Полный текст (3 138 стр.). Показаны 2206–2245 · переход к 2211.
стр. 2206
الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى: فَائِدَتُهُ أَنَّهُ عِنْدَنَا لَا تَجُوزُ إزَالَةُ النَّجَاسَةِ بِغَيْرِ الْمَاءِ لَا لِاخْتِصَاصِهِ بِالتَّطْهِيرِ عِنْدَنَا وَعِنْدَهُمْ تَجُوزُ لِمُشَارَكَتِهِ غَيْرَ الْمَاءِ فِي الطَّهَارَةِ.
قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: لَهُ فَائِدَةٌ أُخْرَى، الْمَاءُ يَدْفَعُ النَّجَاسَةَ عَنْ نَفْسِهِ بِكَوْنِهِ مُطَهِّرًا كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: «الْمَاءُ طَهُورٌ لَا يَنْجَسُ بِشَيْءٍ» وَغَيْرُهُ لَيْسَ بِطَهُورٍ، فَلَا يُدْفَعُ وَعِنْدَهُمْ الْجَمِيعُ سَوَاءٌ.
وَتَجُوزُ طَهَارَةُ الْحَدَثِ بِكُلِّ مَا يُسَمَّى مَاءً وَبِمُعْتَصِرِ الشَّجَرِ، قَالَهُ ابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالْأَصَمُّ، وَابْنُ شَعْبَانَ. وَبِمُتَغَيِّرٍ بِطَاهِرٍ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ ﵀ وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَبِمَاءٍ حَلَّتْ بِهِ امْرَأَةٌ لِطَهَارَةٍ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ ﵀، وَبِمُسْتَعْمَلٍ فِي رَفْعِ حَدَثٍ، وَهُوَ رِوَايَةٌ اخْتَارَهَا ابْنُ عَقِيلٍ، وَأَبُو الْبَقَاءِ، وَطَوَائِفُ مِنْ الْعُلَمَاءِ، وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ إلَى نَجَاسَتِهِ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ ﵀، وَحُمِلَ كَلَامُهُ عَلَى الْغَدِيرِ يُغْتَسَلُ فِيهِ أَقَلُّ مِنْ قُلَّتَيْنِ مِنْ نَجَاسَةِ الْحَدَثِ، وَلَيْسَتْ مِنْ مَوَارِدِ الظُّنُونِ، بَلْ هِيَ قَطِيعَةٌ بِلَا رَيْبٍ.
وَلَا يُسْتَحَبُّ غَسْلُ الثَّوْبِ وَالْبَدَنِ مِنْهُ، وَهُوَ أَصَحُّ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ، وَأَوَّلَ الْقَاضِي الْقَوْلَ بِنَجَاسَةِ الْمَاءِ بِجَعْلِهِ فِي صِفَةِ النَّجَسِ فِي مَعْنَى الْوُضُوءِ، لَا أَنَّهُ جَعَلَهُ نَجَسًا حَقِيقَةً، وَكَلَامُهُ فِي التَّعْلِيقِ لَا يَرْتَفِعُ عَنْ الْأَعْضَاءِ إلَّا بَعْدَ الِانْفِصَالِ، كَمَا لَا يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا إلَّا بِذَلِكَ هَذَا إذَا نَوَى وَهُوَ فِي الْمَاءِ وَإِذَا نَوَى قَبْلَ الِانْغِمَاسِ، فَفِيهِ الْوَجْهَانِ.
وَأَمَّا إذَا صَبَّ عَلَى الْعُضْوِ فَهُنَا يَنْبَغِي أَنْ يَرْتَفِعَ الْحَدَثُ. وَيُكْرَهُ الْغُسْلُ لَا الْوُضُوءُ بِمَاءِ زَمْزَمَ. قَالَهُ طَائِفَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ.
وَلَا يَنْجَسُ الْمَاءُ إلَّا بِالتَّغْيِيرِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ اخْتَارَهَا ابْنُ عَقِيلٍ، وَابْنُ الْمُنَى، وَأَبُو الْمُظَفَّرِ بْنُ الْجَوْزِيِّ، وَأَبُو نَصْرٍ، وَغَيْرُهُمْ مِنْ أَصْحَابِنَا، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ. وَلَوْ كَانَ تَغْيِيرُهُ فِي مَحَلِّ التَّطْهِيرِ، وَقَالَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا وَفَرَّقَتْ طَائِفَةٌ مِنْ مُحَقِّقِي أَصْحَابِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵀ بَيْنَ الْجَارِي، وَالْوَاقِفِ، وَهُوَ نَصُّ الرِّوَايَتَيْنِ، فَلَا يَنْجَسُ الْجَارِي إلَّا بِالتَّغَيُّرِ، سَوَاءً كَانَ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا.
وَحَوْضُ الْحَمَّامِ إذَا كَانَ فَائِضًا يَجْرِي إلَيْهِ الْمَاءُ فَإِنَّهُ جَارٍ فِي أَصَحِّ قَوْلَيْ
стр. 2207
الْعُلَمَاءِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَإِذَا وَقَعَتْ نَجَاسَةٌ فِي مَاءٍ كَثِيرٍ هَلْ يَقْتَضِي الْقِيَاسُ فِيهِ أَنَّ النَّجَاسَةَ كَاخْتِلَاطِ الْحَلَالِ بِالْحَرَامِ إلَى حِينِ يَقُومُ الدَّلِيلُ عَلَى تَطْهِيرِهِ، أَوْ مُقْتَضَى الْقِيَاسِ طَهَارَتُهُ إلَى أَنْ تَظْهَرَ النَّجَاسَةُ فِيهِ قَوْلَانِ. وَالثَّانِي الصَّوَابُ. وَالْمَائِعَاتُ كُلُّهَا حُكْمُهَا حُكْمُ الْمَاءِ قَلَّتْ أَوْ كَثُرَتْ.
وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ، وَمَذْهَبُ الزُّهْرِيِّ، وَالْبُخَارِيِّ، وَحُكِيَ رِوَايَةً عَنْ مَالِكٍ، وَذُكِرَ فِي " شَرْحِ الْعُمْدَةِ " أَنَّ نَجَاسَةَ الْمَاءِ لَيْسَتْ عَيْنِيَّةً، لِأَنَّهُ يُطَهِّرُ غَيْرَهُ، فَنَفْسُهُ أَوْلَى. وَفِي الثِّيَابِ الْمُشْتَبِهَةِ بِنَجَسٍ أَنَّهُ يَتَحَرَّى وَيُصَلِّي فِي وَاحِدٍ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ سَوَاءً قَلَّتْ الطَّاهِرَةُ أَوْ كَثُرَتْ. ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ فِي فُنُونِهِ وَمُنَاظَرَاتِهِ ".
قُلْت: وَرَجَّحَهُ ابْنُ الْقَيِّمِ، قَالَ: وَهُوَ الرِّوَايَةُ الْأُخْرَى عَنْ مَالِكٍ كَمَا يَتَحَرَّى فِي الْقِبْلَةِ، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: إنْ كَثُرَ عَدَدُ الثِّيَابِ تَحَرَّى دَفْعًا لِلْمَشَقَّةِ، وَإِنْ قَلَّ عَمِلَ بِالْيَقِينِ. وَنَصَّ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵀: إذَا سَقَطَ عَلَيْهِ مَاءٌ مِنْ مِيزَابٍ وَنَحْوِهِ، وَلَا أَمَارَةَ عَلَى النَّجَاسَةِ لَمْ يَلْزَمْ السُّؤَالُ عَنْهُ، بَلْ يُكْرَهُ، وَإِنْ سُئِلَ فَهَلْ يَلْزَمُهُ رَدُّ الْجَوَابِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، وَاسْتَحَبَّ بَعْضُ الْأَصْحَابِ وَغَيْرُهُمْ السُّؤَالَ، وَهُوَ ضَعِيفٌ وَأَضْعَفُ مِنْهُ مَنْ أَوْجَبَهُمَا. قَالَ الْأَزَجِيُّ: إنْ عَلِمَ الْمَسْئُولُ نَجَاسَتَهُ وَجَبَ الْجَوَابُ. وَإِلَّا فَلَا، وَإِذَا شَكَّ فِي النَّجَاسَةِ هَلْ أَصَابَتْ الثَّوْبَ أَوْ الْبَدَنَ فَمِنْ الْعُلَمَاءِ مَنْ يَأْمُرُ بِنَضْحِهِ، وَيَجْعَلُ حُكْمَ الْمَشْكُوكِ فِيهِ النَّضْحَ، كَمَا يَقُولُهُ مَالِكٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُوجِبُهُ، فَإِذَا احْتَاطَ وَنَضَحَ كَانَ حَسَنًا، كَمَا رُوِيَ فِي نَضْحِ أَنَسٍ لِلْحَصِيرِ الَّذِي قَدْ اسْوَدَّ، وَنَضَحَ عُمَرُ ثَوْبَهُ، وَنَحْوَ ذَلِكَ.
[بَابُ الْآنِيَةِ]
يَحْرُمُ اسْتِعْمَالُ آنِيَةِ الذَّهَبِ، وَالْفِضَّةِ، وَاِتِّخَاذُهَا. ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي " الْخِلَافِ ".
وَيَحْرُمُ اسْتِعْمَالُ إنَاءٍ مُفَضَّضٍ إذَا كَانَ كَثِيرًا، وَلَا يُكْرَهُ يَسِيرٌ لِحَاجَةٍ، وَيُكْرَهُ لِغَيْرِهَا، وَنَصُّ عَلَى التَّفْضِيلِ فِي رِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي الْحَارِثِ، رَأْسُ الْمُكْحُلَةِ وَالْمِيلُ، وَحَلْقَةُ الْمَرْأَةِ إذَا كَانَتْ مِنْ فِضَّةٍ فَهِيَ مِنْ الْآنِيَةِ.
стр. 2208
قَالَ فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ بْنِ نَصْرٍ، وَجَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ: لَا بَأْسَ بِمَا يُضَبِّبُهُ وَأَكْرَهُ الْحَلْقَةَ. وَقَالَ فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا وَأَبِي مَنْصُورٍ: لَا بَأْسَ فِي إنَاءٍ مُفَضَّضٍ إذَا لَمْ يَقَعْ فَمُهُ عَلَى الْفِضَّةِ. وَقَالَ الْقَاضِي: قَدْ فَرَّقَ بَيْن الضَّبَّةِ، وَالْحَلْقَةِ، وَرَأْسِ الْحَلْقَةِ.
قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: وَكَلَامُ أَحْمَدَ ﵀ لِمَنْ تَدَبَّرَهُ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْحَاجَةِ.
وَعَدَمِهَا، وَإِنَّمَا فَرَّقَ بَيْن مَا يُسْتَعْمَلُ وَبَيْنَ مَا لَا يُسْتَعْمَلُ. فَأَمَّا يَسِيرُ الذَّهَبِ فَلَا يُبَاحُ بِحَالٍ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ، وَإِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ فِي النَّصِّ: إذَا خَافَ عَلَيْهِ أَنْ يَسْقُطَ هَلْ يُجْعَلُ لَهُ مِسْمَارٌ مِنْ ذَهَبٍ، فَقَالَ: إنَّمَا رَخَّصَ فِي الْأَسْنَانِ عَلَى الضَّرُورَةِ، فَأَمَّا الْمِسْمَارُ فَلَا، فَإِذَا كَانَ هَذَا فِي اللِّبَاسِ فَفِي الْآنِيَةِ أَوْلَى.
وَقَدْ غَلِطَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَدَ حَيْثُ حَكَتْ قَوْلًا بِيَسِيرِ الذَّهَبِ تَبَعًا فِي الْآنِيَةِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَأَبُو بَكْرٍ، إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ فِي بَابِ اللِّبَاسِ، وَالتَّحَلِّي، وَبَابُ اللِّبَاسِ أَوْسَعُ.
وَلَا يَجُوزُ تَمْوِيهُ السُّقُوفِ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَلَا يَجُوزُ لَطْخُ اللِّجَامِ وَالسَّرْجِ بِالْفِضَّةِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى إبَاحَتِهِ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَحَيْثُ أُبِيحَتْ الضَّبَّةُ يُرَادُ مِنْ إبَاحَتِهَا أَنْ تَحْتَاجَ إلَى تِلْكَ الصُّورَةِ لَا إلَى كَوْنِهَا مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ، فَإِنَّ هَذِهِ ضَرُورَةٌ، وَهِيَ تُبِيحُ الْمُتَعَذِّرَ.
وَيُبَاحُ الِاكْتِحَالُ بِمِيلِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، لِأَنَّهَا حَاجَةٌ، وَيُبَاحَانِ لَهَا. قَالَهُ أَبُو الْمَعَالِي.
[بَابُ آدَابِ التَّخَلِّي]
يَحْرُمُ اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ وَاسْتِدْبَارُهَا عِنْدَ التَّخَلِّي مُطْلَقًا سَوَاءٌ الْفَضَاءُ وَالْبُنْيَانُ. وَهُوَ رِوَايَةٌ اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ، وَلَا يَكْفِي انْحِرَافُهُ عَنْ الْجِهَةِ.
قُلْت: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ جَدِّهِ.
وَيَحْمَدُ اللَّهَ فِي نَفْسِهِ إذَا عَطَسَ بِخَلَاءٍ، وَكَذَلِكَ فِي صَلَاتِهِ، قَالَ أَبُو دَاوُد لِلْإِمَامِ أَحْمَدَ: أَيُحَرِّكُ بِهَا لِسَانَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ الْقَاضِي: وَنَقَلَ بَكْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ يُحَرِّكُ بِهِ شَفَتَيْهِ فِي الْخَلَاءِ؟ قَالَ الْقَاضِي: بِحَيْثُ لَا يَسْمَعُهُ، وَقَالَ: مَا لَا يَسْمَعُهُ لَا يَكُونُ كَلَامًا
стр. 2209
فَيَجْرِي مَجْرَى الذِّكْرِ فِي نَفْسِهِ، وَلَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ فِي الرِّوَايَةِ عَنْهُ وِفَاقًا الْقَاضِي، وَجَعَلَهَا أَوْلَى الرِّوَايَتَيْنِ.
قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: أَمَّا مَسْأَلَةُ الصَّلَاةِ فَتُقَارِبُ مَسْأَلَةَ الْخَلَاءِ، فَإِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ ذِكْرٌ لِلَّهِ، وَنَصَّ أَحْمَدُ أَنَّهُ يَقُولُهُ فِي الصَّلَاةِ بِمَنْزِلَةِ أَذْكَارِ الْمُخَافَتَةِ لَكِنْ لَا يَجْهَرُ بِهِ كَمَا يَجْهَرُ خَارِجَ الصَّلَاةِ، لَيْسَ أَنَّهُ لَا يَسْمَعُ نَفْسَهُ.
وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الْخَلَاءِ: فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَا قَالَ الْقَاضِي، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فِي الْمَسْأَلَةِ رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا فِي نَفْسِهِ بِلَا لَفْظٍ، وَالثَّانِيَةُ بِاللَّفْظِ. وَيُكْرَهُ السَّلْتُ، وَالنَّثْرُ، وَلَمْ يَصِحَّ الْحَدِيثُ فِي الْأَمْرِ وَالْمَشْيِ، وَالتَّنَحْنُحُ عَقِيبَ الْبَوْلِ بِدْعَةٌ، وَيَجْزِي الِاسْتِجْمَارُ وَلَوْ بِوَاحِدَةٍ فِي وَالصَّفْحَتَيْنِ وَالْحَشَفَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ؛ لِعُمُومِ الْأَدِلَّةِ بِجَوَازِ الِاسْتِجْمَارِ.
وَلَمْ يُنْقَلُ عَنْهُ ﷺ فِي ذَلِكَ تَقْدِيرٌ، وَيَجْزِي بِعَظْمٍ وَرَوْثٍ.
قُلْت: وَمَا نَهَى عَنْهُ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ؛ وَلِأَنَّهُ لَمْ يَنْهَ عَنْهُ لِأَنَّهُ لَا يَنْفِي، بَلْ لِإِفْسَادِهِ، فَإِذَا قِيلَ: يَزُولُ بِطَعَامِنَا مَعَ التَّحْرِيمِ، فَهَذَا أَوْلَى، وَالْأَفْضَلُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا.
وَلَا يُكْرَهُ الِاقْتِصَارُ عَلَى الْحَجَرِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَلَيْسَ لَهُ الْبَوْلُ فِي الْمَسْجِدِ وَلَوْ فِي وِعَاءٍ. وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ فِي الْبَوْلِ حَوْلَ الْبِرْكَةِ فِي الْمَسْجِدِ: هَذَا يُشْبِهُ الْبَوْلَ فِي قَارُورَةٍ فِي الْمَسْجِدِ، وَمِنْهُمْ مَنْ نَهَى عَنْهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُرَخِّصُ فِيهِ لِلْحَاجَةِ، فَأَمَّا اتِّخَاذُهُ مَبَالًا فَلَا.
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَذْبَحَ فِي الْمَسْجِدِ ضَحَايَا وَلَا غَيْرَهَا، وَلَيْسَ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَتَّخِذَ. الْمَسْجِدَ طَرِيقًا. فَكَيْفَ إذَا اتَّخَذَهُ الْكَافِرُ طَرِيقًا، وَيَحْرُمُ مَنْعُ الْمُحْتَاجِ إلَى الطَّهَارَةِ وَلَوْ وُقِفَتْ عَلَى طَائِفَةٍ مُعَيَّنَةٍ فِي رِبَاطٍ وَلَوْ فِي مِلْكِهِ؛ لِأَنَّهَا بِمُوجِبِ الشَّرْعِ وَالْعُرْفِ مَبْذُولَةٌ لِلْمُحْتَاجِ، وَلَوْ قَدَّرْت أَنَّ الْوَاقِفَ صَرَّحَ بِالْمَنْعِ، فَإِنَّمَا يَسُوغُ مَعَ الِاسْتِغْنَاءِ، وَإِلَّا فَيَجِبُ بَذْلُ الْمَنَافِعِ الْمُحْصَنَةِ لِلْمُحْتَاجِ كَسُكْنَى دَارِهِ، وَالِانْتِفَاعِ بِمَا حَوَتْهُ، وَلَا أُجْرَةَ لِذَلِكَ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَيُمْنَعُ أَهْلُ الذِّمَّةِ مِنْ دُخُولِ بَيْتِ الْخَلَاءِ إنْ حَصَلَ مِنْهُمْ تَضْيِيقٌ، أَوْ فَسَادُ مَاءٍ، أَوْ تَنْجِيسٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِهِمْ ضَرَرٌ، وَلَهُمْ مَا يَسْتَغْنُونَ بِهِ فَلَيْسَ لَهُمْ مُزَاحَمَتُهُمْ.
стр. 2210
[بَابُ السِّوَاكِ]
ِ وَغَيْرِهِ
يُطْلَقُ عَلَى الْفِعْلِ وَعَلَى مَا يُتَسَوَّكُ بِهِ وَهُوَ مُذَكَّرٌ، قَالَ اللَّيْثُ: وَتُؤَنِّثُهُ الْعَرَبُ أَيْضًا، وَغَلَّطَهُ الْأَزْهَرِيُّ فِي ذَلِكَ، وَتَبِعَهُ ابْنُ سِيدَهْ فِي الْمُحْكَمِ ". وَهُوَ فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ مُسْتَحَبٌّ، وَالْأَصَحُّ وَلَوْ لِلصَّائِمِ بَعْدَ الزَّوَالِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ، وَقَالَهُ مَالِكٌ وَغَيْرُهُ، وَالْأَفْضَلُ بِيَدِهِ الْيُسْرَى.
وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: مَا عَلِمْت إمَامًا خَالَفَ فِيهِ، وَالسِّوَاكُ مَا عَلِمْت أَحَدًا كَرِهَهُ فِي الْمَسْجِدِ، وَالْآثَارُ تَدُلُّ عَلَيْهِ، وَيُكْرَهُ تَرْكُ شَعْرِهِ فِي الْمَسْجِدِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ نَجِسًا، وَيَفْعَلُ الْأَصْلَحَ كُلُّ بَلَدٍ بِمَا يُنَاسِبُهُ فِي الْعَمَلِ، وَالْأَفْضَلُ قَمِيصٌ مِنْ سَرَاوِيلَ لَا رِدَاءٍ، وَإِزَارٍ وَلَوْ مَعَ الْقَمِيصِ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ.
وَيَحْرُمُ حَلْقُ اللِّحْيَةِ، وَيَجِبُ الْخِتَانُ إذَا وَجَبَتْ الطَّهَارَةُ وَالصَّلَاةُ، وَيَنْبَغِي إذَا رَاهَقَ الْبُلُوغَ أَنْ يَخْتَتِنَ كَمَا كَانَتْ الْعَرَبُ تَفْعَلُ لِئَلَّا يَبْلُغَ إلَّا وَهُوَ مَخْتُونٌ.
[بَابُ صِفَةِ الْوُضُوءِ]
لَمْ يَرِدْ الْوُضُوءُ بِمَعْنَى غُسْلِ الْيَدِ إلَّا فِي لُغَةِ الْيَهُودِ، فَإِنَّهُ رُوِيَ أَنَّ سُلَيْمَانَ الْفَارِسِيَّ قَالَ: إنَّا نَجِدُهُ فِي التَّوْرَاةِ، وَقَالَ ﷺ : «إنَّ مِنْ بَرَكَةِ الطَّعَامِ الْوُضُوءَ قَبْلَهُ وَبَعْدَهُ» وَهُوَ مِنْ خَصَائِصِ هَذِهِ الْأُمَّةِ كَمَا جَاءَتْ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ أَنَّهُمْ يُبْعَثُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
وَحَدِيثُ ابْنِ مَاجَهْ: «وُضُوءُ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلِي» ضَعِيفٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ لَا يَجُوزُ الِاحْتِجَاجُ بِمِثْلِهِ، وَلَيْسَ لَهُ عِنْدَ أَهْلِ الْكِتَابِ خَبَرٌ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ أَنَّهُ كَانَ يَتَوَضَّأُ وُضُوءَ الْمُسْلِمِينَ بِخِلَافِ الِاغْتِسَالِ مِنْ الْجَنَابَةِ، فَإِنَّهُ كَانَ مَشْرُوعًا، وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ تَيَمُّمٌ إذَا عَدِمُوا الْمَاءَ.
وَيَجِبُ الْوُضُوءُ بِالْحَدَثِ، ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ، وَفِي الِانْتِصَارِ بِإِرَادَةِ الصَّلَاةِ
стр. 2211
نِزَاعٌ لَفْظِيٌّ، وَالرَّاجِحُ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ الْوُضُوءُ فِي الْمَسْجِدِ وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ، إلَّا أَنْ يَحْصُلَ مَعَهُ بُصَاقٌ أَوْ مُخَاطٌ. وَالْأَفْضَلُ بِثَلَاثِ غَرَفَاتٍ، الْمَضْمَضَةُ وَالِاسْتِنْشَاقُ يَجْمَعُهَا بِغَرْفَةٍ وَاحِدَةٍ.
وَتَجِبُ النِّيَّةُ لِطَهَارَةِ الْحَدَثِ لَا الْخَبَثِ، وَهُوَ مَذْهَبُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ، وَلَا يَجِبُ نُطْقُهُ بِهَا سِرًّا بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ، وَشَذَّ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ فَأَوْجَبَ النُّطْقَ بِهَا وَهُوَ خَطَأٌ مُخَالِفٌ لِلْإِجْمَاعِ، وَقَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ فِي اسْتِحْبَابِ النُّطْقِ بِهَا، وَالْأَقْوَى عَدَمُهُ، وَاتَّفَقَ الْأَئِمَّةُ عَلَى أَنَّهُ لَا يُشْرَعُ الْجَهْرُ بِهَا وَلَا تَكْرَارُهَا، وَيَنْبَغِي تَأْدِيبُ مَنْ اعْتَادَهُ، وَكَذَا بَقِيَّةُ الْعِبَادَاتِ لَا يُسْتَحَبُّ النُّطْقُ بِهَا لِإِحْرَامٍ وَغَيْرِهِ.
قَالَ أَبُو دَاوُد لِأَحْمَدَ: يَقُولُ قَبْلَ الْإِحْرَامِ شَيْئًا. وَالْجَهْرُ بِلَفْظِهَا مَنْهِيٌّ عَنْهُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَسَائِرِ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَفَاعِلُهُ مُسِيءٌ، وَإِنْ اعْتَقَدَهُ دَيْنًا خَرَجَ عَنْ إجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ وَيَجِبُ نَهْيُهُ، وَيُعْزَلُ عَنْ الْإِمَامَةِ إنْ لَمْ يَتُبْ، وَيَجُوزُ مَسْحُ بَعْضِ الرَّأْسِ لِلْعُذْرِ. قَالَهُ الْقَاضِي فِي التَّعْلِيقِ " وَيَمْسَحُ مَعَهُ الْعِمَامَةَ، وَيَكُونُ كَالْجَبِيرَةِ فَلَا تَوْقِيتَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عُذْرٌ وَجَبَ مَسْحُ جَمِيعِهِ.
وَهُوَ مَذْهَبُ أَحْمَدَ الصَّحِيحُ عَنْهُ، وَمَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ النَّاسِ مِنْ مَسْحِ شَعْرِهِ أَوْ بَعْضِ رَأْسِهِ، بَلْ شَعْرِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ خَطَأٌ مُخَالِفٌ لِلسُّنَّةِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهَا، وَلَا يُسَنُّ تَكْرَارُ مَسْحِ جَمِيعِهِ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ أَحْمَدَ، وَمَالِكٍ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَلَا يَمْسَحُ الْعُنُقَ وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ، وَلَا أَخْذُهُ مَاءً جَدِيدًا لِلْأُذُنَيْنِ، وَهُوَ أَصَحُّ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَغَيْرِهِ، وَإِنْ مَنَعَ يَسِيرُ وَسَخِ ظُفْرٍ وَنَحْوِهِ وُصُولَ الْمَاءِ صَحَّتْ الطَّهَارَةُ، وَهُوَ وَجْهٌ لِأَصْحَابِنَا، وَمِثْلُهُ كُلُّ يَسِيرٍ مَنَعَ وُصُولَ الْمَاءِ حَيْثُ كَانَ: كَدَمٍ، وَعَجِينٍ، وَلَا يُسْتَحَبُّ إطَالَةُ الْغُرَّةِ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ، وَالْوُضُوءُ إنْ كَانَ مُسْتَحَبًّا لَهُ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى الْبَعْضِ لِوُضُوءِ ابْنِ عُمَرَ لِنَوْمِهِ جُنُبًا.
[بَابُ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ]
ِ قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: وَخَفِيَ أَصْلُهُ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلْفِ حَتَّى أَنْكَرَهُ بَعْضُ الصَّحَابَةِ، وَطَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَأَهْلِ الْبَيْتِ، وَصَنَّفَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ كِتَابًا كَبِيرًا فِي " الْأَشْرِبَةِ " فِي تَحْرِيمِ الْمُسْكِرِ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ خِلَافًا عَنْ الصَّحَابَةِ، فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: هَذَا صَحَّ فِيهِ الْخِلَافُ عَنْ الصَّحَابَةِ، بِخِلَافِ الْمُسْكِرِ، وَمَالِكٌ مَعَ سَعَةِ عِلْمِهِ
стр. 2212
وَعُلُوِّ قَدْرِهِ أَنْكَرَهُ فِي رِوَايَةٍ وَأَصْحَابُهُ خَالَفُوهُ فِي ذَلِكَ.
قُلْت: وَحَكَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ إنْكَارَهُ عَنْ عَائِشَةَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَضَعَّفَ الرِّوَايَةَ عَنْ الصَّحَابَةِ بِإِنْكَارِهِ غَيْرُ وَاحِدٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَاَلَّذِينَ خَفِيَ عَلَيْهِمْ ظَنُّوا مُعَارَضَةَ آيَةِ الْمَائِدَةِ لِلْمَسْحِ، لِأَنَّهُ أَمَرَ بِغَسْلِ الرِّجْلَيْنِ فِيهَا، وَاخْتُلِفَ فِي الْآيَةِ مَعَ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ نَاسِخٌ لِلْآيَةِ، قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ، قَالَ: وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا يَرَوْنَ نَسْخَ الْقُرْآنِ بِالسُّنَّةِ، قَالَ الطَّبَرِيُّ مُخَصَّصٌ وَهُوَ قَوْلُ طَائِفَةٍ: هُوَ أَمْرٌ زَائِدٌ عَلَى مَا فِي الْكِتَابِ، وَطَائِفَةٌ: بَيَانٌ لِمَا فِي الْكِتَابِ.
وَمَالَ إلَيْهِ أَبُو الْعَبَّاسِ، وَجَمِيعُ مَا يُدْعَى مِنْ السُّنَّةِ أَنَّهُ نَاسِخٌ لِلْقُرْآنِ غَلَطٌ، أَمَّا أَحَادِيثُ الْمَسْحِ فَهِيَ تُبَيِّنُ الْمُرَادَ بِالْقُرْآنِ، إذْ لَيْسَ فِيهِ أَنَّ لَابِسَ الْخُفِّ يَجِبُ عَلَيْهِ غَسْلُ الرِّجْلَيْنِ، وَإِنَّمَا فِيهِ أَنَّ مَنْ قَامَ إلَى الصَّلَاةِ يَغْسِلُ، وَهَذَا عَامٌّ لِكُلِّ قَائِمٍ إلَى الصَّلَاةِ، لَكِنْ لَيْسَ عَامًّا لِأَحْوَالِهِ، بَلْ هُوَ مُطْلَقٌ فِي ذَلِكَ مَسْكُوتٌ عَنْهُ.
قَالَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ يُخَالِفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كِتَابَ اللَّهِ، بَلْ يُبَيِّنُ مُرَادَهُ بِهِ وَطَائِفَةٌ قَالَتْ: كَالشَّافِعِيِّ، وَابْنِ الْقَصَّارِ، وَمَالَ إلَيْهِ أَبُو الْعَبَّاسِ أَيْضًا أَنَّ الْآيَةَ قُرِئَتْ بِالْخَفْضِ، وَالنَّصْبِ، فَيُحْمَلُ النَّصْبُ عَلَى غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ وَالْخَفْضُ عَلَى مَسْحِ الْخُفَّيْنِ، فَيَكُونُ الْقُرْآنُ كَآيَتَيْنِ.
وَهَلْ الْمَسْحُ أَفْضَلُ أَمْ غَسْلُ الرِّجْلَيْنِ، أَمْ هُمَا سَوَاءٌ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ عَنْ أَحْمَدَ، وَالْأَفْضَلُ فِي حَقِّ كُلِّ أَحَدٍ بِحَسَبِ قَدَمِهِ، فَلِلَابِسِ الْخُفِّ أَنْ يَمْسَحَ عَلَيْهِ، وَلَا يَنْزِعُ خُفَّيْهِ اقْتِدَاءً بِهِ ﷺ وَأَصْحَابِهِ، وَلِمَنْ قَدَمَاهُ مَكْشُوفَتَانِ الْغَسْلُ، وَلَا يَتَحَرَّى لُبْسَهُ لِيَمْسَحَ عَلَيْهِ، وَكَانَ ﷺ يَغْسِلُ قَدَمَيْهِ إذَا كَانَتَا مَكْشُوفَتَيْنِ، وَيَمْسَحُ إذَا كَانَ لَابِسَ الْخُفَّيْنِ.
وَيَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى اللَّفَائِفِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، حَكَاهُ ابْنُ تَمِيمٍ وَغَيْرُهُ، وَعَلَى الْخُفِّ الْمُخَرَّقِ مَا دَامَ اسْمُهُ بَاقِيًا، وَالْمَشْيُ فِيهِ مُمْكِنٌ، وَهُوَ قَدِيمُ الشَّافِعِيِّ، وَاخْتِيَارُ أَبِي الْبَرَكَاتِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْعُلَمَاءِ، وَعَلَى الْقَدَمِ وَنَعْلِهَا الَّتِي يَشُقُّ نَزْعُهَا إلَّا بِيَدٍ أَوْ رِجْلٍ، كَمَا جَاءَتْ بِهِ الْآثَارُ، وَالِاكْتِفَاءُ بِأَكْثَرِ الْقَدَمِ هُنَا، وَالظَّاهِرِ مِنْهَا غَسْلًا وَمَسْحًا أَوْلَى مِنْ مَسْحِ بَعْضِ الْخُفِّ، وَلِهَذَا لَا يَتَوَقَّتُ.
стр. 2213
وَذَكَرَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَنَّ الرِّجْلَ لَهَا ثَلَاثُ أَحْوَالٍ الْكَشْفُ لَهُ الْغَسْلُ، وَهُوَ أَعْلَى الْمَرَاتِبِ، وَالسِّتْرُ الْمَسْحُ، وَحَالَةٌ مُتَوَسِّطَةٌ وَهِيَ فِي النَّعْلِ، فَلَا هِيَ بَارِزَةٌ فَيَجِبُ الْغَسْلُ، فَأُعْطِيَتْ حَالَةً مُتَوَسِّطَةً وَهُوَ الرَّشُّ، وَحَيْثُ أُطْلِقَ عَلَيْهَا لَفْظُ الْمَسْحِ فِي هَذَا الْحَالِ فَالْمُرَادُ بِهِ الرَّشُّ.
وَقَدْ وَرَدَ الرَّشُّ عَلَى النَّعْلَيْنِ وَالْمَسْحُ عَلَيْهَا فِي الْمُسْنَدِ " مِنْ حَدِيثِ أَوْسٍ، وَرَوَاهُ ابْنُ أَوْسٍ، وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَمَنْصُوصُ أَحْمَدَ «الْمَسْحُ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ مَا لَمْ يَخْلَعْ النَّعْلَيْنِ» ، فَإِذَا أَجَازَ عَلَيْهِمَا فَالزَّرْبُولُ الَّذِي لَا يَثْبُتُ إلَّا بِسَيْرٍ يَشُدُّهُ بِهِ مُتَّصِلًا وَمُنْفَصِلًا عَنْهُ أَوْلَى بِالْمَسْحِ عَلَيْهِ مِنْ الْجَوْرَبَيْنِ، وَمَا لَبِسَهُ مِنْ فَرْوَةٍ أَوْ قُطْنٍ وَغَيْرِهِمَا. وَثَبَتَ بِشَدِّهِ بِخَيْطٍ مُتَّصِلٍ أَوْ مُنْفَصِلٍ مَسَحَ عَلَيْهِ، وَأَمَّا اشْتِرَاطُ الثَّبَاتِ بِنَفْسِهِ فَلَا أَصْلَ لَهُ فِي كَلَامِ أَحْمَدَ، وَإِنَّمَا الْمَنْصُوصُ عَنْهُ مَا ذَكَرْنَاهُ.
وَعَلَى الْقَوْلِ بِاعْتِبَارِ ذَلِكَ فَالْمُرَادُ بِهِ مَا ثَبَتَ فِي السَّاقِ وَلَمْ يَسْتَرْسِلْ عِنْدَ الْمَشْيِ، وَلَا يَعْتَبِرُ مُوَالَاةَ الْمَشْيِ فِيهِ، كَمَا ذَكَرَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ تَيْمِيَّةَ، وَيَجُوزُ عَلَى الْعِمَامَةِ الصَّمَّاءِ، وَهِيَ كَالْقَلَانِسِ، وَالْمَحْكِيُّ عَنْ أَحْمَدَ الْكَرَاهَةُ، وَالْأَقْرَبُ أَنَّهَا كَرَاهَةُ السَّلَفِ لِغَيْرِ الْمُحَنَّكَةِ عَلَى الْحَاجَةِ إلَى ذَلِكَ لِجِهَادٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَالْعَمَائِمُ الْمُكَلَّبَةُ بِالْكِلَابِ تُشْبِهُ الْمُحَنَّكَةَ مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ، فَإِنَّهُ يُمْسِكُهَا كَمَا تَمْسِكُ الْحَنَكُ الْعِمَامَةَ.
وَمَنْ غَسَلَ إحْدَى رِجْلَيْهِ ثُمَّ أَدْخَلَهَا الْخُفَّ قَبْلَ غَسْلِ الْأُخْرَى فَإِنَّهُ يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِ اشْتِرَاطِ خَلْعٍ، وَلُبْسُهُ قَبْلَ إكْمَالِ الطَّهَارَةِ، كَلُبْسِهِ بَعْدَهَا، وَكَذَا لُبْسُهَا قَبْلَ كَمَالِهَا. وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَلَوْ غَسَلَ الرِّجْلَيْنِ فِي الْخُفَّيْنِ بَعْدَ أَنْ لَبِسَهَا مُحْدِثًا جَازَ الْمَسْحُ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَوْلٌ مُخَرَّجٌ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ.
قُلْت: وَهُوَ رِوَايَةٌ فِي الْمَنْهَجِ
وَلَا تَتَوَقَّتُ مُدَّةُ الْمَسْحِ فِي حَقِّ الْمُسَافِرِ، الَّذِي يَشُقُّ اشْتِغَالُهُ بِالْخَلْعِ، وَاللُّبْسُ، كَالْبَرِيدِ الْمُجَهَّزِ فِي مَصْلَحَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ قِصَّةُ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، وَهُوَ نَصُّ مَذْهَبِ مَالِكٍ، وَغَيْرِهِ مِمَّنْ لَا يَرَى التَّوْقِيتَ، وَلَا يُنْتَقَضُ وُضُوءُ الْمَاسِحِ عَلَى الْخُفِّ وَالْعِمَامَةِ بِنَزْعِهِمَا، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ مَسْحُ رَأْسِهِ وَلَا غَسْلُ قَدَمَيْهِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، كَإِزَالَةِ الشَّعْرِ الْمَمْسُوحِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ مَذْهَبِ أَحْمَدَ، وَقَوْلِ الْجُمْهُورِ.
وَإِذَا حَلَّ الْجَبِيرَةَ فَهَلْ تُنْتَقَضُ طَهَارَتُهُ كَالْخُفِّ؟ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ بِالنَّقْضِ، أَوْ لَا تُنْتَقَضُ كَحَلْقِ الرَّأْسِ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ لَا تُنْتَقَضَ الطَّهَارَةُ بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا طَهَارَةٌ أَصْلٌ
стр. 2214
لِوُجُوبِهَا فِي الطَّهَارَتَيْنِ، وَعَدَمِ تَوْقِيتِهَا، وَأَنَّ الْجَبِيرَةَ بِمَنْزِلَةِ بَاقِي الْبَشَرَةِ، إلَّا أَنَّ الْفَرْضَ اسْتَتَرَ بِمَا يَمْنَعُ وُصُولَ الْمَاءِ إلَيْهِ، فَانْتَقَلَ الْفَرْضُ إلَى الْحَائِلِ فِي الطَّهَارَتَيْنِ، كَمَا يَنْتَقِلُ الْوُضُوءُ إلَى مَنْبَتِ الشَّعْرِ فِي الْوَجْهِ، وَالرَّأْسِ لِلْمَشَقَّةِ لَا لِلشَّعْرِ، وَهَذَا قَوِيٌّ عَلَى قَوْلِ مَنْ لَا يَشْتَرِطُ الطَّهَارَةَ لِشَدِّهَا.
فَأَمَّا مَنْ اشْتَرَطَ الطَّهَارَةَ لِشَدِّهَا فَأَلْحَقَهَا الْحَوَائِلَ الْبَنِيلِيَّةَ فَتُنْتَقَضُ الطَّهَارَةُ بِزَوَالِهَا كَالْعِمَامَةِ وَالْخُفِّ، وَيُتَوَجَّهُ أَنْ تَنْبَنِيَ هَذِهِ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي اشْتِرَاطِ الطَّهَارَةِ.
قُلْت: الْبَدَلُ عِنْدَنَا فِي حَلِّ الْجَبِيرَةِ إنْ كَانَ بَعْدَ الْبُرْءِ، وَإِلَّا فَكَالْخُفِّ إذَا خَلَعَهُ، وَإِنْ كَانَ قَبْلَهُ فَوَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا كَذَلِكَ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ، وَتَعَالَى أَعْلَمُ.
[بَابُ مَا ظُنَّ نَاقِضًا وَلَيْسَ بِنَاقِضٍ]
ٍ وَالْأَحْدَاثُ اللَّازِمَةُ: كَدَمِ الِاسْتِحَاضَةِ، وَسَلَسِ الْبَوْلِ لَا تَنْقُضُ الْوُضُوءَ مَا لَمْ يُوجَدْ الْمُعْتَادُ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ.
وَالدَّمُ، وَالْقَيْءُ، وَغَيْرُهُمَا مِنْ النَّجَاسَاتِ الْخَارِجَةِ مِنْ غَيْرِ الْمَخْرَجِ الْمُعْتَادِ: لَا تَنْقُضُ الْوُضُوءَ، وَلَوْ كَثُرَتْ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ. قُلْت: اخْتَارَهُ الْأَجْرُمِيُّ فِي غَيْرِ الْقَيْءِ. وَالنَّوْمُ: لَا يَنْقُضُ مُطْلَقًا إنْ ظَنَّ بَقَاءَ طَهَارَتِهِ، وَهُوَ أَخَصُّ مِنْ رِوَايَةٍ حُكِيَتْ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ النَّوْمَ لَا يَنْقُضُ بِحَالٍ.
وَيُسْتَحَبُّ الْوُضُوءُ مِنْ أَكْلِ لَحْمِ الْإِبِلِ، وَأَمَّا اللَّحْمُ الْخَبِيثُ الْمُبَاحُ لِلضَّرُورَةِ: كَلَحْمِ السِّبَاعِ فَيَنْبَنِي الْخِلَافُ فِيهِ عَلَى أَنَّ النَّقْضَ بِلَحْمِ الْإِبِلِ تَعَبُّدِيٌّ، فَلَا يَتَعَدَّى إلَى غَيْرِهِ، أَوْ مَعْقُولُ الْمَعْنَى فَيُعْطَى حُكْمَهُ، بَلْ هُوَ أَبْلَغُ مِنْهُ.
وَيُسْتَحَبُّ الْوُضُوءُ عَقِيبَ الذَّنْبِ، وَمِنْ مَسِّ الذَّكَرِ إذَا تَحَرَّكَتْ الشَّهْوَةُ بِمَسِّهِ، وَتَرَدَّدَ فِيمَا إذَا لَمْ تَتَحَرَّك، وَمَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ أَخِيرًا إلَى اسْتِحْبَابِ الْوُضُوءِ دُونَ الْوُجُوبِ مِنْ مَسِّ النِّسَاءِ، وَالْأَمْرَدِ إذَا كَانَ لِشَهْوَةٍ. قَالَ: إذَا مَسَّ الْمَرْأَةَ لِغَيْرِ شَهْوَةٍ فَهَذَا مِمَّا عُلِمَ بِالضَّرُورَةِ أَنَّ الشَّارِعَ لَمْ يُوجِبْ مِنْهُ وُضُوءً وَلَا يُسْتَحَبُّ الْوُضُوءُ مِنْهُ.
قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ فِي قَدِيمِ خَطِّهِ: خَطَرَ لِي أَنَّ الرِّدَّةَ تَنْقُضُ الْوُضُوءَ؛ لِأَنَّ الْعِبَادَةَ مِنْ شَرْطِ صِحَّتِهَا دَوَامُ شَرْطِهَا اسْتِصْحَابًا فِي سَائِرِ الْأَوْقَاتِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَالنِّيَّةُ مِنْ
стр. 2215
شَرَائِطِ الطَّهَارَةِ عَلَى أَصْلِنَا، وَالْكَافِرُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا، وَهُوَ مَذْهَبُ أَحْمَدَ.
وَلَا يَفْتَحُ الْمُصْحَفَ لِلْفَأْلِ، قَالَهُ طَائِفَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ خِلَافًا لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَطَّةَ، وَيَجِبُ احْتِرَامُ الْقُرْآنِ حَيْثُ كُتِبَ، وَتَحْرُمُ كِتَابَتُهُ حَيْثُ يُهَانُ بِبَوْلِ حَيَوَانٍ أَوْ جُلُوسٍ عَلَيْهِ إجْمَاعًا، وَالنَّاسُ إذَا اعْتَادُوا الْقِيَامَ وَإِنْ لَمْ يُقَمْ لِأَحَدِهِمْ أَفْضَى إلَى مَفْسَدَةٍ فَالْقِيَامُ دَفْعًا لَهَا خَيْرٌ مِنْ تَرْكِهِ.
وَيَنْبَغِي لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَسْعَى فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابِهِ، وَعَادَتِهِمْ، وَاتِّبَاعِ هَدْيِهِمْ، وَالْقِيَامُ بِكِتَابِ اللَّهِ أَوْلَى. وَالدَّرَاهِمُ الْمَكْتُوبُ عَلَيْهَا (لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ) يَجُوزُ لِلْمُحْدِثِ لَمْسُهَا، وَإِذَا كَانَتْ مَعَهُ فِي مِنْدِيلٍ، أَوْ خَرِيطَةٍ، وَشَقَّ إمْسَاكُهَا جَازَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا الْخَلَاءَ.
[بَابُ الْغُسْلِ]
ِ وَإِذَا وَجَبَ الْغُسْلُ بِخُرُوجِ الْمَنِيِّ فَقِيَاسُهُ وُجُوبُهُ بِخُرُوجِ الْحَيْضِ، وَيَجِبُ غُسْلُ الْجُمُعَةِ عَلَى مَنْ لَهُ عَرَقٌ أَوْ رِيحٌ يَتَأَذَّى بِهِ غَيْرُهُ، وَهُوَ بَعْضٌ مَنْ بَعْضٍ مُطْلَقًا بِطَرِيقِ الْأَوْلَى.
وَلَوْ اغْتَسَلَ الْكَافِرُ بِسَبَبٍ يُوجِبُهُ، ثُمَّ أَسْلَمَ، لَا يَلْزَمُهُ إعَادَتُهُ إنْ اعْتَقَدَ وُجُوبَهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ يُثَابُ عَلَى طَاعَتِهِ فِي الْكُفْرِ إذَا أَسْلَمَ، وَيُكْرَهُ، الذِّكْرُ لِلْجُنُبِ لَا لِلْحَائِضِ. وَلَا يُسْتَحَبُّ الْغُسْلُ لِدُخُولِ مَكَّةَ، وَالْمَبِيتِ بِمُزْدَلِفَةَ، وَرَمْيِ الْجِمَارِ، وَلَا لِطَوَافِ الْوَدَاعِ، وَلَوْ قُلْنَا بِاسْتِحْبَابِهِ لِدُخُولِ مَكَّةَ كَانَ نَوْعَ عَبَثٍ لِلطَّوَافِ لَا مَعْنَى لَهُ.
وَفِي كَلَامِ أَحْمَدَ مَا ظَاهِرُهُ وُجُوبُ الْوُضُوءِ عَلَى الْجُنُبِ إذَا أَرَادَ النَّوْمَ، وَظَاهِرُ كَلَامِ أَبِي الْعَبَّاسِ: إذَا أَحْدَثَ أَعَادَهُ لِمَبِيتِهِ عَلَى الطَّهَارَةِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ أَصْحَابِنَا: لَا يُعِيدُهُ. لِتَعْلِيلِهِمْ بِخِفَّةِ الْحَدَثِ أَوْ بِالنَّشَاطِ. وَيَحْرُمُ عَلَى الْجُنُبِ اللُّبْثُ فِي الْمَسْجِدِ إلَّا إذَا تَوَضَّأَ، وَلَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ جُنُبٌ إلَّا إذَا تَوَضَّأَ. وَإِذَا نَوَى الْجُنُبُ الْحَدَثَيْنِ الْأَصْغَرَ وَالْأَكْبَرَ ارْتَفَعَا، قَالَهُ الْأَزَجِيُّ.
وَلَا يُسْتَحَبُّ تَكْرَارُ الْغُسْلِ عَلَى بَدَنِهِ، وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ،
стр. 2216
وَيُكْرَهُ الِاغْتِسَالُ فِي مُسْتَحَمٍّ، أَوْ مَاءٍ: عُرْيَانًا، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ النُّصُوصِ، وَنَهْيُهُ ﵇ عَنْ الِاغْتِسَالِ فِي الْمَاءِ بَعْدَ الْبَوْلِ فَهَذَا إنْ صَحَّ فَهُوَ كَنَهْيِهِ عَنْ الْبَوْلِ فِي الْمُسْتَحَمِّ.
وَيَجُوزُ التَّطْهِيرُ فِي الْحِيَاضِ الَّتِي فِي الْحَمَّامَاتِ، سَوَاءٌ كَانَتْ فَائِضَةً، أَوْ لَمْ تَكُنْ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْأُنْبُوبُ يَصُبُّ فِيهَا، أَوْ لَمْ يَكُنْ، وَسَوَاءٌ كَانَ نَاتِئًا، أَوْ لَمْ يَكُنْ، وَمَنْ اعْتَقَدَ غَسْلَهُ مِنْ الْحَوْضِ الْفَائِضِ مُسَطَّرًا أَوْ دِينًا فَهُوَ مُبْتَدِعٌ، مُخَالِفٌ لِلشَّرِيعَةِ، مُسْتَحِقُّ التَّعْزِيرِ الَّذِي يَرْدَعُهُ وَأَمْثَالَهُ أَنْ يُشَرِّعُوا فِي الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ.
وَلَا يَجِبُ غَسْلُ بَاطِنِ الْفَرْجِ مِنْ حَيْضٍ، أَوْ جَنَابَةٍ، وَهُوَ أَصَحُّ الْقَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ.
قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ فِي تَقْسِيمِهِ لِلْحَمَّامِ بَعْدَ ذِكْرِ مَنْ ذَمَّهُ وَمَنْ مَدَحَهُ مِنْ السَّلَفِ فَصْلًا لِلنِّزَاعِ: الْأَقْسَامُ أَرْبَعَةٌ: يُحْتَاجُ، إلَيْهَا، وَلَا مَحْظُورَ فَلَا رَيْبَ فِي جَوَازِهِ، وَلَا مَحْظُورَ، وَلَا حَاجَةَ فَلَا رَيْبَ فِي جَوَازِ بِنَائِهَا، فَقَدْ بُنِيَتْ الْحَمَّامَاتُ فِي الْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ عَلَى عَهْدِ عَلِيٍّ ﵁، وَأَقَرُّوهَا وَأَحْمَدُ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ حَرَامٌ، وَلَكِنْ كَرِهَ ذَلِكَ لِاشْتِمَالِهِ غَالِبًا عَلَى مُبَاحٍ وَمَحْظُورٍ، وَفِي زَمَنِ الصَّحَابَةِ كَانَ النَّاسُ أَتْقَى لِلَّهِ، وَأَرْعَى لِحُدُودِهِ مِنْ أَنْ يَكْثُرَ فِيهَا الْمَحْظُورُ، فَلَمْ يَكُنْ مَكْرُوهًا إذْ ذَاكَ لِلْحَاجَةِ، وَلَا مَحْظُورًا غَالِبًا فَالْحَاجَاتُ: مِنْهَا مَا هُوَ وَاجِبٌ: كَغُسْلِ الْجَنَابَةِ، وَالْحَيْضِ، وَالنِّفَاسِ، وَمِنْهَا مَا هُوَ مُؤَكَّدٌ قَدْ نُوزِعَ فِي وُجُوبِهِ: كَغُسْلِ الْجُمُعَةِ، وَالْغُسْلِ فِي الْبِلَادِ الْبَارِدَةِ، وَلَا يُمْكِنُ إلَّا فِي حَمَّامٍ، وَإِنْ اغْتَسَلَ مِنْ غَيْرِهِ خِيفَ عَلَيْهِ التَّلَفُ، وَلَا يَجُوزُ الِانْتِقَالُ إلَى التَّيَمُّمِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ بِالْمَاءِ فِي الْحَمَّامِ، وَهَلْ يَبْقَى مَكْرُوهًا عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَى اسْتِعْمَالِهِ فِي طَهَارَةٍ مُسْتَحَبَّةٍ، هَذَا مَحَلُّ تَرَدُّدٍ، فَإِذَا تَبَيَّنَ ذَلِكَ فَقَدْ يُقَالُ بِنَاءُ الْحَمَّامِ وَاجِبٌ حَيْثُ يُحْتَاجُ إلَيْهِ لِأَدَاءِ الْوَاجِبِ الْعَامِّ.
وَأَمَّا إذَا اشْتَمَلَ عَلَى مَحْظُورٍ مَعَ إمْكَانِ الِاسْتِغْنَاءِ كَمَا فِي حَمَّامَاتِ الْحِجَازِ فِي الْأَزْمَانِ الْمُتَأَخِّرَةِ فَهَذَا مَحَلُّ نَصِّ أَحْمَدَ وَبَحْثُ ابْنِ عُمَرَ وَقَدْ يُقَالُ عَنْهُ إنَّمَا يُكْرَهُ بِنَاؤُهَا ابْتِدَاءً، فَأَمَّا إذَا بَنَاهَا غَيْرُنَا فَلَا نَأْمُرُ بِهَدْمِهَا لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْفَسَادِ، وَكَلَامُ أَحْمَدَ إنَّمَا هُوَ فِي الْبِنَاءِ لَا فِي الْإِبْقَاءِ وَالِاسْتِدَامَةِ أَقْوَى مِنْ الِابْتِدَاءِ وَإِذَا انْتَفَتْ الْإِبَاحَةُ: كَحَرَارَةِ الْبَلَدِ، وَكَذَا إذَا كَانَ فِي الْبَلَدِ حَمَّامَاتٌ تَكْفِيهِمْ كُرِهَ الْإِحْدَاثُ.
стр. 2217
وَيَتَوَضَّأُ بِالْمُدِّ وَيَغْتَسِلُ بِالصَّاعِ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الصَّاعَ خَمْسَةُ أَرْطَالٍ وَثُلُثٌ عِرَاقِيَّةً، سَوَاءٌ صَاعُ الطَّعَامِ وَالْمَاءِ، وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ كَابْنِ قُتَيْبَةَ، وَالْقَاضِي أَبِي يَعْلَى فِي تَعْلِيقِهِ، وَأَبِي الْبَرَكَاتِ: أَنَّ صَاعَ الطَّعَامِ خَمْسَةُ أَرْطَالٍ وَثُلُثٌ، وَصَاعَ الْمَاءِ ثَمَانِيَةُ أَرْطَالٍ عِرَاقِيَّةً، وَالْوُضُوءُ رُبُعُ ذَلِكَ.
[بَابُ التَّيَمُّمِ]
ِ وَيَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِغَيْرِ التُّرَابِ مِنْ أَجْزَاءِ الْأَرْضِ إذَا لَمْ يَجِدْ تُرَابًا، وَهُوَ رِوَايَةٌ، وَيَلْزَمُهُ قَبُولُ الْمَاءِ فَرْضًا، وَكَذَا ثَمَنُهُ إذَا كَانَ لَهُ مَاءٌ يُوفِيهِ وَلَا يُكْرَهُ لِعَادِمِهِ وَطْءُ زَوْجَتِهِ، وَمَنْ أُبِيحَ لَهُ التَّيَمُّمُ، فَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ بِهِ أَوَّلَ الْوَقْتِ، وَلَوْ عَلِمَ وُجُودَهُ آخِرَ الْوَقْتِ، وَفِيهِ أَفْضَلِيَّةٌ، وَقَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ: وَمَسْحُ الْجُرْحِ بِالْمَاءِ أَوْلَى مِنْ مَسْحِ الْجَبِيرَةِ، وَهُوَ خَيْرٌ مِنْ التَّيَمُّمِ، وَنَقَلَهُ الْمَيْمُونِيُّ عَنْ أَحْمَدَ وَيَجُوزُ التَّيَمُّمُ لِمَنْ يُصَلِّي التَّطَوُّعَ بِاللَّيْلِ وَإِنْ كَانَ فِي الْبَلَدِ، وَلَا يُؤَخَّرُ وِرْدَهُ إلَى النَّهَارِ، وَيَجُوزُ لِخَوْفِ فَوَاتِ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ. وَأَلْحَقَ بِهِ مَنْ خَافَ فَوَاتَ الْعِيدِ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ، وَالْأَوْزَاعِيُّ: بَلْ لِمَنْ خَافَ فَوَاتَ الْجُمُعَةِ مِمَّنْ اُنْتُقِضَ وُضُوءُهُ، وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ، وَلَا يَتَيَمَّمُ لِلنَّجَاسَةِ عَلَى بَدَنِهِ، وَهُوَ قَوْلُ الثَّلَاثَةِ خِلَافًا لِأَشْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَيَجِبُ بَذْلُ الْمَاءِ لِلْمُضْطَرِّ الْمَعْصُومِ وَيَعْدِلُ إلَى التَّيَمُّمِ كَمَا قَالَهُ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ.
وَمَنْ اسْتَيْقَظَ آخِرَ وَقْتِ صَلَاةٍ وَهُوَ جُنُبٌ وَخَافَ إنْ اغْتَسَلَ خَرَجَ الْوَقْتُ اغْتَسَلَ وَصَلَّى، وَلَوْ خَرَجَ الْوَقْتُ، وَكَذَا مَنْ نَسِيَهَا، بِخِلَافِ مَنْ اسْتَيْقَظَ أَوَّلَ الْوَقْتِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُفَوِّتَ الصَّلَاةَ بَلْ يَتَيَمَّمُ وَيُصَلِّي.
وَمَنْ أَمْكَنَهُ الذَّهَابُ إلَى الْحَمَّامِ، لَكِنْ لَا يُمْكِنُهُ الْخُرُوجُ مِنْهُ، إلَّا بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ: كَالْغُلَامِ وَالْمَرْأَةِ الَّتِي مَعَهَا أَوْلَادُهَا، وَلَا يُمْكِنُهَا الْخُرُوجُ حَتَّى تَغْسِلَهُمْ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَالْأَظْهَرُ يَتَيَمَّمُ وَيُصَلِّي خَارِجَ الْحَمَّامِ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ فِي الْحَمَّامِ وَبَعْدَ الْوَقْتِ مَنْهِيٌّ عَنْهَا.
وَتُصَلِّي الْمَرْأَةُ بِالتَّيَمُّمِ عَنْ الْجَنَابَةِ إذَا كَانَ يَشُقُّ عَلَيْهَا تَكْرَارُ النُّزُولِ إلَى الْحَمَّامِ،
стр. 2218
وَلَا تَقْدِرُ عَلَى الِاغْتِسَالِ فِي الْبَيْتِ، وَكُلُّ مَنْ صَلَّى فِي الْوَقْتِ كَمَا أُمِرَ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ، فَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْعُذْرُ نَادِرًا أَوْ مُعْتَادًا (قَالَهُ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ) .
وَصِفَةُ التَّيَمُّمِ أَنْ يَضْرِبَ بِيَدَيْهِ الْأَرْضَ يَمْسَحُ بِهِمَا وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ لِحَدِيثِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ الَّذِي فِي الصَّحِيحِ. وَالْجَرِيحُ إذَا كَانَ مُحْدِثًا حَدَثًا أَصْغَرَ: فَلَا يَلْزَمُهُ مُرَاعَاةُ التَّرْتِيبِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ فَيَصِحُّ أَنْ يَتَيَمَّمَ بَعْدَ كَمَالِ الْوُضُوءِ بَلْ هَذَا هُوَ السُّنَّةُ.
وَالْفَصْلُ بَيْنَ أَبْعَاضِ الْوُضُوءِ بِتَيَمُّمٍ بِدْعَةٌ، وَلَا يُسْتَحَبُّ حَمْلُ التُّرَابِ مَعَهُ لِلتَّيَمُّمِ، قَالَهُ طَائِفَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ خِلَافًا لِمَا نُقِلَ عَنْ أَحْمَدَ.
وَمَنْ عَدِمَ الْمَاءَ وَالتُّرَابَ يُتَوَجَّهُ أَنْ يَفْعَلَ مَا يَشَاءُ مِنْ صَلَاةِ فَرْضٍ، أَوْ نَفْلٍ، وَزِيَادَةِ قِرَاءَةٍ عَلَى مَا يُجْزِئُ. وَفِي " الْفَتَاوَى الْمِصْرِيَّةِ " عَلَى أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ.
وَإِذَا صَلَّى قَرَأَ الْقِرَاءَةَ الْوَاجِبَةَ.
قُلْت: وَاَلَّذِي ذَكَرَهُ جَدُّهُ وَغَيْرُهُ: أَنَّ مَنْ عَدِمَ الْمَاءَ وَالتُّرَابَ لَا يَتَنَفَّلُ، وَلَا يَزِيدُ فِي الْقِرَاءَةِ عَلَى مَا يُجْزِئُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَالتَّيَمُّمُ يَرْفَعُ الْحَدَثَ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَرِوَايَةُ أَحْمَدَ وَاخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدٌ الْجَوْزِيُّ، وَفِي " الْفَتَاوَى الْمِصْرِيَّةِ " التَّيَمُّمُ لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ إلَى أَنْ يَدْخُلَ وَقْتُ الصَّلَاةِ الْأُخْرَى: كَمَذْهَبِ مَالِكٍ، وَأَحْمَدَ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ، وَهُوَ أَعْدَلُ الْأَقْوَالِ. وَلَوْ بَذَلَ مَاءَ لِلْأَوْلَى مِنْ حَيٍّ وَمَيِّتٍ، فَالْمَيِّتُ أَوْلَى وَلَوْ كَانَ الْحَيُّ عَلَيْهِ نَجَاسَةٌ وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَاخْتِيَارُ أَبِي الْبَرَكَاتِ.
قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي الْمَاءِ الْمُشْتَرَكِ أَيْضًا، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا نُقِلَ عَنْ أَحْمَدَ؛ لِأَنَّهُ أَوْلَى مِنْ التَّشْقِيصِ.
وَإِذَا كَانَ عَلَى وُضُوءٍ وَهُوَ حَاقِنٌ يُحْدِثُ ثُمَّ يَتَيَمَّمُ، إذْ الصَّلَاةُ بِالتَّيَمُّمِ وَهُوَ غَيْرُ حَاقِنٍ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهِ بِالْوُضُوءِ وَهُوَ حَاقِنٌ.
стр. 2219
[بَابُ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ]
ِ وَاخْتَلَفَ كَلَامُ أَبِي الْعَبَّاسِ فِي نَجَاسَةِ الْكَلْبِ، وَلَكِنَّ الَّذِي نُقِلَ عَنْهُ أَخِيرًا أَنَّ مَذْهَبَهُ نَجَاسَةُ غَيْرِ شَعْرِهِ وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ، وَاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ، وَالْمِسْكُ وَجِلْدَتُهُ طَاهِرَانِ عِنْدَ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ، كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ السُّنَّةُ الصَّحِيحَةُ وَعَمَلُ الْمُسْلِمِينَ. وَلَيْسَ ذَلِكَ مِمَّا يُبَانُ مِنْ الْبَهِيمَةِ وَهِيَ حَيَّةٌ، بَلْ إذَا كَانَ يَنْفَصِلُ عَنْ الْغَزَالِ فِي حَيَاتِهِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْوَلَدِ، وَالْبِيضِ، وَاللَّبَنِ، وَالصُّوفِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَنْفَصِلُ عَنْ الْحَيَوَانِ.
وَلَا يَنْجَسُ الْآدَمِيُّ بِالْمَوْتِ وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ أَحْمَدَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَصَحُّ الْقَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ، وَخَصَّهُ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ " بِالْمُسْلِمِ، وَقَالَهُ جَدُّهُ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ ".
وَتُطَهَّرُ النَّجَاسَةُ بِكُلِّ مَائِعٍ طَاهِرٍ يُزِيلُ: كَالْخَلِّ، وَنَحْوِهِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ اخْتَارَهَا ابْنُ عَقِيلٍ وَمَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ.
وَإِذَا تَنَجَّسَ مَا يَضُرُّهُ الْغُسْلُ: كَثِيَابِ الْحَرِيرِ، وَالْوَرَقِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ أَجْزَأَ مَسْحُهُ فِي أَظْهَرْ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ وَأَصْلُهُ الْخِلَافُ فِي إزَالَةِ النَّجَاسَةِ: كَإِفْسَادِ الْمَاءِ الْمُحْتَاجِ إلَيْهِ، كَمَا يَنْهَى عَنْ ذَبْحِ الْخَيْلِ الَّتِي يُجَاهَدُ عَلَيْهَا، وَالْإِبِلِ الَّتِي يُحَجُّ عَلَيْهَا، وَالْبَقَرِ الَّتِي يُحْرَسُ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْحَاجَةِ إلَيْهَا وَتُطَهَّرُ الْأَجْسَامُ الصَّقِيلَةُ: كَالسَّيْفِ، وَالْمِرْآةِ، وَنَحْوِهِمَا إذَا تَنَجَّسَتْ بِالْمَسْحِ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَنُقِلَ عَنْ أَحْمَدَ مِثْلُهُ فِي السِّكِّينِ مِنْ دَمِ الذَّبِيحَةِ، فَمِنْ أَصْحَابِهِ مَنْ خَصَّصَهُ بِهَا لِمَشَقَّةِ الْغُسْلِ مَعَ التَّكْرَارِ، وَمِنْهُمْ مَنْ عَدَّاهُ كَقَوْلِهِمَا.
وَيَطْهُرَ النَّعْلُ بِالدَّلْكِ بِالْأَرْضِ إذَا أَصَابَهُ نَجَاسَةٌ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ، وَذَيْلُ الْمَرْأَةِ يَطْهُرُ بِمُرُورِهِ عَلَى طَاهِرٍ يُزِيلُ النَّجَاسَةَ وَنَقَلَهُ إسْمَاعِيلُ بْنُ سَعِيدٍ الشَّالَنْجِيُّ عَنْ أَحْمَدَ، وَتَطْهُرُ النَّجَاسَةُ بِالِاسْتِحَالَةِ (أَطْلَقَهُ أَبُو الْعَبَّاسِ فِي مَوْضِعٍ) وَهُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ الظَّاهِرِ وَغَيْرِهِمْ.
وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ النَّجَاسَةَ طَهُرَتْ
стр. 2220
بِالِاسْتِحَالَةِ، فَإِنَّ نَفْسَ النَّجَسِ لَمْ يَطْهُرْ، بَلْ اسْتَحَالَ وَصَحَّحَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَنَّ الْخَمْرَةَ إذَا خُلِّلَتْ لَا تَطْهُرُ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْ اقْتِنَائِهَا، مَأْمُورٌ بِإِرَاقَتِهَا، فَإِذَا أَمْسَكَهَا فَهَلْ الْمُوجِبُ لِتَنَجُّسِهَا، عَدَمُ حِلِّهَا وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ خَمْرُ الْحَلَالِ وَغَيْرِهِ.
وَلَوْ أَلْقَى أَحَدٌ فِيهَا شَيْئًا يُرِيدُ بِهِ إفْسَادَهَا عَلَى صَاحِبِهَا لَا تَخْلِيلَهَا، أَوْ قَصَدَ صَاحِبُهَا ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونُ عَاجِزًا عَنْ إرَاقَتِهَا لِكَوْنِهَا فِي خُبٍّ فَيُرِيدُ إفْسَادَهَا لَا تَخْلِيلَهَا، فَعُمُومُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ يَقْتَضِي أَنَّهَا لَا تَحِلُّ سَدًّا لِلذَّرِيعَةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَحِلَّ وَإِذَا انْقَلَبَتْ بِفِعْلِ اللَّهِ تَعَالَى فَالْقِيَاسُ فِيهَا مِثْلُ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ مِلْحٌ فَيَقَعُ فِيهَا مِنْ غَيْرِ فِعْلِ أَحَدٍ، فَيَنْبَغِي عَلَى الطَّرِيقَةِ الْمَشْهُورَةِ أَنْ تَحِلَّ، وَعَلَى طَرِيقَةِ مَنْ عَلَّلَ النَّجَاسَةَ بِإِلْقَاءِ شَيْءٍ لَا تَحِلُّ، فَإِنَّ الْقَاضِيَ ذَكَرَ فِي خَمْرِ النَّبِيذِ أَنَّهَا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَا تَحِلُّ لِمَا فِيهَا مِنْ الْمَاءِ، وَأَنَّ كَلَامَ الْإِمَامِ أَحْمَدَ يَقْتَضِي حِلَّهَا.
أَمَّا تَخْلِيلُ الذِّمِّيِّ الْخَمْرَ بِمُجَرَّدِ إمْسَاكِهَا فَيَنْبَغِي جَوَازُهَا عَلَى مَعْنَى كَلَامِ أَحْمَدَ، فَإِنَّهُ عَلَّلَ الْمَنْعَ بِأَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِمُسْلِمٍ أَنْ يَكُونَ فِي بَيْتِهِ الْخَمْرُ، وَهَذَا لَيْسَ بِمُسْلِمٍ، وَلِأَنَّ الذِّمِّيَّ لَا يُمْنَعُ مِنْ إمْسَاكِهَا.
وَعَلَّلَ الْقَوْلَ بِأَنَّ النَّجَاسَةَ لَا تَطْهُرُ بِالِاسْتِحَالَةِ فَيُعْفَى مِنْ ذَلِكَ عَمَّا يَشُقُّ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ كَالدُّخَانِ، وَالْغُبَارِ الْمُسْتَحِيلِ مِنْ النَّجَاسَةِ، كَمَا يُعْفَى عَمَّا يَشُقُّ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ مِنْ طِينِ الشَّوَارِعِ وَغُبَارِهَا، وَإِنْ قِيلَ إنَّهُ نَجَسٌ فَإِنَّهُ يُعْفَى عَنْهُ عَلَى أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ، وَمَنْ قَالَ إنَّهُ نَجَسٌ وَلَمْ يَعْفُ عَمَّا يَشُقُّ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ فَقَوْلُهُ أَضْعَفُ الْأَقْوَالِ، وَلَوْ كَانَ الْمَائِعُ غَيْرَ الْمَاءِ كَثِيرًا فَزَالَ تَغَيُّرُهُ بِنَفْسِهِ تَوَقَّفَ أَبُو الْعَبَّاسِ فِي طَهَارَتِهِ.
وَتَطْهُرُ الْأَرْضُ النَّجِسَةُ بِالشَّمْسِ وَالرِّيحِ إذَا لَمْ يَبْقَ أَثَرُ النَّجَاسَةِ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ، لَكِنْ لَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ عَلَيْهَا بَلْ تَجُوزُ الصَّلَاةُ عَلَيْهَا بَعْدَ ذَلِكَ وَلَوْ لَمْ تُغْسَلْ، وَيَطْهُرُ غَيْرُهَا بِالشَّمْسِ وَالرِّيحِ أَيْضًا وَهُوَ قَوْلٌ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ، وَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي حَبْلِ الْغَسَّالِ، وَتَكْفِي غَلَبَةُ الظَّنِّ بِإِزَالَةِ نَجَاسَةِ الْمَذْيِ أَوْ غَيْرِهِ، وَهُوَ قَوْلٌ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ وَرِوَايَةٌ عَنْهُ فِي الْمَذْيِ.
وَنُقِلَ عَنْ أَحْمَدَ فِي جَوَارِحِ الطَّيْرِ إذَا أَكَلَتْ الْجِيَفَ، فَلَا يُعْجِبُنِي عِرْقُهَا فَدَلَّ
стр. 2221
عَلَى أَنَّهُ كَرِهَهُ لِأَكْلِهَا فَقَطْ وَهُوَ أَوْلَى وَلَا فَرْقَ فِي الْكَرَاهَةِ بَيْنَ جَوَارِحِ الطَّيْرِ وَغَيْرِهَا، وَسَوَاءٌ كَانَ يَأْكُلُ الْجِيَفَ أَمْ لَا.
وَإِذَا شَكَّ فِي الرَّوْثَةِ هَلْ هِيَ مِنْ رَوْثِ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ أَوْ لَا، فِيهِ وَجْهَانِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ، مَبْنِيَّانِ عَلَى أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْأَرْوَاثِ الطَّهَارَةُ إلَّا مَا اُسْتُثْنِيَ، وَهُوَ الصَّوَابُ أَوْ النَّجَاسَةِ إلَّا مَا اُسْتُثْنِيَ.
قُلْت: وَالْوَجْهَانِ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ أَصْلُهُمَا رِوَايَتَيْنِ: إحْدَاهُمَا: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ إنَّ الْأَبْوَالَ كُلَّهَا نَجِسَةٌ إلَّا مَا أُكِلَ لَحْمُهُ.
وَالثَّانِيَةُ: قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الْحَارِثِ فِي رَجُلٍ وَطِئَ عَلَى رَوْثٍ لَا يَدْرِي هَلْ هُوَ رَوْثُ جِمَالٍ أَوْ بِرْذَوْنٍ، فَرَخَّصَ فِيهِ إذْ لَمْ يَعْرِفْهُ، وَبَوْلُ مَا أُكِلَ لَحْمُهُ وَرَوْثُهُ طَاهِرٌ، لَمْ يَذْهَبْ أَحَدٌ مِنْ الصَّحَابَةِ إلَى تَنَجُّسِهِ بَلْ الْقَوْلُ بِنَجَاسَتِهِ قَوْلٌ مُحْدَثٌ لَا سَلَفَ لَهُ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَرَوْثُ دُودِ الْقَزِّ طَاهِرٌ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، وَدُودِ الْجُرُوحِ.
وَمَنِيُّ الْآدَمِيِّ طَاهِرٌ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ أَحْمَدَ، وَالشَّافِعِيِّ. وَبَوْلُ الْهِرَّةِ وَمَا دُونَهَا فِي الْخِلْقَةِ طَاهِرٌ؛ يَعْنِي أَنَّ جِنْسَهُ طَاهِرٌ، وَقَدْ يَعْرِضُ لَهُ مَا يَكُونُ نَجَسَ الْعَيْنِ: كَالدُّودِ الْمُتَوَلِّدِ مِنْ الْعَذِرَةِ فَإِنَّهُ نَجَسٌ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَتَتَخَرَّجُ طَهَارَتُهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الِاسْتِحَالَةَ إذَا كَانَتْ بِفِعْلِ اللَّهِ تَعَالَى طَهُرَتْ، وَلَا بُدَّ أَنْ يُلْحَظَ طَهَارَةٌ ظَاهِرَةٌ مِنْ الْعَذِرَةِ بِأَنْ يُغْمَسَ فِي مَاءٍ وَنَحْوِهِ إلَى أَنْ لَا يَكُونَ عَلَى بَدَنِهِ شَيْءٌ مِنْهَا، وَيَطْهُرُ جِلْدُ الْمَيْتَةِ الطَّاهِرَةِ حَالَ الْحَيَاةِ بِالدَّبَّاغِ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ أَيْضًا.
وَلَا يَجِبُ غَسْلُ الثَّوْبِ وَالْبَدَنِ مِنْ الْمَذْيِ، وَالْقَيْحِ، وَالصَّدِيدِ، وَلَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَى نَجَاسَتِهِ، وَحَكَى أَبُو الْبَرَكَاتِ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ طَهَارَتَهُ، وَالْأَقْوَى فِي الْمَذْيِ: أَنَّهُ يُجْزِئُ فِيهِ النَّضْحُ، وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ، وَيَدُ الصَّبِيِّ إذَا أَدْخَلَهَا فِي الْإِنَاءِ فَإِنَّهُ يُكْرَهُ اسْتِعْمَالُ الْمَاءِ الَّذِي فِيهِ، وَكَذَلِكَ تُكْرَهُ الصَّلَاةُ فِي ثَوْبِهِ وَقَدْ سُئِلَ أَحْمَدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ عَنْ الصَّلَاةِ فِي ثَوْبِ الصَّبِيِّ فَكَرِهَهُ.
وَقَرْنُ الْمَيْتَةِ، وَعَظْمُهَا، وَظَهْرُهَا، وَمَا هُوَ مِنْ جِنْسِهِ: كَالْحَافِرِ وَنَحْوِهِ طَاهِرٌ، وَقَالَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ، وَيَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِالنَّجَاسَاتِ وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ شَحْمُ الْمَيْتَةِ وَغَيْرُهُ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَوْمَأَ إلَيْهِ، وَأَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ.
وَيُعْفَى عَنْ يَسِيرِ النَّجَاسَةِ
стр. 2222
حَتَّى بَعْرِ فَأْرَةٍ، وَنَحْوِهَا فِي الْأَطْعِمَةِ، وَغَيْرِهَا، وَهُوَ قَوْلٌ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ، وَلَوْ تَحَقَّقَتْ نَجَاسَةُ طِينِ الشَّارِعِ عُفِيَ عَنْ يَسِيرِهِ لِمَشَقَّةِ التَّحَرُّزِ عَنْهُ، ذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا، وَمَا تَطَايَرَ مِنْ غُبَارِ السِّرْجِينِ وَنَحْوِهِ، وَلَمْ يُمْكِنْ التَّحَرُّزُ عَنْهُ، عُفِيَ عَنْهُ، وَإِذَا قُلْنَا يُعْفَى عَنْ يَسِيرِ النَّبِيذِ الْمُخْتَلِفِ فِيهِ لِأَجْلِ الْخِلَافِ فِيهِ، فَالْخِلَافُ فِي الْكَلْبِ أَظْهَرُ وَأَقْوَى، فَعَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ يُعْفَى عَنْ يَسِيرِ نَجَاسَتِهِ وَإِذَا أَكَلَتْ الْهِرَّةُ فَأْرَةً وَنَحْوَهَا فَإِذَا طَالَ الْفَصْلُ طَهُرَ فَمُهَا بِرِيقِهَا لِأَجْلِ الْحَاجَةِ، وَهَذَا أَقْوَى الْأَقْوَالِ، وَاخْتَارَهُ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَدَ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَكَذَلِكَ أَفْوَاهُ الْأَطْفَالِ، وَالْبَهَائِمِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[بَابُ الْحَيْضِ]
ِ وَيَحْرُمُ وَطْءُ الْحَائِضِ، فَإِنْ وَطِئَ فِي الْفَرْجِ فَعَلَيْهِ دِينَارٌ كَفَّارَةٌ، وَيُعْتَبَرُ أَنْ يَكُونَ مَضْرُوبًا، وَإِذَا تَكَرَّرَ مِنْ الزَّوْجِ الْوَطْءُ فِي الْفَرْجِ وَلَمْ يَنْزَجِرْ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا كَمَا قُلْنَا فِيمَا إذَا وَطِئَهَا فِي الدُّبُرِ وَلَمْ يَنْزَجِرْ.
وَيَجُوزُ لِلْحَائِضِ الطَّوَافُ عِنْدَ الضَّرُورَةِ، وَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهَا، وَهُوَ خِلَافُ مَا يَقُولُهُ أَبُو حَنِيفَةَ مِنْ أَنَّهُ يَصِحُّ مِنْهَا مَعَ لُزُومِ الْفِدْيَةِ، وَلَا يَأْمُرُهَا بِالْإِقْدَامِ عَلَيْهِ، وَأَحْمَدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ ذَلِكَ فِي رِوَايَةٍ إلَّا أَنَّهُمَا لَا يُقَيِّدَانِهِ بِحَالِ الضَّرُورَةِ، وَإِنْ طَافَتْ مَعَ عَدَمِ الضَّرُورَةِ فَمُقْتَضَى تَوْجِيهِ هَذَا الْقَوْلُ يَجِبُ الدَّمُ عَلَيْهَا.
وَيَجُوزُ لِلْحَائِضِ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ بِخِلَافِ الْجُنُبِ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَحُكِيَ رِوَايَةً عَنْ أَحْمَدَ، وَإِنْ ظَنَّتْ نِسْيَانَهُ وَجَبَ، وَإِذَا انْقَطَعَ دَمُهَا فَلَا يَطَؤُهَا زَوْجُهَا حَتَّى تَغْتَسِلَ إنْ كَانَتْ قَادِرَةً عَلَى الِاغْتِسَالِ، وَإِلَّا تَيَمَّمَتْ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَحْمَدَ وَالشَّافِعِيِّ.
وَلَا يُتَقَدَّرُ أَقَلُّ الْحَيْضِ وَلَا أَكْثَرُهُ، بَلْ كُلُّ مَا اسْتَقَرَّ عَادَةً لِلْمَرْأَةِ فَهُوَ حَيْضٌ، وَإِنْ نَقَصَ عَنْ يَوْمٍ أَوْ زَادَ عَلَى الْخَمْسَةِ أَوْ السَّبْعَةَ عَشَرَ، وَلَا حَدَّ لِأَقَلِّ سِنٍّ تَحِيضُ فِيهِ الْمَرْأَةُ وَلَا لِأَكْثَرِهِ، وَلَا لِأَقَلِّ الطُّهْرِ بَيْنَ الْحَيْضَتَيْنِ.
وَالْمُبْتَدَأَةُ تَحْسِبُ مَا تَرَاهُ مِنْ الدَّمِ مَا لَمْ تَصِرْ مُسْتَحَاضَةً، وَكَذَلِكَ الْمُنْتَقِلَةُ إذَا تَغَيَّرَتْ عَادَتُهَا بِزِيَادَةٍ أَوْ نَقْصٍ، أَوْ انْتِقَالٍ، فَذَلِكَ حَيْضٌ حَتَّى تَعْلَمَ أَنَّهَا اسْتِحَاضَةٌ بِاسْتِمْرَارِ الدَّمِ.
стр. 2223
وَالْمُسْتَحَاضَةُ تُرَدُّ إلَى عَادَتِهَا، ثُمَّ إلَى تَمْيِيزِهَا، ثُمَّ إلَى غَالِبِ عَادَاتِ النِّسَاءِ كَمَا جَاءَتْ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ هَؤُلَاءِ سُنَّةٌ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ .
وَقَدْ أَخَذَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بِالسُّنَنِ الثَّلَاثِ فَقَالَ: الْحَيْضُ يَدُورُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَحَادِيثَ: حَدِيثِ فَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ، وَحَدِيثِ أُمِّ حَبِيبَةَ، وَحَدِيثِ حَمْنَةَ، وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْهُ فِي تَصْحِيحِ حَدِيثِ حَمْنَةَ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: وَحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ، فَكَانَ فِي حَدِيثِ أُمِّ حَبِيبَةَ.
وَالصُّفْرَةُ وَالْكُدْرَةُ بَعْدَ الطُّهْرِ لَا يُلْتَفَتُ إلَيْهَا. قَالَ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ: لِقَوْلِ أُمِّ عَطِيَّةَ: كُنَّا لَا نَعُدُّ الصُّفْرَةَ وَالْكُدْرَةَ بَعْدَ الطُّهْرِ شَيْئًا.
وَلَا حَدَّ لِأَقَلِّ النِّفَاسِ وَلَا لِأَكْثَرِهِ وَلَوْ زَادَ عَلَى الْأَرْبَعِينَ أَوْ السِّتِّينَ، أَوْ السَّبْعِينَ، وَانْقَطَعَ فَهُوَ نِفَاسٌ وَلَكِنْ إنْ اتَّصَلَ فَهُوَ دَمٌ فَسَادٌ، وَحِينَئِذٍ فَالْأَرْبَعُونَ مُنْتَهَى الْغَالِبِ، وَالْحَامِلُ قَدْ تَحِيضُ وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَحَكَاهُ الْبَيْهَقِيُّ رِوَايَةً عَنْ أَحْمَدَ بَلْ حَكَى أَنَّهُ رَجَعَ إلَيْهِ.
وَيَجُوزُ التَّدَاوِي لِحُصُولِ الْحَيْضِ إلَّا فِي رَمَضَانَ لِئَلَّا تُفْطِرَ، وَقَالَهُ أَبُو يَعْلَى الصَّغِيرُ، وَالْأَحْوَطُ أَنَّ الْمَرْأَةَ لَا تَسْتَعْمِلُ دَوَاءً يَمْنَعُ تَفَوُّقَ الْمَنِيِّ فِي مَجَارِي الْحَبْلِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 2224
[كِتَابُ الصَّلَاةِ]
ِ وَقَدْ تَنَازَعَ النَّاسُ فِي اسْمِ الصَّلَاةِ: هَلْ هُوَ مِنْ الْأَسْمَاءِ الْمَنْقُولِ عَنْ مُسَمَّاهَا فِي اللُّغَةِ، أَوْ أَنَّهَا بَاقِيَةٌ عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ فِي اللُّغَةِ، أَوْ أَنَّهَا تَصَرَّفَ فِيهَا الشَّارِعُ تَصَرُّفَ أَهْلِ الْعُرْفِ، فَهِيَ بِالنِّسْبَةِ إلَى اللُّغَةِ مَجَازٌ، وَبِالنِّسْبَةِ إلَى عُرْفِ الشَّارِعِ حَقِيقَةٌ، عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ.
وَالتَّحْقِيقُ: أَنَّ الشَّارِعَ لَمْ يُغَيِّرْهَا وَلَكِنْ اسْتَعْمَلَهَا مُقَيَّدَةً لَا مُطْلَقَةً كَمَا تُسْتَعْمَلُ نَظَائِرُهَا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧] فَذَكَرَ بَيْتًا خَاصًّا، فَلَمْ يَكُنْ لَفْظُ الْحَجِّ مُتَنَاوِلًا لِكُلِّ قَصْدٍ، بَلْ لِقَصْدٍ مَخْصُوصٍ دَلَّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ نَفْسُهُ، وَمَنْ كَانَ قَبْلَنَا كَانَتْ لَهُمْ صَلَاةٌ لَيْسَتْ مُمَاثِلَةً لِصَلَاتِنَا فِي الْأَوْقَاتِ وَالْهَيْئَاتِ.
وَلَا تَلْزَمُ الشَّرَائِعُ إلَّا بَعْدَ الْعِلْمِ، وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ، فَعَلَى هَذَا لَا تَلْزَمُ الصَّلَاةُ حَرْبِيًّا أَسْلَمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَلَا يَعْلَمُ وُجُوبَهَا، وَالْوَجْهَانِ فِي كُلِّ مَنْ تَرَكَ وَاجِبًا قَبْلَ بُلُوغِ الشَّرْعِ كَمَنْ لَمْ يَتَيَمَّمْ لِعَدَمِ الْمَاءِ لِظَنِّهِ عَدَمَ الصِّحَّةِ، أَوْ لَمْ يُزَكِّ، أَوْ أَكَلَ حَتَّى تَبَيَّنَ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ لِظَنِّهِ ذَلِكَ، أَوْ لَمْ تُصَلِّ مُسْتَحَاضَةٌ، وَالْأَصَحُّ: لَا قَضَاءَ وَلَا إثْمَ إذَا لَمْ نَقْصِدْ اتِّفَاقًا لِلْعَفْوِ عَنْ الْخَطَإِ وَالنِّسْيَانِ وَمَنْ عَقَدَ عَقْدًا فَاسِدًا مُخْتَلَفًا فِيهِ بِاجْتِهَادٍ أَوْ تَقْلِيدٍ، وَاتَّصَلَ بِهِ الْقَبْضُ لَمْ يُؤْمَرْ بِرَدِّهِ، وَإِنْ كَانَ مُخَالِفًا لِلنَّصِّ وَكَذَلِكَ النِّكَاحُ إذَا بَانَ لَهُ خَطَأُ الِاجْتِهَادِ أَوْ التَّقْلِيدِ، وَقَدْ انْقَضَى الْمُفْسِدُ لَمْ يُفَارِقْ وَإِنْ كَانَ الْمُفْسِدُ قَائِمًا فَارَقَهَا.
بَقِيَ النَّظَرُ فِيمَنْ تَرَكَ الْوَاجِبَ، وَفَعَلَ الْمُحَرَّمَ لَا بِاعْتِقَادٍ وَلَا بِجَهْلٍ يُعْذَرُ فِيهِ،
стр. 2225
وَلَكِنْ جَهْلًا وَإِعْرَاضًا عَنْ طَلَبِ الْعِلْمِ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ مَعَ تَمَكُّنِهِ مِنْهُ، أَوْ مِنْ سَمَاعِ إيجَابِ هَذَا، وَتَحْرِيمِ هَذَا، وَلَمْ يَلْتَزِمْهُ إعْرَاضًا لَا كُفْرًا بِالرِّسَالَةِ، فَإِنَّ هَذَا تَرَكَ الِاعْتِقَادَ الْوَاجِبَ بِغَيْرِ عُذْرٍ شَرْعِيٍّ كَمَا تَرَكَ الْكَافِرُ الْإِسْلَامَ، فَهَلْ يَكُونُ حَالُ هَذَا إذَا تَابَ فَأَقَرَّ بِالْوُجُوبِ وَالتَّحْرِيمِ تَصْدِيقًا وَالْتِزَامًا، بِمَنْزِلَةِ الْكَافِرِ إذَا أَسْلَمَ، لِأَنَّ التَّوْبَةَ تَجُبُّ مَا قَبْلَهَا كَالْإِسْلَامِ.
وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ الَّذِي جَزَمْنَا بِصِحَّتِهِ فَهَذَا فِيهِ نَظَرٌ، وَقَدْ يُقَالُ لَيْسَ هَذَا بِأَسْوَإِ حَالًا مِنْ الْكَافِرِ الْمُعَانِدِ، وَالتَّوْبَةُ وَالْإِسْلَامُ يَهْدِمَانِ مَا قَبْلَهُمَا، وَلَا تَلْزَمُ الصَّلَاةُ صَبِيًّا وَلَوْ بَلَغَ عَشَرًا، وَقَالَهُ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ وَثَوَابُ عِبَادَةِ الصَّبِيِّ لَهُ.
قُلْت: وَذَكَرَهُ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْمَقْدِسِيُّ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَا يَجِبُ قَضَاءُ الصَّلَاةِ عَلَى مَنْ زَالَ عَقْلُهُ بِمُحَرَّمٍ، وَفِي " الْفَتَاوَى الْمِصْرِيَّةِ ": يَلْزَمُهُ بِلَا نِزَاعٍ، وَمَنْ كَفَرَ بِتَرْكِ الصَّلَاةِ الْأَصْوَبُ أَنَّهُ يَصِيرُ مُسْلِمًا بِفِعْلِهَا مِنْ غَيْرِ إعَادَةِ الشَّهَادَتَيْنِ؛ لِأَنَّ كُفْرَهُ بِالِامْتِنَاعِ كَإِبْلِيسَ؛ وَتَارِكُ الزَّكَاةِ كَذَلِكَ، وَفَرَضَهَا مُتَأَخِّرُو الْفُقَهَاءِ.
مَسْأَلَةٌ يَمْتَنِعُ وُقُوعُهَا: وَهِيَ أَنَّ الرَّجُلَ إذَا كَانَ مُقِرًّا بِوُجُوبِ الصَّلَاةِ فَدُعِيَ إلَيْهَا وَامْتَنَعَ ثَلَاثًا مَعَ تَهْدِيدِهِ بِالْقَتْلِ فَلَمْ يُصَلِّ حَتَّى قُتِلَ، هَلْ يَمُوتُ كَافِرًا أَوْ فَاسِقًا، عَلَى قَوْلَيْنِ، وَهَذَا الْفَرْضُ بَاطِلٌ إذْ يَمْتَنِعُ أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّ اللَّهَ فَرَضَهَا وَلَا يَفْعَلَهَا، وَيَصْبِرُ عَلَى الْقَتْلِ هَذَا لَا يَفْعَلُهُ أَحَدٌ قَطُّ.
وَمَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ فَيَنْبَغِي الْإِشَاعَةَ عَنْهُ بِتَرْكِهَا حَتَّى يُصَلِّيَ، وَلَا يَنْبَغِي السَّلَامُ عَلَيْهِ، وَلَا إجَابَةُ دَعْوَتِهِ. وَالْمَحَافِظُ عَلَى الصَّلَاةِ أَقْرَبُ إلَى الرَّحْمَةِ مِمَّنْ لَمْ يُصَلِّهَا وَلَوْ فَعَلَ مَا فَعَلَ.
وَلَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ الصَّلَاةِ عَنْ وَقْتِهَا لِغَيْرِ الْجَمْعِ، وَأَمَّا الْمُسَافِرُ الْعَادِمُ لِلْمَاءِ إذَا عَلِمَ أَنَّهُ يَجِدُ الْمَاءَ بَعْدَ الْوَقْتِ: لَا يَجُوزُ لَهُ التَّأْخِيرُ إلَى مَا بَعْدَ الْوَقْتِ، بَلْ يُصَلِّي بِالتَّيَمُّمِ فِي الْوَقْتِ بِلَا نِزَاعٍ، وَكَذَلِكَ الْعَاجِزُ عَنْ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَالْقِرَاءَةِ إذَا عَلِمَ بَعْدَ الْوَقْتِ أَنَّهُ يُمْكِنُهُ أَنْ يُصَلِّيَ بِإِتْمَامِ الرُّكُوعِ، وَالسُّجُودِ، وَالْقِرَاءَةِ: كَانَ الْوَاجِبُ أَنْ يُصَلِّيَ فِي الْوَقْتِ بِحَسَبِ إمْكَانِهِ.
стр. 2226
وَأَمَّا قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِنَا: لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهَا عَنْ وَقْتِهَا إلَّا لِنَاوٍ جَمْعَهُمَا أَوْ مُشْتَغِلٍ بِشَرْطِهَا، فَهَذَا لَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ قَبْلَهُ مِنْ الْأَصْحَابِ، بَلْ وَلَا مِنْ سَائِرِ طَوَائِفِ الْمُسْلِمِينَ، إلَّا أَنْ يَكُونَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ.
وَهَذَا لَا شَكَّ وَلَا رَيْبَ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى عُمُومِهِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ صُوَرًا مَعْرُوفَةً، كَمَا إذَا أَمْكَنَ الْوَاصِلَ إلَى الْبِئْرِ أَنْ يَضَعَ حَبْلًا يَسْتَقِي بِهِ وَلَا يَفْرُغُ إلَّا بَعْدَ الْوَقْتِ، أَوْ أَمْكَنَ الْعُرْيَانَ أَنْ يَخِيطَ ثَوْبًا وَلَا يَفْرُغُ. إلَّا بَعْدَ الْوَقْتِ، وَنَحْوُ هَذِهِ الصُّورَةِ، وَمَعَ هَذَا فَاَلَّذِي قَالَهُ فِي ذَلِكَ هُوَ خِلَافُ الْمَذْهَبِ الْمَعْرُوفِ عَنْ أَحْمَدَ وَأَصْحَابِهِ وَجَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ، وَمَا أَظُنُّهُ يُوَافِقُهُ إلَّا بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ.
وَيُؤَيِّدُ مَا ذَكَرْنَاهُ أَيْضًا أَنَّ الْعُرْيَانَ لَوْ أَمْكَنَهُ أَنْ يَذْهَبَ إلَى قَرْيَةٍ يَشْتَرِي مِنْهَا ثَوْبًا وَلَا يُصَلِّي إلَّا بَعْدَ الْوَقْتِ لَا يَجُوزُ لَهُ التَّأْخِيرُ بِلَا نِزَاعٍ، وَكَذَلِكَ الْعَاجِزُ عَنْ تَعَلُّمِ التَّكْبِيرِ وَالتَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ إذَا ضَاقَ الْوَقْتُ صَلَّى عَلَى حَسَبِ حَالِهِ، وَكَذَلِكَ الْمُسْتَحَاضَةُ إذَا كَانَ دَمُهَا يَنْقَطِعُ بَعْدَ الْوَقْتِ لَمْ يَجُزْ لَهَا التَّأْخِيرُ، بَلْ تُصَلِّي فِي الْوَقْتِ بِحَسَبِ حَالِهَا.
[بَابُ الْمَوَاقِيتِ]
ِ بَدَأَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا كَالْخِرَقِيِّ، وَالْقَاضِي فِي بَعْضِ كُتُبِهِ وَغَيْرِهِمَا بِالظُّهْرِ، وَمِنْهُمْ مَنْ بَدَأَ بِالْفَجْرِ كَابْنِ أَبِي مُوسَى، وَأَبِي الْخَطَّابِ، وَالْقَاضِي فِي مَوْضِعٍ، وَهَذَا أَجْوَدُ لِأَنَّ الصَّلَاةَ الْوُسْطَى هِيَ، الْعَصْرُ، وَإِنَّمَا تَكُونُ الْوُسْطَى إذَا كَانَ الْفَجْرُ الْأَوَّلَ.
وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ وَقْتَ الْعِشَاءِ بِقَدْرِ حِصَّةِ الْفَجْرِ فِي الشِّتَاءِ وَفِي الصَّيْفِ، فَقَدْ غَلِطَ غَلَطًا بَيَّنَّا بِاتِّفَاقِ النَّاسِ، وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ يَرَوْنَ تَقَدُّمَ الصَّلَاةِ أَفْضَلَ إلَّا إذَا كَانَ فِي التَّأْخِيرِ مَصْلَحَةٌ رَاجِحَةٌ مِثْلُ الْمُتَيَمِّمِ يُؤَخِّرُ لِيُصَلِّيَ آخِرَ الْوَقْتِ بِوُضُوءٍ، وَالْمُنْفَرِدِ يُؤَخِّرُ حَتَّى يُصَلِّيَ آخِرَ الْوَقْتِ مَعَ جَمَاعَةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَيُعْمَلُ بِقَوْلِ الْمُؤَذِّنِ فِي دُخُولِ الْوَقْتِ مَعَ إمْكَانِ الْعِلْمِ بِالْوَقْتِ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَحْمَدَ وَسَائِرِ الْعُلَمَاءِ الْمُعْتَبَرِينَ وَكَمَا شَهِدْت لَهُ النُّصُوصُ خِلَافًا لِبَعْضِ أَصْحَابِنَا.
وَمَنْ دَخَلَ عَلَيْهِ الْوَقْتُ ثُمَّ طَرَأَ مَانِعٌ مِنْ جُنُونٍ، أَوْ حَيْضٍ: لَا قَضَاءَ إلَّا أَنْ يَتَضَايَقَ الْوَقْتُ عَنْ فِعْلِهَا ثُمَّ يُوجَدُ الْمَانِعُ.
وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَزُفَرَ، رَوَاهُ زُفَرُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ
стр. 2227
وَمَتَى زَالَ الْمَانِعُ مِنْ تَكْلِيفِهِ فِي وَقْتِ الصَّلَاةِ لَزِمَتْهُ إنْ أَدْرَكَ فِيهَا قَدْرَ رَكْعَةٍ وَإِلَّا فَلَا، وَهُوَ قَوْلُ اللَّيْثِ، وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَمَقَالَةٌ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ.
وَلَا تَسْقُطُ الصَّلَاةُ بِحَجٍّ وَلَا تَضْعِيفٍ فِي الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ وَلَا غَيْرِ ذَلِكَ إجْمَاعًا، وَتَارِكُ الصَّلَاةِ عَمْدًا لَا يُشْرَعُ لَهُ قَضَاؤُهَا وَلَا تَصِحُّ مِنْهُ، بَلْ يُكْثِرُ مِنْ التَّطَوُّعِ، وَكَذَا الصَّوْمُ وَهُوَ قَوْلُ طَائِفَةٍ مِنْ السَّلَفِ: كَأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ صَاحِبِ الشَّافِعِيِّ، وَدَاوُد وَأَتْبَاعِهِ، وَلَيْسَ فِي الْأَدِلَّةِ مَا يُخَالِفُ هَذَا، بَلْ يُوَافِقُهُ، «وَأَمْرُهُ ﵇ الْمُجَامِعِ بِالْقَضَاءِ» ضَعِيفٌ لِعُدُولِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ عَنْهُ.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ فِي " الِانْتِصَارِ ": إذَا مَاتَ فِي أَثْنَاءِ وَقْتِ الصَّلَاةِ قَالَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ لَا يَكُونُ عَاصِيًا بِالْإِجْمَاعِ.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: يُحْتَمَلُ عِصْيَانُهُ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَجُوزُ لَهُ التَّأْخِيرُ بِشَرْطِ سَلَامَةِ الْعَاقِبَةِ، كَمَا يَجُوزُ لَهُ التَّأْخِيرُ فِي قَضَاءِ رَمَضَانَ، وَقَضَاءِ الصَّلَاةِ، وَالنَّذْرِ، وَالْكَفَّارَةِ، وَكُلُّ ذَلِكَ بِشَرْطِ سَلَامَةِ الْعَاقِبَةِ، وَإِنْ قُلْنَا لَا يَعْصِي وَهُوَ الصَّحِيحُ فَلِأَنَّ مَا وَجَبَ وُجُوبًا مُوَسَّعًا لَا يَعْصِي مَنْ أَخَّرَهُ إلَى آخِرِ الْوَقْتِ إذَا مَاتَ، كَالْمَسَائِلِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا.
قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: أَمَّا قَضَاءُ الصَّلَاةِ وَالنَّذْرِ وَالْكَفَّارَةِ فَعِنْدَنَا عَلَى الْفَوْرِ، وَقَدْ قِيلَ إنَّهُ عَلَى التَّرَاخِي فَلَا تُنَاظِرُ الْمَسْأَلَةَ، وَإِنَّمَا نَظِيرُهَا قَضَاءُ رَمَضَانَ، فَإِنَّهُ وَقْتٌ مُوَسَّعٌ، وَالْمَذَاهِبُ هُنَاكَ أَنَّهُ إذَا مَاتَ بَعْدَ اسْتِطَاعَةِ الْقَضَاءِ أَطْعَمَ عَنْهُ، الْمَشْهُورُ فِي الصَّلَاةِ لَا يَعْصِي فَيُتَوَجَّهُ التَّخْرِيجُ فِيهِمَا كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُهُ.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ اتَّفَقَ عَلَى الْإِيجَابِ الْمُوَسَّعِ فِي الْقَضَاءِ، وَالْحَجِّ، وَالْكَفَّارَةِ، وَالزَّكَاةِ، وَالدَّيْنِ الْمُؤَجَّلِ، وَهَذَا غَلَطٌ فَإِنَّ فِيهِ مَا هُوَ مُضَيَّقٌ وَمَا هُوَ عَلَى التَّرَاخِي، وَيَجِبُ قَضَاءُ الْفَوَائِتِ عَلَى الْفَوْرِ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ.
وَالنَّائِمُ لَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَفْعَلَ الصَّلَاةَ حَالَ نَوْمِهِ بِلَا نِزَاعٍ، لَكِنْ تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ هَلْ وَجَبَتْ فِي ذِمَّتِهِ؟ بِمَعْنَى أَنَّهُ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَفْعَلهَا إذَا اسْتَيْقَظَ، أَوْ يُقَالُ لَمْ تَجِبْ فِي ذِمَّتِهِ لَكِنْ انْعَقَدَ سَبَبُ وُجُوبِهَا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ، وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ: عَلَى أَنَّهَا قَضَاءٌ؛ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: هِيَ أَدَاءٌ وَالنِّزَاعَانِ لَفْظِيَّانِ وَيُشْبِهُ هَذَا النِّزَاعَ فِيمَنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ فِي الْوَاجِبِ عَلَى التَّرَاخِي أَنَّهُ يَمُوتُ فِي هَذَا الْوَقْتِ، فَإِنَّهُ يَجِبُ تَقْدِيمُهُ فَلَوْ لَمْ يَمُتْ، ثُمَّ
стр. 2228
فَعَلَهُ فَهَلْ يَكُونُ أَدَاءً كَقَوْلِ الْجُمْهُورِ أَوْ قَضَاءً كَقَوْلِ الْبَاقِلَّانِيِّ أَوْ غَيْرِهِ: فِيهِ نِزَاعٌ، وَلَا تَأْثِيرَ لِهَذَا النِّزَاعِ فِي الْأَحْكَامِ، وَإِنَّمَا هُوَ نِزَاعٌ لَفْظِيٌّ فَقَطْ، بَلْ لَوْ اعْتَقَدَ بَقَاءَ الْوَقْتِ فَصَلَّى أَدَاءً، ثُمَّ تَبَيَّنَ خُرُوجَهُ، أَوْ بِالْعَكْسِ: صَحَّتْ الصَّلَاةُ مِنْ غَيْرِ نِزَاعٍ أَعْلَمُهُ.
وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ فِي قَدِيمِ خَطِّهِ: قَوْلُ الْبَاقِلَّانِيِّ قِيَاسُ الْمَذَاهِبِ إذْ الِاعْتِبَارُ بِحَالَةِ غَلَبَةِ الظَّنِّ لَا بِمَا يُخَالِفُهَا، وَذَلِكَ كَمَا قُلْنَا مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ أَعْلَمُهُ فِي الْمَذَاهِبِ فِي الْمَعْضُوبِ الَّذِي لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ إذَا حَجَّ عَنْ نَفْسِهِ، ثُمَّ بَرِئَ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ إعَادَةُ الْحَجِّ، فَاعْتَبَرْنَا حَالَةَ غَلَبَةِ الظَّنِّ وَلَمْ نَعْتَبِرْ تَبَيُّنَ فَسَادِهِ، وَلَا أَعْرِفُ بَيْنَهُمَا فَرْقًا.
[بَابُ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ]
ِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُمَا فَرْضُ كِفَايَةٍ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ، وَقَدْ أَطْلَقَ طَوَائِفُ مِنْ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الْأَذَانَ سُنَّةٌ ثُمَّ مِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يَقُولُ إنَّهُ إذَا اتَّفَقَ أَهْلُ بَلَدٍ عَلَى تَرْكِهِ قُوتِلُوا، وَالنِّزَاعُ مَعَ هَؤُلَاءِ قَرِيبٌ مِنْ النِّزَاعِ اللَّفْظِيِّ، فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ الْعُلَمَاءِ مَنْ يُطْلِقُ الْقَوْلَ بِالسُّنَّةِ عَلَى مَا يُذَمُّ تَارِكُهُ وَيُعَاقَبُ تَارِكُهُ شَرْعًا وَأَمَّا مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ سُنَّةٌ لَا إثْمَ عَلَى تَارِكِهِ فَقَدْ أَخْطَأَ.
وَلَيْسَ الْأَذَانُ بِوَاجِبٍ لِلصَّلَاةِ الْفَائِتَةِ، وَإِذَا صَلَّى وَحْدَهُ أَدَاءً أَوْ قَضَاءً وَأَذَّنَ وَأَقَامَ فَقَدْ أَحْسَنَ، وَإِنْ اكْتَفَى بِالْإِقَامَةِ أَجْزَأَهُ، وَإِنْ كَانَ يَقْضِي صَلَوَاتٍ فَأَذَّنَ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَأَقَامَ لِبَقِيَّةِ الصَّلَوَاتِ كَانَ حَسَنًا أَيْضًا، وَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ الْإِمَامَةِ، وَهُوَ أَصَحُّ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ وَاخْتِيَارُ أَكْثَرِ أَصْحَابِهِ.
وَأَمَّا إمَامَتُهُ ﷺ وَإِمَامَةُ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ فَكَانَتْ مُتَعَيِّنَةً عِنْدَهُ، فَإِنَّهَا وَظِيفَةُ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ، وَلَمْ يُمْكِنْ الْجَمْعُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْأَذَانِ، فَصَارَتْ الْإِمَامَةُ فِي حَقِّهِمْ أَفْضَلَ مِنْ الْأَذَانِ لِخُصُوصِ أَحْوَالِهِمْ، وَإِنْ كَانَ لِأَكْثَرِ النَّاسِ الْأَذَانُ أَفْضَلُ، وَيَتَخَرَّجُ أَنْ لَا يُجْزِئَ أَذَانُ الْقَاعِدِ لِغَيْرِ عُذْرٍ، كَأَحَدِ الْوَجْهَيْنِ فِي الْخُطْبَةِ، وَأَوْلَى إذْ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ السَّلَفِ الْأَذَانُ قَاعِدًا لِغَيْرِ عُذْرٍ، وَخَطَبَ بَعْضُهُمْ: قَاعِدًا لِغَيْرِ عُذْرٍ، وَأَطْلَقَ أَحْمَدُ الْكَرَاهَةَ، وَالْكَرَاهَةُ الْمُطْلَقَةُ هَلْ تَنْصَرِفُ إلَى التَّحْرِيمِ أَوْ التَّنْزِيهِ، عَلَى وَجْهَيْنِ.
قُلْت: قَالَ أَبُو الْبَقَاءِ الْعُكْبَرِيُّ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ ": نُقِلَ عَنْ أَحْمَدَ إنْ أَذَّنَ
стр. 2229
الْقَاعِدُ يُعِيدُ، قَالَ الْقَاضِي: مَحْمُولٌ عَلَى نَفْيِ الِاسْتِحْبَابِ، وَحَمَلَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى نَفْيِ الِاعْتِدَادِ بِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَكْثَرُ الرِّوَايَاتِ عَنْ أَحْمَدَ الْمَنْعُ مِنْ أَذَانِ الْجُنُبِ وَتَوَقَّفَ عَنْ الْإِعَادَةِ فِي بَعْضِهَا، وَصَرَّحَ بِعَدَمِ الْإِعَادَةِ فِي بَعْضِهَا، وَهُوَ اخْتِيَارُ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ، وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ عَنْهُ رِوَايَةً بِالْإِعَادَةِ، وَاخْتَارَهَا الْخِرَقِيِّ وَفِي إجْزَاءِ الْأَذَانِ مِنْ الْفَاسِقِ رِوَايَتَانِ أَقْوَاهُمَا عَدَمُهُ لِمُخَالَفَةِ أَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ .
وَأَمَّا تَرْتِيبُ الْفَاسِقِ مُؤَذِّنًا فَلَا يَنْبَغِي قَوْلًا وَاحِدًا، وَالصَّبِيُّ الْمُمَيِّزُ يَسْتَخْرِجُ أَذَانَهُ لِلْبَالِغِ رِوَايَتَانِ كَشَهَادَتِهِ وَوَلَايَتِهِ، وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: اخْتَلَفَ الْأَصْحَابُ فِي تَحْقِيقِ مَوْضِعِ الْخِلَافِ، مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ مَوْضِعُ الْخِلَافِ سُقُوطُ الْفَرْضِ بِهِ، وَالسُّنَّةِ الْمُؤَكَّدَةِ إذَا لَمْ يُوجَدْ سِوَاهُ.
وَأَمَّا صِحَّةُ أَذَانِهِ فِي الْجُمْلَةِ، وَكَوْنُهُ جَائِزًا إذَا أَذَّنَ غَيْرُهُ، فَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَطْلَقَ الْخِلَافَ؛ لِأَنَّ أَحْمَدَ قَالَ: لَا بَأْسَ أَنْ يُؤَذِّنَ الْغُلَامُ قَبْلَ أَنْ يَحْتَلِمَ إذَا كَانَ قَدْ رَاهَقَ، وَقَالَ فِي رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ سَعِيدٍ: وَقَدْ سُئِلَ عَنْ الْغُلَامِ يُؤَذِّنُ قَبْلَ أَنْ يَحْتَلِمَ فَلَمْ يُعْجِبْهُ، وَالْأَشْبَهُ أَنَّ الْأَذَانَ الَّذِي يُسْقِطُ الْفَرْضَ عَنْ أَهْلِ الْقَرْيَةِ، وَيُعْتَمَدُ فِي وَقْتِ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ لَا يَجُوزُ أَنْ يُبَاشِرَهُ صَبِيٌّ قَوْلًا، وَلَا يُسْقِطُ الْفَرْضَ وَلَا يُعْتَمَدُ فِي مَوَاقِيتِ الْعِبَادَاتِ.
وَأَمَّا الْأَذَانُ الَّذِي يَكُونُ سُنَّةً مُؤَكَّدَةً فِي مِثْلِ الْمَسَاجِدِ الَّتِي فِي الْمِصْرِ، وَنَحْوُ ذَلِكَ فَهَذَا فِيهِ الرِّوَايَتَانِ وَالصَّحِيحُ جَوَازُهُ، وَيُكْرَهُ أَنْ يُوصَلَ الْأَذَانُ بِمَا قَبْلَهُ، مِثْلَ قَوْلِ بَعْضِ الْمُؤَذِّنِينَ قَبْلَ الْأَذَانِ: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾ [الإسراء: ١١١] الْآيَةَ. وَيُسْتَحَبُّ لِلْمُؤَذِّنِ أَنْ يَرْفَعَ فَمَه وَوَجْهَهُ إلَى السَّمَاءِ إذَا أَذَّنَ أَوْ أَقَامَ، وَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ كَمَا يُسْتَحَبُّ لِلَّذِي يَتَشَهَّدُ عَقِيبَ الْوُضُوءِ أَنْ يَرْفَعَ رَأْسَهُ إلَى السَّمَاءِ.
وَكَمَا يُسْتَحَبُّ لِلْمُحْرِمِ بِالصَّلَاةِ أَنْ يَرْفَعَ رَأْسَهُ قَلِيلًا؛ لِأَنَّ التَّهْلِيلَ وَالتَّكْبِيرَ إعْلَانٌ بِذِكْرِ اللَّهِ لَا يَصْلُحُ إلَّا لَهُ، فَاسْتُحِبَّ الْإِشَارَةُ لَهُ كَمَا تُسْتَحَبُّ الْإِشَارَةُ بِالْأُصْبُعِ الْوَاحِدَةِ فِي التَّشَهُّدِ وَالدُّعَاءِ، هَذَا بِخِلَافِ الصَّلَاةِ وَالدُّعَاءِ، إذْ الْمُسْتَحَبُّ فِيهِ خَفْضُ الطَّرْفِ.
стр. 2230
وَإِذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَجْلِسَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ صَلَّى تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ. قَالَ ابْنُ مَنْصُورٍ: رَأَيْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدَ يَخْرُجُ عِنْدَ الْمَغْرِبِ فَحِينَ انْتَهَى إلَى مَوْضِعِ الصَّفِّ أَخَذَ الْمُؤَذِّنُ فِي الْإِقَامَةِ فَجَلَسَ.
وَالْخُرُوجُ مِنْ الْمَسْجِدِ بَعْدَ الْأَذَانِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، وَهَلْ هُوَ حَرَامٌ أَوْ مَكْرُوهٌ فِي الْمَسْأَلَةِ وَجْهَانِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ التَّأْذِينُ لِلْفَجْرِ قَبْلَ الْوَقْتِ، فَلَا يُكْرَهُ الْخُرُوجُ نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ وَالْإِقَامَةُ كَالنِّدَاءِ بِالْأَذَانِ وَالسُّنَّةُ أَنْ يُنَادَى لِلْكُسُوفِ بِ " الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ "، لِحَدِيثِ عَائِشَةَ: «خَسَفَتْ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ فَبَعَثَ مُنَادِيًا الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ» .
وَلَا يُنَادَى لِلْعِيدِ وَالِاسْتِسْقَاءِ، وَقَالَهُ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا؛ وَلِهَذَا لَا يُشْرَعُ لِلْجِنَازَةِ وَلَا لِلتَّرَاوِيحِ عَلَى نَصِّ أَحْمَدَ، خِلَافًا لِلْقَاضِي؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَالْقِيَاسُ عَلَى الْكُسُوفِ فَاسِدُ الِاعْتِبَارِ. وَقَالَ الْآمِدِيُّ: السُّنَّةُ أَنْ يَكُونَ الْمُؤَذِّنُ مِنْ أَوْلَادِ مَنْ جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيهِمْ الْأَذَانَ، وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِهِمْ جَازَ.
قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: وَلَمْ يَذْكُرْ هَذَا أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا، وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ لَا يُقَدَّمُ بِذَلِكَ، فَإِنَّهُ نَصَّ عَلَى أَنَّ الْمُتَنَازِعَيْنِ فِي الْأَذَانِ لَا يُقَدَّمُ أَحَدُهُمَا بِكَوْنِ أَبِيهِ هُوَ الْمُؤَذِّنُ.
وَأَمَّا مَا سِوَى التَّأْذِينِ قَبْلَ الْفَجْرِ مِنْ تَسْبِيحٍ، وَتَشَهُّدٍ، وَرَفْعِ الصَّوْتِ بِدُعَاءٍ، وَنَحْوِ ذَلِكَ فِي الْمَآذِنِ، فَهَذَا لَيْسَ بِمَسْنُونٍ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ. بَلْ قَدْ ذَكَرَ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ: أَنَّ هَذَا مِنْ جُمْلَةِ الْبِدَعِ الْمَكْرُوهَةِ، وَلَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ عَلَى اسْتِحْبَابِهِ، وَلَا حَدَثَ سَبَبٌ يَقْتَضِي إحْدَاثَهُ حَتَّى يُقَالَ إنَّهُ مِنْ الْبِدَعِ اللُّغَوِيَّةِ الَّتِي دَلَّتْ الشَّرِيعَةُ عَلَى اسْتِحْبَابِهَا، وَمَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ أَنْ يَأْمُرَ بِهِ، وَلَا يُنْكِرَ عَلَى مَنْ تَرَكَهُ وَلَا يُعَلِّقَ اسْتِحْقَاقَ الرِّزْقِ بِهِ، وَإِنْ شَرَطَهُ وَاقِفٌ، وَإِذَا قِيلَ: إنَّ فِي بَعْضِ هَذِهِ الْأَصْوَاتِ مَصْلَحَةً رَاجِحَةً عَلَى مَفْسَدَتِهَا، فَنَقْتَصِرُ مِنْ ذَلِكَ عَلَى الْقَدْرِ الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ الْمَصْلَحَةُ دُونَ الزِّيَادَةِ الَّتِي هِيَ ضَرَرٌ بِلَا مَصْلَحَةٍ رَاجِحَةٍ.
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُجِيبَ الْمُؤَذِّنَ وَيَقُولَ مِثْلَ مَا يَقُولُ وَلَوْ فِي الصَّلَاةِ، وَكَذَلِكَ يَقُولُ فِي الصَّلَاةِ كُلُّ ذِكْرٍ وَدُعَاءٍ وُجِدَ سَبَبُهُ فِي الصَّلَاةِ، وَيُجِيبُ مُؤَذِّنًا ثَانِيًا، وَأَكْثَرَ حَيْثُ
стр. 2231
يُسْتَحَبُّ ذَلِكَ، كَمَا كَانَ الْمُؤَذِّنَانِ يُؤَذِّنَانِ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَمَّا الْمُؤَذِّنُونَ الَّذِينَ يُؤَذِّنُونَ مَعَ الْمُؤَذِّنِ الرَّاتِبِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فِي مِثْلِ صَحْنِ الْمَسْجِدِ، فَلَيْسَ أَذَانُهُمْ مَشْرُوعًا بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ، بَلْ ذَلِكَ بِدْعَةٌ مُنْكَرَةٌ، وَقَدْ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ التَّبْلِيغُ وَرَاءَ الْإِمَامِ، بَلْ يُكْرَهُ إلَّا لِحَاجَةٍ.
وَقَدْ ذَهَبَ طَائِفَةٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ أَصْحَابِ مَالِكٍ، وَأَحْمَدَ إلَى بُطْلَانِ صَلَاةِ الْمُبَلِّغِ إذَا لَمْ يُحْتَجْ إلَيْهِ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ هَذَا أَنَّ الْمُجِيبَ يَقُولُ مِثْلَ مَا يَقُولُ حَتَّى فِي الْحَيْعَلَةِ، وَقِيلَ: يَقُولُ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ.
وَيَجُوزُ الْأَذَانُ لِلْفَجْرِ قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِهَا، وَقَالَهُ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ، وَلَيْسَ عِنْدَ أَحْمَدَ نَصٌّ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ الَّذِي يَجُوزُ فِيهِ التَّأْذِينُ، إلَّا أَنَّ أَصْحَابَنَا قَالُوا: يَجُوزُ بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ كَمَا يَجُوزُ بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ الْإِفَاضَةُ مِنْ مُزْدَلِفَةَ، وَعَلَى هَذَا فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ اللَّيْلُ الَّذِي يُعْتَبَرُ نِصْفُهُ أَوَّلُهُ غُرُوبُ الشَّمْسِ، وَآخِرُهُ طُلُوعُهَا، كَمَا أَنَّ النَّهَارَ الْمُعْتَبَرَ نِصْفُهُ أَوَّلُهُ طُلُوعُ الشَّمْسِ، وَآخِرُهُ غُرُوبُهَا لِانْقِسَامِ الزَّمَانِ لَيْلًا وَنَهَارًا.
وَلَعَلَّ قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ فِي أَحَدِ الْحَدِيثَيْنِ: «يَنْزِلُ رَبُّنَا إلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ» الَّذِي يَنْتَهِي لِطُلُوعِ الْفَجْرِ، وَفِي الْآخَرِ حِينَ يَمْضِي نِصْفُ اللَّيْلِ يَعْنِي اللَّيْلَ الَّذِي يَنْتَهِي بِطُلُوعِ الشَّمْسِ، فَإِنَّهُ إذَا انْتَصَفَ اللَّيْلُ الشَّمْسِيُّ يَكُونُ قَدْ بَقِيَ ثُلُثُ اللَّيْلِ الْفَجْرِيُّ تَقْرِيبًا، وَلَوْ قِيلَ: تَحْدِيدُ وَقْتِ الْعِشَاءِ إلَى نِصْفِ اللَّيْلِ تَارَةً، وَإِلَى ثُلُثِهِ أُخْرَى مِنْ هَذَا الْبَابِ لَكَانَ مُتَوَجَّهًا، وَيُسْتَحَبُّ؛ إذَا أَخَّرَ الْمُؤَذِّنُ فِي الْأَذَانِ أَنْ لَا يَقُومَ، إذْ فِي ذَلِكَ تَشَبُّهٌ بِالسُّلْطَانِ. قَالَ أَحْمَدُ: لَا يَقُومُ أَوْ مَا يُبْدِي أَوْ يَصِيرُ.
[بَابُ سَتْرِ الْعَوْرَةِ]
ِ اخْتَلَفَتْ عِبَارَةُ أَصْحَابِنَا فِي وَجْهِ الْحُرَّةِ فِي الصَّلَاةِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَيْسَ بِعَوْرَةٍ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: عَوْرَةٌ، وَإِنَّمَا رَخَّصَ فِي كَشْفِهِ فِي الصَّلَاةِ لِلْحَاجَةِ.
وَالتَّحْقِيقُ: أَنَّهُ لَيْسَ بِعَوْرَةٍ فِي الصَّلَاةِ، وَهُوَ عَوْرَةٌ فِي بَابِ النَّظَرِ إذْ لَمْ يَجُزْ النَّظَرُ إلَيْهِ، وَلَا يَخْتَلِفُ
стр. 2232
الْمَذْهَبُ فِي أَنَّ مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ مِنْ الْأَمَةِ عَوْرَةٌ، وَقَدْ حَكَى جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا أَنَّ عَوْرَتَهَا السَّوْأَتَانِ فَقَطْ كَالرِّوَايَةِ فِي عَوْرَةِ الرَّجُلِ، وَهَذَا غَلَطٌ قَبِيحٌ فَاحِشٌ عَلَى الْمَذْهَبِ خُصُوصًا، وَعَلَى الشَّرِيعَةِ عُمُومًا، وَكَلَامُ أَحْمَدَ أَبْعَدُ شَيْءٍ عَنْ هَذَا الْقَوْلِ، وَلَا يَصِحُّ الصَّلَاةُ فِي الثَّوْبِ الْمَغْصُوبِ وَالْحَرِيرِ وَالْمَكَانِ الْمَغْصُوبِ، هَذَا إذَا كَانَتْ الصَّلَاةُ فَرْضًا وَهُوَ أَصَحُّ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ، وَإِنْ كَانَتْ نَفْلًا. فَقَالَ الْآمِدِيُّ: لَا تَصِحُّ رِوَايَةً وَاحِدَةً.
وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا أَطْلَقُوا الْخِلَافَ وَهُوَ الصَّوَابُ، لِأَنَّ مَنْشَأَ الْقَوْلِ بِالصِّحَّةِ أَنَّ جِهَةَ الطَّاعَةِ مُغَايِرَةٌ لِجِهَةِ الْمَعْصِيَةِ فَيَجُوزُ أَنْ يُثَابَ مِنْ وَجْهٍ وَيُعَاقَبَ مِنْ وَجْهٍ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الَّذِي يَجُرُّ ثَوْبَهُ خُيَلَاءَ فِي الصَّلَاةِ عَلَى هَذَا الْخِلَافِ؛ لِأَنَّ الْمَذْهَبَ أَنَّهُ حَرَامٌ، وَكَذَلِكَ مَنْ لَبِسَ ثَوْبًا فِيهِ تَصَاوِيرُ.
قُلْت: لَازِمُ ذَلِكَ أَنَّ كُلَّ ثَوْبٍ يَحْرُمُ لُبْسُهُ يَجْرِي عَلَى هَذَا الْخِلَافِ، وَقَدْ أَشَارَ إلَيْهِ صَاحِبُ الْمُسْتَوْعِبِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَوْ كَانَ الْمُصَلِّي جَاهِلًا بِالْمَكَانِ وَالثَّوْبِ أَنَّهُ حَرَامٌ فَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ، سَوَاءٌ قُلْنَا: إنَّ الْجَاهِلَ بِالنَّجَاسَةِ يُعِيدُ أَوْ لَا يُعِيدُ؛ لِأَنَّ عَدَمَ عِلْمِهِ بِالنَّجَاسَةِ لَا يَمْنَعُ الْعَيْنَ أَنْ تَكُونَ نَجِسَةً، وَكَذَا إذَا لَمْ يَعْلَمْ بِالتَّحْرِيمِ لَمْ يَكُنْ فِعْلُهُ مَعْصِيَةً، بَلْ يَكُونُ طَاعَةً، وَأَمَّا الْمَحْبُوسُ فِي مَكَانِ غَصْبٍ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا نُوجِبَ عَلَيْهِ الْإِعَادَةَ إذَا صَلَّى فِيهِ قَوْلًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّ لُبْثَهُ فِيهِ لَيْسَ بِمُحَرَّمٍ.
وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ يَجْعَلُ فِيمَنْ لَمْ يَجِدْ إلَّا الثَّوْبَ الْحَرِيرَ رِوَايَتَيْنِ، كَمَنْ لَمْ يَجِدْ إلَّا الثَّوْبَ النَّجِسَ، وَعَلَى هَذَا فَمَنْ لَمْ يُمْكِنْهُ أَنْ يُصَلِّيَ إلَّا فِي الْمَوْضِعِ الْغَصْبِ فِيهِ الرِّوَايَتَانِ وَأَوْلَى، وَكَذَلِكَ كُلُّ مُكْرَهٍ الْكَوْنُ بِالْمَكَانِ النَّجِسِ وَالْغَصْبِ بِحَيْثُ يَخَافُ ضَرَرًا مِنْ الْخُرُوجِ فِي نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ كَالْمَحْبُوسِ، وَذَكَرَ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ إذَا لَمْ يَكُنْ مَحُوطًا عَلَيْهِ وَجْهَيْنِ، وَأَنَّ الْمَذْهَبَ الصِّحَّةُ يُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ يَدْخُلُهُ وَيَأْكُلُ ثَمَرَهُ فَلَأَنْ يَدْخُلَهُ بِلَا أَكْلٍ وَلَا أَذًى أَوْلَى وَأَجْزَى، وَالْمَقْبُوضُ بِتَعَدٍّ فَاسِدٍ مِنْ الثِّيَابِ وَالْعَقَارِ أَفْتَى بَعْضُ أَصْحَابِنَا بِأَنَّهُ كَالْمَغْصُوبِ سَوَاءٌ، وَعَلَى هَذَا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْمَالُ الَّذِي يَلْبَسُهُ وَيَسْكُنُهُ حَلَالًا فِي نَفْسِهِ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا حَقَّ لِعِبَادِهِ، وَإِلَّا لَمْ تَصِحَّ فِيهِ الصَّلَاةُ.
стр. 2233
وَكَذَلِكَ الْمَاءُ فِي الطَّهَارَةِ، وَكَذَلِكَ الْمَرْكُوبُ، وَالزَّادُ فِي الْحَجِّ، وَهَذَا يَدْخُلُ فِيهِ شَيْءٌ كَثِيرٌ وَفِيهِ نَوْعُ مَشَقَّةٍ.
وَمَنْ لَمْ يَجِدْ إلَّا ثَوْبًا لَطِيفًا أَرْسَلَهُ عَلَى كَتِفِهِ وَعَجُزِهِ وَصَلَّى جَالِسًا، وَنَصَّ عَلَيْهِ أَوْ اتَّزَرَ بِهِ وَصَلَّى قَائِمًا.
وَقَالَ الْقَاضِي: يَسْتُرُ مَنْكِبَيْهِ وَيُصَلِّي جَالِسًا وَالْأَوَّلُ هُوَ الصَّحِيحُ، وَقَوْلُ الْقَاضِي ضَعِيفٌ وَلَوْ صَلَّى عَلَى رَاحِلَةٍ مَغْصُوبَةٍ فَهُوَ كَالْأَرْضِ الْمَغْصُوبَةِ، وَإِنْ صَلَّى عَلَى فِرَاشٍ مَغْصُوبٍ فَوَجْهَانِ، أَظْهَرُهُمَا الْبُطْلَانُ، وَلَوْ غَصَبَ مَسْجِدًا وَغَيْرَهُ بِأَنْ حَوَّلَهُ عَنْ كَوْنِهِ مَسْجِدًا بِدَعْوَى مِلْكِهِ أَوْ وَقَفَهُ عَلَى جِهَةٍ أُخْرَى لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ فِيهِ، وَإِنْ أَبْقَاهُ مَسْجِدًا، وَمَنَعَ النَّاسَ مِنْ الصَّلَاةِ فِيهِ فِي صِحَّةِ صَلَاتِهِ فِيهِ وَجْهَانِ، اخْتَارَ طَائِفَةٌ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ الصِّحَّةَ، وَالْأَقْوَى الْبُطْلَانُ وَلَوْ تَلِفَ فِي يَدِهِ لَمْ يَضْمَنْهُ عِنْدَ ابْنِ عَقِيلٍ، وَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ ضَمَانُهُ.
وَإِنْ لَمْ يَجِدْ الْعُرْيَانُ ثَوْبًا وَلَا حَشِيشًا، وَلَكِنْ وَجَدَ طِينًا لَزِمَهُ الِاسْتِتَارُ عِنْدَ ابْنِ عَقِيلٍ، وَلَا يَلْزَمُهُ عِنْدَ الْآمِدِيِّ وَغَيْرِهِ، وَهُوَ الصَّوَابُ الْمَقْطُوعُ بِهِ، وَقِيلَ: إنَّهُ الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ، لِأَنَّ ذَلِكَ يَتَنَاثَرُ وَلَا يَبْقَى، وَلَكِنْ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَسْتَتِرَ بِحَائِطٍ، أَوْ شَجَرَةٍ، وَنَحْوِ ذَلِكَ إنْ أَمْكَنَ.
وَتُسْتَحَبُّ الصَّلَاةُ بِالنَّعْلِ، وَقَالَهُ طَائِفَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ، وَالْعَبْدُ الْآبِقُ لَا يَصِحُّ نَفْلُهُ، وَيَصِحُّ فَرْضُهُ عِنْدَ ابْنِ عَقِيلٍ، وَابْنِ الزَّاغُونِيِّ، وَبُطْلَانُ فَرْضِهِ قَوِيٌّ أَيْضًا كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ مَرْفُوعًا، وَيَنْبَغِي قَبُولُ صَلَاتِهِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَمَرَ بِقَدْرٍ زَائِدٍ عَلَى سَتْرِ الْعَوْرَةِ فِي الصَّلَاةِ، وَهُوَ أَخْذُ الزِّينَةِ، فَقَالَ: «خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ» فَعَلَّقَ الْأَمْرَ بِاسْمِ الزِّينَةِ لَا بِسَتْرِ الْعَوْرَةِ إيذَانًا بِأَنَّ الْعَبْدَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَلْبَسَ أَزْيَنَ ثِيَابِهِ وَأَجْمَلَهَا فِي الصَّلَاةِ.
[بَابُ اجْتِنَابِ النَّجَاسَةِ وَمَوَاضِعِ الصَّلَاةِ]
ِ وُجُوبُ تَطْهِيرِ الْبَدَنِ مِنْ الْخَبَثِ يُحْتَجُّ عَلَيْهِ بِأَحَادِيثِ الِاسْتِنْجَاءِ، وَحَدِيثِ التَّنَزُّهِ مِنْ الْبَوْلِ، وَبِقَوْلِهِ ﷺ «حُتِّيهِ، ثُمَّ اُقْرُصِيهِ، ثُمَّ انْضَحِيهِ بِالْمَاءِ ثُمَّ صَلِّي فِيهِ» مِنْ حَدِيثِ أَسْمَاءَ وَغَيْرِهَا، وَبِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ فِي «دَلْكِ النَّعْلَيْنِ بِالتُّرَابِ ثُمَّ الصَّلَاةِ فِيهِمَا» ،
стр. 2234
وَطَهَارَةُ الْبُقْعَةِ يُسْتَدَلُّ عَلَيْهَا بِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَدِيثِ الْأَعْرَابِيِّ: «إنَّ هَذِهِ الْمَسَاجِدَ لَا تَصْلُحُ لِشَيْءٍ مِنْ الْبَوْلِ وَالْعَذِرَةِ» وَأَمْرُهُ بِصَبِّ الْمَاءِ عَلَى الْبَوْلِ.
وَمَنْ صَلَّى بِالنَّجَاسَةِ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا فَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ، وَقَالَهُ طَائِفَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ؛ لِأَنَّ مَنْ كَانَ مَقْصُودُهُ اجْتِنَابَ الْمَحْظُورِ إذَا فَعَلَهُ مُخْطِئًا أَوْ نَاسِيًا لَا تَبْطُلُ الْعِبَادَةُ بِهِ، وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي " الْمُجَرَّدِ " وَالْآمِدِيُّ، أَنَّ النَّاسِيَ يُعِيدُ رِوَايَةً وَاحِدَةً عَنْ أَحْمَدَ لِأَنَّهُ مُفَرِّطٌ، وَإِنَّمَا الرِّوَايَتَانِ فِي الْجَاهِلِ وَالرِّوَايَتَانِ مَنْصُوصَتَانِ عَنْ أَحْمَدَ فِي الْجَاهِلِ بِالنَّجَاسَةِ، فَأَمَّا النَّاسِي فَلَيْسَ عَنْهُ نَصٌّ فَلِذَلِكَ اخْتَلَفَ الطَّرِيقَانِ.
وَالنَّهْيُ عَنْ قُرْبَانِ الْمَسْجِدِ لِمَنْ أَكَلَ الثُّومَ، وَنَحْوَهُ عَامٌّ فِي كُلِّ مَسْجِدٍ عِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ، وَحَكَى الْقَاضِي عِيَاضٌ أَنَّ النَّهْيَ خَاصٌّ بِمَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ .
وَلَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ فِي الْمَقْبَرَةِ وَلَا إلَيْهَا، وَالنَّهْيُ عَنْ ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ سَدٌّ لِذَرِيعَةِ الشِّرْكِ، وَذَكَرَ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا أَنَّ الْقَبْرَ وَالْقَبْرَيْنِ لَا يَمْنَعُ مِنْ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَنَاوَلُ اسْمَ الْمَقْبَرَةِ، وَإِنَّمَا الْمَقْبَرَةُ ثَلَاثَةُ قُبُورٍ فَصَاعِدًا. وَلَيْسَ فِي كَلَامِ أَحْمَدَ وَعَامَّةِ أَصْحَابِهِ هَذَا الْفَرْقُ، بَلْ عُمُومُ كَلَامِهِمْ وَتَعْلِيلِهِمْ وَاسْتِدْلَالِهِمْ يُوجِبُ مَنْعَ الصَّلَاةِ عِنْدَ قَبْرٍ وَاحِدٍ مِنْ الْقُبُورِ، وَهُوَ الصَّوَابُ؛ وَالْمَقْبَرَةُ كُلُّ مَا قُبِرَ فِيهِ. لَا أَنَّهُ جَمْعُ قَبْرٍ.
وَقَالَ أَصْحَابُنَا: وَكُلُّ مَا دَخَلَ فِي اسْمِ الْمَقْبَرَةِ مِمَّا حَوْلَ الْقُبُورِ لَا يُصَلَّى فِيهِ فَهَذَا يُعَيِّنُ أَنَّ الْمَنْعَ يَكُونُ مَتْنًا، وَلَا لِحُرْمَةِ الْقَبْرِ الْمُنْفَرِدِ وَفِنَائِهِ الْمُضَافِ إلَيْهِ، وَذَكَرَ الْآمِدِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّهُ لَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ فِيهِ، أَيْ الْمَسْجِدِ الَّذِي قِبْلَتُهُ إلَى الْقَبْرِ، حَتَّى يَكُونَ بَيْنَ الْحَائِطِ وَبَيْنَ الْمَقْبَرَةِ حَائِلٌ آخَرُ.
وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ هَذَا مَنْصُوصُ أَحْمَدَ وَلَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ فِي الْحَشِّ وَلَا إلَيْهِ، وَلَا فَرْقَ عِنْدَ عَامَّةِ أَصْحَابِنَا بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْحَشُّ فِي ظَاهِرِ جِدَارِ الْمَسْجِدِ أَوْ بَاطِنِهِ، وَاخْتَارَ ابْنُ عَقِيلٍ أَنَّهُ إذَا كَانَ بَيْنَ الْمُصَلِّي وَبَيْنَ الْحَشِّ وَنَحْوِهِ حَائِلٌ، مِثْلُ جِدَارِ الْمَسْجِدِ لَمْ يُكْرَهْ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَأْثُورُ عَنْ السَّلَفِ، وَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ، وَالْمَذْهَبُ الَّذِي عَلَيْهِ عَامَّةُ الْأَصْحَابِ كَرَاهَةُ دُخُولِ الْكَنِيسَةِ الْمُصَوَّرَةِ، فَالصَّلَاةُ فِيهَا وَفِي كُلِّ مَكَان فِيهِ تَصَاوِيرُ أَشَدُّ كَرَاهَةً وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ الَّذِي لَا رَيْبَ فِيهِ وَلَا شَكَّ وَمُقْتَضَى كَلَامِ الْآمِدِيِّ، وَأَبِي الْوَفَاءِ بْنِ عَقِيلٍ: أَنَّهُ لَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ فِي أَرْضِ
стр. 2235
الْخَسْفِ، وَهُوَ قَوِيٌّ وَنَصُّ أَحْمَدَ لَا يُصَلِّي فِيهَا، وَقَالَ الْآمِدِيُّ: وَيُكْرَهُ فِي الرَّحَى وَلَا فَرْقَ بَيْنَ عُلُوِّهَا وَسُفْلِهَا.
قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: وَلَعَلَّ هَذَا لِمَا فِيهَا مِنْ الصَّوْتِ الَّذِي يُلْهِي الْمُصَلِّيَ وَيَشْغَلُهُ، وَلَا تَصِحُّ الْفَرِيضَةُ فِي الْكَعْبَةِ بَلْ النَّافِلَةُ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ أَحْمَدَ.
وَأَمَّا صَلَاةُ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْبَيْتِ فَإِنَّهَا كَانَتْ تَطَوُّعًا فَلَا يَلْحَقُ الْفَرْضَ؛ لِأَنَّهُ « ﷺ صَلَّى دَاخِلَ الْبَيْتِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: هَذِهِ الْقِبْلَةُ» فَيُشْبِهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنْ يَكُونَ ذِكْرُهُ لِهَذَا الْكَلَامِ فِي عَقِيبِ الصَّلَاةِ خَارِجَ الْبَيْتِ بَيَانًا؛ لِأَنَّ الْقِبْلَةَ الْمَأْمُورَ بِاسْتِقْبَالِهَا هِيَ الْبِنْيَةُ كُلُّهَا، لِئَلَّا يَتَوَهَّمَ مُتَوَهِّمٌ أَنَّ اسْتِقْبَالَ بَعْضِهَا كَافٍ فِي الْفَرْضِ، لِأَجْلِ أَنَّهُ صَلَّى التَّطَوُّعَ فِي الْبَيْتِ، وَإِلَّا فَقَدْ عَلِمَ النَّاسُ كُلُّهُمْ أَنَّ الْكَعْبَةَ فِي الْجُمْلَةِ هِيَ الْقِبْلَةُ فَلَا بُدَّ لِهَذَا الْكَلَامِ مِنْ فَائِدَةٍ، وَعِلْمُ شَيْءٍ قَدْ يَخْفَى وَيَقَعُ فِي مَحَلِّ الشُّبْهَةِ، وَابْنُ عَبَّاسٍ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ وَفَهِمَ مِنْهُ هَذَا الْمَعْنَى وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَعْنَى مَا سَمِعَ، وَإِنْ نَذَرَ الصَّلَاةَ فِي الْكَعْبَةِ جَازَ كَمَا لَوْ نَذَرَ الصَّلَاةَ عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَأَمَّا إنْ نَذَرَ الصَّلَاةَ مُطْلَقًا اُعْتُبِرَ فِيهَا شُرُوطُ الْفَرِيضَةِ؛ لِأَنَّ النَّذْرَ الْمُطْلَقَ يُحْذَى بِهِ حَذْوَ الْفَرَائِضِ.
[بَابُ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ]
ِ قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ وَغَيْرُهُ فِي قَوْلِ الرَّاوِي إنَّهُ «صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ عَلَى حِمَارٍ غَلَطٌ مِنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ» ، وَإِنَّمَا الْمَعْرُوفُ صَلَاتُهُ ﷺ عَلَى رَاحِلَتِهِ أَوْ الْبَعِيرِ، وَالصَّوَابُ أَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى الْحِمَارِ مِنْ فِعْلِ أَنَسٍ كَمَا ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى، وَلِهَذَا لَمْ يَذْكُرْ الْبُخَارِيُّ حَدِيثَ عَمْرٍو هَذَا وَقِيلَ إنَّ فِي تَغْلِيطِهِ نَظَرًا وَقِيلَ إنَّهُ شَاذٌّ لِمُخَالَفَتِهِ رِوَايَةَ الْجَمَاعَةِ، وَقَوْلُهُ ﷺ «مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ قِبْلَةٌ» هَذَا خِطَابٌ مِنْهُ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَمَنْ جَرَى مَجْرَاهُمْ كَأَهْلِ الشَّامِ وَالْجَزِيرَةِ وَالْعِرَاقِ.
وَأَمَّا أَهْلُ مِصْرَ فَقِبْلَتُهُمْ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْجَنُوبِ مِنْ مَطْلَعِ الشَّمْسِ فِي الشِّتَاءِ، وَذَكَرَ طَائِفَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ أَنَّ الْوَاجِبَ فِي اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ هَوَاؤُهَا دُونَ بُنْيَانِهَا بِدَلِيلِ الْمُصَلِّي عَلَى أَبِي قُبَيْسٍ وَغَيْرِهِ مِنْ الْجِبَالِ الْعَالِيَةِ، فَإِنَّهُ إنَّمَا يَسْتَقْبِلُ الْهَوَاءَ لَا الْبِنَاءَ، وَبِدَلِيلِ لَوْ اُنْتُقِضَتْ الْكَعْبَةُ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ، فَإِنَّهُ يَكْفِيهِ اسْتِقْبَالُ الْعَرْصَةِ.
стр. 2236
قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: الْوَاجِبُ اسْتِقْبَالُ الْبُنْيَانِ، وَأَمَّا الْعَرْصَةُ وَالْهَوَاءُ فَلَيْسَ بِكَعْبَةٍ وَلَا بِبِنَاءٍ.
وَأَمَّا مَا ذَكَرُوهُ مِنْ الصَّلَاةِ عَلَى أَبِي قُبَيْسٍ وَنَحْوِهِ، فَإِنَّمَا ذَلِكَ لِأَنَّ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي قِبْلَةً شَاخِصَةً مُرْتَفِعَةً، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُسَامِتَةً، فَإِنَّ الْمُسَامِتَةَ لَا تُشْتَرَطُ كَمَا لَمْ تَكُنْ مَشْرُوطَةً فِي الِائْتِمَامِ بِالْإِمَامِ وَأَمَّا إذَا زَالَ بِنَاءُ الْكَعْبَةِ فَنَقُولُ بِمُوجِبِهِ، وَأَنَّهُ لَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ حَتَّى يُنَصِّبَ شَيْئًا يُصَلِّي إلَيْهِ، لِأَنَّ أَحْمَدَ جَعَلَ الْمُصَلِّيَ عَلَى ظَهْرِ الْكَعْبَةِ لَا قِبْلَةَ لَهُ، فَعُلِمَ أَنَّهُ جَعَلَ الْقِبْلَةَ الشَّيْءَ الشَّاخِصَ.
وَكَذَلِكَ قَالَ الْآمِدِيُّ: إنْ صَلَّى بِإِزَاءِ الْبَيْتِ وَكَانَ مَفْتُوحًا لَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ، وَإِنْ كَانَ مَرْدُودًا صَحَّتْ، وَإِنْ كَانَ مَفْتُوحًا وَبَيْنَ يَدَيْهِ شَيْءٌ مَنْصُوبٌ كَالسُّتْرَةِ صَحَّتْ؛ لِأَنَّهُ يُصَلِّي إلَى جُزْءٍ مِنْ الْبَيْتِ فَإِنْ زَالَ بُنْيَانُ الْبَيْتِ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ وَصَلَّى وَبَيْنَ يَدَيْهِ شَيْءٌ، صَحَّتْ الصَّلَاةُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ يَدَيْهِ شَيْءٌ لَمْ تَصِحَّ، وَهَذَا مِنْ كَلَامِ الْآمِدِيِّ، يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْبِنَاءَ لَوْ زَالَ لَمْ تَصِحَّ الصَّلَاةُ إلَّا أَنْ يَكُونَ بَيْنَ يَدَيْهِ شَيْءٌ، وَإِنَّمَا يَعْنِي بِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ مَا كَانَ شَاخِصًا كَمَا قَيَّدَهُ فِيمَا إذَا صَلَّى إلَى الْبَابِ وَلِأَنَّهُ عَلَّلَ ذَلِكَ بِأَنَّهُ إذَا صَلَّى إلَى سُتْرَةٍ فَقَدْ صَلَّى إلَى جُزْءٍ مِنْ الْبَيْتِ.
فَعُلِمَ أَنَّ مُجَرَّدَ الْعَرْصَةِ غَيْرُ كَافٍ، وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا مَا ذَكَرَهُ الْأَزْرَقُ فِي أَخْبَارِ مَكَّةَ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ أَرْسَلَ إلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ: لَا تَدَعْ النَّاسَ بِغَيْرِ قِبْلَةٍ انْصِبْ لَهُمْ حَوْلَ الْكَعْبَةِ الْخَشَبَ، وَاجْعَلْ السُّتُورَ عَلَيْهَا حَتَّى يَطُوفَ النَّاسُ مِنْ وَرَائِهَا وَيُصَلُّونَ إلَيْهَا، فَفَعَلَ ذَلِكَ ابْنُ الزُّبَيْرِ، وَهَذَا مِنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ الزُّبَيْرِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْكَعْبَةَ الَّتِي يُطَافُ بِهَا وَيُصَلَّى إلَيْهَا لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ شَيْئًا مَنْصُوبًا شَاخِصًا وَأَنَّ الْعَرْصَةَ لَيْسَتْ قِبْلَةً، وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّ أَحَدًا مِنْ السَّلَفِ خَالَفَ فِي ذَلِكَ وَلَا أَنْكَرَهُ، نَعَمْ لَوْ فُرِضَ أَنَّهُ قَدْ تَعَذَّرَ نَصْبُ شَيْءٍ مِنْ الْأَشْيَاءِ مَوْضِعَهَا بِأَنْ يَقَعَ ذَلِكَ إذَا هَدَمَهَا ذُو السَّوِيقَتَيْنِ مِنْ الْحَبَشَةِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ، فَهُنَا يَنْبَغِي أَنْ يَكْتَفِيَ حِينَئِذٍ بِاسْتِقْبَالِ الْعَرْصَةِ، كَمَا يَكْتَفِي الْمُصَلِّي أَنْ يَخُطَّ خَطًّا إذَا لَمْ يَجِدْ سُتْرَةً، فَإِنَّ قَوَاعِدَ إبْرَاهِيمَ كَالْخَطِّ.
وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا أَنَّ الْبِنَاءَ إذَا زَالَ صَحَّتْ الصَّلَاةُ إلَى هَوَاءِ الْبَيْتِ، مَعَ قَوْلِهِمْ إنَّهُ لَا يُصَلِّي عَلَى ظَهْرِ الْكَعْبَةِ، وَمَنْ قَالَ هَذَا يُفَرَّقُ بِأَنَّهُ إذَا زَالَ لَمْ يَبْقَ هُنَاكَ شَيْءٌ شَاخِصٌ يُسْتَقْبَلُ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ هُنَاكَ قِبْلَةٌ تُسْتَقْبَلُ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ سُقُوطِ الشَّيْءِ الشَّاخِصِ إذَا كَانَ مَعْدُومًا سُقُوطُ اسْتِقْبَالِهِ إذَا كَانَ مَوْجُودًا، كَمَا فَرَّقْنَا بَيْنَ حَالِ إمْكَانِ نَصْبِ شَيْءٍ
стр. 2237
وَحَالِ تَعَذُّرِهِ، وَكَمَا يُفَرَّقُ فِي سَائِرِ الشُّرُوطِ بَيْنَ حَالِ الْوُجُودِ وَالْعَدَمِ وَالْقُدْرَةِ وَالْعَجْزِ، فَإِذَا قُلْنَا لَا بُدَّ مِنْ الصَّلَاةِ إلَى شَيْءٍ شَاخِصٍ، فَإِنَّهُ يَكْفِي شُخُوصُهُ، وَلَوْ أَنَّهُ شَيْءٌ يَسِيرٌ كَالْعَتَبَةِ الَّتِي لِلْبَابِ قَالَهُ ابْنُ عَقِيلٍ.
وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْآمِدِيُّ: لَا يَجُوزُ أَنْ يُصَلِّيَ إلَى الْبَابِ إذَا كَانَ مَفْتُوحًا، لَكِنْ إذَا كَانَ بَيْنَ يَدَيْهِ شَيْءٌ مَنْصُوبٌ كَالسُّتْرَةِ صَحَّتْ، فَعَلَى هَذَا لَا يَكْفِي ارْتِفَاعُ الْعَتَبَةِ وَنَحْوِهَا، بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مِثْلَ آخِرَةِ الرَّحْلِ، لِأَنَّهَا السُّتْرَةُ الَّتِي قَدَّرَ بِهَا الشَّارِعُ السُّتْرَةَ الْمُسْتَحَبَّةَ، فَلَأَنْ يَكُونَ تَقْدِيرُهَا فِي الْوَاجِبِ أَوْلَى ثُمَّ إنْ كَانَتْ السُّتْرَةُ الَّتِي فَوْقَ السَّطْحِ وَنَحْوِهِ بِنَاءً أَوْ خَشَبَةً مُسَمَّرَةً، وَنَحْوَ ذَلِكَ، مِمَّا يُتْبَعُ فِي مُطْلَقِ الْبَيْعِ لَوْ كَانَ فِي مَوْضِعٍ مَمْلُوكٍ جَازَتْ الصَّلَاةُ إلَيْهِ لِأَنَّهُ جُزْءٌ مِنْ الْبَيْتِ، وَإِنْ كَانَ هُنَاكَ لَبِنٌ وَآجُرٌّ بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ، أَوْ خَشَبَةٌ مَعْرُوضَةٌ غَيْرُ مُسَمَّرَةٍ وَنَحْوُ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ قِبْلَةً فِيمَا ذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْبَيْتِ، وَيُتَوَجَّهُ أَنْ يُكْتَفَى فِي ذَلِكَ بِمَا يَكُونُ سُتْرَةً فِي الصَّلَاةِ لِأَنَّهُ شَيْءٌ شَاخِصٌ؛ وَلِأَنَّ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ دَلِيلٌ عَلَى الِاكْتِفَاءِ بِكُلِّ مَا يَكُونُ قِبْلَةً وَسُتْرَةً، فَإِنَّ الْخَشَبَ وَالسُّتُورَ الْمُعَدَّةَ عَلَيْهَا لَا يُتْبَعُ فِي مُطْلَقِ الْبَيْعِ.
قُلْت: وَقَدْ يُقَالُ إنَّمَا اُكْتُفِيَ بِمَا نَصَبَهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ، وَإِنْ لَمْ يُتْبَعْ فِي مُطْلَقِ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّهُ حَالُ ضَرُورَةٍ، وَلَا ضَرُورَةَ بِالْمُصَلِّي إلَى الصَّلَاةِ عَلَى ظَهْرِ الْكَعْبَةِ أَوْ بَاطِنِهَا، إذْ يُمْكِنُهُ أَنْ يُتَوَجَّهَ إلَى جُزْءٍ مِنْهَا أَوْ أَنْ يَسْتَقْبِلَ جَمِيعَهَا. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ ابْنُ حَامِدِ وَابْنُ عَقِيلٍ فِي " الْوَاضِحِ " وَأَبُو الْمَعَالِي: لَوْ صَلَّى إلَى الْحِجْرِ مَنْ فَرْضُهُ الْمُعَايَنَةُ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ فِي الْمُشَاهَدَةِ، وَالْعِيَانِ، لَيْسَ مِنْ الْكَعْبَةِ الْبَيْتِ الْحَرَامِ وَإِنَّمَا وَرَدَتْ الْأَحَادِيثُ بِأَنَّهُ كَانَ مِنْ الْبَيْتِ فَعُمِلَ بِتِلْكَ الْأَحَادِيثِ فِي وُجُوبِ الطَّوَافِ دُونَ الِاكْتِفَاءِ بِهِ لِلصَّلَاةِ احْتِيَاطًا لِلْعِبَادَتَيْنِ.
وَقَالَ الْقَاضِي فِي " التَّعْلِيقِ ": يَجُوزُ التَّوَجُّهُ إلَيْهِ فِي الصَّلَاةِ، وَتَصِحُّ صَلَاتُهُ كَمَا لَوْ تَوَجَّهَ إلَى حَائِطِ الْكَعْبَةِ.
قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: وَهَذَا قِيَاسُ الْمَذْهَبِ لِأَنَّهُ مِنْ الْبَيْتِ بِالسُّنَّةِ الثَّابِتَةِ الْمُسْتَفِيضَةِ، وَبِعِيَانِ مَنْ شَاهَدَهُ مِنْ الْخَلْقِ الْكَثِيرِ لَمَّا نَقَضَهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ.
وَنَصَّ أَحْمَدُ أَنَّهُ لَا يُصَلِّي الْفَرْضَ فِي الْحِجْرِ، فَقَالَ: لَا يُصَلِّي فِي الْحِجْرِ، الْحِجْرُ مِنْ الْبَيْتِ.
стр. 2238
قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: وَالْحِجْرُ جَمِيعُهُ لَيْسَ مِنْ الْبَيْتِ، وَإِنَّمَا الدَّاخِلُ فِي حُدُودِ الْبَيْتِ سِتَّةُ أَذْرُعٍ وَشَيْءٌ، فَمَنْ اسْتَقْبَلَ مَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ أَلْبَتَّةَ.
[بَابُ النِّيَّةِ]
ِ وَالنِّيَّةُ تَتَّبِعُ الْعِلْمَ، فَمَنْ عَلِمَ مَا يُرِيدُ فِعْلَهُ قَصَدَهُ ضَرُورَةً، وَيَحْرُمُ خُرُوجُهُ لِشَكِّهِ فِي النِّيَّةِ، لِلْعِلْمِ بِأَنَّهُ مَا دَخَلَ إلَّا بِالنِّيَّةِ، وَلَوْ أَحْرَمَ مُنْفَرِدًا ثُمَّ نَوَى الْإِمَامَةَ صَحَّتْ صَلَاتُهُ فَرْضًا وَنَفْلًا، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ اخْتَارَهَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْمَقْدِسِيُّ وَغَيْرُهُ.
وَلَوْ سَمَّى إمَامًا أَوْ جِنَازَةً فَأَخْطَأَ صَحَّتْ صَلَاتُهُ إنْ كَانَ أَفْسَدَهُ خَلْفَ مَنْ حَضَرَ وَإِلَّا فَلَا، وَوُجُوبُ مُقَارَنَةِ النِّيَّةِ لِلتَّكْبِيرِ قَدْ يُفَسَّرُ بِوُقُوعِ التَّكْبِيرِ عَقِيبَ النِّيَّةِ، وَهَذَا مُمْكِنٌ لَا صُعُوبَةَ فِيهِ بَلْ عَامَّةُ النَّاسِ إنَّمَا يُصَلُّونَ هَكَذَا.
وَقَدْ يُفَسَّرُ بِانْبِسَاطِ آخِرِ النِّيَّةِ عَلَى أَجْزَاءِ التَّكْبِيرِ، بِحَيْثُ يَكُونُ أَوَّلُهَا مَعَ أَوَّلِهِ وَآخِرُهَا مَعَ آخِرِهِ، وَهَذَا لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي عُزُوبَ كَمَالِ النِّيَّةِ عَنْ أَوَّلِ الصَّلَاةِ، وَخُلُوَّ أَوَّلِ الصَّلَاةِ عَنْ النِّيَّةِ الْوَاجِبَةِ، وَقَدْ يُفَسَّرُ بِحُضُورِ جَمْعِ النِّيَّةِ الْوَاجِبَةِ، وَقَدْ يُفَسَّرُ بِجَمِيعِ النِّيَّةِ مَعَ جَمِيعِ أَجْزَاءِ التَّكْبِيرِ، وَهَذَا قَدْ نُوزِعَ فِي إمْكَانِهِ فَضْلًا عَنْ وُجُوبِهِ، وَلَوْ قِيلَ بِإِمْكَانِهِ فَهُوَ مُتَعَسِّرٌ فَيَسْقُطُ بِالْحَرَجِ.
وَأَيْضًا فَمَا يَبْطُلُ هَذَا وَاَلَّذِي قَبْلَهُ أَنَّ الْمُكَبِّرَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَدَبَّرَ التَّكْبِيرَ وَيَتَصَوَّرَهُ فَيَكُونُ قَلْبُهُ مَشْغُولًا بِمَعْنَى التَّكْبِيرِ لَا بِمَا يَشْغَلُهُ عَنْ ذَلِكَ مِنْ اسْتِحْضَارِ الْمَنْوِيِّ؛ وَلِأَنَّ النِّيَّةَ مِنْ الشُّرُوطِ، وَالشَّرْطُ يَتَقَدَّمُ الْعِبَادَةَ وَيَسْتَمِرُّ حُكْمُهُ إلَى آخِرِهَا.
[بَابُ تَسْوِيَةِ الصُّفُوفِ]
ِ وَظَاهِرُ كَلَامِ أَبِي الْعَبَّاسِ أَنَّهُ يَجِبُ تَسْوِيَةُ الصُّفُوفِ؛ لِأَنَّهُ ﵇ «رَأَى رَجُلًا بَادِيًا صَدْرَهُ فَقَالَ: لَتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللَّهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ» وَقَالَ
стр. 2239
- ﵇: «سَوُّوا صُفُوفَكُمْ فَإِنَّ تَسْوِيَتَهَا مِنْ تَمَامِ الصَّلَاةِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا.
وَتَرْجَمَ عَلَيْهِ الْبُخَارِيُّ بِبَابِ: إثْمِ مَنْ لَمْ يُقِمْ الصَّفَّ.
قُلْت: وَمَنْ ذَكَرَ الْإِجْمَاعَ عَلَى اسْتِحْبَابِهِ فَمُرَادُهُ ثُبُوتُ اسْتِحْبَابِهِ لَا نَفْيُ وُجُوبِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَإِذَا قَدَرَ الْمُصَلِّي أَنْ يَقُولَ اللَّهُ أَكْبَرُ لَزِمَهُ وَلَا يُجْزِئُهُ غَيْرُهَا، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَأَحْمَدَ، وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يُسْمِعَ الْمُصَلِّي نَفْسَهُ الْقِرَاءَةَ الْوَاجِبَةَ، بَلْ يَكْفِيهِ الْإِتْيَانُ بِالْحُرُوفِ، وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْهَا وَهُوَ وَجْهٌ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ، وَاخْتَارَهُ الْكَرْخِيُّ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ، وَكَذَا كُلُّ ذِكْرٍ وَاجِبٍ.
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَجْمَعَ فِي الِاسْتِفْتَاحِ بَيْنَ قَوْلِهِ: " سُبْحَانَك اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك " إلَى آخِرِهِ، وَبَيْنَ: " وَجَّهْتُ وَجْهِي " إلَى آخِرِهِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي يُوسُفَ، وَأَبِي هُبَيْرَةَ، وَلَا يَجْمَعُ بَيْنَ لَفْظَيْ كَبِيرٍ وَكَثِيرٍ، بَلْ يَقُولُ هَذَا تَارَةً، وَهَذِهِ تَارَةً، وَكَذَا الْمَشْرُوعُ فِي الْقِرَاءَاتِ سَبْعٌ أَنْ يَقْرَأَ هَذِهِ تَارَةً وَهَذِهِ تَارَةً لَا الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا وَنَظَائِرُهُ كَثِيرَةٌ، وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَأْتِيَ فِي الْعِبَادَاتِ الْوَارِدَةِ عَلَى وُجُوهٍ مُتَنَوِّعَةٍ بِكُلِّ نَوْعٍ مِنْهَا: كَالِاسْتِفْتَاحَاتِ، وَأَنْوَاعِ صَلَاةِ الْخَوْفِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَالْمَفْضُولُ قَدْ يَكُونُ أَفْضَلَ لِمَنْ انْتِفَاعُهُ بِهِ إثْمٌ.
وَيُسْتَحَبُّ التَّعَوُّذُ أَوَّلَ كُلِّ قِرَاءَةٍ وَيَجْهَرُ فِي الصَّلَاةِ بِالتَّعَوُّذِ وَبِالْبَسْمَلَةِ وَبِالْفَاتِحَةِ فِي الْجِنَازَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ أَحْيَانَا، فَإِنَّهُ الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ تَعْلِيمًا لِلسُّنَّةِ، وَيُسْتَحَبُّ الْجَهْرُ بِالْبَسْمَلَةِ لِلتَّأْلِيفِ كَمَا اسْتَحَبَّ أَحْمَدُ تَرْكَ الْقُنُوتِ فِي الْوِتْرِ تَأْلِيفًا لِلْمَأْمُومِ، وَلَوْ كَانَ الْإِمَامُ مُتَطَوِّعًا تَبِعَهُ الْمَأْمُومُ وَالسُّنَّةُ أَوْلَى وَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ.
قُلْت: وَحُكِيَ عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ التَّخْيِيرُ بَيْنَ الْجَهْرِ وَالْإِسْرَارِ، وَهُوَ مَذْهَبُ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ أُخِذَ مِنْ قَوْلِهِ أَنْ يَجْهَرَ بِهَا أَحْيَانًا، وَهَذَا الْمَأْخَذُ لَيْسَ بِجَيِّدٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَالْبَسْمَلَةُ آيَةٌ مُنْفَرِدَةٌ فَاصِلَةٌ بَيْنَ السُّورِ لَيْسَتْ مِنْ أَوَّلِ كُلِّ سُورَةٍ لَا الْفَاتِحَةِ وَلَا
стр. 2240
غَيْرِهِمَا، وَهَذَا ظَاهِرُ مَذْهَبِ أَحْمَدَ، وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ ابْنِ الْعَبَّاسِ أَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَجْهَرُ بِبَسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ إذَا كَانَ بِمَكَّةَ، وَأَنَّهُ لَمَّا هَاجَرَ إلَى الْمَدِينَةِ تَرَكَ الْجَهْرَ بِهَا حَتَّى مَاتَ» .
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي كِتَابِ " النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ " وَهُوَ مُنَاسِبٌ لِلْوَاقِعِ فَإِنَّ الْغَالِبَ عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ كَانَ الْجَهْرَ بِهَا، وَأَمَّا أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَالشَّامِ وَالْكُوفَةِ فَلَمْ يَكُونُوا يَجْهَرُونَ، وَالدَّارَقُطْنِيّ لَمَّا دَخَلَ مِصْرَ وَسُئِلَ أَنْ يَجْمَعَ أَحَادِيثَ الْجَهْرِ بِالْبَسْمَلَةِ فَجَمَعَهَا، فَقِيلَ لَهُ: هَلْ فِيهَا شَيْءٌ صَحِيحٌ؟ فَقَالَ: أَمَّا عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فَلَا، وَأَمَّا عَنْ الصَّحَابَةِ فَمِنْهُ صَحِيحٌ، وَمِنْهُ ضَعِيفٌ، وَتُكْتَبُ الْبَسْمَلَةُ أَوَائِلَ الْكُتُبِ كَمَا كَتَبَهَا سُلَيْمَانُ، وَكَتَبَهَا النَّبِيُّ ﷺ فِي صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ وَإِلَى قَيْصَرَ وَغَيْرِهِ، فَتُذْكَرُ فِي ابْتِدَاءِ جَمِيعِ الْأَفْعَالِ، وَعِنْدَ دُخُولِ الْمَنْزِلِ وَالْخُرُوجِ مِنْهُ لِلْبَرَكَةِ، وَهِيَ تَطْرُدُ الشَّيْطَانَ، وَإِنَّمَا تُسْتَحَبُّ إذَا ابْتَدَأَ فِعْلًا تَبَعًا لِغَيْرِهَا لَا مُسْتَقِلَّةً فَلَمْ تُجْعَلْ كَالْهَيْلَلَةِ وَالْحَمْدَلَةِ، وَنَحْوِهِمَا.
وَالْفَاتِحَةُ أَفْضَلُ سُورَةٍ فِي الْقُرْآنِ، قَالَ ﵇ فِيهَا «أَعْظَمُ سُورَةٍ فِي الْقُرْآنِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَذَكَرَ مَعْنَاهُ ابْنُ شِهَابٍ وَغَيْرُهُ، وَآيَةُ الْكُرْسِيِّ أَعْظَمُ آيِ الْقُرْآنِ كَمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْهُ ﵇، وَحُكِيَ عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ أَنَّ تَفَاضُلَ الْقُرْآنِ عِنْدَهُ فِي نَفْسِ الْحَرْفِ أَيْ ذَاتِ الْحَرْفِ، وَاللَّفْظُ بَعْضُهُ أَفْضَلُ مِنْ بَعْضِ وَهَذَا قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِنَا، وَلَعَلَّ الْمُرَادَ غَيْرُ آيَةِ الْكُرْسِيِّ وَالْفَاتِحَةِ لِمَا تَقَدَّمَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَمَعَانٍ الْقُرْآنِ ثَلَاثَةُ أَصْنَافٍ: تَوْحِيدٌ، وَقَصَصٌ، وَأَمْرٌ وَنَهْيٌ. ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ مُتَضَمَّنَةٌ ثُلُثَ التَّوْحِيدِ، وَلَا يُسْتَحَبُّ قِرَاءَتُهَا ثَلَاثًا إلَّا إذَا قُرِئَتْ مُنْفَرِدَةً [ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١]] وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: السُّنَّةُ إذَا قَرَأَ الْقُرْآنَ كُلَّهُ أَنْ يَقْرَأَهَا كَمَا فِي الْمُصْحَفِ، وَأَمَّا إذَا قَرَأَهَا مُنْفَرِدَةً أَوْ مَعَ بَعْضِ الْقُرْآنِ ثَلَاثًا فَإِنَّهَا تَعْدِلُ الْقُرْآنَ، وَإِذَا قِيلَ: ثَوَابُ قِرَاءَتِهَا مَرَّةً يَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ فَمُعَادَلَةُ الشَّيْءِ لِلشَّيْءِ يَقْتَضِي تَسَاوِيهِمَا فِي الْقَدْرِ لَا تَمَاثُلَهُمَا فِي الْوَصْفِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ [المائدة: ٩٥] .
وَلِهَذَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَغْنِيَ بِقِرَاءَتِهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ عَنْ قِرَاءَةِ سَائِرِ الْقُرْآنِ لِحَاجَتِهِ
стр. 2241
إلَى الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالْقَصَصِ، كَمَا لَا يَسْتَغْنِي مَنْ مَلَكَ نَوْعًا شَرِيفًا مِنْ الْمَالِ عَنْ غَيْرِهِ، وَيَحْسُنُ تَرْجَمَةُ الْقُرْآنِ لِمَنْ يَحْتَاجُ إلَى تَفْهِيمِهِ إيَّاهُ بِالتَّرْجَمَةِ.
قُلْت: وَذَكَرَ غَيْرُهُ هَذَا الْمَعْنَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَوْلُهُ ﷺ : «مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فَأَعْرَبَهُ فَلَهُ بِكُلِّ حَرْفٍ عَشْرُ حَسَنَاتٍ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ.
الْمُرَادُ بِالْحَرْفِ الْكَلِمَةُ وَوُقُوفُ الْقَارِئِ عَلَى رُءُوسِ الْآيَاتِ سُنَّةٌ، وَإِنْ كَانَتْ الْآيَةُ الثَّانِيَةُ مُتَعَلِّقَةً بِالْأُولَى تَعَلُّقَ الصِّفَةِ بِالْمَوْصُوفِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وَالْقِرَاءَةُ الْقَلِيلَةُ بِتَفَكُّرٍ أَفْضَلُ مِنْ الْكَثِيرَةِ بِلَا تَفَكُّرٍ وَهُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْ الصَّحَابَةِ صَرِيحًا.
وَنُقِلَ عَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ نَقَلَ عَنْهُ مُثَنَّى بْنِ جَامِعٍ رَجُلٌ أَكَلَ فَشَبِعَ، وَأَكْثَرَ الصَّلَاةَ وَالصِّيَامَ، وَرَجُلُ أَقَلَّ الْأَكْلَ، فَقَلَّتْ نَوَافِلُهُ وَكَانَ أَكْثَرَ فِكْرًا، أَيُّهُمَا أَفْضَلُ؟ فَذَكَرَ مَا جَاءَ فِي الْفِكْرِ «تَفَكُّرُ سَاعَةٍ خَيْرٌ مِنْ قِيَامِ لَيْلَةٍ» قَالَ: فَرَأَيْت هَذَا عِنْدَهُ أَفْضَلَ لِلْفِكْرِ وَمَا خَالَفَ الْمُصْحَفَ، وَصَحَّ سَنَدُهُ، صَحَّتْ الصَّلَاةُ بِهِ.
وَهَذَا نَصُّ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ، وَمُصْحَفُ عُثْمَانَ أَحَدُ الْحُرُوفِ السَّبْعَةِ، وَقَالَهُ عَامَّةُ السَّلَفِ وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ.
وَيُكْرَهُ أَنْ يَقُولَ مَعَ إمَامِهِ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] وَنَحْوَهُ.
وَقِرَاءَةُ الْمَأْمُومِ خَلْفَ الْإِمَامِ أُصُولُ الْأَقْوَالِ فِيهَا ثَلَاثَةٌ طَرَفَانِ وَوَسَطٌ فَأَحَدُ الطَّرَفَيْنِ لَا يَقْرَأُ بِحَالٍ، وَالثَّانِي يَقْرَأُ بِكُلِّ حَالٍ، وَالثَّالِثُ وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ السَّلَفِ إذَا سَمِعَ قِرَاءَةَ الْإِمَامِ أَنْصَتَ وَإِذَا لَمْ يَسْمَعْ قَرَأَ بِنَفْسِهِ فَإِنَّ قِرَاءَتَهُ أَفْضَلُ مِنْ سُكُوتِهِ، وَالِاسْتِمَاعُ لِقِرَاءَةِ الْإِمَامِ أَفْضَلُ مِنْ السُّكُوتِ.
وَعَلَى هَذَا فَهَلْ الْقِرَاءَةُ حَالَ مُخَافَتَةِ الْإِمَامِ وَاجِبَةٌ عَلَى الْمَأْمُومِ، أَوْ مُسْتَحَبَّةٌ عَلَى قَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ أَشْهُرُهُمَا أَنَّهَا مُسْتَحَبَّةٌ، وَلَا يَقْرَأُ حَالَ تَنَفُّسِ إمَامِهِ، وَإِذَا سَمِعَ هَمْهَمَةَ الْإِمَامِ، وَلَمْ يَفْهَمْ قِرَاءَتَهُ قَرَأَ لِنَفْسِهِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ.
стр. 2242
وَأَحْمَدُ وَغَيْرُهُ اسْتَحَبَّ، فِي صَلَاةِ الْجَهْرِ سَكْتَتَيْنِ عَقِيبَ التَّكْبِيرِ لِلِاسْتِفْتَاحِ، وَقَبْلَ الرُّكُوعِ لِأَجْلِ الْفَصْلِ، وَلَمْ يَسْتَحِبَّ أَنْ يَسْكُتَ سَكْتَةً تَتَّسِعُ لِقِرَاءَةِ الْمَأْمُومِ، وَلَكِنَّ بَعْضَ أَصْحَابِهِ اسْتَحَبَّ ذَلِكَ وَالْقِرَاءَةُ إذَا سَمِعَ، هَلْ هِيَ مُحَرَّمَةٌ أَوْ مَكْرُوهَةٌ وَهَلْ تَبْطُلُ الصَّلَاةُ إنْ قَرَأَ عَلَى قَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ.
أَحَدُهُمَا: الْقِرَاءَةُ مُحَرَّمَةٌ وَتَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِهَا حَكَاهُ ابْنُ حَامِدٍ.
وَالثَّانِي: لَا تَبْطُلُ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ أَحْمَدَ، وَهَلْ الْأَفْضَلُ لِلْمَأْمُومِ قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ لِلِاخْتِلَافِ فِي وُجُوبِهَا، أَمْ غَيْرِهَا؛ لِأَنَّهُ اسْتَمَعَهَا مُقْتَضَى نُصُوصِ أَحْمَدَ، وَأَكْثَرِ أَصْحَابِهِ أَنَّ الْقِرَاءَةَ بِغَيْرِهَا أَفْضَلُ.
قُلْت: فَمُقْتَضَى هَذَا أَنَّهُ إنَّمَا يَكُونُ غَيْرُهَا أَفْضَلَ إذَا سَمِعَهَا وَإِلَّا فَهِيَ أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِهَا. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَا يَسْتَفْتِحُ وَلَا يَسْتَعِيذُ حَالَ جَهْرِ الْإِمَامِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ وَمِنْ أَصْحَابِ أَحْمَدَ، مَنْ قَالَ لَا يَسْتَفْتِحُ وَلَا يَسْتَعِيذُ حَالَ جَهْرِ الْإِمَامِ رِوَايَةً وَاحِدَةً، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ حَالَ سُكُوتِ الْإِمَامِ، وَالْمَعْرُوفُ عِنْدَ أَصْحَابِهِ أَنَّ النِّزَاعَ فِي حَالِ الْجَهْلِ؛ لِأَنَّهُ بِالِاسْتِمَاعِ يَحْصُلُ مَقْصُودُ الْقِرَاءَةِ بِخِلَافِ الِاسْتِفْتَاحِ وَالتَّعَوُّذِ، وَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ مِنْ قِرَاءَةِ الْمَأْمُومِ وَقْتَ مُخَافَتَةِ الْإِمَامِ أَفْضَلُ مِنْ اسْتِفْتَاحِهِ: غَلَطٌ، بَلْ قَوْلُ أَحْمَدَ وَأَكْثَرِ أَصْحَابِهِ الِاسْتِفْتَاحُ أَوْلَى؛ لِأَنَّ اسْتِمَاعَهُ بَدَلٌ عَنْ قِرَاءَتِهِ، وَالْمَرْأَةُ إذَا صَلَّتْ بِالنِّسَاءِ جَهَرَتْ بِالْقِرَاءَةِ وَإِلَّا فَلَا تَجْهَرُ إذَا صَلَّتْ وَحْدَهَا.
وَنَقَلَ ابْنُ أَصْرَمَ عَنْ أَحْمَدَ فِي مَنْ جَهِلَ مَا قَرَأَ بِهِ إمَامُهُ يُعِيدُ الصَّلَاةَ، قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ بْنُ شَاقِلَا: لِأَنَّهُ لَمْ يَدْرِ هَلْ قَرَأَ إمَامُهُ الْحَمْدَ أَمْ لَا، وَلَا مَانِعَ مِنْ السَّمَاعِ، وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: بَلْ لِتَرْكِهِ الْإِنْصَاتَ الْوَاجِبَ.
وَحَدِيثُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى أَنَّهُ «صَلَّى مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَكَانَ لَا يُتِمُّ تَكْبِيرَهُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالْبُخَارِيُّ فِي التَّارِيخِ. وَقَدْ حُكِيَ عَنْ أَبِي دَاوُد الطَّيَالِسِيِّ أَنَّهُ قَالَ حَدِيثٌ بَاطِلٌ.
قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ وَهَذَا وَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا فَلَعَلَّ ابْنَ أَبْزَى صَلَّى خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ فِي مُؤَخَّرِ الْمَسْجِدِ وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ صَوْتُهُ ضَعِيفًا فَلَمْ يَسْمَعْ تَكْبِيرَهُ فَاعْتَقَدَ أَنَّهُ لَمْ يُتِمَّ التَّكْبِيرَ وَإِلَّا فَالْأَحَادِيثُ الْمُتَوَاتِرَةُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ خِلَافُ هَذَا.
стр. 2243
وَرَوَى أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ النَّخَعِيِّ: إنَّ أَوَّلَ مَنْ نَقَصَ التَّكْبِيرَ زِيَادٌ وَكَانَ أَمِيرًا فِي زَمَنِ عُمَرَ، وَإِذَا رَفَعَ الْإِمَامُ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ يَقُولُ: رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ مِلْءَ السَّمَوَاتِ وَمِلْءَ الْأَرْضِ وَمِلْءَ مَا شِئْت مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ " وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ وَاخْتَارَهَا أَبُو الْخَطَّابِ، وَالْآجُرِّيُّ، وَأَبُو الْبَرَكَاتِ. وَيُسَنُّ رَفْعُ الْيَدَيْنِ إذَا قَامَ الْمُصَلِّي مِنْ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ إلَى الثَّالِثَةِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، اخْتَارَهَا أَبُو الْبَرَكَاتِ، كَمَا يُسَنُّ فِي الرُّكُوعِ وَالرَّفْعِ مِنْهُ، وَمَنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى رَفْعِ يَدَيْهِ إلَّا بِزِيَادَةٍ عَلَى أُذُنَيْهِ رَفَعَهُمَا؛ لِأَنَّهُ يَأْتِي بِالسُّنَّةِ وَزِيَادَةٍ لَا يُمْكِنُهُ تَرْكُهَا.
وَتَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِتَعَمُّدِ تَكْرَارِ الرُّكْنِ الْفِعْلِيِّ لَا الْقَوْلِيِّ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ، وَمَنْ لَمْ يُحْسِنْ الْقِرَاءَةَ وَلَا الذِّكْرَ أَوْ الْأَخْرَسُ لَا يُحَرِّكُ لِسَانَهُ حَرَكَةً مُجَرَّدَةً، وَلَوْ قِيلَ إنَّ الصَّلَاةَ تَبْطُلُ بِذَلِكَ كَانَ أَقْرَبَ؛ لِأَنَّهُ عَبَثٌ يُنَافِي الْخُشُوعَ وَزِيَادَةٌ عَلَى غَيْرِ الْمَشْرُوعِ.
وَآلُ النَّبِيِّ ﷺ أَهْلُ بَيْتِهِ، وَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ وَاخْتَارَهُ الشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ وَغَيْرُهُ، فَمِنْهُمْ بَنُو هَاشِمٍ، وَفِي بَنِي الْمُطَّلِبِ الرِّوَايَتَانِ فِي الزَّكَاةِ، وَفِي دُخُولِ أَزْوَاجِهِ فِي أَهْلِ بَيْتِهِ رِوَايَتَانِ، وَالْمُخْتَارُ الدُّخُولُ.
وَأَفْضَلُ أَهْلِ بَيْتِهِ عَلِيٌّ، وَفَاطِمَةُ، وَحَسَنٌ، وَحُسَيْنٌ الَّذِينَ أَدَارَ عَلَيْهِمْ الْكِسَاءَ وَخَصَّهُمْ بِالدُّعَاءِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ أَبِي الْعَبَّاسِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَنَّ حَمْزَةَ أَفْضَلُ مِنْ حَسَنٍ، وَحُسَيْنٍ، وَاخْتَارَهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ،
وَلَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ عَلَى غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ إذَا اُتُّخِذَتْ شِعَارًا، وَهُوَ قَوْلٌ مُتَوَسِّطٌ بَيْنَ مَنْ قَالَ بِالْمَنْعِ مُطْلَقًا، وَهُوَ قَوْلُ طَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِنَا، وَمَنْ قَالَ بِالْجَوَازِ مُطْلَقًا وَهُوَ مَنْصُوصُ أَحْمَدَ.
وَيُسْتَحَبُّ الْجَهْرُ بِالتَّسْبِيحِ وَالتَّحْمِيدِ لَا التَّكْبِيرُ عَقِيبَ الصَّلَاةِ لَا قَالَهُ بَعْضُ السَّلَفِ وَلَا الْخَلْفِ، لَا يَقْرَأُ آيَةَ الْكُرْسِيِّ سِرًّا لَا جَهْرًا لِعَدَمِ نَقْلِهِ.
وَالتَّسْبِيحُ الْمَأْثُورُ أَنْوَاعٌ: أَحَدُهَا: أَنْ يُسَبِّحَ عَشْرًا، وَيَحْمَدَ عَشْرًا، وَيُكَبِّرَ عَشْرًا.
وَالثَّانِي: أَنْ يُسَبِّحَ إحْدَى عَشْرَةَ، وَيَحْمَدَ إحْدَى عَشْرَةَ، وَيُكَبِّرَ إحْدَى عَشْرَةَ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يُسَبِّحَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَيَحْمَدَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَيُكَبِّرَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، فَيَكُونَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ.
стр. 2244
وَالرَّابِعُ: أَنْ يَقُولَ ذَلِكَ، وَيَخْتِمَ الْمِائَةَ بِالتَّوْحِيدِ التَّامِّ: وَهُوَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٍ.
الْخَامِسُ: أَنْ يُسَبِّحَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَيَحْمَدَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَيُكَبِّرَ أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ.
السَّادِسُ: أَنْ يُسَبِّحَ خَمْسًا وَعِشْرِينَ، وَيَحْمَدَ خَمْسًا وَعِشْرِينَ، وَيُكَبِّرَ خَمْسًا وَعِشْرِينَ، وَيَقُولَ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. خَمْسًا وَعِشْرِينَ، وَلَا يُسْتَحَبُّ الدُّعَاءُ عَقِيبَ الصَّلَوَاتِ لِغَيْرِ عَارِضٍ كَالِاسْتِسْقَاءِ وَالِانْتِصَارِ، أَوْ تَعْلِيمِ الْمَأْمُومِ وَلَمْ تَسْتَحِبَّهُ الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ وَمَا جَاءَ فِي خَبَرِ ثَوْبَانَ مِنْ أَنَّ الْإِمَامَ إذَا خَصَّ نَفْسَهُ بِالدُّعَاءِ فَقَدْ خَانَ الْمُؤْمِنِينَ، الْمُرَادُ بِهِ الدُّعَاءُ الَّذِي يُؤَمِّنُ عَلَيْهِ كَدُعَاءِ الْقُنُوتِ فَإِنَّ الْمَأْمُومَ إذَا أَمَّنَ كَانَ دَاعِيًا. قَالَ تَعَالَى لِمُوسَى وَهَارُونَ: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ [يونس: ٨٩] وَكَانَ أَحَدُهُمَا يَدْعُو وَالْآخَرُ يُؤَمِّنُ وَالْمَأْمُومُ إنَّمَا أَمَّنَ لِاعْتِقَادِهِ أَنَّ الْإِمَامَ يَدْعُو لَهُمَا فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَقَدْ خَانَ الْإِمَامُ الْمَأْمُومَ.
وَيُسَنُّ لِلدَّاعِي رَفْعُ يَدَيْهِ وَالِابْتِدَاءُ بِالْحَمْدِ لِلَّهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ، وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَأَنْ يَخْتِمَهُ بِذَلِكَ كُلِّهِ وَبِالتَّأْمِينِ، وَصِفَةُ الْمَشْرُوعِ فِي الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ مَا صَحَّتْ بِهِ الْأَخْبَارُ.
قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: الْأَحَادِيثُ الَّتِي فِي الصِّحَاحِ لَمْ أَجِدْ فِي شَيْءٍ مِنْهَا: «كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ» بَلْ الْمَشْهُورُ فِي أَكْثَرِ الْأَحَادِيثِ وَالطُّرُقِ لَفْظُ " وَآلِ إبْرَاهِيمَ " بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ، عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مَوْقُوفًا عَلَى ابْنِ مَسْعُودٍ. قُلْت: بَلْ رَوَى الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَاتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ أَفْضَلُ الرُّسُلِ لَكِنْ وَقَعَ النِّزَاعُ فِي أَنَّهُ هَلْ هُوَ أَفْضَلُ مِنْ جُمْلَتِهِمْ قَطَعَ طَائِفَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ بِأَنَّهُ وَحْدَهُ أَفْضَلُ مِنْ جُمْلَتِهِمْ كَمَا أَنَّ صَدِيقَهُ وُزِنَ بِمَجْمُوعِ الْأُمَّةِ فَرَجَحَ بِهِمْ.
وَقَدْ أَنْكَرَ طَائِفَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي زَيْدٍ فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ : «اللَّهُمَّ ارْحَمْ مُحَمَّدًا وَآلَ مُحَمَّدٍ» لِأَنَّهُ خِلَافُ الْوَارِدِ فِي تَعْلِيمِ الصَّلَاةِ.
قُلْت: وَحَكَى الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ " الْمَنْعَ قَوْلَ الْأَكْثَرِينَ، وَاَللَّهُ
стр. 2245
أَعْلَمُ. وَيَحْرُمُ الِاعْتِدَاءُ فِي الدُّعَاءِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى إنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ، وَقَدْ يَكُونُ الِاعْتِدَاءُ فِي نَفْسِ الطَّلَبِ وَقَدْ يَكُونُ فِي نَفْسِ الْمَطْلُوبِ.
وَلَا يُكْرَهُ رَفْعُ بَصَرِهِ إلَى السَّمَاءِ فِي الدُّعَاءِ لِفِعْلِهِ ﷺ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَلَا يُسْتَحَبُّ.
وَإِذَا لَمْ يُخْلِصْ الدَّاعِي الدُّعَاءَ، وَلَمْ يَجْتَنِبْ الْحَرَامَ تَبْعُدُ إجَابَتُهُ إلَّا مُضْطَرًّا أَوْ مَظْلُومًا، وَيُسْتَحَبُّ لِلْمُصَلِّي أَنْ يَدْعُوَ قَبْلَ السَّلَامِ بِمَا أَوْصَى بِهِ النَّبِيُّ ﷺ لِمُعَاذٍ أَنْ يَقُولَهُ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ: «اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِك وَشُكْرِك وَحُسْنِ عِبَادَتِك» وَلَا يُفْرِدُ الْمُنْفَرِدُ ضَمِيرَ الدُّعَاءِ؛ لِأَنَّهُ يَدْعُو لِنَفْسِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَيَكُونُ دُعَاءُ الِاسْتِخَارَةِ قَبْلَ السَّلَامِ.
وَقَالَ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ: بَلْ وَالدُّعَاءُ سَبَبٌ لِجَلْبِ الْمَنَافِعِ وَدَفْعِ الْمَضَارِّ؛ لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ يُثَابُ عَلَيْهَا الدَّاعِي، وَلَا يَحْصُلُ بِهَا جَلْبُ الْمَنَافِعِ وَدَفْعُ الْمَضَارِّ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، وَإِذَا ارْتَاضَتْ نَفْسُ الْعَبْدِ عَلَى الطَّاعَةِ، وَانْشَرَحَتْ بِهَا، وَتَنَعَّمَتْ بِهَا، وَبَادَرَتْ إلَيْهَا طَوَاعِيَةً، وَمَحَبَّةً: كَانَ أَفْضَلَ مِمَّنْ يُجَاهِدُ نَفْسَهُ عَلَى الطَّاعَاتِ وَيُكْرِهُهَا عَلَيْهَا.
وَهُوَ قَوْلُ الْجُنَيْدِ وَجَمَاعَةٍ مِنْ عُبَّادِ الْبَصْرَةِ، وَالتَّكْبِيرُ مَشْرُوعٌ فِي الْأَمَاكِنِ الْعَالِيَةِ وَحَالَ ارْتِفَاعِ الْعَبْدِ، وَحَيْثُ يَقْصِدُ الْإِعْلَانَ: كَالتَّكْبِيرِ فِي الْأَذَانِ وَالْأَعْيَادِ وَإِذَا عَلَا شَرَفًا، وَإِذَا رَقَى الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ، وَإِذَا رَكِبَ دَابَّةً، وَالتَّسْبِيحُ فِي الْأَمَاكِنِ الْمُنْخَفِضَةِ، كَمَا فِي السُّنَنِ عَنْ جَابِرٍ: «كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَإِذَا عَلَوْنَا كَبَّرْنَا وَإِذَا هَبَطْنَا سَبَّحْنَا فَوُضِعَتْ الصَّلَاةُ عَلَى ذَلِكَ» .
وَفِي نَهْيِهِ ﷺ عَنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ أَشْرَفُ الْكَلَامِ، إذْ هُوَ كَلَامُ اللَّهِ، وَحَالَةُ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ ذُلٌّ وَانْخِفَاضٌ مِنْ الْعَبْدِ، فَمِنْ الْأَدَبِ مَنْعُ كَلَامِ اللَّهِ أَنْ لَا يُقْرَأَ فِي هَاتَيْنِ الْحَالَتَيْنِ وَالِانْتِظَارُ أَوْلَى.
[بَابُ مَا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ وَمَا يُكْرَهُ فِيهَا]
وَالنَّفْخُ إذَا بَانَ مِنْهُ حَرْفَانِ هَلْ تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِهِ أَمْ لَا؟ فِي الْمَسْأَلَةِ عَنْ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ رِوَايَتَانِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ أَبِي الْعَبَّاسِ تَرْجِيحُ عَدَمِ الْإِبْطَالِ.
وَالسُّعَالُ، وَالْعُطَاسُ، وَالتَّثَاؤُبُ، وَالْبُكَاءُ، وَالتَّأَوُّهُ، وَالْأَنِينُ الَّذِي يُمْكِنُ دَفْعُهُ،
следующие страницы →