليوم أربعة كراريس - أي مع اشتغاله بالتدريس والتأليف وإفتاء السائلين -، وله في كل علم مشاركة)). انتهى.
عبد الغني المقدسي وحفاظه على الأوقات وتنظيمها
وجاء في ((تذكرة الحفاظ)) (٤)، في ترجمة (الحافظ عبد الغني المقدسي) المولود سنة ٦٠٠ رحمه الله تعالى:
стр. 61
((الإمام محدث الإسلام، تقي الدين، أبو محمد عبد الغني بن عبد الواحد، المقدسي، الجماعيلي، ثم الدمشقي الصالحي، الحنبلي، صاحب التصانيف. كتب عن أبي طاهر السلفي ألف جزء، وكتب ما لا يوصف كثرة، وما زال ينسخ، ويصنف، ويحدث، ويعبد الله، حتى أتاه اليقين.
قال الضياء المقدسي (تلميذه): وكان لا يضيع شيئا من زمانه، كان يصلي الفجر، ويلقن القرآن، وربما لقن الحديث، ثم يقوم فيتوضأ ويصلي ثلاث مئة ركعة بالفاتحة والمعوذتين إلى قبيل الظهر، فينام نومة فيصلي الظهر، ويشتغل بالتسميع أو النسخ إلى المغرب، فيفطر إن كان صائما، ويصلي العشاء ثم ينام إلى نصف الليل أو بعده.
ثم يتوضأ ويصلي، ثم يتوضأ ويصلي إلى قريب الفجر، وربما توضأ سبع مرات أو أكثر، ويقول: تطيب لي الصلاة ما دامت أعضائي رطبة، ثم ينام نومة يسيرة قبل الفجر، وهذا دأبه)). انتهى. وترك من الكتب التي ألفها ما يزيد على أربعين كتابا. فيها النفائس الغوالي. انظرها في ترجمته الواسعة الحافلة، في ((ذيل طبقات الحنابلة)) لابن رجب (١).
الفخر الرازي يتأسف على الوقت الذي يذهب في الأكل
وجاء في ((عيون الأنباء في طبقات الأطباء)) للطبيب المؤرخ ابن أبي أصيبعة (٢) في ترجمة الإمام فخر الدين الرازي المفسر الأصولي
стр. 62
المتكلم (محمد بن عمر) المولود سنة ٥٤٣، والمتوفي سنة ٦٠٦ رحمه الله تعالى، عن ٦٣ سنة من العمر، وقد ترك من التآليف نحو مئتي كتاب، ما بين كتاب في اثنين وثلاثين جزءا كالتفسير المشهور له ورسالة في صفحات.
جاء في ترجمته قول ابن أبي أصيبعة: ((حكى لنا القاضي شمس الدين الخوئي، عن الشيخ فخر الدين أنه قال: والله إنني أتأسف في الفوات عن الاشتغال بالعلم في وقت الأكل، فإن الوقت والزمان عزيز)).
حفظ ابن سكينة لأوقاته وتنظيمها وملؤها بالأعمال الصالحة
وقال الحافظ المؤرخ ابن النجار في ((ذيل تاريخ بغداد)) والحافظ الذهبي، في ((سير أعلام النبلاء)) (١)، في ترجمة الإمام ابن سكينة: ((الشيخ الإمام العالم الفقيه المحدث الثقة، المعمر القدوة الكبير، شيخ الإسلام مفخر العراق، ضياء الدين أبو أحمد عبد الوهاب بن علي ابن سكينة البغدادي الصوفي الشافعي، ولد سنة ٥١٩، ومات سنة ٦٠٧، وكان شيخ وقته في علو الإسناد والمعرفة والأتقان، والزهد والعبادة، وحسن السمت وموافقة السنة وسلوك طريق السلف الصالح.
مد الله له في العمر حتى حدث بجيمع مروياته مرارا، وقصده طلاب العلم من سائر الأقطار، وكانت أوقاته محفوظة، وكلماته معدودة،
стр. 63
فلا تمضي له ساعة إلا في قراءة قرآن، أو ذكر، أو تهجد، أو قراءة الناس عليه، وكان يمنع الناس من التحديث في مجلسه بلغو أو غيبة إنسان أو ما لا فائدة فيه. لا يخرج من بيته إلا لحضور جمعة أو عيد أو جنازة، ولا يحضر دور أبناء الدنيا في هناء ولا عزاء.
قال ابن النجار تلميذه: لقد طفت الأرض شرقاً وغرباً، ورأيت الأئمة والعلماء والزهاد، فما رأيت أكمل منه ولا أكثر عبادة ولا أحسن سمتا، صحبته قريبا من عشرين سنة ليلا ونهارا، وتأدبت به وخدمته، وقرأت عليه القرآن بجميع مروياته وقراءاته، وسمعت منه أكثر مروياته في الحديث، وقرأت عليه الكتب المطولات واستفدت منه كثيراً.
قول ابن سكينة لتلامذته: لا تزيدوا على (سلام عليكم) مسألة
قال يحيى بن القاسم مدرس النظامية: كان ابن سكينة عالما عاملا، لا يضيع شيئا من وقته، وكنا إذا دخلنا عليه يقول: لا تزيدوا على (سلام عليكم) مسألة، لكثرة حرصه على المباحثة وتقرير الكلام)). انتهى. والمدرسة النظامية أرقى معاهد العلم في بغداد آنئذ.
وهذا - والله - شيء عجب! إذ يدعوهم إلى اختصار السلام: (سلام عليكم)، ويمنعهم من التجمل بالمجاملات المعتادة أول اللقاء، ويأمرهم أن يدخلوا في المباحثة والمدارسة فور سلامهم، كسباً للوقت.
ابن تيمية الجد يقرأ عليه الكتاب إذا دخل الخلاء
وممن حافظوا على الاستفادة من الوقت بشكل عجيب، وحال لا تخطر على بال: الإمام ابن تيمية الجد: مجد الدين أبو البركات عبد السلام بن عبد الله بن تيمية الحراني الحنبلي، المولود في حدود سنة ٥٩٠، والمتوفي سنة ٦٥٣ رحمه الله تعالى.
стр. 64
قال الحافظ ابن رجب الحنبلي في ((ذيل طبقات الحنابلة)) (١)، في ترجمته: ((الإمام الفقيه المقرئ المحدث المفسر الأصولي النحوي، شيخ الإسلام وفقيه الوقت، وأحد الأعلام، قال شيخنا أبو عبد الله بن القيم (٢): حدثني أخو شيخنا عبد الرحمن بن عبد الحليم بن تيمية، عن أبيه، قال: كان الجد - مجد الدين أبو البركات - إذا دخل الخلاء يقول لي: اقرأ في هذا الكتاب، وارفع صوتك حتى أسمع.
قلت - القائل ابن رجب -: يشير بذلك إلى قوة حرصه على العلم وحصوله، وحفظه لأوقاته)).
الحافظ المنذري كتب بيده ٩٠ مجلدة و ٧٠٠ جزء من غير تصانيفه
وتحدث الإمام النووي رحمه الله تعالى، في آخر كتابه ((بستان العارفين)) (٣)، عن بعض مآثر جماعة من كبار العلماء البارعين الأفذاذ، تحت عنوان (باب في حكايات مستطرفة) (٤)، فذكر منقبة سمعها من شيخه لشيخه الإمام الحافظ عبد العظيم المنذري، المولود بالقاهرة سنة ٥٨١، والمتوفي بها سنة ٦٥٦ رحمه الله تعالى، قال:
((سمعت شيخنا وسيدنا الإمام الجليل، والسيد النبيل، الحافظ المحقق، والمقتبس المدقق، الضابط المتقن، والمشفق المحسن،
стр. 65
الورع الزاهد، والمجتهد العابد، بقية الحفاظ، المفتي شيخ الأئمة والمحدثين: ضياء الدين أبا إسحاق إبراهيم بن عيسى المرادي، يقول - في يوم الأربعاء السادس من شوال سنة ثمان وخمسين وست مئة (١)، بالمدرسة البادرائية بدمشق حماها الله وصانها -:
سمعت الشيخ عبد العظيم رحمه الله تعالى يقول: (كتبت بيدي تسعين مجلدة، وكتبت سبع مئة جزء). كل ذلك من علوم الحديث تصنيف غيره، وكتب من مصنفاته وغيرها أشياء كثيرة.
الحافظ المنذري يشتغل بالعلم في حال الأكل
قال شيخنا: ولم أر ولم أسمع أحدا أكثر اجتهادا منه في الاشتغال، كان دائم الاشتغال في الليل والنهار. قال: وجاورته في المدرسة، يعنى بالقاهرة حماها الله تعالى، بيتي فوق بيته اثنتي عشرة سنة، فلم أستيقظ في ليلة من الليالي، ساعة من ساعات الليل، إلا وجدت ضوء السراج في بيته وهو مشتغل بالعلم، وحتى كان في حال الأكل والكتاب والكتب عنده يشتغل فيها.
الحافظ المنذري لا يخرج من المدرسة لا لعزاء ولا لهناء
وذكر من تحقيقه وشدة بحثه وتفننه ما أعجز عن التعبير عنه. قال: وكان لا يخرج من المدرسة لا لعزاء، ولا لهناء، ولا لفرجة، ولا لغير ذلك، إلا لصلاة الجمعة، بل يستغرق كل الأوقات في العلم، رضي الله تعالى عنه وعن والدينا والمسلمين)). انتهى.
стр. 66
الحافظ المنذري يموت ابنه الغالي فيشيعه لباب المدرسة فقط
قال الإمام تاج الدين السبكي في ((طبقات الشافعي الكبرى)) (١)، في ترجمة الحافظ المنذري: ((وقد درس بالآخرة في دار الحديث الكاملية، وكان لا يخرج منها إلا لصلاة الجمعة، حتى إنه كان له ولد نجيب محدث فاضل - هو رشيد الدين أبو بكر محمد، توفي سنة ٦٤٣، وكان أحد الأذكياء النبغاء الحفاظ - توفاه الله تعالى في حياته، ليضاعف له في حسناته، فصلى عليه الشيخ داخل المدرسة، وشيعه إلى بابها، ثم دمعت عيناه وقال: أودعتك يا ولدي الله تعالى، وفارقه)). ولم يخرج من المدرسة.
ابن مالك كان يصلي أو يتلو أو يصنف أو يقرأ
ومن الأئمة الكبار، الذين حافظوا على الساعات واللحظات، حتى وهم في غمرات الموت ووداع الحياة، وتعلقوا بتحصيل العلم قبيل ساعات الممات: الإمام ابن مالك النحوي صاحب ((الألفية)) وغيرها من أمهات كتب النحو، محمد بن عبد الله المولود سنة ٦٠٠ والمتوفي سنة ٦٧٢ رحمه الله تعالى، جاء في ترجمته في ((نفح الطيب)) للمقري (٢):
((كان رحمه الله تعالى كثير المطالعة، سريع المراجعة، لا يكتب شيئا من محفوظه حتى يراجعه في محله، وهذه حالة المشايخ الثقات، والعلماء الأثبات، ولا يرى إلا وهو يصلي أو يتلو أو يصنف أو يقرأ.
стр. 67
وحكي أنه توجه يوما مع أصحابه للفرجة بدمشق، فلما بلغوا الموضع الذي أرادوه، غفلوا عنه بسويعة، فطلبوه فلم يجدوه، ثم فحصوا عنه فوجدوه منكبا على أوراق.
حفظ ابن مالك ثمانية أبيات قبل موته تلقينا
وأغرب من هذا في اعتنائه بالعلم: ما مر أنه حفظ يوم موته عدة أبيات، حدها بعضهم بثمانية أبيات، لقنه إياها ابنه، وهذا مما يصدق ما قيل: بقدر ما تتعنى، تنال ما تتمنى، فجزاه الله خيرا عن هذه الهمة العلية. وتوفي بدمشق سنة ٦٧٢، ودفن بسفح جبل قاسيون، وما يزال قبره معروفا هناك، رحمه الله تعالى)). انتهى.
الإمام النووي لم يضع جنبه على الأرض نحو سنتين
وقال الحافظ الذهبي في ((تذكرة الحفاظ)) (١) في ترجمة الإمام النووي (يحيى بن شرف الحوراني): ((هو الإمام الحافظ الأوحد، القدوة، شيخ الإسلام، علم الأولياء، محيى الدين أبو زكريا، يحيى بن شرف بن مري الحزامي الحوراني الشافعي، صاحب التصانيف النافعة.
ولد سنة ٦٣١ - في بلدة نوا من حوران - وقدم دمشق سنة ٦٤٩، فسكن في المدرسة الرواحية يتناول خبز المدرسة، - قال: وبقيت نحو سنتين لم أضع جنبي إلى الأرض - فحفظ ((التنبيه)) في أربعة أشهر ونصف، وقرأ ربع ((المهذب)) حفظا في باقي السنة على شيخه الكمال إسحاق بن أحمد.
стр. 68
النووي يقرأ كل يوم اثني عشر درساً مع الضبط والتعليق
ذكر تلميذه شيخنا أبو الحسن بن العطار: أن الشيخ محيى الدين ذكر له: أنه كان يقرأ كل يوم اثني عشر درسا على مشايخه شرحا وتصحيحا: درسين في ((الوسيط)) - في علم الفقه -، ودرسا في ((المهذب)) - في الفقه أيضا -، ودرسا في الجمع بين الصحيحين - في علم الحديث -، ودرسا في ((صحيح مسلم))، ودرسا في ((اللمع)) لابن جني - في علم النحو -، ودرسا في ((إصلاح المنطق)) - في علم اللغة -، ودرسا في التصريف، ودرسا في أصول الفقه، تارة في اللمع لأبي إسحاق، وتارة في المنتخب لفخر الدين الرازي، ودرسا في أسماء الرجال، ودرسا في أصول الدين، - ودرسا في النحو.
قال: وكنت اعلق جميع ما يتعلق بها من شرح مشكل، ووضوح عبارة، وضبط اللغة، وبارك الله تعالى في وقتي.
النووي كان لا يأكل إلا أكلة واحدة في اليوم والليلة
قال أبو الحسن بن العطار: ذكر لي شيخنا رحمه الله تعالى أنه كان لا يضيع له وقتا، لا في ليل ولا في نهار إلا في الاشتغال بالعلم حتى في الطريق يكرر أو يطالع، وأنه دام على هذا ست سنين، ثم أخذ في التصنيف والإفادة والنصيحة وقول الحق. وكان لا يأكل في اليوم والليلة إلا أكلة بعد عشاء الآخرة، ويشرب شربة واحدة عند السحر، ويمتنع من أكل الفواكه والخيار، ويقول: أخاف أن يرطب جسمي ويجلب لي النوم، ولم يتزوج.
تقشف النووي وتخشنه في مطعمه وملبسه وعيشه
ولازم الاشتغال والتصنيف ونشر العلم، والعبادة والأوراد والصيام
стр. 69
والذكر، والصبر على العيش الخشن في المأكل والملبس ملازمة كلية لا مزيد عليها، ملبسه ثوب خام، وعمامته سختيانية صغيرة)). توفي سنة ٦٧٦ رحمه الله تعالى، فكانت حياته ٤٥ سنة، وترك من المؤلفات الكثيرة العظيمة ما قسموه على أيام حياته، فكان لكل يوم فيها أربعة كراريس.
الطبيب ابن النفيس إمام في الطب والفقه وحفظ الوقت
ومن العلماء الكبار، والأطباء الأفذاذ النبغة الأخيار، الذين حافظوا على الوقت واللحظات، وتسجيل الأفكار والخطرات، في أغرب الأوقات والساعات: شيخ الطب في عصره ابن النفيس الدمشقي ثم المصري. جاء في ترجمته في ((روضات الجنات)) للخوانساري (١)، نقلا عن ((الوافي بالوفيات)) لصلاح الدين الصفدي، ما أقطف منه ما يلي:
((الإمام الفاضل الحكيم العلامة علاء الدين ابن النفيس على بن أبي حزم القرشي - نسبة إلى بلدة قرش من بلاد ما وراء النهر - المولود بدمشق في حدود سنة ٦١٠، والمتوفي بالقاهرة سنة ٦٨٧ رحمه الله تعالى.
كان إماما في علم الطب، أوحد، لا يضاهي في ذلك ولا يداني استحضارا ولا استنباطا، وله في الطب التصانيف الفائقة، والتواليف الرائقة.
صنف كتاب ((الشامل)) في الطب، وتدل فهرسة هذا الكتاب على أنه يكون في ثلاث مئة سفر، ذكر ذلك بعض أصحابه، وبيض منها
стр. 70
ثمانين سفراً. وألف كتاب ((المهذب في الكحل))، و ((شرح القانون لابن سينا)) في عدة أسفار، وغير ذلك في الطب (١).
وله معرفة بالمنطق، وصنف فيه مختصرا، وشرح كتاب ((الهداية)) لابن سينا في المنطق، وصنف أيضا في أصول الفقه، والفقه، والعربية، والحديث، وعلم البيان، وغير ذلك، وشرح من أول ((التنبيه)) لأبي إسحاق الشيرازي في فروع الشافعية، من أوله إلى (باب السهو)، شرحاً حسناً، وكان قد تولى تدريس الفقه في المدرسة المسرورية بالقاهرة.
وقال الإمام برهان الدين إبراهيم الرشيدي: كان العلاء بن النفيس، إذا أراد التصنيف، توضع له الأقلام مبرية، ويدير وجهه إلى الحائط، ويأخذ في التصنيف إملاء من خاطره، ويكتب مثل السيل إذا انحدر، فإذا كل القلم وحفى، رمى به وتناول غيره، لئلا يضيع عليه الزمان في بري القلم. وكان يكتب - إذا صنف - من صدره، من غير مراجعة حالة التصنيف.
مسامرة ابن النفيس بالعلم مع ابن واصل حتى الفجر
وقال السديد الدمياطي الحكيم بالقاهرة، وكان من تلاميذه:
стр. 71
اجتمع ليلة هو والقاضي جمال الدين بن واصل، وأنا نائم عندهما، فلما فرغا من صلاة العشاء الآخرة، شرعا في البحث، وانتقلا من علم إلى علم، والشيخ علاء الدين في كل ذلك يبحث برياضة ودون انزعاج، وأما القاضي جمال الدين فإنه كان ينزعج، ويعلو صوته، وتحمر عيناه، وتنتفخ عروق رقبته، ولم يزالا كذلك إلى أن سفر الصبح.
فلما انفصل الحال قال القاضي جمال الدين: يا شيخ علاء الدين، أما نحن فعندنا مسائل ونكت وقواعد، أما أنت فعندك خزائن علوم.
تسجيل ابن النفيس بعض مباحث الطب أثناء استحمامه
وقال آخر: دخل الشيخ علاء الدين مرة إلى الحمام التي في باب الزهومة، فلما كان في بعض تغسيله خرج إلى مسلخ الحمام - موضع نزع الثياب وخلعها - واستدعى بدواة وقلم وورق، وأخذ في تصنيف مقالة في النبض إلى أن أنهاها، ثم عاد ودخل الحمام وكمل تغسيله.
وكان ذا مروءة، وكان لا يحجب نفسه عن الإفادة ليلا ولا نهارا، وكان يحضر مجلسه في داره جماعة من الأمراء، ومهذب الدين بن أبي حليقة رئيس الأطباء، وشرف الدين الصغير، وأكابر الأطباء، ويجلس الناس على طبقاتهم. وعليه وعلى عماد الدين النابلسي تخرج الأطباء بمصر والقاهرة، وكان قد ابتنى فيها دارا، وفرشها بالرخام حتى إيوانها.
وفي علته التي توفي فيها، أشار عليه بعض أصدقائه الأطباء، بتناول شيء من الخمر، إذ كانت علته تناسب أن يتداوى بها على ما زعموا، فأبى أن يتناول شيئا من ذلك، وقال: لا ألقى الله تعالى وفي
стр. 72
باطني شيء من الخمر. ولم يكن متزوجا. ووقف داره هذه، وكتبه، وأمواله على البيمارستان المنصوري (١).
ابن النفيس كاشف الدورة الدموية قبل سبعة قرون
وبالجملة: كان إماما عظيما، وكان كثير من الأفاضل يقولون: هو ابن سينا الثاني)). انتهى. ولا تنس أن ابن النفيس هو كاشف (الدورة الدموية) في البدن، منذ أكثر من سبعة قرون، ذلك الكشف العظيم الهائل في عالم الطب.
قال عبد الفتاح: وكان مع هذا الفضل العظيم والنبوغ الباهر في الطب وغيره، يتواضع فيصف نفسه في إجازاته للمستفيدين والمتخرجين به، باسم (المتطبب)، وهو إمام الطب والأطباء في عصره، كما تراه في نموذج من خطه الجميل، المصور في ترجمته في كتاب ((الأعلام)) للزركلي (٢).
الشيخ ابن تيمية تآليف لا يمكن حصرها، بكسب الوقت
وأعجب من ذلك حال شيخ الإسلام ابن تيمية أبي العباس أحمد بن عبد الحليم الحراني الدمشقي الحنبلي، المولود سنة ٦٦١، والمتوفي سنة ٧٢٨ رحمه الله تعالى، عن ٥٧ سنة وعن نحو خمس مئة مجلد تأليفا، كان لا يمكن أن يفوت من وقته ساعة دون تعليم أو تأليف
стр. 73
أو عبادة، حتى بلغت مؤلفاته المئات، بل لم يمكن حصرها للمتتبعين حتى ولا للشيخ نفسه ﵀.
جاء في ترجمته عند ابن شاكر الكتبي في ((فوات الوفيات)) (١): ((إن تصانيفه تبلغ ثلاث مئة مجلد، قال الذهبي: وما يبعد أن تصانيفه إلى الآن تبلغ خمس مئة مجلد)). انتهى. وقد ألف تلميذه الإمام ابن القيم في أسماء كتبه رسالة، بلغت صفحاتها ٢٢ صفحة، وذكر فيها ما يقارب ٣٥٠ مؤلف، بين كتاب كبير ورسالة وقاعدة (٢).
وقال الشيخ ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه ((الوابل الصيب من الكلم الطيب)) (٣): ((الحادي والستون من فوائد الذكر: أنه يعطي الذاكر قوة حتى إنه ليفعل مع الذكر ما لم يظن فعله بدونه. وقد شاهدت من قوة شيخ الإسلام ابن تيمية، في سننه، وكلامه، وإقدامه، وكتابته: أمرا عجيبا، فكان يكتب في اليوم من التصنيف ما يكتبه الناسخ في جمعة وأكثر ... )). انتهى.
والصحيح في عدد تآليف الشيخ ابن تيمية، ما قاله الحافظ ابن رجب في ((ذيل طبقات الحنابلة)) (٤): ((وأما تصانيفه فقد امتلأت بها الأمصار، وجاوزت حد الكثرة، فلا يمكن لأحد حصرها)). انتهى.
стр. 74
هذا أيها القارئ الكريم جهد إنسان واحد من العلماء حفظ وقته، قال العارفون به: لا يمكن حصر مؤلفاته، وهو كذلك.
الشيخ ابن تيمية يطالع ويقرر العلم حال مرضه وسفره
قلت: وسبب هذا الثراء العجيب في التآليف، أن الشيخ ابن تيمية رحمه الله تعالى، كان لا ينفك عن المطالعة والكلام في العلم وتقريره، في حال حضره وسفره وصحته ومرضه، قال تلميذه الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى، في كتابه ((روضة المحبين)) (١):
((وحدثني شيخنا - ابن تيمية - قال: ابتدأني مرض، فقال لي الطبيب: إن مطالعتك وكلامك في العلم يزيد المرض، فقلت له: لا أصبر على ذلك، وأنا أحاكمك إلى علمك، أليست النفس إذا فرحت وسرت قويت الطبيعة، فدفعت المرض، فقال: بلى، فقلت له: فإن نفسي تسر بالعلم، فتقوى به الطبيعة، فأجد راحة، فقال: هذا خارج عن علاجنا)).
الشمس الأصبهاني يقلل طعامه لئلا يضيع الزمان بدخوله وخروجه
وجاء في ((الدرر الكامنة)) للحافظ ابن حجر، و ((البدر الطالع)) للشوكاني (٢)، في ترجمة الإمام العلامة شمس الدين أبي الثناء الأصبهاني (محمود بن عبد الرحمن بن أحمد)، الشافعي الأصولي الفقيه
стр. 75
المفسر المولود بأصبهان سنة ٦٧٤، المتوفي بالقاهرة سنة ٧٤٩ رحمه الله تعالى (١)، ما يلي:
((اشتغل في بلاده، ومهر وتقدم في الفنون، وقدم دمشق بعد زيارة القدس في صفر سنة ٧٢٥، فبهرت أهلها فضائله، وسمع كلامه الشيخ تقي الدين ابن تيمية، فبالغ في تعظيمه، قال مرة: اسكتوا حتى نسمع كلام هذا الفاضل الذي ما دخل البلاد مثله. ثم انتقل إلى القاهرة، وفيها توفى.
ومما يحكى عنه من حرصه على العلم وشحه أوقاته، أن بعض أصحابه كان يذكر أنه كان يمتنع كثيرا من الأكل، لئلا يحتاج إلى الشرب، فيحتاج إلى دخول الخلاء، فيضيع عليه الزمان)). انتهى.