اجتمع ليلة هو والقاضي جمال الدين بن واصل، وأنا نائم عندهما، فلما فرغا من صلاة العشاء الآخرة، شرعا في البحث، وانتقلا من علم إلى علم، والشيخ علاء الدين في كل ذلك يبحث برياضة ودون انزعاج، وأما القاضي جمال الدين فإنه كان ينزعج، ويعلو صوته، وتحمر عيناه، وتنتفخ عروق رقبته، ولم يزالا كذلك إلى أن سفر الصبح.
فلما انفصل الحال قال القاضي جمال الدين: يا شيخ علاء الدين، أما نحن فعندنا مسائل ونكت وقواعد، أما أنت فعندك خزائن علوم.
تسجيل ابن النفيس بعض مباحث الطب أثناء استحمامه
وقال آخر: دخل الشيخ علاء الدين مرة إلى الحمام التي في باب الزهومة، فلما كان في بعض تغسيله خرج إلى مسلخ الحمام - موضع نزع الثياب وخلعها - واستدعى بدواة وقلم وورق، وأخذ في تصنيف مقالة في النبض إلى أن أنهاها، ثم عاد ودخل الحمام وكمل تغسيله.
وكان ذا مروءة، وكان لا يحجب نفسه عن الإفادة ليلا ولا نهارا، وكان يحضر مجلسه في داره جماعة من الأمراء، ومهذب الدين بن أبي حليقة رئيس الأطباء، وشرف الدين الصغير، وأكابر الأطباء، ويجلس الناس على طبقاتهم. وعليه وعلى عماد الدين النابلسي تخرج الأطباء بمصر والقاهرة، وكان قد ابتنى فيها دارا، وفرشها بالرخام حتى إيوانها.
وفي علته التي توفي فيها، أشار عليه بعض أصدقائه الأطباء، بتناول شيء من الخمر، إذ كانت علته تناسب أن يتداوى بها على ما زعموا، فأبى أن يتناول شيئا من ذلك، وقال: لا ألقى الله تعالى وفي
стр. 72
باطني شيء من الخمر. ولم يكن متزوجا. ووقف داره هذه، وكتبه، وأمواله على البيمارستان المنصوري (١).
ابن النفيس كاشف الدورة الدموية قبل سبعة قرون
وبالجملة: كان إماما عظيما، وكان كثير من الأفاضل يقولون: هو ابن سينا الثاني)). انتهى. ولا تنس أن ابن النفيس هو كاشف (الدورة الدموية) في البدن، منذ أكثر من سبعة قرون، ذلك الكشف العظيم الهائل في عالم الطب.
قال عبد الفتاح: وكان مع هذا الفضل العظيم والنبوغ الباهر في الطب وغيره، يتواضع فيصف نفسه في إجازاته للمستفيدين والمتخرجين به، باسم (المتطبب)، وهو إمام الطب والأطباء في عصره، كما تراه في نموذج من خطه الجميل، المصور في ترجمته في كتاب ((الأعلام)) للزركلي (٢).
الشيخ ابن تيمية تآليف لا يمكن حصرها، بكسب الوقت
وأعجب من ذلك حال شيخ الإسلام ابن تيمية أبي العباس أحمد بن عبد الحليم الحراني الدمشقي الحنبلي، المولود سنة ٦٦١، والمتوفي سنة ٧٢٨ رحمه الله تعالى، عن ٥٧ سنة وعن نحو خمس مئة مجلد تأليفا، كان لا يمكن أن يفوت من وقته ساعة دون تعليم أو تأليف
стр. 73
أو عبادة، حتى بلغت مؤلفاته المئات، بل لم يمكن حصرها للمتتبعين حتى ولا للشيخ نفسه ﵀.
جاء في ترجمته عند ابن شاكر الكتبي في ((فوات الوفيات)) (١): ((إن تصانيفه تبلغ ثلاث مئة مجلد، قال الذهبي: وما يبعد أن تصانيفه إلى الآن تبلغ خمس مئة مجلد)). انتهى. وقد ألف تلميذه الإمام ابن القيم في أسماء كتبه رسالة، بلغت صفحاتها ٢٢ صفحة، وذكر فيها ما يقارب ٣٥٠ مؤلف، بين كتاب كبير ورسالة وقاعدة (٢).
وقال الشيخ ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه ((الوابل الصيب من الكلم الطيب)) (٣): ((الحادي والستون من فوائد الذكر: أنه يعطي الذاكر قوة حتى إنه ليفعل مع الذكر ما لم يظن فعله بدونه. وقد شاهدت من قوة شيخ الإسلام ابن تيمية، في سننه، وكلامه، وإقدامه، وكتابته: أمرا عجيبا، فكان يكتب في اليوم من التصنيف ما يكتبه الناسخ في جمعة وأكثر ... )). انتهى.
والصحيح في عدد تآليف الشيخ ابن تيمية، ما قاله الحافظ ابن رجب في ((ذيل طبقات الحنابلة)) (٤): ((وأما تصانيفه فقد امتلأت بها الأمصار، وجاوزت حد الكثرة، فلا يمكن لأحد حصرها)). انتهى.
стр. 74
هذا أيها القارئ الكريم جهد إنسان واحد من العلماء حفظ وقته، قال العارفون به: لا يمكن حصر مؤلفاته، وهو كذلك.
الشيخ ابن تيمية يطالع ويقرر العلم حال مرضه وسفره
قلت: وسبب هذا الثراء العجيب في التآليف، أن الشيخ ابن تيمية رحمه الله تعالى، كان لا ينفك عن المطالعة والكلام في العلم وتقريره، في حال حضره وسفره وصحته ومرضه، قال تلميذه الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى، في كتابه ((روضة المحبين)) (١):
((وحدثني شيخنا - ابن تيمية - قال: ابتدأني مرض، فقال لي الطبيب: إن مطالعتك وكلامك في العلم يزيد المرض، فقلت له: لا أصبر على ذلك، وأنا أحاكمك إلى علمك، أليست النفس إذا فرحت وسرت قويت الطبيعة، فدفعت المرض، فقال: بلى، فقلت له: فإن نفسي تسر بالعلم، فتقوى به الطبيعة، فأجد راحة، فقال: هذا خارج عن علاجنا)).
الشمس الأصبهاني يقلل طعامه لئلا يضيع الزمان بدخوله وخروجه
وجاء في ((الدرر الكامنة)) للحافظ ابن حجر، و ((البدر الطالع)) للشوكاني (٢)، في ترجمة الإمام العلامة شمس الدين أبي الثناء الأصبهاني (محمود بن عبد الرحمن بن أحمد)، الشافعي الأصولي الفقيه
стр. 75
المفسر المولود بأصبهان سنة ٦٧٤، المتوفي بالقاهرة سنة ٧٤٩ رحمه الله تعالى (١)، ما يلي:
((اشتغل في بلاده، ومهر وتقدم في الفنون، وقدم دمشق بعد زيارة القدس في صفر سنة ٧٢٥، فبهرت أهلها فضائله، وسمع كلامه الشيخ تقي الدين ابن تيمية، فبالغ في تعظيمه، قال مرة: اسكتوا حتى نسمع كلام هذا الفاضل الذي ما دخل البلاد مثله. ثم انتقل إلى القاهرة، وفيها توفى.
ومما يحكى عنه من حرصه على العلم وشحه أوقاته، أن بعض أصحابه كان يذكر أنه كان يمتنع كثيرا من الأكل، لئلا يحتاج إلى الشرب، فيحتاج إلى دخول الخلاء، فيضيع عليه الزمان)). انتهى.
стр. 76
فانظر إلى غلاء الوقت عند هذا الإمام الجليل، وما غلاء الوقت عنده إلا من غلاء العلم، فلله دره ما أبصره.
الشوكاني بلغت دروسه في اليوم والليلة نحو ثلاثة عشر درساً
وقال العلامة القاضي الشوكاني (محمد بن علي)، المفسر المحدث الفقيه الأصولي المشهور ذو التصانيف، المولود سنة ١١٧٣ ببلدة شوكان في اليمن، والمتوفي سنة ١٢٥٠ رحمه الله تعالى، في ترجمته لنفسه قي كتابه ((البدر الطالع)) (١) متحدثا عن حاله ونشأته بصيغة الخبر عن الغائب تواضعا منه:
((وكان تبلغ دروسه في اليوم والليلة إلى نحو ثلاثة عشر درسا، منها ما يأخذه عن مشايخه، ومنها ما يأخذه عنه تلامذته، واستمر على ذلك مدة. ثم إنه فرغ نفسه - من التلقي عن شيوخه - لإفادة الطلبة، فكانوا يأخذون عنه في كل يوم زيادة على عشرة دروس، في فنون متعددة، واجتمع منها في بعض الأوقات: التفسير والحديث والأصول والنحو والصرف والمعاني والبيان والمنطق والفقه والجدل والعروض)). انتهى.
وقد كان من زمن قراءته على الشيوخ وإقرائه لتلامذته: قائما بالإفتاء للمستفتين من أهل صنعاء وغيرها حو عشرين سنة، ثم ولي قضاء صنعاء في سنة ١٢٢٩، إلى وفاته ٢١ سنة، وكات رحمه الله تعالى وله ١١٤ مؤلف، سمى هو كثيرا منها في ترجمته.
الآلوسي ألف تفسيره بالليل ويدرس بالنهار ثلاثة عشر درساً
وكان الإمام المفسر الآلوسي (أبو الثناء شهاب الدين محمود بن
стр. 77
عبد الله الآلوسي) البغدادي، مفتي بغداد وخاتمة المفسرين، المولود سنة ١٢١٧ والمتوفي سنة ١٢٧٠ رحمه الله تعالى: ((حريصا على أن يزيد علمه في كل لحظة، لا يفتر عن اكتساب الفوائد، واقتناص الشوارد، فكان نهاره للإفتاء والتدريس، وأول ليله لمنادمة مستفيد أو جليس، ويكتب بأواخر الليل ورقات -من تفسيره-، فيعطيها صباح اليوم التالي للكتاب الذين وظفهم في داره، فلا يكلومنها تبييضاً إلا في عشر ساعات.
وكان يدرس في اليوم أربعة وعشرين درسا - كذا -، وكان أيام اشتغاله بالتفسير والإفتاء يدرس في اليوم ثلاثة عشر درسا في كتب مطولة، وكان يؤلف حتى في مرضه الأخير)) (١).
وتفسيره أعجوبة فريدة لدى العلماء من بين التفاسير، وكفاه به إمامة وفضلاً وعلماً، وقد ألفه في الليل كما علمت، وقد قيل:
وبادر الليل بما تشتهي ... فإنما الليل نهار الأريب
وقال الإمام الأديب أبو هلال العسكري:
وساهر الليل في الحاجات نائمُهُ ... وواهب المال عند المجد كاسبُهُ
وقال الفقعسي الحماسي:
كأنك لم تسبق من الدهر ليلة ... إذا أنت أدركت الذي كنت تطلب
стр. 78
وقال ابن نباتة السعدي:
أعاذِلَتي على إتعاب نفسي ... ورعيي في الدُّجى روض السُّهادِ
إذا شام الفتى برق المعالي ... فأهون فائت طيب الرُّقاد
وقال غيره:
يهوى الدياجي إذا المغرور أغفلها ... كأن شهب الدياجي أعين نُجْلُ
عبد الحي اللكنوي مات عن ٣٩ سنة وجاوزت مؤلفاته ١١٠
ولا نبعد بعيداً، فهذا الإمام عبد الحي اللكنوي الهندي المتوفي من نحو مئة سنة، عام ١٣٠٤ عن ٣٩ سنة من العمر، قد زادت مؤلفاته على مئة وعشرة كتب، ما بين كتاب في عدة مجلدات كبار ورسالة في صفحات، وكل كتبه في المباحث المفيدة والمشكلات العصبية.
حكيم الأمة التهانوي زادت مؤلفاته على الألف
وهذا شيخ الهند مولانا (حكيم الأمة) أشرف على التهانوي المتوفي من نحو أربعين سنة، عام ١٣٦٢ عن ٨١ سنة، قد زادت تآليفه على ألف مؤلف. ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. وكل ذلك بحفظ الوقت. وإنما يعرف قيمة الوقت والزمن: النوادر الموفقون، فيأتون في أعمارهم القصيرة بالأعداد الهائلة من التآليف الكثيرة.
تآليف الأئمة السابقين تدل على حفظهم للأوقات
وأذكر هنا كلمة لشيخنا العلامة محمد زاهد الكوثري رحمه الله تعالى، تعرض فيها لبيان جملة من التفاسير الكبيرة الضخمة للقرآن الكريم خاصة دون سائر العلوم، تدل بضخامتها على اهتمام أصحابها بالعلم ومحافظتهم على الوقت، فتمكنوا من التآليف الكبيرة، بحيث
стр. 79
يدهش الإنسان لسماع أخبارها فضلا عن رؤية ذواتها، وكم لله في خلقه من عجائب؟
قال شيخنا في كتابه ((مقالات الكوثري)) (١)، وهو يتحدث عن بعض الجوانب التي خدم بها القرآن الكريم:
بعض المؤلفات الكبار الضخام للسابقين في التفسير وعلومه
((وما ألفه أهل العلم في اجتلاء روائع المعاني من القرآن الكريم، مما لا يكاد يحصيه العد، على اختلاف مسالكهم في العناية بالرواية أو الدراية، وفنون الأفنان من علوم القرآن، وعلى تفاوت أذواقهم ومشاربهم في الاهتمام بجهة خاصة من مزايا القرآن المجيد.
وأرجو القارئ الكريم أن يسمح لي أن أذكر بعض مؤلفات علماء هذه الأمة في هذا الصدد، مما يكون أنموذجا لمساعيهم الجبارة في مضمار تدوين المؤلفات، فها هو تفسير الإمام أبي الحسن الأشعري، المسمى: ((المختزن)) في سبعين مجلدا على ما يذكره المقريزي في ((الخطط))، وتفسير القاضي عبد الحبار الهمذاني، المسمى: ((المحيط)) في مئة سفر.
وتفسير أبي يوسف عبد السلام القزويني، المسمى: ((حدائق ذات بهجة))، أقل ما يقال فيه: إنه في ثلاث مئة مجلد، وكان مؤلفه وقفه وجعل مقره مسجد الإمام أبي حنيفة ببغداد، ثم صار في عداد الكتب التي ضاعت في أثناء استيلاء المغول على دار الخلافة ببغداد! إلا أني
стр. 80
سمعت من أحد أدباء الهند، أنه رأى قطعة منه في أحد فهارس الخزانات.
وللحافظ ابن شاهين تفسير في ألف جزء حديثي، وللقاضي أبي بكر بن العربي ((أنوار الفجر)) في التفسير، في نحو ثمانين ألف ورقة، والمعروف أنه موجود في بلادنا - أي في مكتبات إصطنبول وتركيا -، إلا أني لم أظفر به مع طول بحثي عنه. ولابن النقيب المقدسي أحد مشايخ أبي حيان تفسير يقارب مئة مجلد، يوجد بعض مجلدات منه في خزانات إصطنبول، ويوجد من تلك التفاسير بعض مجلدات في بعض الخزانات فيما أعلم.
وأما أضخم تفسير تام يوجد اليوم - على ما نعلم - فهو تفسير ((فتح المنان)) المدعو بتفسير العلامي، المنسوب إلى العلامة قطب الدين الشيرازي، وهو في أربعين مجلداً، فالمجلد الأول منه موجود بدار الكتب المصرية، وبه تظهر خطبته في التفسير، وفي مكتبتي محمد أسعد وعلي باشا - حكيم أوغلي - في إصطنبول في مجلداته ما يتم به نسخة كاملة.
وللعلامة محمد الزاهد البخاري نحو مئة مجلد في التفسير، كما في ((المنهج الصافي)). ولعلماء هذه الأمة تفاسير لا تحصى سوى ما تقدم، على اختلاف مسالكهم. ولهم أيضا مثل هذه الخدمة المشكورة، في تدوين السنن الشارحة للكتاب، المبينة لوجوه الإجمال فيه)). انتهى.
стр. 81
الأئمة المكثرون من التآليف
وقد تعرض العلامة الفقيه الأصولي الباحث محمد الحسن الحجوي الفاسي المغربي رحمه الله تعالى، في كتابه العجاب ((الفكر الإسلامي في تاريخ الفقه الإسلامي)) (١)، في ترجمة الإمام ابن جرير الطبري، إلى (المكثرين من التأليف)، فذكر منهم ابن جرير وابن الجوزي وغيرهما، وأقطف من كلامه ما يلي وفيه بعض التكرار لما ذكرته فيما سبق، ولا يضر، قال:
ابن جرير أعظم مؤلف في الإسلام كثرة تأليف وحسن تصنيف أحرز الإمام ابن جرير الطبري قصب بالسبق في التصنيف (٢)، كثرة
стр. 82
في إتقان، مع عموم النفع، وقد خلف في مصنفاته ما يقرب من ثلاث مئة ألف ورقة وخمسين ألف ورقة. وهذه أغنى التركات العلمية فيما بلغنا، فتبارك الله أحسن الخالقين.
فبذلك حاز المعلي والرقيب (١)، فلم يكن أحد من المتقدمين يبلغ مداه في الكثرة مع الإتقان وعموم النفع لوقتنا هذا، فلم يتفق هذا لغيره فيما أظن، فيصح أن يقال: إنه أعظم مؤلف في الإسلام.
стр. 83
الباقلاني لا ينام حتى يكتب خمساً وثلاثين ورقةً تأليفاً
وفي ((الديباج المذهب)) أن القاضي أبا بكر محمد بن الطيب الباقلاني، كان ورده كل ليلة عشرين ترويحة، ولا ينام حتى يكتب خمسا وثلاثين ورقة من حفظه.
كثرة تأليف ابن أبي الدنيا وابن عساكر وابن شاهين
وترك ابن أبي الدنيا ألف تأليف، وابن عساكر ألف تاريخه في ثمانين مجلدا، وقال السيوطي: منتهى التصانيف في الكثرة ابن شاهين، صنف ثلاث مئة وثلاثين مصنفا، منها ((التفسير)) في ألف جزء، و ((المسند)) خمسة عشر مئة - أي ألف وخمس مئة جزء -، قال السيوطي: وهذا من بركات طي الزمان كالمكان، من وراثة الإسراء وليلة القدر. نقله في ((المنح البادية)).
كثرة مؤلفات ابن حزم وابن أبي حاتم الرازي
وقد ترك الإمام أبو محمد علي بن حزم أربع مئة مجلد، تشتمل على قريب من ثمانين ألف ورقة. وألف الإمام أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي عدة كتب، في الفقه والحديث والتاريخ، منها كتابه ((المسند)) في ألف جزء، ذكره في ((الطبقات السبكية)).
كثرة مؤلفات الحاكم النيسابوري
وألف أبو عبد الله الحاكم المعروف بابن البيع صاحب ((المستدرك على الصحيحين))، ما يبلغ ألفا وخمس مئة جزء، منها ((تخريج الصحيحين))، و ((العلل) و ((الأماني))، و ((فوائد الشيوخ)) - و ((تاريخ نيسابور)) - وغيرها.
стр. 84
كثرة مؤلفات أبي الحسن الأشعري
وبلغت كتب الإمام أبي الحسن الأشعري خمسين كتاباً بين صغير وكبير، وأكثرها في الرد على الطوائف الضالة. وهذا من أصعب شيء في التأليف، يحتاج إلى زمن كثير.
كثرة مؤلفات ابن تيمية وابن القيم والبيهقي
وألف تقي الدين ابن تيمية ثلاث مئة مؤلف، في فنون مختلفة، ضمن نحو خمس مئة مجلد. وتلميذه ابن قيم الجوزية نحو الخمسين مجلدا بين ضخم ولطيف.
وألف الإمام البيهقي ألف جزء، كلها تآليف محررة نادرة المثال، كثيرة الفوائد، وأقام يصوم ثلاثين سنة.
كثرة مؤلفات محمد بن سحنون المالكي
وترك محمد بن سحنون الإفريقي الشهير كتابه الكبير في مئة جزء، في الفقه والسير والتاريخ وفنون من العلم، وكتاب ((أحكام القرآن)) أيضا، وغيره من الكتب. كثرة مؤلفات أبي بكر بن العربي المعافري وألف الإمام أبو بكر بن العربي المعافري دفين فاس: تفسيره الكبير في ثمانين جزءا، وله تآليف أخرى كشرح ((الترمذي)) و ((الموطأ))، و ((أحكام القرآن)) الكبرى والصغرى، و ((القواصم والعواصم))، و ((المحصول في الأصول))، كلها تصانيف من أعلى طبقة، وغريب الوجود.
كثرة مؤلفات أبي جعفر الطحاوي
وألف الإمام أبو جعفر الطحاوي تآليف كثيرة، وكتب في مسألة واحدة، وهي: هل كان حجة ﵊ بقران أو إفراد أو تمتع: ألف ورقة. وكم لهذا من نظير في علماء الإسلام.
стр. 85
كثرة مؤلفات أبي عبيدة وابن سريج وابن حبيب الأندلسي
وقد بلغت تآليف أبي عبيدة - معمر بن المثنى - مئتين في علوم مختلفة. وبلغت مؤلفات ابن سريج أربع مئة، والقاضي الفاضل: مئة واحدة. وبلغت مؤلفات عبد الملك بن حبيب عالم الأندلس: ألف كتاب، ذكره في ((نفح الطيب)).
كبر تواليف جملة من العلماء السابقين
وكانت تواليفهم تحوي مجلدات، فكانت ((مرآة الزمان)) في التاريخ لسبط بن الجوزي أربعون مجلدا، و ((تاريخ بغداد)) للخطيب أربعة عشر مجلدا، و ((الأغاني)) عشرون مجلدا، و ((كامل)) ابن الأثير ١٢ مجلدا، و ((شرح النبات)) لأبي حنيفة الدينوري بلغ ستين مجلدا. وبلغت تآليف يعقوب بن إسحاق الكندي فيلسوف العرب ٢٣١ كتاب - بل تزيد على ثلاث مئة كتاب -، في الفلسفة والطب والهندسة وعلوم كثيرة.
لكن مجلداتهم تختلف من عشر ورقات إلى مئة، هذا مع صعوبة نيل مواد الكتابة في تلك الأزمان.
كثرة مؤلفات بعض المتأخرين لا تبلغ كثرة مؤلفات السابقين
أما المتأخرون فتوفرت المواد لديهم، ومع ذلك لم يبلغوا مبلغ من تقدم، مثل الحافظ ابن حجر صاحب ((فتح الباري))، و ((الإصابة)) وغيرهما، والذهبي، وكالسيوطي الذي نافت تآليفه على أربع مئة، فإن جلها صغير الحجم إلى الورقة والورقتين.
وأكثر منه الشيخ أبو الفيض محب الدين محمد مرتضى الحسيني الواسطي الزبيدي الحنفي - الهندي المولد والمنشأ - نزيل مصر، وكفى
стр. 86
((شرح القاموس)) و ((شرح الإحياء))، دليلا على ذلك، وقد عم نفعهما، ووقع إقبال العالم الإسلامي عليهما، مع تحرير وإتقان)). انتهى كلام العلامة الحجوي باختصار.
قال عبد الفتاح: هذه كلمة عجلي بشأن المكثرين من التأليف، غير محررة ولا مستوفاة، كتبها العلامة الحجوي رحمه الله تعالى، استطرادا دون تتبع واستقراء، بمناسبة ذكره: كثرة مؤلفات الإمام ابن جرير الطبري.
مراعاة حفظ الوقت تطيل الأعمار وتكثر الآثار
والذي دعاني إلى إيرادها بيان هذا السيل الضخم من التآليف الكثيرة المدهشة، كيف كتبت؟ ومتى جمعت؟ إنما كان ذلك كله بمراعاة الوقت وكسبه واهتباله، دون أن تضيع منه ساعة أو سويعة. وبالحفاظ على الوقت تزخر الآثار، وتطول الأعمار، ويبارك الله تعالى في الأزمان الوجيزة والأعمار القصيرة، والله يؤتي فضله من يشاء، وهو ذو الفضل العظيم (١).
стр. 87
وأختم حديثي عن العلماء المراعين للأوقات، الحافظين للحظات، المستفيدين المانحين أطيب الثمرات، بإيراد ترجمة مختصرة للحافظ أبي القاسم بن عساكر الدمشقي، فقد جاء فيها ما يحرك العزائم ويوقظ النائم، فأقول:
ضخامة ما قدمه الحافظ ابن عساكر للمكتبة الإسلامية
كان الحافظ أبو القاسم بن عساكر الدمشقي (على بن الحسن) المولود بدمشق سنة ٤٩٩، والمتوفي بها سنة ٥٧١ رحمه الله تعالى، يحافظ على اللحظات من وقته، فجاد على المكتبة الإسلامية بتآليف، تعجز المجامع اعلمية اليوم عن طبعها! وقد كتبها وحده، وألفها بيده وقلمه، وحررها وحققها، وجمع أصولها، وانتخب منها، ونسقها ورتبها، وأخرجها للناس آية باقية ناطقة بأنه كان أعجوبة الأعاجيب في سعة الحفظ، ووفرة المعرفة، ونفاذ الهمة في القدرة على التأليف وكثرة المصنفات المدهشة.
وأسوق هنا طرفا وجيزا من ترجمته عن ثلاثة كتب، مقتصرا منها على ما يتعلق بكثرة التطواف، ووفرة المؤلفات، وشدة الحافظ على الأوقات واللحظات.
١ - قال المؤرخ القاضي ابن خلكان في ((وفيات الأعيان)) (١)،
стр. 88
في ترجمته: ((كان محدث الشام في وقته، ومن أعيان الفقهاء الشافعية، غلب عليه الحديث فاشتهر به، وبالغ في طلبه إلى أن جمع منه مالا يتفق لغيره، ورحل وطوف وجاب البلاد، ولقى المشايخ، وكان رفيق الحافظ أبي سعد عبد الكريم ابن السمعاني في الرحلة - وقد بلغ تعداد شيوخ السمعاني الذين لقيهم في دار الإسلام سبعة آلاف شيخ -.
وكان حافظاً ديناً، جمع بين المتون والأسانيد، سمع ببغداد، ثم رجع إلى دمشق، ثم رحل إلى خراسان، ودخل نيسابور وهراة وأصبهان والجبال، وصنف التصانيف المفيدة، وخرج التخاريج، وكان حسن الكلام على الأحاديث، محظوظا في الجمع التأليف، صنف ((التاريخ لدمشق)) في ثمانين مجلدا، أتى فيه بالعجائب، وهو على نسق ((تاريخ بغداد)) - للخطيب البغدادي، من حيث شرطه فيمن ذكرهم فيه، ولكنه أضعافه حجما واتساعا وشمولا وإفادات متنوعة -.
قال لي شيخنا الحافظ العلامة زكي الدين أبو محمد عبد العظيم المنذري حافظ مصر، وقد جرى ذكر هذا التاريخ، وأخرج لي منه مجلدا، وطال الحديث في أمره واستعظامه: ما أظن هذا الرجل إلا عزم على وضع هذا التاريخ من يوم عقل على نفسه، وشرع في الجمع من ذلك الوقت، وإلا فالعمر يقصر عن أن يجمع فيه الإنسان مثل هذا الكتاب بعد الاشتغال والتنبه (١).
стр. 89
ولقد قال الحق، ومن وقف عليه عرف حقية هذا القول، ومتى يتسع للإنسان الوقت حتى يضع مثله، وهذا الذي ظهر - أي من التاريخ - هو الذي اختاره، وما صح له هذا إلا بعد مسودات ما كاد ينضبط حصرها، وله غيره تواليف حسنة، وأجزاء ممتعة)). انتهى كلام القاضي ابن خلكان. وقد زادت مؤلفات الحافظ أبي القاسم بن عساكر على خمسين كتابا، أحدها ((تاريخ مدينة دمشق)) في ثمانين مجلدا، كما سبق ذكره.
علو همة ابن عساكر وسعة طوافه بلدان الإسلام
٢ - وقال الحافظ الذهبي في ((تذكرة الحفاظ)) (١)، في ترجمته: ((الإمام الحافظ الكبير، محدث الشام، فخر الأئمة، أبو القاسم بن عساكر، صاحب التصانيف و ((التاريخ الكبير))، ولد في أول سنة ٤٩٩، وسمع في سنة ٥٠٥، باعتناء أبيه وأخيه الإمام ضياء الدين هبة الله، فسمع ... بدمشق، ورحل في سنة عشرين، فسمع ... ببغداد، و ... بمكة، و ... بالكوفة، و ... بنيسابور، و ... بأصبهان، و ...
стр. 90
بمرو، و ... بهراة، وعمل ((الأربعين البلدانية)) - أربعين حديثا من أربعين شيخا من أربعين بلدا -، وعدد شيوخه ألف وثلاث مئة شيخ، ونيف وثمانون امرأة.
وحدث عنه خلق كثير، ومنهم صاحبه في الرحلة أبو أسعد السمعاني، - ثم عدد الذهبي تواليفه، فبلغت نحو خمسين كتاباً -، وأملي في أبواب العلم أربع مئة مجلس وثمانية - وكل إملاء مجلس منها بمثابة تأليف -.
قال ولده المحدث بهاء الدين القاسم: كان أبي ﵀ مواظبا على الجماعة والتلاوة، يختم كل جمعة، ويختم في رمضان كل يوم، ويعتكف في المنارة الشرقية - من جامع دمشق -، وكان كثير النوافل والأذكار، ويحيى ليلة النصف - من شعبان - والعيدين بالصلاة والذكر، وكان يحاسب نفسه على لحظة تذهب! لم يشتغل منذ أربعين سنة أي منذ أذن له شيوخه بالرواية والتحديث - إلا بالجمع والتسميع حتى في نزهته وخلواته.
قال الحافظ أبو العلاء الهمذاني: ما كان يسمي أبو القاسم بن عساكر في بغداد إلا شعلة نار، من ذكائه وتوقده وحسن إدراكه. وقال أبو المواهب بن صصرى: قلت له: هل سيدنا رأى مثل نفسه؟ قال: لا تقل هذا، قال الله تعالى: (لا تزكوا أنفسكم) (١). قلت: فقد قال الله
стр. 91
تعالى: (وأما بنعمة ربك فحدث) (١)، فقال: لو قال قائل: إن عيني لم تر مثلي لصدق.
ثم قال أبو المواهب: وأنا أوقل: لم أر مثله، ولا من اجتمع فيه ما اجتمع فيه، من لزوم طريقة واحدة مدة أربعين سنة، من لزوم الصلوات في الصف الأول إلا من عذر، والاعتكاف في شهر رمضان وعشر ذي الحجة، وعدم التطلع إلى تحصيل الأملاك وبناء الدور، قد أسقط ذلك عن نفسه، وأعرض عن طلب المناصب من الإمامة والخطابة، وأباها بعد أن عرضت عليه، وأخذ نفسه بالأمر المعروف والنهي عن المنكر، لا تأخذه في الله لومة لائم)). انتهى.
انقطاع ابن عساكر للعلم وكثرة شيوخه وشيخاته وقوة إتقانه
٣ - وقال الإمام تاج الدين السبكي في ((طبقات الشافعية الكبرى)) (٢) في ترجمته: ((الإمام الجليل، حافظ الأمة، أبو القاسم بن عساكر، ولا نعلم أحدا من جدوده يسمى عساكر، وإنما هو اشتهر بذلك، وهو ناصر السنة وخادمها، إمام أهل الحديث في زمانه، وختام الجهابذة الحفاظ، محط رحال الطالبين.
جمع نفسه على أشتات العلوم، لا يتخذ غير العلم والعمل، صاحبين له، وهما منتهى أربه، حفظ لا تغيب عنه شاردة، وضبط استوت لديه الطريفة الوتالدة، وإتقان ساوى به من سبقه إن لم يكن فاقه، وسعة علم أثرى بها وترك الناس كلهم بين يديه ذوي فاقة.
стр. 92
سمع خلائق، وعدة شيوخه ألف وثلاث مئة شيخ، ومن النساء بضع وثمانون امرأة، وارتحل إلى العراق، ومكة، والمدينة، وارتحل إلى بلاذ العجم، فسمع بأصبهان، ونيسابور، ومرو، وتبريز، وميهنة، ويبهق، وخسروجرد، وبسطام، ودامغان، والري، وزنجان، وهمذان، وأسداباذ، وجي، وهراة، وبون، وبغ، وبوشنج، وسرخس، ونوقان، وسمنان، وأبهر، ومرند، وخوي، وجرباذقان، ومشكان، وروذراور، وحلوان، وأرجيش.
وسمع بالأنبار، والرافقة، والرحبة، وماردين، وماكسين، وغيرها من البلاد الكثيرة، والمدن الشاسعة، والأقاليم المتفرقة، لا ينفك نائي الدار، يعمل مطيه في أقاصي القفار، وحيدا لا يصحبه إلا تقى اتخذه أنيسه، وعزم لا يرى غير بلوغ المآرب درجة نفيسة.
وقال شيخه الخطيب أبو الفضل الطوسي: ما نعرف من يستحق هذا اللقب اليوم سواه، يعني لقب (الحافظ). وقال ابن النجار: هو إمام المحدثين في وقته، ومن انتهت إليه الرياسة في الحفظ والإتقان، والمعرفة التامة بعلوم الحديث، والثقة والنبل، وحسن التصنيف والتجويد، وبه ختم هذا الشأن.
قال ابن النجار: وسمعت شيخنا عبد الوهاب بن الأمين، يقول: كنت يوما مع الحافظ أبي القاسم بن عساكر وأبي سعد بن السمعاني، نمشي في طلب الحديث ولقاء الشيوخ، فلقينا شيخا، فاستوقفه ابن السمعاني ليقرأ عليه شيئا، وطاف على الجزء الذي هو سماعه في خريطته، فلم يجده وضاق صدره، فقال له ابن عساكر: ما الجزء الذي هو سماعه؟ فقال: كتاب ((البعث والنشور)) لابن أبي داود، سمعه من
стр. 93
أبي نصر الزينبي، فقال له: لا تحزن، وقرأه عليه من حفظه أو بعضه. قال ابن النجار: الشك من شيخنا.
وقال فيه الشيخ محيى الدين النووي، ومن خطه نقلت: هو حافظ الشام بل هو حافظ الدنيا، الإمام مطلقا، الثقة الثبت.
تأخر مسموعات ابن عساكر عليه وقلقه عليها حتى وصلت
وحكى ولده الحافظ أبو محمد القاسم، قال: كان أبي قد سمع كتبا كثيرة لم يحصل منها نسخا، اعتمادا منه على نسخ رفيقه الحافظ أبي علي بن الوزير، وكان ما حصله ابن الوزير لا يحصله أبي، وما حصله أبي لا يحصله ابن الوزير.
فسمعته ليلة من الليالي، وهو يتحدث مع صاحب له في ضوء القمر في الجامع، فقال: رحلت وما كإني رحلت! وحصلت وما كأني حصلت! كنت أحسب أن رفيقي ابن الوزير يقدم بالكتب التي سمعتها، مثل ((صحيح البخاري)) و ((مسلم))، وكتب ((البيهقي))، وعوالي الأجزاء، فاتفقت يكناه بمرو وإقامته بها.
وكنت أؤمل وصول رفيق آخر، يقال له: يوسف بن فاروا الجياني، ووصول رفيقنا أبي الحسن المرادي، فإنه يقول لي: ربما وصلت إلى دمشق، وتوجهت منها إلى بلدي الأندلس، وما أرى واحدا منهم جاء إلى دمشق، فلابد من الرحلة ثالثا، وتحصيل الكتب الكبار، والمهمات من الأجزاء والعوالي.
فلم يمض إلا أيام يسيرة حتى جاء إنسان من أصحابه إليه، ودق عليه الباب، وقال: هذا أبو الحسن المرادي قد جاء، فنزل أبي إليه،
стр. 94
وتلقاه وأنزله في منزله، وقدم علينا بأربعة أسفاط مملوءة من الكتب
المسموعات، ففرح أبي بذلك فرحا شديدا، وشكر الله سبحانه على ما يسره له من وصول مسموعاته إليه، من غير تعب، وكفاه مؤونة السفر، وأقبل على تلك الكتب فنسخ واستنسخ، حتى أتى على مقصودة منها، وكان كلما حصل على جزء منها، كأنه حصل على ملك الدنيا، رحمه الله تعالى ورضي عنه)).انتهى.
هذه لمعات من سيرة هذا الإمام الفذ: الحافظ ابن عساكر الدمشقي، وفيها ما رأيت من العجائب الغرائب، والمدهشات المطربات. ولولا محافظته على الأوقات، واغتنامه الدقائق واللحظات، ما كانت تتأتى له تلك التآليف الضخمة الجامعة الماتعة، التي تعجز المجامع العلمية اليوم عن طبعها فضلا عن تأليف مثلها. فالحفاظ الحفاظ على الأوقات واللحظات، فهي كنز البركات والخيرات.
* * *
حسن توزيع كل عمل على ما يناسبه من الأوقات
ومما يحسن لفت النظر إليه في شأن الزمن: أن العمل العلمي ينزل منزلته من الوقت الملائم له، فمن الأعمال العلمية ما يصلح له كل وقت وذهن، لخفته ويسر القيام به، مثل النسخ والمطالعة الخفيفة والقراءة العابرة ونحوها، مما لا يحتاج إلى ذهن صاف ويقظة تامة وتفكير دقيق عميق.
ومن الأعمال العلمية ما لا يكتمل حصوله على وجهه الأتم، إلا في الوقات التي تصفو فيها الأذهان، وتنشط فيها القرائح والأفهام، وتكثر
стр. 95
فيها البركات والنفحات، كساعات الأسحار والفجر والصباح، وساعات هدأة الليل والفراغ التام والسكون الكامل للمكان (١).
стр. 96
فينبغي أن تنتهز هذه الساعات الصافية، والأوقات المباركة، لحل المشكلات العويصة، والمعضلات الصعبة، وتنقيح المسائل المتشابكة، وتصويب التصفيحات والتحريفات المستعصية، واستفتاح العبارات المغلقة الغامضة، وحفظ النصوص المستظهرة، وأمثال ذلك.
ذكر أفضل أوقات الحفظ وأماكنه
قال الحافظ الخطيب البغدادي في كتابه ((الفقيه والمتفقه)) (١)، وهو يتحدث عن أفضل أوقات الحفظ، وأجود الأماكن المساعدة عليه: ((اعلم أن للحفظ ساعات ينبغي لمن أراد التحفظ (٢) أن يراعيها، وأن للحفظ أماكن ينبغي للمتحفظ أن يلزمها.
فأجود الأوقات: الأسحار، ثم بعدها وقت انتصاف النهار، وبعدها الغدوات دون العشيات. وحفظ الليل أصلح من حفظ النهار، وأوقات الجوع أحمد للتحفظ من أوقات الشبع. وينبغي للمتحفظ أن يتفقد من نفسه حال الجوع، فإن بعض الناس إذا أصابه شدة الجوع والتهابه لم يحفظ، فليطفئ ذلك عن نفسه بالشيء الخفيف اليسير، ولا يكثر الأكل.
وأجود أماكن الحفظ: الغرف دون السفل، وكل موضع بعيد مما
стр. 97
يلهي، وخلا القلب فيه مما يقرعه (١) فيشغله، أو يغلب عليه فيمنعه. وليس بالمحمود أ، يتحفظ الرجل بحضرة النبات والخضرة، ولا على شطوط الأنهار، ولا على قوارع الطرق، فليس يعدم في هذه المواضع غالبا ما يمنع من خلو القلب وصفاء السر)). انتهى كلام الخطيب.
قلت: وعلى غير هذا التوجيه في الأماكن كان أبو نصر الفارابي (٢). فقد حكى القاضي ابن خلكان في ترجمته في ((وفيات الأعيان)) (٣)، قال: ((كان منفردا بنفسه، لا يجالس أحدا من الناس، وكان مدة مقامه بدمشق لا يكون غالبا إلا عند مجتمع ماء، أو مشتبك رياض، ويؤلف هناك كتبه، ويتناوبه المشتغلون عليه)). انتهى.
استحباب البعد عن الضوضاء عند الحفظ والدرس
وإنما استحبوا لطلبة العلم: الخلوة والبعد عن الناس والضوضاء، لأن الخلوة تعين على صفاء الفكر، وإذا صفا الفكر صح النظر والفهم في طلب المعلومات، وهم يطلبون العلم من ميزان العقل، وهذا الميزان في غاية اللطافة، يتأثر بأدنى هوى أو شاغل، فيخرج عن الاستقامة، فلذا راعوا في تحصيل دقيق العلم والمسائل وصعابها: الزمان والمكان، ليتم لهم الفهم، ويستقيم منهم التصور والحكم.
قال الإمام المحدث الفقيه الأديب أبو سليمان حمد بن محمد
стр. 98
الخطابي، البستي، المولود سنة ٣١٩، والمتوفي سنة ٣٨٨ رحمه الله تعالى (١):
إذا ما خلوت صفا ذهني وعارضَنَي ... خواطر كطراز البرق في الظُّلَمِ
وإن توالى صياح الناعقين على ... أذني عرتني منه حكلة العَجَمِ (٢)
ومن العلم ما يكون خفيف العائدة، قليل الفائدة، تحصيله كمال، وفقده ليس بنقص، ونفعه قليل، والحاجة إليه أقل، فمثل هذا لا تصرف فيه الأوقات، ولا تشغل به النفوس والأذهان، فإن الاشتغال بالمفضول عائق عن الوصول إلى الفاضل والأفضل، ومستهلك من الوقت ونشاط الجسم ما يقعد بالمرء عن بلوغ ما يحب ويريد. قال صالح بن عبد القدوس (٣):
وإذا طلبت العلم فاعلم أنه ... حمل، فأبصر أي شيء تحمل
وإذا علمت بأنه متفاضل ... فاشغل فؤادك بالذي هو أفضل
فينبغي للعاقل أن يصرف ذلك الذهن القوي، والوقت الغالي النفيس، في العمل الأفضل والمحصول الأطيب، ليكسب الأغنم والأمثل.
استحسان أن يخادع المرء نفسه عند الملل والفتور
جاء في كتاب ((الحث على طلب العلم)) لأبي هلال
стр. 99
العسكري (١): قال ابن جرو الموصلي (٢): ينبغي أن يؤخر الإنسان درسه للأخبار والأشعار لوقت ملله. وقال ابن المراغي (٣): ينبغي أن يخادع الإنسان نفسه في الدرس. انتهى.
قلت: يعني بهذا أن الإنسان إذا أدركه ملل أو لحقه فتور، فلا يحسن به أن يستجيب له ويقف عن متابعة الدرس والتحصيل، بل يعالج فتوره ويغالب ملله حتى يتغلب عليه، فينقشع الفتور والملل، ويأتي النشاط والانبساط.
بعض ما يعالج به الملل ويطرد به النعاس والكسل
ويحصل ذلك حينا بمضغ اللبان، أو الخروج قليلا من المكان المسقوف إلى الفضاء والهواء، أو بالانتقال والتحول من غرفة إلى غرفة، أو الاستحمام الخفيف بالماء البارد أو الحار، أو تناول شراب لطيف، أو طعام خفيف، أو المحادثة مع صديق أو جليس، أو إنشاد شعر، أو تلاوة قرآن بصوت جاهر، أو تغيير هيأة الجلوس، أو بالمشي أو الصعود، أو تبديل الكتاب المقروء أو الموضوع، أو نحو ذلك من
стр. 100
صوارف الفتور والملل، ولكل جسم صلاح، ولكل نشاط مفتاح، ولا يخفى ذلك على الحريصين النبهاء.
لزوم الاشتغال بالمهم وتقديمه على غير المهم
قال الحافظ الخطيب البغدادي رحمه الله تعالى: ((والعلم كالبحار المتعذر كيلها، والمعادن التي لا ينقطع نيلها، فاشتغل بالمهم منه، فإنه من شغل نفسه بغير المهم، أضر بالمهم)). انتهى.
وهذا ما أشار أليه العباس بن الحسن العلوي، - وكان أحد العلماء العقلاء النبهاء، والأذكياء البلغاء الشعراء، وكان في صحابة الخليفة هارون الرشيد والخليفة المأمون بعده (١) - في نصيحته الغالية التي أستحسن أن أوردها بتمامها، لما حوت من عميق الفكر وبليغ القول.
وصية العباس العلوي في تقديم الأهم على الهام
قال العباس رحمه الله تعالى: ((اعلم أن رأيك لا يتسع لكل شيء، ففرغه للمهم. وأن مالك لا يغني الناس كلهم، فخص به أهل الحق. وأن كرامتك لا تطبق العامة - أي لا تعمهم وتتسع لهم -، فتوخ
стр. 101
بها أهل الفضل. وأن ليلك ونهارك لا يستوعبان حاجتك وإن دأبت فيهما، فأحسن قسمتهما بين عملك ودعتك من ذلك.
فإن ما شغلت من رأيك في غير المهم إزراء بالمهم (١)، وما صرفت عن مالك في الباطل، فقدته حين تريده للحق. وما عمدت من كرامتك إلى - أهل - النقص، أضر بك في العجز عن أهل الفضل. وما شغلت من ليلك ونهارك في غير الحاجة، أزري بك في الحاجة)). انتهى.
هذه لمحات وقبسات من بيان قيمة الزمن، عند أولئك العلماء والأئمة الفضلاء، الذين اجتزأت بذكر بعضهم عن ذكر الكثير منهم، ولقد كانوا فخر الإسلام بل فخر الإنسانية.
أولئك قوم شيد الله فخرهم ... فما فوقه وإن عظم الفخر
فليس لك بعد هذا - أيها القارئ الكريم - أن تستغرب إذا سمعت أو قرأت: أن للعالم الفلاني أكثر من مئة كتاب، وأن تآليفه قد شاركت في كل علم بأوفر نصيب، فإن مرد ذلك وسببه أنهم قد حفظوا الوقت، وتخلوا عن الفضول والغفلة عن مضي الزمان، فبادروا اللحظات والدقائق والساعات، فكانت لهم تلك المآثر الباقيات:
стр. 102
ذكر جملة من العلماء ألفوا خمسين مؤلفاً فمئة فأكثر
وقد ألف الأستاذ جميل العظم الدمشقي، المتوفي سنة ١٣٥٢ رحمه الله تعالى كتابا أسماه: ((عقود الجوهر، في تراجم من لهم خمسون تصنيفا فمئة فأكثر)) (١)، وذكر فيه خلقا كثيرا من العلماء الذين عرفوا بكثرة التآليف والمصنفات.
فذكر ابن جرير الطبري، وابن الجوزي، والنووي، وابن سينا، والغزالي، وابن حجر العسقلاني، والبدر العيني، والسيوطي، وابن تيمية، وابن القيم، وعلى القاري، والمناوي، وعبد الغني النابلسي، وعبد الحي اللكنوي، وآخرين ممن زادت مؤلفات الواحد منهم على مئة كتاب أو على الخمسين كتاباً.
فإذا وقفت على تراجم هؤلاء الأفاضل الأعلام وأمثالهم، حفزتك تراجمهم إلى أن تحس بقيمة الوقت والزمن، فتلحق بهم إن كنت من أهل الهمم، فلا تبرح من هذه الدار، إلا وقد خلفت من بنات الأفكار، ما يزيد على الثلاثين والأربعين والخمسين ... ويزيد الله في الخلق ما يشاء، ويختص برحمته من يشاء، والله واسع عليم.
ذكر الروافد المعينة على كسب الوقت والانتفاع به
ولحفظ الوقت وكسبه ذكروا قديما في أوصاف طالب العلم الذي يؤهل لتحصيل العلم، ويرجى له النبوغ فيه: أنه ينبغي أن يكون سريع الكتابة، سريع القراءة، سريع المشي (٢).
стр. 103
وسرعة مشيه ليتمكن من الطواف على الشيوخ في وقت قليل، أما سرعة كتابته وقراءته فلاختصار الوقت وحفظه لأعمال أخرى، وللازدياد من العلم فيه أيضا. وهذه الأوصاف لا شك أنها تساعد على زيادة التزود من العلم والشيوخ، بأقل مدة من الزمن والعمر.
وكنت زدت عليها وصفا رابعا، وهو: أن يكون سريع الأكل، لأنه إذا لم يكن كذلك، وكان بطيء الطعام طويل الغرام به! فاته الوقت الذي جمعه بسرعة القراءة والكتابة والمشي، بطول وقت دخول الطعام وخروجه! ولم يحسن التصرف في وقته، ولا عرف كيف يستفيد من امتثال النصيحة على وجهها (١).
стр. 104
الأكل والنوم والاستراحة لطالب العلم بقدر الضرورة
قال الإمام النووي رحمه الله تعالى، في المقدمة الحافلة لكتابه العظيم ((المجموع)) (١): ((وينبغي أن يكون حريصا على التعلم، مواظبا عليه في جميع أوقاته ليلا ونهارا، حضرا وسفرا، ولا يذهب من أوقاته شيئا في غير العلم، إلا بقدر الضرورة، لأكل ونوم قدرا لا بد منه، ونحوهما كاستراحة يسيرة لإزالة الملل، وشبه ذلك من الضروريات)).
أبو الوفاء بن عقيل يقول: أقصر بغاية جهدي أوقات أكلي
وتقدم في خبر الإمام أبي الوفاء بن عقيل الحنبلي (٢)، قوله رحمه الله تعالى: ((وأنا أقصر بغاية جهدي أوقات أكلي، حتى أختار سف الكعك وتحسيه بالماء على الخبز، لأجل ما بينهما من تفاوت المضغ، توفرا على المطالعة، أو تسطير فائدة لم أدركها فيه، وإن أجل تحصيل عند العقلاء، بإجماع العلماء: هو الوقت فهو غنيمة تنتهز فيها الفرص، فالتكاليف كثيرة، والأوقات خاطفة)). انتهى.
بيتان للسيوطي فيما يلزم طالب العلم لكسب الوقت
ثم رأيت الحافظ الإمام السيوطي رحمه الله تعالى، أشار إلى
стр. 105
حاجة طالب العلم للسرعة في الأكل أيضا، مع السرعة في المشي والكتابة، كسبا للوقت، في بيتين لطيفين قالهما (١)، وهما:
حدثنا شيخنا الكناني ... عن أبه صاحب الخطابه
أسرع أخا العلم في ثلاثٍ ... الأكل والمشي والكتابه
وشيخه الكناني المشار إليه هنا هو: الإمام قاضي القضاة عز الدين أحمد بن إبراهيم الكناني المصري الحنبلي، رحمهما الله تعالى.
الفائت من الزمان لا يعود أبدا !
فعليك أيها الأخ الفاضل، والفهم الذكي العاقل، أن تحفظ على نفسك: وقتك من أن يذهب هدرا وسدى، فإن الزمان الذي تعيش فيه ظرف عابر لا يتجدد ولا يعود، وقد قيل:
ما مضى فات والمؤمل غيب ... ولك الساعة التي أنت فيها
فاحرص على كسب الزمان والانتفاع به بتنظيم نفسك وأعمالك وأوقاتك: متعلما أو معلما أو مؤلفا أو مطالعا أو مستمعا أو قارئا تاليا أو عابدا زاكيا، ولا تكن ظالم نفسك في قتل الوقت، مبددا لساعات حياتك ولحظات وجودك! غابنا مغبونا في عمرك!! تصبوا إلى الراحة والكسل، وتزهد في الفضائل والمقام الجلل.
الكسل بئس الرفيق وحب الراحة يورث الندم
قال الإمام المربي أبو الفرج ابن الجوزي رحمه الله تعالى، في
стр. 106
رسالته اللطيفة الناصحة لولده، المسماه ((لفتة الكبد في نصيحة الولد)): ((الكسل عن الفضائل بئس الرفيق! وحب الراحة يورث من الندم ما يربو على كل لذة، فانتبه واتعب لنفسك، وأندم على ما مضى من تفريطك، واجتهد في لحاق الكاملين ما دام في الوقت سعة، واسق غصنك ما دامت فيه رطوبة، واذكر ساعتك التي ضاعت، فكفى بها عظة، ذهبت لذة الكسل فيها، وفاتت مراتب الفضائل!
وإنما تقصر الهمم في بعض الأوقات، فإذا حثت سارت، وما تقف همة إلا لخساستها! وإلا فمتى علت الهمة فلا تقنع بالدون.
إذا ما علا المرء رام العلا ... ويقنع بالدون من كان دونا
سمو النفس إلى الفضائل والكمال عنوان شرفها
ثم اعلم أن طلب الفضائل منها نهاية مراد المجتهدين، ثم الفضائل تتفاوت، فمن الناس من يرى الفضائل: الزهد في الدنيا، ومنهم من يراها التشاغل بالتعبد.
وعلى الحقيقة فليست الفضائل الكاملة إلا الجمع بين العلم والعمل، فإذا حصلا رفعا صاحبهما إلى المقام الأسمى، فتلك الغاية المقصودة، وعلى قدر أهل العزم تأتي العزائم، فينبغي أن تسمو همتك إلى الكمال، فإن خلقا وقفوا مع الزهد، وخلقا تشاغلوا بالعلم، وندر أقوام جمعوا بين العلم الكامل والعمل الكامل.
وليس كل ما يراد مرادا، ولا كل طالب واجدا، ولا كل مبتدئ بأمر محمود مكملا ما بدأ به! وما كل ما يهوى امرؤ هو نائله، وكما قال أبو الطيب:
стр. 107
وما كل هاو للجميل بفاعل ... ولا كل فعال له بمتمم!
ولكن على العبد الاجتهاد، وكل ميسر لما خلق له، والله المستعان سبحانه)). انتهى بزيادة يسيرة وتصرف يسير.
ذكر أهم ما يساعد على اغتنام الوقت
وإن أهم ما يساعد على اغتنام الوقت: تنظيم الأعمال، والانحياش عن المجالس الفارغة الخاوية، وترك الفضول في كل شيء، ومصاحبة المجدين النبهاء الأذكياء المتيقظين للوقت والدقائق، وقراءة أخبار العلماء الأفذاذ أصحاب التراجم الحافزة - كالذين سبقت بعض أخبارهم -، والتذاذ المرء بحلاوة كسب الوقت في الإنتاج العلمي، والانغمار في متعة المطالعة والاستزادة من المعرفة والاطلاع وتنقيح المعلومات.
فإن ذلك يعرفك بقيمة الزمن، ويلهب فيك الحفاظ عليه، ويجعلك تكسبه ولا تبيده، وتحافظ عليه ولا تضيعه.
الوقت هو الحياة
وقد قال الأستاذ الناصح الراشد المرشد حسن البنا رحمه الله تعالى: من عرف حق الوقت، فقد أدرك الحياة، فالوقت هو الحياة. وقال الفقيه الشاعر الأديب عمارة اليمني، المتوفي سنة ٥٦٩ رحمه الله تعالى، من قصيدة له في ترجمته في كتاب ((وفيات الأعيان)) للقاضي ابن خلكان (١):
إذا كان رأس المال عمرك فاحترز ... عليه من الإنفاق في غير واجب
стр. 108
فبين اختلاف الليل والصبح معرك ... يكر علينا جيشه بالعجائب!
وقال الشاعر الأديب المصري أحمد شوقي رحمه الله تعالى:
دقات قلب المرء قائلة له: ... إن الحياة دقائق وثوان
فارفع لنفسك بعد موتك ذكرها ... فالذكر للإنسان عمر ثاني
قول حفصة بنت سيرين: ما العمل إلا في الشباب
والعمر الحقيقي الفعال هو في سن الشباب، ذلك أن الشباب هو ميدان العمل والتحصيل، كما هو ميدان الإنتاج والإعطاء، فالقوة وافية، والهمة عالية، والأمراض والعلل والعوائق - لقلة العلائق - نائية، وقد كانت التابعية الجليلة حفصة بنت سيرين تقول: يا معشر الشباب، خذوا من أنفسكم وأنتم شباب، فإني ما رأيت العمل إلا في الشباب (١).
قال الإمام النووي في المقدمة الحافلة لكتابه الجليل ((المجموع)) (٢): ((وينبغي للمتعلم أن يغتنم التحصيل في وقت الفراغ والنشاط، وحال الشباب وقوة البدن، ونباهة الخاطر، وقلة الشواغل، قبل عوارض البطالة)).
стр. 109
قول الإمام أحمد: ما شبهت الشباب إلا بشيء كان في كمي فسقط
وإن العمر الطويل ينقضي يوما بعد يوم، وكثيرا ما تنسى أنه يمضي مسرعا ولا يعود، فتغفل عن اكتسابه والانتفاع به، وتظنه مديدا طويلا، مقيما بطيئا، وحقيقته غير ذلك، قال الإمام أحمد بن حنبل ﵁: ما شبهت الشباب إلا بشيء كان في كمي فسقط! (١). وقد عاش ٧٧ سنة. فالشباب وإن امتد يسير، والعمر وإن طال قصير، ورحم الله القائل:
أذان المرء حين الطفل يأتي ... وتأخير الصلاة إلى الممات
دليل أن محياه يسير ... كما بين الأذان إلى الصلاة
وقال آخر:
وما بين ميلاد الفتى ووفاته ... -إذا نصح الأقوام أنفسهم- عمر
لأن الذي يأتي شبيه الذي مضى (٢) ... وما هو إلا وقتك الضيق النزر
انتشار الكسل العقلي في صفوف طلبة العلم اليوم !
ومن المؤسف أنه قد انتشر في صفوف طلبة العلم اليوم: الكسل العقلي، وغلب عليهم إيثار الراحة والدعة على الجد والدأب، وصارت الرفاهية وأنواع من الفضول مقصدا من مقاصد الحياة عندهم، وغدت المتع مطلبا من مطالبهم، فلم يبق لديهم وقت للدرس والتحصيل، وصارت
стр. 110
حالهم تشبه حال من عناه الإمام أحمد بن فارس الرازي اللغوي، المولود سنة ٣٢٩، والمتوفي سنة ٣٩٥ رحمه الله تعالى بقوله:
إذا كان يؤذيك حر المصيف ... ويبس الخريف وبرد الشتا
ويلهيك حسن زمان الربيع ... فأخذك للعلم قل لي: متى؟!
الآلوسي الحفيد وحرصه الشديد على الدرس والعلم
وكان العلامة الكبير أبو المعالي محمود شكري الآلوسي البغدادي، الحفيد الأديب المتوفي سنة ١٣٤٢ رحمه الله تعالى، يمتاز بالجد الشديد والحرص على الوقت، فكان لا يثنيه عن دروسه حمارة القيظ، ولا يؤخره عنها قرص برد الشتاء، وكثيرا ما تعرض تلاميذه - بسبب تأخرهم عن موعد الدرس - إلى النقد والتعنيف.
قال عنه تلميذه العلامة الشيخ بهجة الأثري: أذكر أنني انقطعت عن حضور درسه في يوم مزعج، شديد الريح، غزير المطر، كثير الوحل، ظنا مني أنه لا يحضر إلى المدرسة، فلما شخصت في اليوم الثاني إلى الدرس، صار ينشد بلهجة غضبان:
ولا خير فيمن عاقه الحر والبرد)) (١)
أنت في الكبر أشغل وأضعف منك في الشباب والصغر
وقد يخيل لبعضهم أن الأيام ستفرغ له في المستقبل من الشواغل، وتصفو له من المكدرات والعوائق، وأنه سيكون فيها أفرغ منه