Полный текст (2 086 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
اشترط الفقهاء لصحة عقد العمل أن تكون منفعة العمل راجعة إلى المستأجر لأنه هو الذي بذل الأجرة في سبيل الحصول عليها , فإذا لم تكن المنفعة حاصلة للمستأجر بل للمؤجر أو لغيرهما كانت الإجارة باطلة. ولكنهم اختلفوا في جواز الاستئجار على بعض العبادات والقربات , كما اختلفوا في جواز إعطاء الأجرة من ناتج العمل.
الاستئجار على العبادات والواجبات
يشترط عند الفقهاء بصفة عامة ألا يكون العمل المستأجر له فرضا ولا واجبا على الأجير قبل الإجارة , فلا تصح الإجارة إذا كانت واردة على القيام بفرض أو واجب على الأجير مثل:
- الاستئجار على القيام بفرض مثل العبادات التي لا تقبل النيابة كالصلوات المفروضة , وصيام رمضان , فإن الإنسان لا يجوز له أن يستأجر آخر ليصلي عنه , لأن الصلاة لا تقبل النيابة , ولا يعود نفعها على غير المصلي فلم يجز دفع أجرة لمن يقوم بها.
ومثل الصلاة والصيام كل عمل واجب على الإنسان لا يستحق عليه أجرة.
- الاستئجار على القيام بما هو واجب على الإنسان كمن قضى دينا عليه , فلا يستحق مثل هذا الأجرة على فعله , لأن الأجر عوض الانتفاع ولم يحصل لغيره ههنا انتفاع فأشبه إجارة الأعيان التي لا نفع فيها.
وقد اتفق الفقهاء على الاستئجار على تعليم اللغة والأدب والحساب والخط والفقه والحديث والشعر المباح ونحوها , وبناء المساجد والقناطر والرباطات , لأنها ليست بفرض ولا واجب. وقد تقع قربة تارة , وتارة غير قربة.
وفيما يلي تفصيل أقوال الفقهاء:
يبدو أن سبب الخلاف بين الفقهاء في جواز أخذ الأجرة على فعل العبادة وعدم جواز أخذها هو اختلافهم في وصول النفع إلى المستأجر وعدمه , فمن قال أن النفع يحصل للمستأجر قال بجواز أخذ الأجرة , ومن قال أن النفع لا يحصل إلا للأجير قال بعدم جواز أخذ الأجرة.
فذهب الحنفية والحنابلة إلى أنه لا يجوز أخذ الأجرة على القربات والعبادات لأن الأصل أن كل طاعة يختص بها المسلم لا يجوز الاستئجار عليها , ولا يستحق الأجرة على فعلها كالصلاة والصوم والحج والإمامة والأذان والإقامة وتعليم القرآن.
فمن شرط صحة هذه الأفعال كونها قربة إلى الله تعالى , فلم يجز أخذ الأجر عليها.
وقد روي أن عثمان بن أبي العاص قال: إن آخر ما عهد إلى النبي ﷺ أن أتخذ مؤذنا لا يأخذ على أذانه أجرا رواه أصحاب السنن الأربعة.
وعن عبد الرحمن بن شبل الأنصاري قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: اقرءوا القرآن , ولا تغلوا فيه , ولا تجفوا عنه , ولا تأكلوا به , ولا تستكثروا به. رواه أحمد.
ومن قواعد الحنفية في هذا: (لا يستحق الأجر من استؤجر على الطاعة) , وكذلك (الاستئجار لما هو مستحق عليه لا يجوز) , فمن استأجر امرأته شهرا لخدمة البيت , لا تجوز هذه الإجارة لأنها مستحقة عليها.
ثم أفتى المتأخرون من علماء الحنفية بجواز أخذ المعلم أجرة المثل في زمانه على تعليم القرآن.
وظاهر كلام أحمد أنه إن أعطي المعلم شيئا من غير شرط جاز.
وذهب الإمامان مالك والشافعي إلى أنه تجوز الإجارة على قراءة القرآن وتعليمه , لأنه استئجار لعمل معلوم ولأن رسول الله ﷺ زوج رجلا بما معه من القرآن , وجعل ذلك يقوم مقام المهر , فجاز جعل القرآن عوضا
وقد روي عن رسول الله ﷺ في الحديث الصحيح رواه البخاري وابن ماجه أنه قال: إن أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله.
فقد أجاز المالكية أخذ الأجرة على الأذان مع الإمامة , والقيام بالمسجد , لا على الصلاة بانفرادها قياسا على الأفعال غير الواجبة.
كما أجازوا للمفتي أخذ الأجر إن لم يكن له رزق.
وقالوا: يجوز الإجارة للمندوبات وفروض الكفاية.
وكذلك أجازوا مع الشافعية الإجارة على الحج لإقرار الرسول ﷺ حج صحابي عن غيره.
أما الإمامة في الفروض فلا يجوز فيها الإجارة عند الشافعية , ولا يجوز ذلك بانفرادها عن الأذان في المشهور عند المالكية.
الاستئجار بأجرة من ناتج العمل
اختلف الفقهاء في الاستئجار بأجرة من ناتج العمل , فأجازه فريق ومنعه آخرون.
فذهب الحنفية والشافعية إلى أنه لا يصح استئجار رجل لطحن قفيزا من حنطة بجزء من دقيقها , أو ليعصر له قفيزا من سمسم بجزء معلوم من دهنه , لأن الأجير ينتفع بعمله من الطحن والعصر , فيكون عاملا لنفسه وقد روي أن رسول الله ﷺ نهى عن قفيز الطاحان في حديث رواه الدارقطني عن أبي سعيد الخدري كما استدل هذا الفريق بأن الاستئجار بأجرة من ناتج العمل فيه نقضا لشرط من شرائط الإجارة: وهو القدرة على تسليم الأجر وقت التعاقد.
وتكون القاعدة المقررة عند الحنفية ومن وافقهم هي: (تعيين الأجر مما يعمل فيه الأجير مفسد للعقد) .
وأجاز الحنابلة والمالكية ذلك إذا كان الكيل معلوما , وعليه عمل الناس , والحديث الوارد بالنهي عن قفيز الطحان لم تثبت صحته عندهم.
ومنه: ما يتعامل به الزراع في الريف من إعطاء بعض القمح لدارسه أو حامله , صرح الحنابلة بجوازه.
стр. 107
الأجرة مالا معلوما متقوما
اتفق الفقهاء على أن يجب في الأجرة أن تكون مالا معلوما متقوما. فلا يصح كونها مجهولة كما في هذا الوعاء أو ما في هذه اليد , ولا كونها غير متقومة كالخمر والخنزير.
ومما يتفرع على شرط العلم بالأجرة: أنه لو استأجر إنسان شخصا بأجر معلوم وبطعامه , أو استأجر دابة بأجر معلوم وبعلفها , لم تجز الإجارة , لأن الطعام أو العلف يصير أجرة , وهو قدر مجهول , فكانت الأجرة مجهولة.
стр. 108
اتفق الفقهاء على أن يجب في الأجرة أن تكون مالا معلوما متقوما.
فلا يصح كونها مجهولة كما في هذا الوعاء أو ما في هذه اليد , ولا كونها غير متقومة كالخمر والخنزير , لأنه لا يباح للمسلم الانتفاع شرعا بغير المتقوم. فالأجرة هي عوض في عقد معاوضة , فوجب أن تكون معلومة كالثمن في البيع لأن جهالتها مدعاة للخصام والنزاع , وقد جاءت الشريعة لإزالة أسباب النزاع. والقاعدة الفقهية هي أن كل ما يصلح ثمنا في البيع يصلح أن يكون أجرة في الإجارة.
والأصل في اشتراط العلم بالأجرة: قول النبي ﷺ : من استأجر أجيرا , فليعلمه أجره وكما تكون الأجرة نقدا تكون أيضا عينا.
والعلم بالأجر , قد يكون برؤيته إن كان حاضرا , أما إذا كان غائبا فيلزم معرفة جنسه وقدره وصفته أو معرفة جنسه وعدده إذا كان نقدا , وكذلك معرفة الأجل إذا كان مؤجلا.
ولابد من معرفة مكان إيفاء الأجرة فيما يحتاج لحمل ومؤونة عند أبي حنيفة. وأما عند الصاحبين: فلا يشترط ذلك , ويتعين مكان العقد للإيفاء.
الأجرة بعضها معلوم وبعضها مجهول
ومما يتفرع على شرط العلم بالأجرة: أنه لو استأجر إنسان شخصا بأجر معلوم وبطعامه , أو استأجر دابة بأجر معلوم وبعلفها , لم تجز الإجارة , لأن الطعام أو العلف يصير أجرة , وهو قدر مجهول , فكانت الأجرة مجهولة.
وأجاز المالكية استئجار الأجير للخدمة , والدابة ونحوها بالطعام والكسوة ونحوها , عملا بالمتعارف بين الناس.
كما أجاز جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة استئجار الظئر (المرضع) بطعامها وكسوتها
وذهب صاحبي أبي حنيفة إلى المنع لأن القياس يقتضي عدم جواز هذه الإجارة لجهالة الأجرة وهي الطعام والكسوة. ولكن استحسن أبو حنيفة الجواز بالنص: وهو قوله تعالى: ﴿وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح عليكم إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف﴾ (البقرة: ٢٣٣) , فالمولى نفى الجناح في الاسترضاع مطلقا. وجهالة الأجرة في تلك الحالة لا تفضي إلى المنازعة , لأن العادة جرت بالمسامحة مع الأظآر والتوسعة عليهن , شفقة على الأولاد , فأشبهت حالة جهالة القفيز من الصبرة.
تردد الأجرة بين أمرين
وكذلك مما يتفرع على شرط العلم بالأجرة , مسألة تردد الأجرة بين أمرين , كأن يقول صاحب عمل لأجير: إن عملت هذا العمل اليوم فأجرتك عشرون ريالا , وإن عملته غدا فأجرتك خمسة عشر ريالا. أو كأن يقول للخياط: إن خطت ذلك الثوب اليوم فلك درهم , وإن خطته غدا فلك نصف درهم. فقد اختلف الفقهاء في ذلك.
فقال المالكية والشافعية ورواية عن الإمام أحمد وهي المذهب عند الحنابلة: إن العقد فاسد , وللعامل أجرة المثل إذا عمل. وبهذا قال زفر من الحنفية وإسحاق والثوري وأبو ثور.
وعللوا الفساد بجهالة العوض لاختلافه بالتقديم والتأخير في عقد واحد فلم يعلم قدر الأجرة فكان مجهولا.
وقال أبو حنيفة إن خاطه في اليوم الأول فله شرطه , وإن تأخر فسد العقد وله أجرة المثل بشرط أن لا يزيد على درهم , ولا ينقص عن نصف درهم لأن المؤجر رضي بأحد العوضين في هذا العمل فوجب له أجر مثله في أحدهما.
وقال أبو يوسف ومحمد الشرطان جائزان , وبه قال الإمام أحمد في رواية عنه , وعللوا الجواز بأن ذكر اليوم للتوقيت , وذكر الغد للتعليق , فلا يجتمع في كل يوم تسميتان ولأن التعجيل والتأخير مقصود فنزل منزلة اختلاف النوعين.
стр. 109
الأجرة بعض المعمول
ذهب جمهور الفقهاء إلى أنه لا يجوز أن تكون الأجرة بعض المعمول أو بعض الناتج من العمل المتعاقد عليه , لما فيه من غرر.
وأجاز ذلك بعض المالكية , لأنه استأجره على جزء من الطعام معلوم , وأجرة الطحان ذلك الجزء وهو معلوم أيضا.
وذهب الحنابلة إلى جواز ذلك إذا كانت الأجرة جزءا شائعا مما عمل فيه الأجير , تشبيها بالمضاربة والمساقاة.
стр. 110
قد تكون الأجرة جزءا محددا من الإنتاج كصاع من الدقيق الذي يطحنه العامل , أو مشاعا من الإنتاج كله كسدس الزيت الذي يعصره.
وقد اختلف الفقهاء في تحقيق مناط شرط العلم بالأجرة وتحديدها , ووجودها على الجزء من الإنتاج.
فمن رأى أن هذا الجزء مجهول غير معين أو معدوم حكم ببطلان الإجارة وهم جمهور الفقهاء , ومن رأى أن هذا الجزء معلوم مقدر موجود عند التعاقد حكم بصحة العقد وهم الحنابلة وبعض المالكية.
الأجرة جزء شائع من الإنتاج
إذا كانت الأجرة جزء شائع من الإنتاج , كأن يتفق عامل وصاحب عمل على أن تكون الأجرة مشاعا من الإنتاج كالثلث أو الربع:
ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والشافعية وهو أحد القولين عند المالكية إلى أن هذه الإجارة باطلة لجهالة الأجرة فيها إذ لا يعلم مقدار الخارج , والصفة التي يخرج عليها , لأن ذلك يختلف باختلاف المادة وكيفية العمل ومهارة العمال.
هذا وقد استدل المانعين لصحة هذا النوع من الإجارة بما روي عن نهي النبي ﷺ عن عسب الفحل وعن قفيز الطحان وقد جاء في تفسير قفيز الطحان بأنه طحن الطعام بجزء منه مطحونا.
والسبب في المنع من ذلك هو عجز المستأجر عن تسليم الأجرة , وهو بعض ما ينتجه الأجير , والقدرة على تسليم الأجرة وقت إبرام العقد شرط في صحة الإجارة.
وعليه كل أجرة تكون بعض ما يخرج من عمل العامل لا تصح عندهم لأنها في معنى قفيز الطحان وقد نهي عنه.
وذهب فقهاء الحنابلة وبعض فقهاء المالكية إلى جواز هذه الإجارة لأن الأجرة بالمشاع من الإنتاج معلومة وليست كما قال غيرهم مجهولة , فالعامل قد شاهد الذي سيعمله , والرؤية أعلى طرق العلم , وإذا رآه فقد علمه , ومن علم شيئا علم جزأه المشاع.
والاختلاف في قدر الخارج منه والصفة التي يخرج عليها اختلاف يسير وغرر مغتفر مثله , فلا يضر لأنه لا يؤدي إلى النزاع ولا يمنع من تنفيذ العقد. وقد قاس الحنابلة ذلك على الشجر في المساقاة والأرض في المزارعة بجامع أن الكل عين تنمى بالعمل , والأجرة بعض الإنتاج.
وناقش المجوزين للإجارة بجزء شائع من الإنتاج قول المانعين واستنادهم في ذلك على حديث النهي عن قفيز الطحان , فقال ابن تيمية إن هذا الحديث باطل لا أصل له , وليس في شيء من كتب الحديث المعتمدة , ولا رواه إمام من الأئمة , والمدينة النبوية لم يكن بها طحان يطحن بالأجرة , ولا خباز يخبز بالأجرة. وأيضا فأهل المدينة لم يكن لهم على عهد النبي ﷺ مكيال يسمى القفيز , وإنما حدث هذا المكيال لما فتحت العراق وضرب عليهم الخراج , فالعراق لم يفتح على عهد النبي ﷺ . وهذا وغيره مما يبين أن هذا ليس من كلام النبي ﷺ وإنما هو من كلام بعض العراقيين الذين يسوغون مثل هذا قولا باجتهادهم.
كما رد المجوزين أيضا بأنه حتى على احتمال صحة حديث نهي عن قفيز الطحان فإنه ليس فيه نهي عن اشتراط جزء مشاع من الدقيق , بل النهي عن شيء مسمى وهو القفيز أي كيل معلوم.
الأجرة جزء محدد من الإنتاج
إذا كانت الأجرة جزء محدد من الإنتاج كأن يتفق العامل مع صاحب العمل على طحن أردب من القمح بخمسة آصع من دقيقه أو عصر الزيتون بكمية محددة من الزيت الناتج.
ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والشافعية وفي القول الراجح عند الحنابلة إلى عدم جواز هذه الإجارة لأنه يشترط في محل العقد أن يكون موجودا وقت التعاقد على الهيئة التي تم عليها العقد , والأجرة هنا ليست كذلك فالدقيق غير موجود وقت التعاقد على طحنه , والزيت ليس موجودا وقت التعاقد على عصر الزيتون , وهكذا كل أجرة ليست على الهيئة المشروطة حال العقد لا تصح.
وذهب المالكية إلى إجازة هذه الإجارة بشرط عدم الاختلاف في الصفة التي يخرج عليها , بأن يكون كله جيدا أو رديئا , ويكون كل الحب له دقيق , فإن اختلف في الصفة والخروج فلا يجوز للغرر. وهذا هو أيضا قول عند الحنابلة لأن الأجرة معلومة في الجزء المعين , وهو عدد الآصع , وليست مجهولة ولكنها أجزاء هذا القمح أو الزيتون.
وأساس اختلاف الفقهاء هنا هو الاختلاف في تحقيق مناط شرط العلم بالأجرة وتحديدها , ووجودها على الجزء المحدد من الإنتاج , فمن رأى أن هذا الجزء مجهول غير معين أو معدوم حكم ببطلان الإجارة وهم الحنفية ومن معهم , ومن رأى أن هذا الجزء معلوم القدر موجود عند التعاقد حكم بصحة العقد وهم المالكية وقول عند الحنابلة.
стр. 111
مقابل الخلو
يجوز أخذ ما يسمى بالفروغ أو مقابل الخلو , وهو مبلغ مقطوع زائد عن الأجرة الدورية , إذا كان ضمن مدة الإيجار المتفق عليها.
стр. 112
إن ما يؤخذ اليوم مما يسمى بالفروغ أو مقابل الخلو جائز إذا كان ضمن مدة الإيجار المتفق عليها , كما صرح فقهاء الشافعية والحنفية والمالكية في التنازل عن الوظائف أو الاختصاص بعوض وبغير عوض.
أما بعد انتهاء المدة الإيجارية أو أثناء امتداد الإجارة بقوة القانون الجائر من غير رضا المالك المؤجر أو كانت الإجارة طويلة أكثر من المقرر فقها , فلا يجوز أخذ الفروغ إلا برضا المالك.
وهذا ما أخذ به مجمع الفقه الإسلامي في جدة في القرار التالي رقم (٦) في الدورة الرابعة حيث ورد فيها الآتي:
إذا اتفق المالك والمستأجر على أن يدفع المستأجر للمالك مبلغا مقطوعا زائدا عن الأجرة الدورية (وهو ما يسمى في بعض البلاد خلوا) فلا مانع شرعا من دفع هذا المبلغ المقطوع , على أن يعد جزءا من أجرة المتفق عليها , وفي حالة الفسخ تطبق على هذا المبلغ أحكام الأجرة.
إذا تم الاتفاق بين المالك وبين المستأجر أثناء مدة الإجارة على أن يدفع المالك إلى المستأجر مبلغا مقابل تخليه عن حقه الثابت بالعقد في ملك منفعة بقية المدة , فإن بدل خلو هذا جائز شرعا , لأنه تعويض عن تنازل المستأجر برضاه عن حقه في المنفعة التي باعها للمالك.
أما إذا انقضت مدة الإجارة , ولم يتجدد العقد صراحة أو ضمنا عن طريق التجديد التلقائي حسب الصيغة المفيدة له , فلا يحل بدل الخلو , لأن المالك أحق بملكه بعد انقضاء حق المستأجر.
إذا تم الاتفاق بين المستأجر الأول وبين المستأجر الجديد أثناء مدة الإجارة على التنازل عن بقية مدة العقد , لقاء مبلغ زائد عن الأجرة الدورية , فإن بدل الخلو هذا جائز شرعا , مع مراعاة مقتضى عقد الإجارة المبرم بين المالك والمستأجر الأول , ومراعاة ما تقضي به القوانين النافذة الموافقة للأحكام الشرعية.
على أنه في الإجارات الطويلة المدة خلافا لنص عقد الإجارة , طبقا لما تسوغه بعض القوانين , لا يجوز للمستأجر إيجار العين لمستأجر آخر , ولا أخذ بدل الخلو فيها إلا بموافقة المالك.
أما إذا تم الاتفاق بين المستأجر الأول وبين المستأجر الجديد بعد انقضاء المدة , فلا يحل بدل الخلو , لانقضاء حق المستأجر الأول في منفعة العين.
стр. 113
الأجرة منفعة
يجوز عند جمهور الفقهاء أن تكون الأجرة منفعة.
واشترط الحنفية في ذلك ألا تكون من جنس المعقود عليه.
стр. 114
اتفق الفقهاء على جواز أن تكون الأجرة منفعة يقدمها صاحب العمل للعامل مقابل عمله , كمن يصلح سيارة مقابل أن يصلح الآخر مذياعه , أو كمن يعمل عند آخر مقابل تأمين السكن والملابس والمواصلات المعلومة له , وقد تكون المنفعة تامة وقد تكون جزءا من الأجرة.
ولكن اختلف الفقهاء بعد ذلك في شرط اختلاف المنافع.
فأجاز جمهور الفقهاء أن تكون الأجرة منفعة من جنس المعقود عليه أي من جنس المنفعة التي يلتزم بأدائها العامل كإجارة السكنى بالسكنى , والخدمة بالخدمة , والركوب بالركوب , والزراعة بالزراعة وغيرها , كما أجازوا أن تكون الأجرة من غير جنس المنفعة المعقود عليها كإجارة السكنى بالخدمة وغيرها. واستدل الجمهور على ذلك بقوله تعالى في قصة موسى ﴿إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج﴾ ففي هذه الآية الكريمة دليل على جواز أن تكون الأجرة منفعة , لأن النكاح جعل عوضا في الإجارة , وشرع من قبلنا شرع لنا ما لم يثبت نسخه.
ويقول الشيرازي ويجوز إجارة المنافع من جنسها ومن غير جنسها , لأن المنافع في الإجارة كالأعيان في البيع. ثم الأعيان يجوز بيع بعضها ببعض فكذلك المنافع.
وخلافا للجمهور منع ذلك الحنفية , واشترطوا ألا تكون الأجرة منفعة من جنس المعقود عليه بل يجب اختلاف المنفعة في الجنس كإجارة السكنى بالخدمة. أما إن اتحد جنس المنفعة كإجارة السكنى بالسكنى , والخدمة بالخدمة , والركوب بالركوب , والزراعة بالزراعة فهذا يكون على حكم الربا عندهم وهو غير جائز. فالحنفية يعتبرون اتحاد الجنس وحده صالحا لتحريم العقد في ربا النسيئة. وتطبيق المبدأ في الإجارة: هو أن انعقاد هذا العقد عندهم ينعقد شيئا فشيئا على حسب حدوث المنفعة , فتكون المنفعة وقت العقد معدومة , فيتأخر قبض أحد العاقدين , فيتحقق ربا النساء.
стр. 115
لزوم الإجارة
اتفق الفقهاء على أن عقد الإجارة عقد لازم , فلا ينفرد أحد المتعاقدين بفسخه إلا لمقتض تنفسخ به العقود اللازمة من ظهور العيب أو ذهاب محل استيفاء المنفعة وذهب الحنفية إلى أنها تفسخ كذلك بالأعذار الطارئة على المستأجر.
стр. 116
اتفق الفقهاء على أن عقد الإجارة عقد لازم لأنه من عقود المعاوضات التي يتم فيها مبادلة مال بمنفعة , واللزوم أصل في المعاوضات كما هو مقرر عند العلماء.
واستدل الفقهاء لذلك بقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود﴾ وهذا دليل لزوم العقد إذ الفسخ من جانب واحد ليس من الوفاء بالعقد.
ولكن قال الفقهاء أن عقد الإجارة يفسخ لسببين: العيوب والأعذار.
فسخ عقد الإجارة بالعيوب
المقصود بالعيب هو ما تنقص به المنفعة ويظهر به تفاوت في الأجرة , واتفق الفقهاء أنه متى حدث عيب يخل بالانتفاع كان المستأجر بالخيار بين الإبقاء على الإجارة ودفع كامل الأجرة وبين فسخها , كما إذا حدث بالدابة المؤجرة مرض أو عرج أو حدث خلل أو عطل في محرك السيارة أو انهدم بعض بناء الدار وغير ذلك من العيوب في إجارة منافع الأعيان , وكذلك مثل أن يحصل في إجارة منافع الأشخاص ضعف في البصر أو جنون أو برص للشخص المستأجر للخدمة.
والشرط في جواز فسخ العقد للعيب هو تأثيره في المنافع أما إذا لم يؤثر فيها بالنقص فلا يثبت حق الفسخ , ويستوي في ذلك حدوث العيب قبل العقد أو بعده لأن عقد الإجارة على المنافع وهي تحدث شيئا فشيئا , فإذا حدث العيب بالشيء المستأجر , كان هذا عيبا قبل القبض فيوجب الخيار كما في عقد البيع.
فالشرط لبقاء عقد الإجارة لازما هو إذن سلامة العين المؤجرة عن حدوث عيب يخل بالانتفاع بها. فإذا حدث عيب ولكنه زال قبل أن يفسخ المستأجر العقد بأن صح المريض مثلا أو زال العرج عن الدابة أو بني المؤجر ما سقط من الدار , ففي هذه الحالة يبطل خيار المستأجر بالفسخ لأن الموجب للخيار قد زال , والعقد قائم فيزول الخيار.
والمستأجر يمارس الفسخ إذا كان المؤجر حاضرا أثناء الفسخ فإن كان غائبا فحدث بالشيء المستأجر ما يوجب الفسخ فليس للمستأجر الفسخ , لأن فسخ العقد لا يجوز إلا بحضور العاقدين أو من يقوم مقامهما. أما في حالة سقوط الدار أو انهدامها , فللمستأجر أن يخرج منها , سواء أكان المؤجر حاضرا أم غائبا , وهذا دليل الانفساخ.
فسخ عقد الإجارة بالأعذار
معنى العذر هو عجز العاقد عن المضي في موجب العقد إلا بتحمل ضرر زائد لم يستحق بالعقد.
والفرق بين العيب والعذر يتمثل في كون العيب هو ما ينقص منافع العين المعقود عليها بحيث لا تعد صالحة للانتفاع , أما العذر فهو الذي لا ينقص من المنافع ولكن يترتب على تنفيذ العقد معه ضرر على أحد العاقدين.
وخلافا عن جمهور العلماء الذين قالوا بأن الإجارة عقد لازم كالبيع , والعقود اللازمة لا يجوز فسخها بالعذر , فلا تفسخ الإجارة عندهم إلا بوجود عيب أو ذهاب محل استيفاء المنفعة.
ذهب الحنفية إلى أن الإجارة تفسخ بالأعذار لأن الحاجة تدعو إلى الفسخ عند العذر , فلو لزم العقد عند تحقق العذر للزم صاحب العذر ضرر لم يلتزمه بالعقد. قال ابن عابدين كل عذر لا يمكن معه استيفاء المعقود عليه إلا بضرر يلحقه في نفسه أو ماله , يثبت له حق الفسخ.
والحنفية قسموا الأعذار الموجبة للفسخ إلى ثلاثة أنواع:
١ عذر من جانب المستأجر:
مثل إفلاس المستأجر , أو انتقاله من الحرفة إلى الزرعة أو من الزراعة إلى التجارة , أو من حرفة إلى أخرى لأن المفلس أو المنتقل من عمل لا ينتفع به إلا بضرر , لا يجبر على البقاء في الحرفة الأولى مثلا , ومثله السفر أي انتقال المستأجر عن البلد , لأن في إبقاء العقد مع السفر ضررا به.
ويترتب عليه: أنه إذا لم يحصل النفع للمستأجر إلا بضرر يلحقه في ملكه أو بدنه , فله فسخ الإجارة , كما إذا استأجر رجل صباغا لتنظيف ثياب وكيها أو خياطتها , أو دارا له , أو ليقطع شجرا , أو ليزرع أرضا أو ليحدث في ملكه شيئا من بناء أو حفر , أو ليحتجم أو يفتصد , أو يقلع ضرسا له ونحو ذلك , ثم بدا له ألا يفعل فله أن يفسخ الإجارة ولا يجبر على شيء مما ذكر لأنه تبين له ألا مصلحة له في العمل , فبقي الفعل ضررا في نفسه. . .
٢ عذر من جانب المؤجر:
مثل لحوق دين فادح به لا يجد طريقا لقضائه إلا ببيع الشيء المأجور وأدائه من ثمنه.
هذا إذا ثبت الدين قبل الإجارة بالبينة أو بالإقرار , أو ثبت بعد عقد الإجارة بالبينة , وكذا بالإقرار عند أبي حنيفة لأن الظاهر أن الإنسان لا يقر بالدين على نفسه كاذبا.
وقال الصاحبان: لا يقبل ثبوت الدين بالإقرار بعد الإجارة , لأنه متهم في هذا الإقرار.
ومثل أن يشتري المؤجر شيئا ثم يؤجره , ثم يطلع على عيب به , فله أن يفسخ الإجارة , ويرده بالعيب.
ولا يعد السفر أو النقلة عن البلد عذرا للمؤجر يبيح له فسخ الإجارة على عقار , لأن استيفاء منفعة العقار في غيبته لا ضرر عليه فيه.
وأما مرض الحمال والجمال بحيث يضره الحمل , فيعد عذرا في رأي أبي يوسف لأن غير الحمال أو الجمال لا يقوم مقامهما على الدابة أو الإبل إلا بضرر , والضرر لا يستحق بالعقد وهو الراجح.
ويرى محمد في كتاب (الأصل) أن مرض الجمال لا يعد عذرا , لأن خروج الجمال بنفسه مع الإبل غير مستحق بالعقد فإن له أن يبعث غيره معها.
ولعل هذا الرأي بالنسبة لسائق السيارة في عصرنا هو الراجح , لأنه لا يشترط سائق معين.
عذر راجع للعين المؤجرة أو الشيء المأجور:
مثال الأول: أن يستأجر رجل حماما في قرية ليستغله مدة معلومة , ثم يهاجر أهل القرية , فلا يجب عليه الأجر للمؤجر.
ومثال الثاني: أن يوجر رجل خادمه (عبده) سنة , فلما مضت ستة أشهر أعتق العبد , وأبى الخدمة فيكون العبد مخيرا بين الإبقاء على الإجارة أو فسخها.
стр. 117
جاء في القوانين الفقهية لابن جزي ص ٢٧٤ - ٢٧٥
يشترط في المستأجر والأجير ما يشترط في المتبايعين , ويكره أن يؤاجر المسلم نفسه من كافر. ويشترط في الأجرة والمنفعة ما يشترط في الثمن والمثمون على الجملة. وأما على التفصيل فيشترط في الأجرة أن تكون معلومة , خلافا للظاهرية , ولا يجب تقديم الأجرة بمجرد العقد , وإنما يستحب تقديم جزء من الأجرة باستيفاء ما يقابله من المنفعة.
وأما المنفعة فيشترط فيها:
الأول - أن تكون معلومة إما بالزمان كالمياومة والمشاهرة , وإما بغاية العمل كخياطة الثوب , ولا يجوز أن يجمع بينهما , لأنه قد يتم العمل قبل الأجل أو بعده , وإذا استأجر على رعاية غنم بأعيانها لزمه رعاية الخلف عند ابن القاسم.
الثاني - أن تكون المنفعة مباحة , لا محرمة , ولا واجبة.
أما المحرم فلا يجوز إجماعا , وأما الواجب كالصلاة والصيام فلا تجوز الأجرة عليه وتجوز الإجارة على الإمامة مع الأذان والقيام بالمسجد , لا على الصلاة بانفرادها , ومنعها ابن حبيب مفترقا ومجتمعا , وأجازها ابن الحكم مفترقا ومجتمعا.
وقال القرافي في الفروق (٣ / ٤)
متى اجتمعت في المنفعة ثمانية شروط ملكت بالإجارة , ومتى انخرم منها شرط لا تملك:
الأول - الإباحة: احترازا من الفن وآلات الطرب ونحوها.
الثاني - قبول المنفعة للمعاوضة: احترازا من النكاح.
الثالث - كون المنفعة متقومة: احترازا من التافه الحقير الذي لا يقابل بالعوض , واختلف في استئجار الأشجار لتجفيف الثياب , فمنعه ابن القاسم ومثله في عصرنا تجفيف طيات القمر الدين.
الرابع - أن تكون مملوكة: احترازا من الأوقاف على السكنى , كبيوت المدارس والخوانق.
الخامس - ألا يتضمن استيفاء عين: احترازا من إجارة الأشجار لثمارها , أو الغنم لنتاجها واستثني من ذلك إجارة المرضع للبنها للضرورة في الحضانة.
السادس - أن يقدر على تسليمها: احترازا من استئجار الأخرس للكلام.
السابع - أن تحصل للمستأجر: احترازا من العبادات , والإجارة عليها كالصوم ونحوه.
الثامن - كونها معلومة: احترازا من المجهولات من المنافع , كمن استأجر آلة لا يدري ما يعمل بها , أو دارا مدة غير معلومة.
فهذه الشروط إذا اجتمعت جازت المعاوضة , وإلا امتنعت.
وجاء في المنهاج للنووي ومغني المحتاج (٢ / ٣٣٢ - ٣٣٤)
شرط الركن الأول - وهو المؤجر والمستأجر: كبائع ومشتر
وشرط الركن الثاني - وهو الصيغة: كونها بنحو آجرتك هذا أو أكريتك أو ملكتك منافعه سنة بكذا , فيقول: قبلت أو استأجرت أو اكتريت. والأصح انعقادها بقوله: آجرتك منفعتها , ومنعها بقوله: بعتك منفعتها.
وهي قسمان: واردة على عين كإجارة العقار ودابة أو شخص معينين , وعلى الذمة كاستئجار دابة موصوفة , وبأن يلزم ذمته خياطة أو بناء.
ولو قال: استأجرتك لتعمل لي كذا , فإجارة عين , وقيل: ذمة. ويشترط في إجارة الذمة تسليم الأجرة في مجلس العقد , وإجارة العين لا يشترط فيها ذلك. ويجوز فيها التعجيل والتأجيل إن كانت في الذمة. وإذا أطلقت تعجلت.
وشرط الركن الثالث - وهو الأجرة:
كون الأجرة التي في الذمة معلومة جنسا وقدرا وصفة كالثمن في البيع , فإن كانت معينة , كفت مشاهدتها إن كانت على منفعة معينة على المذهب , أو في الذمة على الأصح.
فلا تصح إجارة الدابة بنحو العلف , ولا يصح استئجار سلاخ ليسلخ الشاة بالجلد الذي عليها , ولا طحان على أن يطحن البر مثلا ببعض الدقيق منه كربعه , أو بالنخالة منه للجهل بثخانة الجلد وبقدر الدقيق والنخالة ولعدم القدرة على الأجرة حالا.
وشروط الركن الرابع وهو المنفعة خمسة:
الأول - كون المنفعة متقومة: فلا يصح استئجار بياع على كلمة لا تتعب , وإن روجت السلعة.
وفي الإحياء لا يجوز أخذ عوض على كلمة يقولها طبيب بدواء ينفرد به بمعرفته , إذ لا مشقة عليه في التلفظ به. وكذا دراهم ودنانير للتزيين للحوانيت ونحوها , وكلب معلم للصيد ونحوه كحراسة ماشية أو زرع أو درب , لا يجوز استئجار كل من ذلك في الأصح في الجمع , لأن منفعة التزيين بالنقود غير متقومة فلا تقابل بمال بخلاف إعارتها للزينة , والكلب لا قيمة لعينه , فكذا لمنفعته.
الثاني - كون المؤجر قادرا على تسليمها حسا أو شرعا , ليتمكن المستأجر منها. والقدرة على التسليم تشمل ملك الأصل وملك المنفعة.
فلا يصح استئجار آبق ومغصوب وأعمى للحفظ , وأرض للزراعة لا ماء لها دائم , ولا يكفيها المطر المعتاد.
ويجوز بالماء الدائم وبالمطر المعتاد , وماء الثلوج المجتمعة , والغالب حصولها في الغالب.
والامتناع الشرعي كالحسي , فلا يصح استئجار لقلع سن صحيحة , ولا حائض لخدمة المسجد , ولا منكوحة لرضاع أو غيره بغير إذن الزوج في الأصح.
ويجوز تأجيل المنفعة في إجارة الذمة كألزمت ذمتك الحمل إلى مكة أو شهر كذا. ولا يجوز إجارة عين لمنفعة مستقبلة.
ويجوز كراء العقب في الأصح: وهو أن يؤجر دابة رجلا ليركبها بعض الطريق , أو رجلين ليركب هذا أياما , وذا أياما , ويبين البعضين , ثم يقتسمان.
الثالث - كون المنفعة في كل من إجارة العين أو الذمة فيما له منافع كدار معلومة عينا وصفة وقدرا , ثم تارة تقدر بزمان كدار سنة , وتارة بعمل كدابة إلى مكة وكخياطة ذا الثوب , فلو جمعها , فاستأجره ليخيطه بياض النهار , لم يصح في الأصح. ويقدر تعليم القرآن بمدة أو تعيين سور , وفي البناء يبين الموضع والطول والعرض والسمك , وما يبني به إن قدر بالعمل.
الرابع - يشترط في إجارة دابة لركوب معرفة الراكب بمشاهدة أو وصف تام , ومعرفة ما يركب عليه من محمل وغيره إن كان له.
الخامس - يشترط في إجارة العين تعيين الدابة , وفي إجارة الذمة ذكر الجنس والنوع والذكورة أو الأنوثة.
ويشترط فيهما بيان قدر السير كل يوم , إلا أن يكون بالطريق منازل مضبوطة فينزل عليها.
ويجب في الإيجار للحمل أن يعرف المحمول وجنسه إن كان غائبا , لاختلاف تأثيره في الدابة. كما في الحديد والقطن , فإن الحديد يثقل في محل أقل من القطن والقطن يعمها ويتثاقل بالريح. فلو قال مئة رطل مما شئت , صح , وبدون: مما شئت , ويكون رضا منه بأقل الأجناس.
وقال في منار السبيل لابن ضويان الحنبلي (١ / ٣٨٣ - ٣٨٦)
شروط الإجارة ثلاثة:
أ - معرفة المنفعة:
لأنها المعقود عليها , فاشتراط العلم بها كالبيع , مثل بناء حائط يذكر طوله وعرضه , وسكنى دار شهرا وخدمة آدمي سنة , لأنها معلومة بالعرف فلا تحتاج لضبط.
ب - معرفة الأجرة:
قال في الشرح: لا نعلم فيه خلافا , ولأنه عوض في عقد معاوضة فاعتبر علمه كالثمن وعن أبي سعيد مرفوعا: نهى عن استئجار الأجير حتى يبين له أجره رواه أحمد.
ج - وكون النفع مباحا:
فلا تجوز على المنافع المحرمة , كالغناء والزمر والنياحة , ولا إجارة داره لتجعل كنيسة , أو بيت نار , أو يبيع فيها الخمر ونحوه , لأنه محرم , فلم تجز الإجارة لفعله , كإجارة الأمة للزنا.
ويشترط كون النفع يستوفى دون الأجزاء:
فلا يجوز عقد الإجارة على ما تذهب أجزاؤه بالانتفاع به , كالمطعوم والمشروب والشمع ليشعله , والصابون ليغسل به , لأن الإجارة عقد على المنافع , فلا تجوز لاستيفاء العين. ولا يصح إجارة ديك ليوقظه للصلاة. نص عليه. لأنه غير مقدور عليه.
فتصح إجارة كل ما أمكن الانتفاع به مع بقاء عينه , كالدور والحوانيت والدواب , إذا قدرت منفعته بالعمل كركوب الدابة لمحل معين , لأنها منفعة مقصودة. أو قدرت بالأمد , وإن طال حيث كان يغلب على الظن بقاء العين إلى انقضاء مدة الإجارة.
هذا قول عامة أهل العلم , قاله في الشرح , لقوله تعالى ﴿على أن تأجرني ثماني حجج﴾ الآية (القصص: ٢٧) .
ثم قالوا كالشافعية: الإجارة ضربان:
الأول - على عين:
فإن كانت موصوفة , اشترط فيها استقصاء صفات السلم , لاختلاف الأغراض باختلاف الصفات , ولأن ذلك أقطع للنزاع , وأبعد عن الغرر , فإن لم توصف أدى إلى التنازع.
الثاني - على منفعة في الذمة:
فيشترط ضبطها بما لا يختلف , كخياطة ثوب بصفة كذا , أو بناء حائط بذكر طوله وعرضه وسمكه وآلته , وحمل شيء يذكر جنسه وقدره , وأن الحمل لمحل معين , لما تقدم.
стр. 118
تسليم العين المؤجرة
في إجارة الأعيان يلتزم المؤجر بتمكين المستأجر من الانتفاع بالمعقود عليه , وذلك بتسليمه العين.
أما في إجارة الأعمال فإن قيام الأجير بالعمل (وهو المؤجر لخدماته) هو التزامه بالتسليم.
стр. 119
يلتزم المؤجر بتمكين المستأجر من الانتفاع بالمعقود عليه , وذلك بتسليمه العين حتى انتهاء المدة أو قطع المسافة.
ويشمل التسليم توابع العين المؤجرة التي لا يتحقق الانتفاع المطلوب إلا بها حسب العرف.
ويترتب على أن التسليم تمكين من الانتفاع أن ما يعرض أثناء المدة مما يمنع الانتفاع بغير فعل المستأجر يكون على المؤجر إصلاحه , كعمارة الدار وإزالة كل ما يخل بالسكن , مع ملاحظة ما سبق من اشتراط القدرة على التسليم واشتراط بيان المنفعة وتحديدها.
وفي إجارة العمل يكون الأجير هو المؤجر لخدماته , وقيام الأجير بالعمل هو التزامه بالتسليم.
فإن كان العمل يجري في عين تسلم للأجير - وهو أجير مشترك - كان عليه تسليم المأجور فيه بعد قيامه بالعمل. وإن كان العمل لا يجري في عين تسلم للأجير فإن مجرد قيامه بالعمل المطلوب يعتبر تسليما , كالطبيب أو السمسار , وإن كان الأجير خاصا كان تسليم نفسه للعمل في محل المستأجر تسليما معتبرا.
стр. 120
إصلاح العين المؤجرة
إن المؤجر ملزم بإصلاحات العين المؤجرة المتعلقة بالعين , والمستأجر ملزم بما يحدث من فعله.
стр. 121
قد تحتاج الدار المؤجرة مثلا في مدة الإيجار إلى بعض الإصلاحات , كتطيين الجدران , وانسداد مجاري المياه , وتعطل الأدوات الصحية للماء , وانقطاع تيار الكهرباء , فمن هو الملتزم بالإصلاح والترميم؟
ذهب الحنفية إلى أن المؤجر صاحب الدار هو الملزم وحده دون المستأجر بتطيين الجدران وإصلاح ميازيب الدار وما ينهدم ويسقط من بنائها حتى تكون صالحة للانتفاع لأن الدار ملك للمؤجر , وإصلاح الملك يكون على المالك , لكن لا يجبر على الإصلاح لأن المالك لا يجبر على إصلاح ملكه وإنما يثبت للمستأجر الخيار في فسخ الإجارة لأن هذا الخلل يعتبر عيبا في المعقود عليه.
وكذلك على المؤجر إصلاح دلو الماء والبئر والبالوعة والمخرج , وإن امتلأ من فعل المستأجر لكن لا يجبر عليه , لما ذكر.
وأما المستأجر: فيلزم برفع التراب الذي يحدث من كنسه إذا انقضت مدة الإجارة , لأن التراب حدث بفعله , فصار كتراب وضعه في الدار.
والقياس يقضي بأن المستأجر هو المطالب بنقل ما يمتلئ به المخرج والبالوعة , لأن الملء حدث بفعله فيلزمه نقله كالكناسة والرماد , إلا أن الحنفية استحسنوا وجعلوا نقله على صاحب الدار أخذا بالعرف والعادة , لأن العادة بين الناس أن ما كان مغيبا في الأرض , فنقله على صاحب الدار.
فإن أصلح المستأجر شيئا مما ذكر يكون متبرعا به , ولا يحتسب له , لأنه أصلح ملك غيره بغير طلب منه ولا ولاية عليه فإن فعل ذلك بطلب المؤجر أو نائبه احتسب له.
стр. 122
ضمان العين المستأجرة وضمان الأجير
يد المستأجر على العين المستأجرة في إجارة المنافع تعتبر يد أمانة , فلا يضمن ما يتلفه بيده إلا بالتعدي أو بالتقصير في الحفظ , وكذلك يد الأجير الخاص يد أمانة لا يضمن إلا بالتعدي والتقصير.
أما يد الأجير المشترك فهي يد أمانة عند جماعة من الفقهاء وذلك قياسا على الأجير الخاص وعلى مستأجر العين وذهب آخرون إلى أن يده يد ضمان لما في ذلك من حماية لأموال الناس خاصة في وقت قلت فيه الأمانة وضعف الوازع الديني.
هذا وتتغير صفة الأمانة عند الفقهاء إلى الضمان في حالة ترك الحفظ , والإتلاف والإفساد , ومخالفة شرط المؤجر نصا أو دلالة.
стр. 123
ضمان العين المستأجرة
إذا استأجر رجل شيئا للانتفاع به كدار أو سيارة , فإن يد المستأجر على العين المستأجرة في إجارة المنافع تعتبر يد أمانة , فلا يضمن ما يتلفه بيده إلا بالتعدي أو بالتقصير في الحفظ , ويتقيد في الانتفاع بمقتضى العقد وبما شرط فيها أو جرى به العرف.
ضمان الأجير الخاص
أما الأجير الخاص (وهو الذي يستحق الأجر بتسليم نفسه في المدة , وإن لم يعلم) كالخادم في المنزل والأجير في المحل , فاتفق أئمة المذاهب الأربعة على أنه لا يكون ضامنا العين التي تسلم إليه للعمل فيها لأنه يده يد أمانة , كالوكيل والمضارب كما إذا استأجر إنسان خياطا أو حدادا مدة يوم أو شهر ليعمل له وحده , فلا يضمن العين التي تهلك في يده ما لم يحصل منه تعد أو تقصير في حفظه سواء تلف الشيء في يده أو أثناء عمله.
ضمان الأجير المشترك
وأما الأجير المشترك (وهو الذي يعمل لعامة الناس , أو هو الذي يستحق الأجرة بالعمل لا بتسليم النفس , كالصانع والصباغ والقصار ونحوهم) فقد اتفق الفقهاء على أنه يضمن إذا تعدى أو فرط ولكنهم اختلفوا في تضمينه في حالة عدم التعدي وعدم التقصير:
فذهب جماعة من الفقهاء إلى عدم تضمين الأجير المشترك وتكون يده يد أمانة كالأجير الخاص , فلا يضمن ما تلف عنده إلا بالتعدي أو التقصير , وهذا هو قول أبو حنيفة وزفر والحسن بن زياد والحنابلة في الصحيح من مذهبهم , وأيضا في القول الصحيح للشافعية.
ودليلهم قول رسول الله ﷺ : لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه فإذا جعلناه ضامنا أخذنا ماله بغير رضاه دون سبب شرعي ولأن الأصل ألا يجب الضمان إلا بالاعتداء لقوله تعالى: ﴿فلا عدوان إلا على الظالمين﴾ (البقرة: ١٩٣) ولم يوجد التعدي من هذا الأجير لأنه مأذون في القبض والهلاك ليس هو سببا فيه , وإذا لم يوجد التعدي لا ضمان.
كما أنهم قاسوا الأجير المشترك على الأجير الخاص وكذلك على مستأجر العين , فتكون يده يد أمانة مثلهما.
وذهب جماعة من الفقهاء إلى تضمين الأجير المشترك فقال الصاحبان وأحمد في رواية أخرى: يد الأجير المشترك يد ضمان , فهو ضامن لما يهلك في يده , ولو بغير تعد أو تقصير منه , إلا إذا حصل الهلاك بحريق غالب عام , أو غرق غالب ونحوهما.
قال البغدادي عن بعض كتب الحنفية: وبقول الصالحين يفتى اليوم لتغير أحوال الناس , وبه يحصل صيانة أموالهم.
كما ذهب المالكية إلى أنه يضمن الأجير المشترك الذي يؤثره الأعيان بصنع , ما تلف بيده ولو بغير تعد أو تقصير , إذا كان الشيء مما يغاب عليه (أي يمكن إخفاؤه) فالقصار ضامن لما يتخرق بيده , والطباخ ضامن لما أفسده من طبيخه , والخباز ضامن لما أفسده من خبزه , والحمال يضمن ما يسقط من حمله عن رأسه , أو تلف أثناء عثرته , والجمال يضمن ما تلف بقيادته وسوقه وانقطاع حبله الذي يشد به بعيره , والملاح يضمن ما تلف من يده , أو مما يعالج به السفينة وكذلك يضمن الأجير عند الإمام مالك الطعام الذي يحمله إذا كانت تتشوق النفس إلى تناوله سدا للذرائع.
ودليلهم قول النبي ﷺ : على اليد ما أخذت حتى ترده والعامل أخذ العين فوجب عليه ردها أو ضمانها.
وأيضا جاء عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي ﵁ أنه كان يضمن الصباغ والصواغ , ويقول: لا يصلح الناس إلا ذلك.
كما روى الشعبي عن أنس ﵁ قال: استحملني رجل بضاعة فضاعت من بين متاعي فضمنها عمر ﵁.
وكذلك قضى الخلفاء الراشدين بتضمين الصناع وإن لم يتعدوا ذلك أن التضمين من المصالح العامة فوجب أن يكون مشروعا لأن الصناع يسهل عليهم التصرف فيما تحت أيديهم ويدعون هلاكه , ففي تضمينهم حفظ لأموال الناس وصيانته.
ما يغير صفة الشيء من أمانة إلى ضمان
إذا كان الشيء المأجور , كثوب الصباغة والخياطة والمتاع المحمول في السفينة أو على الدابة يعتبر أمانة في يد الأجير , فذلك بحسب الأصل العام عند أبي حنيفة ومن وافقه.
وبناء عليه , فقد تتغير صفة الأمانة إلى الضمان في الأحوال التالية:
أولا - الحفظ:
أي أن الأجير يهمل في حفظ المتاع , فيلتزم بضمانه , لأن الأجير لما قبض المأجور فقد التزم حفظه , وترك الحفظ موجب للضمان , كالوديع إذا ترك حفظ الوديعة حتى ضاعت.
ثانيا - الإتلاف والإفساد:
إذا تعدى الأجير , بأن تعمد الإتلاف أو بالغ في دق الثوب مثلا , ضمن سواء أكان الأجير مشتركا أم خاصا.
وإن لم يكن الأجير متعديا في الإفساد , بأن أفسد الثوب خطأ بعمله من غير قصده: فإن كان الأجير خاصا , لم يضمن اتفاقا.
وإن كان الأجير مشتركا , كالقصار إذا دق الثوب فتخرق , أو ألقاه في المواد الكيماوية فاحترق , أو كالملاح إذا غرقت السفينة من عمله , أو الحمال إذا سقط على الأرض وفسد الحمل , أو الراعي المشترك إذا ساق الدواب فضرب بعضها بعضا في حال سوقه حتى هلك بعضها , ففي كل هذه الحالات يكون الهالك مضمونا عند أبي حنيفة وصاحبيه لأن العمل المأذون فيه هو العمل المصلح لا المفسد , لأن العاقل لا يرضى بإفساد ماله , ولا يلتزم الأجرة بمقابلة الفاسد , فيتقيد الأمر بما يصلح دلالة.
وذهب الشافعية وزفر إلى أن الأجير في تلك الحالات لا يضمن ما لم يحصل منه تعد أو تقصير في عمله لأن عمله مأذون فيه في الجملة.
وإذا لم يكن مأذونا فيه فلا يمكنه التحرز عن هذا الفساد , لأنه ليس في وسعه القيام بأصل مهمته إلا بحرج , والحرج منفي.
فالبزاغ والفصاد والختان ومثلهم الطبيب الجراح , إذا كانوا يقومون بعملهم , ثم سرى أثر العمل إلى تلف النفس والموت فلا ضمان عليهم , لأنه ليس في وسعهم الاحتراز من ذلك.
ثالثا - مخالفة المستأجر شرط المؤجر نصا أو دلالة:
تكون المخالفة هذه سببا لوجوب الضمان , وللمخالفة صور وهي إما في الجنس أو القدر أو الصفة أو المكان أو الزمان.
وتحدث المخالفة عادة إما في استئجار الدواب ومثلها السيارات , وإما في استئجار الصناع.
أ - استئجار الدواب:
في حالة استئجار الدواب إما أن يكون ضرر الدابة من جهة الخفة والثقل , أو بسبب اختلاف الجنس.
فإذا كان ضرر الدابة من ناحية الخفة والثقل:
فإن كان الشيء المحمول مثل المتفق عليه مع المؤجر أو أخف , فلا شيء على المستأجر بهلاك الدابة لأن التعيين بشيء محمول لا فائدة منه , وليس هناك مخالفة في المعنى في تحميل مثل الشيء أو دونه.
وإن كان الشيء المحمول أثقل من المتفق عليه:
فإن كان بخلاف جنسه بأن حمل مكان الشعير الحنطة , فعطبت الدابة , فهو ضامن قيمتها ولا أجر عليه لأنها هلكت بفعل غير مسموح به من المؤجر , ولأن الأجر والضمان لا يجتمعان , لأن وجوب الضمان لصيرورته غاصبا , ولا أجرة على الغاصب.
وإن كان الشيء المحمول الذي هو أثقل من جنس المتفق عليه , بأن حمل أحد عشر رطلا مثلا , مكان عشرة أرطال , فإن سملت الدابة , فعليه ما سمي من الأجرة , ولا ضمان عليه.
وإن عطبت ضمن جزءا من أحد عشر جزءا من قيمة الدابة , وعليه الأجر الذي سمي , لأن الدابة ماتت بفعل مأذون فيه وغير مأذون فيه , فيقسم التلف على قدر ذلك أي أحد عشر جزءا , ويضمن بقدر الزيادة.
وإذا كان ضرر الدابة , لا من حيث الثقل والخفة وإنما بسبب اختلاف الجنس
وذلك كأن يستأجر رجل دابة ليحمل عليها قنطارا من قطن , فحمل عليها قنطارا من حديد أو أقل فتلفت الدابة , فيضمن قيمتها لأن ثقل القطن ينبسط على ظهر الدابة , وأما ثقل الحديد فيتجمع في موضع واحد , فيكون أنكى لظهر الدابة وأعقر لها , فلم يكن مأذونا فيه , فصار غاصبا , فيضمن ولا أجرة لما ذكر سابقا.
ويترتب عليه: أنه لو استأجر رجل دابة ليركبها بنفسه , فأركبها غيره ممن هو مثله في الثقل , أو أخف منه , ضمن قيمتها بالتلف لأن المحافظة هاهنا , لا من جهة الخفة والثقل , بل من حيث الخدمة والعلم , فالناس يختلفون فيها اختلافا واضحا.
ولو استأجر دابة ليركبها بنفسه , فأركب معه غيره , فعطبت , فهو ضامن لنصف قيمتها إذا كانت الدابة مما يمكن أن يركبها اثنان , لأن التلف حصل بركوبهما المشتمل على مأذون فيه وغير مأذون فيه , فإن كانت الدابة لا تطيق أن يركبها اثنان , فيضمن جميع قيمتها , لأنه أتلفها بإركاب غيره.
وإن كانت المخالفة في المكان:
وذلك كأن يستأجر دابة للركوب أو للحمل إلى مكان معلوم , فجاوز المكان , فيضمن كل القيمة.
وأما المخالفة في الزمان:
وذلك كان يستأجر دابة ليركبها أو يحمل عليها مدة معلومة , فانتفع بها زيادة على المدة , فعطبت في يده , فيضمن القيمة أيضا , لأنه صار غاصبا بالانتفاع بها فيما وراء المدة المحدودة.
واستئجار السيارات كالدواب , مع مراعاة العرف والعادة وتقدير الخبراء , في جعل الضرر مظنونا أو غالبا أو متيقنا في حال زيادة الوزن , أو كون الحمل عاليا يعرض السيارة للانقلاب , أو لتجاوز مسافات كثيرة , أو متابعة السير عليها ليلا ونهارا , بحيث يحمى المحرك , فكل ذلك يكون سببا للضمان.
ب - استئجار الصناع:
وأما استئجار الصناع: كالحائك والخائط والصباغ ونحوهم.
ففي حالة المخالفة في الجنس:
وهو كأن يسلم إنسان ثوبا إلى صباغ ليصبغه لونا معينا , فصبغه بلون آخر: يكون صاحب الثوب بالخيار: إن شاء ضمن الصباغ قيمة الثوب , وإن شاء أخذ الثوب , وأعطى الصباغ ما زاد الصبغ فيه.
ومثله أن يسلم رجل قماشا , خياطا ليخيطه قميصا , فخاطه معطفا مثلا , يكون صاحب القماش بالخيار بين أن يضمن الخياط قيمة القماش , أو أن يأخذ المخيط , ويعطى أجر المثل.
وأما المخالفة في الصفة:
وهو كأن يسلم صباغا ثوبا ليصبغه بصبغ معين , فصبغه بصبغ آخر من جنس اللون المتفق عليه , فيكون صاحب الثوب أيضا مخيرا بين تضمين قيمة الثوب أو أخذه وإعطاء أجر المثل.
وكذلك الخلاف في القدر: مثل أن يسلم شخص غزلا إلى حائك ينسجه بغلظ معين , ثخين أو رفيع , فخالف بالزيادة أو بالنقصان , يكون صاحب الثوب حال الزيادة مخيرا بين تضمين مثل الغزل , أو أخذ استحقاق الأجرة وتملكها المسمى.
стр. 124
استحقاق الأجرة وتملكها
يذهب الشافعية والحنابلة إلى أن الأجرة تملك بالعقد ولكن لا تستقر إلا باستيفاء المنافع شيئا بعد شيء بينما يرى الحنفية والمالكية أن الأجرة لا تملك بالعقد وإنما تلزم جزءا فجزءا بحسب ما يقبض من المنافع.
واتفق الفقهاء على أن للعاقدين أن ينظما طريقة دفع الأجرة , فلهما أن يتفقا على تعجيلها , أو تأجيلها , أو دفعها على دفعات (تنجيمها) .
غير أن هناك حالات يرى فيها الشافعية والحنابلة وجوب تعجيل الأجرة لكي لا يؤول العقد إلى بيع الدين بالدين كما إذا كانت الإجارة في الذمة , أو لاجتناب الغرر والنزاع كما في حالة كون الأجرة عينا معينة.
стр. 125
يرى الحنفية والمالكية أن عقد الإجارة على المنافع يثبت حكمه شيئا فشيئا , على حسب حدوث ووجود محل العقد وهو المنفعة , لأنها تحدث أو تستوفي شيئا فشيئا.
وارتأى الشافعية والحنابلة أنه يثبت حكم الإجارة في الحال , وتجعل مدة الإجارة في موجودة تقديرا , كأنها أعيان قائمة.
ويترتب على هذا الخلاف ما يأتي:
أن الأجرة تثبت الملكية فيها بمجرد العقد إذا أطلق عند الشافعية والحنابلة لأن الإجارة عقد معاوضة , والمعاوضة إذا كانت مطلقة عن الشرط تقتضي الملك في العوضين عقب العقد , كما يملك البائع الثمن بالبيع.
وأما تأجيل الأجرة وتعجيلها عند الشافعية والحنابلة: فهو أنه إذا كانت الإجارة إجارة ذمة , فيشترط فيها تسليم الأجرة في مجلس العقد , لأنها بمثابة رأس المال في عقد السلم , كأن يقول المستأجر: أسلمت إليك عشرة دنانير في جمل صفته كذا , يحمل لي متاعي إلى جهة كذا أو يقول: استأجرت منك سيارة بكذا. . الخ لأن تأخير الأجرة حينئذ من باب بيع الدين بالدين , وهو لا يجوز.
وأما إذا كانت الإجارة إجارة عين: فإن كانت الأجرة فيها معينة , مثل استأجرتك لتخدمني سنة بهذا الجمل أو بهذه السلعة , فإنه لا يصح تأجيلها لأن تأجيل الأعيان فيه غرر , فقد تتلف الأجرة أو تتغير أوصافها فيكون ذلك مدعاة للخصام والنزاع وإن كانت الأجرة في الذمة , كأن يقول: بجمل صفته كذا , أو بكتاب بوصف كذا , فيجوز تأجيلها وتعجيلها. وفي حالة الإطلاق يجب تعجيلها , كما في عقد البيع , يصح بثمن حال أو مؤجل.
أما عند الحنفية والمالكية فلا تملك الأجرة بنفس العقد وإنما تلزم جزءا فجزءا , بحسب ما يقبض من المنافع , فلا يستحق المؤجر المطالبة بها إلا تدريجيا يوما فيوما , لأن المعاوضة المطلقة عن الشرط إذا لم يثبت الملك فيها في أحد العوضين , لا يثبت في العوض الآخر , لأن المساواة في العقود مطلوبة بين المتعاقدين.
ومتى تجب الأجرة وتملك عند الحنفية والمالكية؟
تجب الأجرة وتملك كلها بأحد أمور ثلاثة:
الأول - بأن يشترط تعجيلها في نفس العقد.
الثاني - بتعجيلها من غير شرط: لأن تأخير التزام المستأجر بالأجرة ثبت حقا له , فيملك إبطاله بالتعجيل , كما لو كان عليه دين مؤجل , فعجله.
الثالث - باستيفاء المعقود عليه: وهو المنافع شيئا فشيئا , أو بالتمكين من الاستيفاء بتسليم العين المؤجرة إلى المستأجر , وتسليم المفتاح أيضا , لأن المستأجر يملك حينئذ المعوض , فيملك المؤجر العوض في مقابلته , تحقيقا للمعاوضة المطلقة وتسوية العاقدين في حكم العقد.
واذا تم الاتفاق بين العاقدين على أن الأجرة لا تجب إلا بعد انقضاء مدة الإجارة , فهو جائز , لأنه يكون تأجيلا للأجرة بمنزلة تأجيل الثمن.
وأما إذا لم يشترط في العقد شيء فالقول المشهور المتأخر الذي استقر عليه الإمام أبو حنيفة وهو قول الصاحبين: أن الأجرة تجب حالا فحالا , كلما مضى يوم يسلم المستأجر أجرته , لأن الأجرة تملك على حسب ملك المنافع , وملك المنافع يحدث شيئا فشيئا على مر الزمان , فتملك الأجرة شيئا فشيئا بحسب ما يقابلها.
وبما أن هذه القاعدة توجب تسليم الأجرة ساعة فساعة , وهو أمر متعذر , فتقدر الأجرة باليوم أو بالمرحلة استحسانا.
стр. 126
ضمانات الوفاء بالأجرة
إذا كانت الأجرة مؤجلة في إجارة الأشخاص , فإن للمؤجر (وهو الأجير) حبس ما وقع عليه العقد حتى يستوفي الأجرة عند الحنفية والمالكية وفي قول للشافعية , لأن عمله ملكه فجاز له حبسه لأن المنافع في الإجارة كالمبيع في البيع.
ولا يحق له ذلك في القول الآخر عند الشافعية وهو مذهب الحنابلة لأنه لم يرهن العين عنده.
ولكل صانع لعمله أثر في العين أن يحبس العين لاستيفاء الأجر عند من أجاز له الحبس , وكل صانع ليس لعمله أثر في العين فليس له أن يحبسها عندهم لأن المعقود عليه نفس العمل وهو قائم في العين فلا يتصور حبسه خلافا للمالكية حيث أثبتوا له حق الحبس.
стр. 127
لما كان أداء الأجرة التزاما يفرضه عقد الإجارة على عاتق المستأجر وهو رب العمل في إجارة الأشخاص , فإن الشارع قد منح العامل أو الأجير بعض الضمانات التي تعاونه في الحصول على هذه الأجرة.
وأهم هذه الضمانات هو حقه في حبس السلعة التي بيده , والتي سلمت إليه للعمل فيها حتى يستوفى أجرته. وكذلك حق حامل المتاع أو الناقل في حبس البضاعة أو المتاع الذي سلم إليه لنقله حتى يستوفى أجرته , كما أن بعض الفقهاء يمنح الناقل والعامل حقا في التقدم على غيره من دائني المستأجر في استيفاء أجرته إذا عجزت أموال المستأجر عن الوفاء بجميع ديونه.
وقسم الفقهاء العامل إلى صانع له أثر في العين كالصباغ والخياط والنجار ونحوهم , وصانع ليس لعمله أثر في العين كالحمال الذي يحمل على رأسه أو دابته أو سفينته.
فإذا كان العامل له أثر في العين المستأجر على عملها فقد اختلف الفقهاء في حكم حبس العين ضمانا للوفاء بالأجرة:
فذهب المالكية والحنفية (أبو حنيفة وصاحبيه) وفي قول للشافعية إلى أنه يجوز حبس العين حتى يستوفي الأجرة سواء كان المستأجر مفلسا أو غير مفلس , لأن عمل العامل من خياطة ونحوها ملك له , وقد اتصل بالعين اتصالا لا يمكن انفكاكه فجاز له حبسه على العوض كالمبيع في يد البائع.
وذهب خلاف ذلك زفر من الحنفية وفي قول للشافعية , وهو قول الحنابلة إذا لم يفلس المستأجر , فلا يجوز عندهم حبس العين للأجرة. وقد استدل هؤلاء بأن الأجرة في الذمة ولم يشترط رهن العين فيها , فلا يملك حبسها بدون إذن أو شرط رهن.
ومن ثم فإن العامل يفقد كل أساس شرعي لحبس العين عن مالكها في أجرته , إذ أن هذا الحبس لا يكون إلا برضا مالك المال , أو نص من الشرع.
أما إذا كان العامل ليس في عمله أثر في العين كأن يستأجر على الحمل مثلا , فقد اختلف الفقهاء أيضا في حكم حبس العامل لما استؤجر على العمل فيه في هذه الحالة حتى يقبض الأجرة إلى قولين:
فقال الحنفية والشافعية والحنابلة لا يحبس للأجر من لا أثر لعمله كالحمال والملاح لأن المعقود عليه نفس العمل وهو عرض يفنى , ولا يتصور بقاؤه , وليس له أثر يقوم مقامه , فلا يتصور حبسه.
وقال المالكية للعامل حبس ما حمل , أو عمل فيه حتى يستوفي أجره لأنه بائع منفعته فكان أحق بما عمل فيه في الموت والفلس.
ولأن العامل تسلم العمل بيده , فصار كأنه سلعة مبيعة بيده , فللعامل الحق في حبس ما تسلمه حتى يقبض الأجرة كالبائع يحبس السلعة حتى يتسلم الثمن.
стр. 128
إيجار المستأجر العين لآخر
جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية والأصح عند الحنابلة على جواز إيجار المستأجر إلى غير المؤجر الشيء الذي استأجره وقبضه في مدة العقد , ما دامت العين لا تتأثر باختلاف المستعمل , وقد أجازه كثير من فقهاء السلف سواء أكان بمثل الأجرة أم بزيادة.
وقد اختلف الفقهاء في إجارة العين المستأجرة للمؤجر نفسه , فأجاز ذلك المالكية والشافعية ومنعها الحنفية.
стр. 129
إيجار المستأجر لغير المؤجر
ذهب المالكية والشافعية إلى جواز إيجار المستأجر لغير المؤجر , سواء كانت الأجرة الثانية مساوية أم زائدة أم ناقصة لأن الإجارة بيع , فله أن يبيعها بمثل الثمن أو بزيادة أو بنقص كالبيع ووافقهم أحمد في أصح الأقوال عنده.
وذهب الحنفية إلى جواز الإجارة الثانية إن لم تكن الأجرة فيها من جنس الأجرة الأولى , للمعنى السابق.
أما إن اتحد جنس الأجرتين فإن الزيادة لا تطيب للمستأجر.
وعليه أن يتصدق , وصحت الإجارة الثانية لأن الفضل فيه شبهة.
أما إن أحدث زيادة في العين المستأجرة فتطيب الزيادة لأنها في مقابلة الزيادة المستحدثة.
وذهب الحنابلة في قول ثان لهم إلى أنه إن أحدث المستأجر الأول زيادة في العين جاز له الزيادة في الأجر دون اشتراط اتحاد جنس الأجر أو اختلافه , وسواء أذن له المؤجر أو لم يأذن.
وللإمام أحمد قول ثالث أنه إن أذن المؤجر بالزيادة جاز , وإلا فلا.
فجمهور الفقهاء يجيزونه بعد القبض على التفصيل السابق.
أما قبل القبض فيجوز عند المالكية مطلقا عقارا كان أو منقولا , بمساو أو بزيادة أو بنقصان , وهو غير المشهور عند الشافعية وأحد الوجهين عند الحنابلة , لأن المعقود عليه هو المنافع , وهي لا تصير مقبوضة بقبض العين فلا يؤثر فيها القبض.
وفي المشهور عند الشافعية ووجه آخر عند الحنابلة: لا يجوز كما لا يجوز بيع المبيع قبل قبضه.
وذهب أبو حنيفة وأبو يوسف إلى جواز ذلك في العقار دون المنقول.
وذهب محمد إلى عدم الجواز مطلقا.
وهذا الخلاف مبني على اختلافهم في جواز بيع العقار قبل قبضه.
وقيل إنه لا خلاف بينهم في عدم جواز ذلك الإجارة.
إيجار المستأجر للمؤجر
وأما إجارة العين المستأجرة للمؤجر فالمالكية والشافعية يجيزونها مطلقا , عقارا أو منقولا , قبل القبض أو بعده , وهو أحد وجهين للحنابلة.
والوجه الثاني لهم أنه لا يجوز قبل القبض , بناء على عدم جواز بيع ما لم يقبض.
ومنع الحنفية إيجارها للمؤجر مطلقا , عقارا كان أو منقولا قبل القبض أو بعده , ولو بعد مستأجر آخر.
стр. 130
انتهاء الإجارة
تنتهي الإجارة بالإقالة , أو هلاك العين المؤجرة المعينة لا في الذمة , وبانقضاء المدة إلا لعذر باتفاق الفقهاء.
وقال الحنفية أن الإجارة تنتهي كذلك بموت أحد العاقدين خلافا لما ذهب إليه جمهور الفقهاء لأن الإجارة عند الجمهور عقد لازم.
стр. 131
انتهاء الإجار بموت أحد العاقدين
تنتهي الإجارة عند الحنفية بالموت , لأن الإرث يجرى في الموجود المملوك. وبما أن المنافع في الإجارة تحدث شيئا فشيئا , فتكون عند موت المورث معدومة , فلا تكون مملوكة له. وما لم يملكه يستحيل توريثه , فيحتاج عقد الإجارة للتجديد مع الوارث , حتى يصير العقد قائما مع المالك. ولو مات الوكيل بالعقد , لا تبطل الإجارة لأن العقد لم يقع له , وإنما هو مجرد عاقد عن غيره ولو ماتت الظئر (المرضع) أو الصبي , انتقضت الإجارة , لأن كل واحد منهما معقود له.
وذهب الجمهور إلى أنه لا ينفسخ عقد الإيجار بموت أحد العاقدين , لأنه عقد لازم كالبيع , أي أن المستأجر ملك المنافع بالعقد دفعة واحدة , ملكا لازما , فيورث عنه ولكن تنفسخ الإجارة بموت الظئر أو الصبي , لفوات المنفعة بهلاك محلها وهو الظئر , ولتعذر استيفاء المعقود عليه , لأنه لا يمكن إقامة غير هذا الصبي مقامه.
انتهاء الإجارة بالإقالة
تنتهي الإجارة بالإقالة (فسخ العقد برضا الطرفين) لأن الإجارة معاوضة مال بمال , فكانت محتملة للإقالة كالبيع. وهذا متفق عليه.
انتهاء الإجارة بهلاك العين المؤجرة
تنتهي الإجارة بالهلاك كالدار أو الدابة أو السيارة المعنية , وهلاك المؤجر عليه , كالثوب المؤجر للخياطة أو القصارة , لوقوع اليأس عن استيفاء المعقود عليه بعد هلاكه , فلم يصر في بقاء العقد فائدة. وهذا متفق عليه.
فإن كانت الإجارة على دواب بغير أعيانها للحمل أو الركوب , فتسلم المستأجر الدواب , فهلكت , لا تبطل الإجارة. وعلى المؤجر أن يأتي بغيرها لتحمل المتاع , وليس له أن يفسخ العقد , لأن الإجارة وقعت على منافع في الذمة , ولم يعجز المؤجر عن وفاء ما التزمه بالعقد , وهو حمل المتاع إلى موضع كذا. وهذا باتفاق المذاهب الأربعة.
قال الزيلعي أخذا برأي الإمام محمد بن الحسن والأصح أن الإجارة لا تنفسخ في هذه الحالة , لأن المنافع قد فاتت على وجه يتصور عودها وساحة الدار بعد انهدام البناء يتأتى فيها السكنى بنصب فسطاط (خيمة) ونحوها.
ويظهر أن هذا الرأي عند الحنفية هو الأصح , أي أن الإجارة لا تنفسخ بالقوة القاهرة , كانهدام الدار كلها , بدليل ما قال صاحب الدر المختار , وأيده ابن عابدين لو خربت الدار سقط كل الأجر , ولا تنفسخ به , ما لم يفسخها المستأجر , وهو الأصح. وأضاف ابن عابدين قائلا: وبانهدام الدار كلها , للمستأجر الفسخ بغيبة المؤجر , ولا تنفسخ ما لم يفسخ هو الصحيح , لصلاحيتها لنصب الفسطاط.
انتهاء الإجارة بانقضاء المدة
تنتهي الإجارة بذلك , لأن الثابت إلى غاية ينتهي عند وجود الغاية فتنفسخ الإجارة بانتهاء المدة , إلا إذا كان هناك عذر , بأن انقضت المدة , وفي الأرض زرع لم يستحصد , فإنه يترك إلى أن يستحصد بأجر المثل , وانتهاء الإيجار بانقضاء المدة في الجملة متفق عليه بين الفقهاء.
стр. 132
الهبة
стр. 133
تعريف الهبة
الهبة بالمعنى العام هي تبرع بمال لمصلحة الغير حال الحياة.
والهبة تشمل الهدية والصدقة فإن قصد منها طلب التقرب إلى الله تعالى بإعطاء محتاج فهي صدقة وإن حملت إلى مكان المهدى إليه إعظاما له وتوددا , فهي هدية وإلا فهي هبة.
стр. 134
تتميز الهبة عن الصدقة بكون الصدقة يقصد فيها المتبرع وجه الله تعالى , وعادة ما تكون للمحتاج بينما الهبة يقصد بها الواهب وجه الموهوب له. فقد ورد وفد لثقيف من أهل الطائف على رسول الله ﷺ بهدية , فقال النبي ﷺ : أهدية أم صدقة؟ فإن كانت هدية فإنما يبتغى بها وجه رسول الله ﷺ وقضاء الحاجة وإن كانت صدقة فإنما يبتغى بها وجه الله فقالوا: لا بل هدية فقبلها منهم.
كما تتميز الهبة عن الهدية بأن القصد في الهدية يتجه إلى إكرام المهدى إليه , بينما في الهبة يراعى وجهه بصفة عامة وبهذا تكون الهدية أعلى أنواع الهبة.
والهدف من الهبة: الإحسان وتمتين روابط المحبة بين الناس وذاك مقصد من مقاصد الشريعة الإسلامية
فقد قال الله ﴿إنما المؤمنون إخوة﴾ (الحجرات: ١٠)
стр. 135
مواهب الجليل (ج ٤٩) .
الهبة لا لثواب تمليك ذي منفعة لوجه المعطى بغير عوض والصدقة كذلك لوجه الله بدل وجه المعطى والهبة كذلك مع إرادة الثواب من الله صدقة.
المجموع (ج ١٥ ص ٣٧٥)
التمليك إن كان لعين بغير عوض من غير احتياج كان هبة فإن كان عن احتياج فصدقة.
حاشية الشرقاوي على متن الطلاب (ج ٢ ص ١١٥)
الهبة تمليك تطوع في حياة ثم إن ملك (الواهب) لاحتياج أو لثواب آخرة , فصدقة أو نقله للمتهب إكراما فهدية.
المغني (ج ٥ ص ٦٤٩)
من أعطى شيئا يتقرب به إلى الله تعالى للمحتاج فهو صدقة ومن دفع إلى إنسان شيئا للتقرب إليه والمحبة له فهو هدية وجميع ذلك مندوب إليه.
стр. 136
دليل مشروعية الهبة
حض الإسلام مالك المال على الهبة منه , وقد ورد ذلك في نصوص الوحي من الكتاب والسنة , كما انعقد الإجماع على استحباب الهبة لما فيها من تأليف القلوب وتوثيق عرى المحبة بين الناس.
стр. 137
الدليل من الكتاب
قول الله تعالى: ﴿ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب﴾ (البقرة: ١٧٧) .
قول الله تعالى: ﴿وآتوا النساء صدقاتهن نحلة فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا﴾ (النساء: ٤) .
الدليل من السنة
قول رسول الله ﷺ : تهادوا تحابوا. رواه البخاري
وقول رسول الله ﷺ : من بلغه معروف من أخيه , من غير مسألة , ولا إشراف نفس (أي تطلع) , فليقبله , ولا يرده , فإنما هو رزق ساقه الله إليه. صحيح ابن حبان (ج ٥ ص ١٧١)
وقول رسول الله ﷺ : لا تحقرن جارة أن تهدي لجارتها ولو فرسن شاة أي ظلفها. رواه الشيخان والترمذي
وقد قبل رسول الله هدية الكفار. فقبل هدية كسرى وهدية قيصر وهدية المقوقس. كما أهدى هو الكفار الهدايا والهبات.
الدليل من الإجماع
كان النبي ﷺ يهدي ويهدى إليه , وكذلك كان أصحابه يفعلون.
وقد انعقد الإجماع على استحباب الهبة وهي للأقارب أفضل لأن فيها صلة رحم.
стр. 138
البيان والتحصيل (ج ١٣ ص: ٣٦٤)
وسئل مالك عن الرجل يعطي الشيء يوصل به , أيستحب له أخذه , أم تركه؟ قال: بل تركه أفضل له إن كانه عنه غنيا إلا أن يخشى الهلاك ويكون محتاجا , فلا أرى بذلك بأسا.
قال محمد بن رشد وهذا كما قال: إن الأفضل له الأولى به: ألا يأخذه , وأن يتركه إذا لم يكن محتاجا إليه.
стр. 139
الوصف الفقهي للهبة
الهبة بالمعنى الخاص عقد تبرع يفيد تمليك العين في الحياة , فهي تختلف عن الإعارة والوصية والإبراء.
وإذا كانت الهبة في مقابلة عوض مالي (هبة الثواب أو الهبة بشرط العوض) فهي تعد عند جمهور الفقهاء بيعا ويجري فيها حكم البيع.
стр. 140
الهبة بالمعنى الخاص تفيد تمليك العين للغير حال الحياة
فإذا وهب الإنسان ماله لغيره لينتفع به ولم يملكه إياه فهذه ليست هبة حقيقية , وهي تسمى هبة المنافع أو الإعارة , إذ أن الهبة ترد على العين والإعارة ترد على المنفعة فقط. وإذا وهب الإنسان دينه للمدين نفسه , فهذه كذلك ليست هبة حقيقية , وهي تسمى هبة الدين أو الإبراء , إذ أن الهبة ترد على العين والإبراء يرد على الدين.
وإذا وهب الإنسان ماله لغيره وأضاف ذلك إلى ما بعد الموت , فهذه أيضا ليست هبة حقيقية , وهي تسمى الوصية , إذ أن الهبة تصرف في الحياة والوصية تضاف إلى ما بعد الموت.
ويعتبر جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة أن هبة الثواب تكون بيعا أي أنها تملك بمجرد تمام العقد ولا تحتاج لقبض الموهوب , وبذلك لا تنفذ فيها تصرفات الواهب إلا بإجازة الموهوب له.
ويرى الحنفية أن هبة الثواب هبة ابتداء بيع انتهاء أي أنه تتوفر فيها خصائص الهبة في البداية فتحتاج لقبض المحل لتصبح لازمة , وبعد القبض تتوفر فيها خصائص البيع من الرجوع بالعيب والاستحقاق وحق الشفعة فيما إذا كان الموهوب للثواب عقارا مشتركا ووهب أحد الشركاء نصيبه.
стр. 141
بداية المجتهد (ج ٨ ص ٢١٥)
وأما هبة الثواب فاختلفوا فيها ,. .
وسبب الخلاف: هل هي بيع مجهول الثمن , أو ليس بيعا مجهول الثمن؟
فمن رآه بيعا مجهول الثمن قال: هو من بيوع الغرر التي لا تجوز , ومن لم ير أنها بيع مجهول قال: يجوز , وكأن مالكا جعل العرف فيها بمنزلة الشرط وهو ثواب مثلها.
القوانين الفقهية (ص: ٢٤٢)
هبة الثواب: على أن يكافئه الموهوب له , وهي جائزة , والموهوب له مخير بين قبولها أو ردها , فإن قبلها فيجب أن يكافئه بقيمة الموهوب , ولا يلزمه الزيادة عليها ; ولا يلزم الواهب قبول ما دونها , وحكم هبة الثواب كحكم البيع يجوز فيها ما يجوز في البيوع ويمتنع فيها (هبة الثواب) ما يمتنع فيها (البيوع) من النسيئة وغير ذلك.
المدونة (ج ٦ ص ٧٩ و ١٢٨)
قلت لعبد الرحمن بن القاسم أرأيت لو أن رجلا وهب لرجل هبة على أن يعوضه , فتغيرت الهبة في يد الموهوب له بزيادة أو نقصان بدن قبل أن يعوضه , فأراد هذا الموهوب له ألا يعوضه , وأن يرد الهبة؟
قال: قال مالك ليس ذلك له , ويلزم له قيمتها.
قلت: أرأيت إن وهبت هبة للثواب , فأخذت العوض فأصاب الموهوب له بالهبة عيبا , أله أن يرجع في عوضه , ويرد الهبة؟
قال: نعم لأن الهبة على العوض بيع من البيوع , يصنع فيها وفي العوض ما يصنع بالبيع.
بدائع الصنائع (ج ٦ ص ١٣٢)
وأما العوض المشروط في العقد , فإن قال: وهبت لك هذا الشيء , على أن تثيبني هذا الثوب , فقد اختلف في ماهية هذا العقد:
قال أصحابنا الثلاثة: (أبو يوسف ومحمد بن الحسن الشيباني والحسن بن زياد الكوفي) إن عقده عقد هبة , وجوازه جواز بيع , وربما عبروا: أنه هبة ابتداء بيع انتهاء. حتى لا يجوز في المشاع الذي ينقسم , ولا يثبت الملك في واحد منهما قبل القبض ولكل واحد منهما أن يرجع في سلعته , ما لم يقبضا ,. . ولو تقابضا كان ذلك بمنزلة البيع يرد كل واحد منهما بالعيب , وعدم الرؤية , ويرجع في الاستحقاق , وفي الشفعة إذا كان غير منقول.
وقال زفر ﵀ , عقده عقد بيع , وجوازه جواز بيع ابتداء وانتهاء , وتثبت فيه أحكام البيع , فلا يبطلا بالشيوع , ويفيد الملك بنفسه , من غير شريطة القبض ولا يملكان الرجوع.
وجه قول (زفر) أن معنى البيع موجود في هذا العقد لأن البيع تمليك العين بعوض , وقد وجد. إلا أنه اختلفت العبارة , واختلافها لا يوجب اختلاف الحكم , كلفظ البيع مع لفظ التمليك.
ولنا أنه وجد في هذه العقد لفظ الهبة , ومعنى البيع , فيعطى شبه العقدين , فيعتبر فيه القبض والحيازة عملا بشبه الهبة , ويثبت فيه حق الرد بالعيب وعدم الرؤية وحق الشفقة عملا بشبه البيع عملا بالدليلين بقدر الإمكان والله أعلم.
المجموع (ج ١٥ ص ٣٨٦)
(إن) شرط فيه (عقد الهبة) ثوابا معلوما , ففيه قولان: -
أحدهما: يصح , لأنه تمليك مال بمال , فجاز كالبيع , فعلى هذا يكون كبيع بلفظ الهبة , فيه الربا والخيار , وجميع أحكامه. -
والثاني: أنه باطل لأنه عقد لا يقتضي العوض فبطل شرط العوض.
وإن شرط (الواهب) فيه ثوابا مجهولا بطل قولا واحدا لأنه شرط العوض ولأنه شرط عوضا مجهولا.
المغني (ج ٥ ص ٦٨٥)
فإن شرط في الهبة ثوابا معلوما صح نص عليه أحمد لأنه تمليك بعوض معلوم فهو كالبيع وحكمه حكم البيع في ضمان الدرك (العيب أو الاستحقاق) وثبوت الخيار والشفعة
فأما إن شرط ثوابا مجهولا , لم يصح وفسدت الهبة , وحكمها حكم البيع الفاسد , يردها الموهوب له بزيادتها المتصلة والمنفصلة ; لأنه نماء ملك الواهب.
стр. 142
الحكم التكليفي للهبة
يستحب هبة المال وبذله لما فيه من إيجاد التآلف والتحاب والهبة للأقارب أفضل لأن فيها صلة الرحم.
كما يستحب أخذ الهبة والمكافأة عليها وعدم ردها.
ولكن حرم الإسلام بعض أنواع الهبات والهدايا التي تكون لغرض خسيس غير مشروع مثل هدية الشفاعة وهدية العمال والرشوة.
стр. 143
يستحب هبة المال
كان النبي ﷺ يدعو إلى إعطاء الهدية , فهو يقول ﷺ : تهادوا فإن الهدية تذهب وحر الصدر (أي الحقد) .
كما يقول ﷺ : تهادوا تحابوا كما يقول ﷺ : لا تحقرن جارة أن تهدي لجارتها ولو فرسن شاة أي ظلفها. رواه الشيخان والترمذي
يستحب أخذ الهبة
كما كان النبي ﷺ يرغب في قبول الهدية وعدم ردها , فهو يقول ﷺ : من بلغه معروف من أخيه , من غير مسألة , ولا إشراف نفس (أي. تطلع) , فليقبله , ولا يرده , فإنما هو رزق ساقه الله إليه. صحيح ابن حبان (ج ٥ ص ١٧١)
ويقول ﷺ : لو أهدي إلي كراع (وهو ما دون الكعب من الدابة) لقبلت. ولو دعيت عليه لأجبت. رواه أحمد والترمذي
يستحب المكافأة على الهدية
ويستحب المكافأة على الهدية لما رواه أحمد والبخاري وأبو داود والترمذي عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يقبل الهدية ويثيب عليها.
ويقول رسول الله ﷺ : من أعطي عطاء فوجد (أي سعة من المال) فليجزه , ومن لم يجد فليثن , فإن من أثنى فقد شكر , ومن كتم فقد كفر , ومن تحلى بما لم يعط كان كلابس ثوبي زور رواه أبو داود والترمذي.
بعض أنواع الهبات المحرمة
ويثاب الإنسان على هبته بقدر نيته , هل هي لغرض التحبب إلى الناس وتقوية روابط الود أم هي لغرض الوصول إلى هدف غير مشروع.
فقد حرم الإسلام الرشوة لأنها أكل لأموال الناس بالباطل , فالرشوة لا تعطى بقصد الإكرام وإنما لطلب فعل الجرائم أو المساعدة على المنكرات.
ويقول رسول الله ﷺ : ما من قوم يظهر فيهم الربا , إلا أخذوا بالسنة , وما من قوم يظهر فيهم الرشا , إلا أخذوا بالرعب رواه أحمد.
كما حرم الإسلام هدايا العمال وهي ما يقدم لصاحب منصب في الدولة تقربا من الشخص لا لمزايا شخصية ولا لصداقة , ولكن فقط لأنه صاحب منصب , فهي في الواقع تقرب من المنصب.
وقد قال رسول الله ﷺ في ذلك: ما بال العامل نبعثه , فيجيء , فيقول: هذا لكم وهذا أهدى لي , ألا جلس في بيت أمه أو أبيه فلينظر: هل يهدى له أم لا؟ سنن أبي داود.
كما حرم الإسلام هدية الشفاعة وقد سماها الرسول (بابا عظيما من أبواب الربا) .
يقول ﷺ : من شفع لأخيه شفاعة , فأهدى له هدية عليها فقبلها , فقد أتى بابا عظيما من أبواب الربا. سنن أبي داود. ذلك أن الإسلام يجعل من مساعدة المظلومين ومهضومي الحقوق واجبا يدخل في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر , ومن الطبيعي ألا يؤخذ على الواجب أجر.
стр. 144
أقسام الهبة
تتميز بعض الأنواع من الهبات بسمات تجعلها خليقة باسم خاص بها , داخل عموم الهبة.
ونجد من بين هذه الأنواع: الصدقة , الهدية , النحلة , هبة الثواب , العمرى ,. . .
وتنفرد هذه الأنواع بخصائص تميزها عن غيرها من الهبات.
стр. 145
الصدقة
تتميز الصدقة عن باقي الهبات: أن نية المتصدق تتجه نحو القربى إلى الله ونيل ثواب الآخرة , ولذلك يطلب من المتصدق أن تظل العلاقة في نطاق السرية بين الله وعبده.
يقول الله تعالى: ﴿إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم﴾ (البقرة: ٢٧١) .
ويحث الإسلام على صدقة التطوع يقول الله :
﴿من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له وله أجر كريم﴾ (الحديد: ١١) .
وقد سمى رسول الله ﷺ الأموال التي دفعت صدقة بالأموال المملوكة للمتصدق , بينما سمى الأموال التي تبقى خارج نطاق الصدقة بأموال الورثة , وحذر المسلم أن يفقد توازنه فيحب مال الورثة أكثر مما يحب ماله هو: أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله؟ قالوا: يا رسول الله , ما منا أحد إلا ماله أحب إليه , قال: فإن ماله ما قدم , ومال وارثه ما أخر. صحيح البخاري
وتكون القربى إلى الله مضاعفة إذا كانت الصدقة على الأقارب. يقول الرسول ﷺ : الصدقة على المسكين صدقة , وعلى ذوي الرحم صدقة وصلة. سنن الترمذي
ويشترط لثبات أجر الصدقة ألا تكون فيها منة على المتصدق عليه , ولا إذاية بقول أو تعريض.
يقول الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى﴾ (البقرة: ٢٦٤) .
وقد جعل الإسلام الاستفادة من الصدقة مشروطة بعجز المستفيد عن العمل , أو بعجزه عن كفايته , لظروف تخرج عن إرادته.
ولهذا قال الرسول ﷺ : لا تحل الصدقة لغني , ولا لذي مرة سوي (أي القوي السليم الأعضاء والعقل) . سنن الترمذي
الهدية
إن صفة الإكرام لشخص المهدى إليه هي التي تميز الهدية عن هبات أخرى مشابهة.
فالهدية هي هبة يقصد بها إكرام الشخص إما محبة له , وإما لصداقة.
يقول رسول الله ﷺ : تهادوا تزدادوا حبا. نيل الأوطار (ج ٥ ص ٣٩٠)
وقد حث الرسول ﷺ على قبول الهدية مهما كان مقدارها ومهما كان نوعها حرصا على تنمية روح التواصل الاجتماعي.
وقد خاطب ﷺ مؤمنات النساء فقال: يا نساء المسلمات , لا تحقرن إحداكن أن تهدى لجارتها , ولو كراع شاة محرقا.
ويستحب المكافأة على الهدية
لما رواه أحمد والبخاري وأبو داود والترمذي عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يقبل الهدية ويثيب عليها وفي لفظ ابن أبي شيبة ويثيب ما هو خير منها. وقد كان رسول الله ﷺ يفعل ذلك ليقابل الجميل بمثله حتى لا يكون لأحد عليه منة.
النحلة
استعمل المغاربة والأندلسيون اسم النحلة للهبة إذا كانت للأولاد.
ولا خلاف بين جمهور العلماء في أن التسوية في الهبة للأبناء مستحبة لما رواه الإمام مسلم عن النعمان بن بشير قال:
تصدق أبي علي ببعض ماله , فقالت أمي عمرة بنت رواحة لا أرضى حتى تشهد رسول الله ﷺ فانطلق أبي إلى النبي ﷺ ليشهده على صدقتي , فقال رسول الله ﷺ : أفعلت هذا بولدك كلهم؟ قال: لا , قال: اتقوا الله , واعدلوا في أولادكم كما جاء قوله ﷺ : سووا بين أولادكم في العطية , ولو كنت مؤثرا لآثرت النساء على الرجال رواه البيهقي.
وقد اختلف الفقهاء في حكم التسوية في الهبة للأولاد , هل هو الوجوب أم الندب؟
فقال جمهور العلماء: لا تجب التسوية بل تندب , ويصح تفضيل بعض الورثة ولكن مع الكراهة , وحملوا الأمر بالتسوية في الأحاديث على الندب.
وقال جماعة من الفقهاء (وهم الإمام أحمد والثوري وطاوس وإسحاق وبعض المالكية) : تجب التسوية بين الأولاد في الهبة , وتبطل الهبة مع عدم المساواة عملا بظاهر الأمر في الأحاديث الذي يقتضي الوجوب مثل قوله ﷺ : اتقوا الله وقوله اعدلوا بين أولادكم.
واختلف القائلون بالتسوية في الهبة للأولاد في كيفية ذلك. فقال بعضهم العدل أن يجعل للذكر مثل حظ الأنثيين على حسب التوريث , وقال غيرهم لا فرق بين الذكر والأنثى وتكون الهبة لهما بالتسوية وهو ظاهر الأمر في الحديث.
هبة الثواب
هي هبة يشترط فيها الواهب: أن يحصل على عوض من الموهوب له , مقابل ما وهب له ; وهي جائزة لدى المذاهب الأربعة.
ومثال ذلك أن يقول الواهب: (وهبت لك هذا القلم على أن تعوضني هذا الثوب) .
ويعتبر جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة أن هبة الثواب تكون بيعا , أي أنها تملك بمجرد تمام العقد ولا تحتاج لقبض الموهوب , وبذلك لا تنفذ فيها تصرفات الواهب إلا بإجازة الموهوب له.
ويرى الحنفية أن هبة الثواب هبة ابتداء بيع انتهاء , أي أنه تتوفر فيها خصائص الهبة في البداية فتحتاج لقبض الموضوع لتصبح لازمة , وبعد القبض تتوفر فيها خصائص البيع من الرجوع بالعيب والاستحقاق وحق الشفعة فيما إذا كان الموهوب للثواب عقارا مشتركا ووهب أحد الشركاء نصيبه.
ويجب لدى الشافعية والحنفية والحنابلة أن يكون العوض في هبة الثواب معلوما كالعوض في البيوع , فإذا كان مجهولا , بطلت الهبة وكانت من نوع الجهالة في البيع بينما لا يشترط المالكية هذا الشرط , ويكتفون بدلالة العرف الذي يوجب عوض المثل , فدلالة العرف بمنزلة الشرط الصريح.
العمرى
العمرى هي نوع من الهبة , وهي أن يهب إنسان آخر شيئا مدى عمره كأن يقول مالك المال (وهو المعمر) للموهوب له (وهو المعمر) : هذا المال لك عمرك , أو مدة حياتك , أي أنه إذا مات الموهوب له عاد المال للواهب أو لورثته.
وقد ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والحنابلة والشافعية أن العمرى تمليك للذات لا للمنفعة فهي من هبة العين لا من هبة المنافع لأن النبي ﷺ اعتبر فكرة الاسترداد بعد وفاة المعمر له باطلة , فأثبت في العمرى ملك اليمين الدائم للمعمر له ما دام حيا ثم من بعده لورثته الذين يرثون أملاكه , إن كان له ورثة. فإن لم يكن له ورثة كانت لبيت المال , ولا يعود إلى المعمر شيء منها قط.
فعن عروة أن النبي ﷺ قال: من أعمر عمرى فهي له ولعقبه يرثها من يرثه من عقبه من بعده.
وعن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: العمرى جائزة. أخرجه البخاري ومسلم.
وعن أبي سلمة عن جابر أن نبي الله ﷺ كان يقول: العمرى لمن وهبت له.
كما أنه قال ﷺ أيما رجل أعمر عمرى له ولعقبه فإنها للذي يعطاها لا ترجع للذي أعطاها لأنه أعطى عطاء وقعت فيه المواريث أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة.
أما الإمام مالك فيرى: أن العمرى هي من قبيل هبة المنافع لا الرقبة وأن المعمر (الواهب) يسترد ماله عند نهاية الانتفاع بموت الموهوب له , أو بموت عقبه إذا كانت العمرى له ولعقبه.
следующие страницы →