Полный текст (3 138 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.
стр. 1786
قَوْله تَعَالَى: ﴿يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] إنَّ أَقَلَّ الْحَمْلِ سِتَّةُ أَشْهُرٍ. وَنَظَائِرُهُ كَثِيرَةٌ.
الرَّابِعُ: لَوْ فُرِضَ أَنَّ هَذَا مِنْ بَابِ اسْتِعْمَالِ اللَّفْظِ الْوَاحِدِ فِي مَعْنَيَيْهِ فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ مَنْعَ ذَلِكَ هُوَ الْحَقُّ؛ بَلْ لَيْسَ ذَلِكَ مَذْهَبَ أَحَدٍ مِنْ الْأَئِمَّةِ الْمُعْتَبَرِينَ؛ وَإِنَّمَا هُوَ قَوْلُ طَائِفَةٍ مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ. وَاَلَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُ عَامَّةِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَعَامَّةِ الْفُقَهَاءِ وَعَامَّةِ أَهْلِ اللُّغَةِ وَأَكْثَرِ الْمُتَكَلِّمِينَ لِجَوَازِ ذَلِكَ، فَلِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُحْمَلَ كَلَامُهُ عَلَى مَا يَعْتَقِدُ هُوَ صِحَّتَهُ وَيُنَاظِرُ عَلَيْهِ؟ ،
الْخَامِسُ: أَنَّ مَا ادَّعَوْهُ مِنْ أَنَّ النَّصَّ لَا يُدْفَعُ بِمُحْتَمَلٍ. تَقَدَّمَ جَوَابُهُ، وَبَيَّنَّا أَنَّهُ لَا نَصَّ هُنَا؛ بَلْ يُدْفَعُ الْمُحْتَمَلُ بِالنَّصِّ. وَذَكَرْنَا أَنَّ هَذَا الْبَحْثَ هُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْ الْأَئِمَّةِ الْكِبَارِ.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أَنَّهُ قُصِدَ بِهَذَا الشَّرْطِ نَفْيُ انْقِطَاعِ الْوَقْفِ، وَنَفْيُ اشْتِرَاكِ جَمِيعِ أَهْلِ الْوَقْفِ فِي نَصِيبِ الْمُتَوَفَّى عَنْ غَيْرِ وَلَدٍ، وَنَبَّهَ بِذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ عَنَى بِقَوْلِهِ عَنْ: وَلَدِهِ. تَرْتِيبَ الْأَفْرَادِ.
فَإِنْ قِيلَ: عَوْدُهُ إلَى جَمِيعِ الْجُمَلِ يُوجِبُ انْقِطَاعَ الْوَقْفِ فِي الْوَسَطِ فَحَمْلُ اللَّفْظِ عَلَى مَا يَنْفِي الِانْقِطَاعَ أَوْلَى؛ لِأَنَّ مَنْ مَاتَ عَنْ وَلَدٍ لَا يُصْرَفُ نَصِيبَهُ إلَى الطَّبَقَةِ عَمَلًا بِمُوجَبِ الشَّرْطِ، وَلَا إلَى الْوَلَدِ عَمَلًا بِمُوجَبِ التَّرْتِيبِ الْمُطْلَقِ. فَإِنْ قُلْتُمْ: إذَا جَعَلْنَاهُ مَبْنِيًّا لِتَرْتِيبِ الْأَفْرَادِ لَمْ يَكُنْ مُوجِبًا لِلِانْقِطَاعِ فَنُجِيبُ عَنْهُ بِالْبَحْثِ الْمُتَقَدِّمِ، وَهُوَ أَنَّ اسْتِحْقَاقَ الطَّبَقَةِ مُسْتَحَقٌّ لِظَاهِرِ اللَّفْظِ، فَلَا يُتْرَكُ بِمُتَرَدِّدٍ مُحْتَمَلٍ.
قِيلَ: أَوَّلًا هَذَا الْوَجْهُ لَا يَتِمُّ إلَّا بِهَذَا الْبَحْثِ، وَهُوَ إنَّمَا ذُكِرَ لِيَكُونَ مُؤَيِّدًا لَهُ، وَالْمُؤَيِّدُ لِلشَّيْءِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ غَيْرَهُ، وَلَا يَكُونُ مُعْتَمِدًا عَلَيْهِ. فَإِذَا كَانَ الْوَجْهُ لَا يَتِمُّ إلَّا بِذَلِكَ الْبَحْثِ كَانَتْ صِحَّتُهُ مَوْقُوفَةً عَلَى صِحَّتِهِ، وَالْفَرْعُ لَا يَكُونُ أَقْوَى مِنْ أَصْلِهِ، وَلَا يُكْسِبُهُ قُوَّةً؛ بَلْ يَكُونُ تَقْوِيَةُ ذَلِكَ الْوَجْهِ بِهِ تَقْوِيَةَ الشَّيْءِ بِنَفْسِهِ. وَهَذَا نَوْعٌ مِنْ
стр. 1787
الْمُصَادَرَةِ. وَإِذَا كَانَ هَذَا مَبْنِيًّا عَلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ، وَقَدْ أَجَبْنَا عَنْهُ فِيمَا مَضَى: فَقَدْ حَصَلَ الْجَوَابُ عَنْ هَذَا.
ثُمَّ نَقُولُ: الِانْتِفَاعُ يَنْتَفِي مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ الْوَقْفَ مَحْصُورٌ فِي الْأَوْلَادِ، ثُمَّ أَوْلَادِهِمْ. فَإِذَا مَاتَ الْمَيِّتُ عَنْ وَلَدٍ فَنَصِيبُهُ إمَّا لِإِخْوَتِهِ، أَوْ لِبَنِيهِمْ، أَوْ لِبَنِيهِ، أَوْ لِعُمُومَتِهِ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ يَقْتَضِي انْحِصَارَ الْوَقْفِ فِي الْأَوْلَادِ، ثُمَّ أَوْلَادِ الْأَوْلَادِ. وَهُمْ إمَّا ذُو طَبَقَتِهِ، أَوْ مَنْ هُوَ أَعْلَى مِنْهُ: عُمُومَتُهُ وَنَحْوُهُمْ؛ فَإِنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا مَعَ وُجُودِ أَبِيهِ، وَمَنْ هُوَ أَسْفَلُ مِنْهُ: وَلَدُهُ وَوَلَدُ إخْوَتِهِ، وَطَبَقَتُهُمْ. فَأَمَّا طَبَقَتُهُ فَانْتَفَوْا بِالْقَيْدِ الْمَذْكُورِ فِي اسْتِحْقَاقِهِمْ. وَأَمَّا بَنُوهُمْ فَانْتَفَوْا لِثَلَاثَةِ أَسْبَابٍ:
أَحَدُهَا: بِطَرِيقِ التَّنْبِيهِ؛ فَإِنَّ أَبَاهُمْ أَقْرَبُ إلَى الْمَيِّتِ، وَإِلَى الْوَاقِفِ. فَإِذَا لَمْ يُنْقَلْ إلَى الْأَقْرَبِ فَإِلَى الْأَبْعَدِ أَوْلَى. وَالثَّانِي: أَنَّهُ سَوَاءٌ عَنَى بِالتَّرْتِيبِ تَرْتِيبَ الْمَجْمُوعِ، أَوْ تَرْتِيبَ الْأَفْرَادِ، لَا يَسْتَحِقُّونَ فِي هَذِهِ الْحَالِ؛ فَإِنَّ الطَّبَقَةَ الْعُلْيَا لَمْ تَنْقَرِضْ، وَآبَاؤُهُمْ لَمْ يَمُوتُوا. الثَّالِثُ: أَنَّهُمْ فِي هَذِهِ الْحَالِ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِ الْوَقْفِ، وَلَمْ يَنْتَقِلْ إلَيْهِمْ مَا هُمْ أَصْلٌ فِيهِ، فَلَا يَنْتَقِلُ إلَيْهِمْ مَا هُمْ فُرُوعٌ فِيهِ. وَأَمَّا الْعُمُومَةُ فَإِنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَسْتَحِقَّ الْمَيِّتُ شَيْئًا مَعَ وُجُودِ عُمُومَتِهِ إلَّا عَلَى قَوْلِنَا فَفَرْضُ هَذِهِ الصُّورَةِ عَلَى رَأْيِ الْمُنَازِعِ مُحَالٌ.
وَإِذَا كَانَ وُجُودُ الْعُمُومَةِ مُسْتَلْزِمًا لِصِحَّةِ هَذَا الْقَوْلِ: فَمُحَالٌ أَنَّهُ يَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ مَا يُفْسِدُهُ؛ فَإِنَّ الشَّيْءَ الْوَاحِدَ لَا يَسْتَلْزِمُ صِحَّةَ الشَّيْءِ وَفَسَادَهُ؛ لَكِنْ يُقَالُ: قَدْ كَانَ الْمَيِّتُ أَوَّلًا لَمْ يُخَلِّفْ إلَّا إخْوَةً وَوَلَدًا، ثُمَّ مَاتَ وَلَدُهُ عَنْ وَلَدٍ وَأَعْمَامِهِ. فَنَقُولُ: حِرْمَانُ الْإِخْوَةِ مَعَ الْوَلَدِ تَنْبِيهٌ عَلَى حِرْمَانِ الْعُمُومَةِ. وَهَذَا حَقِيقَةُ الْجَوَابِ: أَنَّ نَفْيَ إخْوَتِهِ تَنْبِيهٌ عَلَى نَفْيِ عُمُومَتِهِ، كَمَا تَقَدَّمَ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: - النَّافِي لِلِانْقِطَاعِ - أَنَّ إعْطَاءَ الْإِخْوَةِ نَصِيبَ الْمَيِّتِ دُونَ سَائِرِ أَهْلِ الْوَقْفِ تَنْبِيهٌ عَلَى إعْطَاءِ الْوَلَدِ، كَمَا تَقَدَّمَ.
الثَّالِثُ: أَنَّ ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ التَّرْتِيبَ الْمُتَقَدِّمَ: تَرْتِيبُ الْأَفْرَادِ عَلَى الْأَفْرَادِ. وَقَدْ قَدَّمْنَا تَقْرِيرَ هَذَا.
стр. 1788
وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ يُوَفِّقُنَا لِمَا يُحِبُّهُ وَيَرْضَاهُ. وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا.
[مَسْأَلَةٌ وَقَفَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَنْفُسٍ]
٨٩٩ - ٥٨ مَسْأَلَةٌ:
فِي وَقْفٍ عَلَى أَرْبَعَةِ أَنْفُسٍ: عَمْرٍو، وَيَاقُوتَةَ، وَجَهْمَةَ، وَعَائِشَةَ: يَجْرِي عَلَيْهِمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ. فَمَنْ تُوُفِّيَ مِنْهُمْ عَنْ وَلَدٍ، أَوْ وَلَدِ وَلَدٍ، أَوْ عَنْ نَسْلٍ وَعَقِبٍ، وَإِنْ سَفَلَ: عَادَ مَا كَانَ جَارِيًا عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ عَلَى وَلَدِهِ، ثُمَّ عَلَى وَلَدِ وَلَدِهِ، ثُمَّ عَلَى نَسْلِهِ وَعَقِبِهِ، ثُمَّ مَنْ بَعْدَهُ وَإِنْ سَفَلَ، بَيْنَهُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ. وَمَنْ تُوُفِّيَ مِنْهُمْ عَنْ غَيْرِ وَلَدٍ وَلَا وَلَدِ وَلَدٍ وَلَا نَسْلٍ وَلَا عَقِبٍ عَادَ نَصِيبُهُ وَقْفًا عَلَى إخْوَتِهِ الْبَاقِينَ، ثُمَّ عَلَى أَنْسَالِهِمْ وَأَعْقَابِهِمْ، بَيْنَهُمْ، لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ، عَلَى الشَّرْطِ وَالتَّرْتِيبِ الْمُقَدَّمِ ذِكْرُهُمَا. فَإِذَا لَمْ يَبْقَ لِهَؤُلَاءِ الْإِخْوَةِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ نَسْلٌ وَلَا عَقِبٌ، أَوْ تُوُفُّوا بِأَجْمَعِهِمْ وَلَمْ يُعْقِبُوا وَلَا وَاحِدٌ مِنْهُمْ عَادَ ذَلِكَ وَقْفًا عَلَى الْأَسَارَى، ثُمَّ عَلَى الْفُقَرَاءِ. ثُمَّ تُوُفِّيَ عُمَرُ عَنْ فَاطِمَةَ، وَتُوُفِّيَتْ فَاطِمَةُ عَنْ عَيْنَاشَى ابْنَةِ إسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي يَعْلَى، ثُمَّ تُوُفِّيَتْ عَيْنَاشَى عَنْ غَيْرِ نَسْلٍ وَلَا عَقِبٍ، وَلَمْ يَبْقَ مِنْ ذُرِّيَّةِ هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَةِ إلَّا بِنْتَ إسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي يَعْلَى، وَكِلَاهُمَا مِنْ ذُرِّيَّةِ جَهْمَةَ. فَهَاتَانِ الْجِهَتَانِ اللَّتَانِ تَلِيهِمَا عَيْنَاشَى بَعْدَ مَوْتِ أَبِيهَا هَلْ يَنْتَقِلُ إلَى أُخْتِهَا رُقَيَّةَ؟ أَوْ إلَيْهَا، أَوْ إلَى ابْنَةِ عَمِّهَا صَفِيَّةَ؟ .
الْجَوَابُ: هَذَا النَّصِيبُ الَّذِي كَانَ لِعَيْنَاشَى مِنْ أُمِّهَا يَنْتَقِلُ إلَى ابْنَتَيْ الْعَمِّ الْمَذْكُورَتَيْنِ. وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَخُصَّ بِهِ أُخْتَهَا لِأَبِيهَا؛ لِأَنَّ الْوَاقِفَ ذَكَرَ: أَنَّ مَنْ تُوُفِّيَ مِنْ هَؤُلَاءِ الْإِخْوَةِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ عَنْ غَيْرِ وَلَدٍ وَلَا وَلَدِ وَلَدٍ وَلَا نَسْلٍ وَلَا عَقِبٍ عَادَ نَصِيبُهُ وَقْفًا عَلَى إخْوَتِهِ، ثُمَّ عَلَى أَنْسَالِهِمْ وَأَعْقَابِهِمْ، عَلَى الشَّرْطِ وَالتَّرْتِيبِ الْمُقَدَّمِ ذِكْرُهُمَا.
وَهَذِهِ الْعِبَارَةُ تَعُمُّ مَنْ انْقَطَعَ نَسْلُهُ أَوَّلًا وَآخِرًا. فَكُلُّ مَنْ انْقَطَعَ نَسْلُهُ مِنْ هَؤُلَاءِ الْإِخْوَةِ كَانَ نَصِيبُهُ لِإِخْوَتِهِ، ثُمَّ لِأَوْلَادِهِمْ؛ لِأَنَّ الْوَاقِفَ لَوْ لَمْ يُرِدْ هَذَا لَكَانَ قَدْ سَكَتَ عَنْ بَيَانِ حُكْمِ مَنْ أَعْقَبَ أَوَّلًا ثُمَّ انْقَطَعَ عَقِبُهُ وَلَمْ يُبَيِّنْ مَصْرِفَ نَصِيبِهِ. وَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا نُقِلَ الْوَقْفُ إلَى الْأَسْرَى وَالْفُقَرَاءِ إذَا لَمْ يَبْقَ لَهُ وَلَا لِمَوْقُوفٍ عَلَيْهِمْ نَسْلٌ وَلَا عَقِبٌ. فَمَتَى أَعْقَبُوا - وَلَوْ وَاحِدًا مِنْهُمْ - لَمْ يَنْتَقِلْ إلَى الْأَسْرَى شَيْءٌ، وَلَا إلَى الْفُقَرَاءِ.
وَذَلِكَ
стр. 1789
يُوجِبُ أَنْ يَنْتَقِلَ نَصِيبُ مَنْ انْقَطَعَ نَسْلُهُ مِنْهُمْ إلَى الْإِخْوَةِ الْبَاقِينَ، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ. وَأَيْضًا فَإِنَّهُ قَسَمَ حَالَ الْمُتَوَفَّى مِنْ الْأَرْبَعَةِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ إلَى حَالَيْنِ؛ إمَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ، أَوْ نَسْلٌ، وَعَقِبٌ، أَوْ لَا يَكُونُ. فَإِنْ كَانَ لَهُ انْتَقَلَ نَصِيبُهُ إلَى الْوَلَدِ، ثُمَّ إلَى وَلَدِ الْوَلَدِ، ثُمَّ إلَى النَّسْلِ وَالْعَقِبِ؛ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ انْتَقَلَ إلَى الْإِخْوَةِ، ثُمَّ إلَى أَوْلَادِهِمْ. فَيَنْبَغِي أَنْ يَعُمَّ هَذَا الْقِسْمُ مَا لَمْ يَدْخُلْ فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ لِيَعُمَّ الْبَيَانُ جَمِيعَ الْأَحْوَالِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ حَالِ الْمُتَكَلِّمِ؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَزِمَ الْإِهْمَالُ وَالْإِلْغَاءُ وَإِبْطَالُ الْوَقْفِ عَلَى قَوْلٍ. وَدَلَالَةُ الْحَالِ تَنْفِي هَذَا الِاحْتِمَالَ. وَإِذَا عَمَّ مَا لَمْ يَدْخُلْ فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ دَخَلَ فِيهِ مَنْ لَا وَلَدَ لَهُ وَمَنْ لَا وَلَدَ لِوَلَدِهِ وَمَنْ لَا عَقِبَ لَهُ. وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَأَيُّ هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَقِبٌ كَانَ نَصِيبُهُ لِإِخْوَتِهِ ثُمَّ لِعَقِبِهِ.
وَأَيْضًا فَإِنَّ الْوَاقِفَ قَدْ صَرَّحَ بِأَنَّ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ عَنْ غَيْرِ عَقِبٍ انْتَقَلَ نَصِيبُهُ إلَى إخْوَتِهِ، ثُمَّ إلَى أَوْلَادِهِمْ. وَهَذَا الْمَقْصُودُ لَا يَخْتَلِفُ بَيْنَ أَنْ لَا يَخْلُفَ وَلَدًا أَوْ يَخْلُفَ وَلَدًا ثُمَّ يَخْلُفَ وَلَدُهُ وَلَدًا؛ فَإِنَّ الْعَاقِلَ لَا يَقْصِدُ الْفَرْقَ بَيْنَ هَاتَيْنِ الْحَالَتَيْنِ؛ لِأَنَّ التَّفْرِيقَ بَيْنَ الْمُتَمَاثِلَيْنِ قَدْ عُلِمَ بِمُطَّرَدِ الْعَادَةِ أَنَّ الْعَاقِلَ لَا يَقْصِدُهُ، فَيَجِبُ أَنْ لَا يُحْمَلَ كَلَامُهُ عَلَيْهِ؛ بَلْ يُحْمَلُ كَلَامُهُ عَلَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ دَلَالَةَ الْحَالِ وَالْعُرْفِ الْمُطَّرَدِ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي اللَّفْظِ مَا هُوَ أَوْلَى مِنْهُ. وَإِذَا كَانَ انْقِطَاعُ النَّسْلِ أَوَّلًا وَآخِرًا سَوَاءٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى الِانْتِقَالِ إلَى الْإِخْوَةِ وَجَبَ حَمْلُ الْكَلَامِ عَلَيْهِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ مَنْ أَمْعَنَ النَّظَرَ عَلِمَ قَطْعًا أَنَّ الْوَاقِفَ إنَّمَا قَصَدَ هَذَا بِدَلَالَةِ الْحَالِ وَاللَّفْظُ سَائِغٌ لَهُ، وَلَيْسَ فِي الْكَلَامِ وَجْهٌ مُمْكِنٌ هُوَ أَوْلَى مِنْهُ. فَيَجِبُ الْحَمْلُ عَلَيْهِ قَطْعًا.
وَأَيْضًا فَإِنَّ الْوَقْفَ يُرَادُ لِلتَّأْيِيدِ، فَيَجِبُ بَيَانُ حَالِ الْمُتَوَفَّى فِي جَمِيعِ الطَّبَقَاتِ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ: وَمَنْ تُوُفِّيَ مِنْهُمْ عَنْ غَيْرِ وَلَدٍ وَلَا وَلَدِ وَلَدٍ، وَلَا نَسْلٍ وَلَا عَقِبٍ. فِي قُوَّةِ قَوْلِهِ: وَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ مَيِّتًا وَلَا عَقِبَ لَهُ؛ لِأَنَّ عَدَمَ نَسْلِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ بِمَنْزِلَةِ كَوْنِهِمْ مَعْدُومِينَ حَالَ مَوْتِهِ، فَلَا فَرْقَ فِي قَوْلِهِ هَذَا وَقَوْلِهِ: وَمَنْ مَاتَ مِنْهُمْ وَلَا وَلَدَ لَهُ. وَقَوْلِهِ: وَمَنْ مَاتَ مِنْهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ. وَهَذِهِ الْعِبَارَةُ وَإِنْ كَانَ قَدْ لَا يُفْهَمُ مِنْهَا إلَّا عَدَمُ الذُّرِّيَّةِ حِينَ الْمَوْتِ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ؛ لَكِنَّ اللَّفْظَ سَائِغٌ؛ لِعَدَمِ الذُّرِّيَّةِ مُطْلَقًا؛ بِحَيْثُ لَوْ كَانَ الْمُتَكَلِّمُ قَالَ: قَدْ أَرَدْت هَذَا لَمْ يَكُنْ خَارِجًا عَنْ حَدِّ الْإِفْهَامِ. وَإِذَا كَانَ اللَّفْظُ سَائِغًا
стр. 1790
لَهُ، وَلَمْ يَتَنَاوَلْ صُورَةَ الْحَادِثَةِ إلَّا هَذَا اللَّفْظُ: وَجَبَ إدْرَاجُهَا تَحْتَهُ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ إذَا دَارَ بَيْنَ صُورَةٍ يُحْكَمُ فِيهَا بِمَا يَصْلُحُ لَهُ لَفْظُ الْوَاقِفِ وَدَلَالَةُ حَالِهِ وَعُرْفُ النَّاسِ كَانَ الْأَوَّلُ هُوَ الْوَاجِبَ بِلَا تَرَدُّدٍ.
إذَا تَقَرَّرَ هَذَا: فَعَمُّ جَدِّ عَيْنَاشَى هُوَ الْآنَ مُتَوَفًّى عَنْ غَيْرِ وَلَدٍ وَلَا وَلَدِ وَلَدٍ وَلَا نَسْلٍ وَلَا عَقِبٍ فَيَكُونُ نَصِيبُهُ لِإِخْوَتِهِ الثَّلَاثَةِ عَلَى أَنْسَالِهِمْ وَأَعْقَابِهِمْ.
وَالْحَالُ الَّتِي انْقَطَعَ فِيهَا نَسْلُهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ إلَّا هَاتَانِ الْمَرْأَتَانِ، فَيَجِبُ أَنْ تَسْتَوِيَا فِي نَصِيبِ عَيْنَاشَى. وَهَكَذَا الْقَوْلُ فِي كُلِّ وَاحِدٍ انْقَطَعَ نَسْلُهُ؛ فَإِنَّ نَصِيبَهُ يَنْتَقِلُ إلَى ذُرِّيَّةِ إخْوَتِهِ إلَّا أَنْ يَبْقَى أَحَدٌ مِنْ ذُرِّيَّةِ أَبِيهِمْ الَّذِي انْتَقَلَ إلَيْهِ الْوَقْفُ مِنْهُ، أَوْ مِنْ ذُرِّيَّةِ أُمِّهِ الَّتِي انْتَقَلَ إلَيْهِ الْوَقْفُ مِنْهَا: فَيَكُونُ بَاقِي الذُّرِّيَّةِ هُمْ الْمُسْتَحِقِّينَ لِنَصِيبِ أُمِّهِمْ أَوْ أَبِيهِمْ؛ لِدُخُولِهِمْ فِي قَوْلِهِ: فَمَنْ تُوُفِّيَ مِنْهُمْ عَنْ وَلَدٍ أَوْ وَلَدِ وَلَدٍ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْكَلَامَ إنْ لَمْ يُحْمَلْ عَلَى هَذَا كَانَ نَصِيبُ هَذَا وَقْفًا مُنْقَطِعَ الِانْتِهَاءِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ: فَمَنْ تُوُفِّيَ مِنْهُمْ عَنْ وَلَدٍ كَانَ نَصِيبُهُ لِوَلَدِهِ، ثُمَّ لِوَلَدِ وَلَدِهِ، ثُمَّ لِنَسْلِهِ وَعَقِبِهِ. وَلَمْ يُبَيِّنْ بَعْدَ انْقِرَاضِ النَّسْلِ إلَى مَنْ يَصِيرُ؛ لَكِنْ بَيَّنَ فِي آخِرِ الشَّرْطِ أَنَّهُ لَا يَنْتَقِلُ إلَى الْأَسْرَى وَالْفُقَرَاءِ حَتَّى تَنْقَرِضَ ذُرِّيَّةُ الْأَرْبَعَةِ، فَيَكُونُ مَفْهُومُ هَذَا الْكَلَامِ صَرْفَهُ إلَى الذُّرِّيَّةِ. وَهَاتَانِ مِنْ الذُّرِّيَّةِ، وَهُمَا سَوَاءٌ فِي الدَّرَجَةِ، وَلَمْ يَبْقَ غَيْرُهُمَا: فَيَجِبُ أَنْ يَشْتَرِكَا فِيهِ وَلَيْسَ بَعْد هَذَيْنِ الِاحْتِمَالَيْنِ إلَّا أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: وَمَنْ تُوُفِّيَ مِنْهُمْ عَائِدًا إلَى الْأَرْبَعَةِ وَذُرِّيَّتِهِمْ.
فَيُقَالُ حِينَئِذٍ: عَيْنَاشَى قَدْ تُوُفِّيَتْ عَنْ أُخْتٍ مِنْ أَبِيهَا، وَابْنَةِ عَمٍّ. فَيَكُونُ نَصِيبُهَا لِأُخْتِهَا. وَهَذَا الْحَمْلُ بَاطِلٌ قَطْعًا، لَا يَنْفُذُ حُكْمُ حَاكِمٍ إنْ حَكَمَ بِمُوجَبِهِ؛ لِأَنَّ الضَّمِيرَ أَوَّلًا فِي قَوْلِهِ: فَمَنْ تُوُفِّيَ مِنْهُمْ. عَائِدٌ إلَى الْأَرْبَعَةِ. فَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ: وَمَنْ تُوُفِّيَ مِنْهُمْ عَائِدٌ ثَانِيًا إلَى هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَةِ؛ لِأَنَّ الرَّجُلَ إذَا قَالَ: هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَةُ مَنْ فَعَلَ مِنْهُمْ كَذَا فَافْعَلْ بِهِ كَذَا وَكَذَا، وَمَنْ فَعَلَ مِنْهُمْ كَذَا فَافْعَلْ لِوَلَدِهِ كَذَا. عُلِمَ بِالِاضْطِرَارِ أَنَّ الضَّمِيرَ الثَّانِيَ هُوَ الضَّمِيرُ الْأَوَّلُ. وَلِأَنَّهُ قَالَ: وَمَنْ تُوُفِّيَ مِنْهُمْ عَنْ غَيْرِ وَلَدٍ عَادَ نَصِيبُهُ إلَى إخْوَتِهِ الْبَاقِينَ.
وَهَذَا لَا يُقَالُ إلَّا فِيمَنْ لَهُ إخْوَةٌ تَبْقَى بَعْدَ مَوْتِهِ، وَإِنَّا نَعْلَمُ هَذَا فِي هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَةِ؛؛ لِأَنَّ الْوَاحِدَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِمْ قَدْ لَا يَكُونُ لَهُ إخْوَةٌ بَاقُونَ فَلَوْ أُرِيدَ ذَلِكَ الْمَعْنَى لَقِيلَ:
стр. 1791
عَلَى إخْوَتِهِ إنْ كَانَ لَهُ إخْوَةٌ. أَوْ قِيلَ: وَمَنْ مَاتَ مِنْهُمْ عَنْ إخْوَةٍ. كَمَا قِيلَ فِي الْوَلَدِ: وَمَنْ مَاتَ مِنْهُمْ عَنْ وَلَدٍ وَهَذَا ظَاهِرٌ لَا خَفَاءَ بِهِ. وَأَيْضًا فَلَوْ فُرِضَ أَنَّ مَنْ مَاتَ مِنْ أَهْلِ الْوَقْفِ عَنْ إخْوَةٍ كَانَ نَصِيبُهُ لِإِخْوَتِهِ فَإِنَّمَا ذَلِكَ فِي الْإِخْوَةِ الَّذِينَ شَرِكُوهُ فِي نَصِيبِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ؛ لَا فِي الْإِخْوَةِ الَّذِينَ هُمْ أَجَانِبُ عَنْ النَّصِيبِ الَّذِي خَلَّفَهُ - عَلَى مَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي مَوْضِعِهِ مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ عَلَى الْمَذَاهِبِ الْمَشْهُورَةِ - وَهَذَا النَّصِيبُ إنَّمَا تَلَقَّتْهُ عَيْنَاشَى مِنْ أُمِّهَا. وَأُخْتُهَا رُقَيَّةُ أَجْنَبِيَّةٌ مِنْ أُمِّهَا؛ لِأَنَّهَا أُخْتُهَا مِنْ أَبِيهَا فَقَطْ. فَنِسْبَةُ أُخْتِهَا لِأَبِيهَا وَابْنَةِ عَمِّهَا إلَى نَصِيبِ الْأُمِّ سَوَاءٌ. وَهَذَا بَيِّنٌ لِمَنْ تَأَمَّلَهُ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[مَسْأَلَةٌ فِي وَاقِفٍ وَقَفَ وَقْفًا عَلَى وَلَدَيْهِ]
٩٠٠ - ٥٩ مَسْأَلَةٌ:
فِي وَاقِفٍ وَقَفَ وَقْفًا عَلَى وَلَدَيْهِ: عُمَرَ، وَعَبْدِ اللَّهِ، بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ نِصْفَيْنِ: أَيَّامَ حَيَاتِهِمَا، أَبَدًا مَا عَاشَا، دَائِمًا مَا بَقِيَا، ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِهِمَا مِنْ بَعْدِهِمَا، وَأَوْلَادِ أَوْلَادِهِمَا، وَنَسْلِهِمَا، وَعَقِبِهِمَا، أَبَدًا، مَا تَنَاسَلُوا، بَطْنًا بَعْدَ بَطْنٍ. فَتُوُفِّيَ عَبْدُ اللَّهِ الْمَذْكُورُ وَخَلَّفَ أَوْلَادًا فَرَفَعَ عُمَرُ وَلَدَ عَبْدِ اللَّهِ إلَى حَاكِمٍ يَرَى الْحُكْمَ بِالتَّرْتِيبِ، وَسَأَلَهُ رَفْعَ يَدِ وَلَدِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ الْوَقْفِ، وَتَسْلِيمَهُ إلَيْهِ، فَرَفَعَ يَدَ وَلَدِ عَبْدِ اللَّهِ، وَسَلَّمَهُ إلَى عُمَرَ بِحُكْمِ أَنَّهُ مِنْ الْبَطْنِ الْأَوَّلِ فَهَلْ يَكُونُ ذَلِكَ الْحُكْمُ جَارِيًا فِي جَمِيعِ الْبُطُونِ أَمْ لَا؟ ثُمَّ إنَّ عُمَرَ تُوُفِّيَ وَخَلَّفَ أَوْلَادًا، فَوَضَعُوا أَيْدِيَهُمْ عَلَى الْوَقْفِ بِغَيْرِ حُكْمِ حَاكِمٍ، فَطَلَبَ وَلَدُ عَبْدِ اللَّهِ مِنْ حَاكِمٍ يَرَى الْحُكْمَ بِالتَّشْرِيكِ بَيْنَهُمْ فِي الْوَقْفِ تَشْرِيكَهُمْ؛ لِأَنَّ الْوَاقِفَ جَمَعَ بَيْنَ الْأَوْلَادِ وَالنَّسْلِ وَالْعَقِبِ فِي الِاسْتِحْقَاقِ بَعْدَ عَبْدِ اللَّهِ وَعُمَرَ بِالْوَاوِ الَّذِي يَقْتَضِي التَّشْرِيكَ؛ دُونَ التَّرْتِيبِ. وَأَنَّ قَوْلَهُ: بَطْنًا بَعْدَ بَطْنٍ لَا يَقْتَضِي التَّرْتِيبَ فَهَلْ الْحُكْمُ لَهُمْ بِالْمُشَارَكَةِ صَحِيحٌ أَمْ لَا؟ وَهَلْ حُكْمُ الْأَوَّلِ لِعُمَرَ مُتَقَدِّمٌ عَلَى وَلَدِ عَبْدِ اللَّهِ مُنَاقِضًا لِلْحُكْمِ بِالتَّشْرِيكِ بَيْنَ أَوْلَادِ عُمَرَ وَأَوْلَادِ عَبْدِ اللَّهِ؟ وَهَلْ لِحَاكِمٍ ثَالِثٍ أَنْ يُبْطِلَ هَذَا الْحُكْمَ وَالتَّنْفِيذَ؟
الْجَوَابُ: مُجَرَّدُ الْحُكْمِ لِأَحَدِ الْأَخَوَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ بِجَمِيعِ الْوَقْفِ بَعْدَ مَوْتِ أَخِيهِ الْمُتَوَفَّى لَا يَكُونُ جَارِيًا فِي جَمِيعِ الْبُطُونِ، وَلَا يَكُونُ حُكْمًا لِأَوْلَادِهِ بِمَا حَكَمَ لَهُ بِهِ، فَإِنَّ قَوْلَهُ: ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِهِمَا. هَلْ هُوَ لِتَرْتِيبِ الْمَجْمُوعِ عَلَى الْمَجْمُوعِ، أَوْ لِتَرْتِيبِ الْأَفْرَادِ عَلَى الْأَفْرَادِ، بِحَيْثُ يَنْتَقِلُ نَصِيبُ كُلِّ مَيِّتٍ إلَى وَلَدِهِ؟ فِيهِ قَوْلَانِ لِلْفُقَهَاءِ.
وَكَذَلِكَ
стр. 1792
قَوْلُهُ: وَأَوْلَادُهُمَا مِنْ بَعْدِهِمَا بَطْنًا بَعْدَ بَطْنٍ. هَلْ هُوَ لِلتَّرْتِيبِ أَوْ لِلتَّشْرِيكِ؟ فِيهِ قَوْلَانِ. فَإِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ بِاسْتِحْقَاقِ عُمَرَ الْجَمِيعَ بَعْدَ مَوْتِ عَبْدِ اللَّهِ كَانَ هَذَا لِاعْتِقَادِهِ لِتَرْتِيبِ الْمَجْمُوعِ إلَى الْمَجْمُوعِ. فَإِذَا مَاتَ عُمَرُ فَقَدْ يَرَى ذَلِكَ الْحَاكِمُ التَّرْتِيبَ فِي الطَّبَقَةِ الْأُولَى، فَقَطْ كَمَا قَدْ يُشْعِرُ بِهِ ظَاهِرُ اللَّفْظِ. وَقَدْ يَكُونُ يَرَى أَنَّ التَّرْتِيبَ فِي جَمِيعِ الْبُطُونِ؛ لَكِنَّ تَرْتِيبَ الْجَمِيعِ عَلَى الْجَمِيعِ، وَيَشْتَرِكُ كُلُّ طَبَقَةٍ مِنْ الطَّبَقَتَيْنِ فِي الْوَقْفِ دُونَ مَنْ هُوَ أَسْفَلُ مِنْهَا. وَقَدْ يَرَى غَيْرَهُ وَأَنَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ لِتَرْتِيبِ الْأَفْرَادِ عَلَى الْأَفْرَادِ؛ فَإِذَا حَكَمَ حَاكِمٌ ثَانٍ فِيمَا لَمْ يَحْكُمْ فِيهِ الْأَوَّلُ بِمَا لَا يُنَاقِضُ حُكْمَهُ لَمْ يَكُنْ نَقْضًا لِحُكْمِهِ، فَلَا يَنْقُضُ هَذَا الثَّانِيَ إلَّا بِمُخَالَفَةِ نَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[مَسْأَلَةٌ فِيمَنْ وَقَفَ وَقْفًا عَلَى ابْنِ ابْنِهِ فُلَانٍ ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِهِ]
٩٠١ - ٦٠ مَسْأَلَةٌ:
فِيمَنْ وَقَفَ وَقْفًا عَلَى ابْنِ ابْنِهِ فُلَانٍ، ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِهِ: وَاحِدًا كَانَ أَمْ أَكْثَرَ، ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِ أَوْلَادِهِ، ثُمَّ نَسْلَهُ، وَعَقِبِهِ. فَمَنّ تُوُفِّيَ مِنْهُمْ عَنْ وَلَدٍ أَوْ وَلَدِ وَلَدٍ أَوْ عَنْ نَسْلٍ وَعَقِبٍ عَادَ مَا كَانَ جَارِيًا عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ عَلَى مَنْ مَعَهُ فِي دَرَجَتِهِ. فَتُوُفِّيَ الْأَوَّلُ عَنْ أَوْلَادٍ، تُوُفِّيَ أَحَدُهُمْ فِي حَيَاتِهِ عَنْ أَوْلَادٍ، ثُمَّ مَاتَ الْأَوَّلُ وَخَلَّفَ بِنْتَه وَوَلَدَيْ ابْنِهِ. فَهَلْ تَأْخُذُ الْبِنْتُ الْجَمِيعَ أَوْ يَنْتَقِلُ إلَى وَلَدَيْ الِابْنِ مَا كَانَ يَسْتَحِقُّهُ أَبُوهُمَا لَوْ كَانَ حَيًّا؟
الْجَوَابُ: بَلْ النَّصِيبُ الَّذِي كَانَ يَسْتَحِقُّهُ مُحَمَّدٌ الْمَيِّتُ فِي حَيَاةِ أَبِيهِ لَوْ عَاشَ يَنْتَقِلُ إلَى وَلَدَيْهِ دُونَ أُخْتِهِ؛ فَإِنَّ الْوَاقِفَ قَدْ ذَكَرَ أَنَّ قَوْلَهُ: عَلَى أَوْلَادِهِ، ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِ أَوْلَادِهِ؛ إنَّمَا أَرَادَ بِهِ تَرْتِيبَ الْأَفْرَادِ عَلَى الْأَفْرَادِ لَا تَرْتِيبَ الْجُمْلَةِ عَلَى الْجُمْلَةِ بِمَا بَيَّنَهُ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ هُوَ مَدْلُولَ اللَّفْظِ عَنْ الْإِطْلَاقِ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ.
وَالْحُقُوقُ الْمُرَتَّبُ أَهْلُهَا شَرْعًا أَوْ شَرْطًا إنَّمَا يُشْتَرَطُ انْتِقَالُهَا إلَى الطَّبَقَةِ الثَّانِيَةِ عِنْدَ عَدَمِ الْأُولَى، أَوْ عَدَمِ اسْتِحْقَاقِهَا؛ لِاسْتِحْقَاقِ الْأُولَى أَوَّلًا، كَمَا يَقُولُ الْفُقَهَاءُ فِي الْعَصَبِ بِالْمِيرَاثِ أَوْ النِّكَاحِ: الِابْنُ؛ ثُمَّ ابْنُهُ، ثُمَّ الْأَبُ، ثُمَّ أَبُوهُ. فَاسْتِحْقَاقُ ابْنِ الِابْنِ مَشْرُوطٌ بِعَدَمِ أَبِيهِ؛ لِعَدَمِ اسْتِحْقَاقِهِ - لِمَانِعٍ يَقُومُ بِهِ كُفْرٌ وَغَيْرُهُ - لَا يُشْتَرَطُ أَنَّ أَبَاهُ يَسْتَحِقُّ شَيْئًا لَمْ يَنْتَقِلْ إلَيْهِ، كَذَلِكَ فِي الْأُمِّ: النِّكَاحُ، وَالْحَضَانَةُ، وَوِلَايَةُ غَسْلِ الْمَيِّتِ، وَالصَّلَاةُ عَلَيْهِ.
стр. 1793
وَإِنَّمَا يَتَوَهَّمُ مَنْ يَتَوَهَّمُ اشْتِرَاطَ اسْتِحْقَاقِ الطَّبَقَةِ الْأُولَى؛ لِتَوَهُّمِهِ أَنَّ الْوَقْفَ يَنْتَقِلُ مِنْ الْأُولَى إلَيْهَا، وَتَتَلَقَّاهُ الثَّانِيَةُ عَنْ الْأُولَى؛ كَالْمِيرَاثِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ بَلْ هِيَ تَتَلَقَّى الْوَقْفَ عَنْ الْوَاقِفِ، كَمَا تَلَقَّتْهُ الْأُولَى، وَكَمَا تَتَلَقَّى الْأَقَارِبُ حُقُوقَهُمْ عَنْ الشَّارِعِ؛ لَكِنْ يَرْجِعُ فِي الِاسْتِحْقَاقِ إلَى مَا شَرَطَهُ الشَّارِعُ وَالْوَاقِفُ مِنْ التَّرْتِيبِ.
[مَسْأَلَةٌ وَقَفَ إنْسَانٌ شَيْئًا عَلَى زَيْدٍ ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِ زَيْدٍ الثَّمَانِيَةِ]
٩٠٢ - ٦١ مَسْأَلَةٌ:
وَقَفَ إنْسَانٌ شَيْئًا عَلَى زَيْدٍ، ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِ زَيْدٍ الثَّمَانِيَةِ، فَمَاتَ وَاحِدٌ مِنْ أَوْلَادِ زَيْدٍ الثَّمَانِيَةِ الْمُعَيَّنِينَ فِي حَالِ حَيَاةِ زَيْدٍ، وَتَرَكَ وَلَدًا، ثُمَّ مَاتَ زَيْدٌ. فَهَلْ يَنْتَقِلُ إلَى وَلَدِ وَلَدِ زَيْدٍ مَا اسْتَحَقَّهُ وَلَدُ زَيْدٍ لَوْ كَانَ حَيًّا؟ أَمْ يَخْتَصُّ الْجَمِيعُ بِأَوْلَادِ زَيْدٍ؟ .
الْجَوَابُ: نَعَمْ يَسْتَحِقُّ وَلَدُ الْوَلَدِ مَا كَانَ يَسْتَحِقُّهُ وَالِدُهُ، وَلَا يَنْتَقِلُ ذَلِكَ إلَى أَهْلِ طَبَقَةِ الْمَيِّتِ مَا بَقِيَ مِنْ وَلَدِهِ وَوَلَدِ وَلَدِهِ أَحَدٌ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ قَوْلَ الْوَاقِفِ: عَلَى زَيْدٍ، ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِهِ ثُمَّ أَوْلَادِ أَوْلَادِهِ. فِيهِ لِلْفُقَهَاءِ مِنْ أَصْحَابِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِمْ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لِتَرْتِيبِ الْجُمْلَةِ عَلَى الْجُمْلَةِ، الْمَشْهُورِ فِي قَوْلِهِ: عَلَى زَيْدٍ وَعَمْرٍو، ثُمَّ عَلَى الْمَسَاكِينِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ لِتَرْتِيبِ الْأَفْرَادِ عَلَى الْأَفْرَادِ، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ [النساء: ١٢] أَيْ لِكُلِّ وَاحِدٍ نِصْفُ مَا تَرَكَتْهُ زَوْجَتُهُ.
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] أَيْ حُرِّمَتْ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ أُمُّهُ: إذْ مُقَابَلَةُ الْجَمْعِ بِالْجَمْعِ تَقْتَضِي تَوْزِيعَ الْأَفْرَادِ عَلَى الْأَفْرَادِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ: لَبِسَ النَّاسُ ثِيَابَهُمْ، وَرَكِبَ النَّاسُ دَوَابَّهُمْ.
وَهَذَا الْمَعْنَى هُوَ الْمُرَادُ فِي صُورَةِ السُّؤَالِ قَطْعًا؛ إذْ قَدْ صَرَّحَ الْوَاقِفُ بِأَنَّ مَنْ مَاتَ مِنْ هَؤُلَاءِ عَنْ وَلَدٍ انْتَقَلَ نَصِيبُهُ إلَى وَلَدِهِ، فَصَارَ الْمُرَادُ تَرْتِيبَ الْأَفْرَادِ عَلَى الْأَفْرَادِ
стр. 1794
فِي هَذِهِ الصُّورَةِ الْمُقَيَّدَةِ بِلَا خِلَافٍ؛ إذْ الْخِلَافُ إنَّمَا هُوَ مَعَ الْإِطْلَاقِ.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَاسْتِحْقَاقُ الْمُرَتَّبِ فِي الشَّرْعِ وَالشَّرْطُ فِي الْوَصِيَّةِ وَالْوَقْفِ وَغَيْرِ ذَلِكَ إنَّمَا يُشْتَرَطُ فِي انْتِقَالِهِ إلَى الثَّانِي عَدَمُ اسْتِحْقَاقِ الْأَوَّلِ، سَوَاءٌ كَانَ قَدْ وُجِدَ وَاسْتُحِقَّ، أَوْ وُجِدَ وَلَمْ يُسْتَحَقَّ، أَوْ لَمْ يُوجَدْ بِحَالٍ، كَمَا فِي قَوْلِ الْفُقَهَاءِ فِي تَرْتِيبِ الْعَصَبَاتِ، وَأَوْلِيَاءِ النِّكَاحِ، وَالْحَضَانَةِ، وَغَيْرِهِمْ فَيَسْتَحِقُّ ذَلِكَ الِابْنُ، ثُمَّ ابْنُهُ وَإِنْ سَفَلَ، ثُمَّ الْأَبُ ثُمَّ أَبُوهُ وَإِنْ عَلَا، فَإِنَّ الْأَقْرَبَ إذَا عُدِمَ أَوْ كَانَ مَمْنُوعًا لِكُفْرٍ أَوْ رِقٍّ انْتَقَلَ الْحَقُّ إلَى مَنْ يَلِيه. وَلَا يُشْتَرَطُ فِي انْتِقَالِ الْحَقِّ إلَى مَنْ يَلِيه أَنْ يَكُونَ الْأَوَّلُ قَدْ اسْتَحَقَّ. وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: النَّظَرُ فِي هَذَا لِفُلَانٍ، ثُمَّ لِفُلَانٍ، أَوْ لِابْنِهِ. فَمَتَى انْتَفَى النَّظَرُ عَنْ الْأَوَّلِ لِعَدَمِهِ أَوْ جُنُونِهِ أَوْ كُفْرِهِ انْتَقَلَ إلَى الثَّانِي، سَوَاءٌ كَانَ وَلَدًا أَوْ غَيْرَ وَلَدٍ. وَكَذَلِكَ تَرْتِيبُ الْعَصَبَةِ فِي الْمِيرَاثِ، وَفِي الْإِرْثِ بِالْوَلَاءِ، وَفِي الْحَضَانَةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ.
وَكَذَلِكَ فِي الْوَقْفِ: لَوْ وَقَفَ عَلَى أَوْلَادِهِ طَبَقَةً بَعْدَ طَبَقَةٍ عَصَبَتَهُمْ، وَشَرَطَ أَنْ يَكُونُوا عُدُولًا؛ أَوْ فُقَرَاءَ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ، وَانْتَفَى شَرْطُ الِاسْتِحْقَاقِ فِي وَاحِدٍ مِنْ الطَّبَقَةِ الْأُولَى، أَوْ كُلُّهُمْ. انْتَقَلَ الْحَقُّ عِنْدَ عَدَمِ اسْتِحْقَاقِ الْأَوَّلِ إلَى الطَّبَقَةِ الثَّانِيَةِ إذَا كَانُوا مُتَّصِفِينَ بِالِاسْتِحْقَاقِ.
وَسِرُّ ذَلِكَ أَنَّ الطَّبَقَةَ الثَّانِيَةَ تَتَلَقَّى الْوَقْفَ مِنْ الْوَاقِفِ؛ لَا مِنْ الطَّبَقَةِ الْأُولَى؛ لَكِنَّ تَلَقِّيهمْ ذَلِكَ مَشْرُوطٌ بِعَدَمِ الْأُولَى، كَمَا أَنَّ الْعَصَبَةَ الْبَعِيدَةَ تَتَلَقَّى الْإِرْثَ مِنْ الْمَيِّتِ؛ لَا مِنْ الْعَاصِبِ الْقَرِيبِ؛ لَكِنَّ شَرْطَ اسْتِحْقَاقِهِ عَدَمُ الْعَاصِبِ الْقَرِيبِ. وَكَذَلِكَ الْوَلَاءُ - فِي الْقَوْلِ الْمَشْهُورِ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ - يَرِثُ بِهِ أَقْرَبُ عَصَبَةِ الْمَيِّتِ يَوْمَ مَوْتِ الْمُعْتِقِ؛ لِأَنَّهُ يُورَثُ كَمَا يُورَثُ الْمَالُ.
وَإِنَّمَا يَغْلَطُ ذِهْنُ بَعْضِ النَّاسِ فِي مِثْلِ هَذَا حَيْثُ يَظُنُّ أَنَّ الْوَلَدَ يَأْخُذُ هَذَا الْحَقَّ إرْثًا عَنْ أَبِيهِ أَوْ كَالْإِرْثِ؛ فَيَظُنُّ أَنَّ الِانْتِقَالَ إلَى الثَّانِيَةِ مَشْرُوطٌ بِاسْتِحْقَاقِ الْأُولَى، كَمَا ظَنَّ ذَلِكَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ. فَيَقُولُ: إذَا لَمْ يَكُنْ الْأَبُ قَدْ تَرَكَ شَيْئًا لَمْ يَرِثْهُ الِابْنُ. وَهَذَا غَلَطٌ؛ فَإِنَّ الِابْنَ لَا يَأْخُذُ مَا يَأْخُذُ الْأَبُ بِحَالٍ، وَلَا يَأْخُذُ عَنْ الْأَبِ شَيْئًا؛ إذْ لَوْ كَانَ الْأَبُ؛ مَوْجُودًا لَكَانَ يَأْخُذُ الرِّيعَ مُدَّةَ حَيَاتِهِ، ثُمَّ يَنْتَقِلُ إلَى ابْنِهِ الرِّيعُ الْحَادِثُ بَعْدَ مَوْتِ الْأَبِ؛ لَا الرِّيعُ الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ؛ وَأَمَّا رَقَبَةُ الْوَقْفِ فَهِيَ بَاقِيَةٌ عَلَى حَالِهَا: حَقُّ الثَّانِي فِيهَا فِي وَقْتِهِ نَظِيرُ حَقِّ الْأَوَّلِ فِي وَقْتِهِ، لَمْ يَنْتَقِلْ إلَيْهِمْ إرْثًا.
стр. 1795
وَلِهَذَا اتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ فِي طَبَقَاتِ الْوَقْفِ أَنَّهُ لَوْ انْتَفَتْ الشُّرُوطُ فِي الطَّبَقَةِ الْأُولَى أَوْ بَعْضِهِمْ لَمْ يَلْزَمْ حِرْمَانُ الطَّبَقَةِ الثَّانِيَةِ إذَا كَانَتْ الشُّرُوطُ مَوْجُودَةً فِيهِمْ؛ وَإِنَّمَا نَازَعَ بَعْضُهُمْ فِيمَا إذَا عَدِمُوا قَبْلَ زَمَنِ الِاسْتِحْقَاقِ. وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الصُّورَتَيْنِ.
وَيُبَيِّنُ هَذَا أَنَّهُ لَوْ قِيلَ بِانْتِقَالِ نَصِيبِ الْمَيِّتِ إلَى إخْوَتِهِ لِكَوْنِهِ مِنْ الطَّبَقَةِ كَانَ ذَلِكَ مُسْتَلْزِمًا لِتَرْتِيبِ جُمْلَةِ الطَّبَقَةِ عَلَى الطَّبَقَةِ؛ أَوْ إنَّ بَعْضَ الطَّبَقَةِ الثَّانِيَةِ أَوْ كُلَّهُمْ لَا يَسْتَحِقُّ إلَّا مَعَ عَدَمِ جَمِيعِ الطَّبَقَةِ الْأُولَى. وَنَصُّ الْوَاقِفِ يُبَيِّنُ أَنَّهُ أَرَادَ تَرْتِيبَ الْأَفْرَادِ عَلَى الْأَفْرَادِ؛ مَعَ أَنَّا نَذْكُرُ فِي الْإِطْلَاقِ قَوْلَيْنِ: الْأَقْوَى تَرْتِيبُ الْأَفْرَادِ مُطْلَقًا؛ إذْ هَذَا هُوَ الْمَقْصُودُ مِنْ هَذِهِ الْعِبَارَةِ؛ وَهُمْ يَخْتَارُونَ تَقْدِيمَ وَلَدِ الْمَيِّتِ عَلَى أَخِيهِ فِيمَا يَرِثُهُ أَبُوهُ؛ فَإِنَّهُ يُقَدِّمُ الْوَلَدَ عَلَى الْأَخِ. وَإِنْ قِيلَ بِأَنَّ الْوَقْفَ فِي هَذَا مُنْقَطِعٌ فَقَدْ صَرَّحَ هَذَا الْوَاقِفُ بِالْأَلْفَاظِ الدَّالَّةِ عَلَى الِاتِّصَالِ، فَتَعَيَّنَ أَنْ يَنْتَقِلَ نَصِيبُهُ إلَى وَلَدِهِ.
وَفِي الْجُمْلَةِ فَهَذَا مَقْطُوعٌ بِهِ؛ لَا يَقْبَلُ نِزَاعًا فِقْهِيًّا؛ وَإِنَّمَا يَقْبَلُ نِزَاعًا غَلَطًا. وَقَوْلُ الْوَاقِفِ: فَمَنْ مَاتَ مِنْ أَوْلَادِ زَيْدٍ، أَوْ أَوْلَادِ أَوْلَادِهِ وَتَرَكَ وَلَدًا، أَوْ وَلَدَ وَلَدٍ وَإِنْ سَفَلَ: كَانَ نَصِيبُهُ إلَى وَلَدِ وَلَدِهِ، أَوْ وَلَدِ وَلَدِ وَلَدِهِ. يُقَالُ فِيهِ: إمَّا أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: نَصِيبُهُ. يَعُمُّ النَّصِيبُ الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ إذَا كَانَ مُتَّصِفًا بِصِفَةِ الِاسْتِحْقَاقِ، سَوَاءٌ اسْتَحَقَّهُ أَوْ لَمْ يَسْتَحِقَّهُ، وَلَا يَتَنَاوَلُ إلَّا مَا اسْتَحَقَّهُ. فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ فَلَا كَلَامَ وَهُوَ الْأَرْجَحُ؛ لِأَنَّهُ بَعْدَ مَوْتِهِ لَيْسَ هُوَ فِي هَذِهِ الْحَالِ مُسْتَحَقًّا لَهُ؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْأَبُ مَمْنُوعًا لِانْتِفَاءِ صِفَةٍ مَشْرُوطَةٍ فِيهِ مَثَلًا: مِثْلُ أَنْ يُشْتَرَطَ فِيهِمْ الْإِسْلَامُ أَوْ الْعَدَالَةُ أَوْ الْفَقْرُ كَأَنْ يَنْتَقِلَ مَعَ وُجُودِ الْمَانِعِ إلَى وَلَدِهِ، كَمَا يَنْتَقِلُ مَعَ عَدَمِهِ؛ وَلِأَنَّ الشَّيْءَ يُضَافُ إلَى الشَّيْءِ بِأَدْنَى مُلَابَسَةٍ، فَيَصْدُقُ أَنْ يُقَالَ: نَصِيبُهُ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ؛ وَلِأَنَّ حَمْلَ اللَّفْظ عَلَى ذَلِكَ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ كَلَامُ الْوَاقِفِ مُتَنَاوِلًا لِجَمِيعِ الصُّوَرِ الْوَاقِعَةِ، فَهُوَ أَوْلَى مِنْ حَمْلِهِ عَلَى الْإِخْلَال بِذِكْرِ الْبَعْضِ، وَلِأَنَّهُ يَكُونُ مُطَابِقًا لِلتَّرْتِيبِ الْكَلَامِيِّ؛ وَلَيْسَ ذَلِكَ هُوَ الْمَفْهُومَ مِنْ ذَلِكَ عِنْدَ الْعَامَّةِ الشَّارِطِينَ مِثْلَ هَذَا.
وَهَذَا أَيْضًا مُوجَبُ الِاعْتِبَارِ وَالْقِيَاسِ النَّظَرِيِّ عِنْدَ النَّاسِ فِي شُرُوطِهِمْ إلَى اسْتِحْقَاقِ وَلَدِ الْوَلَدِ الَّذِي يَكُونُ يَتِيمًا لَمْ يَرِثْ هُوَ وَأَبُوهُ مِنْ الْجَدِّ شَيْئًا، فَيَرَى الْوَاقِفُ أَنْ يُجْبِرَهُ بِالِاسْتِحْقَاقِ حِينَئِذٍ؛ فَإِنَّهُ يَكُونُ لَاحِقًا فِيمَا وَرِثَ أَبُوهُ مِنْ التَّرِكَةِ وَانْتَقَلَ إلَيْهِ
стр. 1796
الْإِرْثُ وَهَذَا الَّذِي يَقْصِدُهُ النَّاسُ مُوَافِقٌ لِمَقْصُودِ الشَّارِعِ أَيْضًا؛ وَلِهَذَا يُوصُونَ كَثِيرًا بِمِثْلِ هَذَا الْوَلَدِ.
وَإِنْ قِيلَ: إنَّ هَذَا اللَّفْظَ لَا يَتَنَاوَلُ إلَّا مَا اسْتَحَقَّهُ كَانَ هَذَا مَفْهُومَ مَنْطُوقٍ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ فَلَا مَفْهُومَ لَهُ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَفْهُومٌ كَانَ مَسْكُوتًا عَنْهُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ؛ وَلَكِنْ قَدْ يَتَنَاوَلُهُ فِي قَوْلِهِ: عَلَى زَيْدٍ، ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِهِ، ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِ أَوْلَادِهِمْ. فَإِنَّا ذَكَرْنَا أَنَّ مُوجَبَ هَذَا اللَّفْظِ مَعَ مَا ذُكِرَ بَعْدَهُ مِنْ أَنَّ الْمَيِّتَ يَنْتَقِلُ نَصِيبُهُ إلَى وَلَدِهِ صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْمُرَادَ تَرْتِيبُ الْأَفْرَادِ عَلَى الْأَفْرَادِ. وَالتَّقْدِيرُ عَلَى زَيْدٍ، ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِهِ، ثُمَّ عَلَى وَلَدِ كُلِّ وَاحِدٍ بَعْدَ وَالِدِهِ، وَهَذَا اللَّفْظُ يُوجِبُ أَنْ يَسْتَحِقَّ كُلُّ وَاحِدٍ مَا كَانَ أَبُوهُ مُسْتَحِقَّهُ لَوْ كَانَ مُتَّصِفًا بِصِفَةِ الِاسْتِحْقَاقِ، كَمَا يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ أَهْلُ طَبَقَاتِهِ. وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ فِي أَمْثَالِ ذَلِكَ شَرْعًا وَشَرْطًا؛ وَإِذَا كَانَ هَذَا مُوجِبَ اسْتِحْقَاقِ الْوَلَدِ؛ وَذَلِكَ التَّفْصِيلُ إمَّا أَنْ يُوجِبَ اسْتِحْقَاقَ الْوَلَدِ أَيْضًا. وَهُوَ الْأَظْهَرُ. أَوْ لَا يُوجِبُ حِرْمَانُهُ فَيُقِرُّ الْعَمَلُ بِالدَّلِيلِ السَّالِمِ عَنْ الْمُعَارِضِ الْمُقَاوِمِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[مَسْأَلَةٌ فِيمَنْ وَقَفَ وَقْفًا عَلَى أَوْلَادِهِ عَلَى أَنَّهُ مَنْ تُوُفِّيَ مِنْهُمْ عَنْ وَلَدٍ ذَكَرٍ انْتَقَلَ نَصِيبُهُ إلَى وَلَدِهِ]
٩٠٣ - ٦٢ مَسْأَلَةٌ:
فِيمَنْ وَقَفَ وَقْفًا عَلَى أَوْلَادِهِ: فُلَانٍ وَفُلَانٍ وَفُلَانٍ. وَعَلَى ابْنِ ابْنِهِ فُلَانٍ: عَلَى أَنَّهُ مَنْ تُوُفِّيَ مِنْهُمْ عَنْ وَلَدٍ ذَكَرٍ انْتَقَلَ نَصِيبُهُ إلَى وَلَدِهِ، وَمَنْ مَاتَ عَنْ بِنْتٍ انْتَقَلَ نَصِيبُهُ إلَيْهَا؛ ثُمَّ إلَى أَعْمَامِهَا؛ ثُمَّ بَنِي أَعْمَامِهَا الْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ مِنْهُمْ. فَمَاتَ ابْنُ ابْنٍ عَنْ غَيْرِ وَلَدٍ، وَتَرَكَ أُخْتَهُ مِنْ أَبَوَيْهِ، وَأَعْمَامُهُ فَأَيُّهُمْ أَحَقُّ؟
الْجَوَابُ: يَنْتَقِلُ نَصِيبُهُ إلَى أُخْتِهِ لِأَبَوَيْهِ؛ فَإِنَّهُ قَدْ ظَهَرَ مِنْ قَصْدِ الْوَاقِفِ تَخْصِيصُ مَا كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَسْتَحِقَّهُ أَصْلُهُ؛ وَتَخْصِيصُ نَصِيبِ الْمَيِّتِ عَنْ غَيْرِ وَلَدٍ بِالْأَقْرَبِ إلَيْهِ، وَأَنَّهُ أَقَامَ مُوسَى ابْنُ الِابْنِ مَقَامَ ابْنِهِ؛ لِأَنَّ أَبَاهُ كَانَ مَيِّتًا وَقْتَ الْوَقْفِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[مَسْأَلَةٌ فِي قَرْيَةٍ وَقَفَهَا السُّلْطَانُ فَجَعَلَ رِيعَهَا وَقْفًا عَلَى شَخْصٍ مُعَيَّنٍ ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِهِ مِنْ بَعْدِهِ]
٩٠٤ - ٦٣ مَسْأَلَةٌ:
فِي قَرْيَةٍ وَقَفَهَا السُّلْطَانُ صَلَاحُ الدِّينِ؛ فَجَعَلَ رِيعَهَا وَقْفًا عَلَى
стр. 1797
شَخْصٍ مُعَيَّنٍ؛ ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِهِ مِنْ بَعْدِهِ؛ وَالنِّصْفُ وَالرُّبْعُ عَلَى الْفُقَرَاءِ. وَاسْتَمَرَّ الْأَمْرُ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ، وَالْقَرْيَةُ عَامِرَةٌ؛ فَلَمَّا كَانَ سَنَةَ دُخُولِ قَازَانَ خَرِبَتْ هَذِهِ الْقَرْيَةُ وَاسْتَمَرَّتْ دَائِرَةً مُدَّةَ ثَمَانِ سِنِينَ، فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ الْمَشَائِخِ وَأَخَذَ تَوْقِيعًا سُلْطَانِيًّا بِتَمْكِينِهِ مِنْ أَنْ يُعَمِّرَ هَذِهِ الْقَرْيَةَ، فَعَمَّرَهَا وَتُوُفِّيَ إلَى رَحْمَةِ اللَّهِ، وَخَلَّفَ أَيْتَامًا صِغَارًا فُقَرَاءَ لَا مَالَ لَهُمْ، فَجَاءَتْ امْرَأَةٌ مِنْ ذُرِّيَّةِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ صَاحِبِ الرِّيعِ فَأَثْبَتَتْ نَسَبَهَا، وَتَسَلَّمَتْ رِيعَ هَذِهِ الْقَرْيَةِ، وَاسْتَمَرَّ النِّصْفُ وَالرُّبْعُ عَلَى الْفُقَرَاءِ بِحُكْمِ شَرْطِ الْوَاقِفِ، وَبَقِيَ أَوْلَادُ الَّذِي عَمَّرَ الْقَرْيَةَ فُقَرَاءَ. فَهَلْ يَجُوزُ لَهُمْ أَنْ يَقْبِضُوا كِفَايَتَهُمْ فِي جُمْلَةِ الْفُقَرَاءِ؟ أَمْ لَهُمْ مَا غَرِمَهُ وَالِدُهُمْ عَلَى تَعْمِيرِهَا مَا لَمْ يَسْتَوْفِ عِوَضَهُ قَبْلَ وَفَاتِهِ؟
الْجَوَابُ: إنْ كَانُوا دَاخِلِينَ فِي شُرُوطِ الْوَاقِفِ فَإِنَّهُمْ يَسْتَحِقُّونَ مَا يَقْتَضِيه الشَّرْطُ، وَإِنْ قُدِّرَ تَعَذُّرُ الصَّرْفِ إلَى الْمَوْصُوفِينَ لِتَعَذُّرِ بَعْضِ الْأَوْصَافِ. فَكَانَ هَؤُلَاءِ الْأَطْفَالُ مُشَارِكِينَ فِي الِاسْتِحْقَاقِ لِمَنْ يُصْرَفُ إلَيْهِ الْمَالَ - فَيَنْبَغِي أَنْ يُصْرَفَ إلَيْهِمْ أَيْضًا مَا غَرِمَهُ وَالِدُهُمْ مِنْ الْقَرْيَةِ بِالْمَعْرُوفِ مِنْ مَالِهِ؛ لِيَسْتَوْفِيَ عِوَضَهُ، فَإِنَّهُمْ يَسْتَوْفُونَهُ مِنْ مُغَلِّ الْوَقْفِ
[مَسْأَلَةٌ قِسْمَةِ الْوَقْفِ وَمَنَافِعِهِ]
٩٠٥ - ٦٤ مَسْأَلَةٌ:
فِي قِسْمَةِ الْوَقْفِ وَمَنَافِعِهِ؟
الْجَوَابُ: مَا كَانَ وَقْفًا عَلَى جِهَةٍ وَاحِدَةٍ لَمْ يَجُزْ قِسْمَةُ عَيْنِهِ؛ فَإِنَّمَا يَجُوزُ قِسْمَةُ مَنَافِعِهِ بِالْمُهَايَأَةِ. وَإِذَا تَهَايَئُوا ثُمَّ أَرَادُوا نَقْضَهَا فَلَهُمْ ذَلِكَ، وَإِذَا لَمْ يَقَعْ مِنْ الْمُسْتَحِقِّ أَوْ وَكِيلِهِ فَهِيَ بَاطِلَةٌ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[مَسْأَلَةٌ وَقْفٍ عَلَى جِهَةٍ وَاحِدَةٍ فَقَسَّمَهُ قَاسِمٌ حَنْبَلِيٌّ]
٩٠٦ - ٦٥ مَسْأَلَةٌ:
فِي وَقْفٍ عَلَى جِهَةٍ وَاحِدَةٍ، فَقَسَّمَهُ قَاسِمٌ حَنْبَلِيٌّ، مُعْتَقِدًا جَوَازَ ذَلِكَ: حَيْثُ وُجِدَ فِي الْمُخْتَصَرَاتِ: إنَّا إذَا قُلْنَا الْقِسْمَةُ إقْرَارٌ جَازَ قِسْمَةُ الْوَقْفِ، ثُمَّ تَنَاقَلَ الشَّرِيكَانِ بَعْضَ الْأَعْيَانِ، ثُمَّ طَلَبَ بَعْضُهُمْ نَصِيبَهُ الْأَوَّلَ مِنْ الْمُقَاسَمَةِ؟
الْجَوَابُ: إذَا كَانَ الْوَقْفُ عَلَى جِهَةٍ وَاحِدَةٍ فَإِنَّ عَيْنَهُ لَا تُقْسَمُ قِسْمَةً لَازِمَةً؛ لَا فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ وَلَا غَيْرِهِ؛ وَإِنَّمَا فِي الْمُخْتَصَرَاتِ لَمَّا أَرَادُوا بَيَانَ فُرُوعِ قَوْلِنَا: الْقِسْمَةُ إقْرَارٌ أَوْ بَيْعٌ. فَإِذَا قُلْنَا: هِيَ بَيْعٌ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ الْوَقْفَ لَا يُبَاعُ.
وَإِذَا قُلْنَا: هِيَ إقْرَارٌ جَازَ
стр. 1798
قِسْمَتُهُ فِي الْجُمْلَةِ. وَلَمْ يَذْكُرُوا شُرُوطَ الْقِسْمَةِ كَمَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ فِي أَمْثَالِ ذَلِكَ. وَقَدْ ذَكَرَ طَائِفَةً مِنْهُمْ فِي قِسْمَةِ الْوَقْفِ وَجْهَيْنِ، وَصَرَّحَ الْأَصْحَابُ بِأَنَّ الْوَقْفَ إنَّمَا يَجُوزُ قِسْمَتُهُ إذَا كَانَ عَلَى جِهَتَيْنِ فَأَمَّا الْوَقْفُ عَلَى جِهَةٍ وَاحِدَةٍ فَلَا تُقْسَمُ عَيْنُهُ اتِّفَاقًا: فَالتَّعْلِيقُ حَقُّ الطَّبَقَةِ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ؛ لَكِنْ تَجُوزُ الْمُهَايَأَةُ عَلَى مَنَافِعِهِ. وَ " الْمُهَايَأَةُ بِلَا مُنَاقَلَةٍ، فَإِنْ تَرَاضَوْا بِذَلِكَ أُعِيدَ الْمَكَانُ شَائِعًا كَمَا كَانَ فِي الْعَيْنِ وَالْمَنْفَعَةِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[مَسْأَلَةٌ وَقْفٍ عَلَى جَمَاعَةٍ]
٩٠٧ - ٦٦ مَسْأَلَةٌ:
فِي وَقْفٍ عَلَى جَمَاعَةٍ، وَأَنَّ بَعْضَ الشَّرِكَةِ قَدْ دَفَعَ فِي الْفَاكِهَةِ مَبْلَغًا، وَأَنَّ بَعْضَ الشَّرِكَةِ امْتَنَعَ مِنْ التَّضْمِينِ وَالضَّمَانِ، وَطَلَبَ أَنْ يَأْخُذَ مِمَّنْ يَشْتَرِيهِ قَدْرَ حِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَرَةِ. فَهَلْ يَحْكُمُ عَلَيْهِ الْحَاكِمُ بِالْبَيْعِ مَعَ الشَّرِكَةِ أَمْ لَا؟
الْجَوَابُ: إذَا لَمْ تُمْكِنْ قِسْمَةُ ذَلِكَ قَبْلَ الْبَيْعِ بِلَا ضَرَرٍ فَعَلَيْهِ أَنْ يَبِيعَ مَعَ شُرَكَائِهِ وَيُقَاسِمَهُمْ الثَّمَنَ.
[مَسْأَلَةٌ فِي وَقْفٍ لِمَصَالِحِ الْحَرَمِ وَعِمَارَتِهِ]
٩٠٨ - ٦٧ مَسْأَلَةٌ:
فِي وَقْفٍ لِمَصَالِحِ الْحَرَمِ وَعِمَارَتِهِ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يُصْرَفُ فِي وُجُوهِ الْبِرِّ وَالصَّدَقَاتِ، وَعَلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ الْمُقِيمِينَ بِالْحَرَمِ فَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يُصْرَفَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى الْقُوَّامِ وَالْفَرَّاشِينَ الْقَائِمِينَ بِالْوَظَائِفِ؟
الْجَوَابُ: نَعَمْ الْقَائِمُونَ بِالْوَظَائِفِ مِمَّا يَحْتَاجُ إلَيْهِ الْمَسْجِدُ: مِنْ تَنْظِيفٍ، وَحِفْظٍ، وَفُرُشٍ، وَتَنْوِيرُهُ، وَفَتْحُ الْأَبْوَابِ؛ وَإِغْلَاقُهَا، وَنَحْوُ ذَلِكَ: هُمْ مِنْ مَصَالِحِهِ: يَسْتَحِقُّونَ مِنْ الْوَقْفِ عَلَى مَصَالِحِهِ.
[مَسْأَلَةٌ فِي رَجُلٍ اشْتَرَى دَارًا وَلَمْ يَكُنْ فِي كُتُبِهِ غَيْرُ ثَلَاثِ حُدُودٍ وَالْحَدُّ الرَّابِعُ لِدَارٍ وَقْفٍ]
٩٠٩ - ٦٨ مَسْأَلَةٌ:
فِي رَجُلٍ اشْتَرَى دَارًا، وَلَمْ يَكُنْ فِي كُتُبِهِ غَيْرُ ثَلَاثِ حُدُودٍ، وَالْحَدُّ الرَّابِعُ لِدَارِ وَقْفٍ. ثُمَّ إنَّ الَّذِي اشْتَرَى هَدَمَ الدَّار وَعَمَّرَهَا. ثُمَّ إنَّهُ فَتَحَ الطَّاقَةَ فِي دَارِ الْوَقْفِ يَخْرُجُ النُّورُ مِنْهَا إلَى مَخْزَنٍ، وَجَعَلَ إلَى جَنْبِ الْجِدَارِ سِقَايَةً مُجَاوِرَةً لِلْوَقْفِ، مُحْدَثَةً، تَضُرُّ حَائِطَ الْوَقْفِ، وَبَرَزَ بُرُوزًا عَلَى دَوْرِ قَاعَةِ الْوَقْفِ. فَإِذَا بَنَى عَلَى دَوْرِ الْقَاعَةِ؛ وَجَعَلَ أَخْشَابَ سَقْفٍ عَلَى الْجِدَارِ الَّذِي لِلْوَقْفِ، وَفَعَلَ هَذَا بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّ الْأَمْرِ، وَذَكَرَ أَنَّهُ اسْتَأْجَرَهُ كُلَّ سَنَةٍ بِثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ، وَوَلِيُّ الْأَمْرِ لَمْ يُؤَجِّرْهُ إلَى
стр. 1799
الْآنَ، وَلَا الْمُبَاشِرِينَ. ثُمَّ إنَّ رَجُلًا حَلَفَ بِاَللَّهِ أَنَّهُ يَسْتَأْجِرُ هَذَا الْجِدَارَ، وَهُوَ بَيْنَ الدُّورِ، وَأُزِيلَ مَا فَعَلَهُ مِنْ الْبُرُوزِ وَالسِّقَايَةِ، وَلَمْ أُحْدِثْ فِيهِ عِمَارَةً إلَّا احْتِسَابًا لِلَّهِ تَعَالَى، وَاسْتَأْجَرَهُ كُلَّ سَنَةٍ بِعِشْرِينَ دِرْهَمًا، مُدَّةَ عِشْرِينَ سَنَةً، حَتَّى بَقِيَ دَوْرُ قَاعَةِ الْوَقْفِ نَيِّرَةً، وَلَمْ تَتَضَرَّرْ الْجِيرَةُ بِالْعُلُوِّ. فَهَلْ يَجُوزُ الْإِيجَارُ لِلَّذِي تَعَدَّى؟ أَمْ لِلَّذِي قَصَدَ الْمَثُوبَةَ وَزِيَادَةً لِلْوَقْفِ بِالْأُجْرَةِ إنْ أَجَّرَهُ وَلِيُّ الْأَمْرِ الْمَنْفَعَةَ بِالزِّيَادَةِ، وَلِإِزَالَةِ الضَّرَرِ عَنْ الْوَقْفِ؟
الْجَوَابُ: لَيْسَ لَهُ أَنْ يَبْنِيَ عَلَى جِدَارِ الْوَقْفِ مَا يَضُرُّ بِهِ بِاتِّفَاقِ النَّاسِ؛ بَلْ وَكَذَلِكَ إذَا لَمْ يَضُرَّ بِهِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ، وَدَعْوَاهُ الِاسْتِئْجَارَ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ بِغَيْرِ حُجَّةٍ. وَلَوْ آجَرَ إجَارَةً فِيهَا ضَرَرٌ عَلَى الْوَقْفِ لَمْ تَكُنْ إجَارَةً شَرْعِيَّةً. وَمَنْ طَلَبَ اسْتِئْجَارَهُ بَعْدَ هَذَا وَكَانَ ذَلِكَ مَصْلَحَةً لِلْوَقْفِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ؛ بَلْ يَجِبُ أَنْ يُؤَجِّرَ، وَإِذَا كَانَ لَهُ نِيَّةٌ حَسَنَةٌ حَصَلَ لَهُ مِنْ الْأَجْرِ وَالثَّوَابِ بِحَسَبِ ذَلِكَ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[مَسْأَلَةٌ فِي رَجُلٍ سَاكِنٍ فِي خَانِ وَقْفٍ وَلَهُ مُبَاشِرٌ لِرَسْمِ عِمَارَتِهِ وَإِصْلَاحِهِ]
٩١٠ - ٦٩ مَسْأَلَةٌ: فِي رَجُلٍ سَاكِنٍ فِي خَانِ وَقْفٍ، وَلَهُ مُبَاشِرٌ لِرَسْمِ عِمَارَتِهِ وَإِصْلَاحِهِ، وَإِنَّ السَّاكِنَ أَخْبَرَ الْمُبَاشِرَ أَنَّ مَسْكَنَهُ يُخْشَى سُقُوطُهُ، وَهُوَ يُدَافِعُهُ، ثُمَّ إنَّ الْمُبَاشِرَ صَعِدَ إلَى الْمَسْكَنِ الْمَذْكُورِ، وَرَآهُ بِعَيْنِهِ، وَرَكَضَهُ بِرَجُلِهِ، وَقَالَ: لَيْسَ بِهَذَا سُقُوطٌ، وَلَا عَلَيْك مِنْهُ ضَرَرٌ؛ وَتَرَكَهُ وَنَزَلَ، فَبَعْدَ نُزُولِهِ سَقَطَ الْمَسْكَنُ الْمَذْكُورُ عَلَى زَوْجَةِ السَّاكِنِ وَأَوْلَادِهِ، فَمَاتَ ثَلَاثَةٌ، وَعُدِمَ جَمِيعُ مَالِهِ: فَهَلْ يَلْزَمُ الْمُبَاشِرَ مَنْ مَاتَ، وَيَغْرَمُ الْمَالَ الَّذِي عُدِمَ أَمْ لَا؟ .
الْجَوَابُ: عَلَى هَذَا الْمُبَاشِرِ الْمَذْكُورِ الَّذِي تَقَدَّمَ إلَيْهِ وَأَخَّرَ الِاسْتِهْدَامَ ضَمَانُ مَا تَلِفَ بِسُقُوطِهِ؛ بَلْ يَضْمَنُ، وَلَوْ كَانَ مَالِكَ الْمَكَانِ: إذَا خِيفَ السُّقُوطُ وَأُعْلِمَ بِذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْمُعْلِمُ لَهُ مُسْتَأْجِرًا مِنْهُ عِنْدَ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ كَأَبِي حَنِيفَةَ، وَمَالِكٍ، وَأَحْمَدَ فِي الْمَشْهُورِ، وَطَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِمْ؛ لَكِنَّ بَعْضَهُمْ يَشْتَرِطُ الْإِشْهَادَ عَلَيْهِ، وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَشْتَرِطُ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ مُفَرِّطٌ بِتَرْكِ نَقْضِهِ وَإِصْلَاحِهِ، وَلَوْ ظَنَّ أَنَّهُ لَا يَسْقُطُ. فَإِنَّهُ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُرِيَ ذَلِكَ لِأَرْبَابِ الْخِبْرَةِ بِالْبِنَاءِ، فَإِذَا تَرَكَ ذَلِكَ كَانَ مُفَرِّطًا
стр. 1800
ضَامِنًا لِمَا تَلِفَ بِتَفْرِيطِهِ؛ لَا سِيَّمَا مَعَ قَوْلِهِ لِلْمُسْتَأْجِرِ: إنْ شِئْت فَاسْكُنْ، وَإِنْ شِئْت فَلَا تَسْكُنْ؛ فَإِنَّ هَذَا عُدْوَانٌ مِنْهُ. فَإِنَّ الْمُسْتَأْجِرَ لَهُ مُطَالَبَةُ الْمُؤَجِّرِ بِالْعِمَارَةِ الَّتِي يَحْتَاجُ إلَيْهَا الْمَكَانُ، وَاَلَّتِي هِيَ مِنْ مُوجَبِ الْعَقْدِ. وَهَذِهِ الْعِمَارَةُ وَاجِبَةٌ مِنْ جِهَة حَقِّ أَهْلِ الْوَقْفِ وَمِنْ جِهَةِ حَقِّ الْمُسْتَأْجِرِ.
وَالْعُلَمَاءُ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِنَاظِرِ الْوَقْفِ أَنْ يُفَرِّطَ فِي الْعِمَارَةِ الَّتِي اسْتَحَقَّهَا الْمُسْتَأْجِرُ. فَهَذَانِ التَّفْرِيطَانِ يَجِبُ عَلَيْهِ بِتَرْكِهِمَا ضَمَانُ مَا يُكَفُّ بِتَفْرِيطِهِ، فَيَضْمَنُ مَالَ الْوَقْفِ لِلْوَقْفِ، وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ الْمَنَافِعُ الَّتِي اسْتَحَقَّهَا الْمُسْتَأْجِرُ؛ بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ الْعَيْنُ بَاقِيَةً؛ فَإِنَّ لَهُ أَنْ يُضَمِّنَهُ إيَّاهَا وَلَهُ أَنْ يَفْسَخَ الْإِجَارَةَ. وَأَمَّا مَا تَلِفَ بِالتَّفْرِيطِ مِنْ النُّفُوسِ وَالْأَمْوَالِ الَّتِي لِلْمُسْتَأْجِرِ فَيَضْمَنُ مِنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ الثَّلَاثَةِ، وَيَضْمَنُ مَا تَلِفَ لِلْجِيرَانِ مِنْ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ، كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ.
[مَسْأَلَةٌ فِي مَالٍ مَوْقُوفٍ عَلَى فِكَاكِ الْأَسْرَى]
٩١١ - ٧٠ مَسْأَلَةٌ:
فِي مَالٍ مَوْقُوفٍ عَلَى فِكَاكِ الْأَسْرَى؛ وَإِذَا اُسْتُدِينَ بِمَالٍ فِي ذِمَمِ الْأَسْرَى بِخَلَاصِهِمْ لَا يَجِدُونَ وَفَاءَهُ: هَلْ يَجُوزُ صَرْفُهُ مِنْ الْوَقْفِ؟ وَكَذَلِكَ لَوْ اسْتَدَانَهُ وَلِيُّ فِكَاكِهِمْ بِأَمْرِ نَاظِرِ الْوَقْفِ أَوْ غَيْرِهِ؟
الْجَوَابُ: نَعَمْ يَجُوزُ ذَلِكَ؛ بَلْ هُوَ الطَّرِيقُ فِي خَلَاصِ الْأَسْرَى أَجْوَدُ، مِنْ إعْطَاءِ الْمَالِ ابْتِدَاءً لِمَنْ يَفْتِكُهُمْ بِعَيْنِهِمْ، فَإِنَّ ذَلِكَ يُخَافُ عَلَيْهِ، وَقَدْ يُصْرَفُ فِي غَيْرِ الْفِكَاكِ. وَأَمَّا هَذَا فَهُوَ مَصْرُوفٌ فِي الْفِكَاكِ قَطْعًا. وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يُصْرَفَ عَيْنُ الْمَالِ فِي جِهَةِ الِاسْتِحْقَاقِ، أَوْ يُصْرَفَ مَا اُسْتُدِينَ، كَمَا «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ تَارَةً يَصْرِفُ مَالَ الزَّكَاةِ إلَى أَهْلِ السُّهْمَانِ، وَتَارَةً يَسْتَدِينُ لِأَهْلِ السُّهْمَانِ» ثُمَّ يَصْرِفُ الزَّكَاةَ إلَى أَهْلِ الدَّيْنِ. فَعُلِمَ أَنَّ الصَّرْفَ وَفَاءً كَالصَّرْفِ لِأَدَاءٍ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[مَسْأَلَةٌ رَجُلٍ تَحْتَهُ حِصَّةٌ فِي حَمَّامٍ وَهِيَ مَوْقُوفَةٌ عَلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ]
٩١٢ - ٧١ مَسْأَلَةٌ:
فِي رَجُلٍ تَحْتَهُ حِصَّةٌ فِي حَمَّامٍ وَهِيَ مَوْقُوفَةٌ عَلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينٍ فَخَرِبَ شَيْءٌ مِنْ الْحَمَّامِ فِي زَمَانِ الْعَدُوِّ. فَأَجَرَ تِلْكَ الْحِصَّةَ لِشَخْصٍ مُدَّةَ ثَمَانِ سِنِينَ بِثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ، وَأَذِنَ لَهُ أَنْ يَصْرِفَ تِلْكَ الْأُجْرَةَ فِي الْعِمَارَةِ الضَّرُورِيَّةِ فِي
стр. 1801
الْحَمَّامِ، فَعَمَرَ الْمُسْتَأْجِرُ، وَصَرَفَ فِي الْعِمَارَةِ: حَتَّى صَارَتْ أُجْرَةَ الْحِصَّةِ الْمَذْكُورَةِ وَذُكِرَ أَنَّهُ فَضَلَ لَهُ عَلَى الْوَقْفِ مَالٌ زَائِدٍ عَنْ الْأُجْرَةِ مِنْ غَيْرِ إذْنِ الْمُؤَجِّرِ فَهَلْ يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ أَمْ لَا؟
الْجَوَابُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ. إذَا عَمَرَ عِمَارَةً زَائِدَةً عَنْ الْعِمَارَةِ الْوَاجِبَةِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَأْذُونِ فِيهَا لَمْ يَكُنْ عَلَى أَهْلِ الْحَمَّامِ أَنْ يَقُومُوا بِبَقِيَّةِ تِلْكَ الْعِمَارَةِ الزَّائِدَةِ، وَلَا قِيمَتِهَا؛ بَلْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهَا إذَا لَمْ يَضُرَّ أَخْذُهَا بِالْوَقْفِ. وَإِذَا كَانَتْ الْعِمَارَةُ تَزِيدُ كِرَاءَ الْحَمَّامِ، فَاتَّفَقُوا عَلَى أَنْ تَبْقَى الْعِمَارَةُ لَهُ؛ لَا يُعْطُونَهُ بِقِيمَتِهَا؛ بَلْ يَكُونُ مَا يَحْصُلُ مِنْ زِيَادَةِ الْأُجْرَةِ بِإِزَاءِ ذَلِكَ، جَازَ ذَلِكَ. وَإِنْ أَرَادَ أَهْلُ الْوَقْفِ أَنْ يَقْلَعُوا الْعِمَارَةَ الزَّائِدَةَ فَلَهُمْ ذَلِكَ؛ إذَا لَمْ تَنْقُصْ الْمَنْفَعَةُ الْمُسْتَحَقَّةُ بِالْعَقْدِ. وَإِنْ اتَّفَقُوا عَلَى أَنْ يُعْطُوهُ بَقِيَّةَ الْعِمَارَةِ يُزِيدُهُمْ فِي الْأُجْرَةِ بِقَدْرِ مَا زَادَ مِنْ الْمَنْفَعَةِ جَازَ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[مَسْأَلَةٌ فِي وَقْفٍ عَلَى تَكْفِينِ الْمَوْتَى]
٩١٣ - ٧٢ مَسْأَلَةٌ:
فِي وَقْفٍ عَلَى تَكْفِينِ الْمَوْتَى، يُقْبَضُ رِيعُهُ كُلَّ سَنَةٍ عَلَى الشَّرْطِ: هَلْ يُتَصَدَّقُ بِهِ. وَهَلْ يُعْطَى مِنْهُ أَقَارِبُ الْوَاقِفِ الْفُقَرَاءُ؟
الْجَوَابُ: إذَا فَاضَ الْوَقْفُ عَنْ الْأَكْفَانِ صُرِفَ الْفَاضِلُ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ. وَإِذَا كَانَ أَقَارِبُهُ مَحَاوِيجَ فَهُمْ أَحَقُّ مِنْ غَيْرِهِمْ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[مَسْأَلَةٌ فِي فَقِيهٍ مُنَزَّلٍ فِي مَدْرَسَةٍ ثُمَّ غَابَ مُدَّةَ الْبَطَالَةِ]
٩١٤ - ٧٣ مَسْأَلَةٌ:
فِي فَقِيهٍ مُنَزَّلٍ فِي مَدْرَسَةٍ، ثُمَّ غَابَ مُدَّةَ الْبَطَالَةِ: فَهَلْ يَحِلُّ مَنْعُهُ مِنْ الْجَامِكِيَّةِ أَمْ لَا؟
الْجَوَابُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، إذَا لَمْ يَغِبْ إلَّا شَهْرَ الْبَطَالَةِ فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّ مَا يَسْتَحِقُّهُ الشَّاهِدُ؛ لَا فَرْقَ فِي أَشْهُرِ الْبَطَالَةِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْبَطَّالُ شَاهِدًا أَوْ غَائِبًا. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[مَسْأَلَةٌ فِي مُقْرِئٍ عَلَى وَظِيفَةٍ سَافَرَ وَاسْتَنَابَ شَخْصًا وَلَمْ يَشْتَرِطْ عَلَيْهِ فَلَمَّا عَادَ قَبَضَ الْجَمِيعَ]
٩١٥ - ٧٤ مَسْأَلَةٌ:
فِي مُقْرِئٍ عَلَى وَظِيفَةٍ، ثُمَّ إنَّهُ سَافَرَ وَاسْتَنَابَ شَخْصًا، وَلَمْ يَشْتَرِطْ عَلَيْهِ فَلَمَّا عَادَ قَبَضَ الْجَمِيعَ، وَلَمْ يَخْرُجْ مِنْ الْمَكَانِ. فَهَلْ يَسْتَحِقُّ النَّائِبُ الْمَشْرُوطَ أَمْ لَا؟
стр. 1802
الْجَوَابُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ. نَعَمْ النَّائِبُ يَسْتَحِقُّ الْمَشْرُوطَ كُلَّهُ؛ لَكِنْ إذَا عَادَ الْمُسْتَنِيبُ فَهُوَ أَحَقُّ بِمَكَانِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[مَسْأَلَةٌ فِيمَنْ عَمَّنْ وَقَفَ وَقْفًا مُسْتَغَلًّا ثُمَّ مَاتَ فَظَهَرَ عَلَيْهِ دَيْنٌ]
٩١٦ - ٧٥ مَسْأَلَةٌ:
فِيمَنْ عَمَّنْ وَقَفَ وَقْفًا مُسْتَغَلًّا، ثُمَّ مَاتَ، فَظَهَرَ عَلَيْهِ دَيْنٌ: فَهَلْ يُبَاعُ الْوَقْفُ فِي دَيْنِهِ.
الْجَوَابُ: إذَا أَمْكَنَ وَفَاءُ الدَّيْنِ مِنْ رِيعِ الْوَقْفِ لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ وَفَاءُ الدَّيْنِ إلَّا بِبَيْعِ شَيْءٍ مِنْ الْوَقْفِ - وَهُوَ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ - بِيعَ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ. وَإِنْ كَانَ الْوَقْفُ فِي الصِّحَّةِ: فَهَلْ يُبَاعُ لِوَفَاءِ الدَّيْنِ؟ فِيهِ خِلَافٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ، وَغَيْرِهِ. وَمَنْعُهُ قَوْلٌ قَوِيٌّ.
[مَسْأَلَةٌ فِي رَجُلٍ قَالَ فِي مَرَضِهِ إذَا مِتّ فَدَارِي وَقْفٌ عَلَى الْمَسْجِدِ الْفُلَانِيِّ فَتَعَافَى]
٩١٧ - ٧٦ مَسْأَلَةٌ:
فِي رَجُلٍ قَالَ فِي مَرَضِهِ: إذَا مِتّ فَدَارِي وَقْفٌ عَلَى الْمَسْجِدِ الْفُلَانِيِّ، فَتَعَافَى، ثُمَّ حَدَثَ عَلَيْهِ دُيُونٌ: فَهَلْ يَصِحُّ هَذَا الْوَقْفُ وَيَلْزَمُ. أَمْ لَا؟ . يَجُوزُ أَنْ يَبِيعَهَا فِي الدَّيْنِ الَّذِي عَلَيْهِ؛ وَإِنْ كَانَ التَّعْلِيقُ صَحِيحًا كَمَا هُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ. وَلَيْسَ هَذَا بِأَبْلَغَ مِنْ التَّدْبِيرِ، وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ «النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ بَاعَ الْمُدَبَّرَ فِي الدَّيْنِ» . وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[مَسْأَلَةٌ فِيمَنْ وَقَفَ وَقْفًا عَلَى ضَرِيحِ رَسُولِ اللَّه]
٩١٨ - ٧٧ مَسْأَلَةٌ:
فِيمَنْ وَقَفَ وَقْفًا عَلَى ضَرِيحِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِرَسْمِ شَمْعٍ أَوْ زَيْتٍ، وَذَلِكَ بَعْدَ مَوْتِهِ، ثُمَّ إنَّهُ قَصَدَ أَنْ يُغَيِّرَ الْوَقْفَ وَيَجْعَلَهُ عَلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ بِالْقَاهِرَةِ. وَإِنْ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ: فَهَلْ يَجُوزُ عَلَى الْفُقَرَاءِ الْمُجَاوِرِينَ بِالْمَدِينَةِ - مَدِينَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَمْ لَا؟ فَأَجَابَ: أَمَّا الْوَصِيَّةُ بِمَا يُفْعَلُ بَعْدَ مَوْتِهِ فَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِيهَا وَيُغَيِّرَهَا بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ؛ وَلَوْ كَانَ قَدْ أَشْهَدَ بِهَا وَأَثْبَتَهَا، سَوَاءٌ كَانَتْ وَصِيَّةً بِوَقْفٍ أَوْ عِتْقٍ أَوْ غَيْرِ
стр. 1803
ذَلِكَ. وَفِي الْوَقْفِ الْمُعَلَّقِ بِمَوْتِهِ وَالْعِتْقِ نِزَاعَانِ مَشْهُورَانِ. وَالْوَقْفُ عَلَى زَيْتٍ وَشَمْعٍ يُوقَدُ عَلَى قَبْرٍ لَيْسَ بِرًّا بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ؛ بَلْ ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لَعَنَ اللَّهُ زَوَّارَاتِ الْقُبُورِ وَالْمُتَّخِذِينَ عَلَيْهَا الْمَسَاجِدَ وَالسُّرُجَ» .
وَأَمَّا تَنْوِيرُ الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ عَلَى الْمُصَلِّينَ وَغَيْرِهِ فَتَنْوِيرُ بُيُوتِ اللَّهِ حَسَنٌ؛ لَكِنْ إذَا كَانَ لِلْمَسْجِدِ مَا يَكْفِي تَنْوِيرَهُ لَمْ يَكُنْ لِلزِّيَادَةِ الَّتِي لَا فَائِدَةَ فِيهَا فَائِدَةٌ مَشْرُوعَةٌ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مَصْرُوفًا فِي تَنْوِيرِهِ؛ بَلْ تُصْرَفُ فِي غَيْرِهِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[مَسْأَلَةٌ فِي الْوَقْفِ إذَا فَضَلَ مِنْ رِيعِهِ وَاسْتُغْنِيَ عَنْهُ]
٩١٩ - ٧٨ مَسْأَلَةٌ:
فِي الْوَقْفِ إذَا فَضَلَ مِنْ رِيعِهِ وَاسْتُغْنِيَ عَنْهُ؟
الْجَوَابُ: يُصْرَفُ فِي نَظِيرِ تِلْكَ الْجِهَةِ كَالْمَسْجِدِ إذَا فَضَلَ عَنْ مَصَالِحِهِ صُرِفَ فِي مَسْجِدٍ آخَرَ؛ لِأَنَّ الْوَاقِفَ غَرَضُهُ فِي الْجِنْسِ، وَالْجِنْسُ وَاحِدٌ، فَلَوْ قُدِّرَ أَنَّ الْمَسْجِدَ الْأَوَّلَ خَرِبَ وَلَمْ يَنْتَفِعْ بِهِ أَحَدٌ صُرِفَ رِيعُهُ فِي مَسْجِدٍ آخَرَ، فَكَذَلِكَ إذَا فَضَلَ عَنْ مَصْلَحَتِهِ شَيْءٌ؛ فَإِنَّ هَذَا الْفَاضِلَ لَا سَبِيلَ إلَى صَرْفِهِ إلَيْهِ؛ وَلَا إلَى تَعْطِيلِهِ، فَصَرْفُهُ فِي جِنْسِ الْمَقْصُودِ أَوْلَى، وَهُوَ أَقْرَبُ الطُّرُقِ إلَى مَقْصُودِ الْوَاقِفِ. وَقَدْ رَوَى أَحْمَدُ عَنْ عَلِيٍّ ﵁: أَنَّهُ حَضَّ النَّاسَ عَلَى إعْطَاءِ مُكَاتَبٍ، فَفَضَلَ شَيْءٌ عَنْ حَاجَتِهِ فَصَرَفَهُ فِي الْمُكَاتَبِينَ.
[مَسْأَلَةٌ فِي رَجُلٍ صَالِحٍ فَرَضَ لَهُ الْقَاضِي بِشَيْءٍ مِنْ الصَّدَقَاتِ لِأَجْلِهِ وَأَجْلِ الْفُقَرَاءِ الْوَارِدِينَ عَلَيْهِ]
٩٢٠ - ٧٩ مَسْأَلَةٌ:
فِي رَجُلٍ صَالِحٍ فَرَضَ لَهُ الْقَاضِي بِشَيْءٍ مِنْ الصَّدَقَاتِ لِأَجْلِهِ وَأَجْلِ الْفُقَرَاءِ الْوَارِدِينَ عَلَيْهِ. فَهَلْ يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يُزَاحِمَهُ فِي ذَلِكَ أَوْ يَتَغَلَّبَ عَلَيْهِ بِالْيَدِ الْقَوِيَّةِ؟
الْجَوَابُ: قَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَحِلُّ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَبِيعَ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ، وَلَا يَسْتَامُ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ، وَلَا تَسْأَلُ الْمَرْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِهَا لِتَكْفَأَ مَا فِي صَفْحَتِهَا؛ فَإِنَّ لَهَا مَا قُدِّرَ لَهَا» . فَإِذَا «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ فِي
стр. 1804
عُقُودِ الْمُعَاوَضَاتِ قَدْ نَهَى أَنْ يَسْتَامَ الرَّجُلُ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ، وَأَنْ يَخْطُبَ عَلَى خِطْبَتِهِ» قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ الْمَطْلُوبُ فِي مِلْكِ الْإِنْسَانِ فَكَيْفَ يَحِلُّ لِلرَّجُلِ أَنْ يَجِيءَ إلَى مَنْ فَرَضَ لَهُ وَلِيُّ الْأَمْرِ عَلَى الصَّدَقَاتِ أَوْ غَيْرِهَا مَا يَسْتَحِقُّهُ وَيَحْتَاجُ إلَيْهِ فَيُزَاحِمُهُ عَلَى ذَلِكَ، وَيُرِيدُ أَنْ يَنْزِعَهُ مِنْهُ؟ فَإِنَّ هَذَا أَشَدُّ تَحْرِيمًا مِنْ ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[مَسْأَلَةٌ فِي وَقْفِ أَرْضٍ عَلَى مَسْجِدٍ فِيهَا أَشْجَارٌ مُعَطَّلَةٌ مِنْ الثَّمَرِ وَتَعَطَّلَتْ الْأَرْضُ مِنْ الزِّرَاعَةِ بِسَبَبِهَا]
٩٢١ - ٨٠ مَسْأَلَةٌ:
فِي وَقْفِ أَرْضٍ عَلَى مَسْجِدٍ فِيهَا أَشْجَارٌ مُعَطَّلَةٌ مِنْ الثَّمَرِ، وَتَعَطَّلَتْ الْأَرْضُ مِنْ الزِّرَاعَةِ بِسَبَبِهَا. فَهَلْ يَجُوزُ قَلْعُ الْأَشْجَارِ، وَصَرْفُ ثَمَنِهَا فِي مَصَالِحِ الْمَسْجِدِ وَتُزْرَعُ الْأَرْضُ وَيُنْتَفَعُ بِهَا؟
الْجَوَابُ: نَعَمْ. إذَا كَانَ قَلْعُ الْأَشْجَارِ مَصْلَحَةً لِلْأَرْضِ بِحَيْثُ يَزِيدُ الِانْتِفَاعُ بِالْأَرْضِ إذَا قُلِعَتْ فَإِنَّهَا تُقْلَعُ. وَيَنْبَغِي لِلنَّاظِرِ أَنْ يَقْلَعَهَا وَيَفْعَلَ مَا هُوَ الْأَصْلَحُ لِلْوَقْفِ، وَيَصْرِفَ ثَمَنَهَا فِيمَا هُوَ أَصْلَحُ لِلْوَقْفِ مِنْ عِمَارَةِ الْوَقْفِ، أَوْ مَسْجِدٍ، إنْ احْتَاجَ إلَى ذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[مَسْأَلَةٌ فِي مَصِيفِ مَسْجِدٍ بُنِيَ فِيهِ قَبْرُ فَسْقِيَّةٍ وَهُدِمَ بِحُكْمِ الشَّرْعِ وَلِلْمَسْجِدِ بَيْتُ خَلَاءٍ]
٩٢٢ - ٨١ مَسْأَلَةٌ:
فِي مَصِيفِ مَسْجِدٍ بُنِيَ فِيهِ قَبْرُ فَسْقِيَّةٍ، وَهُدِمَ بِحُكْمِ الشَّرْعِ، وَلِلْمَسْجِدِ بَيْتُ خَلَاءٍ، وَلَمْ يَكُنْ فِيهِ مَوْضِعٌ يَسَعُ الْوُضُوءَ. فَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يُعْمَلَ فِي الْمَصِيفِ مَكَان لِلْوُضُوءِ، وَيُتْرَكَ مَا هُوَ فِي الْفَسْقِيَّةِ الَّتِي كَانَتْ بُنِيَتْ قَبْرًا؟ فَأَجَابَ ﵀: الْحَمْدُ لِلَّهِ. نَعَمْ، إذَا كَانَ هَذَا مَصْلَحَةً لِلْمَسْجِدِ وَأَهْلِهِ وَلَيْسَ مَحْذُورٌ إلَّا مُجَرَّدَ الْوُضُوءِ فِي الْمَسْجِدِ جَازَ أَنْ يُفْعَلَ ذَلِكَ، فَإِنَّ الْوُضُوءَ فِي الْمَسْجِدِ جَائِزٌ؛ بَلْ لَا يُكْرَهُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[مَسْأَلَةٌ فِي مَسْجِدٍ مُغْلَقٍ عَتِيقٍ فَسَقَطَ وَهُدِمَ وَأُعِيدَ مِثْلَ مَا كَانَ]
٩٢٣ - ٨٢ مَسْأَلَةٌ:
فِي مَسْجِدٍ مُغْلَقٍ عَتِيقٍ، فَسَقَطَ وَهُدِمَ وَأُعِيدَ مِثْلَ مَا كَانَ فِي طُولِهِ وَعَرْضِهِ، وَرَفَعَهُ الْبَانِي لَهُ عَنْ مَا كَانَ عَلَيْهِ، وَقَدَّمَهُ إلَى قُدَّامٍ، وَكَانَ تَحْتَهُ خَلْوَةٌ فَعَمِلَ تَحْتَهُ بَيْتًا لِمَصْلَحَةِ الْمَسْجِدِ. فَهَلْ يَجُوزُ تَجْدِيدُ الْبَيْتِ وَسَكَنُهُ؟
الْجَوَابُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ. نَعَمْ، يَجُوزُ أَنْ يُعْمَلَ فِي ذَلِكَ مَا كَانَ مَصْلَحَةً لِلْمَسْجِدِ
стр. 1805
وَأَهْلِهِ: مِنْ تَجْدِيدِ عِمَارَةٍ وَتَغْيِيرِ الْعِمَارَةِ مِنْ صُورَةٍ إلَى صُورَةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
[مَسْأَلَةٌ فِي مَسَاجِدَ وَجَامِعٍ يَحْتَاجُ إلَى عِمَارَةٍ وَعَلَيْهَا رَوَاتِبُ مُقَرَّرَةٌ عَلَى الْقَابِضِ وَالرِّيعُ لَا يَقُومُ بِذَلِكَ]
٩٢٤ - ٨٣ مَسْأَلَةٌ:
فِي مَسَاجِدَ وَجَامِعٍ يَحْتَاجُ إلَى عِمَارَةٍ، وَعَلَيْهَا رَوَاتِبُ مُقَرَّرَةٌ عَلَى الْقَابِضِ وَالرِّيعُ لَا يَقُومُ بِذَلِكَ. فَهَلْ يَحِلُّ أَنْ يُصْرَفَ لِأَحَدٍ قَبْلَ الْعِمَارَةِ الضَّرُورِيَّةِ؟ وَإِلَى مَنْ يَحِلُّ؟ وَمَا يُصْنَعُ بِمَا يَفْضُلُ عَنْ الرِّيعِ أَيُدَّخَرُ أَمْ يَشْتَرِي بِهِ عَقَارًا؟
الْجَوَابُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ. إذَا أَمْكَنَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْمَصْلَحَتَيْنِ بِأَنْ يَصْرِفَ مَا لَا بُدَّ مِنْ صَرْفِهِ لِضَرُورَةِ أَهْلِهِ، وَقِيَامِ الْعَمَلِ الْوَاجِبِ بِهِمْ، وَأَنْ يُعَمِّرَ بِالْبَاقِي: كَانَ هَذَا هُوَ الْمَشْرُوعُ. وَإِنْ تَأَخَّرَ بَعْضُ الْعِمَارَةِ قَدْرًا لَا يَضُرُّ تَأَخُّرُهُ؛ فَإِنَّ الْعِمَارَةَ وَاجِبَةٌ، وَالْأَعْمَالَ الَّتِي لَا تَقُومُ إلَّا بِالرِّزْقِ وَاجِبَةٌ، وَسَدَّ الْفَاقَاتِ وَاجِبَةٌ، فَإِذَا أُقِيمَتْ الْوَاجِبَاتُ كَانَ أَوْلَى مِنْ تَرْكِ بَعْضِهَا.
وَأَمَّا مَنْ لَا تَقُومُ الْعِمَارَةُ إلَّا بِهِمْ: مِنْ الْعُمَّالِ وَالْحُسَّابِ فَهُمْ مِنْ الْعِمَارَةِ. وَأَمَّا مَا فَضَلَ مِنْ الرِّيعِ عَنْ الْمَصَارِفِ الْمَشْرُوطَةِ وَمَصَارِفِ الْمَسَاجِدِ فَيُصْرَفُ فِي جِنْسِ ذَلِكَ: مِثْلَ عِمَارَةِ مَسْجِدٍ آخَرَ، وَمَصَالِحِهَا؛ وَإِلَى جِنْسِ الْمَصَالِحِ، وَلَا يُحْبَسُ الْمَالُ أَبَدًا لِغَيْرِ عِلَّةٍ مَحْدُودَةٍ؛ لَا سِيَّمَا فِي مَسَاجِدَ قَدْ عُلِمَ أَنَّ رِيعَهَا يَفْضُلُ عَنْ كِفَايَتِهَا دَائِمًا، فَإِنَّ حَبْسَ مِثْلِ هَذَا الْمَالِ مِنْ الْفَسَادِ ﴿وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة: ٢٠٥] .
[مَسْأَلَةٌ فِي حَاكِمٍ خَطِيبٍ رُتِّبَ لَهُ عَلَى فَائِضِ مَسْجِدِ رِزْقُهُ]
٩٢٥ - ٨٤ مَسْأَلَةٌ:
فِي حَاكِمٍ خَطِيبٍ رُتِّبَ لَهُ عَلَى فَائِضِ مَسْجِدِ رِزْقُهُ، فَيَبْقَى سَنَتَيْنِ لَا يَتَنَاوَلُ شَيْئًا؛ لِعَدَمِ الْفَائِضِ. ثُمَّ زَادَ الرِّيعُ فِي السَّنَةِ الثَّالِثَةِ: فَهَلْ لَهُ أَنْ يَتَنَاوَلَ رِزْقَ ثَلَاثِ سِنِينَ مِنْ ذَلِكَ الْمُغَلِّ؟
الْجَوَابُ: إنْ كَانَ لِمُغَلِّ السَّنَةِ الثَّالِثَةِ مَصَارِفُ شَرْعِيَّةٌ بِالشَّرْطِ الصَّحِيحِ وَجَبَ صَرْفُهَا فِيهِ، وَلَمْ يَجُزْ لِلْحَاكِمِ أَخْذُهُ. وَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَصْرِفٌ أَصْلًا وَاقْتَضَى نَظَرُ
стр. 1806
الْإِمَامِ أَنْ يَصْرِفَهُ إلَى الْحَاكِمِ عِوَضًا عَمَّا فَاتَهُ فِي الْمَاضِي جَازَ ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[مَسْأَلَةٌ فِي الْوَاقِفِ وَالنَّاذِرِ يُوقِفُ شَيْئًا ثُمَّ يَرَى غَيْرَهُ أَحَظَّ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ مِنْهُ]
٩٢٦ - ٨٥ مَسْأَلَةٌ: فِي الْوَاقِفِ وَالنَّاذِرِ يُوقِفُ شَيْئًا؛ ثُمَّ يَرَى غَيْرَهُ أَحَظَّ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ مِنْهُ هَلْ يَجُوزُ إبْدَالُهُ؛ كَمَا فِي الْأُضْحِيَّةِ؟
الْجَوَابُ: وَأَمَّا إبْدَالُ الْمَنْذُورِ وَالْمَوْقُوفِ بِخَيْرٍ مِنْهُ كَمَا فِي إبْدَالِ الْهَدْيِ: فَهَذَا نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْإِبْدَالَ لِلْحَاجَةِ مِثْلَ أَنْ يَتَعَطَّلَ فَيُبَاعَ وَيُشْتَرَى بِثَمَنِهِ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ: كَالْفَرَسِ الْحَبِيسِ لِلْغَزْوِ إذَا لَمْ يُمْكِنْ الِانْتِفَاعُ بِهِ لِلْغَزْوِ فَإِنَّهُ يُبَاعُ وَيُشْتَرَى بِثَمَنِهِ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ، وَالْمَسْجِدِ إذَا خَرِبَ مَا حَوْلَهُ فَتُنْقَلُ آلَتُهُ إلَى مَكَان آخَرَ. أَوْ يُبَاعُ وَيُشْتَرَى بِثَمَنِهِ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ أَوْ لَا يُمْكِنُ الِانْتِفَاعُ بِالْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ مِنْ مَقْصُودِ الْوَاقِفِ فَيُبَاعُ وَيُشْتَرَى بِثَمَنِهِ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ. وَإِذَا خَرِبَ وَلَمْ تُمْكِنْ عِمَارَتُهُ فَتُبَاعُ الْعَرْصَةُ، وَيُشْتَرَى بِثَمَنِهَا مَا يَقُومُ مَقَامَهَا: فَهَذَا كُلُّهُ جَائِزٌ؛ فَإِنَّ الْأَصْلَ إذَا لَمْ يَحْصُلْ بِهِ الْمَقْصُودُ قَامَ بَدَلُهُ مَقَامَهُ.
وَالثَّانِي: الْإِبْدَالُ لِمَصْلَحَةٍ رَاجِحَةٍ مِثْلَ أَنْ يُبْدِلَ الْهَدْيَ بِخَيْرٍ مِنْهُ، وَمِثْلَ الْمَسْجِدِ إذَا بُنِيَ بَدَلَهُ مَسْجِدٌ آخَرُ أَصْلَحُ لِأَهْلِ الْبَلَدِ مِنْهُ، وَبِيعَ الْأَوَّلُ: فَهَذَا وَنَحْوُهُ جَائِزٌ عِنْدَ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ مِنْ الْعُلَمَاءِ. وَاحْتَجَّ أَحْمَدُ بِأَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ نَقَلَ مَسْجِدَ الْكُوفَةِ الْقَدِيمَ إلَى مَكَان آخَرَ؛ وَصَارَ الْأَوَّلُ - سُوقًا لِلتَّمَّارِينَ فَهَذَا إبْدَالٌ لِعَرْصَةِ الْمَسْجِدِ.
وَأَمَّا إبْدَالُ بِنَائِهِ بِبِنَاءٍ آخَرَ، فَإِنَّ عُمَرَ وَعُثْمَانَ بَنَيَا مَسْجِدَ النَّبِيِّ ﷺ بِنَاءً غَيْرَ بِنَائِهِ الْأَوَّلِ وَزَادَا فِيهِ؛ وَكَذَلِكَ الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ فَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِعَائِشَةَ لَوْلَا أَنَّ قَوْمَك حَدِيثُو عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ لَنَقَضْت الْكَعْبَةَ، وَلَأَلْصَقْتهَا بِالْأَرْضِ؛ وَلَجَعَلْت لَهَا بَابَيْنِ بَابًا يَدْخُلُ النَّاسُ مِنْهُ، وَبَابًا يَخْرُجُ النَّاسُ مِنْهُ» . فَلَوْلَا الْمُعَارِضُ الرَّاجِحُ لَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُغَيِّرُ بِنَاءَ الْكَعْبَةِ. فَيَجُوزُ تَغْيِيرُ بِنَاءِ الْوَقْفِ مِنْ صُورَةٍ إلَى صُورَةٍ؛ لِأَجْلِ الْمَصْلَحَةِ الرَّاجِحَةِ.
وَأَمَّا إبْدَالُ الْعَرْصَةِ بِعَرْصَةٍ أُخْرَى: فَهَذَا قَدْ نَصَّ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ عَلَى جَوَازِهِ اتِّبَاعًا
стр. 1807
لِأَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَيْثُ فَعَلَ ذَلِكَ عُمَرُ، وَاشْتُهِرَتْ الْقَضِيَّةُ، وَلَمْ تُنْكَرْ.
وَأَمَّا مَا وُقِفَ لِلْغَلَّةِ إذَا أُبْدِلَ بِخَيْرٍ مِنْهُ: مِثْلَ أَنْ يَقِفَ دَارًا أَوْ حَانُوتًا أَوْ بُسْتَانًا أَوْ قَرْيَةً يَكُونُ مُغَلُّهَا قَلِيلًا فَيُبْدِلَهَا بِمَا هُوَ أَنْفَعُ لِلْوَقْفِ: فَقَدْ أَجَازَ ذَلِكَ أَبُو ثَوْرٍ وَغَيْرُهُ مِنْ الْعُلَمَاءِ: مِثْلَ أَبِي عُبَيْدِ بْنِ حربويه، قَاضِي مِصْرَ، وَحُكِمَ بِذَلِكَ.
وَهُوَ قِيَاسُ قَوْلِ أَحْمَدَ فِي تَبْدِيلِ الْمَسْجِدِ مِنْ عَرْصَةٍ إلَى عَرْصَةٍ لِلْمَصْلَحَةِ؛ بَلْ إذَا جَازَ أَنْ يُبْدِلَ الْمَسْجِدَ بِمَا لَيْسَ بِمَسْجِدٍ لِلْمَصْلَحَةِ بِحَيْثُ يَصِيرُ الْمَسْجِدُ سُوقًا فَلَأَنْ يَجُوزَ إبْدَالُ الْمُسْتَغَلِّ بِمُسْتَغَلٍّ آخَرَ أَوْلَى وَأَحْرَى. وَهُوَ قِيَاسُ قَوْلِهِ فِي إبْدَالِ الْهَدْيِ بِخَيْرٍ مِنْهُ. وَقَدْ نُصَّ عَلَى أَنَّ الْمَسْجِدَ اللَّاصِقَ بِأَرْضٍ إذَا رَفَعُوهُ وَبَنَوْا تَحْتَهُ سِقَايَةً، وَاخْتَارَ ذَلِكَ الْجِيرَانُ فُعِلَ ذَلِكَ. لَكِنْ مِنْ أَصْحَابِهِ مَنْ مَنَعَ إبْدَالَ الْمَسْجِدِ وَالْهَدْيِ وَالْأَرْضِ الْمَوْقُوفَةِ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ؛ لَكِنَّ النُّصُوصَ وَالْآثَارَ وَالْقِيَاسَ تَقْتَضِي جَوَازَ الْإِبْدَالِ لِلْمَصْلَحَةِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[مَسْأَلَةٌ فِيمَنْ أَوْقَفَ وَقْفًا عَلَى الْفُقَرَاءِ وَهُوَ مِنْ كُرُومٍ يَحْصُلُ لِأَصْحَابِهَا ضَرَرٌ بِهِ]
٩٢٧ - ٨٦ مَسْأَلَةٌ:
فِيمَنْ أَوْقَفَ وَقْفًا عَلَى الْفُقَرَاءِ وَهُوَ مِنْ كُرُومٍ يَحْصُلُ لِأَصْحَابِهَا ضَرَرٌ بِهِ فَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يَرْجِعَ فِيهِ وَيَقِفَ غَيْرَهُ؟ وَهَلْ إذَا فَعَلَ يَكُونُ الِاثْنَانِ وَقْفًا؟
الْجَوَابُ: إذَا كَانَ فِي ذَلِكَ ضَرَرٌ عَلَى الْجِيرَانِ جَازَ أَنْ يُنَاقِلَ عَنْهُ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ، وَيَعُودُ الْأَوَّلُ مِلْكًا، وَالثَّانِي وَقْفًا، كَمَا فَعَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ فِي مَسْجِدِ الْكُوفَةِ لَمَّا جَعَلَ مَكَانَهُ مَسْجِدًا صَارَ الْأَوَّلُ سُوقًا لِلتَّمَّارِينَ.
[مَسْأَلَةٌ حَوْضِ سَبِيلٍ وَعَلَيْهِ وَقْفٌ إسْطَبْلٌ وَقَدْ بَاعَهُ النَّاظِرُ وَلَمْ يَشْتَرِ بِثَمَنِهِ شَيْئًا مِنْ مُدَّةِ سِتِّ سِنِينَ]
٩٢٨ - ٨٧ مَسْأَلَةٌ:
فِي حَوْضِ سَبِيلٍ، وَعَلَيْهِ وَقْفٌ إسْطَبْلٌ، وَقَدْ بَاعَهُ النَّاظِرُ، وَلَمْ يَشْتَرِ بِثَمَنِهِ شَيْئًا مِنْ مُدَّةِ سِتِّ سِنِينَ. فَهَلْ يَجُوزُ ذَلِكَ؟
الْجَوَابُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ. أَمَّا بَيْعُهُ بِغَيْرِ اسْتِبْدَالٍ لِمَا يَقُومُ مَقَامَهُ فَلَا رَيْبَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ. وَأَمَّا إذَا بَاعَهُ لِتَعَطُّلِ نَفْعِهِ وَاشْتَرَى بِالثَّمَنِ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ فَهَذَا يَجُوزُ عَلَى الصَّحِيحِ فِي قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ، وَإِنْ اسْتَبْدَلَ بِهِ خَيْرًا مِنْهُ مَعَ وُجُودِ نَفْعِهِ فَفِيهِ نِزَاعٌ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 1808
[مَسْأَلَةٌ فِي قَرْيَةٍ بِهَا عِدَّةُ مَسَاجِدَ لَا تُقَامُ الصَّلَاةُ إلَّا فِي وَاحِدٍ مِنْهَا وَلَهَا وَقْفٌ عَلَيْهَا كُلِّهَا]
مَسْأَلَةٌ:
فِي قَرْيَةٍ بِهَا عِدَّةُ مَسَاجِدَ بَعْضُهَا قَدْ خَرِبَ لَا تُقَامُ الصَّلَاةُ إلَّا فِي وَاحِدٍ مِنْهَا، وَلَهَا وَقْفٌ عَلَيْهَا كُلِّهَا فَهَلْ تَجِبُ عِمَارَةُ الْخَرِبِ وَإِقَامَةُ الْجَمَاعَةِ فِي مَسْجِدٍ ثَانٍ؟ وَهَلْ يَحِلُّ إغْلَاقُهَا؟
الْجَوَابُ: نَعَمْ، تَجِبُ عِمَارَةُ الْمَسْجِدِ إلَى إقَامَةِ الصَّلَاةِ فِيهِ. وَكَذَلِكَ تَرْتِيبُ إمَامٍ فِي مَسْجِدٍ آخَرَ يَجِبُ أَنْ يُفْعَلَ عِنْدَ الْمَصْلَحَةِ وَالْحَاجَةِ؛ وَلَا يَحِلُّ إغْلَاقُ الْمَسَاجِدِ عَمَّا شُرِعَتْ لَهُ. وَأَمَّا عِنْدَ قِلَّةِ أَهْلِ الْبُقْعَةِ وَاكْتِفَائِهِمْ بِمَسْجِدٍ وَاحِدٍ مِثْلَ أَنْ يَكُونُوا حَوْلَهُ فَلَا يَجِبُ تَفْرِيقُ شَمْلِهِمْ فِي غَيْرِ مَسْجِدِهِمْ.
[مَسْأَلَةٌ فِي وَقْفٍ عَلَى جَمَاعَةٍ تُوُفِّيَ بَعْضُهُمْ وَلَهُ شَقِيقٌ وَوَلَدٌ]
٩٣٠ - ٨٩ مَسْأَلَةٌ:
فِي وَقْفٍ عَلَى جَمَاعَةٍ تُوُفِّيَ بَعْضُهُمْ، وَلَهُ شَقِيقٌ وَوَلَدٌ، وَلِلْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ خِلَافٌ مُسْتَفِيضٌ فِي مِثْلِهِ: هَلْ يُخَصُّ الْوَلَدُ أَمْ الْأَخُ؟ فَشَهِدَ قَوْمٌ أَنَّهُ يُخَصُّ الْوَلَدُ دُونَ الْأَخِ بِمُقْتَضَى الْوَقْفِ، مَعَ عَدَمِ تَحْقِيقِهِمْ الْحَدَّ الْمَوْقُوفَ؛ بِحَيْثُ إنَّهُمْ غَيَّرُوا بَعْضَ الْحُدُودِ عَمَّا هِيَ عَلَيْهِ، فَهَلْ يَجُوزُ لَهُمْ ذَلِكَ؟ وَهَلْ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَحْكُمَ بِشَهَادَتِهِمْ هَذِهِ مِنْ غَيْرِ اسْتِفْصَالٍ؟ وَمَا الْحُكْمُ فِي مَجْمُوعِ السُّؤَالِ؟ أَفْتُونَا مُفَصَّلًا مَأْجُورِينَ. إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى؟
الْجَوَابُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ. الشَّهَادَةُ فِي الْوَقْفِ بِالِاسْتِحْقَاقِ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ، وَكَذَلِكَ فِي الْإِرْثِ مِنْ الْأُمُورِ الِاجْتِهَادِيَّةِ، كَطَهَارَةِ الْمَاءِ وَنَجَاسَتِهِ، وَلَكِنَّ الشَّاهِدَ يَشْهَدُ بِمَا يَعْلَمُهُ مِنْ الشُّرُوطِ؛ ثُمَّ الْحَاكِمُ يَحْكُمُ فِي الشَّرْطِ بِمُوجَبِ اجْتِهَادِهِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[مَسْأَلَةٌ الْوَقْفِ الَّذِي يُشْتَرَى بِعِوَضِهِ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ]
٩٣١ - ٩٠ مَسْأَلَةٌ: عَنْ الْوَقْفِ الَّذِي يُشْتَرَى بِعِوَضِهِ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ: وَذَلِكَ مِثْلُ الْوَقْفِ الَّذِي أَتْلَفَهُ مُتْلِفٌ، فَإِنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْهُ عِوَضُهُ يُشْتَرَى بِهِ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ، فَإِنَّ الْوَقْفَ مَضْمُونٌ بِالِاخْتِلَافِ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ، وَمَضْمُونٌ بِالْيَدِ. فَلَوْ غَصَبَهُ غَاصِبٌ تَلِفَ تَحْتَ يَدِهِ الْفَادِيَةِ فَإِنَّ عَلَيْهِ ضَمَانَهُ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ: لَكِنْ قَدْ تَنَازَعَ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضِ الْأَشْيَاءِ هَلْ تُضْمَنُ بِالْغَصْبِ كَالْعَقَارِ؟ وَفِي بَعْضِهَا هَلْ يَصِحُّ وَقْفُهُ كَالْمَنْقُولِ؟ وَلَكِنْ لَمْ يَتَنَازَعُوا أَنَّهُ مَضْمُونٌ بِالْإِتْلَافِ بِالْيَدِ كَالْأَمْوَالِ: بِخِلَافِ أُمِّ الْوَلَدِ فَإِنَّهُمْ وَإِنْ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهَا مَضْمُونَةٌ بِالْإِتْلَافِ فَقَدْ تَنَازَعُوا هَلْ تُضْمَنُ بِالْيَدِ أَوْ لَا؟ فَأَكْثَرُهُمْ يَقُولُ:
стр. 1809
هِيَ مَضْمُونَةٌ بِالْيَدِ: كَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ. وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَيَقُولُ لَا تُضْمَنُ بِالْيَدِ. وَضَمَانُ الْيَدِ هُوَ ضَمَانُ الْعَقْدِ. كَضَمَانِ الْبَائِعِ تَسْلِيمَ الْمَبِيعِ، وَسَلَامَتَهُ مِنْ الْعَيْبِ، وَإِنَّهُ بَيْعٌ بِحَقٍّ. وَضَمَانُ دَرْكِهِ عَلَيْهِ بِمُوجَبِ الْعَقْدِ وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْهُ بِلَفْظِهِ.
وَمِنْ أُصُولِ الِاشْتِرَاءِ بِبَدَلِ الْوَقْفِ: إذَا تَعَطَّلَ نَفْعُ الْوَقْفِ؛ فَإِنَّهُ يُبَاعُ وَيُشْتَرَى بِثَمَنِهِ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ، فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ، وَغَيْرِهِ. وَهَلْ يَجُوزُ مَعَ كَوْنِهِ مَثَلًا أَنْ يُبْدَلَ بِخَيْرٍ مِنْهُ؟ فِيهِ قَوْلَانِ فِي مَذْهَبِهِ. وَالْجَوَازُ مَذْهَبُ أَبِي ثَوْرٍ وَغَيْرِهِ.
وَالْمَقْصُودُ أَنَّهُ حَيْثُ جَازَ الْبَدَلُ: هَلْ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ فِي الدَّرْبِ أَوْ الْبَلَدِ الَّذِي فِيهِ الْوَقْفُ الْأَوَّلُ. أَمْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِغَيْرِهِ إذَا كَانَ ذَلِكَ أَصْلَحَ لِأَهْلِ الْوَقْفِ مِثْلَ أَنْ يَكُونُوا مُقِيمِينَ بِبَلَدٍ غَيْرِ بَلَدِ الْوَقْفِ، وَإِذَا اُشْتُرِيَ فِيهِ الْبَدَلُ كَانَ أَنْفَعَ لَهُمْ لِكَثْرَةِ الرِّيعِ وَيُسْرِ التَّنَاوُلِ؟ فَنَقُولُ: مَا عَلِمْت أَحَدًا اشْتَرَطَ أَنْ يَكُونَ الْبَدَلُ فِي بَلَدِ الْوَقْفِ الْأَوَّلِ، بَلْ النُّصُوصُ عِنْدَ أَحْمَدَ وَأُصُولُهُ وَعُمُومُ كَلَامِهِ وَكَلَامِ أَصْحَابِهِ وَإِطْلَاقُهُ يَقْتَضِي أَنْ يُفْعَلَ فِي ذَلِكَ مَا هُوَ مَصْلَحَةُ أَهْلِ الْوَقْفِ فَإِنَّ أَصْلَهُ فِي هَذَا الْبَابِ مُرَاعَاةُ مَصْلَحَةِ الْوَقْفِ، بَلْ أَصْلَهُ فِي عَامَّةِ الْعُقُودِ اعْتِبَارُ مَصْلَحَةِ النَّاسِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ بِالصَّلَاحِ، وَنَهَى عَنْ الْفَسَادِ وَبَعَثَ رُسُلَهُ بِتَحْصِيلِ الْمَصَالِحِ وَتَكْمِيلِهَا، وَتَعْطِيلِ الْمَفَاسِدِ وَتَقْلِيلِهَا.
﴿وَقَالَ مُوسَى لأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٢] وَقَالَ شُعَيْبٌ: ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلا الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ﴾ [هود: ٨٨] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [الأعراف: ٣٥] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ - أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ﴾ [البقرة: ١١ - ١٢] .
وَقَدْ جَوَّزَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ إبْدَالَ مَسْجِدٍ بِمَسْجِدٍ آخَرَ
لِلْمَصْلَحَةِ
، كَمَا جَوَّزَ تَغْيِيرَهُ لِلْمَصْلَحَةِ. وَاحْتَجَّ بِأَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ أَبْدَلَ مَسْجِدَ الْكُوفَةِ الْقَدِيمَ بِمَسْجِدٍ آخَرَ، وَصَارَ الْمَسْجِدُ الْأَوَّلُ سُوقًا لِلتَّمَّارِينَ. وَجَوَّزَ أَحْمَدُ إذَا خَرِبَ الْمَكَانُ أَنْ
стр. 1810
يُنْقَلَ الْمَسْجِدُ إلَى قَرْيَةٍ أُخْرَى؛ بَلْ وَيَجُوزُ؛ فِي أَظْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ: أَنْ يُبَاعَ ذَلِكَ الْمَسْجِدُ وَيُعَمَّرُ بِثَمَنِهِ مَسْجِدٌ آخَرُ فِي قَرْيَةٍ أُخْرَى إذَا لَمْ يُحْتَجْ إلَيْهِ فِي الْقَرْيَةِ الْأُولَى.
فَاعْتَبَرَ
الْمَصْلَحَةَ
بِجِنْسِ الْمَسْجِدِ؛ وَإِنْ كَانَ فِي قَرْيَةٍ غَيْرِ الْقَرْيَةِ الْأُولَى إذْ كَانَ جِنْسُ الْمَسَاجِدِ مُشْتَرَكَةً بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْوَقْفُ عَلَى قَوْمٍ بِعَيْنِهِمْ أَحَقُّ بِجَوَازِ نَقْلِهِ إلَى مَدِينَتِهِمْ مِنْ الْمَسْجِدِ. فَإِنَّ الْوَقْفَ عَلَى مُعَيَّنِينَ حَقٌّ لَهُمْ، لَا يَشْرَكُهُمْ فِيهِ غَيْرُهُمْ. وَغَايَةُ مَا فِيهِ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ انْقِضَائِهِمْ لِجِهَةٍ عَامَّةٍ كَالْفُقَرَاءِ؛ وَالْمَسَاكِينِ. فَيَكُونُ كَالْمَسْجِدِ. فَإِذَا كَانَ الْوَقْفُ بِبَلَدِهِمْ أَصْلَحَ لَهُمْ كَانَ اشْتِرَاءُ الْبَدَلِ بِبَلَدِهِمْ هُوَ الَّذِي يَنْبَغِي فِعْلُهُ لِتَوَلِّي ذَلِكَ.
وَصَارَ هَذَا كَالْفَرَسِ الْحَبِيسِ الَّذِي يُبَاعُ وَيُشْتَرَى بِقِيمَتِهِ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ إذَا كَانَ مَحْبُوسًا عَلَى نَاسٍ بِبَعْضِ الثُّغُورِ، ثُمَّ انْتَقَلُوا إلَى ثَغْرٍ آخَرَ، فَشِرَاءُ الْبَدَلِ بِالثَّغْرِ الَّذِي هُوَ فِيهِ مَضْمُونٌ أَوْلَى مِنْ شِرَائِهِ بِثَغْرٍ آخَرَ. وَإِنْ كَانَ الْفَرَسُ حَبِيسًا عَلَى جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْوَقْفِ عَلَى جِهَةٍ عَامَّةٍ كَالْمَسَاجِدِ وَالْوَقْفِ عَلَى الْمَسَاكِينِ.
وَمِمَّا يُبَيِّنُ هَذَا أَنَّ الْوَقْفَ لَوْ كَانَ مَنْقُولًا كَالنُّورِ وَالسِّلَاحِ وَكُتُبِ الْعِلْمِ؛ وَهُوَ وَقْفٌ عَلَى ذُرِّيَّةِ رَجُلٍ بِعَيْنِهِمْ جَازَ أَنْ يَكُونَ مَقَرُّ الْوَقْفِ حَيْثُ كَانُوا بَلْ كَانَ هَذَا هُوَ الْمُتَعَيَّنُ؛ بِخِلَافِ مَا لَوْ أُوقِفَ عَلَى أَهْلِ بَلَدٍ بِعَيْنِهِ. لَكِنْ إذَا صَارَ لَهُ عِوَضٌ: هَلْ يُشْتَرَى بِهِ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ إذَا كَانَ الْعِوَضُ مَنْقُولًا؟ فَإِنْ يُشْتَرَ بِهَذَا الْعِوَضِ فِي بَلَدٍ مَقَامِهِمْ أَوْلَى مِنْ أَنْ يُشْتَرَى بِهِ فِي مَكَانِ الْعَقَارِ الْأَوَّلِ، إذَا كَانَ ذَلِكَ أَصْلَحَ لَهُمْ: إذْ لَيْسَ فِي تَخْصِيصِ مَكَانِ الْعَقَارِ الْأَوَّلِ مَقْصُودٌ شَرْعِيٌّ، وَلَا
مَصْلَحَةٌ
لِأَهْلِ الْوَقْفِ. وَمَا لَمْ يَأْمُرْ بِهِ الشَّارِعُ وَلَا مَصْلَحَةَ فِيهِ لِلْإِنْسَانِ فَلَيْسَ بِوَاجِبٍ وَلَا مُسْتَحَبٍّ. فَعُلِمَ أَنَّ تَعْيِينَ الْمَكَانِ الْأَوَّلِ لَيْسَ بِوَاجِبٍ وَلَا مُسْتَحَبٍّ لِمَنْ يَشْتَرِي بِالْعِوَضِ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ؛ بَلْ الْعُدُولُ عَنْ ذَلِكَ جَائِزٌ. وَقَدْ يَكُونُ مُسْتَحَبًّا، وَقَدْ يَكُونُ وَاجِبًا إذَا تَعَيَّنَتْ الْمَصْلَحَةُ فِيهِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[مَسْأَلَةٌ نَاصَبَ عَلَى أَرْضِ وَقْفٍ عَلَى أَنَّ لِلْوَقْفِ ثُلُثَيْ الشَّجَرِ الْمَنْصُوبِ]
٩٣٢ - ٩١ مَسْأَلَةٌ:
فِيمَنْ نَاصَبَ عَلَى أَرْضِ وَقْفٍ عَلَى أَنَّ لِلْوَقْفِ ثُلُثَيْ الشَّجَرِ الْمَنْصُوبِ، وَلِلْعَامِلِ الثُّلُثَ فَهَلْ لِمَنْ بَعْدَهُ مِنْ النُّظَّارِ بَيْعُ نَصِيبِ الْوَقْفِ مِنْ الشَّجَرِ؟
стр. 1811
الْجَوَابُ: لَا يَجُوزُ لَهُ بَيْعُ ذَلِكَ إلَّا لِحَاجَةٍ تَقْتَضِي ذَلِكَ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[مَسْأَلَةٌ امْرَأَةٍ وَقَفَتْ عَلَى وَلَدَيْهَا دَكَاكِينَ وَدَارًا ثُمَّ بَعْدَ بَنِيهَا وَبَنِي أَوْلَادِهَا يَرْجِعُ عَلَى وَقْفِ مَدْرَسَةِ]
٩٣٣ - ٩٢ مَسْأَلَةٌ:
فِي امْرَأَةٍ وَقَفَتْ عَلَى وَلَدَيْهَا دَكَاكِينَ وَدَارًا، ثُمَّ بَعْدَ بَنِيهَا وَبَنِي أَوْلَادِهَا يَرْجِعُ عَلَى وَقْفِ مَدْرَسَةِ نُورِ الدِّينِ الشَّهِيدِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْمَصَارِفِ الشَّرْعِيَّةِ، ثُمَّ إنَّ بَعْضَ قَرَائِبِ الْمَرْأَةِ تَعَدَّى وَتَحَيَّلَ وَبَاعَ الْوَقْفَ، ثُمَّ إنَّ الْوَرَثَةَ حَاكَمُوا الْمُشْتَرِيَ وَرَقَمَ الْقَاضِي عَلَى شُهُودِ الْكِتَابِ وَهُوَ صَحِيحٌ ثَابِتٌ. فَقَامَ الْمُشْتَرِي وَأَوْقَفَهَا صَدَقَةً عَلَى خُبْزٍ يُصْرَفُ لِلْمَسَاكِينٍ وَجَعَلَ الرَّئِيسَ نَاظِرًا عَلَى الصَّدَقَةِ: فَهَلْ يَصِحُّ ذَلِكَ. وَإِذَا عَلِمَ الرَّئِيسُ الْعَالِمُ الْمُتَعَبِّدُ أَنَّ هَذَا مُغْتَصَبٌ: فَهَلْ يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَكُونَ نَاظِرًا عَلَيْهِ، وَمَا يَكُونُ؟
الْجَوَابُ: بَيْعُ الْوَقْفِ الصَّحِيحِ اللَّازِمِ الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ مَقْصُودُ الْوَقْفِ مِنْ الِانْتِفَاعِ لَا يَجُوزُ، وَلَا يَصِحُّ وَقْفُ الْمُشْتَرِي لَهُ، وَلَا يَجُوزُ لِلنَّاظِرِ عَلَى الْوَقْفِ الثَّانِي أَنْ يَصْرِفَهُ إلَى غَيْرِ الْمُسْتَحِقِّينَ قَبْلُ، وَلَا يَتَصَرَّفُ فِيهِ بِغَيْرِ مُسَوِّغٍ شَرْعِيٍّ سَوَاءٌ تَصَرَّفَ بِحُكْمِ النَّظَرِ الْبَاطِلِ، أَوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[مَسْأَلَةٌ فِي رَجُلٍ بَنَى حَائِطًا فِي مَقْبَرَةِ الْمُسْلِمِينَ يَقْصِدُ نَفْعَهُ لِدَفْنِ مَوْتَاهُ فَادَّعَى رَجُلٌ أَنَّ لَهُ مَوْتَى تَحْتَ الْحَائِطِ]
٩٣٤ - ٩٣ مَسْأَلَةٌ:
فِي رَجُلٍ بَنَى حَائِطًا فِي مَقْبَرَةِ الْمُسْلِمِينَ؛ يَقْصِدُ أَنْ يَحُوزَ نَفْعَهُ لِدَفْنِ مَوْتَاهُ فَادَّعَى رَجُلٌ أَنَّ لَهُ مَوْتَى تَحْتَ الْحَائِطِ، وَمَا هُوَ دَاخِلَ الْحَائِطِ: فَهَلْ يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ؟
الْجَوَابُ: لَيْسَ لَهُ أَنْ يَبْنِيَ عَلَى مَقْبَرَةِ الْمُسْلِمِينَ حَائِطًا، وَلَا أَنْ يَحْتَجِزَ مِنْ مَقْبَرَةِ الْمُسْلِمِينَ مَا يَخْتَصُّ بِهِ دُونَ سَائِرِ الْمُسْتَحِقِّينَ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[مَسْأَلَةٌ حَمَّامٍ أَكْثَرُهَا وَقْفٌ عَلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْفُقَهَاءِ]
٩٣٥ - ٩٤ مَسْأَلَةٌ: عَنْ حَمَّامٍ أَكْثَرُهَا وَقْفٌ عَلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْفُقَهَاءِ، وَأَنَّ إنْسَانًا لَهُ حَمَّامَاتٌ بِالْقُرْبِ مِنْهَا. وَأَنَّهُ احْتَالَ وَاشْتَرَى مِنْهَا نَصِيبًا. وَأَخَذَ الرَّصَاصَ الَّذِي يَخُصُّهُ مِنْ الْحَاصِلِ، وَعَطِلَ الْحَمَّامُ وَضَارَّ. فَهَلْ يَلْزَمُهُ الْعِمَارَةُ أُسْوَةَ الْوَقْفِ أَمْ لَا؟
стр. 1812
الْجَوَابُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ. لَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي الْحَمَّامِ الْمُشْتَرَكَةِ بِغَيْرِ إذْنِ الشُّرَكَاءِ وَلَا بِإِذْنِ الشَّارِعِ. وَلَا يَسْتَوْلِي عَلَى شَيْءٍ مِنْهَا بِغَيْرِ إذْنِ الشُّرَكَاءِ. وَلَا يَقْسِمُ بِنَفْسِهِ شَيْئًا وَيَأْخُذُ نَصِيبَهُ مِنْهُ. سَوَاءٌ كَانَ رَصَاصًا أَوْ غَيْرَهُ. وَلَا يُغَيِّرُ بِنَاءَ شَيْءٍ مِنْهَا، وَلَا يُغَيِّرُ الْقِدَرَ وَلَا غَيْرَهَا، وَهَذَا كُلُّهُ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ. وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُغْلِقَهَا بَلْ يُكْرِي عَلَى جَمِيعِ الشُّرَكَاءِ إذَا طَلَبَ بَعْضُهُمْ ذَلِكَ؛ وَتُقْسَمُ بَيْنَهُمْ الْأُجْرَةُ. وَهَذَا مَذْهَبُ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ: كَأَبِي حَنِيفَةَ، وَمَالِكٍ. وَأَحْمَدَ وَإِذَا احْتَاجَتْ الْحَمَّامُ إلَى عِمَارَةٍ لَا بُدَّ مِنْهَا فَعَلَى الشَّرِيكِ أَنْ يُعَمِّرَ مَعَهُمْ فِي أَصَحِّ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 1813
[كِتَابُ الْوَصَايَا] [ مَسْأَلَةٌ قَالَ يُدْفَعُ هَذَا الْمَالُ إلَى يَتَامَى فُلَانٍ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ]
٩٣٦ - ١ كِتَابُ الْوَصَايَا سُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: عَمَّنْ قَالَ: يُدْفَعُ هَذَا الْمَالُ إلَى يَتَامَى فُلَانٍ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ، وَلَمْ يُعْرَفْ أَهَذَا إقْرَارٌ؟ أَوْ وَصِيَّةٌ؟ فَأَجَابَ: إنْ كَانَ هُنَاكَ قَرِينَةٌ تُبَيِّنُ مُرَادَهُ هَلْ هُوَ إقْرَارٌ أَوْ وَصِيَّةٌ عُمِلَ بِهَا؛ وَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ: فَمَا كَانَ مَحْكُومًا لَهُ بِهِ لَمْ يَزَلْ عَنْ مِلْكِهِ بِلَفْظٍ مُجْمَلٍ، بَلْ يُجْعَلُ وَصِيَّةً.
[مَسْأَلَةٌ مُودَعٍ مَرِضَ مُودِعُهُ فَقَالَ لَهُ أَمَا يَعْرِفُ ابْنُك بِهَذِهِ الْوَدِيعَةِ]
٩٣٧ - ٢ وَسُئِلَ: عَنْ مُودَعٍ، مَرِضَ مُودِعِهِ، فَقَالَ لَهُ: أَمَا يَعْرِفُ ابْنُك بِهَذِهِ الْوَدِيعَةِ؟ فَقَالَ: فُلَانٌ الْأَسِيرُ يَجِيءُ مَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ يَعُودُ عَلَيْهِ؛ وَقَصَدَ بِذَلِكَ أَنْ يَكُونَ مُوصَدًا لَهُ، وَلَمْ يُرَدَّ عَلَى ذَلِكَ، فَإِذَا خَرَجَ مِنْ الثُّلُثِ هَلْ يَجُوزُ أَنْ يَصْرِفَهُ فِي مَصَالِحِ ذَلِكَ الْأَسِيرِ؟ فَأَجَابَ: تَنْعَقِدُ الْوَصِيَّةُ بِكُلِّ لَفْظٍ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، كَمَا إذَا فُهِمَتْ الْمُخَاطَبَةُ مِنْ الْمُوصِي، وَيَبْقَى قَبُولُ الْوَصِيَّةِ فِي التَّصَرُّفِ فِيهَا مَوْقُوفًا عَلَى قَبُولِ الْمُوصَى لَهُ لَفْظًا أَوْ عُرْفًا وَعَلَى إذْنِهِ فِي التَّصَرُّفِ فِيهَا عَلَى قَبُولِ الْمُوصَى لَهُ لَفْظًا أَوْ عُرْفًا، وَعَلَى إذْنِهِ فِي التَّصَرُّفِ أَوْ إذْنِ الشَّارِعِ، وَيَجُوزُ صَرْفُ مَالِ الْأَسِيرِ فِي فِكَاكِهِ بِلَا إذْنِهِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[مَسْأَلَةٌ رَجُلٍ كَتَبَ وَصِيَّتَهُ وَذَكَرَ فِي وَصِيَّتِهِ أَنَّ فِي ذِمَّتِهِ لِزَوْجَتِهِ مِائَةَ دِرْهَمٍ وَلَمْ تَكُنْ زَوْجَته تَعْلَم]
٩٣٨ - ٣ وَسُئِلَ: عَنْ رَجُلٍ كَتَبَ وَصِيَّتَهُ، وَذَكَرَ فِي وَصِيَّتِهِ: أَنَّ فِي ذِمَّتِهِ لِزَوْجَتِهِ مِائَةَ دِرْهَمٍ، وَلَمْ تَكُنْ زَوْجَتُهُ تَعْلَمُ أَنَّ لَهَا فِي ذِمَّتِهِ شَيْئًا. فَهَلْ يَجُوزُ لِوَصِيِّهِ بَعْدَ مَوْتِهِ دَفْعُ الدَّرَاهِمِ لِزَوْجَتِهِ بِغَيْرِ يَمِينٍ - إذَا كَانَ قَدْ أَقَرَّ لَهَا مِنْ غَيْرِ اسْتِحْقَاقٍ؟
стр. 1814
فَأَجَابَ: لَا يَحِلُّ لَهَا أَنْ تَأْخُذَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا؛ فَإِنَّ هَذَا يَكُونُ وَصِيَّةً لِوَارِثٍ، لَا يَجُوزُ لَهُ وَصِيَّتُهُ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ؛ إلَّا بِإِجَازَةِ بَقِيَّةِ الْوَرَثَةِ، وَأَمَّا فِي الْحُكْمِ فَلَا تُعْطَى شَيْئًا حَتَّى تُصَدِّقَهُ عَلَى الْإِقْرَارِ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ، وَإِلَّا كَانَ بَاطِلًا عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، وَإِذَا صَدَّقَتْهُ عَلَى الْإِقْرَارِ، فَادَّعَى الْوَصِيُّ أَوْ بَعْضُ الْوَرَثَةِ أَنَّ هَذَا الْإِقْرَارَ مِنْ غَيْرِ اسْتِحْقَاقٍ - كَمَا جَرَتْ عَادَةُ بَعْضِ النَّاسِ أَنَّهُ يُجْعَلُ الْإِنْشَاءُ إقْرَارًا - فَإِنَّ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ أَنْ يَدَّعِيَ فِي الْإِقْرَارِ أَنَّهُ أَقَرَّ قَبْلَ الْقَبْضِ.
وَمِثْلُ ذَلِكَ قَدْ تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ فِي التَّحْلِيفِ عَلَيْهِ. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَحْلِفُ.
وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا لَا تُعْطَى شَيْئًا حَتَّى تَحْلِفَ.
[مَسْأَلَةٌ رَجُلٍ تَصَدَّقَ عَلَى ابْنَتِهِ لِصُلْبِهِ وَأَسْنَدَ وَصِيَّتَهُ لِرَجُلٍ فَآجَرَهُ مُدَّةَ ثَلَاثِينَ سَنَةً]
٩٣٩ - ٤ وَسُئِلَ ﵀: عَنْ رَجُلٍ تَصَدَّقَ عَلَى ابْنَتِهِ لِصُلْبِهِ، وَأَسْنَدَ وَصِيَّتَهُ لِرَجُلٍ فَآجَرَهُ مُدَّةَ ثَلَاثِينَ سَنَةً؛ وَقَدْ تُوُفِّيَ الْوَصِيُّ الْمَذْكُورُ وَرَشِدَ مَنْ كَانَ وَصِيَّةً عَلَيْهَا، وَلَمْ تَرْضَ الْمُوصَى عَلَيْهَا بَعْدَ رُشْدِهَا بِإِجَارَةِ الْوَصِيِّ؛ وَأَنَّ الْوَصِيَّ آجَرَ ذَلِكَ بِغَيْرِ قِيمَةِ الْمِثْلِ: فَهَلْ تَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ وَتَتَصَرَّفُ فِي مِلْكِهَا عَادَةَ الْمُلَّاكِ؟ فَأَجَابَ: لَهَا أَنْ تَفْسَخَ هَذِهِ الْإِجَارَةَ بِلَا نِزَاعٍ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ؛ وَإِنَّمَا النِّزَاعُ هَلْ تَقَعُ بَاطِلَةً مِنْ أَصْلِهَا؟ أَوْ مَضْمُونَةً عَلَى الْمُؤَجِّرِ؟ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[مَسْأَلَةٌ رَجُلٍ أَوْصَى لِأَوْلَادِهِ بِسِهَامٍ مُخْتَلِفَةٍ وَأَشْهَدَ عَلَيْهِ عِنْدَ وَفَاتِهِ بِذَلِكَ]
٩٤٠ - ٥ وَسُئِلَ: عَنْ رَجُلٍ أَوْصَى لِأَوْلَادِهِ بِسِهَامٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَأَشْهَدَ عَلَيْهِ عِنْدَ وَفَاتِهِ بِذَلِكَ فَهَلْ تَنْفُذُ هَذِهِ الْوَصِيَّةُ؟ أَمْ لَا؟ فَأَجَابَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. لَا يَجُوزُ لِلْمَرِيضِ تَخْصِيصُ بَعْضِ أَوْلَادِهِ بِعَطِيَّةٍ مُنَجَّزَةٍ.
وَلَا وَصِيَّةَ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَلَا أَنْ يُقِرَّ لَهُ بِشَيْءٍ فِي ذِمَّتِهِ: وَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ تَنْفِيذُهُ بِدُونِ إجَازَةِ بَقِيَّةِ الْوَرَثَةِ. وَهَذَا كُلُّهُ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ مِنْ الشُّهُودِ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى ذَلِكَ شَهَادَةً يُعِينُ بِهَا عَلَى الظُّلْمِ، وَهَذَا التَّخْصِيصُ مِنْ الْكَبَائِرِ الْمُوجِبَةِ لِلنَّارِ، حَتَّى قَدْ رَوَى أَهْلُ السُّنَنِ مَا يَدُلُّ عَلَى الْوَعِيدِ الشَّدِيدِ لِمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ؛
стр. 1815
لِأَنَّهُ كَالْمُتَسَبِّبِ فِي الشَّحْنَاءِ وَعَدَمِ الِاتِّحَادِ بَيْنَ ذُرِّيَّتِهِ؛ لَا سِيَّمَا فِي حَقِّهِ، فَإِنَّهُ يَتَسَبَّبُ فِي عُقُوقِهِ وَعَدَمِ بِرِّهِ.
[مَسْأَلَةٌ رَجُلٍ لَهُ زَرْعٌ وَنَخْلٌ فَقَالَ عِنْدَ مَوْتِهِ لِأَهْلِهِ أَنْفِقُوا مِنْ ثُلُثِي عَلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ]
٩٤١ - ٦ وَسُئِلَ: عَنْ رَجُلٍ لَهُ زَرْعٌ وَنَخْلٌ. فَقَالَ عِنْدَ مَوْتِهِ لِأَهْلِهِ: أَنْفِقُوا مِنْ ثُلُثِي عَلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ إلَى أَنْ يُولَدَ لِوَلَدِي وَلَدٌ فَيَكُونُ لَهُمْ، فَهَلْ تَصِحُّ هَذِهِ الْوَصِيَّةُ أَمْ لَا؟ فَأَجَابَ: نَعَمْ تَصِحُّ هَذِهِ الْوَصِيَّةُ؛ فَإِنَّ الْوَصِيَّةَ لِوَلَدِ الْوَلَدِ الَّذِينَ لَا يَرِثُونَ جَائِزَةٌ، كَمَا وَصَّى الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَامّ لِوَلَدِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ. وَالْوَصِيَّةُ تَصِحُّ لِلْمَعْدُومِ بِالْمَعْدُومِ، فَيَكُونُ الرِّيعُ لِلْفُقَرَاءِ إلَى أَنْ يَحْدُثَ وَلَدُ الْوَلَدِ فَيَكُونَ لَهُمْ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[مَسْأَلَةٌ أَوْصَى لِأَوْلَادِهِ الذُّكُورِ بِتَخْصِيصِ مِلْكٍ دُونَ الْإِنَاثِ وَأَثْبَتَهُ عَلَى يَدِ الْحَاكِمِ قَبْلَ وَفَاتِهِ]
٩٤٢ - ٧ وَسُئِلَ: عَنْ رَجُلٍ أَوْصَى لِأَوْلَادِهِ الذُّكُورِ بِتَخْصِيصِ مِلْكٍ دُونَ الْإِنَاثِ، وَأَثْبَتَهُ عَلَى يَدِ الْحَاكِمِ قَبْلَ وَفَاتِهِ. فَهَلْ يَجُوزُ ذَلِكَ؟ فَأَجَابَ: لَا يَجُوزُ أَنْ يَخُصَّ بَعْضَ أَوْلَادِهِ دُون بَعْضٍ فِي وَصِيَّتِهِ، وَلَا مَرَضِ مَوْتِهِ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ عَلَى أَصَحِّ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ أَنْ يَخُصَّ بَعْضَهُمْ بِالْعَطِيَّةِ فِي صِحَّتِهِ أَيْضًا، بَلْ عَلَيْهِ أَنْ يَعْدِلَ بَيْنَهُمْ، وَيَرُدَّ الْفَضْلَ، «كَمَا أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بَشِيرَ بْنَ سَعِيدٍ حَيْثُ قَالَ لَهُ اُرْدُدْهُ فَرَدَّهُ، وَقَالَ: إنِّي لَا أَشْهَدُ عَلَى جَوْرٍ» . وَقَالَ لَهُ عَلَى سَبِيلِ التَّهْدِيدِ: «أَشْهِدْ عَلَى هَذَا غَيْرِي» . وَلَا يَجُوزُ لِلْوَلَدِ الَّذِي فَضَلَ أَنْ يَأْخُذَ الْفَضْلَ؛ بَلْ عَلَيْهِ أَنْ يَرُدَّ ذَلِكَ فِي حَيَاةِ الظَّالِمِ الْجَائِرِ، وَبَعْدَ مَوْتِهِ، كَمَا يُرَدُّ فِي حَيَاتِهِ فِي أَصَحِّ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ.
стр. 1816
[مَسْأَلَةٌ امْرَأَةٍ وَصَّتْ لِطِفْلَةٍ تَحْتَ نَظَرِ أَبِيهَا بِمَبْلَغٍ مِنْ ثُلُثِ مَالِهَا وَتُوُفِّيَتْ الْمُوصِيَةُ]
٩٤٣ - ٨ وَسُئِلَ ﵀: عَنْ امْرَأَةٍ وَصَّتْ لِطِفْلَةٍ تَحْتَ نَظَرِ أَبِيهَا بِمَبْلَغٍ مِنْ ثُلُثِ مَالِهَا، وَتُوُفِّيَتْ الْمُوصِيَةُ، وَقَبِلَ لِلطِّفْلَةِ وَالِدِهَا الْوَصِيَّةَ الْمَذْكُورَةَ بَعْدَ وَفَاتِهَا؛ وَادَّعَى لَهَا عِنْدَ الْحَاكِمِ بِمَا وَصَّتْ الْمُوصِيَةُ، وَقَامَتْ الْبَيِّنَةُ بِوَفَاتِهَا وَعَلَيْهَا، بِمَا نُسِبَ إلَيْهَا مِنْ الْإِيصَاءِ، وَعَلَى وَالِدُهَا بِقَبُولِ الْوَصِيَّةِ لِابْنَتِهِ، وَتَوَقَّفَ الْحَاكِمُ عَنْ الْحُكْمِ لِلطِّفْلَةِ بِمَا ثَبَتَ لَهَا عِنْدَهُ بِالْبَيِّنَةِ، لِتَعَذُّرِ حَلِفِهَا لِصِغَرِ سِنِّهَا: فَهَلْ يَحْلِفُ وَالِدُهَا؟ أَوْ يُوقَفُ الْحُكْمُ إلَى الْبُلُوغِ وَيُحَلِّفُهَا؟ أَمْ لَا؟ فَأَجَابَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ. لَا يَحْلِفُ وَالِدُهَا؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَحِقٍّ؛ وَلَا يُوقَفُ الْحُكْمُ إلَى بُلُوغِهَا وَحَلِفِهَا؛ بَلْ يُحْكَمُ لَهَا بِذَلِكَ بِلَا نِزَاعٍ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ؛ مَا لَمْ يَثْبُتْ مُعَارِضٌ.
بَلْ أَبْلَغُ مِنْ هَذَا لَوْ ثَبَتَ لِصَبِيٍّ أَوْ لِمَجْنُونٍ حَقٌّ عَلَى غَائِبٍ عَنْهُ مِنْ دَيْنٍ عَنْ مَبِيعٍ، أَوْ بَدَلِ قَرْضٍ، أَوْ أَرْشِ جِنَايَةٍ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مَا لَوْ كَانَ مُسْتَحِقًّا بَالِغًا عَاقِلًا. يَحْلِفُ عَلَى عَدَمِ الْإِبْرَاءِ، أَوْ الِاسْتِيفَاءِ فِي أَحَدِ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ؛ وَيُحْكَمُ بِهِ لِلصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ، وَلَا يَحْلِفُ وَلِيُّهُ، كَمَا قَدْ نَصَّ عَلَيْهِ الْعُلَمَاءُ، وَلِهَذَا لَوْ ادَّعَى مُدَّعٍ عَلَى صَبِيٍّ أَوْ مَجْنُونٍ جِنَايَة أَوْ حَقًّا لَمْ يُحْكَمْ لَهُ؛ وَلَا يَحْلِفُ الصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ. وَإِنْ كَانَ الْبَالِغُ الْعَاقِلُ لَا يَقُولُ إلَّا بِيَمِينٍ. وَلَهَا نَظَائِرُ.
هَذَا فِيمَا يُشْرَعُ فِيهِ الْيَمِينُ بِالِاتِّفَاقِ، أَوْ عَلَى أَحَدِ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ. فَكَيْفَ بِالْوَصِيَّةِ الَّتِي لَمْ يَذْكُرْ الْعُلَمَاءُ تَحْلِيفَ الْمُوصَى لَهُ فِيهَا؛ وَإِنَّمَا أَخَذَ بِهِ بَعْضُ النَّاسِ. وَالْوَصِيَّةُ تَكُونُ لِلْحَمْلِ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ، وَيَسْتَحِقُّهَا إذَا وُلِدَ حَيًّا، وَلَمْ يَقُلْ مُسْلِمٌ: إنَّهَا تُؤَخَّرُ إلَى حِينِ بُلُوغِهِ. وَلَا يَحْلِفُ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[مَسْأَلَةٌ امْرَأَةٍ وَصَّتْ فِي حَالِ مَرَضِهَا وَلِزَوْجِهَا وَلِأَخِيهَا بِشَيْءٍ ثُمَّ وَضَعَتْ وَلَدًا ذَكَرًا وَبَعْدَ ذَلِكَ تُوُفِّيَتْ]
٩٤٤ - ٩ وَسُئِلَ: عَنْ امْرَأَةٍ وَصَّتْ وَصَايَا فِي حَالِ مَرَضِهَا؛ وَلِزَوْجِهَا وَلِأَخِيهَا بِشَيْءٍ، ثُمَّ بَعْدَ مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ وَضَعَتْ وَلَدًا ذَكَرًا؛ وَبَعْدَ ذَلِكَ تُوُفِّيَتْ. فَهَلْ يَبْطُلُ حُكْمُ الْوَصِيَّةِ؟ . فَأَجَابَ: أَمَّا مَا زَادَ عَلَى ثُلُثِ التَّرِكَةِ فَهُوَ لِلْوَارِثِ، وَالْوَلَدُ الْيَتِيمُ لَا يَتَبَرَّعُ بِشَيْءٍ
стр. 1817
مِنْ مَالِهِ. فَأَمَّا الزَّوْجُ الْوَارِثُ فَالْوَصِيَّةُ لَهُ بَاطِلَةٌ لِأَنَّهُ وَارِثٌ. وَأَمَّا الْأَخُ فَالْوَصِيَّةُ لَهُ صَحِيحَةٌ؛ لِأَنَّهُ مَعَ الْوَلَدِ لَيْسَ بِوَارِثٍ؛ وَإِنْ كَانَ عِنْدَ الْوَصِيَّةِ وَارِثًا. فَيُنْظَرُ مَا وَصَّتْ بِهِ لِلْأَخِ وَالنَّاسِ، فَإِنْ وَسِعَهُ الثُّلُثُ وَإِلَّا قُسِمَ بَيْنَهُمْ عَلَى قَدْرِ وَصَايَاهَا.
[مَسْأَلَةٌ امْرَأَةٍ مَاتَتْ وَلَمْ يَكُنْ لَهَا وَارِثٌ سِوَى ابْنِ أُخْتٍ لِأُمٍّ وَقَدْ أَوْصَتْ بِصَدَقَةٍ أَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ]
٩٤٥ - ١٠ وَسُئِلَ ﵀: عَنْ امْرَأَةٍ مَاتَتْ وَلَمْ يَكُنْ لَهَا وَارِثٌ سِوَى ابْنِ أُخْتٍ لِأُمٍّ، وَقَدْ أَوْصَتْ بِصَدَقَةٍ أَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ: فَهَلْ لِلْوَصِيِّ أَنْ يُنَفِّذَ ذَلِكَ وَيُعْطِيَ مَا بَقِيَ لِابْنِ أُخْتِهَا؟ .
فَأَجَابَ: يُعْطَى الْمُوصَى لَهُ الثُّلُثَ، وَمَا زَادَ عَنْ ذَلِكَ إنْ أَجَازَهُ الْوَارِثُ جَازَ؛ وَإِلَّا بَطَلَ، وَابْنُ الْأُخْتِ يَرِثُ الْمَالَ كُلَّهُ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِتَوْرِيثِ ذَوِي الْأَرْحَامِ؛ وَهُوَ الْوَارِثُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عِنْدَهُمْ. وَهُوَ مَذْهَبُ جُمْهُورِ السَّلَفِ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَأَحْمَدَ، وَطَوَائِفَ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ. وَهُوَ قَوْلٌ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ إذَا فَسَدَ بَيْتُ الْمَالِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[مَسْأَلَةٌ رَجُلٍ مَاتَ وَخَلَّفَ سِتَّةَ أَوْلَادٍ ذُكُورٍ وَابْنَ ابْنٍ وَبِنْتَ ابْنٍ وَوَصَّى لِابْنِ ابْنِهِ بِمِثْلِ نَصِيبِ أَوْلَادِهِ]
٩٤٦ - ١١ - وَسُئِلَ: عَنْ رَجُلٍ مَاتَ. وَخَلَّفَ سِتَّةَ أَوْلَادٍ ذُكُورٍ، وَابْنَ ابْنٍ، وَبِنْتَ ابْنٍ. وَوَصَّى لِابْنِ ابْنِهِ بِمِثْلِ نَصِيبِ أَوْلَادِهِ، وَلِبِنْتِ ابْنِهِ بِثُلُثِ مَا بَقِيَ مِنْ الثُّلُثِ بَعْدَ أَنْ كَانَ يُعْطِي ابْنَ ابْنِهِ نَصِيبَهُ. فَكَمْ يَكُونُ نَصِيبُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ أَوْلَادِهِ؟ .
فَأَجَابَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ. ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ تَصِحُّ مِنْ سِتِّينَ، لِكُلِّ ابْنٍ ثَمَانِيَةٌ، وَلِصَاحِبِ الْوَصِيَّةِ ثُلُثُ مَا بَقِيَ بَعْدَ الثُّلُثِ اثْنَيْ عَشَرَ، ثُلُثُ ذَلِكَ أَرْبَعَةٌ. وَلَهَا طُرُقٌ يُعْمَلُ بِهَا.
وَجَوَابُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَعْرُوفٌ فِي كُتُبِ الْعِلْمِ.
[مَسْأَلَةٌ أَوْصَى فِي حَالِ مَرَضِهِ أَنْ يُبَاعَ فَرَسُهُ الْفُلَانِيُّ وَيُعْطَى ثَمَنَهُ كُلَّهُ لِمَنْ يَحُجُّ عَنْهُ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ]
٩٤٧ - ١٢ وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: عَنْ رَجُلٍ تُوُفِّيَ، وَلَهُ مَالٌ كَثِيرٌ، وَلَهُ وَلَدٌ
стр. 1818
صَغِيرٌ؛ وَأَوْصَى فِي حَالِ مَرَضِهِ أَنْ يُبَاعَ فَرَسُهُ الْفُلَانِيُّ، وَيُعْطَى ثَمَنَهُ كُلَّهُ لِمَنْ يَحُجُّ عَنْهُ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ. وَبِيعَتْ بِتِسْعِمِائَةِ دِرْهَمٍ. فَأَرَادَ الْحَاكِمُ أَنْ يَسْتَأْجِرَ إنْسَانًا أَجْنَبِيًّا لِيَحُجَّ بِهَذَا الْمِقْدَارِ، فَجَاءَ رَجُلٌ غَيْرُهُ فَقَالَ: أَنَا أَحُجُّ بِأَرْبَعِمِائَةٍ. فَهَلْ يَجُوزُ ذَلِكَ؟ أَوْ يَتَعَيَّنُ مَا أَوْصَى بِهِ؟ .
فَأَجَابَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ. بَلْ يَجِبُ إخْرَاجُ جَمِيعِ مَا أَوْصَى بِهِ إنْ كَانَ يُخْرَجُ مِنْ ثُلُثِهِ؛ وَإِنْ كَانَ لَا يُخْرَجُ مِنْ ثُلُثِهِ لَمْ يَجِبْ عَلَى الْوَرَثَةِ إخْرَاجُ مَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ؛ إلَّا أَنْ يَكُونَ وَاجِبًا عَلَيْهِ بِحَيْثُ لَا يَحْصُلُ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[مَسْأَلَةٌ رَجُلٍ خَلَّفَ أَوْلَادًا وَأَوْصَى لِأُخْتِهِ كُلَّ يَوْمٍ بِدِرْهَمٍ فَأُعْطِيَتْ ذَلِكَ حَتَّى نَفَذَ الْمَالُ]
٩٤٨ - ١٣ وَسُئِلَ: عَنْ رَجُلٍ خَلَفَ أَوْلَادًا، وَأَوْصَى لِأُخْتِهِ كُلَّ يَوْمٍ بِدِرْهَمٍ؛ فَأُعْطِيَتْ ذَلِكَ حَتَّى نَفَذَ الْمَالُ؟ وَلَمْ يَبْقَ مِنْ التَّرِكَةِ إلَّا عَقَارُ مُغَلِّهِ كُلُّ سَنَةٍ سِتُّمِائَةِ دِرْهَمٍ: فَهَلْ تُعْطَى ذَلِكَ؟ أَوْ دِرْهَمًا كَمَا أُوصِيَ لَهَا؟ .
فَأَجَابَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ إذَا لَمْ يَكُنْ مَا بَقِيَ مُتَّسِعًا لَأَنْ تُعْطَى مِنْهُ كُلَّ يَوْمٍ دِرْهَمًا؛ وَيَبْقَى لِلْوَرَثَةِ دِرْهَمٌ: فَلَا تُعْطَى إلَّا مَا يَبْقَى مَعَهُ لِلْوَرَثَةِ الثُّلُثَانِ؛ لَا يُزَادُ عَلَى مِقْدَارِ الثُّلُثِ شَيْءٌ إلَّا بِإِجَازَةِ الْوَرَثَةِ الْمُسْتَحِقِّينَ؛ إذَا كَانَ الْمُجِيزُ بَالِغًا رَشِيدًا أَهْلًا لِلتَّبَرُّعِ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْمُجِيزُ كَذَلِكَ؛ أَوْ لَمْ يُجِزْ لَمْ تُعْطَ شَيْئًا. وَلَوْ لَمْ يَخْلُفْ الْمَيِّتُ إلَّا الْعَقَارَ فَإِنَّهَا تُعْطَى مِنْ مُغَلِّهِ أَقَلَّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ الدِّرْهَمِ الْمُوصَى بِهِ أَوْ ثُلُثَ الْمُغَلِّ، فَإِنْ كَانَ الْمُغَلُّ أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ كُلَّ يَوْمٍ لَمْ تُعْطَ إلَّا ثُلُثَ ذَلِكَ؛ فَلَوْ كَانَ دِرْهَمًا أُعْطِيت ثُلُثَ دِرْهَمٍ فَقَطْ؛ وَإِنْ أَخَذَتْ زِيَادَةً عَلَى مِقْدَارِ ثُلُثِ الْمُغَلِّ اُسْتُرْجِعَ مِنْهَا ذَلِكَ؛ وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ نِزَاعٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[مَسْأَلَةٌ تُوُفِّيَتْ وَكَانَتْ قَدْ أَوْصَتْ لزوجها وَعَمّهَا بِكُلِّ التَّرِكَة وَلَمْ تُوصِي لِأَبِيهَا وَجَدتها]
٩٤٩ - ١٤ وَسُئِلَ: عَنْ امْرَأَةٍ تُوُفِّيَتْ، وَخَلَفَتْ أَبَاهَا، وَعَمَّهَا أَخَا أَبِيهَا شَقِيقَهُ، وَجَدَّتَهَا، وَكَانَ أَبُوهَا قَدْ رَشَّدَهَا قَبْلَ أَنْ يُزَوِّجَهَا، ثُمَّ أَنَّهَا أَوْصَتْ فِي مَرَضِ مَوْتِهَا
стр. 1819
لِزَوْجِهَا بِالنِّصْفِ. وَلِعَمِّهَا بِالنِّصْفِ الْآخَرِ؛ وَلَمْ تُوصِ لِأَبِيهَا وَجَدَّتِهَا بِشَيْءٍ. فَهَلْ تَصِحُّ هَذِهِ الْوَصِيَّةُ؟ فَأَجَابَ: أَمَّا الْوَصِيَّةُ لِلْعَمِّ صَحِيحَةٌ؛ لَكِنْ لَا يَنْفُذُ فِيمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ إلَّا بِإِجَازَةٍ، وَالْوَصِيَّةُ لِلزَّوْجِ لَا يَنْفُذُ شَيْءٌ مِنْهَا إلَّا بِإِجَازَةِ الْوَرَثَةِ. وَإِذَا لَمْ تُجِزْ الْوَرَثَةُ بِمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ كَانَ لِلزَّوْجِ نِصْفُ الْبَاقِي بَعْدَ هَذِهِ الْوَصِيَّةِ الَّتِي هِيَ الثُّلُثُ، وَلِلْجَدَّةِ السُّدُسُ، وَلِلْأَبِ الْبَاقِي، وَهُوَ الثُّلُثُ.
[مَسْأَلَةٌ أَوْصَتْ قَبْلَ مَوْتِهَا بِخَمْسَةِ أَيَّامٍ بِأَشْيَاءَ مِنْ حَجٍّ وَقِرَاءَةٍ وَصَدَقَةٍ فَهَلْ تَنْفُذُ الْوَصِيَّةُ]
٩٥٠ - ١٥ وَسُئِلَ ﵀: عَنْ امْرَأَةٍ أَوْصَتْ قَبْلَ مَوْتِهَا بِخَمْسَةِ أَيَّامٍ بِأَشْيَاءَ: مِنْ حَجٍّ، وَقِرَاءَةٍ، وَصَدَقَةٍ: فَهَلْ تَنْفُذُ الْوَصِيَّةُ؟ فَأَجَابَ: إذَا أَوْصَتْ بِأَنْ يُخْرَجَ مِنْ ثُلُثِ مَالِهَا مَا يُصْرَفُ فِي قُرْبَةٍ لِلَّهِ وَطَاعَتِهِ وَجَبَ تَنْفِيذُ وَصِيَّتِهَا؛ وَإِنْ كَانَ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ. وَأَمَّا إنْ كَانَ الْمُوصَى بِهِ أَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ كَانَ الزَّائِدُ مَوْقُوفًا، فَإِنْ أَجَازَهُ الْوَرَثَةُ جَازَ، وَإِلَّا بَطَلَ. وَإِنْ وَصَّتْ بِشَيْءٍ فِي غَيْرِ طَاعَةٍ لَمْ تَنْفُذْ وَصِيَّتُهَا.
[مَسْأَلَةٌ أَوْصَى زَوْجَتَهُ عِنْدَ مَوْتِهِ أَنَّهَا لَا تُوهِبُ شَيْئًا مِنْ مَتَاعِ الدُّنْيَا لِمَنْ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَيُهْدِي لَهُ]
٩٥١ - ١٦ وَسُئِلَ: عَنْ رَجُلٍ أَوْصَى زَوْجَتَهُ عِنْدَ مَوْتِهِ أَنَّهَا لَا تُوهِبُ شَيْئًا مِنْ مَتَاعِ الدُّنْيَا لِمَنْ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَيُهْدِي لَهُ، وَقَدْ ادَّعَى أَنَّ فِي صَدْرِهِ قُرْآنًا يَكْفِيهِ، وَلَمْ تَكُنْ زَوْجَتُهُ تَعْلَمُ بِأَنَّهُ كَانَ يَحْفَظُ الْقُرْآنَ. فَهَلْ أَصَابَ فِيمَا أَوْصَى؟ وَقَدْ قَصَدَتْ الزَّوْجَةُ الْمُوصَى إلَيْهَا أَنَّهَا تُعْطِي شَيْئًا لِمَنْ يَسْتَحِقُّهُ يَسْتَعِينُ بِهِ عَلَى سَبِيلِ الْهَدِيَّةِ. وَيَقْرَأُ جُزْءًا مِنْ الْقُرْآنِ وَيُهْدِيهِ لِمَيِّتِهَا. فَهَلْ يُفْسَحُ لَهَا فِي ذَلِكَ؟ .
فَأَجَابَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ. تَنْفُذُ وَصِيَّتُهُ؛ فَإِنَّ إعْطَاءَ أُجْرَةٍ لِمَنْ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَيُهْدِيهِ لِلْمَيِّتِ بِدْعَةٌ، لَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ السَّلَفِ؛ وَإِنَّمَا تَكَلَّمَ الْعُلَمَاءُ فِيمَنْ يَقْرَأُ لِلَّهِ وَيُهْدِي لِلْمَيِّتِ. وَفِيمَنْ يُعْطِي أُجْرَةً عَلَى تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ وُجُوهٌ.
стр. 1820
فَأَمَّا الِاسْتِئْجَارُ عَلَى الْقِرَاءَةِ وَإِهْدَائِهَا فَهَذَا لَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الْأَئِمَّةِ، وَلَا إذْنَ فِي ذَلِكَ؛ فَإِنَّ الْقِرَاءَةَ إذَا كَانَتْ بِأُجْرَةٍ كَانَتْ مُعَاوَضَةً، فَلَا يَكُونُ فِيهَا أَجْرٌ، وَلَا يَصِلُ إلَى الْمَيِّتِ شَيْءٌ، وَإِنَّمَا يَصِلُ إلَيْهِ الْعَمَلُ الصَّالِحُ، وَالِاسْتِئْجَارُ عَلَى مُجَرَّدِ التِّلَاوَةِ لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ مِنْ الْأَئِمَّةِ، وَإِنَّمَا تَكَلَّمُوا فِي الِاسْتِئْجَارِ عَلَى التَّعْلِيمِ.
لَكِنَّ هَذِهِ الْمَرْأَةَ إذَا أَرَادَتْ نَفْعَ زَوْجِهَا فَلْتَتَصَدَّقْ عَنْهُ بِمَا تُرِيدُ الِاسْتِئْجَارَ بِهِ، فَإِنَّ الصَّدَقَةَ تَصِلُ إلَى الْمَيِّتِ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ، وَيَنْفَعُهُ اللَّهُ بِهَا. وَإِنْ تَصَدَّقْت بِذَلِكَ عَلَى قَوْمٍ مِنْ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ الْفُقَرَاءِ لِيَسْتَغْنُوا بِذَلِكَ عَنْ قِرَاءَتِهِمْ حَصَلَ مِنْ الْأَجْرِ بِقَدْرِ مَا أُعِينُوا عَلَى الْقِرَاءَةِ، وَيَنْفَعُ اللَّهُ الْمَيِّتَ بِذَلِكَ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[مَسْأَلَةٌ مَسْجِدٍ عَلَيْهِ وَقْفٌ وَالْوَقْفُ عَلَيْهِ حِكْرٌ وَأَوْصَى قَبْلَ وَفَاتِهِ أَنْ يُخْرَجَ مِنْ الثُّلُثِ وَيُشْتَرَى الْحِكْرُ]
٩٥٢ - ١٧ وَسُئِلَ: عَنْ مَسْجِدٍ لِرَجُلٍ، وَعَلَيْهِ وَقْفٌ، وَالْوَقْفُ عَلَيْهِ حِكْرٌ؛ وَأَوْصَى قَبْلَ وَفَاتِهِ أَنْ يُخْرَجَ مِنْ الثُّلُثِ وَيُشْتَرَى الْحِكْرُ الَّذِي لِلْوَقْفِ، فَتَعَذَّرَ مُشْتَرَاهُ؛ لِأَنَّ الْحِكْرَ وَقْفٌ، وَلَهُ وَرَثَةٌ وَهُمْ ضُعَفَاءُ الْحَالِ، وَقَدْ وَافَقَهُمْ الْوَصِيُّ عَلَى شَيْءٍ مِنْ الثُّلُثِ لِعِمَارَةِ الْمَسْجِدِ: فَهَلْ إذَا تَأَخَّرَ مِنْ الثُّلُثِ شَيْءٌ لِلْأَيْتَامِ يَتَعَلَّقُ فِي ذِمَّةِ الْوَصِيِّ؟
فَأَجَابَ: بَلْ عَلَى الْوَصِيِّ أَنْ يُخْرِجَ جَمِيعَ الثُّلُثِ كَمَا أَوْصَاهُ الْمَيِّتُ؛ وَلَا يَدَعُ لِلْوَرَثَةِ شَيْئًا. ثُمَّ إنْ أَمْكَنَ شِرَاءُ الْأَرْضِ الَّتِي عَيَّنَهَا الْمُوصِي اشْتَرَاهَا وَوَقَفَهَا. وَإِلَّا اشْتَرَى مَكَانًا آخَرَ وَوَقَفَ عَلَى الْجِهَةِ الَّتِي وَصَّى بِهَا الْمُوصِي؛ كَمَا ذَكَرَهُ الْعُلَمَاءُ فِيمَا إذَا قَالَ: بِيعُوا غُلَامِي مِنْ زَيْدٍ، وَتَصَدَّقُوا بِثَمَنِهِ. فَامْتَنَعَ فُلَانٌ مِنْ شِرَائِهِ؛ فَإِنَّهُ يُبَاعُ مِنْ غَيْرِهِ وَيُتَصَدَّقُ بِثَمَنِهِ، فَالْوَصِيَّةُ بِشِرَاءٍ مُعَيَّنٍ وَالتَّصَدُّقُ بِهِ لِوَقْفٍ كَالْوَصِيَّةِ بِبَيْعٍ مُعَيَّنٍ وَالتَّصَدُّقِ بِثَمَنِهِ؛ لِأَنَّ الْمُوصَى لَهُ هُنَا جِهَةُ الصَّدَقَةِ وَالْوَقْفِ، وَهِيَ بَاقِيَةٌ؛ وَالتَّعَيُّنُ إذَا فَاتَ قَامَ بَدَلُهُ مَقَامَهُ؛ كَمَا لَوْ أَتْلَفَ الْوَقْفَ مُتْلِفٌ، أَوْ أَتْلَفَ الْمُوصَى بِهِ مُتْلِفٌ؛ فَإِنَّ بَدَلَهُمَا يَقُومُ مَقَامَهُمَا فِي ذَلِكَ، فَيُفَرَّقُ بَيْنَ الْمُوصَى بِهِ وَالْمَوْقُوفِ؛ وَبَيْنَ بَدَلِ الْمُوصَى لَهُ وَالْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ؛ فَإِنَّهُ لَوْ وَصَّى لِزَيْدٍ لَمْ يَكُنْ لِغَيْرِهِ، وَلَوْ وَصَّى أَنْ يُعْتَقَ عَبْدُهُ الْمُعَيَّنُ، أَوْ نَذَرَ عِتْقَ عَبْدٍ مُعَيَّنٍ فَمَاتَ الْمُعَيَّنُ لَمْ يَقُمْ غَيْرُهُ مَقَامَهُ.
وَتَنَازَعَ الْفُقَهَاءُ إذَا وَصَّى أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ فُلَانٌ بِكَذَا فَامْتَنَعَ ذَلِكَ الْمُعَيَّنُ مِنْ الْحَجِّ،
стр. 1821
وَكَانَ الْحَجُّ تَطَوُّعًا. فَهَلْ يَحُجُّ عَنْهُ أَمْ لَا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ، هُمَا وَجْهَانِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّ الْحَجَّ مَقْصُودٌ فِي نَفْسِهِ؛ وَيَقَعُ الْمُعَيَّنُ مَقْصُودًا، فَمِنْ الْفُقَهَاءِ مَنْ غَلَّبَ جَانِبَ التَّعْيِينِ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: بَلْ الْحَجُّ مَقْصُودٌ أَيْضًا كَمَا أَنَّ الصَّدَقَةَ وَالْوَقْفَ مَقْصُودٌ، وَتَعْيِينُ الْحَجِّ كَتَعْيِينِ الْمَوْقُوفِ وَالْمُتَصَدَّقِ بِهِ، فَإِذَا فَاتَ التَّعْيِينُ أُقِيمَ بَدَلُهُ، كَمَا يُقَامُ فِي الصَّدَقَةِ وَالْوَقْفِ.
[مَسْأَلَةٌ أَوْصَى فِي مَرَضِهِ الْمُتَّصِلِ بِمَوْتِهِ بِأَنْ يُبَاعَ شَرَابٌ فِي حَانُوتِ الْعِطْرِ]
٩٥٣ - ١٨ وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: عَنْ رَجُلٍ أَوْصَى فِي مَرَضِهِ الْمُتَّصِلِ بِمَوْتِهِ بِأَنْ يُبَاعَ شَرَابٌ فِي حَانُوتِ الْعِطْرِ قِيمَتُهُ مِائَةٌ وَخَمْسُونَ دِرْهَمًا، مُضَافٌ ذَلِكَ إلَى ثَلَاثِمِائَةِ دِرْهَمٍ مِنْ مَالِهِ، وَأَنْ يُشْتَرَى بِذَلِكَ عَقَارٌ؛ وَيُجْعَلَ وَقْفًا عَلَى مَصَالِحِ مَسْجِدٍ لِإِمَامِهِ وَمُؤَذِّنِهِ وَزَيْتِهِ وَكَتَبَ ذَلِكَ قَبْلَ مَرَضِهِ؟ فَأَجَابَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. إذَا أَوْصَى أَنْ يُبَاعَ شَيْءٌ مُعِينٌ مِنْ مَالِهِ مِنْ عَقَارٍ أَوْ مَنْقُولٍ، يُضَمُّ إلَى ثَمَنِهِ شَيْءٌ آخَرُ قَدْره مِنْ مَالِهِ، وَيُصْرَفُ ذَلِكَ فِي وَقْفٍ شَرْعِيٍّ: جَازَ.
وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ يُخْرَجُ مِنْ الثُّلُثِ أُخْرِجَ، وَإِنْ لَمْ تَرْضَ الْوَرَثَةُ، وَمَا أَعْطَاهُ لِلْوَرَثَةِ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ إنْ أَعْطَى أَحَدًا مِنْهُمْ زِيَادَةً عَلَى قَدِّ مِيرَاثِهِ لَمْ يَجُزْ إلَّا بِإِجَازَةِ الْوَرَثَةِ، وَإِنْ أَعْطَى كُلَّ إنْسَانٍ شَيْئًا مُعَيَّنًا بِقَدْرِ حَقِّهِ أَوْ بَعْضَ حَقِّهِ: فَفِيهِ قَوْلَانِ لِلْعُلَمَاءِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ: أَحَدُهُمَا: لَهُ ذَلِكَ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
وَالثَّانِي: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَإِذَا قِيلَ: إنَّ لَهُ ذَلِكَ بِحَسْبِ مِيرَاثِ أَحَدِهِمْ؛ فَإِنَّ عَطِيَّةَ الْمَرِيضِ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ الْمَخُوفِ بِمَنْزِلَةِ وَصِيَّتِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[بَابُ الْمُوصَى إلَيْهِ]
[مَسْأَلَةٌ وَصِيٍّ عَلَى أَيْتَامٍ بِوَكَالَةٍ شَرْعِيَّةٍ وَلِلْأَيْتَامِ دَارٌ فَبَاعَهَا وَكِيلُ الْوَصِيِّ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَنْظُرَهَا]
٩٥٤ - ١٩ بَابُ الْمُوصَى إلَيْهِ وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: عَنْ وَصِيٍّ عَلَى أَيْتَامٍ بِوَكَالَةٍ شَرْعِيَّةٍ: وَلِلْأَيْتَامِ
стр. 1822
دَارٌ، فَبَاعَهَا وَكِيلُ الْوَصِيِّ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَنْظُرَهَا، وَقَبَضَ الثَّمَنَ، ثُمَّ زِيدَ فِيهَا: فَهَلْ لَهُ أَنْ يَقْبَلَ الزِّيَادَةَ؟ أَمْ لَا؟ .
فَأَجَابَ: إنْ كَانَ الْوَكِيلُ بَاعَهَا بِثَمَنِ الْمِثْلِ، وَقَدْ رُئِيَتْ لَهُ صَحَّ الْبَيْعُ. وَإِنْ لَمْ تُرَ لَهُ: فِيهِ نِزَاعٌ. وَإِنْ بَاعَهَا بِدُونِ ثَمَنِ الْمِثْلِ فَقَدْ فَرَّطَ فِي الْوَصِيَّةِ، وَيُرْجَعُ عَلَيْهِ بِمَا فَرَّطَ فِيهِ، أَوْ يُفْسَخُ الْبَيْعُ، إذَا لَمْ يُبْذَلْ لَهُ تَمَامُ الْمِثْلِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[مَسْأَلَةٌ رَجُلٍ جَلِيلِ الْقَدْرِ لَهُ تَعَلُّقَاتٌ كَثِيرَةٌ مَعَ النَّاسِ وَأَوْصَى بِأُمُورٍ]
٩٥٥ - ٢٠ وَسُئِلَ: عَنْ رَجُلٍ جَلِيلِ الْقَدْرِ، لَهُ تَعَلُّقَاتٌ كَثِيرَةٌ مَعَ النَّاسِ، وَأَوْصَى بِأُمُورٍ: فَجَاءَ رَجُلٌ إلَى وَصِيِّهِ فِي حَيَاةِ الْمُوصِي؛ وَقَالَ: يَا فُلَانٌ: جِئْتُك فِي حَيَاةِ فُلَانٍ الْمُوصِي بِمَالٍ، فَلِي عِنْدَهُ كَذَا، وَكَذَا. فَذَكَرَ الْوَصِيُّ ذَلِكَ لِلْمُوصِي: فَقَالَ الْمُوصِي: مَنْ ادَّعَى بَعْدَ مَوْتِي عَلَيَّ شَيْئًا فَحَلِّفْهُ وَأَعْطِهِ بِلَا بَيِّنَةٍ: فَهَلْ يَجُوزُ أَوْ يَجِبُ عَلَى الْوَصِيِّ فِعْلُ ذَلِكَ مَعَ يَمِينِ الْمُدَّعِي.
فَأَجَابَ: نَعَمْ: يَجِبُ عَلَى الْوَصِيِّ تَسْلِيمُ مَا ادَّعَاهُ هَذَا الْمُدَّعِي إذَا حَلَفَ عَلَيْهِ وَسَوَاءٌ كَانَ يَخْرُجُ مِنْ الثُّلُثِ أَوْ لَا؛ أَمَّا إذَا كَانَ يَخْرُجُ مِنْ الثُّلُثِ كَانَ أَسْوَأَ الْأَحْوَالِ؛ كَمَا يَكُونُ هَذَا الْمُوصِي مُتَبَرِّعًا بِهَذَا الْإِعْطَاءِ.
وَلَوْ وَصَّى لِمُعَيَّنٍ إذَا فَعَلَ فِعْلًا، أَوْ وَصَّى لِمُطْلَقٍ مَوْصُوفٍ: فَكُلٌّ مِنْ الْوَصِيَّتَيْنِ جَائِزٌ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ، فَإِنَّهُمْ لَا يُنَازِعُونَ فِي جَوَازِ الْوَصِيَّةِ بِالْمَجْهُولِ؛ وَلَمْ يَتَنَازَعُوا فِي جَوَازِ الْإِقْرَارِ بِالْمَجْهُولِ؛ وَلِهَذَا لَا يَقَعُ شُبْهَةٌ لِأَحَدٍ فِي أَنَّهُ إذَا خَرَجَ مِنْ الثُّلُثِ وَجَبَ تَسْلِيمُهُ، وَإِنَّمَا قَدْ تَقَعُ الشُّبْهَةُ فِيمَا إذَا لَمْ يَخْرُجْ مِنْ الثُّلُثِ. وَالصَّوَابُ الْمَقْطُوعُ بِهِ أَنَّهُ يَجِبُ تَسْلِيمُ ذَلِكَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْوَصَايَا؛ فَإِنَّ هَذَا الْكَلَامَ مَفْهُومُهُ رَدُّ الْيَمِينِ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْأَمْرُ بِتَسْلِيمِ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ.
لَكِنَّ رَدَّ الْيَمِينِ هَلْ هُوَ كَالْإِقْرَارِ؟ أَوْ كَالْبَيِّنَةِ؟ فِيهِ لِلْعُلَمَاءِ قَوْلَانِ، فَإِذَا قِيلَ: هُوَ كَالْإِقْرَارِ صَارَ هَذَا إقْرَارًا لِهَذَا الْمُدَّعِي، غَايَتُهُ أَنَّهُ أَقَرَّ بِمَوْصُوفٍ أَوْ بِمَجْهُولٍ؛ وَكُلٌّ مِنْ هَذَيْنِ إقْرَارٌ يَصِحُّ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ؛ مَعَ أَنَّ هَذَا الشَّخْصَ الْمُعَيَّنَ لَيْسَ الْإِقْرَارُ لَهُ إقْرَارًا
стр. 1823
بِمَجْهُولٍ؛ فَإِنَّهُ هُوَ سَبَبُ اللَّفْظِ الْعَامِّ، وَسَبَبُ اللَّفْظِ الْعَامِّ مُرَادٌ فِيهِ قَطْعًا، كَأَنَّهُ قَالَ: هَذَا الشَّخْصُ الْمُعَيَّنُ إنْ حَلَفَ عَلَى مَا ادَّعَاهُ فَأَعْطُوهُ إيَّاهُ. وَمِثْلُ هَذِهِ الصِّفَةِ جَائِزَةٌ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ، وَاجِبٌ تَنْفِيذُهَا.
وَإِنْ قِيلَ: إنَّ الرَّدَّ كَالْبَيِّنَةِ صَارَ حَلِفُ الْمُدَّعِي مَعَ نُكُولِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بَيِّنَةً، وَيَصِيرُ الْمُدَّعِي قَدْ أَقَامَ بَيِّنَةً عَلَى مَا ادَّعَاهُ، وَمِثْلُ هَذَا يَجِبُ تَسْلِيمُ مَا ادَّعَاهُ إلَيْهِ بِلَا رَيْبٍ هَذَا عَلَى أَصْلِ مَنْ لَا يَقْضِي بِرَدِّ الْيَمِينِ عَلَى الْمُدَّعِي: كَمَالِكٍ؛ وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحَدِ الْقَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ.
وَأَمَّا عِنْدَ مَنْ يَقْضِي بِالنُّكُولِ، كَأَبِي حَنِيفَةَ، وَأَحْمَدَ فِي أَشْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ، فَالْأَمْرُ عِنْدَهُ أَوْكَدُ؛ فَإِنَّهُ إذَا رَضِيَ الْخَصْمَانِ فَحَلَفَ الْمُدَّعِي كَانَ جَائِزًا عِنْدَهُمْ؛ وَكَانَ مِنْ النُّكُولِ أَيْضًا، فَالرَّجُلُ الَّذِي قَدْ عُلِمَ أَنَّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ مُعَامَلَاتٍ مُتَعَدِّدَةً مِنْهَا مَا هُوَ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ، وَعَلَيْهِ حُقُوقٌ قَدْ لَا يُعْلَمُ أَرْبَابُهَا، وَلَا مِقْدَارُهَا: لَا تَكُونُ مِثْلُ هَذِهِ الصِّفَةِ مِنْهُ تَبَرُّعًا؛ بَلْ تَكُونُ وَصِيَّةً بِوَاجِبٍ، وَالْوَصِيَّةُ بِوَاجِبٍ لِآدَمِيٍّ تَكُونُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ؛ وَذَلِكَ أَنَّهُ إذَا عُلِمَ أَنَّ عَلَيْهِ حَقًّا، وَشُكَّ فِي أَدَائِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَحْلِفَ؛ بَلْ إذَا حَلَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَأَعْطَاهُ فَقَدْ فَعَلَ الْوَاجِبَ، فَإِذَا كَانَ عَلَيْهِ حَقٌّ لَا يُعْلَمُ عَيْنُ صَاحِبِهِ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَفْعَلَ مَا تَبْرَأَ بِهِ ذِمَّتُهُ؛ فَإِنَّ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ، كَمَنْ نَسِيَ صَلَاةً مِنْ يَوْمٍ لَا يَعْلَمُ عَيْنَهَا، وَكَمَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ لِأَحَدِ رَجُلَيْنِ لَا يَعْلَمُ عَيْنَ الْمُسْتَحَقِّ؛ فَإِذَا قَالَ: مَنْ حَلَفَ مِنْكُمَا فَهُوَ لَهُ وَنَحْوُ ذَلِكَ. فَقَدْ أَدَّى الْوَاجِبَ.
وَأَيْضًا فَإِنَّهُ إذَا ادَّعَى عَلَيْهِ بِأَمْرٍ لَا يَعْلَمُ ثُبُوتَهُ وَلَا انْتِفَاءَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَحْلِفَ عَلَى نَفْيِهِ يَمِينَ بَتٍّ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ حَلِفٌ عَلَى مَا لَا يُعْلَمُ؛ بَلْ عَلَيْهِ أَنْ يَفْعَلَ مَا يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ؛ وَإِذَا أَخْبَرَهُ مَنْ يُصَدِّقُهُ بِأَمْرٍ بُنِيَ عَلَيْهِ، وَإِذَا رُدَّ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعِي عِنْدَ اشْتِبَاهِ الْحَالِ عَلَيْهِ فَقَدْ فَعَلَ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ؛ فَإِنَّهُ لَوْ نَهَاهُمْ عَنْ إعْطَائِهِ قَدْ يَكُونُ ظَالِمًا مَانِعًا الْمُسْتَحَقَّ؛ وَإِنْ أَمَرَ بِإِعْطَاءِ كُلِّ مُدَّعٍ أَفْضَى إلَى أَنْ يَدَّعِيَ الْإِنْسَانُ بِمَا لَا يَسْتَحِقُّهُ، وَذَلِكَ تَبَرُّعٌ؛ فَإِذَا أَمَرَ بِتَحْلِيفِهِ وَإِعْطَائِهِ فَقَدْ فَعَلَ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ حَيْثُ بَنَى الْأَمْرَ عَلَى مَا يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ أَنْ تَبْرَأَ ذِمَّتُهُ مِنْهُ، فَإِنْ كَانَ قَدْ فَعَلَ الْوَاجِبَ أُخْرِجَ ذَلِكَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ.
стр. 1824
[مَسْأَلَةٌ وَصِيٍّ عَلَى أَوْلَادِ أَخِيهِ وَتُوُفِّيَ وَخَلَفَ أَوْلَادًا]
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: عَنْ وَصِيٍّ عَلَى أَوْلَادِ أَخِيهِ، وَتُوُفِّيَ، وَخَلَفَ أَوْلَادًا. وَضَعُوا أَيْدِيَهُمْ عَلَى مَوْجُودِ وَالِدِهِمْ: فَهَلْ يَلْزَمُ أَوْلَادَ الْوَصِيِّ الْمُتَوَفَّى الْخُرُوجُ عَنْ ذَلِكَ، وَالدَّعْوَى عَلَيْهِمْ؟ فَأَجَابَ: إذَا عُرِفَ أَنَّ مَالَ الْيَتَامَى كَانَ مُخْتَلِطًا بِمَالِ الرَّجُلِ، فَإِنَّهُ يَنْظُرُ كَمْ خَرَجَ مِنْ مَالِ الْيَتَامَى نَفَقَةً وَغَيْرَهَا، وَيُطْلَبُ الْبَاقِي وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَيُرْجَعُ فِيهِ إلَى الْعُرْفِ الْمُطَّرِدِ.
[مَسْأَلَةٌ وَصِيٍّ عَلَى مَالِ يَتِيمٍ وَقَدْ قَارَضَ فِيهِ مُدَّةَ ثَلَاثِ سِنِينَ فَرِبْح فَهَلْ يَحِلّ لَهُ الْأَخذ مِنْ الرِّبْح]
٩٥٧ - ٢٢ وَسُئِلَ: عَنْ رَجُلٍ وَصِيٍّ عَلَى مَالِ يَتِيمٍ، وَقَدْ قَارَضَ فِيهِ مُدَّةَ ثَلَاثِ سِنِينَ، وَقَدْ رَبِحَ فِيهِ فَائِدَةً مِنْ وَجْهِ حِلٍّ: فَهَلْ يَحِلُّ لِلْوَصِيِّ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ الْفَائِدَةِ شَيْئًا؟ أَوْ هِيَ لِلْيَتِيمِ خَاصَّةً؟
فَأَجَابَ: الرِّبْحُ كُلُّهُ لِلْيَتِيمِ؛ لَكِنْ إنْ كَانَ الْوَصِيُّ فَقِيرًا وَقَدْ عَمِلَ فِي الْمَالِ فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ أَقَلَّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ أُجْرَةِ مِثْلِهِ أَوْ كِفَايَتِهِ، فَلَا يَأْخُذُ فَوْقَ أُجْرَةِ عَمَلِهِ وَإِنْ كَانَتْ الْأُجْرَةُ أَكْثَرَ مِنْ كِفَايَتِهِ لَمْ يَأْخُذْ أَكْثَرَ مِنْهَا.
[مَسْأَلَةٌ وَصِيٍّ تَحْتَ يَدِهِ أَيْتَامٌ أَطْفَالٌ وَوَالِدَتُهُمْ حَامِلٌ فَهَلْ يُعْطِي الْأَطْفَالَ نَفَقَةً]
٩٥٨ - ٢٣ وَسُئِلَ ﵀: عَنْ وَصِيٍّ تَحْتَ يَدِهِ أَيْتَامٌ أَطْفَالٌ، وَوَالِدَتُهُمْ حَامِلٌ: فَهَلْ يُعْطِي الْأَطْفَالَ نَفَقَةً، وَاَلَّذِي يَخْدُمُ الْأَطْفَالَ وَالْوَالِدَةَ إذَا أَخَذَتْ صَدَاقَهَا: فَهَلْ يَجُوزُ أَنْ تَأْكُلَ الْأَطْفَالُ وَوَالِدَتُهُمْ وَمَنْ يَخْدُمُهُمْ جَمِيعَ الْمَالِ؟
فَأَجَابَ: أَمَّا الزَّوْجَةُ فَتُعْطَى قَبْلَ وَضْعِ الْحَمْلِ. وَأَمَّا سَائِرُ الْوَرَثَةِ فَإِنْ أُخِّرَتْ قِسْمَةُ التَّرِكَةِ إلَى حِينِ الْوَضْعِ فَيُنْفَقُ عَلَى الْيَتَامَى بِالْمَعْرُوفِ، وَلَا بَأْسَ أَنْ يَخْتَلِطَ مَالُهُمْ بِمَالِ الْأُمِّ؛ وَيَكُونُ خُبْزُهُمْ جَمِيعًا، وَطَبْخُهُمْ جَمِيعًا، إذَا كَانَ ذَلِكَ مَصْلَحَةً لِلْيَتَامَى؛ فَإِنَّ الصَّحَابَةَ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى:
стр. 1825
﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ [البقرة: ٢٢٠] .
وَأَمَّا الْحَمْلُ فَإِنْ أُخِّرَتْ فَلَا كَلَامَ وَإِنْ عُجِّلَتْ أُخِّرَ لَهُ نَصِيبُ ذَكَرٍ احْتِيَاطًا.
وَهَلْ تَسْتَحِقُّ الزَّوْجَةُ نَفَقَةً لِأَجْلِ الْحَمْلِ الَّذِي فِي بَطْنِهَا وَسُكْنَى؟ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ لِلْعُلَمَاءِ: أَحَدُهَا: لَا نَفَقَةَ لَهَا؛ وَلَا سُكْنَى، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَحْمَدَ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَالشَّافِعِيِّ فِي قَوْلٍ.
وَالثَّانِي: لَهَا النَّفَقَةُ وَالسُّكْنَى؛ وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ؛ وَقَوْلِ طَائِفَةٍ.
وَالثَّالِثُ: لَهَا السُّكْنَى؛ دُونَ النَّفَقَةِ، كَمَا نُقِلَ عَنْ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ فِي قَوْلٍ.
[مَسْأَلَةٌ وَصِيٍّ عَلَى أُخْتَيْهِ وَقَدْ كَبِرَتَا وَوَلَدَيْهِمَا وَآنَسَ مِنْهُمَا الرُّشْدَ فَهَلْ يَحْتَاجُ إلَى إثْبَاتٍ عِنْدَ الْحَاكِمِ]
٩٥٩ - ٢٤ وَسُئِلَ: عَنْ وَصِيٍّ عَلَى أُخْتَيْهِ، وَقَدْ كَبِرَتَا، وَوَلَدَيْهِمَا؛ وَآنَسَ مِنْهُمَا الرُّشْدَ فَهَلْ يَحْتَاجُ إلَى إثْبَاتٍ عِنْدَ الْحَاكِمِ؟ أَوْ إلَى شُهُودٍ؟
فَأَجَابَ: إذَا آنَسَ الْوَصِيُّ مِنْهُمْ الرُّشْدَ دَفَعَ إلَيْهِمْ الْمَالَ، وَلَا يَحْتَاجُ إلَى شُهُودٍ؛ بَلْ يُقِرُّ بِرُشْدِهِمْ، وَيُسَلِّمُ إلَيْهِمْ الْمَالَ، وَذَلِكَ جَائِزٌ بِغَيْرِ إذْنِ الْحَاكِمِ لَكِنَّ لَهُ إثْبَاتَ ذَلِكَ عِنْدَ الْحَاكِمِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[مَسْأَلَةٌ وَصِيٍّ قَضَى دَيْنًا عَنْ الْمُوصِي بِغَيْرِ ثُبُوتٍ عِنْدَ الْحَاكِمِ]
٩٦٠ - ٢٥ وَسُئِلَ: عَنْ وَصِيٍّ قَضَى دَيْنًا عَنْ الْمُوصِي بِغَيْرِ ثُبُوتٍ عِنْدَ الْحَاكِمِ؛ وَعَوَّضَ عَنْ الْغَائِبِ بِدُونِ قِيمَةِ الْمِثْلِ: فَهَلْ لِلْوَرَثَةِ فَسْخُ ذَلِكَ؟
فَأَجَابَ: لَيْسَ لِلْوَصِيِّ أَنْ يَقْضِيَ مَا يَدَّعِي مِنْ الدَّيْنِ إلَّا بِمُسْتَنَدٍ شَرْعِيٍّ؛ بَلْ وَلَا بِمُجَرَّدِ دَعْوَى مِنْ الْمُدَّعِي؛ فَإِنَّهُ ضَامِنٌ لَهُ. وَلَا يَجُوزُ لَهُ التَّعْوِيضُ إلَّا بِقِيمَةِ الْمِثْلِ، وَمَا عَوَّضَهُ بِدُونِ الْقِيمَةِ بِمَا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِهِ؛ فَإِمَّا أَنْ يَضْمَنَ مَا نَقَصَ مِنْ حَقِّ الْوَرَثَةِ،
следующие страницы →