← Фикх общий

Фикх общий · id 968

فقه المعاملات

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (2 086 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

الغرر نهى النبي ﷺ عن بيع الغرر ومعنى الغرر المخاطرة والتردد بين أمرين أحدهما مقصود ومرغوب للعاقد , والآخر على عكسه , وقد يقع الشك في وجود الشيء أو في عاقبته كيف تكون , أو في المقدرة على تسليمه , أو مقداره أو أوصافه. والغرر إما إن ينشأ عن صيغة العقد , أو عن طبيعة المعقود عليه. ومن بيوع الغرر بيع المنابذة والملامسة والحصاة , البيع قبل القبض , بيع الذهب والفضة والعملات بالأجل , بيع الكالئ بالكالئ , بيع الثمار قبل صلاحها.

стр. 72

ورد النهي عن بيع الغرر في الحديث الذي رواه أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه نهى عن بيع الغرر. أخرجه مسلم. ومعنى الغرر: المخاطرة والتردد بين أمرين أحدهما مقصود ومرغوب للعاقد , والآخر على عكسه , وقد يقع الشك في وجود الشيء أو في عاقبته كيف تكون , أو في المقدرة على تسليمه , أو مقداره أو أوصافه. . . والغرر إما أن ينشأ عن صيغة العقد , أو عن طبيعة المعقود عليه. . . ويكون الغرر مؤثرا في إفساد العقد إذا توافرت فيه أربعة شروط هي: أ - أن يقع في عقد معاوضة , أي مبادلة تجارية , كالبيع والإجارة , فلا يصل إلى كل من الطرفين ما قصد المبادلة عليه بسبب الغرر. أما الغرر في عقود التبرع فلا يؤثر. ب - أن يكون الغرر كثيرا. أما الغرر اليسير فلا يؤثر , لعدم خلو العقود عنه. ج - أن يكون الغرر في المعقود عليه أصالة , فلو كان في توابعه لم يؤثر. فبيع الحمل مع أمه جائز , أما بيعه وحده فلا يجوز , لأنه إذا لم يحصل بطل المعقود عليه. د - أن لا يكون للناس حاجة ماسة إلى العقد المشتمل على غرر يسير. كعقد السلم والإجارة. الحكمة من النهى عن بيوع الغرر هي اختلال الرضا , بحيث يترتب على ذلك أكل المال بالباطل , وهذا مظنة العداوة والبغضاء: قال الإمام النووي النهي عن بيع الغرر أصل من أصول الشرع يدخل تحته مسائل كثيرة جدا. من بيوع الغرر ما جاءت بشأنه نصوص خاصة , ومنها ما دخل تحت عموم النهى في هذا الحديث. بيع المنابذة والملامسة والحصاة عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ نهى عن الملامسة والمنابذة رواه البخاري. وفي حديث آخر: نهى رسول الله ﷺ عن بيع الحصاة , وعن بيع الغرر. رواه مسلم وأحمد والترمذي. وبيع الملامسة: لمس المشتري أو البائع سلعة من سلع مختلفة فيتم البيع دون أن ينظر إليها أو يقلبها. وبيع المنابذة: طرح البائع سلعة من سلع فيلزم بها المشتري دون أن يقلبها أو ينظر إليها. وبيع الحصاة: هو البيع بإلقاء الحجر دون تحديد للمبيع , بأن يقول المشتري للبائع: إذا نبذت إليك الحصاة فقد وجب البيع , أو يقول البائع للمشترى: لك من السلع ما تقع عليه حصاتك إذا رميت بها , أو يقول في شراء الأراضي: لك من الأرض إلى حيث تنتهى حصاتك. هذه البيوع كانت معروفة في الجاهلية , وهي قائمة على الغرر , أي التردد بين حصول المقصود وعدم حصوله , والتراضي فيها غير متوافر لاستخدام وسائل لا تعبر عن إرادة العاقدين إذ يلزم البيع على ما تقع عليه الحصاة من الثياب مثلا بلا قصد من الرامي لشيء معين وبلا تأمل ولا روية. وليس له أن يختار بعدئذ غيره. كما أن فيها جهالة لعين المبيع وهي تؤدى إلى التنازع. قال الفقيه ابن قدامة الحنبلي: كل هذه البيوع فاسدة , لما فيها من الغرر والجهل , ولا نعلم فيه خلافا. والمنع من هذه البيوع هو في حالة وقوعها على اللزوم , أما لو كان للمشترى الخيار في انتقاء ثوب من أثواب متساوية القيمة , أو سلعة من سلع عديدة قيمة كل منها تماثل قيمة الأخرى , فلا يمنع هذا البيع مع هذا الحق الممنوح للمشترى من البائع , لأن الرضا يتحقق بما يقع عليه اختيار المشتري , ويسمى هذا: (البيع مع خيار التعيين) . البيع قبل القبض عن ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ قال: من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يقبضه. وقد تعددت الاجتهادات الفقهية في اختصاص النهي ببيع الأطعمة (الأقوات والأغذية) أو عمومه في كل مبيع كما هو قول ابن عباس عقب روايته للحديث: ولا أحسب كل شيء إلا مثله , أي مثل الطعام في الحكم وكما جاء في الحديث الذي رواه حكيم بن حزام ﵁ قال: قلت يا رسول الله إنى أشترى بيوعا , فما يحل لي منها وما يحرم علي؟ قال: إذا اشتريت بيعا فلا تبعه حتى تقبضه. والمراد بالبيع: الشيء المبيع. الحكمة في النهي عن أن يبيع الإنسان ما اشتراه قبل أن يقبضه أن الشيء قبل قبض المشتري له لا يدخل في ضمانه , فإذا باعه قبل قبضه له نشأ الربح عن بيع شيء لم يضمنه , وقد روى عبد الله بن عمرو ﵁ أن النبي ﷺ قال: لا يحل سلف وبيع , ولا شرطان في بيع , ولا ربح ما لم يضمن , ولا بيع ما ليس عندك أخرجه الترمذي. ولأن الملك قبل القبض ضعيف , لاحتمال انفساخ العقد بتلفه , فيكون بيعه قبل قبض المشتري له لونا من ألوان الغرر , لاحتمال عدم تمام الصفقة. وهناك حكمة أخرى , بالنسبة للمنع من بيع الطعام قبل قبضه , وهي أن المنع يؤدى لتقليل تداول أيدى التجار للأغذية قبل وصولها للمنتفع بها , لكيلا ترتفع أثمانها دون أي إضافة ويتضرر المشترون لها لسد حاجتهم بها. والقبض كما يكون بأخذ الشيء باليد , فإنه يحصل بوسائل أخرى حسب طبيعة الشيء: فالمنقولات تقبض بالحيازة بالكيل أو الوزن أو العدد , أو بتسلمها جزافا (جملة) . والعقار يقبض بالتخلية بينه وبين المشتري ليتمكن من التصرف , وذلك بتسليم المفتاح بعد تفريغه مما يخص البائع. والمبالغ النقدية يحصل قبضها بالأخذ , أو بالقيد في حسابات البنوك إذا كان يترتب على القيد إمكانية التصرف. والبضائع المحفوظة في مخازن عمومية تقبض بتسليم شهادات التخزين أو المستندات التي تخول المشتري الحصول عليها. . . بيع الذهب والفضة والعملات بالأجل عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: لا تبيعوا الورق بالورق (الفضة بالفضة) إلا مثلا بمثل , ولا تشفوا (تزيدوا) بعضها على بعض , ولا تبيعوا منها شيئا غائبا بناجز أخرجه البخاري ومسلم وفي رواية فإذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم على أن يكون يدا بيد. بيع الذهب والفضة والعملات بعضها ببعض يسمى (الصرف) أو (المصارفة) وهو جائز شرعا سواء كان للحاجة إلى النوع الذي ليس عند المشتري , أو للتجارة وتحصيل الربح , مع مراعاة الشروط الشرعية للصرف وهي: أ - إذا بيع الجنس بجنسه وجب التماثل , كما يجب أيضا التقابض. ب - إذا بيع الذهب بالفضة , أو بيع الذهب أو الفضة بإحدى العملات , أو بيعت عملة بأخرى الريال بالجنيه مثلا , فإنه يجوز التفاوت في المقدار أي كمية البدلين , ولكن يجب التقابض بين المتصارفين في المجلس قبل أن يفترقا. واتفق الفقهاء على تحريم بيع الذهب أو الفضة أو العملات بالنسيئة (الأجل) , فلا يجوز إبرام العقد على شيء من ذلك مع تأخير تسليم البدلين أو احدهما , بل يجب أن يقترن العقد بالتقابض يدا بيد. وكذلك لا يجوز المواعدة على الصرف إذا كانت تحمل معنى الإلزام. وكما لا يجوز الأجل في عقد الصرف (بيع العملات) لا يجوز وجود خيار الشرط (أي حق الفسخ خلال مدة) لأنه يترتب عليه تأخير لزوم العقد , وتأجيل التقابض للبدلين. والحكمة في تحريم بيع الذهب أو الفضة أو العملات بالأجل , أو مع تأخير التقابض هي أن التأخير يعتبر ذريعة إلى ربا النسيئة. والأثمان سواء بالخلقة (الذهب والفضة) أم ما أخذ حكمها (العملات النقدية) هي وسيلة للتبادل , فيجب وقوع التبادل الفوري. . ويراعى في ذلك ما جرى العرف على اعتباره قبضا , كالقيود المصرفية , مع التسامح في التأخير الذي يحصل بسبب عمليات التحويلات المصرفية , وقد اعتمدت ذلك مقررات المجامع الفقهية. بيع الكالئ بالكالئ روى ابن عمر ﵁ أن النبي ﷺ نهى عن بيع الكالئ بالكالئ (وقال: هو:) النسيئة بالنسيئة أخرجه البيهقي والكالئ هو الدين , وسمي بذلك لأنه متأخر , لتأجيل تسليمه عند العقد. وبيع الكالئ بالكالئ هو بيع الدين بالدين , ويطلق عليه أيضا: بيع النسيئة. ومعنى النسيئة التأخير أيضا. مثاله: أن يشتري شخص سيارة , وتجرى المبادلة بين الثمن الذي يثبت في ذمته وبين دين للمشتري ثابت في ذمة شخص آخر غير البائع فيكون قد باع دينا عليه بدين له , فقد يتمكن البائع من قبضه وقد لا يتمكن. الحكمة في المنع من بيع الدين بالدين هي وجود الغرر , لأن الدائن لا يقدر على تسليم المعقود عليه لأنه في الذمة. والغرر هنا كثير لأن البدلين (المبيع والثمن) دينان في الذمة. ولذلك اشترط في بيع السلم تعجيل الثمن ليبقى المؤجل هو المبيع فقط. ومن بيع الكالئ بالكالئ بيوع المستقبليات التي تسمى عقود الفيوتشر لأن تسليم البدلين فيها مؤجل إذ لا يعجل الثمن كالسلم بل يدفع جزء يسير منه. . واستثنى فقهاء الحنفية من بيع الدين لغير من عليه الدين - الممنوع شرعا - ثلاث حالات جائزة وهي: أ - إذا سلط الدائن دائنه على قبض الدين على شخص ثالث واستيفاء حقه عليه , فيكون وكيلا قابضا للموكل , ثم لنفسه. ب - الحوالة , بأن ينقل دينه من ذمة شخص إلى ذمة شخص آخر. ج - الوصية , بأن يوصي لشخص بتملك ديونه لدى الغير بعد الموت. أما بيع الدين إلى المدين نفسه فقد أجازه الحنفية , لأن المانع هو العجز عن التسليم , وهو في هذه الحالة غير محتاج إليه لأن المبيع في ذمة المشتري أصلا. بيع الثمار قبل صلاحها عن ابن عمر ﵁ أن النبي ﷺ نهى عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها , نهى البائع والمبتاع. وفي رواية لأنس ﵁ نهى عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها , وعن بيع النخل حتى يزهو. قيل: ما (يزهو) ؟ قال: يحمار أو يصفار. وكان ابن عمر إذا سئل عن صلاح الثمار يقول: تذهب عاهتها. أي الآفات الزراعية التي تتلفها لضعفها. وجاء في رواية أخرى لأنس نهى عن بيع العنب حتى يسود , وعن بيع الحب حتى يشتد. أخرجه البخاري ومسلم وقد بينت إحدى الروايات الحكمة من منع هذا البيع , بقوله ﷺ : أرأيت إذا منع الله الثمرة بم يأخذ أحدكم مال أخيه وفي رواية: بم يستحل مال صاحبه. قال ابن المنذر أجمع أهل العلم على القول بجملة هذا الحديث. وللفقهاء تفسيرات واجتهادات من شأنها توضيح العمل بهذه الأحاديث , حيث فسروا (بدو الصلاح) بأنه الأمن من العاهات وفساد الثمار. أو ظهور مبادئ النضج والحلاوة فيما لا يتلون عادة , واما ما يتلون فهو بأن تأخذ الثمرة في الحمرة والسواد والصفرة. ومن الواضح أن (بدو صلاح الثمار) هي مرحلة لاحقة لظهور الثمار فلا يكفى أن ينعقد الثمر حتى يشتد ويظهر صلاحه. لا يجوز بيع الثمار قبل بدو صلاحها حتى لو شرط ترك الثمار على الشجر حتى تنضج لأنه شرط يؤدى إلى شغل ملك الغير , ولوجود الغرر , لاحتمال صلاح الثمار وعدم صلاحها إلا بعد زمن طويل. وهناك صور مستثناة من هذه البيوع الممنوعة , منها: - لو باع الثمر قبل بدو صلاحه , بشرط قطعه في الحال , يجوز لأنه بذلك تتم الصفقة وينتفي الغرر , وربما تقتصر حاجة المشتري على هذه المرحلة , لأن المنع كان لخوف تلف الثمار قبل اخذ المشتري لها وهذا مأمون فيما يقطع في الحال. - إذا بدا صلاح الثمار , لكن لم يكتمل نضجها , وشرط المشتري على البائع تركها على الشجر حتى ينتهي عظمها فهذا جائز , لأن شرط بدو الصلاح قد تحقق , والترك في هذه الحالة يحصل لفترة قصيرة فلا يتضرر البائع.

стр. 73

الكسب الخبيث حرم الإسلام أكل أموال الناس بالباطل وكل المكاسب غير الشرعية مثل الربا , بيع العينة , بيع المحرمات أو وسائلها , كسب المال بالمقامرة (الميسر) , الرشوة , والبيع وقت الجمعة.

стр. 74

الكسب الخبيث تشكيل النص الربا عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: لعن رسول الله ﷺ آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه وقال هم سواء أخرجه مسلم. وعن عبادة بن الصامت ﵁ أن النبي ﷺ قال: الذهب بالذهب مثلا بمثل والفضة بالفضة مثلا بمثل ... (إلى أن قال) , فمن زاد أو ازداد فقد أربى , بيعوا الذهب بالفضة كيف شئتم يدا بيد. . . وفي رواية: فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم يدا بيد أخرجه مسلم. وفي رواية أخرى: لا بأس ببيع الذهب بالفضة والفضة أكثرهما يدا بيد , وأما النسيئة فلا أخرجه أبو داود. معنى الربا في اللغة الزيادة , ومعناه شرعا: فضل خال عن العوض المشروط في المعاوضة. وهو ينقسم إلى: ربا الفضل وهو الزيادة في مقدار احد البدلين المتماثلين , وغالبا تقع هذه المعاملة عند جودة أحد البدلين. والطريقة المشروعة هي بيع الرديء بالنقود , وشراء الجيد بها حسب الثمن المتفق عليه. ربا النسيئة وهو الزيادة في الدين نظير التأجيل , وكان الدائن في الجاهلية يقول للمدين: (زدني أنظرك) أي أخر الأجل لقاء الزيادة , أو يقول: (أتقضي أو تربي) . ربا القرض وهو النفع الذي يشترطه المقرض على المقترض , بزيادة المبلغ المسترد , أو بمنفعة مع المبلغ. والقاعدة في ذلك أن كل قرض جر نفعا للمقرض فهو ربا. والربا في الأنواع الثلاثة محرم شرعا , وقد ثبت تحريمها بالقرآن والسنة وإجماع الفقهاء وهو قائم على الظلم لأن المتعامل بالربا لا يتحمل المخاطرة إذ ينفرد بها المقترض ومع ذلك يحصل المقرض على زيادة عن أصل ماله. قال الله تعالى ﴿وأحل الله البيع وحرم الربا﴾ وقال: ﴿وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون﴾ . والربا مدمر لاقتصاد الأمة , لأن فيه تعطيلا لطاقات الاستثمار المنتج , وزيادة في أعباء الآخرين دون المبادلة المتكافئة في السلع والمنافع , وهو يخرج النقود عن دورها الاقتصادي في إنها وسيلة للتبادل ومعيار للقيم فيجعلها سلعة بذاتها. والفوائد البنكية هي من ربا القرض , وربا النسيئة , وهي محرمة , والبديل الإسلامي عنها هو المشاركة في الربح الناتج عن استثمار الأموال مع تحمل المخاطرة , وهو ما قامت لأجله البنوك الإسلامية. بيع العينة عن ابن عمر ﵁ قال رسول الله ﷺ : إذا ضن الناس بالدينار والدرهم , وتبايعوا بالعينة , واتبعوا أذناب البقر , وتركوا الجهاد في سبيل الله أنزل الله بهم بلاء فلا يرفع حتى يراجعوا دينهم وفي رواية سلط الله عليهم ذلا لا ينزعه حتى يرجعوا إلى ربهم أخرجه أحمد في مسنده , وأبو داود في سننه. ومعنى العينة في اللغة: السلف والتأجيل , وسمي هذا البيع بالعينة لأن الغرض منه تحصيل مال بأجل مع الزيادة , ويرى بعض الفقهاء أنه سمى كذلك لأن العين تسترجع. وهو بيع شخص سلعة بثمن مؤجل ثم قيامه بشرائها من المشتري نفسه بثمن حاضر أقل. فتعود السلعة إلى مالكها الأول ويستقر الدين في ذمة المشتري مع الزيادة لقاء الأجل. هذا البيع حرام , لأنه حيلة إلى الربا مع ظهوره في صورة البيع لأن نتيجته أخذ مال حاضر بمقابلة مال مؤجل أزيد منه ولذلك يقول عنه ابن عباس ﵁: أرى مائة بخمسين بينهما حريرة , أي قطعة من الحرير جعلها الطرفان موضوعا للبيع بحسب الظاهر , مع قصدهما الاقتراض بفائدة تحت ستار هذه المعاملة الصورية. ويستند تحريم بيع العينة أيضا إلى قاعدة (سد الذرائع) أي منع الوسائل المؤدية للمحرمات , لأنه وسيلة إلى المراباة. وإبطال هذا البيع هو مقتضى القاعدة الشرعية العامة بأن العبرة في العقود للمقاصد والمعانى لا للألفاظ والمباني. قال محمد بن الحسن صاحب الإمام أبي حنيفة (هذا البيع في قلبي كأمثال الجبال , اخترعه أكلة الربا) . والحكمة التشريعية في تحريمه هي نفس المعنى الموجود في الربا من انتفاء المخاطرة وتحصيل المال بدون جهد أو نفع حقيقي للاقتصاد , ولذا أشار الزيلعي إلى أنه من ربح ما لم يضمنه الإنسان , لأنه استرجع العين دون مخاطرة بثمنها. ولا يتحقق بيع العينة لو وقع البيع الثاني على ثمن مال للأول أو بأكثر من ثمن الآجل , وكذلك لو تغيرت السلعة بمرور الزمن وتغير الأسعار , أو طرأ على السلعة نقص , لأنه ليس في هذه الحالات ذريعة إلى الربا. بيع المحرمات أو وسائلها قال الله تعالى: ﴿حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به﴾ (المائدة: ٣) وعن جابر بن عبد الله ﵁ قال رسول الله ﷺ : إن الله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام فقيل: يا رسول الله , أرأيت شحوم الميتة , فإنها يطلى بها السفن ويدهن بها الجلود ويستصبح بها الناس؟ فقال: لا هو حرام. أخرجه البخاري وعن أبي مسعود عقبة بن عمرو ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ عن ثمن الكلب , ومهر البغي , وحلوان الكاهن. أخرجه البخاري والمراد بالكلب ما كان لغير الحراسة أو الصيد. . لهذه النصوص الشرعية أورد الفقهاء بين شروط صحة البيع أن يكون المبيع متقوما. والتقوم معناه إباحة الانتفاع أي أن يكون للشيء قيمة في نظر الشرع. فإذا كان للشيء منفعة محرمة فإنه ليس محلا للتعاقد عليه. لأنه إذا كان حرام الاستعمال فإنه يحرم تمليكه , لما في ذلك من التعاون على الإثم والعدوان , ومقتضى التحريم هو الاجتناب بشتى الصور. عن تميم الداري ﵁ قال النبي ﷺ : لا يحل ثمن شيء لا يحل اكله وشربه أخرجه الدارقطني. وكما يحرم بيع المحرمات , يحرم أيضا بيع ما هو وسيلة إليها وذلك كبيع السلاح لمن يعلم انه يستخدمه في جريمة , وبيع العنب لمن يصنعه خمرا , لأن تلك المعاملات ذريعة إلى الفساد. والواجب على المسلم إنكار المنكر , وليس له المعونة عليه. ومن هذا القبيل بيع وشراء الأموال المسروقة أو المغصوبة , لأن في ذلك اشتراكا مع السارق أو الغاصب في جريمته وإخفاء لمعالمها. عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: من اشترى سرقة وهو يعلم فقد شرك في عارها. أخرجه الحاكم وصححه. كسب المال بالمقامرة (الميسر) قال الله تعالى: ﴿إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون﴾ (المائدة: ٩٠) والميسر هو القمار قال ابن عمر وابن عباس ﵁: الميسر هو القمار كانوا يتقامرون في الجاهلية إلى أن جاء الإسلام فنهاهم الله عن هذه الأخلاق القبيحة. والقمار هو الحصول على المال بوسيلة تعتمد على المصادفة لظهور رقم معين أو نحو ذلك وهو من وجوه الكسب الخبيث ومن أكل المال بالباطل. قال الله تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل﴾ (النساء: ٢٩) قال ابن كثير في تفسير الأموال المأكولة بالباطل: هي المكاسب غير الشرعية , كأنواع الربا والقمار. والمقامرات كلها حرام , سواء كانت على وجه اللعب والتسلية , أم للحصول على المال , أم في السباقات التي يراهن فيها المؤيدون لكل فريق , أو ما يلتزم بدفعه كل متسابق للآخر , بحيث يخسر أو يربح , إذ يصبح بذلك نوعا من المقامرة. وكذلك من القمار المحرم اليانصيب الذي تطرح أوراقه للحصول عليها بمال طمعا في تحصيل المبالغ المخصصة لفئة من المتعاملين بذلك. قال ابن الأثير كل شيء فيه قمار (أي منافسة على مال) فهو من الميسر , حتى لعب الصبيان بالجوز. ليس من القمار (أو الميسر) ما يقدمه طرف ثالث من غير المتنافسين لمن يفوز في السباق والمسابقات الثقافية. . لأنه في هذه الحالة يكون من قبيل الجوائز التشجيعية , فليس فيه معنى المقامرة بأن يخسر أو يربح وإنما هي هبة ممن يرغب في الحث على الموضوع المتنافس عليه , سواء كان من ولي الأمر أو من غيره. وكذلك تجوز الهدايا التي تعطى من الباعة لترويج بضائعهم , إذا كانت تقدم بدون مقابل مستقل من المشترين للحصول على الهدية , وهي هبة يرتبط الحصول عليها بالشراء لسلعة معينة. الرشوة عن عبد الله بن عمر ﵁ قال: لعن رسول الله ﷺ الراشي والمرتشي والرائش أخرجه الحاكم والبزار وأحمد والطبراني. والرائش: هو الذي يتوسط بين المرتشي والراشي. تشمل الرشوة كل ما يعطيه الشخص لغيره لإبطال حق , أو لإحقاق باطل. سواء أعطيت للحاكم ليقضى لصالح الراشي , أو للشاهد ليشهد بالباطل , أو أعطيت للموظف ليفضل الراشي على غيره , أو أعطيت للعاملين في شركة أو متجر لمراعاة العميل على حساب مصالح الشركة. الرشوة محرمة , فلا يجوز طلبها , ولا بذلها لمن يطلبها , ولا قبولها من الراشي ولو لم يسبقها طلب. كما يحرم التوسط بين الراشي والمرتشي للسعى في التوفيق بينهما لأن عمله هذا معونة على الإثم. قال الله تعالى: ﴿ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون﴾ (البقرة: ١٨٨) وقد سمى الله الرشوة (سحتا) أي كسبا خبيثا يهلك صاحبه , وذم بعض اليهود بأنهم (أكالون للسحت) . وقد بعث النبي ﷺ ابن اللتبية على جمع الزكاة فلما رجع ومعه الزكوات وبعض الهدايا قال: هذا لكم وهذا أهدي إلي , فقال النبي ﷺ : ما بال العامل نبعثه فيجيئ فيقول: هذا لكم وهذا أهدي إلى , ألا جلس في بيت أمه فينظر أيهدى إليه أم لا , والذي نفس محمد بيده لا نبعث أحدا منكم فيأخذ شيئا إلا جاء به يوم القيامة يحمله على رقبته. . أخرجه البخاري ومسلم. يستثنى من التحريم حالة الاضطرار , فيما إذا عجز الشخص عن تحصيل حقه الثابت شرعا وليس لديه حجة أو مقدرة على تحصيله ولا يمكنه الاستعانة بمن يوصله إليه فيجوز له دفع ما يرد به الظلم عن نفسه أو يوصله إلى حقه. ويقع الإثم على الآخذ , دون المعطى , وقد ورد أن عبد الله بن مسعود ﵁ اعتقل في الحبشة بدون وجه حق , فرشى بدينارين حتى خلي سبيله , وقال: إن الإثم على القابض لا على الدافع. ويجب على من وصلت إليه رشوة أن يردها لأصحابها وإذا تعذر ذلك يتخلص منها بصرفها في المصالح العامة , لأنها كسب خبيث. وفي الرشوة عقوبة تعزيريه مفوضة إلى الحاكم بما يراه رادعا عنها. . البيع وقت الجمعة قال الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون﴾ (الجمعة: ٩) والأمر في هذه الآية بترك البيع عند السعي إلى الجمعة هو نهي عن البيع الذي يقع في هذه الحالة. والمراد بالنداء للجمعة هو الأذان الأول على المنارة , لأنه هو الذي يجب السعي عنده إلى المسجد , والنهى اشد عند النداء الثاني بين يدى الخطيب. ويستمر النهى عن البيع حتى الفراغ من الصلاة ويدل على ذلك قوله تعالى في الآية التالية: ﴿فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة والله خير الرازقين﴾ (الجمعة: ١٠ - ١١) . والنهي عن البيع وقت النداء للجمعة هو للتحريم ويأثم بذلك البائع والمشتري. ويشمل هذا النهي جميع العقود من الإجارة والشركة والنكاح وغيرها كما يشمل مزاولة الصناعات والمهن. ويجب عند سماع النداء ترك كل ما يشغل عن الجمعة , كالأكل والكتابة والمساومة والمناداة على السلعة , وكذلك ترك الاشتغال بعبادة أخرى كما يحرم المكث في بيته إذ تجب المبادرة إلى المسجد الجامع. وحكم العقود التي أبرمت عند النداء إلى الجمعة صحيحة , لأن النهى لمعنى في غير البيع خارج عنه وهو ترك السعي , فكان البيع في الأصل مشروعا جائزا لكنه اتصل به أمر غير مشروع. وذهب بعض الفقهاء إلى أن البيع يفسخ , أو لا ينعقد أصلا. والحكمة من النهى عن البيع ونحوه منذ النداء للجمعة هي التفرغ عن الشواغل عن تلك العبادة التي فيها ذكر الله والموعظة والتعلم وهى تمثل التجمع الإسلامي الأسبوعي , وذلك لأن التشاغل عنها يؤدى لتركها , وقد ورد في الترهيب من ترك الجمعة ما رواه كعب بن مالك ﵁ قال رسول الله ﷺ : لينتهين أقوام يسمعون النداء يوم الجمعة ثم لا يأتونها أو ليطبعن الله على قلوبهم ثم ليكونن من الغافلين. أخرجه الطبراني في المعجم الكبير. وعن ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال لقوم يتخلفون عن الجمعة: لقد هممت أن آمر رجلا يصلي بالناس ثم أحرق على رجال يتخلفون عن الجمعة بيوتهم. أخرجه مسلم وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال رسول الله ﷺ : من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليسع إلى الجمعة , ومن استغنى عنها بلهو أو تجارة استغنى الله عنه , والله غني حميد. أخرجه الطبراني.

стр. 75

الغبن الغبن عند الفقهاء هو عدم التكافؤ بين قيمة البدلين في عقد المعاوضة وهو محرم في الإسلام لدفع الضرر عن الناس. والغبن نوعان: غبن كثير , وغبن يسير. ومن أمثلة ذلك الغبن الاستغلالي , تلقى الركبان , بيع الحاضر للبادي , النجش , مخالفة التسعير , الاحتكار.

стр. 76

الغبن الاستغلالي قال رسول الله ﷺ : غبن المسترسل حرام وفي رواية: غبن المسترسل ظلم أخرجه الطبراني. المسترسل: المستسلم للبائع. الغبن في اللغة النقص , والخداع في البيع والشراء , ومعناه عند الفقهاء: عدم التكافؤ بين قيمة البدلين في عقد المعاوضة. والغبن نوعان: غبن كثير , وغبن يسير. والغبن الكثير ويسمى (غبنا فاحشا) هو ما لم تجر به عادة الناس , أو ما يتجاوز أكبر تقويم للسلعة من ذوى الخبرة. وقدره بعضهم بما يزيد عن الثلث , والغبن اليسير عكسه , ولا أثر له على العقد , ولا يطالب من وقع عليه غبن يسير بالتعويض , وذلك لكثرة وقوعه في المعاملات وصعوبة التحرز عنه. الغبن الفاحش لا يترتب عليه أي حق للمغبون إذا كان عالما بالغبن أثناء التعاقد , فإذا علم وسكت فالعقد نافذ , لحصول الرضا منه. وأما إن كان المغبون غير عالم بالغبن فإنه يثبت الخيار (حق الفسخ) في الحالات التالية التي يوجد فيها مع الغبن تغرير بالمشتري: أ - إذا كان المشتري مسترسلا: أي مستسلما للبائع جاهلا بثمن السلعة. ب - إذا قال المشتري للبائع: بعني كما تبيع الناس , فباعه بأزيد من ذلك. ج - إذا كان الشراء لصالح قاصر أو مفلس. أما الغبن الفاحش الخالي عن التغرير فإنه لا يترتب عليه الخيار للمغبون , لأن نقصان قيمة السلعة مع سلامتها من العيوب لا يمنع لزوم العقد , والمشتري هو المفرط في ترك التأمل. مع كراهة هذا الغبن. وهناك من الغبن نوع يترتب عليه الحق في تعديل السعر , وهو ما يقع في بيوع الأمانة التي يحدد فيها الثمن بحسب ما اشتراه البائع أو بالتكلفة وهو بيع التولية , أو مع الربح وهو بيع المرابحة , فإذا ظهرت خيانة في بيان ذلك فإن الغبن يلغى ويصحح الثمن. تلقى الركبان عن ابن عباس ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ أن نتلقى الركبان أخرجه مسلم في صحيحه. وفي رواية: لا تلقوا الجلب فمن تلقاه فاشتري منه , فإذا أتى سيده السوق فهو بالخيار. والمراد بالركبان هم القادمون إلى البلد , والتلقي هو الخروج إلى خارج البلد لشراء الأرزاق المجلوبة إليه قبل أن تهبط إلى الأسواق. ومعنى الجلب: الأشياء المجلوبة إلى البلد من خارجه. والحكمة في النهي عن الشراء بتلقي الركبان منع الغبن والإضرار. لأن المتلقين للركبان ربما غبنوهم غبنا فاحشا بشراء السلع منهم بأثمان بخسة مستغلين جهلهم بالأسعار , وربما أضر ذلك بالبلد أيضا لأن الركبان إذا وصلوا البلد باعوا أمتعتهم فورا , والذين يتلقونهم لا يبيعونها بسرعة ويتربصون بها أسعارا مرتفعة. والمقصود بالخيار الذي أثبته الحديث للراكب المتلقى هو إعطاؤه حق فسخ الصفقة إذا دخل السوق وعرف أنه قد غبن. على أن العقد هنا صحيح لأن النهي ليس لمعنى خاص بالبيع نفسه بل لما قد يقع فيه من الخديعة , وهي حالة يمكن استدراكها بإثبات الخيار للمغبون. بيع الحاضر للبادي عن ابن عباس ﵁ قال نهى الرسول ﷺ أن نتلقى الركبان وأن يبيع حاضر لباد. فقيل لابن عباس ما قوله (حاضر لباد) ؟ قال: لا يكون له سمسارا , أخرجه مسلم. ومعنى السمسرة هو التوسط بين البائع والمشتري بأجرة معلومة , لتسهيل الصفقة , وهي جائزة شرعا. والممنوع منها هو ما كان بين البادي وأهل الحضر. والحكمة من النهى عن أن يتولى الحاضر (أي المقيم بالبلد) عملية بيع ما يجلبه البادي (أي القادم من البادية أو القرى) الحكمة هي دفع الضرر عن الناس , لأن توسط شخص بين الحاضر والبادي يؤدى إلى زيادة الأسعار عما كان البادي مستعدا للبيع به. قال النبي ﷺ دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض. أخرجه مسلم. أما السمسرة بين الحاضر والحاضر فليس فيها ضرر لأن الأسعار معلومة للطرفين. ولا تؤدى السمسرة هنا إلى ارتفاعها وحدوث الغلاء بل تقرب وجهات نظر الطرفين لتمام الصفقة وهي عمل نافع لهما وللسمسار لأن كثيرا من الناس لا يعرف طرق الوصول إلى شراء وبيع واستئجار ما يرغبون فيه وقد اصبح للسمسرة في العصر الحاضر أهمية كبيرة في التجارة والأسواق المالية. النجش عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: لا تناجشوا. وعن ابن عمر ﵁ أن النبي ﷺ نهى عن النجش. أخرجه البخاري ومسلم. ومعنى النجش , والتناجش: الإثارة يقال: نجش الطائر: إذا أثاره من مكان ليصيده. ويأتي أيضا بمعنى الاستتار , لأن ما قصده الناجش مستور. ويحصل النجش المنهي عنه شرعا بأن يزيد شخص في ثمن سلعة معروضة للبيع ليس له حاجة بها وذلك ليخدع غيره فيظن أنها تساوى ذلك الثمن فيغتر بهذه المساومة التي لم تحصل لرغبته في الشراء , ولكن للتغرير قاصدا من ذلك نفع البائع على حساب إلحاق الضرر بالمشتري. وكذلك يتحقق النجش بمدح السلعة بما ليس فيها بقصد ترويجها فهو كما لو زاد في ثمنها لتوريط المشتري. وغالبا ما يكون الناجش متواطئا مع البائع أو يكون البائع عالما بالنجش ويسكت ليغتر المشتري. ويكثر النجش في حالات المزايدة حيث يطرح بعض الأشخاص سعرا وليس في نيته الشراء. الحكمة في المنع من النجش وتحريمه ما فيه من الخداع والتدليس , ولذلك يثبت الخيار لمن اشترى السلعة بتأثير النجش , فله الحق في أن يوافق على الصفقة أو يفسخها. أما العقد في ذاته فهو صحيح , وذهب بعض الفقهاء إلى إبطاله أصلا. إعطاء الخيار للمشترى بسبب النجش مشروط بأن تكون الزيادة في قيمة السلعة متجاوزة لقيمتها في السوق. . وهذا مع اتفاق جميع الفقهاء على تحريم النجش وتأثيم الناجش بل استدل بعضهم لجواز لعنه بحديث رواه الطبراني الناجش آكل ربا خائن ملعون. مخالفة التسعير التسعير: تقدير ولى الأمر سعرا معلوما وإجبار الباعة على التزامه. والأصل عدم التسعير وإطلاق الحرية للباعة في البيع بما يقع عليه التراضي , لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم﴾ (النساء: ٢٩) وروى أنس ﵁ أنه غلا السعر في المدينة على عهد رسول الله ﷺ فقال الناس: يا رسول الله , غلا السعر فسعر لنا , فقال رسول الله ﷺ : إن الله هو المسعر القابض الباسط الرزاق , إني لأرجو أن ألقى الله وليس أحد منكم يطالبني بمظلمة في دم ولا مال. أخرجه أبو داود والترمذي. وهذا الحديث هو للحالة التي لا يصل فيها الغلاء إلى مستوى ضار. وهناك حالات يحق فيها لولي الأمر التسعير , درءا للضرر عن الجماعة , وهى: مجاوزة أسعار الأطعمة للقيمة بشكل غير مألوف. احتكار التجار للسلع , فيجبر أصحابها على البيع بسعر يحدده ولي الأمر. انحصار بيع بعض السلع بفئات مخصوصة ومنع غيرها , فتحدد الأسعار منعا للتحكم. تواطؤ التجار على البيع بسعر يحقق ربحا فاحشا. ففي هذه الحالات يجوز التسعير , لما فيه من صيانة حقوق الناس وصلاح أمرهم ودفع الضرر عن جماعتهم , بالرغم من تأثير ذلك على التجار , لأن درء الضرر العام مقدم على درء الضرر الخاص. ينطبق جواز التسعير في التجارة على الصناعة أيضا , فإذا امتنع الصناع عن العمل إلا بسعر مرتفع جدا عن اجر المثل , فإن لولي الأمر تسعير الأجور , حماية للناس من الظلم. وحكم البيع المخالف للتسعير أنه صحيح , ولكن لولى الأمر تعزير من خالف التسعير , لوجوب الطاعة في المعروف بما يحقق مصلحة المجتمع. الاحتكار معنى الاحتكار هو امتلاك السلع في وقت الغلاء وحبسها لبيعها عند اشتداد الحاجة , والمحتكر لا يستجيب لمتطلبات السوق , بل يدخر الأشياء رغم دواعي بيعها بربح معقول , وينتظر تقلب الأسواق ليحقق من بيع ما ادخره أرباحا كبيرة , من غير مبالاة بما يلحق الناس من الضرر بحبس الأشياء عنهم , وكثيرا ما يتلف المحتكرون كميات كبيرة مما احتكروه للتحكم بالسوق ورفع الأسعار. وروى معمر بن أبي معمر ﵁ أن النبي ﷺ قال: من احتكر فهو خاطئ أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي. وروى معقل بن يسار ﵁ أن النبي ﷺ قال: من دخل في شيء من أسعار المسلمين ليغليه عليهم كان حقا على الله أن يقعده بعظم من النار يوم القيامة. أخرجه أحمد والطبراني. وللفقهاء آراء متعددة في تفسير الأشياء التي يعتبر حبسها احتكارا , فبعضهم خص ذلك بالأقوات (المواد الغذائية) , وبعضهم عممه في كل شيء من الأقوات وغيرها من سائر السلع التي يلحق الناس بحبسها ضرر. إذا علم ولي الأمر بوقوع الاحتكار فإنه يأمر المحتكر بإخراج ما احتكره وعرضه في السوق لبيعه , فإن امتنع اجبره , أو تولى بيعه عنه وأعطاه مثله عند وجوده أو قيمته , وذلك لأن الاحتكار فيه تسلط على الأسواق وله آثار سلبية على الاقتصاد فهو يهدد حرية التجارة , ويسد أبواب الفرص أمام الناس ويقتل روح المنافسة.

стр. 77

التدليس والتغرير والغش حرم الإسلام التدليس والتغرير والغش , ومن ذلك بيع المعيب , التطفيف في الكيل أو الوزن , البيع على بيع الغير والسوم على سوم الغير , المماطلة والتفليس الكيدي.

стр. 78

التدليس والتغرير والغش تشكيل النص عن أبي هريرة ﵁ قال رسول الله ﷺ : من غشنا فليس منا أخرجه مسلم. وعن ابن عمر ﵁ قال رسول الله ﷺ : البيعان بالخيار ما لم يتفرقا , فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما , وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما. أخرجه البخاري ومسلم التدليس: نوع من الغش , وهو من الدلس أي الظلمة , أو الدلسة أي الخديعة وهو كتمان عيب السلعة. التغرير: إيجاد الرغبة عند المتعاقد بأفعال مموهة أو قول باطل أو إطراء موهوم. الغش: تحسين السلعة بطرق خادعة لتظهر سلامتها مع أنها معيبة. والتدليس: قد يكون بالأقوال كالكذب في الثمن في بيوع الأمانات التي يشترط فيها بيان الثمن الأصلي للسلعة. وقد يكون بالأفعال وهي كل ما يستر عيب السلعة. والتدليس والتغرير والغش حرام , وإذا كان التدليس مؤثرا في اختلاف الثمن في المعاملات , يثبت به الخيار لمن وقع عليه شيء من ذلك , فله أن يفسخ الصفقة ليدفع عن نفسه الضرر الناشئ عن التدليس ويثبت حق الفسخ هنا دون اشتراط , لأن الأصل في البيع السلامة من العيوب , وانتفاء التدليس. على أنه إذا بين البائع عيب السلعة للمشترى , أو اشترط البائع لنفسه البراءة من عيوب المبيع فإن ذلك جائز لعدم الخداع والتدليس. من صور التدليس: التصرية وهى حبس اللبن في الضرع بترك الحلب أياما عند إرادة بيع الشاة أو البقرة ليوهم المشتري أنها غزيرة اللبن وأن ذلك عادة لها , فإذا حلبها المشتري بعد البيع وتبين له أنها مصراة فله حق الفسخ مع رد صاع من تمر عن اللبن الذي حصل عليه. وقد ورد عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: لا تصروا الغنم , ومن ابتاعها فهو بخير النظرين بعد أن يحتلبها إن رضيها أمسكها وإن سخطها ردها وصاعا من تمر رواه البخاري ومسلم. وتنطبق هذه الصورة على كل شيء تدخل عليه عند البيع تحسينات مؤقتة من أجل خداع المشتري , فله حق الرد مع تقرير مقابل الانتفاع بحسب العرف والخبرة. بيع المعيب عن عقبة بن عامر ﵁ عن النبي ﷺ قال: المسلم أخو المسلم ولا يحل لمسلم إذا باع من أخيه بيعا فيه عيب أن لا يبينه. أخرجه أحمد في مسنده والحاكم. وعن ابن عمر ﵁ قال: مر رسول الله ﷺ بطعام وقد حسنه صاحبه , فأدخل يده فيه فإذا طعام رديء , فقال: بع هذا على حدة وهذا على حدة , فمن غشنا فليس منا أخرجه أحمد والبزار. المراد بالعيب كل ما ينقص ثمن الشيء في عادة التجار , لأنه يحصل الضرر بنقص القيمة المالية. والمرجع في تحديد العيب ومعرفته هو إلى المتعارف عليه عند أهل الخبرة بالشيء. التعاقد على شراء شيء يقتضى توافر صفة السلامة فيه , ولو لم يشترطها المشتري , لأنها هي الأصل. وإذا علم البائع في سلعته عيبا لم يجز له بيعها حتى يبينه للمشترى أو يشترط لنفسه البراءة مما فيه من العيوب ليكون المشتري على بصيرة من أمره فيتفحص المبيع جيدا ويكتشف ما فيه من عيوب ويسأل البائع عنها. على انه إذا باعه سلعة ولم يبين عيوبها فالبيع صحيح - رغم المخالفة الشرعية - لوجود خيار العيب. إذا اشترط البائع لنفسه البراءة من العيوب فإن الصفقة تامة وليس للمشترى المطالبة بالفسخ إن ظهر له عيب قديم. وهذا البيع يسمى (بيع البراءة) . إذا ظهر في المبيع عيب وثبت أنه بسبب قديم , أي قبل تسلم المشتري , فإن له خيار العيب (الحق في الفسخ أو في التمسك بالعقد) وله الاتفاق مع البائع للتعويض عن العيب , وليس له إجبار البائع على التعويض إذا أراد الفسخ فإن الضرر يندفع عن المشتري بتمكينه من رد المبيع المعيب. يمتنع الرد بخيار العيب إذا طرأ على المبيع عيب جديد عند المشتري , وفي هذه الحالة ينحصر حق المشتري في الحصول على تعويض عن العيب القديم. ولا مانع من تفاهم المشتري مع البائع على الرد مع إضافة تعويض من المشتري عن العيب الجديد. ولكن هذا يتوقف على رضا البائع لأن في الرد إضرارا بالبائع , لأن المبيع خرج عن ملكه سالما من العيب الجديد فيتعين الرجوع بالنقصان إلا أن يرضى البائع أخذه بعيبه لأنه رضى بالضرر. التطفيف في الكيل أو الوزن عن ابن عباس قال النبي ﷺ : خمس بخمس: ما نقض قوم العهد إلا سلط الله عليهم عدوهم , ولا حكموا بغير ما أنزل الله إلا فشا فيهم الفقر , وما ظهرت الفاحشة فيهم إلا ظهر فيهم الطاعون , وما طففوا الكيل إلا منعوا النبات وأخذو بالسنين , ولا منعوا الزكاة إلا حبس الله عنهم المطر أخرجه مالك في الموطأ , والبزار في المسند. والتطفيف هو نقص المقدار في الكيل أو الوزن وهي كلمة مأخوذه من الطفيف وهو القليل , لأن من يسرق من المكيال والميزان يقتصر على الشيء الطفيف حتى لا يكتشف. وفي شأن التطفيف نزل قوله تعالى: ﴿ويل للمطففين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم يوم يقوم الناس لرب العالمين﴾ قال ابن عباس هي أول سورة نزلت على رسول الله ﷺ ساعة نزل المدينة وكان هذا فيهم , كانوا إذا اشتروا استوفوا بكيل راجح , فإذا باعوا بخسوا المكيال والميزان , فلما نزلت السورة انتهوا , فهم أوفى الناس كيلا إلى يومهم هذا. وقال أبو هريرة نزلت في رجل من أهل المدينة كان له صاعان , يأخذ بأحدهما , ويعطى بالآخر. وقال علي بن أبي طالب ﵁: لا تلتمس المروءة ممن مروءته في رءوس المكاييل ولا ألسنة الموازين. إذا حصل نقص في الكيل أو الوزن دون تعمد من البائع فإنه يستحق المشتري تكملة ما نقص عليه وإذا كان الشراء واقعا على صبرة (أي جملة غير معروفة المقدار) واشترط المشتري أن مقدارها هو كذا , فظهر إنها أقل أو اكثر كانت العبرة بالمقدار الفعلى , ويعدل الثمن بالنسبة نقصا أو زيادة. هذا , ومن السماحة في البيع أن يرجح الكيل أو الوزن , وذلك بتوفية المقدار المبيع ثم إضافة شيء يسير للتأكد من التوفية. وقد مر علي بن أبي طالب ﵁ على رجل وهو يزن الزعفران , وقد أرجح , فأكفأ الميزان (أي أفرغه) ثم قال له: أقم الوزن بالقسط , ثم أرجح بعد ذلك ما شئت. قال القرطبي كأنه أمره بالتسوية أولا ليعتادها ويفصل الواجب من النفل (أي الإرجاح المرغب فيه) . السوم على سوم الغير والبيع على بيع الغير عن ابن عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ : لا يبع بعضكم على بيع بعض حتى يبتاع. وفي رواية: لا يبع الرجل على بيع أخيه , ولا يخطب على خطبة أخيه إلا أن يأذن له وفي رواية: نهى أن يستام الرجل على سوم أخيه. والبيع على البيع هو أن يتراضى البائع والمشتري على ثمن السلعة ويعقدان البيع فيأتي شخص ثالث ويعرض على المشتري أن يبيعه مثلها بثمن اقل , فيطلب المشترى فسخ الصفقة. . والشراء على الشراء أن يعرض شخص على البائع بعد تمام الصفقة ثمنا أكثر مما باع به لكى يطلب من المشتري الفسخ. . . والسوم على السوم أن يحصل الاتفاق بين البائع والمشتري على السلعة فيعرض مشتر آخر ثمنا اكثر ليأخذها دون الذي سامها قبله. يحرم القيام بإحدى الحالات المشار إليها , ولكن البيع الثاني يقع صحيحا , لأن النهي ليس لأمر في ذات المبيع , فقد استوفى العقد ركنه وشروطه , وإنما هو لأمر خارجي , وهو الإيذاء والضرر والإفساد وقد جاء ذكر الأخر في الحديث لزيادة التنفير ولإثارة العطف مع عموم الحرمة فيه وفي غيره. يستثنى من النهى بيع المزايدة , بالمناداة على السلعة وزيادة الناس بعضهم على بعض حتى تقف على آخر زائد فيها فيأخذها. فهذا البيع جائز بالسنة والإجماع لأنه قائم أصلا على التنافس ولا يفاجأ المشتري أو المساوم بذلك فلا يتضرر. روى أنس بن مالك أن رجلا من الأنصار أتى النبي ﷺ فشكا إليه الحاجة فقال له النبي ﷺ : ما عندك شيء؟ فأتاه بحلس (بساط) وقدح , فقال النبي ﷺ من يشتري هذا؟ فقال رجل: أنا آخذهما بدرهم , قال: من يزيد على درهم؟ فسكت القوم , فقال: من يزيد على درهم؟ فقال: رجل أنا أخذهما بدرهمين , قال: هما لك. ثم أمره أن يشترى قدوما يحتطب ويبيع. ويدل هذا الحديث على مشروعية بيع المزايدة , في حالة خلوه من التلاعب. كما يدل على دور ولى الأمر في منع التسول وإيجاد فرص العمل لمعالجة البطالة. المماطلة والتفليس الكيدي عن أبي هريرة ﵁ قال رسول الله ﷺ : مطل الغنى ظلم , يحل عرضه وعقوبته وفى رواية لي الواجد ظلم أخرجه البخاري وأبو داود والنسائي. والمماطلة: التسويف وتأخير سداد الدين. يدل هذا الحديث على تحريم المماطلة بالحقوق التي يحين موعد أدائها مع المقدرة والملاءة. وهذا موجب للإثم , ويستحق المماطل العقوبة المعنوية بإغلاظ القول له والتنديد به والتحذير منه , وكذلك العقوبة الزاجرة له عن فعله. كما يحق للدائن ملازمته إلى أن يحصل على مستحقاته. إذا ثبت أن المدين المماطل موسر وقد أخفى أمواله عن دائنه فإنه يحق للمدين رفع أمره إلى القضاء لاتخاذ الوسائل الكفيلة باستخلاص الحق منه , ومن ذلك حبسه ومضايقته إلى أن يخرج الأموال التي أخفاها. وإذا عثر القاضي على موجودات للمدين المماطل فإنه يبيعها جبرا عنه ويقضى منها ديونه , سواء كان السبب المماطلة أو بسبب التفليس كما وقع في عهد رسول الله ﷺ حيث باع على معاذ ﵁ ماله - حين أفلس - وقضى ديونه. وإذا لم تكف أموال المدين عند إفلاسه لسداد جميع ديونه فإنها توزع على الدائنين بنسبة ديونهم وهذه الطريقة تسمى قسمة الغرماء. وقد حثت الآيات والأحاديث على المبادرة لأداء الأمانات والحقوق قال الله تعالى: ﴿إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها﴾ . وقال أيضا: ﴿فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن أمانته وليتق الله ربه﴾ . وقال ﷺ على اليد ما أخذت حتى تؤديه وروى أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: من اخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه , ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله. أخرجه البخاري. وقال ﷺ إن خيركم أحسنكم قضاء أخرجه البخاري ومسلم.

стр. 79

انتهاء البيع ينتهى البيع بتسليم المبيع إلى المشترى والثمن إلى البائع أو بالاتفاق على الإقالة أو بالفسخ لأحد الأسباب الموجبة له.

стр. 80

ينتهى البيع بتنفيذ آثاره وهي الالتزامات المترتبة على البائع والمشتري , وذلك بتسليم الثمن إلى البائع والسلعة إلى المشتري , كما ينتهي باتفاق الطرفين على الإقالة ويترتب على ذلك التراد بإعادة الثمن إلى المشتري واعادة السلعة إلى البائع , وينتهي أيضا بطروء سبب من أسباب الفسخ المقررة شرعا ومن ذلك ظهور العيب إذا اختار المشترى الفسخ دون التعويض (الأرش) .

стр. 81

الإجارة

стр. 82

تعريف الإجارة الإجارة هي عقد على منفعة مقصودة مباحة معلومة بعوض معلوم.

стр. 83

الإجارة لغة اسم للأجرة على وزن فعالة , من أجر يأجر. أما في الاصطلاح الفقهي فقد عرفها الفقهاء بتعريفات كثيرة , وهي تعريفات متقاربة في المعنى وإن اختلفت في العبارة. فبعض الفقهاء يزيد قيودا في التعريف لا يرى الآخرون حاجة لذكرها. فقد عرف الحنفية الإيجار بأنه عقد على المنافع بعوض. وعرفها المالكية بقولهم هي تمليك منافع شيء مباحة مدة معلومة بعوض. وتعريف الحنابلة: هي عقد على منفعة مباحة معلومة , مدة معلومة , من عين معينة , أو موصوفة في الذمة , أو على عمل شيء معلوم , بعوض معلوم. وتعريف الشافعية: هي عقد على منفعة مباحة مقصودة معلومة , قابلة للبذل والإباحة , بعوض معلوم. وهو شبيه بمن سبقهم. ويمكن أن نقول في الجملة أن الإجارة هي عقد على منفعة مقصودة مباحة معلومة بعوض معلوم. ومحترزات هذا التعريف هي التالية - هي عقد: أي ارتباط إيجاب بقبول على وجه مشروع يظهر أثره في محله. - على منفعة: هو احتراز من العقد على العين , فإنه يكون بيعا أو هبة وليس إجارة. والمنفعة تشمل بإطلاقها المنافع المباحة والمحرمة سواء كانت متقومة أو غير متقومة , ويدخل فيها عمل الإنسان ومنافع غيره من الحيوان والأشياء. - منفعة مباحة: وهذا قيد يخرج العقد على منفعة محرمة , كالاستئجار على الرقص والغناء المحرم وغير ذلك من المحرمات. - منفعة مقصودة: وهذا قيد يخرج المنفعة التافهة أي ما لا قيمة له تقصد غالبا من المنافع , مثل استئجار بياع على كلمة لا تتعب , أو استئجار تفاحة لشمها. - منفعة معلومة: وهذا احتراز من المنفعة المجهولة فإنها لا تصح الإجارة عليها , لأن فيها غرر. فوجب العلم بالمنفعة لتصح الإجارة عليها , والعلم بالمنفعة يكون بتحديدها بالزمن كاستئجار شهر أو سنة , أو بنوع العمل كاستئجار على خياطة ثوب أو بناء جدار. وبهذا القيد خرجت المنفعة في المضاربة لأن مقدار الربح يكون مجهولا كما خرجت الجعالة على عمل مجهول كرد الضالة إذ أنه قد يجدها بعد يوم وقد يجدها بعد ساعة. - بعوض: وهذا القيد لإخراج هبة المنافع وإعارتها والوصية بها , فإنها عقد على منافع معلومة لكنها بغير عوض. - بعوض معلوم: وهذا للاحتراز عن العوض المجهول , لأن العوض في الإجارة ثمن للمنفعة , وشرط الثمن أن يكون معلوما. وهذا القيد أخرج المساقاة فإن العوض فيها مجهول المقدار , وأخرج المضاربة فإن مقدار الربح فيه غير معلوم. ملاحظة هذا وتجدر الإشارة إلى أن الإجارة والكراء لفظان مترادفان لمعنى واحد , غير أن فقهاء المالكية اصطلحوا على تسمية العقد على منافع الآدمي , وما ينقل كالثياب والأواني إجارة. والعقد على منافع ما لا ينقل كالأرض والدور , وما ينقل من سفينة وحيوان كالرواحل كراء. وهذا في الغالب عندهم.

стр. 84

دليل مشروعية الإجارة استدل جمهور الفقهاء على جواز الإجارة بأدلة كثيرة من القرآن الكريم ومن السنة المطهرة والإجماع.

стр. 85

اتفق جمهور الفقهاء على جواز عقد الإجارة ولم يخالف في جوازها إلا طائفة من المتأخرين كأبي بكر الأصم وإسماعيل ابن علية والحسن البصري والقاشاني والنهرواني وابن كيسان فإنهم لم يجيزوه , لأن الإجارة عندهم: تتضمن بيع منفعة معدومة , إذ المنافع حال انعقاد العقد معدومة القبض , فتكون الإجارة باطلة قياسا على البيع لأن بيع المعدوم باطل باتفاق الفقهاء. - وتتضمن الغرر , إذ أنها تعقد على منافع لم تخلق بل هي توجد شيئا فشيئا , فكان العقد عليها باطلا لأن الغرر منهي عنه. وناقش الجمهور أدلة المانعين فقالوا إن الغرر ما تردد بين أمرين على السواء. أما الإجارة فالأغلب فيها حال السلامة , ولو فرض أن في الإجارة غررا فإنه قليل ويغتفر بالأدلة الواردة لحاجة الناس إليه وضرورته , وكونه قليلا. كما ذكروا أن قياسهم الإجارة على البيع في بطلانه على ما لم يخلق قياس مع الفارق وذلك أن بيع المعدوم لا يصح لأن العقد لم يقع على شيء يتناوله البيع بخلاف الإجارة , فإن المنافع وإن كانت معدومة فالعين موجودة معلومة وقع عقد الإجارة على تلك العين المعلومة المعينة لاستيفاء منافعها ففرقا بين عين معينة معلومة منافعها وبين العقد على معدوم لا وجود له. وأدلة الجمهور على مشروعية الإجارة: القرآن والسنة , والإجماع والمعقول. الدليل من القرآن الكريم قول الله تعالى على لسان إحدى ابنتي شعيب ﵇ ﴿قالت إحداهما يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين قال إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج فإن أتممت عشرا فمن عندك﴾ (القصص: ٢٦ , ٢٧) ووجه الاستدلال بالآية الكريمة هو أن الله قص علينا خبر تأجير موسى ﵇ نفسه لرعي الغنم بأجرة معلومة , وشرع من قبلنا شرع لنا ما لم ينسخ , فدل ذلك على جواز الإجارة. وقوله تعالى: ﴿فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن﴾ (الطلاق: ٦) وفي هذه الآية أمر بإيتاء الأجر إذا أرضعت المرأة الطفل. وهذا دليل على مشروعية الإجارة. الدليل من السنة الشريفة قوله ﷺ : أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه وهذا حديث رواه أبو يعلى في مسنده من حديث أبي هريرة وروى عن آخرين. وقوله ﷺ : من استأجر أجيرا فليعلمه أجره. وهذان الحديثان يدلان على جواز الإجارة , لأن فيهما الأمر بإعطاء الأجير أجرته وإعلامه بمقدارها. ومنها ما رواه سعيد بن المسيب عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: كنا نكري الأرض بما على السواقي من الزرع , فنهى رسول الله ﷺ عن ذلك , وأمرنا أن نكريها بذهب أو ورق أي فضة وروى ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ احتجم , وأعطى الحجام أجره. الدليل من الإجماع فقد أجمع السلف الصالح من الصحابة والتابعين على جواز الإجارة قبل وجود الأصم ومن وافقه من الفقهاء المتأخرين , الذين لا يعتبر اجتهادهم صحيحا لأنه يخالف النصوص الصريحة من القرآن والسنة. يقول الإمام الكاساني وأما الإجماع فإن الأمة أجمعت على ذلك قبل وجود الأصم حيث يعقدون عقد الإجارة من زمن الصحابة إلى يومنا هذا من غير نكير فلا يعبأ بخلافه , إذ هو خلاف الإجماع , وبه تبين أن القياس متروك لأن الله تعالى إنما شرع العقود لحوائج العباد وحاجتهم إلى الإجارة ماسة. الدليل من المعقول وأما دليل مشروعية الإجارة من المعقول فالناس بحاجة إليها كحاجتهم إلى الأعيان , لتوفير السكنى في الدور , والاتجار في المحلات التجارية والركوب للمسافر وغيره على الدواب والسيارات والسفن والقطارات والطائرات , وعمل أصحاب الصنائع بأجر , ولا يمكن كل أحد عمل ذلك , ولا يجد متطوعا به , فلا بد من الإجارة لذلك , بل ذلك مما جعله الله طريقا للرزق , حتى إن أكثر المكاسب بالصنائع كما قال ابن قدامة في المغني.

стр. 86

الوصف الفقهي للإجارة الإجارة هي بيع المنافع , لكنها تختلف عن البيع في أنها مؤقتة المدة خلافا عن البيع فهو مؤبد. واختلف الفقهاء في صفة مشروعية الإجارة هل هي مشروعة على وفق القياس أو على خلافه. فقال جمهور الفقهاء: إنها شرعت على خلاف القياس. وقال بعض فقهاء الحنابلة: إنها مشروعة على وفق القياس وقد نصر هذا الرأي ابن تيمية وتلميذه ابن القيم.

стр. 87

الإجارة بيع منفعة لكنها تختلف عن البيع في أنها مؤقته المدة , وعقد البيع لا يقبل التأقيت , وإنما هو مؤبد , لأنه يترتب عليه انتقال ملكية العين المعقود عليها من المنقولات والعقارات وغيرها. قال ابن قدامة في المغني: الإجارة نوع من البيع , لأنها تمليك من كل واحد منهما لصاحبه , فهي بيع المنافع , والمنافع بمنزلة الأعيان , لأنه يصح تمليكها في حال الحياة وبعد الموت , وتضمن باليد والإتلاف , ويكون عوضها عينا ودينا. واختلف الفقهاء في صفة مشروعية الإجارة هل هي مشروعة على وفق القياس أو على خلافه. فقال جمهور الفقهاء: إنها شرعت على خلاف القياس وقال بعض فقهاء الحنابلة: إنها مشروعة على وفق القياس وقد نصر هذا الرأي ابن تيمية وتلميذه ابن القيم. الإجارة مشروعة على خلاف القياس استدل جمهور الفقهاء بأن الإجارة شرعت على خلاف القياس بقولهم: أن الإجارة بيع معدوم , وبيع المعدوم لا يجوز لذا لم تكن الإجارة جائزة في الأصل إلا أنه لما وردت الأدلة الشرعية بجوازها كان هذا الجواز استثناء على خلاف الأصل والقاعدة التي قامت الأدلة الشرعية عليها. أما أن الإجارة بيع فلأن البيع مبادلة مال بمال , والإجارة كذلك لأنها مبادلة منفعة بمال هو الأجرة وأما أن بيع المعدوم باطل فللأدلة الشرعية الكثيرة ومنها حديث لا تبع ما ليس عندك. الإجارة مشروعة على وفق القياس أجاب بعض الحنابلة على استدلال جمهور الفقهاء فقالوا بأن الإجارة شرعت على وفق القياس وهي ليست بيعا , لأن البيع الذي جاءت الأدلة على بطلانه إذا ورد على المعدوم هو الوارد على الأعيان التي يمكن أن توجد عند التعاقد , أما الإجارة فإنها ترد على منافع يتعذر وجودها عند التعاقد. وردوا على قياسهم الإجارة بالبيع بقولهم: إن أردتم بالبيع الذي قستم عليه الإجارة معناه المطلق الشامل لبيع العيان والمنافع فإننا نسلم لكم أن الإجارة نوع منه بهذا المعنى. غير أننا لا نوافقكم على أن البيع بهذا المعنى هو الذي ورد النهي عنه إذا كان محله معدوما لأن العقد على المنافع حال وجودها لا يتصور عقلا فكيف يشترطه الشارع , ولهذا كان النهي عن بيع المعدوم واردا على بيع الأعيان التي يمكن تأخير العقد عليها حتى توجد دون ضرر ولا شدة حاجة. أما المنافع فإنه يمتنع العقد عليها حال وجودها لأنها تكون معدومة عند العقد دائما فجاز العقد عليها ويكون هذا الجواز أصلا في ذاته وليس مستثنى من غيره. ويقول أصحاب هذا الرأي أن العلة في المنع ليست هي العدم ولا الوجود , لأنه قد ورد في السنة النهي عن بيع بعض الأشياء المعدومة كما نهى عن بيع بعض الأشياء الموجودة ولكن العلة في المنع هي الغرر , فالمعدوم الذي هو غرر نهى عنه للغرر لا للعدم. ولذا فالشيء الذي يكون له حال وجود وحال عدم كان في بيعه حال العدم مخاطرة وغرر , وأما ما ليس له إلا حال واحدة والغالب فيه السلامة فليس العقد عليه مخاطرة , وإن كان فيه مخاطرة يسيرة فالحاجة داعية إليه.

стр. 88

الحكم التكليفي للإجارة الأصل في الإجارة الإباحة , وقد تجب للضرورة أو الحاجة بعوض , أو مجانا في رأي ابن تيمية وابن قيم الجوزية.

стр. 89

الإجارة كالبيع عقد مباح مشروع للحاجة , وحكمة مشروعيتها عظيمة , لأن فيها تبادل المنافع بين الناس بعضهم مع بعض , لأن العمل الذي يقوم به الفرد الواحد , غير العمل الذي يقوم به الاثنان أو الثلاثة مثلا. وإذا كانت الإجارة إجارة عين , كهذه السيارة , يشترط أن يذكر في عقد الإجارة قدرها ووصفها. . . . إلى آخر الشروط التي ستذكر. والحكمة في ذلك منعا للخصام والنزاع. كما أنه لا يجوز استئجار عين لمنفعة مجهولة , تقدر بمقتضى الظن والرجم بالغيب , إذ ربما طرأ طارئ يعطل هذه العين عن الفائدة. وهكذا يكون الأصل في الإجارة الإباحة إلا إذا كان فيها إنقاذ نفس من الهلاك , أو كانت هناك ضرورة لبذل المنافع , حفاظا على النفس الإنسانية في وقت الأزمات والحروب , والتشرد والضياع , أو إيواء غريب , فتصبح واجبة , بل يجب في هذه الأحوال بذلها مجانا كما صرح بعض الحنابلة كابن تيمية وابن القيم. قال ابن القيم في (الطرق الحكمية في السياسة الشرعية) فإذا قدر أن قوما اضطروا إلى السكنى في بيت إنسان , لا يجدون سواه , أو النزول في خان مملوك , أو استعارة ثياب يستدفئون بها , أو رحى للطحن , أو دلو لنزع الماء , أو قدر , أو فأس , أو غير ذلك: وجب على صاحبه بذله بلا نزاع. لكن هل له أن يأخذ عليه أجرا؟ فيه قولان للعلماء , وهما وجهان لأصحاب أحمد. ومن جوز له أخذ الأجرة , حرم عليه أن يطلب زيادة على أجر المثل. قال شيخنا (أي ابن تيمية) : والصحيح أنه يجب عليه بذلك ذلك مجانا كما دل عليه الكتاب والسنة: قال تعالى: ﴿فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون الذين هم يراءون ويمنعون الماعون﴾ قال ابن مسعود وابن عباس وغيرهما من الصحابة: (هو إعارة القدر والدلو والفأس) . وفي الصحيحين عن النبي ﷺ وذكر الخيل - قال: هي لرجل أجر , ولرجل ستر , وعلى رجل وزر. فأما الذي هي له أجر: فرجل ربطها في سبيل الله. وأما الذي هي له ستر: فرجل ربطها تغنيا وتعففا , ولم ينس حق الله في رقابها , ولا في ظهورها. وفي الصحيحين عنه أيضا: من حق الإبل: إعارة دلوها , واطراق فحلها. وفي الصحيحين عنه: أنه نهى عن عسب الفحل أي عن أخذ الأجرة عليه , والناس يحتاجون إليه فأوجب بذله مجانا , ومنع من أخذ الأجرة عليه. وفي الصحيحين عنه أنه قال: لا يمنعن جار جاره أن يغرز خشبة في جداره.

стр. 90

أقسام الإجارة قسم الفقهاء الإجارة تقسيمات مختلفة باعتبارات مختلفة. فقد قسمت من حيث تعيين المحل وعدم تعيينه إلى: إجارة العين وإجارة الذمة. وقسمت من حيث المحل الذي تستوفى منه المنفعة إلى: إجارة على منافع الإنسان وإجارة على منافع الأعيان.

стр. 91

أقسام الإجارة من حيث نوع المحل المعقود عليه اتفق الفقهاء على أن الإجارة نوعان: نوع ترد فيه الإجارة على منافع الأعيان , ونوع ترد فيه الإجارة على منافع الإنسان أي على عمله. إجارة على المنافع المعقود عليه في هذا النوع من الإجارة هو المنفعة , كإجارة الدور والمنازل والحوانيت والضياع , والدواب للركوب والحمل , والثياب والحلي للبس , والأواني وغيرها , حيث يتم دفع هذه الأعيان لمن يستخدمها لقاء عوض معلوم. . ويمكن تقسيم هذا النوع إلى ثلاثة أقسام: (١) إجارة العقار كإيجار الدور والأراضي والمنازل. وهي تشمل الأعيان التي تستوفى منفعتها بالاستخدام بالسكنى أو الزراعة أو غيرها. (٢) إجارة الدواب كالحيوان والإبل والخيل وما يلحق بها من سيارات وطائرات وسفن. وهي تشمل الأعيان التي تستوفى منفعتها بالركوب والحمل. (٣) إجارة العروض كالملابس والأواني والخيام وغيرها من المنقولات. وهي تشمل الأعيان التي تستوفى منفعتها بالاستعمال. إجارة على الأعمال المعقود عليه في هذا النوع من الإجارة هو العمل , وهو ما يبذله الأجير من مهارات أو جهد لأداء عمل معلوم لقاء أجر معلوم. ومثال ذلك بناء دار وخياطة قميص وحمل إلى موضع معين , وصباغة ثوب وإصلاح حذاء ونحوه. وهذا العقد شائع بين أرباب الحرف والمهارات اليدوية والفكرية من صناع وأطباء ومهندسين وغيرهم ممن يحتاج المجتمع إلى خدماتهم. والشخص المستأجر في مثل هذه العقود يسمى أجيرا. ويمكن تقسيم هذا النوع إلى قسمين: أجير خاص وأجير مشترك. (١) الأجير الخاص: هو الذي يقع العقد عليه في مدة معلومة , يستحق المستأجر نفعه في جميعها , كرجل استؤجر للخدمة أو عمل في بناء أو خياطة أو رعاية يوما أو شهرا , سمي خاصا لاختصاص المستأجر بنفعه في تلك المدة دون سائر الناس. فالأجير الخاص يعمل لشخص واحد مدة معلومة ولا يجوز له العمل لغير مستأجره. (٢) الأجير المشترك: هو الذي يقع العقد معه على عمل معين كخياطة ثوب وبناء حائط وحمل شيء إلى مكان معين أو على عمل في مدة لا يستحق جميع نفعه فيها. . . كالطبيب سمي مشتركا لأنه يتقبل أعمالا لاثنين وثلاثة وأكثر في وقت واحد , ويعمل لهم فيشتركون في منفعته واستحقاقها , فسمي مشتركا لاشتراكهم في منفعته. فالأجير المشترك يعمل لعامة الناس ولا يجوز لمن استأجره أن يمنعه عن العمل لغيره. أقسام الإجارة من حيث تعيين المحل وعدم تعيينه قسم الفقهاء الإجارة إلى قسمين أحدهما إجارة معينة , وثانيهما إجارة موصوفة بالذمة. الإجارة المعينة الإجارة المعينة هي التي يكون محلها معينا بالرؤية والإشارة إليه أو نحو ذلك مما يميزه عن غيره , بحيث يتمكن المستأجر من استيفاء المنفعة منه بذاته سواء كان عينا أو شخصا. ومن أمثلتها الإجارة الواردة على منافع أعيان معينة كإجارة هذه السيارة شهرا وإجارة هذا البيت عاما , وكذلك الإجارة الواردة على عمل شخص معين كاستئجار شخص للخياطة سنة أو استئجار شخص لرعاية الغنم شهرا , إذ يقتضي ذلك تسليم الشخص نفسه للمستأجر ويسمى الأجير الخاص. الإجارة الموصوفة بالذمة الإجارة الموصوفة بالذمة هي التي يكون محلها غير معين بل موصوف بصفات يتفق عليها مع التزامها في الذمة , بحيث لا يقتضي قيام المؤجر بتسليم نفسه أو تسليم عين معينة للمستأجر. ومن أمثلتها الإجارة الواردة على منافع أعيان غير معينة كاستئجار سيارة صفتها كذا شهرا , وكذلك الإجارة الواردة على عمل معلوم في الذمة مضبوط بصفات كاستئجار أجير مشترك وإلزام ذمته خياطة ثوب أو بناء دار أو حمل بضاعة ونحوها. هذا ولا تجوز الإجارة في الذمة بالنسبة للعقارات من دور وأراضي لأنها لا تنضبط بالصفة.

стр. 92

صيغة الإجارة اتفق الفقهاء على صحة انعقاد الإجارة باللفظ الصريح فيها أو بأي لفظ دال عليها , واختلفوا في صحة انعقاد الإجارة بلفظ البيع. كما اتفق الفقهاء على أن الإجارة غير قابلة للتعليق , وأن الأصل في الإجارة أن تكون منجزة , فإذا لم يوجد ما يصرف الصيغة عن التنجيز أو لم ينص على بداية العقد , فإن الإجارة تبدأ من وقت العقد وتكون منجزة. ولم يفرق الجمهور بين إجارة الأعيان والإجارة في الذمة في صحة الإضافة للمستقبل خلافا للشافعية.

стр. 93

جعل الفقهاء الصيغة التي تعبر عن إرادة العاقدين ركنا في الإجارة يتوقف وجود العقد عليه. وقد اتفق الفقهاء على صحة انعقاد الإجارة باللفظ الصريح فيها كلفظ الإجارة والاستئجار , والاكتراء والإكراء ونحو ذلك مما يفيد تمليك المنفعة بشرط النص على قدر الأجرة , فتنعقد بقول المؤجر: أعرتك هذه الدار مثلا شهرا بكذا من المال , لأن العارية بعوض إجارة. وتنعقد أيضا بقول: وهبتك منافع هذه الدار لمدة شهر بكذا , أو ملكتك منافعها سنة بكذا. . . واختلف الفقهاء في صحة انعقاد الإجارة بلفظ البيع كقوله بعني عملك شهرا أو بعتك هذه الدار سنة بكذا. فقد قال بصحة ذلك المالكية , وهو قول عند الشافعية , وقول عند الحنابلة , والقول الأظهر عند الحنفية بشرط التوقيت. واستدلوا بأن الإجارة نوع من البيع فتنعقد بلفظه كالصرف ولأن المنافع شبيهة بالأعيان فإنه يصح العوض فيها وتضمن بالتعدي. ولأن العبرة في العقود بما دل على مقصود المتعاقدين ورضاهما , فجاز انعقادها بكل لفظ دل على ذلك القصد والرضا. وأجاز جمهور الفقهاء الإجارة بالمعاطاة. فذهب المالكية والحنابلة وبعض فقهاء الشافعية وبعض فقهاء الحنفية إلى جواز الإجارة بالأفعال بدون تلفظ من الجانبين أو من أحدهما , وذلك في إجارة الأشياء الخسيسة أو النفيسة ما دام الرضا قد تحقق وفهم القصد لأن الشرع لم يطلب غير الرضا في صحة العقود , وليس فيه دليل على اشتراط اللفظ في التعبير عن هذا الرضا. ومنع صحة انعقاد الإجارة بالمعاطاة جمهور الشافعية في القول المعتمد عندهم وبعض الحنفية في المدة الطويلة لأن الرضا أمر خفي لا يطلع عليه فأنيط الحكم بسبب ظاهر وهو الإيجاب والقبول , والمعاطاة لا تدل بوضعها على الرضا. واتفق الفقهاء على أن الإجارة غير قابلة للتعليق كالبيع وصرح قاضي زاده من الحنفية بذلك وقال: الإجارة لا تقبل التعليق. والأصل في الإجارة أن تكون منجزة فإذا لم يوجد ما يصرف الصيغة عن التنجيز أو لم ينص على بداية العقد , فإن الإجارة تبدأ من وقت العقد وتكون منجزة. وذهب الشافعية إلى صحة إضافة صيغة الإجارة إلى المستقبل وذلك فيما يثبت في الذمة فقط ولم يجيزوا إلا بعض صور مستثناة في إضافة إجارة الأعيان والتي تكون المدة بين العقد وبين المدة المضاف إليها زمنا يسيرا. والسبب في اشتراط اتصال المدة بالعقد هو أن الإجارة بيع المنفعة , وطريق جوازها عندهم , أن تجعل منافع المدة موجودة تقديرا عقيب العقد , لأنه لا بد من كون محل العقد موجودا , فجعلت المنافع كأنها أعيان قائمة بنفسها , وإضافة البيع إلى عين ستوجد لا تصح , كما في بيع الأعيان. أما الجمهور فلم يفرقوا بين إجارة الأعيان والإجارة في الذمة في صحة الإضافة للمستقبل , كأن يقول رجل لآخر: أجرتك هذه الدار رأس الشهر الفلاني , أو أجرتكها سنة من غير شهر رمضان , وكان العقد قبل ذلك في رجب مثلا , فيجوز لأن عقد الإيجار ينعقد شيئا فشيئا على حسب حدوث المعقود عليه شيئا فشيئا , فكان العقد مضافا إلى حين وجود المنفعة , من طريق الدلالة الضمنية , وقد أجيزت الإضافة للمستقبل في الإجارة دون البيع للضرورة. وترتب على مذهب الحنفية: أن المؤجر لو باع الدار المؤجرة لا يصح في حق المستأجر , وإن لم يجيء الوقت الذي أضيف إليه عقد الإجارة.

стр. 94

جاء في الشرح الصغير (٤ / ٧ - ٩) أركان الإجارة أربعة: عاقد من مؤجر ومستأجر , كالبيع فشرط صحتهما العقل والبلوغ , وصيغة كالبيع , فتنعقد بما يدل على الرضا وان بمعاطاة , وأجر كالبيع , من كونه طاهرا , أو منتفعا به , مقدورا على تسليمه , معلوما ذاتا أو أجلا , وحلولا , ومنفعة: وهي المعقود عليها , بشرط كونها متقومة , معلومة , مقدورا على تسليمها , غير حرام , ولا متضمنة استيفاء عين (أي ذات) قصدا , احترازا من استئجار شاة مثلا لشرب لبنها أو شجرة لأكل ثمرها , فإن المقصود إنما هو شرب اللبن وأكل الثمر , واستثنوا الرضاع. وجاء في القوانين الفقهية (ص ٢٧٤) أركان الإجارة أربعة: المستأجر , والأجير , ويشترط فيهما ما يشترط في المتبايعين , والأجرة , والمنفعة , ويشترط فيها ما يشترط في الثمن والمثمون على الجملة. وقال شيخ الإسلام أبو زكريا الأنصاري في تحفة الطلاب مع حاشية الشرقاوي (٢ / ٨٤) وفي مغني المحتاج (٢ / ٣٣٢) وما بعدها أركان الإجارة أربعة: عاقد (أي مكر ومكتر , ويشترط فيهما ما يشترط في البائع والمشتري من الرشد وعدم الإكراه بغير حق) وصيغة (وهي آجرتك هذا أو أكريتك أو ملكتك منافعه سنة بكذا , فيقول: قبلت , أو استأجرت , أو اكتريت , والأصح انعقادها بقوله: آجرتك منفعتها , ومنعها بقوله: بعتك منفعتها , والأصح ألا تنعقد بالمعاطاة , ويشترط فيها ما يشترط في صيغة البيع إلا عدم التأقيت , وهي إما صريحة كما ذكر , أو كناية كجعلت لك منفعة سنة بكذا , أو اسكن داري شهرا بكذا , ومنها الكتابة , لا بعتك منافعه سنة بكذا , فليس صريحا كما ذكر , أو كناية على المعتمد , وتنعقد بإشارة أخرى أفهمت) وأجرة (وشرط فيها كونها معلومة جنسا وقدرا وصفة , إلا أن تكون معينة فتكفي رؤيتها) ومنفعة (وشرط فيها أن يكون لها قيمة , وأن تكون معلومة عينا وقدرا وصفة , مقدورة التسليم حسا وشرعا , واقعة للمكتري) . وجاء في المعتمد في الفقه الحنبلي (١ / ٥١٣) وأركان الإجارة ثلاثة: العاقدان , والعوضان , والصيغة. وفي غاية المنتهى (٢ / ١٩٠) وتنعقد بلفظ أجارة وكراء وبما بمعناهما وبلفظ بيع إن لم يضف لعين , كبعتك نفعها عاما , ويتجه: وبمعاطاة. وقال في المغني (٥ / ٣٩٨) تنعقد الإجارة بلفظ الإجارة والكراء , لأنهما موضوعان لها. وذكر وجهين في انعقادها بلفظ البيع. وفي التقنين الحنبلي (م٥١١) (تنعقد الإجارة بلفظها وبكل ما يدل على معناها) أي أنها تنعقد بلفظ الإجارة والكراء , لأنهما موضوعان لها , وكذلك كل ما يؤدي معناهما , لحصول المقصود به , كملكتك نفع هذه الدار مدة كذا , وبلفظ البيع إذا أضيف إلى النفع ووقت كبعتك نفع هذه العين , أو سكنى هذه الدار مدة كذا , ونحو ذلك.

стр. 95

العاقدان في الإجارة يشترط في عاقدي الإجارة ما يشترط في عاقدي البيع من أهلية التعاقد وذلك بالتمييز والعقل , فلا يصح عقد الإجارة من مجنون ولا صبي غير مميز باتفاق الفقهاء لانعدام أهلية الأداء عنهما. أما عقد إيجار الصبي المميز فهو صحيح موقوف عند الحنفية والمالكية باطل عند الشافعية والحنابلة. ويشترط لنفاذ الإجارة في رأي جماعة من الفقهاء: الملك أو الولاية , وتلحق الإجازة الإجارة الموقوفة إذا كان المعقود عليه مازال قائما , فإن استوفى المستأجر المنفعة قبل الإجازة بأن سكن الدار أو ركب السيارة مثلا , لم تصح الإجازة , وكانت الأجرة للعاقد: الفضولي أو الغاصب.

стр. 96

يشترط في العاقد عند الحنفية: العقل أي أن يكون العاقد عاقلا , أي مميزا , فلا تنعقد الإجارة من المجنون والصبي غير العاقل , كما لا ينعقد البيع منهما , ولا يشترط عندهم البلوغ للانعقاد , ولا للنفاذ , فلو أجر الصبي المميز ماله أو نفسه , فإن كان مأذونا في ذلك وغيره , ينفذ عقده , وإن كان محجورا عن التصرفات , يقف على إجازة وليه. وأما كون العاقد طائعا جادا عامدا , فليس بشرط عند الحنفية لانعقاد هذا العقد , ولا لنفاذه , لكنه من شرائط الصحة , كما في بيع العين. وكذلك إسلامه ليس بشرط أصلا , فتجوز الإجارة والاستئجار من المسلم والذمي والحربي المستأمن. وذهب المالكية إلى أن التمييز شرط في انعقاد الإيجار والبيع وأن البلوغ شرط للنفاذ (وقد يعبرون عنه بأنه شرط لزوم) فالصبي إذا أجر نفسه أو سلعته صح عقده , وتوقف العقد على رضا وليه. كما اشترط الحنفية والمالكية خلافا لغيرهم لنفاذ عقد الإجارة توافر الملك أو الولاية فلا تنفذ إجارة الفضولي لعدم الملك والولاية وإنما العقد ينعقد موقوفا على إجازة المالك , كما في عقد البيع. والإجازة تلحق الإجارة الموقوفة بشروط , منها قيام المعقود عليه , فإذا آجر الفضولي شيئا لغيره , وأجاز المالك العقد , ينظر: - إن أجاز العقد قبل استيفاء المنفعة , جازت إجازته , وكانت الأجرة للمالك , لأن المعقود عليه قائم. - وإن أجاز العقد بعد استيفاء المنفعة بأن سكن المستأجر الدار المدة المعقود عليها , لم تجز إجازته , وكانت الأجرة للعاقد , لأن المنافع المعقود عليها تلاشت في الماضي , فتكون عند الإجازة معدومة , فلا يبقى العقد بعدئذ , لفوات محله فلا تصح الإجازة , ويصير العاقد الفضولي حينئذ غاصبا بالتسليم. وقال الحنفية في هذا الشأن: إن الغاصب إذا آجر ما غصبه , وسلم ذلك , ثم قال المالك , (أجزت ما آجرت) فإن كانت مدة الإجارة قد انقضت , فللغاصب الأجر , لأن المعقود عليه قد انعدم , والإجازة لا تلحق المعدوم كما تقدم. وإن كانت الإجازة بعد مضي بعض المدة , فالأجر كله للمالك في رأي أبي يوسف لأنه إذا بقي بعض المدة , لم يبطل العقد , فكان محلا للإجازة , فهو قد نظر إلى المدة. وذهب محمد بن الحسن إلى أن أجر ما مضى للغاصب , وأجر ما بقي للمالك , لأن كل جزء من أجزاء المنفعة معقود عليه , مستقل عن غيره , فإذا مضى بعض مدة الإجارة , كان الماضي منعدما حين الإجارة , فلا يصح إلحاق الإجازة به , لانعدامه , فهو قد نظر إلى المعقود عليه. ويجري هذا الخلاف بين أبي يوسف ومحمد فيمن غصب أرضا , فأجرها للزراعة , فأجاز صاحب الأرض عقد الإجارة. وفصل محمد فيما إذا أعطاها الغاصب مزارعة: إن كان الزرع قد سنبل , ولم ييبس , فأجاز صاحب الأرض , جازت المزارعة , ولا شيء للغاصب من الزرع , لأن المزارعة بمنزلة شيء واحد , لا ينفصل بعض عملها عن بعض , فكانت إجازة العقد قبل الاستيفاء بمنزلة ابتداء العقد. وأما إذا كان الزرع يبس , فقد انقضى عمل المزارعة , فلا تلحق الإجازة العقد , ويكون الزرع حينئذ للغاصب. والراجح رأي أبي يوسف حين خلافه مع محمد كما هو مقرر في قواعد الحنفية. واتجه الشافعية والحنابلة إلى أنه يشترط التكليف (البلوغ والعقل) لانعقاد الإيجار لأنه عقد تمليك في الحياة , فأشبه البيع. أما الصبي المميز فلا تصح إجارته لأنه فاقد لأهلية تعاطي الأسباب القولية ولا تنعقد منه ولأن العقل لا يمكن معرفة الحد الذي يصلح به التعرف لخفائه فجعل الشارع له ضابطا وهو البلوغ , فلا يصح تصرفه قبل البلوغ.

стр. 97

المعقود عليه في الإجارة تخصيص المعقود عليه في الإجارة بالمنفعة هو رأي جماهير العلماء , وأجاز ابن القيم إجارة الشيء لعينه , لا لمنفعته , كثمر الشجر , ولبن الحيوان , وماء البئر.

стр. 98

اختلف الفقهاء في محل عقد الإجارة على ثلاثة أقوال: مورد عقد الإجارة هو المنافع ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والحنابلة والمالكية وأكثر الشافعية إلى أن مورد عقد الإجارة هو المنافع لأنها هي التي يجوز التصرف فيها ولأن الأجر يدفع في مقابلة المنافع , ولهذا تضمن المنفعة دون العين وما كان العوض في مقابلته فهو المعقود عليه. مورد عقد الإجارة هو العين ذهب بعض الشافعية ومنهم أبو إسحاق المروزي إلى أن مورد عقد الإجارة هو العين , لأن المنافع معدومة , ومورد عقد الإجارة يجب أن يكون موجودا , والعقد أيضا يضاف إلى العين لأنها التي تستوفى منها المنافع فوجب أن تكون العين مورد العقد. ولا يوجد في الحقيقة خلاف بين القولين السابقين لأن: - من قال أن مورد عقد الإجارة هي المنفعة , لا يعني به أن تحدث منفعة بدون عين , ولكن مراده هو المنفعة المستفادة من العين. لذلك فهو لا يقطع النظر عن العين بل يجب أن تسلم وتمسك مدة العقد لينتفع بها. - ومن قال أن مورد عقد الإجارة هي العين , لا يعني به أن العين تملك بالإجارة كما تملك بالبيع , وليس مراده ومقصوده من الإجارة هو تمليك العين. لذلك فهو لا يقطع النظر عن المنفعة المطلوب استيفاءها. فالنتيجة الواحدة لهذين القولين أن محل عقد الإجارة في إجارة الأشياء هي المنافع دون الأعيان , وقد اتفق الفقهاء على اشتراط أن لا يتضمن استيفاء المنفعة استهلاك العين مثل استئجار الشمع للاستضاءة به , والصابون للغسل به , فلا تصح الإجارة على ذلك لأن الإجارة عقد على المنافع وهذه لا ينتفع بها إلا بإتلاف عينها. وهذا هو الأصل , وهو امر مقرر عند جمهور الفقهاء. فلا يجوز عند أكثر الفقهاء إجارة الشجر والكرم للثمر ذاته , لأن الثمر عين , والإجارة بيع المنفعة , لا بيع العين. ولا تجوز أجارة الشاة للبنها أو سمنها أو صوفها , أو ولدها , لأن هذه أعيان , فلا تستحق بعقد الإجارة. ولا تجوز إجارة ماء في نهر أو بئر أو قناة أو عين , لأن الماء عين. ولا يجوز استئجار الآجام التي فيها الماء للسمك وغيره , من القصب والصيد , لأن كل ذلك عين. وعليه , لا تجوز إجارة البرك أو البحيرات للاصطياد فيها , أي ليصاد منها السمك. ولا تجوز إجارة المراعي في البادية أو الحقل مثلا لأن الكلأ عين , فلا تحتمل الإجارة. ولا يجوز عند الجمهور استئجار الفحل للضراب , لأن المقصود منه النسل , بإنزال الماء , وهو عين وقد ثبت أنه ﷺ نهى عن عسب الفحل أي كرائه , وقد حذفت كلمة الكراء من باب المجاز المرسل مثل ﴿واسأل القرية﴾ (سورة يوسف ٨٢) أي أهلها , لأن الجدران والمباني لا تسأل. ولا يجوز استئجار الدراهم والدنانير والمكيلات والموزونات , لأنه لا يمكن الانتفاع بها إلا بعد استهلاك أعيانها , والمعقود عليه في الإجارة: هو المنفعة , لا العين. لهذا كله قرروا أن (كل ما ينتفع به مع بقاء عينه تجوز إجارته , وما لا فلا) . واستثنوا إجارة الظئر (المرضع) للضرورة وأجاز المالكية كراء الفحل للنزو على الإناث وأباح أكثر العلماء أجرة الحجام للحاجة. وقالوا إذا حدث ما يرد على العين وهو مشابه للمنفعة مع بقاء أصله فيمكن القول بجوازه استثناء من القاعدة العامة , ورخصة للضرورة أو الحاجة. وذلك مثل لبن الظئر وماء البئر وغيرهما فتدخل على طريق التبع قياسا على الصبغ في الثوب , فإن الاستئجار على صبغ الثوب أما عين الصبغ فتدخل تبعا. مورد عقد الإجارة العين التي تحدث شيئا فشيئا مع بقاء أصلها خالف ابن تيمية وتلميذه ابن القيم من قبلهم , وقالوا بجواز عقد الإجارة على العين التي تحدث شيئا فشيئا مع بقاء أصلها كالمنفعة. فتصح الإجارة على لبن الظئر وماء البئر لأن الماء واللبن لما كان حدوثهما شيئا بعد شيء مع بقاء الأصل كانا كالمنفعة. فقد قاسا الأعيان التي تتجدد مع بقاء الأصل على المنفعة لاشتراكهما في علة الحدوث والتجدد مع بقاء الأصل. وقال ابن تيمية إن الأعيان المتجددة أحق بالجواز من المنفعة لأن الأجسام أكمل من صفاتها. وقال ابن القيم إن الأصل الذي سار عليه الفقهاء (وهو أن المستحق بعقد الإجارة إنما هو المنافع لا الأعيان) أصل فاسد , فهو لم يدل عليه كتاب , ولا سنة , ولا إجماع , ولا قياس صحيح , بل الذي دلت عليه الأصول: أن الأعيان التي تحدث شيئا فشيئا مع بقاء أصلها , حكمها حكم المنافع , كالثمر في الشجر , واللبن في الحيوان , والماء في البئر , ولذلك سوى بين العين والمنفعة في الوقف فجاز وقف المنفعة كالسكنى , وجاز وقف العين كوقف الماشية للانتفاع بلبنها. وكذلك سوي بينهما في التبرعات , كالعارية لمن ينتفع بالمتاع , ثم يرده , والمنيحة (الهبة) لمن يشرب لبن الشاة ثم يردها , والقرض لمن ينتفع بالدراهم ثم يرد بدلها , فكذلك في الإجارة تارة تكون على منفعة , وتارة تكون على عين تحدث شيئا فشيئا مع بقاء الأصل , كلبن الظئر ونفع البئر , فإن هذه الأعيان لما كانت تحدث شيئا فشئيا مع بقاء الأصل كانت كالمنفعة. والجامع بينهما هو حدوث المقصود بالعقد شيئا فشيئا , سواء أكان الحادث عينا أم منفعة. والأخذ برأي ابن القيم ﵀ أوجد سعة وفرجا وتيسيرا في عمل الناس اليوم فعلا وقانونا في إجارة الأعيان , كالمراعي والبحيرات والأنعام المحلوبة.

стр. 99

أن تكون المنفعة معلومة يشترط في المنفعة أن تكون معلومة علما يمنع المنازعة سواء أكان العلم بها نتيجة للعرف أم لذكرها مع وصفها , أو مع الإشارة إليها. واتفق الفقهاء على أن المنفعة في الإجارة يحصل العلم بها بواحد من أمرين: المدة أو العمل. ولكنهم اختلفوا في حكم الجمع بين بيان المدة والعمل معا في الإجارة على العمل.

стр. 100

يشترط في المنفعة أن تكون معلومة علما يمنع المنازعة ويرفع الخلاف , فإن كانت مجهولة جهالة مفضية إلى المنازعة لا يصح العقد لأن هذه الجهالة تمنع من التسليم والتسلم , فلا يحصل المقصود من العقد. والعلم بالمعقود عليه وهو المنفعة يكون إما بالعرف أو بالوصف , كما اتفق الفقهاء على أن تمام معرفة المنفعة تكون إما ببيان المدة أو بيان العمل ولكنهم اختلفوا في حكم الجمع بين بيان المدة والعمل معا. معرفة المنفعة بالعرف العلم بالمعقود عليه وهو المنفعة يكون بالعرف في مثل إجارة الدور والحوانيت , فإن استعمال الدور معروف عرفا , وكذلك استعمال حوانيت كل ناحية من نواحي البلد , فتنعقد إجارتها على منفعته المتعارفة , لأن المعروف بالعرف كالمشروط , وعلى ذلك يتقيد بها المستأجر فلا يخرج عنها. ومثل ذلك إجارة بعض الأراضي لزراعتها , فإن العرف إذا قضى بزراعتها بأصناف معينة وجب على المستأجر ألا يتجاوزها إلى ما يضر بالأرض. ولكن إذا استأجرها على أن يزرع فيها ما يشاء لم يتقيد بالعرف , لأن النص أقوى دلالة منه. معرفة المنفعة بالوصف وتعرف المنفعة أيضا بالوصف كالاستئجار على صبغ هذا الثوب بلون كذا , أو على خياطته بشكل كذا , أو على دهان المنزل أو على نقل هذا المتاع من جهة كذا إلى جهة كذا , وكذلك مثل استئجار الأرض ليزرع فيها نوع معين من النبات أو ليبني فيها منزلا أو ليغرس فيها أشجار معينة , واستئجار الدابة لركوبها من جهة كذا إلى جهة كذا وغير ذلك من الأمثلة. معرفة المنفعة ببيان العمل تعرف المنفعة بتحديد العمل , كاستئجار العامل على بناء حائط أو بناء منزل , أو استئجاره على خياطة هذا الثوب المعين أو حمل البضاعة من مكان إلى مكان آخر محدد , ويصير المعقود عليه هنا معلوما بدون الحاجة لتقدير مدة معينة للبناء أو للخياطة أو للحمل. وبيان العمل مطلوب في الاستئجار على الأعمال , لأن جهالة العمل تفضي إلى المنازعة , فيفسد العقد. فلو استأجر عاملا , ولم يسم له العمل من الخياطة والرعي وعزق الأرض ونحوه , لم يجز العقد. وفرق الحنفية بين الأجير الخاص والمشترك فإذا كان الأجير مشتركا , لزم بيان المعمول فيه , إما بالإشارة والتعيين , أو ببيان الجنس والنوع والقدر والصفة. فلو استأجر رجل حفارا لحفر بئر , فلا بد من بيان مكان الحفر وعمق البئر ونوعها وعرضها , لأن عمل الحفر يختلف باختلاف هذه الأوضاع أما في الأجير الخاص فلا يشترط في العقد معه بيان جنس المعمول فيها ونوعه ومقداره وصفته , وإنما يشترط بيان المدة فقط , وكذلك يشترط بيان المدة في استئجار الظئر. ولا يشترط الفقهاء في إجارة المنافع تعيين العمل فذهب الحنفية إلى أنه لو استأجر رجل دارا وحانوتا , ولم يسم ما يعمل فيه جازت الإجارة , وله أن يسكن فيه بنفسه مع غيره , وله أن يسكن فيه مع غيره بالإجارة والإعارة , وله أن يضع فيه متاعا وغيره , غير أنه لا يستعمل البناء بما يضره ويوهنه , ولا يجعل فيه حدادا ولا قصارا , ولا طحانا , لأن العقد المطلق عن الشرط مقيد بالعرف والعادة. معرفة المنفعة ببيان المدة تعرف المنفعة بتحديد المدة , كاستئجار دار للسكنى مدة سنة , أو استئجار العامل على البناء أو رعي الغنم أو الخياطة أو تدريس الحساب والهندسة مدة محددة من الزمن , وفي هذه الحالة يستحق العامل الأجرة بمضي المدة عمل أو لم يعمل , ما دام أنه مستعد للعمل. وبيان المدة مطلوب في إجارة الدور والمنازل والبيوت والحوانيت (المحلات التجارية) وفي استئجار الظئر (المرضع) لأن المعقود عليه لا يصير معلوم القدر بدونه , فترك بيانه يفضي إلى المنازعة. وهو شرط متفق عليه , فالحنفية يشترطون تعيين المدة في إجارة المنافع كإجارة المنازل ونحوها , كما اشترط ذلك الحنابلة في كل ما ليس له عمل كالدور والأراضي. وتصح الإجارة على أي مدة طالت أو قصرت لأن المدة إذا كانت معلومة كان قدر المنفعة فيها معلوما وهو قول جمهور الفقهاء من الحنفية والحنابلة والمالكية , ومنهم الشافعية على الصحيح , فإنهم قالوا: يصح عقد الإجارة مدة تبقى فيها العين غالبا بحسب رأي أهل الخبرة , ولا يقدر للإجارة أقصى مدة , لأنه دليل من الشرع على ذلك. والضابط في تحديد المدة عند المالكية هو ألا يتغير الشيء غالبا في مدة الإجارة. واختلف الفقهاء في صحة العقد في حالة الاتفاق على مدة الإجارة ولكن دون تعيين وقت ابتداء المدة فذهب جمهور الفقهاء وبعض الشافعية إلى صحة العقد عند الاطلاق , ويكون ابتداؤه من حين العقد , واستدلوا على ذلك بقوله تعالى في قصة موسى ﵇ ﴿على أن تأجرني ثماني حجج﴾ ففي هذه الآية لم يذكر ابتداء المدة فدل ذلك على صحة العقد عند الاطلاق من تقييد ابتداء المدة. وذهب البعض الآخر من الشافعية إلى عدم صحة العقد حتى يسمى الشهر أو السنة لأن جهالة الوقت تستلزم جهالة المعقود عليه فلا يصح ذلك. وبحث الفقهاء مسألة الإجارة مشاهرة أو مياومة أو مسانهة فارتأى الشافعية في الصحيح أنه لا تجوز الإجارة مشاهرة , فإن أجر رجل داره كل شهر بدينار مثلا , أو كل يوم أو كل جمعة أو كل سنة بكذا , فالإجارة باطلة لأن كل شهر ونحوه يحتاج إلى عقد جديد لإفراده بأجرة معينة , ولم يوجد عقد , وذلك يقتضي البطلان , هذا بالإضافة إلى جهالة مدة الإجارة فصار كما لو قال: آجرتك مدة أو شهرا. وذهب الجمهور إلى أنه تصح الإجارة في الشهر الأول ونحو وتلزم , وأما ما عداه من الشهور فلا يلزم إلا بالدخول فيه أو التلبس فيه , لأن شروعه مع ما تقدم في العقد من الاتفاق على تقدير أجره , والرضا ببذله , جرى مجرى ابتداء العقد عليه , وصار كبيع المعاطاة إذا جرى من المساومة ما دل على التراضي بها. معرفة المنفعة بتعيين المدة والعمل معا اختلف الفقهاء في بيان المنفعة بالجمع بين تحديد العمل والمدة معا , كاستئجار العامل على بناء منزل في مدة معينة. فذهب جمهور الفقهاء إلى أنه لا يجوز في الإجارة على العمل تحديد المنفعة بالمدة والعمل معا لما فيه من الغرر ذلك أن: - الجمع يجعل المعقود عليه مجهولا , وجهالة المعقود عليه توجب فساد العقد. فقد يفرغ المستأجر من العمل قبل أن تنتهي المدة المحددة , وقد تنتهي المدة المحددة قبل أن يفرغ من العمل فتكون المنفعة مجهولة. لذلك أجاز المالكية الجمع فقط إذا كان الزمن أوسع من العمل أو مساويا له عادة. - الجمع يجعل حكم العقد مضطرب , فالعقد على المدة يقتضي وجوب الأجر من غير عمل لأن الأجير يصبح أجيرا خاصا أما العقد على العمل فهو يقتضي وجوب الأجر بالعمل لأن الأجير يصبح أجيرا مشتركا. بينما أجاز الجمع بعض الفقهاء من الحنابلة وكذلك محمد وأبو يوسف من الحنفية , وقالوا بأن ذلك ليس فيه غرر ولا مخاطرة , لأن المقصود هو عمل معلوم وهو المعقود عليه , أما ذكر المدة فيقصد به الاستعجال فقط ولا يمنع ذكرها جواز العقد. فإذا فرغ الأجير من العمل قبل تمام المدة , فقد وفى التزامه ولا يلزمه زيادة عمل في المدة الباقية بل يستحق أجره كاملا , أما إن لم ينته من العمل في المدة المحددة فعليه أن يكمله بعد ذلك للوفاء بما التزمه ويكون المستأجر بالخيار بين إمضاء العقد أو الفسخ. هذا وقد منع الحنابلة الجمع بين العمل والمدة في إجارة منافع الأعيان فقد جاء في التقنين الحنبلي (م٥١٨) : (العين إما تكون معينة أو موصوفة , وتقدر المنفعة فيها بالمدة أو العمل) . وعليه إن لم يكن المأجور له عمل كالدار والأرض , لم تجز إجارته إلا على مدة , ومتى تقدرت المدة لم يجز تقدير العمل , لأن الجمع بينهما يزيد الإيجار غررا لأنه قد يفرغ من العمل قبل انقضاء المدة فإن استعمل المأجور في بقية المدة , فقد زاد على ما وقع عليه العقد , وان لم يعمل , كان تاركا للعمل في بعض المدة. وقد لا يفرغ الأجير من العمل في المدة , فإن أتمه بعدها عمل في غير المدة , وإن لم يعمله , لم يأت بما وقع عليه العقد , وهذا غرر أمكن التحرز عنه.

стр. 101

أن تكون المنفعة مقدورة الاستيفاء اتفق الفقهاء على أن المنافع في عقد الإجارة يجب أن تكون مقدورة التسليم , فما لا يقدر المؤجر على تسليمه من المنافع حسا أو شرعا لا يجوز العقد عليه.

стр. 102

اتفق الفقهاء على أن المنافع في عقد الإجارة يجب أن تكون مقدورة الاستيفاء , فما لا يقدر المؤجر على تسليمه من المنافع حسا أو شرعا لا يجوز العقد عليه. فلا تجوز إجارة متعذر التسليم حسا: كإجارة البعير الشارد والسيارة المفقودة , والأخرس للكلام , أو شرعا: كإجارة الحائض لكنس المسجد , والطبيب لقلع سن صحيحة , والساحر على تعليم السحر. وهذا متفق عليه بين الفقهاء. كيفية التسليم في الإجارة على منافع الأعيان والقدرة على التسليم في الإجارة على منافع الأعيان تشمل ملك الأصل وملك المنفعة , فإن غير المالك لا يستطيع تمليك غيره حسا , وما لا يجيزه الشرع لا يكون مقدور التسليم شرعا وإن كان ممكنا حسا. كيفية التسليم في الإجارة على منافع الإنسان أما في الإجارة على منافع الإنسان , فإن القدرة على التسليم تتمثل في إمكانية أداء العمل من العامل حسا وشرعا , ويكون العقد باطلا إذا كان أداء العمل غير ممكن شرعا كالتعهد بقتل نفس دون حق ونحوه , كما يبطل إذا كان أداء العمل مستحيلا فعلا مثل تعهد العامل بتدريس الطب أو إصلاح سيارة وهو يجهله أو التعهد بنقل جبل. ولكن إذا ظهر من إرادة العاقدين في العقد أنهما اتفقا على أداء الأجير العمل بنفسه أو بواسطة غيره فإن العقد يصح لأن المتعهد وإن كان لا يقدر على الأداء إلا أن هناك أناسا يمكنهم ذلك. ويترتب على اشتراط القدرة على استيفاء المنفعة: أنه لا يصح عند الحنفية على الراجح , والشافعية والحنابلة استئجار الفحل للإنزاء , واستئجار الكلب المعلم والبازي المعلم للاصطياد , لأن المنفعة معجوزة التسليم في حق المستأجر لأنه لا يمكن إجبار الفحل على الضراب والإنزال , ولا إجبار الكلب والبازي على الصيد ولأن الرسول ﷺ نهى عن عسب الفحل أي أجرة ضرابه. وأجاز الإمام مالك هذا العقد إذا كانت الإجارة على مدة معلومة , تشبيها للمذكور بسائر المنافع. إجارة المشاع لا تجوز إجارة المشاع من غير الشريك عند أبي حنيفة وزفر والحنابلة , كأن يؤجر نصيبا من داره , أو نصيبه من دار مشتركة من غير الشريك , سواء أكان النصيب معلوما كالربع ونحوه أم مجهولا , لأن منفعة المشاع غير مقدورة الاستيفاء , إذ استيفاءها يكون بتسليم المشاع , والمشاع غير مقدور التسليم بنفسه , لأنه سهم شائع ضمن كل , وإنما يتصور تسليمه مع غيره , وهو غير معقود عليه , فلا يتصور تسليمه شرعا. وذهب الجمهور إلى جواز إجارة المشاع لأن الإجارة أحد نوعي البيع , فتجوز إجارة المشاع كما يجوز بيعه , والمشاع مقدور الانتفاع بالتخلية والمهايأة ولهذا جاز بيعه. وأما إذا كانت الإجارة للمشاع من الشريك بمعنى إجارة أحد الشريكين منفعة حصته , فهذه الإجارة للشريك جائزة باتفاق الفقهاء لأن المعقود عليه مقدور الاستيفاء بدون المهايأة , لأن منفعة كل الدار تحدث مثلا على ملك المستأجر لكن بسببين مختلفين: بعضها بسبب الملك , وبعضها بسبب الإجارة.

стр. 103

أن تكون المنفعة مباحة يشترط الفقهاء في المنفعة أن تكون مباحة شرعا فلا يجوز الاستئجار على المعاصي لأن المعصية لا تستحق بالعقد.

стр. 104

يشترط الفقهاء في المنفعة أن تكون مباحة شرعا: كاستئجار كتاب للنظر والقراءة فيه والنقل منه , واستئجار دار للسكنى فيها , وشبكة للصيد ونحوها. وهذا شرط متفق عليه. وشرط المنفعة هنا هو الإباحة المطلقة أي في غير حالة الضرورة أو الحاجة , فإذا لم تكن مباحة إلا في حالة الضرورة كاستئجار أواني الذهب واستئجار الكلب , كان العقد عليها باطلا. فالقاعدة الفقهية هي أنه ما لا يباح نفعه لا يصح تأجيره ولا استئجاره ولا دفع الأجرة في مقابله. ويتفرع على هذا الشرط أنه لا يجوز الاستئجار على المعاصي كاستئجار الإنسان للعب واللهو المحرم , وتعليم السحر , والشعر الحرام , وانتساخ كتب البدع المحرمة الضالة , وكاستئجار المغنية والنائحة للغناء والنوح , لأنه استئجار على معصية والمعصية لا تستحق بالعقد. أما الاستئجار لكتابة الغناء والنوح فهو جائز عند الحنفية فقط , لأن الممنوع عنه نفس الغناء والنوح , لا كتابته. وكذلك لا يجوز لذمي استئجار دار من مسلم في بلد إسلامية ليتخذها مصلى للناس , أو كنيسة , أو لبيع الخمر , أو القمار , لأنه استئجار على المعصية. وهذا رأي جمهور العلماء. وكان أبو حنيفة يجيز الاستئجار للمصلى في سواد العراق لأن أكثر أهل السواد في زمانه كانوا أهل ذمة من المجوس فكان لا يؤدي ذلك إلى الإهانة والاستخفاف بالمسلمين. وكذلك لا يجوز استئجار رجل لقتل آخر أو سجنه أو ضربه ظلما , أو لأي مظلمة أخرى , لأنه استئجار لفعل المعصية , فلا يكون المعقود عليه مقدور الاستيفاء شرعا.

стр. 105

أن تكون منفعة العمل حاصلة للمستأجر يشترط الفقهاء ألا يكون العمل المستأجر له فرضا ولا واجبا على الأجير قبل الإجارة , ومفاد هذا الشرط أنه لصحة عقد العمل أن تكون منفعة العمل راجعة إلى المستأجر , لأنه هو الذي بذل الأجرة في سبيل الحصول عليها , فإذا لم تكن المنفعة حاصلة للمستأجر بل للمؤجر أو لغيرهما كانت الإجارة باطلة. ولكنهم اختلفوا في جواز الاستئجار على بعض العبادات والقربات , كما اختلفوا في جواز إعطاء الأجرة من ناتج العمل.

стр. 106

اشترط الفقهاء لصحة عقد العمل أن تكون منفعة العمل راجعة إلى المستأجر لأنه هو الذي بذل الأجرة في سبيل الحصول عليها , فإذا لم تكن المنفعة حاصلة للمستأجر بل للمؤجر أو لغيرهما كانت الإجارة باطلة. ولكنهم اختلفوا في جواز الاستئجار على بعض العبادات والقربات , كما اختلفوا في جواز إعطاء الأجرة من ناتج العمل. الاستئجار على العبادات والواجبات يشترط عند الفقهاء بصفة عامة ألا يكون العمل المستأجر له فرضا ولا واجبا على الأجير قبل الإجارة , فلا تصح الإجارة إذا كانت واردة على القيام بفرض أو واجب على الأجير مثل: - الاستئجار على القيام بفرض مثل العبادات التي لا تقبل النيابة كالصلوات المفروضة , وصيام رمضان , فإن الإنسان لا يجوز له أن يستأجر آخر ليصلي عنه , لأن الصلاة لا تقبل النيابة , ولا يعود نفعها على غير المصلي فلم يجز دفع أجرة لمن يقوم بها. ومثل الصلاة والصيام كل عمل واجب على الإنسان لا يستحق عليه أجرة. - الاستئجار على القيام بما هو واجب على الإنسان كمن قضى دينا عليه , فلا يستحق مثل هذا الأجرة على فعله , لأن الأجر عوض الانتفاع ولم يحصل لغيره ههنا انتفاع فأشبه إجارة الأعيان التي لا نفع فيها. وقد اتفق الفقهاء على الاستئجار على تعليم اللغة والأدب والحساب والخط والفقه والحديث والشعر المباح ونحوها , وبناء المساجد والقناطر والرباطات , لأنها ليست بفرض ولا واجب. وقد تقع قربة تارة , وتارة غير قربة. وفيما يلي تفصيل أقوال الفقهاء: يبدو أن سبب الخلاف بين الفقهاء في جواز أخذ الأجرة على فعل العبادة وعدم جواز أخذها هو اختلافهم في وصول النفع إلى المستأجر وعدمه , فمن قال أن النفع يحصل للمستأجر قال بجواز أخذ الأجرة , ومن قال أن النفع لا يحصل إلا للأجير قال بعدم جواز أخذ الأجرة. فذهب الحنفية والحنابلة إلى أنه لا يجوز أخذ الأجرة على القربات والعبادات لأن الأصل أن كل طاعة يختص بها المسلم لا يجوز الاستئجار عليها , ولا يستحق الأجرة على فعلها كالصلاة والصوم والحج والإمامة والأذان والإقامة وتعليم القرآن. فمن شرط صحة هذه الأفعال كونها قربة إلى الله تعالى , فلم يجز أخذ الأجر عليها. وقد روي أن عثمان بن أبي العاص قال: إن آخر ما عهد إلى النبي ﷺ أن أتخذ مؤذنا لا يأخذ على أذانه أجرا رواه أصحاب السنن الأربعة. وعن عبد الرحمن بن شبل الأنصاري قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: اقرءوا القرآن , ولا تغلوا فيه , ولا تجفوا عنه , ولا تأكلوا به , ولا تستكثروا به. رواه أحمد. ومن قواعد الحنفية في هذا: (لا يستحق الأجر من استؤجر على الطاعة) , وكذلك (الاستئجار لما هو مستحق عليه لا يجوز) , فمن استأجر امرأته شهرا لخدمة البيت , لا تجوز هذه الإجارة لأنها مستحقة عليها. ثم أفتى المتأخرون من علماء الحنفية بجواز أخذ المعلم أجرة المثل في زمانه على تعليم القرآن. وظاهر كلام أحمد أنه إن أعطي المعلم شيئا من غير شرط جاز. وذهب الإمامان مالك والشافعي إلى أنه تجوز الإجارة على قراءة القرآن وتعليمه , لأنه استئجار لعمل معلوم ولأن رسول الله ﷺ زوج رجلا بما معه من القرآن , وجعل ذلك يقوم مقام المهر , فجاز جعل القرآن عوضا وقد روي عن رسول الله ﷺ في الحديث الصحيح رواه البخاري وابن ماجه أنه قال: إن أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله. فقد أجاز المالكية أخذ الأجرة على الأذان مع الإمامة , والقيام بالمسجد , لا على الصلاة بانفرادها قياسا على الأفعال غير الواجبة. كما أجازوا للمفتي أخذ الأجر إن لم يكن له رزق. وقالوا: يجوز الإجارة للمندوبات وفروض الكفاية. وكذلك أجازوا مع الشافعية الإجارة على الحج لإقرار الرسول ﷺ حج صحابي عن غيره. أما الإمامة في الفروض فلا يجوز فيها الإجارة عند الشافعية , ولا يجوز ذلك بانفرادها عن الأذان في المشهور عند المالكية. الاستئجار بأجرة من ناتج العمل اختلف الفقهاء في الاستئجار بأجرة من ناتج العمل , فأجازه فريق ومنعه آخرون. فذهب الحنفية والشافعية إلى أنه لا يصح استئجار رجل لطحن قفيزا من حنطة بجزء من دقيقها , أو ليعصر له قفيزا من سمسم بجزء معلوم من دهنه , لأن الأجير ينتفع بعمله من الطحن والعصر , فيكون عاملا لنفسه وقد روي أن رسول الله ﷺ نهى عن قفيز الطاحان في حديث رواه الدارقطني عن أبي سعيد الخدري كما استدل هذا الفريق بأن الاستئجار بأجرة من ناتج العمل فيه نقضا لشرط من شرائط الإجارة: وهو القدرة على تسليم الأجر وقت التعاقد. وتكون القاعدة المقررة عند الحنفية ومن وافقهم هي: (تعيين الأجر مما يعمل فيه الأجير مفسد للعقد) . وأجاز الحنابلة والمالكية ذلك إذا كان الكيل معلوما , وعليه عمل الناس , والحديث الوارد بالنهي عن قفيز الطحان لم تثبت صحته عندهم. ومنه: ما يتعامل به الزراع في الريف من إعطاء بعض القمح لدارسه أو حامله , صرح الحنابلة بجوازه.

стр. 107

الأجرة مالا معلوما متقوما اتفق الفقهاء على أن يجب في الأجرة أن تكون مالا معلوما متقوما. فلا يصح كونها مجهولة كما في هذا الوعاء أو ما في هذه اليد , ولا كونها غير متقومة كالخمر والخنزير. ومما يتفرع على شرط العلم بالأجرة: أنه لو استأجر إنسان شخصا بأجر معلوم وبطعامه , أو استأجر دابة بأجر معلوم وبعلفها , لم تجز الإجارة , لأن الطعام أو العلف يصير أجرة , وهو قدر مجهول , فكانت الأجرة مجهولة.

стр. 108

اتفق الفقهاء على أن يجب في الأجرة أن تكون مالا معلوما متقوما. فلا يصح كونها مجهولة كما في هذا الوعاء أو ما في هذه اليد , ولا كونها غير متقومة كالخمر والخنزير , لأنه لا يباح للمسلم الانتفاع شرعا بغير المتقوم. فالأجرة هي عوض في عقد معاوضة , فوجب أن تكون معلومة كالثمن في البيع لأن جهالتها مدعاة للخصام والنزاع , وقد جاءت الشريعة لإزالة أسباب النزاع. والقاعدة الفقهية هي أن كل ما يصلح ثمنا في البيع يصلح أن يكون أجرة في الإجارة. والأصل في اشتراط العلم بالأجرة: قول النبي ﷺ : من استأجر أجيرا , فليعلمه أجره وكما تكون الأجرة نقدا تكون أيضا عينا. والعلم بالأجر , قد يكون برؤيته إن كان حاضرا , أما إذا كان غائبا فيلزم معرفة جنسه وقدره وصفته أو معرفة جنسه وعدده إذا كان نقدا , وكذلك معرفة الأجل إذا كان مؤجلا. ولابد من معرفة مكان إيفاء الأجرة فيما يحتاج لحمل ومؤونة عند أبي حنيفة. وأما عند الصاحبين: فلا يشترط ذلك , ويتعين مكان العقد للإيفاء. الأجرة بعضها معلوم وبعضها مجهول ومما يتفرع على شرط العلم بالأجرة: أنه لو استأجر إنسان شخصا بأجر معلوم وبطعامه , أو استأجر دابة بأجر معلوم وبعلفها , لم تجز الإجارة , لأن الطعام أو العلف يصير أجرة , وهو قدر مجهول , فكانت الأجرة مجهولة. وأجاز المالكية استئجار الأجير للخدمة , والدابة ونحوها بالطعام والكسوة ونحوها , عملا بالمتعارف بين الناس. كما أجاز جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة استئجار الظئر (المرضع) بطعامها وكسوتها وذهب صاحبي أبي حنيفة إلى المنع لأن القياس يقتضي عدم جواز هذه الإجارة لجهالة الأجرة وهي الطعام والكسوة. ولكن استحسن أبو حنيفة الجواز بالنص: وهو قوله تعالى: ﴿وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح عليكم إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف﴾ (البقرة: ٢٣٣) , فالمولى نفى الجناح في الاسترضاع مطلقا. وجهالة الأجرة في تلك الحالة لا تفضي إلى المنازعة , لأن العادة جرت بالمسامحة مع الأظآر والتوسعة عليهن , شفقة على الأولاد , فأشبهت حالة جهالة القفيز من الصبرة. تردد الأجرة بين أمرين وكذلك مما يتفرع على شرط العلم بالأجرة , مسألة تردد الأجرة بين أمرين , كأن يقول صاحب عمل لأجير: إن عملت هذا العمل اليوم فأجرتك عشرون ريالا , وإن عملته غدا فأجرتك خمسة عشر ريالا. أو كأن يقول للخياط: إن خطت ذلك الثوب اليوم فلك درهم , وإن خطته غدا فلك نصف درهم. فقد اختلف الفقهاء في ذلك. فقال المالكية والشافعية ورواية عن الإمام أحمد وهي المذهب عند الحنابلة: إن العقد فاسد , وللعامل أجرة المثل إذا عمل. وبهذا قال زفر من الحنفية وإسحاق والثوري وأبو ثور. وعللوا الفساد بجهالة العوض لاختلافه بالتقديم والتأخير في عقد واحد فلم يعلم قدر الأجرة فكان مجهولا. وقال أبو حنيفة إن خاطه في اليوم الأول فله شرطه , وإن تأخر فسد العقد وله أجرة المثل بشرط أن لا يزيد على درهم , ولا ينقص عن نصف درهم لأن المؤجر رضي بأحد العوضين في هذا العمل فوجب له أجر مثله في أحدهما. وقال أبو يوسف ومحمد الشرطان جائزان , وبه قال الإمام أحمد في رواية عنه , وعللوا الجواز بأن ذكر اليوم للتوقيت , وذكر الغد للتعليق , فلا يجتمع في كل يوم تسميتان ولأن التعجيل والتأخير مقصود فنزل منزلة اختلاف النوعين.

стр. 109

الأجرة بعض المعمول ذهب جمهور الفقهاء إلى أنه لا يجوز أن تكون الأجرة بعض المعمول أو بعض الناتج من العمل المتعاقد عليه , لما فيه من غرر. وأجاز ذلك بعض المالكية , لأنه استأجره على جزء من الطعام معلوم , وأجرة الطحان ذلك الجزء وهو معلوم أيضا. وذهب الحنابلة إلى جواز ذلك إذا كانت الأجرة جزءا شائعا مما عمل فيه الأجير , تشبيها بالمضاربة والمساقاة.

стр. 110

قد تكون الأجرة جزءا محددا من الإنتاج كصاع من الدقيق الذي يطحنه العامل , أو مشاعا من الإنتاج كله كسدس الزيت الذي يعصره. وقد اختلف الفقهاء في تحقيق مناط شرط العلم بالأجرة وتحديدها , ووجودها على الجزء من الإنتاج. فمن رأى أن هذا الجزء مجهول غير معين أو معدوم حكم ببطلان الإجارة وهم جمهور الفقهاء , ومن رأى أن هذا الجزء معلوم مقدر موجود عند التعاقد حكم بصحة العقد وهم الحنابلة وبعض المالكية. الأجرة جزء شائع من الإنتاج إذا كانت الأجرة جزء شائع من الإنتاج , كأن يتفق عامل وصاحب عمل على أن تكون الأجرة مشاعا من الإنتاج كالثلث أو الربع: ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والشافعية وهو أحد القولين عند المالكية إلى أن هذه الإجارة باطلة لجهالة الأجرة فيها إذ لا يعلم مقدار الخارج , والصفة التي يخرج عليها , لأن ذلك يختلف باختلاف المادة وكيفية العمل ومهارة العمال. هذا وقد استدل المانعين لصحة هذا النوع من الإجارة بما روي عن نهي النبي ﷺ عن عسب الفحل وعن قفيز الطحان وقد جاء في تفسير قفيز الطحان بأنه طحن الطعام بجزء منه مطحونا. والسبب في المنع من ذلك هو عجز المستأجر عن تسليم الأجرة , وهو بعض ما ينتجه الأجير , والقدرة على تسليم الأجرة وقت إبرام العقد شرط في صحة الإجارة. وعليه كل أجرة تكون بعض ما يخرج من عمل العامل لا تصح عندهم لأنها في معنى قفيز الطحان وقد نهي عنه. وذهب فقهاء الحنابلة وبعض فقهاء المالكية إلى جواز هذه الإجارة لأن الأجرة بالمشاع من الإنتاج معلومة وليست كما قال غيرهم مجهولة , فالعامل قد شاهد الذي سيعمله , والرؤية أعلى طرق العلم , وإذا رآه فقد علمه , ومن علم شيئا علم جزأه المشاع. والاختلاف في قدر الخارج منه والصفة التي يخرج عليها اختلاف يسير وغرر مغتفر مثله , فلا يضر لأنه لا يؤدي إلى النزاع ولا يمنع من تنفيذ العقد. وقد قاس الحنابلة ذلك على الشجر في المساقاة والأرض في المزارعة بجامع أن الكل عين تنمى بالعمل , والأجرة بعض الإنتاج. وناقش المجوزين للإجارة بجزء شائع من الإنتاج قول المانعين واستنادهم في ذلك على حديث النهي عن قفيز الطحان , فقال ابن تيمية إن هذا الحديث باطل لا أصل له , وليس في شيء من كتب الحديث المعتمدة , ولا رواه إمام من الأئمة , والمدينة النبوية لم يكن بها طحان يطحن بالأجرة , ولا خباز يخبز بالأجرة. وأيضا فأهل المدينة لم يكن لهم على عهد النبي ﷺ مكيال يسمى القفيز , وإنما حدث هذا المكيال لما فتحت العراق وضرب عليهم الخراج , فالعراق لم يفتح على عهد النبي ﷺ . وهذا وغيره مما يبين أن هذا ليس من كلام النبي ﷺ وإنما هو من كلام بعض العراقيين الذين يسوغون مثل هذا قولا باجتهادهم. كما رد المجوزين أيضا بأنه حتى على احتمال صحة حديث نهي عن قفيز الطحان فإنه ليس فيه نهي عن اشتراط جزء مشاع من الدقيق , بل النهي عن شيء مسمى وهو القفيز أي كيل معلوم. الأجرة جزء محدد من الإنتاج إذا كانت الأجرة جزء محدد من الإنتاج كأن يتفق العامل مع صاحب العمل على طحن أردب من القمح بخمسة آصع من دقيقه أو عصر الزيتون بكمية محددة من الزيت الناتج. ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والشافعية وفي القول الراجح عند الحنابلة إلى عدم جواز هذه الإجارة لأنه يشترط في محل العقد أن يكون موجودا وقت التعاقد على الهيئة التي تم عليها العقد , والأجرة هنا ليست كذلك فالدقيق غير موجود وقت التعاقد على طحنه , والزيت ليس موجودا وقت التعاقد على عصر الزيتون , وهكذا كل أجرة ليست على الهيئة المشروطة حال العقد لا تصح. وذهب المالكية إلى إجازة هذه الإجارة بشرط عدم الاختلاف في الصفة التي يخرج عليها , بأن يكون كله جيدا أو رديئا , ويكون كل الحب له دقيق , فإن اختلف في الصفة والخروج فلا يجوز للغرر. وهذا هو أيضا قول عند الحنابلة لأن الأجرة معلومة في الجزء المعين , وهو عدد الآصع , وليست مجهولة ولكنها أجزاء هذا القمح أو الزيتون. وأساس اختلاف الفقهاء هنا هو الاختلاف في تحقيق مناط شرط العلم بالأجرة وتحديدها , ووجودها على الجزء المحدد من الإنتاج , فمن رأى أن هذا الجزء مجهول غير معين أو معدوم حكم ببطلان الإجارة وهم الحنفية ومن معهم , ومن رأى أن هذا الجزء معلوم القدر موجود عند التعاقد حكم بصحة العقد وهم المالكية وقول عند الحنابلة.
следующие страницы →