← Джавами‘

Джавами‘ · id 9690

الفتاوى الكبرى لابن تيمية

ابن تيمية

Полный текст (3 138 стр.). Показаны 2241–2280 · переход к 2246.

стр. 2241

إلَى الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالْقَصَصِ، كَمَا لَا يَسْتَغْنِي مَنْ مَلَكَ نَوْعًا شَرِيفًا مِنْ الْمَالِ عَنْ غَيْرِهِ، وَيَحْسُنُ تَرْجَمَةُ الْقُرْآنِ لِمَنْ يَحْتَاجُ إلَى تَفْهِيمِهِ إيَّاهُ بِالتَّرْجَمَةِ. قُلْت: وَذَكَرَ غَيْرُهُ هَذَا الْمَعْنَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَوْلُهُ ﷺ : «مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فَأَعْرَبَهُ فَلَهُ بِكُلِّ حَرْفٍ عَشْرُ حَسَنَاتٍ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. الْمُرَادُ بِالْحَرْفِ الْكَلِمَةُ وَوُقُوفُ الْقَارِئِ عَلَى رُءُوسِ الْآيَاتِ سُنَّةٌ، وَإِنْ كَانَتْ الْآيَةُ الثَّانِيَةُ مُتَعَلِّقَةً بِالْأُولَى تَعَلُّقَ الصِّفَةِ بِالْمَوْصُوفِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وَالْقِرَاءَةُ الْقَلِيلَةُ بِتَفَكُّرٍ أَفْضَلُ مِنْ الْكَثِيرَةِ بِلَا تَفَكُّرٍ وَهُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْ الصَّحَابَةِ صَرِيحًا. وَنُقِلَ عَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ نَقَلَ عَنْهُ مُثَنَّى بْنِ جَامِعٍ رَجُلٌ أَكَلَ فَشَبِعَ، وَأَكْثَرَ الصَّلَاةَ وَالصِّيَامَ، وَرَجُلُ أَقَلَّ الْأَكْلَ، فَقَلَّتْ نَوَافِلُهُ وَكَانَ أَكْثَرَ فِكْرًا، أَيُّهُمَا أَفْضَلُ؟ فَذَكَرَ مَا جَاءَ فِي الْفِكْرِ «تَفَكُّرُ سَاعَةٍ خَيْرٌ مِنْ قِيَامِ لَيْلَةٍ» قَالَ: فَرَأَيْت هَذَا عِنْدَهُ أَفْضَلَ لِلْفِكْرِ وَمَا خَالَفَ الْمُصْحَفَ، وَصَحَّ سَنَدُهُ، صَحَّتْ الصَّلَاةُ بِهِ. وَهَذَا نَصُّ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ، وَمُصْحَفُ عُثْمَانَ أَحَدُ الْحُرُوفِ السَّبْعَةِ، وَقَالَهُ عَامَّةُ السَّلَفِ وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ. وَيُكْرَهُ أَنْ يَقُولَ مَعَ إمَامِهِ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] وَنَحْوَهُ. وَقِرَاءَةُ الْمَأْمُومِ خَلْفَ الْإِمَامِ أُصُولُ الْأَقْوَالِ فِيهَا ثَلَاثَةٌ طَرَفَانِ وَوَسَطٌ فَأَحَدُ الطَّرَفَيْنِ لَا يَقْرَأُ بِحَالٍ، وَالثَّانِي يَقْرَأُ بِكُلِّ حَالٍ، وَالثَّالِثُ وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ السَّلَفِ إذَا سَمِعَ قِرَاءَةَ الْإِمَامِ أَنْصَتَ وَإِذَا لَمْ يَسْمَعْ قَرَأَ بِنَفْسِهِ فَإِنَّ قِرَاءَتَهُ أَفْضَلُ مِنْ سُكُوتِهِ، وَالِاسْتِمَاعُ لِقِرَاءَةِ الْإِمَامِ أَفْضَلُ مِنْ السُّكُوتِ. وَعَلَى هَذَا فَهَلْ الْقِرَاءَةُ حَالَ مُخَافَتَةِ الْإِمَامِ وَاجِبَةٌ عَلَى الْمَأْمُومِ، أَوْ مُسْتَحَبَّةٌ عَلَى قَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ أَشْهُرُهُمَا أَنَّهَا مُسْتَحَبَّةٌ، وَلَا يَقْرَأُ حَالَ تَنَفُّسِ إمَامِهِ، وَإِذَا سَمِعَ هَمْهَمَةَ الْإِمَامِ، وَلَمْ يَفْهَمْ قِرَاءَتَهُ قَرَأَ لِنَفْسِهِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ.

стр. 2242

وَأَحْمَدُ وَغَيْرُهُ اسْتَحَبَّ، فِي صَلَاةِ الْجَهْرِ سَكْتَتَيْنِ عَقِيبَ التَّكْبِيرِ لِلِاسْتِفْتَاحِ، وَقَبْلَ الرُّكُوعِ لِأَجْلِ الْفَصْلِ، وَلَمْ يَسْتَحِبَّ أَنْ يَسْكُتَ سَكْتَةً تَتَّسِعُ لِقِرَاءَةِ الْمَأْمُومِ، وَلَكِنَّ بَعْضَ أَصْحَابِهِ اسْتَحَبَّ ذَلِكَ وَالْقِرَاءَةُ إذَا سَمِعَ، هَلْ هِيَ مُحَرَّمَةٌ أَوْ مَكْرُوهَةٌ وَهَلْ تَبْطُلُ الصَّلَاةُ إنْ قَرَأَ عَلَى قَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ. أَحَدُهُمَا: الْقِرَاءَةُ مُحَرَّمَةٌ وَتَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِهَا حَكَاهُ ابْنُ حَامِدٍ. وَالثَّانِي: لَا تَبْطُلُ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ أَحْمَدَ، وَهَلْ الْأَفْضَلُ لِلْمَأْمُومِ قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ لِلِاخْتِلَافِ فِي وُجُوبِهَا، أَمْ غَيْرِهَا؛ لِأَنَّهُ اسْتَمَعَهَا مُقْتَضَى نُصُوصِ أَحْمَدَ، وَأَكْثَرِ أَصْحَابِهِ أَنَّ الْقِرَاءَةَ بِغَيْرِهَا أَفْضَلُ. قُلْت: فَمُقْتَضَى هَذَا أَنَّهُ إنَّمَا يَكُونُ غَيْرُهَا أَفْضَلَ إذَا سَمِعَهَا وَإِلَّا فَهِيَ أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِهَا. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَلَا يَسْتَفْتِحُ وَلَا يَسْتَعِيذُ حَالَ جَهْرِ الْإِمَامِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ وَمِنْ أَصْحَابِ أَحْمَدَ، مَنْ قَالَ لَا يَسْتَفْتِحُ وَلَا يَسْتَعِيذُ حَالَ جَهْرِ الْإِمَامِ رِوَايَةً وَاحِدَةً، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ حَالَ سُكُوتِ الْإِمَامِ، وَالْمَعْرُوفُ عِنْدَ أَصْحَابِهِ أَنَّ النِّزَاعَ فِي حَالِ الْجَهْلِ؛ لِأَنَّهُ بِالِاسْتِمَاعِ يَحْصُلُ مَقْصُودُ الْقِرَاءَةِ بِخِلَافِ الِاسْتِفْتَاحِ وَالتَّعَوُّذِ، وَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ مِنْ قِرَاءَةِ الْمَأْمُومِ وَقْتَ مُخَافَتَةِ الْإِمَامِ أَفْضَلُ مِنْ اسْتِفْتَاحِهِ: غَلَطٌ، بَلْ قَوْلُ أَحْمَدَ وَأَكْثَرِ أَصْحَابِهِ الِاسْتِفْتَاحُ أَوْلَى؛ لِأَنَّ اسْتِمَاعَهُ بَدَلٌ عَنْ قِرَاءَتِهِ، وَالْمَرْأَةُ إذَا صَلَّتْ بِالنِّسَاءِ جَهَرَتْ بِالْقِرَاءَةِ وَإِلَّا فَلَا تَجْهَرُ إذَا صَلَّتْ وَحْدَهَا. وَنَقَلَ ابْنُ أَصْرَمَ عَنْ أَحْمَدَ فِي مَنْ جَهِلَ مَا قَرَأَ بِهِ إمَامُهُ يُعِيدُ الصَّلَاةَ، قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ بْنُ شَاقِلَا: لِأَنَّهُ لَمْ يَدْرِ هَلْ قَرَأَ إمَامُهُ الْحَمْدَ أَمْ لَا، وَلَا مَانِعَ مِنْ السَّمَاعِ، وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: بَلْ لِتَرْكِهِ الْإِنْصَاتَ الْوَاجِبَ. وَحَدِيثُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى أَنَّهُ «صَلَّى مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَكَانَ لَا يُتِمُّ تَكْبِيرَهُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالْبُخَارِيُّ فِي التَّارِيخِ. وَقَدْ حُكِيَ عَنْ أَبِي دَاوُد الطَّيَالِسِيِّ أَنَّهُ قَالَ حَدِيثٌ بَاطِلٌ. قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ وَهَذَا وَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا فَلَعَلَّ ابْنَ أَبْزَى صَلَّى خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ فِي مُؤَخَّرِ الْمَسْجِدِ وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ صَوْتُهُ ضَعِيفًا فَلَمْ يَسْمَعْ تَكْبِيرَهُ فَاعْتَقَدَ أَنَّهُ لَمْ يُتِمَّ التَّكْبِيرَ وَإِلَّا فَالْأَحَادِيثُ الْمُتَوَاتِرَةُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ خِلَافُ هَذَا.

стр. 2243

وَرَوَى أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ النَّخَعِيِّ: إنَّ أَوَّلَ مَنْ نَقَصَ التَّكْبِيرَ زِيَادٌ وَكَانَ أَمِيرًا فِي زَمَنِ عُمَرَ، وَإِذَا رَفَعَ الْإِمَامُ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ يَقُولُ: رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ مِلْءَ السَّمَوَاتِ وَمِلْءَ الْأَرْضِ وَمِلْءَ مَا شِئْت مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ " وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ وَاخْتَارَهَا أَبُو الْخَطَّابِ، وَالْآجُرِّيُّ، وَأَبُو الْبَرَكَاتِ. وَيُسَنُّ رَفْعُ الْيَدَيْنِ إذَا قَامَ الْمُصَلِّي مِنْ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ إلَى الثَّالِثَةِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، اخْتَارَهَا أَبُو الْبَرَكَاتِ، كَمَا يُسَنُّ فِي الرُّكُوعِ وَالرَّفْعِ مِنْهُ، وَمَنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى رَفْعِ يَدَيْهِ إلَّا بِزِيَادَةٍ عَلَى أُذُنَيْهِ رَفَعَهُمَا؛ لِأَنَّهُ يَأْتِي بِالسُّنَّةِ وَزِيَادَةٍ لَا يُمْكِنُهُ تَرْكُهَا. وَتَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِتَعَمُّدِ تَكْرَارِ الرُّكْنِ الْفِعْلِيِّ لَا الْقَوْلِيِّ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ، وَمَنْ لَمْ يُحْسِنْ الْقِرَاءَةَ وَلَا الذِّكْرَ أَوْ الْأَخْرَسُ لَا يُحَرِّكُ لِسَانَهُ حَرَكَةً مُجَرَّدَةً، وَلَوْ قِيلَ إنَّ الصَّلَاةَ تَبْطُلُ بِذَلِكَ كَانَ أَقْرَبَ؛ لِأَنَّهُ عَبَثٌ يُنَافِي الْخُشُوعَ وَزِيَادَةٌ عَلَى غَيْرِ الْمَشْرُوعِ. وَآلُ النَّبِيِّ ﷺ أَهْلُ بَيْتِهِ، وَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ وَاخْتَارَهُ الشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ وَغَيْرُهُ، فَمِنْهُمْ بَنُو هَاشِمٍ، وَفِي بَنِي الْمُطَّلِبِ الرِّوَايَتَانِ فِي الزَّكَاةِ، وَفِي دُخُولِ أَزْوَاجِهِ فِي أَهْلِ بَيْتِهِ رِوَايَتَانِ، وَالْمُخْتَارُ الدُّخُولُ. وَأَفْضَلُ أَهْلِ بَيْتِهِ عَلِيٌّ، وَفَاطِمَةُ، وَحَسَنٌ، وَحُسَيْنٌ الَّذِينَ أَدَارَ عَلَيْهِمْ الْكِسَاءَ وَخَصَّهُمْ بِالدُّعَاءِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ أَبِي الْعَبَّاسِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَنَّ حَمْزَةَ أَفْضَلُ مِنْ حَسَنٍ، وَحُسَيْنٍ، وَاخْتَارَهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ، وَلَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ عَلَى غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ إذَا اُتُّخِذَتْ شِعَارًا، وَهُوَ قَوْلٌ مُتَوَسِّطٌ بَيْنَ مَنْ قَالَ بِالْمَنْعِ مُطْلَقًا، وَهُوَ قَوْلُ طَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِنَا، وَمَنْ قَالَ بِالْجَوَازِ مُطْلَقًا وَهُوَ مَنْصُوصُ أَحْمَدَ. وَيُسْتَحَبُّ الْجَهْرُ بِالتَّسْبِيحِ وَالتَّحْمِيدِ لَا التَّكْبِيرُ عَقِيبَ الصَّلَاةِ لَا قَالَهُ بَعْضُ السَّلَفِ وَلَا الْخَلْفِ، لَا يَقْرَأُ آيَةَ الْكُرْسِيِّ سِرًّا لَا جَهْرًا لِعَدَمِ نَقْلِهِ. وَالتَّسْبِيحُ الْمَأْثُورُ أَنْوَاعٌ: أَحَدُهَا: أَنْ يُسَبِّحَ عَشْرًا، وَيَحْمَدَ عَشْرًا، وَيُكَبِّرَ عَشْرًا. وَالثَّانِي: أَنْ يُسَبِّحَ إحْدَى عَشْرَةَ، وَيَحْمَدَ إحْدَى عَشْرَةَ، وَيُكَبِّرَ إحْدَى عَشْرَةَ. وَالثَّالِثُ: أَنْ يُسَبِّحَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَيَحْمَدَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَيُكَبِّرَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، فَيَكُونَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ.

стр. 2244

وَالرَّابِعُ: أَنْ يَقُولَ ذَلِكَ، وَيَخْتِمَ الْمِائَةَ بِالتَّوْحِيدِ التَّامِّ: وَهُوَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٍ. الْخَامِسُ: أَنْ يُسَبِّحَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَيَحْمَدَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَيُكَبِّرَ أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ. السَّادِسُ: أَنْ يُسَبِّحَ خَمْسًا وَعِشْرِينَ، وَيَحْمَدَ خَمْسًا وَعِشْرِينَ، وَيُكَبِّرَ خَمْسًا وَعِشْرِينَ، وَيَقُولَ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. خَمْسًا وَعِشْرِينَ، وَلَا يُسْتَحَبُّ الدُّعَاءُ عَقِيبَ الصَّلَوَاتِ لِغَيْرِ عَارِضٍ كَالِاسْتِسْقَاءِ وَالِانْتِصَارِ، أَوْ تَعْلِيمِ الْمَأْمُومِ وَلَمْ تَسْتَحِبَّهُ الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ وَمَا جَاءَ فِي خَبَرِ ثَوْبَانَ مِنْ أَنَّ الْإِمَامَ إذَا خَصَّ نَفْسَهُ بِالدُّعَاءِ فَقَدْ خَانَ الْمُؤْمِنِينَ، الْمُرَادُ بِهِ الدُّعَاءُ الَّذِي يُؤَمِّنُ عَلَيْهِ كَدُعَاءِ الْقُنُوتِ فَإِنَّ الْمَأْمُومَ إذَا أَمَّنَ كَانَ دَاعِيًا. قَالَ تَعَالَى لِمُوسَى وَهَارُونَ: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ [يونس: ٨٩] وَكَانَ أَحَدُهُمَا يَدْعُو وَالْآخَرُ يُؤَمِّنُ وَالْمَأْمُومُ إنَّمَا أَمَّنَ لِاعْتِقَادِهِ أَنَّ الْإِمَامَ يَدْعُو لَهُمَا فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَقَدْ خَانَ الْإِمَامُ الْمَأْمُومَ. وَيُسَنُّ لِلدَّاعِي رَفْعُ يَدَيْهِ وَالِابْتِدَاءُ بِالْحَمْدِ لِلَّهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ، وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَأَنْ يَخْتِمَهُ بِذَلِكَ كُلِّهِ وَبِالتَّأْمِينِ، وَصِفَةُ الْمَشْرُوعِ فِي الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ مَا صَحَّتْ بِهِ الْأَخْبَارُ. قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: الْأَحَادِيثُ الَّتِي فِي الصِّحَاحِ لَمْ أَجِدْ فِي شَيْءٍ مِنْهَا: «كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ» بَلْ الْمَشْهُورُ فِي أَكْثَرِ الْأَحَادِيثِ وَالطُّرُقِ لَفْظُ " وَآلِ إبْرَاهِيمَ " بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ، عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مَوْقُوفًا عَلَى ابْنِ مَسْعُودٍ. قُلْت: بَلْ رَوَى الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَاتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ أَفْضَلُ الرُّسُلِ لَكِنْ وَقَعَ النِّزَاعُ فِي أَنَّهُ هَلْ هُوَ أَفْضَلُ مِنْ جُمْلَتِهِمْ قَطَعَ طَائِفَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ بِأَنَّهُ وَحْدَهُ أَفْضَلُ مِنْ جُمْلَتِهِمْ كَمَا أَنَّ صَدِيقَهُ وُزِنَ بِمَجْمُوعِ الْأُمَّةِ فَرَجَحَ بِهِمْ. وَقَدْ أَنْكَرَ طَائِفَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي زَيْدٍ فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ : «اللَّهُمَّ ارْحَمْ مُحَمَّدًا وَآلَ مُحَمَّدٍ» لِأَنَّهُ خِلَافُ الْوَارِدِ فِي تَعْلِيمِ الصَّلَاةِ. قُلْت: وَحَكَى الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ " الْمَنْعَ قَوْلَ الْأَكْثَرِينَ، وَاَللَّهُ

стр. 2245

أَعْلَمُ. وَيَحْرُمُ الِاعْتِدَاءُ فِي الدُّعَاءِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى إنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ، وَقَدْ يَكُونُ الِاعْتِدَاءُ فِي نَفْسِ الطَّلَبِ وَقَدْ يَكُونُ فِي نَفْسِ الْمَطْلُوبِ. وَلَا يُكْرَهُ رَفْعُ بَصَرِهِ إلَى السَّمَاءِ فِي الدُّعَاءِ لِفِعْلِهِ ﷺ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَلَا يُسْتَحَبُّ. وَإِذَا لَمْ يُخْلِصْ الدَّاعِي الدُّعَاءَ، وَلَمْ يَجْتَنِبْ الْحَرَامَ تَبْعُدُ إجَابَتُهُ إلَّا مُضْطَرًّا أَوْ مَظْلُومًا، وَيُسْتَحَبُّ لِلْمُصَلِّي أَنْ يَدْعُوَ قَبْلَ السَّلَامِ بِمَا أَوْصَى بِهِ النَّبِيُّ ﷺ لِمُعَاذٍ أَنْ يَقُولَهُ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ: «اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِك وَشُكْرِك وَحُسْنِ عِبَادَتِك» وَلَا يُفْرِدُ الْمُنْفَرِدُ ضَمِيرَ الدُّعَاءِ؛ لِأَنَّهُ يَدْعُو لِنَفْسِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَيَكُونُ دُعَاءُ الِاسْتِخَارَةِ قَبْلَ السَّلَامِ. وَقَالَ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ: بَلْ وَالدُّعَاءُ سَبَبٌ لِجَلْبِ الْمَنَافِعِ وَدَفْعِ الْمَضَارِّ؛ لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ يُثَابُ عَلَيْهَا الدَّاعِي، وَلَا يَحْصُلُ بِهَا جَلْبُ الْمَنَافِعِ وَدَفْعُ الْمَضَارِّ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، وَإِذَا ارْتَاضَتْ نَفْسُ الْعَبْدِ عَلَى الطَّاعَةِ، وَانْشَرَحَتْ بِهَا، وَتَنَعَّمَتْ بِهَا، وَبَادَرَتْ إلَيْهَا طَوَاعِيَةً، وَمَحَبَّةً: كَانَ أَفْضَلَ مِمَّنْ يُجَاهِدُ نَفْسَهُ عَلَى الطَّاعَاتِ وَيُكْرِهُهَا عَلَيْهَا. وَهُوَ قَوْلُ الْجُنَيْدِ وَجَمَاعَةٍ مِنْ عُبَّادِ الْبَصْرَةِ، وَالتَّكْبِيرُ مَشْرُوعٌ فِي الْأَمَاكِنِ الْعَالِيَةِ وَحَالَ ارْتِفَاعِ الْعَبْدِ، وَحَيْثُ يَقْصِدُ الْإِعْلَانَ: كَالتَّكْبِيرِ فِي الْأَذَانِ وَالْأَعْيَادِ وَإِذَا عَلَا شَرَفًا، وَإِذَا رَقَى الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ، وَإِذَا رَكِبَ دَابَّةً، وَالتَّسْبِيحُ فِي الْأَمَاكِنِ الْمُنْخَفِضَةِ، كَمَا فِي السُّنَنِ عَنْ جَابِرٍ: «كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَإِذَا عَلَوْنَا كَبَّرْنَا وَإِذَا هَبَطْنَا سَبَّحْنَا فَوُضِعَتْ الصَّلَاةُ عَلَى ذَلِكَ» . وَفِي نَهْيِهِ ﷺ عَنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ أَشْرَفُ الْكَلَامِ، إذْ هُوَ كَلَامُ اللَّهِ، وَحَالَةُ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ ذُلٌّ وَانْخِفَاضٌ مِنْ الْعَبْدِ، فَمِنْ الْأَدَبِ مَنْعُ كَلَامِ اللَّهِ أَنْ لَا يُقْرَأَ فِي هَاتَيْنِ الْحَالَتَيْنِ وَالِانْتِظَارُ أَوْلَى. [بَابُ مَا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ وَمَا يُكْرَهُ فِيهَا] وَالنَّفْخُ إذَا بَانَ مِنْهُ حَرْفَانِ هَلْ تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِهِ أَمْ لَا؟ فِي الْمَسْأَلَةِ عَنْ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ رِوَايَتَانِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ أَبِي الْعَبَّاسِ تَرْجِيحُ عَدَمِ الْإِبْطَالِ. وَالسُّعَالُ، وَالْعُطَاسُ، وَالتَّثَاؤُبُ، وَالْبُكَاءُ، وَالتَّأَوُّهُ، وَالْأَنِينُ الَّذِي يُمْكِنُ دَفْعُهُ،

стр. 2246

فَهَذِهِ الْأَشْيَاءُ كَالنَّفْخِ، فَالْأَوْلَى أَنْ لَا تُبْطِلَ، فَإِنَّ النَّفْخَ أَشْبَهُ بِالْكَلَامِ مِنْ هَذِهِ وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الصَّلَاةَ تَبْطُلُ بِالْقَهْقَهَةِ إذَا كَانَ فِيهَا أَصْوَاتٌ عَالِيَةٌ تُنَافِي الْخُشُوعَ الْوَاجِبَ فِي الصَّلَاةِ، وَفِيهَا مِنْ الِاسْتِخْفَافِ وَالتَّلَاعُبِ مَا يُنَاقِضُ مَقْصُودَ الصَّلَاةِ فَأُبْطِلَتْ لِذَلِكَ لَا لِكَوْنِهَا كَلَامًا. وَيَقْطَعُ الصَّلَاةَ الْمَرْأَةُ، وَالْحِمَارُ، وَالْكَلْبُ الْأَسْوَدُ، وَالْبَهِيمُ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَحْمَدَ ﵀. وَالْمَشْهُورُ عَنْ الْأَئِمَّةِ إذَا غَلَبَ الْوَسْوَاسُ عَلَى أَكْثَرِ الصَّلَاةِ أَنَّهَا لَا تَبْطُلُ، وَيَسْقُطُ الْفَرْضُ بِذَلِكَ. وَقَالَ أَبُو حَامِدٍ الْغَزَالِيُّ فِي " الْإِحْيَاءِ " وَتَبِعَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: تَبْطُلُ، وَعَلَى الْأَوَّلِ لَا يُثَابُ إلَّا عَلَى مَا عَلِمَهُ بِقَلْبِهِ فَلَا يُكَفَّرُ مِنْ سَيِّئَاتِهِ إلَّا بِقَدْرِهِ، فَالْبَاقِي يَحْتَاجُ إلَى تَكْفِيرٍ، فَإِذَا تَرَكَ وَاجِبًا اسْتَحَقَّ الْعُقُوبَةَ. فَإِذَا كَانَ لَهُ تَطَوُّعٌ سَدَّ مَسَدَهُ، فَكَمَّلَ ثَوَابَهُ، وَهَذَا كَلَامُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي يَقْصِدُ الْعِبَادَةَ لِلَّهِ بِقَلْبِهِ مَعَ الْوَسْوَاسِ، وَأَمَّا الْمُنَافِقُ الَّذِي لَا يُصَلِّي إلَّا رِيَاءً وَسُمْعَةً فَهَذَا عَمَلُهُ حَابِطٌ لَا يَحْصُلُ بِهِ ثَوَابٌ، وَلَا يَرْتَفِعُ بِهِ عِقَابٌ، وَابْنُ حَامِدٍ وَنَحْوُهُ سَدَّدَ بَيْنَ النَّوْعَيْنِ. فَإِنَّ كِلَيْهِمَا إنَّمَا تُسْقِطُ عَنْهُ الصَّلَاةُ الْقَتْلَ فِي الدُّنْيَا مِنْ غَيْرِ أَنْ تَبْرَأَ ذِمَّتُهُ، وَلَا تُرْفَعُ عَنْهُ عُقُوبَةُ الْآخِرَةِ، وَالتَّسْوِيَةُ بَيْنَ الْمُؤْمِنِ وَالْمُنَافِقِ فِي الصَّلَاةِ خَطَأٌ. وَلَا بَأْسَ بِالسَّلَامِ عَلَى الْمُصَلِّي إنْ كَانَ يُحْسِنُ الرَّدَّ بِالْإِشَارَةِ، وَقَالَهُ طَائِفَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ، وَلَا يُثَابُ عَلَى عَمَلٍ مَشُوبٍ إجْمَاعًا، وَمَنْ صَلَّى لِلَّهِ ثُمَّ حَسَّنَهَا وَأَكْمَلَهَا لِلنَّاسِ أُثِيبَ عَلَى مَا أَخْلَصَهُ لِلَّهِ لَا عَلَى مَا عَمِلَهُ لِلنَّاسِ، وَلَا يَظْلِمُ رَبُّك أَحَدًا. وَلَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِكَلَامِ النَّاسِي وَالْجَاهِلِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ وَلَا مِمَّا إذَا أَبْدَلَ ضَادًا بِظَاءٍ، وَهُوَ وَجْهٌ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ، وَقَالَهُ طَائِفَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ. وَلَا بَأْسَ بِالْقِرَاءَةِ لَحْنًا غَيْرَ مُخِلٍّ لِلْمَعْنَى عَجْزًا، وَقَدْ أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَذْهَبَ إلَى النَّعْلِ، فَيَأْخُذَهُ وَيَقْتُلُ بِهِ الْحَيَّةَ أَوْ الْعَقْرَبَ، ثُمَّ يُعِيدُهُ إلَى مَكَانِهِ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ الْمُصَلِّي مِنْ الْأَفْعَالِ، وَكَانَ أَبُو بَرْزَةَ وَمَعَهُ فَرَسُهُ وَهُوَ يُصَلِّي كُلَّمَا خَطَا يَخْطُو مَعَهُ خَشْيَةَ أَنْ يَنْفَلِتَ. وَقَالَ أَحْمَدُ: إنْ فَعَلَ كَمَا فَعَلَ أَبُو بَرْزَةَ فَلَا بَأْسَ، وَظَاهِرُ مَذْهَبِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ أَنَّ

стр. 2247

هَذَا لَا يُقَدَّرُ بِثَلَاثِ خُطُوَاتٍ وَلَا ثَلَاثِ فِعْلَاتٍ، كَمَا مَضَتْ بِهِ السُّنَّةُ، وَمَنْ قَيَّدَهَا بِثَلَاثٍ كَمَا يَقُولُهُ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ، فَإِنَّمَا ذَلِكَ إذَا كَانَتْ مُتَّصِلَةً، وَأَمَّا إذَا كَانَتْ مَوْقُوفَةً فَيَجُوزُ وَإِنْ زَادَتْ عَلَى ثَلَاثٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [بَابُ سُجُودِ التِّلَاوَةِ] ِ قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: وَاَلَّذِي تَبَيَّنَ لِي أَنَّ سُجُودَ التِّلَاوَةِ وَاجِبٌ مُطْلَقًا فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ، وَمَذْهَبُ طَائِفَةٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ، وَلَا يُشْرَعُ فِيهِ تَحْرِيمٌ وَلَا تَحْلِيلٌ هَذَا هُوَ السُّنَّةُ الْمَعْرُوفَةُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَعَلَيْهَا عَامَّةُ السَّلَفِ. وَعَلَى هَذَا فَلَيْسَ هُوَ صَلَاةً فَلَا يُشْتَرَطُ لَهُ شُرُوطُ الصَّلَاةِ، بَلْ يَجُوزُ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ، وَاخْتَارَهَا الْبُخَارِيُّ لَكِنَّ السُّجُودَ بِشُرُوطِ الصَّلَاةِ أَفْضَلُ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُخِلَّ بِذَلِكَ إلَّا لِعُذْرٍ، فَالسُّجُودُ بِلَا طَهَارَةٍ خَيْرٌ مِنْ الْإِخْلَالِ بِهِ، لَكِنْ يُقَالُ إنَّهُ لَا يَجِبُ فِي هَذَا الْحَالِ. كَمَا لَا يَجِبُ عَلَى السَّامِعِ إذَا لَمْ يَسْجُدْ قَارِئُ السُّجُودِ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ السُّجُودُ جَائِزًا عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَسْجُدَ عَنْ قِيَامٍ، وَقَالَهُ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَدَ، وَالشَّافِعِيِّ. وَسُجُودُ الشُّكْرِ لَا يَفْتَقِرُ إلَى طَهَارَةٍ: كَسُجُودِ التِّلَاوَةِ، وَوَافَقَ أَبُو الْعَبَّاسِ عَلَى سُجُودِ السَّهْوِ فِي اشْتِرَاطِ الطَّهَارَةِ. وَلَوْ أَرَادَ الْإِنْسَانُ الدُّعَاءَ فَعَفَّرَ وَجْهَهُ لِلَّهِ فِي التُّرَابِ، وَسَجَدَ لَهُ لِيَدْعُوَهُ، فَهَذَا سُجُودٌ لِأَجْلِ الدُّعَاءِ وَلَا شَيْءَ يَمْنَعُهُ، وَابْنُ عَبَّاسٍ سَجَدَ سُجُودًا مُجَرَّدًا لَمَّا جَاءَ نَعْيُ بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَقَدْ قَالَ ﷺ : «إذَا رَأَيْتُمْ آيَةً فَاسْجُدُوا» وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ السُّجُودَ يُشْرَعُ عِنْدَ الْآيَاتِ، فَالْمَكْرُوهُ هُوَ. وَمِنْ الْبِدَعِ إنْ صَلَّى الصُّبْحَ أَوْ غَيْرَهَا مِنْ الصَّلَوَاتِ سَجَدَ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْهَا وَقَبَّلَ الْأَرْضَ، وَذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ أَنَّ هَذَا السُّجُودَ مِنْ الْمُنْكَرَاتِ، وَأَمَّا تَقْبِيلُ الْأَرْضِ، وَنَحْوُ ذَلِكَ، مِمَّا فِيهِ السُّجُودُ مِمَّا يُفْعَلُ قُدَّامَ بَعْضِ الشُّيُوخِ وَبَعْضِ الْمُلُوكِ فَلَا

стр. 2248

يَجُوزُ، بَلْ لَا يَجُوزُ الِانْحِنَاءُ كَالرُّكُوعِ أَيْضًا، أَمَّا إذَا أُكْرِهَ عَلَى ذَلِكَ بِحَيْثُ إنَّهُ لَوْ لَمْ يَفْعَلْهُ يَحْصُلُ لَهُ ضَرَرٌ فَلَا بَأْسَ، وَأَمَّا إنْ فَعَلَ لِنَيْلِ الرِّيَاسَةِ وَإِلْمَامٍ فَحَرَامٌ. [بَابُ سُجُودِ السَّهْوِ] يُشْرَعُ لِلسَّهْوِ لَا لِلْعَمْدِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَمَنْ شَكَّ فِي عَدَدِ الرَّكَعَاتِ بَنَى عَلَى غَالِبِ ظَنِّهِ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ، وَهُوَ مَذْهَبُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَغَيْرِهِمَا، وَعَلَى هَذَا عَامَّةُ أُمُورِ الشَّرْعِ، وَيُقَالُ مِثْلُهُ فِي الطَّوَافِ، وَالسَّعْيِ، وَرَمْيِ الْجِمَارِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَأَظْهَرُ الْأَقْوَالِ. وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ فَرَّقَ بَيْنَ الزِّيَادَةِ وَالنَّقْصِ، وَبَيْنَ الشَّكِّ مَعَ التَّحَرِّي وَالشَّكِّ مَعَ الْبِنَاءِ عَلَى الْيَقِينِ فَإِذَا كَانَ السُّجُودُ لِنَقْصٍ كَانَ قَبْلَ السَّلَامِ؛ لِأَنَّهُ جَابِرٌ لِيُتِمَّ الصَّلَاةَ بِهِ، وَإِنْ كَانَ لِزِيَادَةٍ كَانَ بَعْدَ السَّلَامِ لِأَنَّهُ إرْغَامٌ لِلشَّيْطَانِ لِئَلَّا يَجْمَعَ بَيْنَ زِيَادَتَيْنِ فِي الصَّلَاةِ، كَذَلِكَ إذَا شَكَّ وَتَحَرَّى فَإِنَّهُ يُتِمُّ صَلَاتَهُ، وَإِنَّمَا السَّجْدَتَانِ إرْغَامٌ لِلشَّيْطَانِ فَتَكُونَانِ بَعْدَهُ. وَكَذَلِكَ إذَا سَلَّمَ وَقَدْ بَقِيَ عَلَيْهِ بَعْضُ صَلَاتِهِ ثُمَّ أَكْمَلَهَا فَقَدْ أَتَمَّهَا، وَالسَّلَامُ فِيهَا زِيَادَةٌ، وَالسُّجُودُ فِي ذَلِكَ بَعْدَ السَّلَامِ تَرْغِيمًا لِلشَّيْطَانِ، وَأَمَّا إذَا شَكَّ وَلَمْ يَبِنْ لَهُ الرَّاجِحُ فَيَعْمَلُ هُنَا عَلَى الْيَقِينِ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ صَلَّى خَمْسًا أَوْ أَرْبَعًا فَإِنْ كَانَ صَلَّى خَمْسًا فَالسَّجْدَتَانِ يَشْفَعَانِ لَهُ صَلَاتَهُ لِيَكُونَ كَأَنَّهُ صَلَّى لِلَّهِ سِتًّا لَا خَمْسًا. وَهَذَا إنَّمَا يَكُونُ قَبْلَ السَّلَامِ فَهَذَا الَّذِي بَصِرْنَاهُ يُسْتَعْمَلُ فِيهِ جَمِيعُ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ، وَمَا شُرِعَ قَبْلَ السَّلَامِ يَجِبُ فِعْلُهُ قَبْلَ السَّلَامِ، وَمَا شُرِعَ بَعْدَ السَّلَامِ لَا يُفْعَلُ إلَّا بَعْدَهُ وُجُوبًا، وَهَذَا أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ، وَعَلَيْهِ يَدُلُّ كَلَامُ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ مِنْ الْأَئِمَّةِ، وَهَلْ يَتَشَهَّدُ وَيُسَلِّمُ إذَا سَجَدَ بَعْدَ السَّلَامِ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: ثَالِثُهَا الْمُخْتَارُ يُسَلِّمُ، وَلَا يَتَشَهَّدُ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ سِيرِينَ. وَوَجْهٌ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ وَالْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ. وَالتَّكْبِيرُ لِسُجُودِ السَّهْوِ ثَابِتٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ قَوْلُ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَإِنْ نَسِيَ سُجُودَ السَّهْوِ سَجَدَ وَلَوْ طَالَ الْفَصْلُ وَتَكَلَّمَ أَوْ خَرَجَ مِنْ الْمَسْجِدِ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ.

стр. 2249

[بَابُ صَلَاةِ التَّطَوُّعِ] وَالتَّطَوُّعُ يَكْمُلُ بِهِ صَلَاةُ الْفَرْضِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إنْ لَمْ يَكُنْ الْمُصَلِّي أَتَمَّهَا وَفِيهِ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي الْمُسْنَدِ، وَكَذَلِكَ الزَّكَاةُ وَبَقِيَّةُ الْأَعْمَالِ. وَاسْتِيعَابُ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ بِالْعِبَادَةِ لَيْلًا وَنَهَارًا أَفْضَلُ مِنْ جِهَادٍ لَمْ يَذْهَبْ فِيهِ نَفْسُهُ وَمَالُهُ، وَالْعِبَادَةُ فِي غَيْرِهِ تَعْدِلُ الْجِهَادَ لِلْأَخْبَارِ الصَّحِيحَةِ الْمَشْهُورَةِ، وَقَدْ رَوَاهَا أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ. وَالْعَمَلُ بِالْقَوْسِ وَالرُّمْحِ أَفْضَلُ مِنْ الرِّبَاطِ فِي الثَّغْرِ وَفِي غَيْرِهِ نَظِيرُهَا وَمِنْ طَلَبِ الْعِلْمَ أَوْ فِعْلِ غَيْرِهِ مِمَّا هُوَ آجِرٌ فِي نَفْسِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَحَبَّةِ لَهُ لَا لِلَّهِ وَلَا لِغَيْرِهِ مِنْ الشُّرَكَاءِ فَلَيْسَ مَذْمُومًا بَلْ قَدْ يُثَابُ بِأَنْوَاعٍ مِنْ الثَّوَابِ إمَّا بِزِيَادَةٍ فِيهَا، وَفِي أَمْثَالِهَا فَتَنْعَمُ بِذَلِكَ، وَإِمَّا بِغَيْرِ ذَلِكَ. وَتَعَلُّمُ الْعِلْمِ وَتَعْلِيمُهُ يَدْخُلُ بَعْضُهُ فِي الْجِهَادِ، وَأَنَّهُ مِنْ أَنْوَاعِ الْجِهَادِ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ. وَأَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَالِمٌ لَمْ يَنْفَعْهُ اللَّهُ بِعِلْمِهِ، فَذَنْبُهُ مِنْ جِنْسِ ذَنْبِ الْيَهُودِ. وَالْمُتَأَخِّرُونَ مِنْ أَصْحَابِنَا أَطْلَقُوا الْقَوْلَ بِأَنَّ أَفْضَلَ مَا تَطَوَّعَ بِهِ الْجِهَادُ، وَذَلِكَ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَفْعَلَهُ تَطَوُّعًا بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ لَيْسَ بِفَرْضِ عَيْنٍ عَلَيْهِ بِحَيْثُ إنَّ الْفَرْضَ قَدْ سَقَطَ عَنْهُ وَإِذَا بَاشَرَهُ، وَقَدْ سَقَطَ الْفَرْضُ عَنْهُ، فَهَلْ يَقَعُ فَرْضًا أَوْ نَفْلًا عَلَى وَجْهَيْنِ كَالْوَجْهَيْنِ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ إذَا أَعَادَهَا بَعْدَ أَنْ صَلَّاهَا غَيْرُهُ، وَانْبَنَى عَلَى الْوَجْهَيْنِ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ جَوَازُ فِعْلِهَا بَعْدَ الْفَجْرِ وَالْعَصْرِ مَرَّةً ثَانِيَةً، وَالصَّحِيحُ أَنَّ ذَلِكَ يَقَعُ فَرْضًا وَأَنَّهُ يَجُوزُ فِعْلُهَا بَعْدَ الْفَجْرِ وَالْعَصْرِ، وَإِنْ كَانَ ابْتِدَاءُ الدُّخُولِ فِي ذَلِكَ تَطَوُّعًا كَمَا فِي التَّطَوُّعِ الَّذِي يَلْزَمُ بِالشُّرُوعِ فَإِنَّهُ كَانَ نَفْلًا ثُمَّ يَصِيرُ إتْمَامُهُ فَرْضًا. وَالطَّوَافُ بِالْبَيْتِ أَفْضَلُ مِنْ الصَّلَاةِ فِيهِ، وَهُوَ قَوْلُ الْعُلَمَاءِ وَالذِّكْرُ بِقَلْبٍ أَفْضَلُ مِنْ الْقُرْآنِ بِلَا قَلْبٍ. وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: فِي رَدِّهِ عَلَى الرَّافِضِيِّ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ تَفْضِيلَ أَحْمَدَ لِلْجِهَادِ

стр. 2250

وَالشَّافِعِيِّ لِلصَّلَاةِ وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَمَالِكٍ لِلْعِلْمِ: وَالتَّحْقِيقُ أَنَّهُ لَا بُدَّ لِكُلٍّ مِنْ الْآخَرَيْنِ، وَقَدْ يَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ أَفْضَلُ فِي حَالٍ كَفِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ وَخُلَفَائِهِ بِحَسَبِ الْمَصْلَحَةِ وَالْحَاجَةِ وَيُوَافِقُ هَذَا قَوْلَ إبْرَاهِيمَ بْنِ جَعْفَرٍ لِأَحْمَدَ الرَّجُلُ يَبْلُغُنِي عَنْهُ صَلَاحٌ، فَأَذْهَبُ فَأُصَلِّي خَلْفَهُ قَالَ: قَالَ لِي أَحْمَدُ: اُنْظُرْ إلَى مَا هُوَ أَصْلَحُ لِقَلْبِك فَافْعَلْهُ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: مَعْرِفَةُ الْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ أَعْجَبُ إلَيَّ مِنْ حِفْظِهِ. وَيَجِبُ الْوِتْرُ عَلَى مَنْ يَتَهَجَّدُ بِاللَّيْلِ، وَهُوَ مَذْهَبُ بَعْضِ مَنْ يُوجِبُهُ مُطْلَقًا وَيُخَيَّرُ فِي الْوِتْرِ بَيْنَ فَصْلِهِ وَوَصْلِهِ، وَفِي دُعَائِهِ بَيْنَ فِعْلِهِ وَتَرْكِهِ، وَالْوِتْرُ لَا يُقْضَى إذَا فَاتَ لِفَوَاتِ الْمَقْصُودِ مِنْهُ بِفَوَاتِ وَقْتِهِ، وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ، وَلَا يَقْنُتُ فِي غَيْرِ الْوِتْرِ، إلَّا أَنْ تَنْزِلَ بِالْمُسْلِمِينَ نَازِلَةٌ فَيَقْنُتَ كُلُّ مُصَلٍّ فِي جَمِيعِ الصَّلَوَاتِ، لَكِنَّهُ فِي الْفَجْرِ وَالْمَغْرِبِ آكَدُ بِمَا يُنَاسِبُ تِلْكَ النَّازِلَةِ، وَإِذَا صَلَّى قِيَامَ رَمَضَانَ فَإِنْ قَنَتَ جَمِيعَ الشَّهْرِ، أَوْ نِصْفَهُ الْأَخِيرِ، أَوْ لَمْ يَقْنُتْ بِحَالٍ فَقَدْ أَحْسَنَ وَالتَّرَاوِيحُ إنْ صَلَّاهَا كَمَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ: عِشْرِينَ رَكْعَةً أَوْ: كَمَذْهَبِ مَالِكٍ سِتًّا وَثَلَاثِينَ، أَوْ ثَلَاثَ عَشْرَةَ، أَوْ إحْدَى عَشْرَةَ فَقَدْ أَحْسَنَ. كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ لِعَدَمِ التَّوْقِيفِ فَيَكُونُ تَكْثِيرُ الرَّكَعَاتِ وَتَقْلِيلُهَا بِحَسَبِ طُولِ الْقِيَامِ وَقِصَرِهِ، وَمَنْ صَلَّاهَا قَبْلَ الْعِشَاءِ فَقَدْ سَلَكَ سَبِيلَ الْمُبْتَدِعَةِ الْمُخَالِفِينَ لِلسُّنَّةِ، وَيَقْرَأُ أَوَّلَ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فِي الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ سُورَةَ (الْقَلَمِ) لِأَنَّهَا أَوَّلُ مَا نَزَلَ، وَنَقَلَهُ إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَارِثُ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَهُوَ أَحْسَنُ مِمَّا نَقَلَهُ غَيْرُهُ أَنَّهُ يَبْتَدِئُ بِهَا التَّرَاوِيحَ. وَمِنْ السُّنَنِ الرَّاتِبَةِ قَبْلَ الظُّهْرِ أَرْبَعٌ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَلَيْسَ لِلْعَصْرِ سُنَّةٌ رَاتِبَةٌ وَهُوَ مَذْهَبُ أَحْمَدَ، وَمَا تَبَيَّنَ فِعْلُهُ مُنْفَرِدًا كَقِيَامِ اللَّيْلِ وَصَلَاةِ الضُّحَى وَنَحْوِ ذَلِكَ إنْ فَعَلَ فِي جَمَاعَةٍ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ لَكِنْ لَا يُتَّخَذُ سُنَّةً رَاتِبَةً. وَتُسْتَحَبُّ الْمُدَاوَمَةُ عَلَى صَلَاةِ الضُّحَى إنْ لَمْ يَقُمْ فِي لَيْلَةٍ، وَهُوَ مَذْهَبُ بَعْضِ مَنْ يَسْتَحِبُّ الْمُدَاوَمَةَ عَلَيْهَا مُطْلَقًا. قُلْت: لَكِنْ أَبُو الْعَبَّاسِ لَهُ قَاعِدَةٌ مَعْرُوفَةٌ وَهِيَ مَا لَيْسَ مِنْ السُّنَنِ الرَّاتِبَةِ لَا يُدَاوَمُ

стр. 2251

عَلَيْهِ حَتَّى يَلْحَقَ بِالرَّاتِبِ كَمَا نَصَّ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَلَى عَدَمِ سُورَةِ السَّجْدَةِ، وَهَلْ أَتَى يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَلَا يَجُوزُ التَّطَوُّعُ مُضْطَجِعًا لِغَيْرِ عُذْرٍ، وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ. وَقِرَاءَةُ الْإِدَارَةِ حَسَنَةٌ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ وَمِنْ قِرَاءَةِ الْإِدَارَةِ قِرَاءَتُهُمْ مُجْتَمَعِينَ بِصَوْتٍ وَاحِدٍ وَلِلْمَالِكِيَّةِ وَجْهَانِ فِي كَرَاهَتِهَا، وَكَرِهَهَا مَالِكٌ، وَأَمَّا قِرَاءَةُ وَاحِدٍ وَالْبَاقُونَ يَتَسَمَّعُونَ لَهُ فَلَا يُكْرَهُ بِغَيْرِ خِلَافٍ وَهِيَ مُسْتَحَبَّةٌ، وَهِيَ الَّتِي كَانَ الصَّحَابَةُ يَفْعَلُونَهَا: كَأَبِي مُوسَى وَغَيْرِهِ. وَتَعْلِيمُ الْقُرْآنِ فِي الْمَسْجِدِ لَا بَأْسَ بِهِ، إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ ضَرَرٌ عَلَى الْمَسْجِدِ وَأَهْلِهِ، بَلْ يُسْتَحَبُّ تَعْلِيمُ الْقُرْآنِ فِي الْمَسَاجِدِ. وَقَوْلُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ فِي الرُّجُوعِ إلَى قَوْلِ التَّابِعِيِّ عَامٌّ فِي التَّفْسِيرِ وَغَيْرِهِ. وَقِيَامُ بَعْضِ اللَّيَالِي كُلِّهَا مِمَّا جَاءَتْ بِهِ السُّنَّةُ. وَصَلَاةُ الرَّغَائِبِ بِدْعَةٌ مُحْدَثَةٌ لَمْ يُصَلِّهَا النَّبِيُّ ﷺ وَلَا أَحَدٌ مِنْ السَّلَفِ، وَأَمَّا لَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ فَفِيهَا فَضْلٌ، وَكَانَ فِي السَّلَفِ مَنْ يُصَلِّي فِيهَا، لَكِنَّ الِاجْتِمَاعَ فِيهَا لِإِحْيَائِهَا فِي الْمَسَاجِدِ بِدْعَةٌ وَكَذَلِكَ الصَّلَاةُ الْأَلْفِيَّةُ. وَتَقُولُ الْمَرْأَةُ فِي سَيِّدِ الِاسْتِغْفَارِ وَمَا فِي مَعْنَاهُ: " وَأَنَا أَمَتُك بِنْتُ أَمَتِك أَوْ بِنْتُ عَبْدِك " وَلَوْ قَالَتْ: " وَأَنَا عَبْدُك " فَلَهُ مَخْرَجٌ فِي الْعَرَبِيَّةِ بِتَأْوِيلِ شَخْصٍ، وَتَكْفِيرُ الطَّهَارَةِ، وَالصَّلَاةِ، وَصِيَامِ رَمَضَانَ، وَعَرَفَةَ، وَعَاشُورَاءَ لِلصَّغَائِرِ فَقَطْ، وَكَذَا الْحَجُّ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ وَرَمَضَانَ أَعْظَمُ مِنْهُ وَكَثْرَةُ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَطُولُ الْقِيَامِ سَوَاءٌ فِي الْفَضِيلَةِ، وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَاتِ عَنْ أَحْمَدَ. وَنَصَّ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَأَئِمَّةُ الصَّحَابَةِ عَلَى كَرَاهَةِ صَلَاةِ التَّسْبِيحِ وَلَمْ يَسْتَحِبَّهَا إمَامٌ، وَاسْتَحَبَّهَا ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ صِفَةٍ لَمْ يَرِدْ بِهَا الْخَبَرُ، فَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ، وَمَالِكٌ: فَلَمْ يَسْتَحِبُّوهَا بِالْكُلِّيَّةِ. وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْمَقْدِسِيُّ: لَا بَأْسَ بِهَا فَإِنَّ الْفَضَائِلَ لَا يُشْتَرَطُ لَهَا صِحَّةُ الْخَبَرِ، كَذَا قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: يُعْمَلُ بِالْخَبَرِ الضَّعِيفِ يَعْنِي أَنَّ النَّفْسَ تَرْجُو ذَلِكَ الثَّوَابَ، أَوْ ذَلِكَ الْعِقَابَ، وَمِثْلُهُ التَّرْغِيبُ وَالتَّرْهِيبُ بِالْإِسْرَائِيلِيَّاتِ، وَالْمَنَامَاتِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَجُوزُ بِمُجَرَّدِهِ إثْبَاتُ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ لَا الِاسْتِحْبَابِ وَلَا غَيْرِهِ، لَكِنْ يَجُوزُ ذِكْرُهُ فِي التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ فِيمَا عُلِمَ حُسْنُهُ أَوْ قُبْحُهُ بِأَدِلَّةِ الشَّرْعِ فَإِنَّهُ

стр. 2252

يَنْفَعُ وَلَا يَضُرُّ، وَاعْتِقَادُ مُوجِبِهِ مِنْ قَدْرِ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ يَتَوَقَّفُ عَلَى الدَّلِيلِ الشَّرْعِيِّ، وَقَالَ أَيْضًا فِي التَّيَمُّمِ بِضَرْبَتَيْنِ: يُعْمَلُ بِالْخَبَرِ الْوَارِدِ فِيهِ، وَلَوْ كَانَ ضَعِيفًا، وَكَذَا مَنْ يَشْرَعُ فِي عَمَلٍ قَدْ عَلِمَ أَنَّهُ مَشْرُوعٌ، فِي الْجُمْلَةِ فَإِذَا رَغِبَ فِي بَعْضِ أَنْوَاعِهِ بِخَبَرٍ ضَعِيفٍ عَمِلَ بِهِ. أَمَّا إثْبَاتُ سُنَّةٍ فَلَا وَكُلٌّ مَنْ عَبَدَ عِبَادَةً نُهِيَ عَنْهَا، وَلَمْ يَعْلَمْ بِالنَّهْيِ لَكِنْ هِيَ مِنْ جِنْسِ الْمَأْمُورِ بِهِ: مِثْلُ الصَّلَاةِ وَقْتَ النَّهْيِ، وَصَوْمِ الْعِيدِ أُثِيبَ عَلَى ذَلِكَ. فَصْلٌ: وَلَا نَهْيَ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ إلَى زَوَالِهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ؛ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَتَقْضَى السُّنَنُ الرَّاتِبَةُ، وَيَفْعَلُ مَا لَهُ سَبَبٌ فِي أَوْقَاتِ النَّهْيِ، وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ وَاخْتِيَارُ جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ، وَيُصَلِّي صَلَاةَ الِاسْتِخَارَةِ وَقْتَ النَّهْيِ فِي أَمْرٍ يَفُوتُ بِالتَّأْخِيرِ إلَى وَقْتِ الْإِبَاحَةِ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ عَقِبَ الْوُضُوءِ وَلَوْ كَانَ وَقْتَ النَّهْيِ، وَقَالَهُ الشَّافِعِيَّةُ. [بَابُ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ] فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَبِي سَعِيدٍ «تَفْضُلُ صَلَاةُ الرَّجُلِ فِي الْجَمَاعَةِ عَلَى صَلَاتِهِ وَحْدَهُ بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً» وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: «بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً» وَالثَّلَاثَةُ فِي الصَّحِيحِ. وَقَدْ جُمِعَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ حَدِيثَ الْخَمْسِ وَالْعِشْرِينَ ذُكِرَ فِيهِ الْفَضْلُ الَّذِي بَيْنَ صَلَاةِ الْمُنْفَرِدِ وَالصَّلَاةِ فِي الْجَمَاعَةِ وَالْفَضْلُ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ، وَحَدِيثُ السَّبْعَةِ وَالْعِشْرِينَ ذُكِرَ فِيهِ صَلَاتُهُ مُنْفَرِدًا وَصَلَاتُهُ فِي الْجَمَاعَةِ، فَصَارَ الْمَجْمُوعُ سَبْعًا وَعِشْرِينَ وَمَنْ كَانَتْ عَادَتُهُ الصَّلَاةُ فِي جَمَاعَةٍ وَالصَّلَاةُ قَائِمًا ثُمَّ تَرَكَ ذَلِكَ لِمَرَضٍ أَوْ سَفَرٍ فَإِنَّهُ يَكْتُبُ لَهُ مَا كَانَ يَعْمَلُ وَهُوَ صَحِيحٌ مُقِيمٌ وَكَذَلِكَ مَنْ تَطَوَّعَ عَلَى الرَّاحِلَةِ وَقَدْ كَانَ يَتَطَوَّعُ فِي الْحَضَرِ فَإِنَّهُ يُكْتَبُ لَهُ مَا كَانَ يُعْمَلُ فِي الْإِقَامَةِ وَأَمَّا مَنْ لَمْ تَكُنْ عَادَتُهُ الصَّلَاةُ فِي جَمَاعَةٍ وَلَا الصَّلَاةُ قَائِمًا إذَا مَرِضَ أَوْ سَافَرَ فَصَلَّى قَاعِدًا أَوْ وَحْدَهُ فَهَذَا لَا يُكْتَبُ لَهُ مِثْلُ صَلَاةِ الصَّحِيحِ الْمُقِيمِ.

стр. 2253

وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ فِي " الصَّارِمِ الْمَسْلُولِ ": خَبَرُ التَّفْضِيلِ فِي الْمَعْذُورِ الَّذِي تُبَاحُ لَهُ الصَّلَاةُ وَحْدَهُ، لِقَوْلِهِ ﷺ : «صَلَاةُ الرَّجُلِ قَاعِدًا عَلَى النِّصْفِ وَمُضْطَجِعًا عَلَى النِّصْفِ» فَإِنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْمَعْذُورُ كَمَا فِي الْخَبَرِ أَنَّهُ خَرَجَ عَلَى أَصْحَابِهِ وَقَدْ أَصَابَهُمْ وَعْكٌ وَهُمْ يُصَلُّونَ قُعُودًا، فَقَالَ ذَلِكَ، وَذَكَرَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ، أَنَّ «مَنْ صَلَّى قَاعِدًا لِغَيْرِ عُذْرٍ لَهُ أَجْرُ الْقَائِمِ» . وَالْجَمَاعَةُ شَرْطٌ لِلصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ، وَاخْتَارَهَا ابْنُ أَبِي مُوسَى، وَأَبُو الْوَفَاءِ بْنُ عَقِيلٍ، وَلَوْ لَمْ يُمْكِنْهُ الذَّهَابُ إلَّا بِمَشْيِهِ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ فَعَلَ، فَإِذَا صَلَّى وَحْدَهُ لِغَيْرِ عُذْرٍ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ، وَفِي " الْفَتَاوَى الْمِصْرِيَّةِ ": وَإِذَا قُلْنَا هِيَ وَاجِبَةٌ عَلَى الْأَعْيَانِ، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ مِنْ أَئِمَّةِ السَّلَفِ، وَفِيهَا الْحَدِيثُ، فَهَؤُلَاءِ تَنَازَعُوا فِيمَا إذَا صَلَّى مُنْفَرِدًا لِغَيْرِ عُذْرٍ هَلْ تَصِحُّ صَلَاتُهُ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: لَا تَصِحُّ، وَهُوَ قَوْلُ طَائِفَةٍ مِنْ قُدَمَاءِ أَصْحَابِ أَحْمَدَ ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي " شَرْحِ الْمُذْهَبِ " عَنْهُمْ. وَالثَّانِي: تَصِحُّ مَعَ إثْمِهِ بِالتَّرْكِ وَهُوَ الْمَأْثُورُ عَنْ أَحْمَدَ، وَقَوْلُ أَكْثَرِ أَصْحَابِهِ. وَلَيْسَ لِلْإِمَامِ إعَادَةُ الصَّلَاةِ مَرَّتَيْنِ، وَلَوْ جَعَلَ الثَّانِيَةَ فَائِتَةً أَوْ غَيْرَهَا، وَالْأَئِمَّةُ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّهُ بِدْعَةٌ مَكْرُوهَةٌ، وَفِي " الْفَتَاوَى الْمِصْرِيَّةِ ": وَإِذَا صَلَّى الْإِمَامُ بِطَائِفَةٍ ثُمَّ صَلَّى بِطَائِفَةٍ أُخْرَى تِلْكَ الصَّلَاةَ بِعَيْنِهَا لِعُذْرٍ جَازَ ذَلِكَ لِلْعُذْرِ، مِثْلُ: صَلَاةِ الْخَوْفِ وَنَحْوِهَا، وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ لِغَيْرِ عُذْرٍ، وَلَا يُعِيدُ الصَّلَاةَ مَنْ بِالْمَسْجِدِ وَغَيْرِهِ بِلَا سَبَبِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ بَعْضِ أَصْحَابِنَا، وَذَكَرَهُ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ وَغَيْرُهُمْ. وَمَنْ نَذَرَ مَتَى حَفِظَ الْقُرْآنَ صَلَّى مَعَ كُلِّ صَلَاةِ فَرِيضَةٍ أُخْرَى، وَحَفِظَهُ لَا يَلْزَمُهُ الْوَفَاءُ بِهِ، فَإِنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، وَيُكَفِّرُ كَفَّارَةَ يَمِينٍ، وَلَا يُدْرِكُ الْجَمَاعَةَ إلَّا بِرَكْعَةٍ وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ، وَاخْتَارَهَا جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَوَجْهٌ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَاخْتَارَهُ الرُّويَانِيُّ. وَأَصَحُّ الطَّرِيقَيْنِ لِأَصْحَابِ أَحْمَدَ: أَنَّهُ يَصِحُّ ائْتِمَامُ الْقَاضِي بِالْمُؤَدِّي،

стр. 2254

وَبِالْعَكْسِ، وَلَا يَخْرُجُ عَنْ ذَلِكَ ائْتِمَامُ الْمُفْتَرِضِ بِالْمُتَنَفِّلِ وَلَوْ اخْتَلَفَا، أَوْ كَانَ صَلَاةُ الْمَأْمُومِ أَقَلَّ، وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي الْبَرَكَاتِ وَغَيْرِهِ، وَحَكَى أَبُو الْعَبَّاسِ فِي صَلَاةِ الْفَرِيضَةِ خَلْفَ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ رِوَايَتَيْنِ، وَاخْتَارَ الْجَوَازَ. وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: سُئِلَتْ عَنْ مَا يَفْعَلُهُ الرَّجُلُ شَاكًّا فِي وُجُوبِهِ عَلَى طَرِيقِ الِاحْتِيَاطِ، فَهَلْ يَأْتَمُّ بِهِ الْمُفْتَرِضُ؟ قَالَ: قِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يَصِحُّ لِأَنَّ الشَّاكَّ يُؤَدِّيهَا بِنِيَّةِ الْوُجُوبِ إذَا احْتَاطَ، وَيُجْزِئُهُ عَنْ الْوَاجِبِ حَتَّى لَوْ تَبَيَّنَ لَهُ فِيمَا بَعْدُ الْوُجُوبُ أَجْزَأَهُ كَمَا قُلْنَا فِي لَيْلَةِ الْإِغْمَاءِ وَإِنْ لَمْ نَقُلْ بِوُجُوبِ الصَّوْمِ، وَكَمَا قُلْنَا فِيمَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةٌ مِنْ خَمْسٍ لَا يَعْلَمُ عَيْنَهَا، وَكَمَا قُلْنَا فِيمَنْ شَكَّ فِي انْتِقَاضِ وُضُوئِهِ فَتَوَضَّأَ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ صُوَرِ الشَّكِّ فِي وُجُوبِ طَهَارَةٍ، أَوْ صِيَامٍ؛ أَوْ زَكَاةٍ، أَوْ صَلَاةٍ، أَوْ نُسُكٍ، أَوْ كَفَّارَةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، بِخِلَافِ مَا لَوْ اعْتَقَدَ عَدَمَ الْوُجُوبِ وَأَدَّاهُ بِنِيَّةِ النَّفْلِ وَعَكْسِهِ، كَمَا لَوْ اعْتَقَدَ الْوُجُوبَ ثُمَّ تَبَيَّنَ عَدَمَهُ، فَإِنَّ هَذِهِ خَرَجَ فِيهَا خِلَافٌ فِي الْحَقِيقَةِ نَفْلٌ، لَكِنَّهَا فِي اعْتِقَادِهِ وَاجِبَةٌ وَالْمَشْكُوكُ فِيهَا هِيَ فِي قَصْدِهِ وَاجِبَةٌ، وَالِاعْتِقَادُ مُتَرَدِّدٌ. وَالْمَأْمُومُ إذَا لَمْ يَعْلَمْ بِحَدَثِ الْإِمَامِ حَتَّى قُضِيَتْ الصَّلَاةُ أَعَادَ الْإِمَامُ وَحْدَهُ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ. وَيَلْزَمُ الْإِمَامَ مُرَاعَاةُ الْمَأْمُومِ إنْ تَضَرَّرَ بِالصَّلَاةِ أَوَّلَ الْوَقْتِ أَوْ آخِرَهُ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَزِيدَ عَلَى الْقَدْرِ الْمَشْرُوعِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَفْعَلَ غَالِبًا مَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَفْعَلُهُ، وَيَزِيدُ وَيَنْقُصُ لِلْمَصْلَحَةِ كَمَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَزِيدُ وَيُنْقِصُ أَحْيَانًا. وَالصَّلَاةُ بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ " بِمِائَةِ أَلْفٍ، وَبِمَسْجِدِ الْمَدِينَةِ " بِأَلْفٍ، وَالصَّوَابُ فِي " الْأَقْصَى " بِخَمْسِمِائَةٍ. وَالْجِنُّ لَيْسُوا كَالْإِنْسِ فِي الْحَدِّ، وَالْحَقِيقَةِ، لَكِنَّهُمْ يُشَارِكُونَهُمْ فِي جِنْسِ التَّكْلِيفِ بِالْأَمْرِ، وَالنَّهْيِ، وَالتَّحْلِيلِ، وَالتَّحْرِيمِ بِلَا نِزَاعٍ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ، وَكَانَ أَبُو الْعَبَّاسِ إذَا أُتِيَ بِالْمَصْرُوعِ وَعَظَ مَنْ صَرَعَهُ، وَأَمَرَهُ وَنَهَاهُ، فَإِنْ انْتَهَى وَأَفَاقَ الْمَصْرُوعُ أَخَذَ عَلَيْهِ الْعَهْدَ أَنْ لَا يَعُودَ، وَإِنْ لَمْ يَأْتَمِرْ وَلَمْ يَنْتَهِ وَلَمْ يُفَارِقْهُ ضَرَبَهُ عَلَى أَنْ يُفَارِقَهُ، وَالضَّرْبُ فِي الظَّاهِرِ يَقَعُ عَلَى الْمَصْرُوعِ، وَإِنَّمَا يَقَعُ فِي الْمَصْرُوعِ، وَإِنَّمَا يَقَعُ فِي الْحَقِيقَةِ عَلَى مَنْ صَرَعَهُ، وَلِهَذَا لَا يَتَأَلَّمُ مَنْ ضَرَبَهُ وَيَصْحُو. وَلَا يُقَدَّمُ فِي الْإِمَامَةِ بِالنَّسَبِ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمَالِكٍ، وَأَحْمَدَ. وَيَجِبُ

стр. 2255

تَقْدِيمُ مَنْ قَدَّمَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَلَوْ مَعَ شَرْطِ الْوَاقِفِ بِخِلَافِهِ، فَلَا يُلْتَفَتُ إلَى شَرْطٍ يُخَالِفُ شَرْطَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَإِذَا كَانَ بَيْنَ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ مُعَادَاةٌ مِنْ جِنْسِ مُعَادَاةِ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ أَوْ الْمَذَاهِبِ لَمْ يَنْبَغِ أَنْ يَؤُمَّهُمْ بِالصَّلَاةِ جَمَاعَةً؛ لِأَنَّهَا لَا تَتِمُّ إلَّا بِالِائْتِلَافِ، وَلِهَذَا قَالَ ﷺ : «لَا تَخْتَلِفُوا فَتَخْتَلِفَ قُلُوبُكُمْ» ، وَإِذَا فَعَلَ الْإِمَامُ مَا يَسُوغُ فِيهِ الِاجْتِهَادُ يَتْبَعُهُ الْمَأْمُومُ فِيهِ وَإِنْ كَانَ هُوَ لَا يَرَاهُ، مِثْلَ: الْقُنُوتِ فِي الْفَجْرِ، وَوَصْلِ الْوِتْرِ، وَإِذَا ائْتَمَّ مَنْ يَرَى الْقُنُوتَ بِمَنْ لَا يَرَاهُ تَبِعَهُ فِي تَرْكِهِ. وَلَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ خَلْفَ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ وَالْبِدَعِ وَالْفَسَقَةِ، مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الصَّلَاةِ خَلْفَ غَيْرِهِمْ، وَتَصِحُّ إمَامَةُ مَنْ عَلَيْهِ نَجَاسَةٌ يَعْجَزُ عَنْ إزَالَتِهَا بِمَنْ لَيْسَ عَلَيْهِ نَجَاسَةٌ، وَلَوْ تَرَكَ الْإِمَامُ رُكْنًا يَعْتَقِدُهُ الْمَأْمُومُ وَلَا يَعْتَقِدُهُ الْإِمَامُ صَحَّتْ صَلَاتُهُ خَلْفَهُ، وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ، وَمَذْهَبُ مَالِكٍ، وَاخْتِيَارُ الْمَقْدِسِيَّ. وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: لَوْ فَعَلَ الْإِمَامُ مَا هُوَ مُحَرَّمٌ عِنْدَ الْمَأْمُومِ دُونَهُ مِمَّا يَسُوغُ فِيهِ الِاجْتِهَادُ صَحَّتْ صَلَاتُهُ خَلْفَهُ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ، وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: إنَّ الرِّوَايَاتِ الْمَنْقُولَةَ عَنْ أَحْمَدَ لَا تُوجِبُ اخْتِلَافًا وَإِنَّمَا ظَوَاهِرُهَا أَنَّ كُلَّ مَوْضِعٍ يُقْطَعُ فِيهِ بِخَطَإِ الْمُخَالِفِ تَجِبُ الْإِعَادَةُ، وَمَا لَا يُقْطَعُ فِيهِ بِخَطَإِ الْمُخَالِفِ، لَا تَجِبُ الْإِعَادَةُ وَهُوَ الَّذِي تَدُلُّ عَلَيْهِ السُّنَّةُ، وَالْآثَارُ، وَقِيَاسُ الْأُصُولِ، وَفِي الْمَسْأَلَةِ خِلَافٌ مَشْهُورٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ، وَلَمْ يَتَنَازَعُوا فِي أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي تَوْلِيَةُ الْفَاسِقِ. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقْدِمَ الْعَامِّيُّ عَلَى فِعْلٍ لَا يَعْلَمُ جَوَازَهُ وَيُفَسَّقُ بِهِ إنْ كَانَ مِمَّا يُفَسَّقُ بِهِ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي. وَتَصِحُّ صَلَاةُ الْجُمُعَةِ وَنَحْوِهَا قُدَّامَ الْإِمَامِ لِعُذْرٍ، وَهُوَ قَوْلٌ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ مَنْ تَأَخَّرَ بِلَا عُذْرٍ لَهُ، فَلَمَّا أَذَّنَ جَاءَ فَصَلَّى قُدَّامَهُ عُزِرَ، وَتَصِحُّ صَلَاةُ الْفَذِّ لِعُذْرٍ، وَقَالَهُ الْحَنَفِيَّةُ، وَإِذَا لَمْ يَجِدْ إلَّا مَوْقِفًا خَلْفَ الصَّفِّ فَالْأَفْضَلُ أَنْ يَقِفَ وَحْدَهُ وَلَا يَجْذِبُ مَنْ يُصَافِّهِ لِمَا فِي الْجَذْبِ مِنْ التَّصَرُّفِ فِي الْمَجْذُوبِ، فَإِنْ كَانَ الْمَجْذُوبُ يُطِيعُهُ قَائِمًا أَفْضَلُ لَهُ، وَلِلْمَجْذُوبِ الِاصْطِفَافُ مَعَ بَقَاءِ فُرْجَةٍ أَوْ وُقُوفِ الْمُتَأَخِّرِ وَحْدَهُ. وَكَذَلِكَ لَوْ حَضَرَ اثْنَانِ وَفِي الصَّفِّ فُرْجَةٌ، فَأَيُّهُمَا أَفْضَلُ: وُقُوفُهُمَا جَمِيعًا، أَوْ سَدُّ أَحَدِهِمَا الْفُرْجَةَ وَيَنْفَرِدُ الْآخَرُ؟ رَجَّحَ أَبُو الْعَبَّاسِ الِاصْطِفَافَ مَعَ بَقَاءِ الْفُرْجَةِ لِأَنَّ سَدَّ

стр. 2256

الْفُرْجَةِ مُسْتَحَبٌّ وَالِاصْطِفَافُ وَاجِبٌ، وَإِذَا رَكَعَ دُونَ الصَّفِّ، ثُمَّ دَخَلَ الصَّفَّ بَعْدَ اعْتِدَالِ الْإِمَامِ كَانَ ذَلِكَ سَائِغًا، وَمَنْ أَخَّرَ الدُّخُولَ فِي الصَّلَاةِ مَعَ إمْكَانِهِ حَتَّى قَضَى الْقِيَامَ، أَوْ كَانَ الْقِيَامُ مُتَّسَعًا لِقِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ وَلَمْ يَقْرَأْهَا؛ فَهَذَا تَجُوزُ صَلَاتُهُ عِنْدَ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ، وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ فَعَلَيْهِ عِنْدَهُ أَنْ يَقْرَأَ، وَإِنْ تَخَلَّفَ عَنْ الرُّكُوعِ، وَإِنَّمَا تَسْقُطُ قِرَاءَتُهَا عِنْدَهُ عَنْ الْمَسْبُوقِ خَاصَّةً، فَهَذَا الرَّجُلُ كَانَ حَقُّهُ أَنْ يَرْكَعَ مَعَ الْإِمَامِ وَلَا يُتِمُّ الْقِرَاءَةَ لِأَنَّهُ مَسْبُوقٌ، وَالْمَرْأَةُ إذَا كَانَ مَعَهَا امْرَأَةٌ أُخْرَى تُصَافِفُهَا كَانَ مِنْ حَقِّهَا أَنْ تَقِفَ مَعَهَا وَكَانَ حُكْمُهَا إنْ لَمْ تَقِفْ مَعَهَا حُكْمُ الرَّجُلِ الْمُنْفَرِدِ عَنْ صَفِّ الرِّجَالِ وَهُوَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ وَحَيْثُ صَحَّتْ الصَّلَاةُ عَنْ يَسَارِ الْإِمَامِ كُرِهَتْ إلَّا لِعُذْرٍ. وَالْمَأْمُومُ إذَا كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْإِمَامِ مَا يَمْنَعُ الرُّؤْيَةَ وَالِاسْتِطْرَاقَ صَحَّتْ صَلَاتُهُ، إذَا كَانَتْ لِعُذْرٍ، وَهُوَ قَوْلُ مَذْهَبِ أَحْمَدَ، بَلْ نَصُّ أَحْمَدُ وَغَيْرِهِ. وَيُنْشَأُ مَسْجِدٌ إلَى جَنْبِ آخَرَ، إذَا كَانَ مُحْتَاجًا إلَيْهِ، وَلَمْ يَقْصِدْ الضَّرَرَ، فَإِنْ قَصَدَ الضَّرَرَ أَوْ لَا حَاجَةَ فَلَا يُنْشَأُ، وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ، نَقَلَهَا عَنْهُ مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى، وَيَجِبُ هَدْمُهُ، وَقَالَهُ أَبُو الْعَبَّاسِ فِيمَا بَنَى بِجِوَارِ جَامِعِ بَنِي أُمَيَّةَ. وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُتْرَكَ حُضُورَ الْمَسْجِدِ إلَّا لِعُذْرٍ، كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ السُّنَنُ وَالْآثَارُ، وَنَهَى عَنْ اتِّخَاذِهِ بَيْتًا مَقِيلًا، قَالَهُ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ حَارِثٍ، وَقَدْ سُئِلَ عَنْ النِّسَاءِ يَخْرُجْنَ فِي الْعِيدِ فِي زَمَانِنَا قَالَ: لَا يُعْجِبُنِي هَذَا. انْتَهَى. وَبِهَذَا يُعْلَمُ سَائِرُ الصَّلَوَاتِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [بَابُ صَلَاةِ أَهْلِ الْأَعْذَارِ] مَتَى عَجَزَ الْمَرِيضُ عَنْ الْإِيمَاءِ بِرَأْسِهِ سَقَطَتْ عَنْهُ الصَّلَاةُ، وَلَا يَلْزَمُهُ الْإِيمَاءُ بِطَرَفِهِ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ، وَيُكْرَهُ إتْمَامُ الصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ قَالَ أَحْمَدُ: لَا يُعْجِبُنِي، وَنُقِلَ عَنْ أَحْمَدَ إذَا صَلَّى أَرْبَعًا أَنَّهُ تَوَقَّفَ فِي الْإِجْزَاءِ، وَتَوَقُّفُهُ عَنْ الْقَوْلِ بِالْإِجْزَاءِ يَقْتَضِي أَنَّهُ يَخْرُجُ عَلَى قَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِهِ، وَلَمْ يَثْبُتْ أَنَّ أَحَدًا مِنْ الصَّحَابَةِ كَانَ يُتِمُّ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ فِي السَّفَرِ. وَحَدِيثُ عَائِشَةَ فِي مُخَالَفَةِ ذَلِكَ لَا تَقُومُ بِهِ الْحُجَّةُ، وَيَجُوزُ قَصْرُ الصَّلَاةِ فِي كُلِّ مَا يُسَمَّى سَفَرًا سَوَاءٌ قَلَّ أَوْ كَثُرَ، وَلَا يَتَقَدَّرُ

стр. 2257

عَدُّهُ، وَهُوَ مَذْهَبُ الظَّاهِرِيَّةِ، وَنَصَرَهُ صَاحِبُ " الْمُغْنِي " فِيهِ، وَسَوَاءٌ كَانَ مُبَاحًا أَوْ مُحَرَّمًا، وَنَصَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ فِي مَوْضِعٍ، وَقَالَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَدَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَسَوَاءٌ نَوَى إقَامَةَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ، أَوْ لَا، وَرُوِيَ هَذَا عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ. وَقَرَّرَ أَبُو الْعَبَّاسِ قَاعِدَةً نَافِعَةً وَهِيَ: أَنَّ مَا أَطْلَقَهُ الشَّارِعُ بِعَمَلٍ يُطْلَقُ مُسَمَّاهُ، وَوُجُودُهُ، لَمْ يَجُزْ تَقْدِيرُهُ وَتَحْدِيدُهُ بِمُدَّةٍ، فَلِهَذَا كَانَ الْمَاءُ قِسْمَيْنِ طَاهِرًا طَهُورًا، أَوْ نَجِسًا، وَلَا حَدَّ لِأَقَلِّ الْحَيْضِ وَأَكْثَرِهِ مَا لَمْ تَصِرْ مُسْتَحَاضَةً، وَلَا لِأَقَلِّ سِنِّهِ، وَأَكْثَرِهِ، وَلَا لِأَقَلِّ السَّفَرِ، أَمَّا خُرُوجُهُ إلَى بَعْضِ عِلْمِ أَرْضِهِ، وَخُرُوجِهِ ﷺ إلَى قُبَاءَ فَلَا يُسَمَّى سَفَرًا وَلَوْ كَانَ بَرِيدًا؛ وَلِهَذَا لَا يَتَزَوَّدُ وَلَا يَتَأَهَّبُ لَهُ أُهْبَةً السَّفَرِ، هَذَا مَعَ قَصْرِهِ الْمُدَّةِ فَالْمَسَافَةُ الْقَرِيبَةُ فِي الْمُدَّةِ الطَّوِيلَةِ سَفَرٌ، لَا الْبَعِيدَةُ فِي الْمُدَّةِ الْقَلِيلَةِ، وَلَا حَدَّ لِلدِّرْهَمِ وَالدِّينَارِ، فَلَوْ كَانَ أَرْبَعَةَ دَوَانِقَ أَوْ ثَمَانِيَةً خَالِصًا، أَوْ مَغْشُوشًا، قَلَّ غِشُّهُ أَوْ كَثُرَ، لَا دِرْهَمًا أَسْوَدَ عَمِلَ بِهِ فِي الزَّكَاةِ وَالسَّرِقَةِ وَغَيْرِهِمَا، وَلَا تَأْجِيلَ فِي الدِّيَةِ، وَأَنَّهُ نَصُّ أَحْمَدَ فِيهَا؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يُؤَجِّلْهَا، وَإِنْ رَأَى الْإِمَامُ تَأْجِيلَهَا فَعَلَ؛ لِأَنَّ عُمَرَ أَجَّلَهَا فَأَيُّهُمَا رَأَى الْإِمَامَ فَعَلَ، وَإِلَّا فَإِيجَابُ أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ لَا يَسُوغُ. وَالْخُلْعُ فَسْخٌ مُطْلَقًا، وَالْكَفَّارَةُ فِي كُلِّ أَيْمَانِ الْمُسْلِمِينَ، وَفُرُوعُ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ مَذْكُورَةٌ فِي هَذَا الْمُخْتَصَرِ فِي مَظَانِّهَا. وَيُوتِرُ الْمُسَافِرُ وَيَرْكَعُ سُنَّةَ الْفَجْرِ، وَيُسَنُّ تَرْكُهُ غَيْرَهُمَا، وَالْأَفْضَلُ لَهُ التَّطَوُّعُ فِي غَيْرِ السُّنَنِ الرَّاتِبَةِ، وَنَقَلَهُ بَعْضُهُمْ إجْمَاعًا. وَالْجَمْعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي السَّفَرِ يَخْتَصُّ بِمَحَلِّ الْحَاجَةِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ رُخَصِ السَّفَرِ مِنْ تَقْدِيمٍ وَتَأْخِيرٍ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ أَحْمَدَ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ. وَيَجْمَعُ لِتَحْصِيلِ الْجَمَاعَةِ، وَلِلصَّلَاةِ فِي الْحَمَّامِ مَعَ جَوَازِهَا فِيهِ خَوْفُ فَوَاتِ الْوَقْتِ، وَلِخَوْفٍ يُحْرَجُ فِي تَرْكِهِ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ: مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ سُئِلَ لَمَّا فَعَلَ ذَلِكَ قَالَ: أَرَادَ أَنْ لَا يُحْرِجَ أَحَدًا مِنْ أُمَّتِهِ. فَلَمْ يُعَلِّلْهُ بِمَرَضٍ وَلَا غَيْرِهِ، وَأَوْسَعُ الْمَذَاهِبِ فِي الْجَمْعِ مَذْهَبُ أَحْمَدَ؛ فَإِنَّهُ جَوَّزَ الْجَمْعَ إذَا كَانَ لَهُ شُغْلٌ، كَمَا

стр. 2258

رَوَى النَّسَائِيّ ذَلِكَ مَرْفُوعًا إلَى النَّبِيِّ ﷺ وَأَوَّلَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ نَصَّ أَحْمَدَ عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ بِالشُّغْلِ الَّذِي يُبِيحُ تَرْكَ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ. وَلَا مُوَالَاةَ فِي الْجَمْعِ فِي وَقْتِ الْأُولَى، وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ نَصِّ الْإِمَامِ أَحْمَدَ فِي جَمْعِ الْمُضْطَرِّ إذَا صَلَّى إحْدَى الصَّلَاتَيْنِ فِي بَيْتِهِ، وَالْأُخْرَى فِي الْمَسْجِدِ، فَلَا بَأْسَ وَمِنْ نَصِّهِ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ وَالْمَرْوَزِيِّ: لِلْمُسَافِرِ أَنْ يُصَلِّيَ الْعِشَاءَ قَبْلَ أَنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ. وَعَلَّلَهُ أَحْمَدُ بِأَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ الْجَمْعُ، وَيَجْمَعُ وَيَقْصُرُ بِمُزْدَلِفَةَ وَعَرَفَةَ مُطْلَقًا، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَغَيْرِهِ مِنْ السَّلَفِ، وَقَوْلِ طَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، وَاخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ فِي عِبَادَاتِهِ. وَيَجُوزُ الْجَمْعُ لِلْمُرْضِعِ إذَا كَانَ يَشُقُّ عَلَيْهَا غَسْلُ الثَّوْبِ فِي وَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ، وَنَصَّ عَلَيْهِ وَيَجُوزُ الْجَمْعُ أَيْضًا لِلطَّبَّاخِ، وَالْخَبَّازِ، وَنَحْوِهِمَا مِمَّنْ يَخْشَى فَسَادَ مَالِهِ، وَقَالَ غَيْرُهُ بِتَرْكِ الْجَمْعِ، وَلَا يُشْتَرَطُ لِلْقَصْرِ وَالْجَمْعِ نِيَّةٌ، وَاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ جَعْفَرٍ وَغَيْرُهُ، وَتَصِحُّ صَلَاةُ الْفَرْضِ عَلَى الرَّاحِلَةِ خَشْيَةَ الِانْقِطَاعِ عَنْ الرُّفْقَةِ أَوْ حُصُولِ ضَرَرٍ بِالْمَشْيِ، أَوْ تَبَرُّزٍ لِلْخَفَرِ، وَيُصَلِّي صَلَاةَ الْخَوْفِ فِي الطَّرِيقِ إذَا فَاتَ الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ، وَهُوَ أَحَدُ الْوُجُوهِ الثَّلَاثَةِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ. [بَابُ اللِّبَاسِ] وَلُبْسُ الْحَرِيرِ حَيْثُ يَكُونُ سُدًى بِحَيْثُ يَكُونُ الْقُطْنُ، وَالْكَتَّانُ أَغْلَى قِيمَةً مِنْهُ، وَفِي تَحْرِيمِهِ إضْرَارٌ بِهِمْ؛ لِأَنَّهُ أَرْخَصُ عَلَيْهِمْ يُخَرَّجُ عَلَى وَجْهَيْنِ لِتَعَارُضِ لَفْظِ النَّصِّ، وَمَعْنَاهُ، كَالرِّوَايَتَيْنِ فِي إخْرَاجِ غَيْرِ الْأَصْنَافِ الْخَمْسَةِ إذَا لَمْ يَكُنْ قُوتًا لِذَلِكَ الْبَلَدِ، وَلَوْ كَانَ الظُّهُورُ لِلْحَرِيرِ وَهُوَ أَقَلُّ مِنْ غَيْرِهِ فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ التَّحْرِيمُ: وَالْكَرَاهَةُ، وَالْإِبَاحَةُ. وَحَدِيثُ السِّيَرَاءِ وَالْقَسِّيّ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى تَحْرِيمِ مَا ظَهَرَ فِيهِ خُيُوطُ حَرِيرٍ أَوْ سُيُورٌ لَا بُدَّ أَنْ يُنْسَجَ مَعَ غَيْرِهَا مِنْ الْكَتَّانِ أَوْ الْقُطْنِ لِأَنَّ مَا فِيهِ الْحَرِيرُ، فَالنَّبِيُّ ﷺ حَرَّمَهَا لِظُهُورِ الْحَرِيرِ فِيهَا وَلَمْ يَسْأَلْ هَلْ وَزْنُ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ مِنْ الْقُطْنِ وَالْكَتَّانِ أَكْثَرُ أَمْ لَا مَعَ أَنَّ الْعَادَةَ أَنَّهُ أَقَلُّ فَإِنْ اسْتَوَيَا فَالْأَشْبَهُ بِكَلَامِ أَحْمَدَ التَّحْرِيمُ، وَالثِّيَابُ الْقَسِّيَّةُ: ثِيَابٌ مَخْطُوطَةٌ بِحَرِيرٍ.

стр. 2259

قَالَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ ": قَالَ عَاصِمٌ: عَنْ أَبِي بُرْدَةَ قُلْنَا لِعَلِيٍّ: مَا الْقَسِّيَّةُ؟ قَالَ: ثِيَابٌ أَتَتْنَا مِنْ الشَّامِ أَوْ مِنْ مِصْرَ مُضَلَّعَةٌ فِيهَا حَرِيرٌ كَأَمْثَالِ الْأُتْرُجِّ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: هِيَ ثِيَابٌ يُؤْتَى بِهَا مِنْ مِصْرَ، فِيهَا حَرِيرٌ. فَقَدْ اتَّفَقُوا كُلُّهُمْ عَلَى أَنَّهَا ثِيَابٌ فِيهَا حَرِيرٌ وَلَيْسَتْ حَرِيرًا مُصْمَتًا. وَهَذَا هُوَ الْمُلْحَمُ، وَالْخَزُّ أَخَفُّ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ سُدَاهُ مِنْ حَرِيرٍ، وَالسُّدَى أَيْسَرُ مِنْ اللُّحْمَةِ، وَهُوَ الَّذِي بَيَّنَ ابْنِ عَبَّاسٍ جَوَازَهُ بِقَوْلِهِ: فَأَمَّا الْعِلْمُ، وَالْحَرِيرُ، وَالسُّدَى لِثَوْبٍ فَلَا بَأْسَ بِهِ. وَالثَّانِي: أَنَّ الْخَزَّ ثَخِينٌ، وَالْحَرِيرُ مَسْتُورٌ بِالْوَبَرِ فِيهِ، فَيَصِيرُ بِمَنْزِلَةِ الْحَشْوِ. وَالْخَزُّ اسْمٌ لِثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: لِلْوَبَرِ الَّذِي يُنْسَجُ مَعَ الْحَرِيرِ وَهُوَ وَبَرُ الْأَرْنَبِ، وَاسْمٌ لِمَجْمُوعِ الْحَرِيرِ وَالْوَبَرِ، وَاسْمُ لِرَدِيءِ الْحَرِيرِ. فَالْأَوَّلُ، وَالثَّانِي: حَلَالٌ، وَالثَّالِثُ: حَرَامٌ، وَجَعَلَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا الْمُتَأَخِّرِينَ الْمُلْحَمَ، وَالْقَسِّيَّ، وَالْخَزَّ عَلَى الْوَجْهَيْنِ، وَجَعْلُ التَّحْرِيمِ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ؛ لِأَنَّهُ حَرَّمَ الْمُلْحَمَ، وَالْقَسِّيَّ، وَالْإِبَاحَةُ قَوْلُ ابْنِ الْبَنَّاءِ؛ لِأَنَّهُ أَبَاحَ الْخَزَّ، وَهَذَا لَا يَصْلُحُ؛ لِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ قَالَ: وَيُلْبَسُ الْخَزِّ، وَلَا يُلْبَسُ الْمُلْحَمُ، وَلَا الدِّيبَاجُ. وَأَمَّا الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ وَقُدَمَاءِ الْأَصْحَابِ، فَإِبَاحَةُ الْخَزِّ دُونَ الْمُلْحَمِ، وَغَيْرِهِ، فَمَنْ زَعَمَ أَنَّ فِي الْخَزِّ خِلَافًا فَقَدْ غَلِطَ. وَأَمَّا لُبْسُ الرِّجَالِ الْحَرِيرَ: كَالْكُلُوبَةِ، وَالْقَبَاءِ: فَحَرَامٌ عَلَى الرِّجَالِ بِالِاتِّفَاقِ عَلَى الْأَجْنَادِ وَغَيْرِهِمْ، لَكِنْ تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ فِي لُبْسِهِ عِنْدَ الْقِتَالِ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ عَلَى قَوْلَيْنِ: أَظْهَرُهُمَا الْإِبَاحَةُ، وَأَمَّا إنْ احْتَاجَ إلَى الْحَرِيرِ فِي السِّلَاحِ وَلَمْ يَقُمْ غَيْرُهُ مَقَامَهُ فَهَذَا يَجُوزُ بِلَا نِزَاعٍ، وَأَمَّا إلْبَاسُهُ الصِّبْيَانَ الَّذِينَ دُونَ الْبُلُوغِ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ أَظْهَرُهُمَا: التَّحْرِيمُ. وَلُبْسُ الْفِضَّةِ إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ لَفْظٌ عَامٌّ بِالتَّحْرِيمِ لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ أَنْ يُحَرِّمَ مِنْهُ إلَّا مَا قَامَ الدَّلِيلُ الشَّرْعِيُّ عَلَى تَحْرِيمِهِ، فَإِذَا جَاءَتْ السُّنَّةُ بِإِبَاحَةِ خَاتَمِ الْفِضَّةِ كَانَ ذَلِكَ دَلِيلًا

стр. 2260

عَلَى إبَاحَةِ ذَلِكَ، وَمَا هُوَ فِي مَعْنَاهُ، وَمَا هُوَ أَوْلَى مِنْهُ بِالْإِبَاحَةِ، وَمَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ يَحْتَاجُ إلَى نَظَرٍ فِي تَحْلِيلِهِ وَتَحْرِيمِهِ، وَتُبَاحُ الْمِنْطَقَةُ الْفِضَّةُ فِي أَظْهَرْ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ، وَكَذَلِكَ التركاشي، وَغِشَاءُ الْقَوْسِ، وَالنُّشَّابُ وَالْجَوْشَنُ، والقرقل، وَالْخُوذَةُ، وَكَذَلِكَ حِلْيَةُ الْمِهْمَازِ الَّذِي يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِرُكُوبِ الْخَيْلِ، وَالْكَلَالِيبُ الَّتِي يَحْتَاجُ إلَيْهَا أَوْلَى بِالْإِبَاحَةِ مِنْ الْخَاتَمِ فَإِنَّ الْخَاتَمَ يُتَّخَذُ لِلزِّينَةِ، وَهَذِهِ لِلْحَاجَةِ وَهِيَ مُتَّصِلَةٌ بِالسَّيْرِ لَيْسَتْ مُفْرَدَةً: كَالْخَاتَمِ وَلَا حَدَّ لِلْمُبَاحِ مِنْ ذَلِكَ، وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يُحَرِّمْ لِبَاسَ الْفِضَّةِ عَلَى الرِّجَالِ وَعَلَى النِّسَاءِ، وَإِنَّمَا حَرَّمَ عَلَى الرِّجَالِ لُبْسَ الذَّهَبِ وَالْحَرِيرِ، وَحَرَّمَ آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَالرُّخْصَةُ فِي اللِّبَاسِ أَوْسَعُ مِنْ الْآنِيَةِ؛ لِأَنَّ حَاجَتَهُمْ إلَى اللِّبَاسِ أَشَدُّ، وَتَنَازُعُ الْعُلَمَاءِ فِي يَسِيرِ الذَّهَبِ فِي اللِّبَاسِ وَالسِّلَاحِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ: أَحَدُهَا: لَا تُبَاحُ. وَالثَّانِي: تُبَاحُ فِي السَّيْفِ خَاصَّةً. وَالثَّالِثُ: تُبَاحُ فِي السِّلَاحِ. وَكَانَ عُثْمَانُ بْنُ حُنَيْفٍ فِي سَيْفِهِ مِسْمَارٌ مِنْ ذَهَبٍ. وَالرَّابِعُ: وَهُوَ الْأَظْهَرُ أَنَّهُ يُبَاحُ يَسِيرُ الذَّهَبِ فِي اللِّبَاسِ وَالسِّلَاحِ، فَيُبَاحُ طِرَازُ الذَّهَبِ إذَا كَانَ أَرْبَعَةَ أَصَابِعِ فَمَا دُونَهَا، وَخَزُّ الْقَبَّانِ وَحِيلَةُ الْقَوْسِ كَالسَّرْجِ وَالْبُرْدَيْنِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَحَدِيثُ: «لَا يُبَاحُ مِنْ الذَّهَبِ وَلَوْ خَزُّ بِصِيصَةٍ» وَخَزُّ بِصِيصَةٍ: عَيْنُ الْجَرَادَةِ؛ مَحْمُولٌ عَلَى الذَّهَبِ الْمُفْرَدِ: كَالْخَاتَمِ وَنَحْوِهِ، وَالْحَدِيثُ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ. وَجَعَلَ الْقَاضِي، وَابْنُ عَقِيلٍ تَشَبُّهَ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءٍ، وَالنِّسَاءِ بِالرِّجَالِ مِنْ قِسْمِ الْمَكْرُوهِ، وَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ مُحَرَّمٌ، وَحَكَى بَعْضُ أَصْحَابِنَا التَّحْرِيمَ رِوَايَةً، وَمَا كَانَ مِنْ لُبْسِ الرِّجَالِ مِثْلُ: الْعِمَامَةِ، وَالْخُفِّ، الْقَبَاءِ الَّذِي لِلرِّجَالِ، وَالثِّيَابِ الَّتِي تُبْدِي مَقَاطِعَ خَلْقِهَا، وَالثَّوْبِ الرَّقِيقِ الَّذِي لَا يَسْتُرُ الْبَشَرَةَ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَإِنَّ الْمَرْأَةَ تُنْهَى عَنْهُ، وَعَلَى وَلِيِّهَا كَأَبِيهَا وَزَوْجِهَا أَنْ يَنْهَاهَا عَنْ ذَلِكَ. وَهَذِهِ الْعَمَائِمُ الَّتِي تَلْبَسُهَا النِّسَاءُ عَلَى رُءُوسِهِنَّ حَرَامٌ بِلَا رَيْبٍ. قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: وَقَدْ سُئِلَ عَنْ لُبْسِ الْقَبَاءِ. وَالنَّظَرِيُّ لَيْسَ لَهُ التَّشْبِيهُ فِي لِبَاسِهِ بِلِبَاسِ أَعْدَاءِ الْمُسْلِمِينَ. وَاللِّبَاسُ وَالزِّيُّ الَّذِي يَتَّخِذُهُ بَعْضُ النُّسَّاكِ مِنْ الْفُقَرَاءِ، وَالصُّوفِيَّةِ، وَالْفُقَهَاءِ، وَغَيْرِهِمْ بِحَيْثُ يَصِيرُ شِعَارًا فَارِقًا كَمَا أُمِرَ أَهْلُ الذِّمَّةِ بِالتَّمْيِيزِ عَنْ الْمُسْلِمِينَ فِي شُعُورِهِمْ وَمَلَابِسِهِمْ، فِيهِ مَسْأَلَتَانِ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: هَلْ يُشْرَعُ ذَلِكَ اسْتِحْبَابًا لِتَمَيُّزِ

стр. 2261

الْفَقِيرِ وَالْفَقِيهِ مِنْ غَيْرِهِ، فَإِنَّ طَائِفَةً مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ اسْتَحَبُّوا ذَلِكَ، وَأَكْثَرُ الْأَئِمَّةِ لَا يَسْتَحِبُّونَ ذَلِكَ بَلْ قَدْ كَانُوا يَكْرَهُونَهُ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّمْيِيزِ عَنْ الْأُمَّةِ وَبِثَوْبِ الشُّهْرَةِ. أَقُولُ هَذَا فِيهِ تَفْصِيلٌ فِي كَرَاهَتِهِ وَإِبَاحَتِهِ وَاسْتِحْبَابِهِ فَإِنَّهُ يُجْمَعُ مِنْ وَجْهٍ وَيُفَرَّقُ مِنْ وَجْهٍ. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: إنَّ لُبْسَ الْمُرَقَّعَاتِ، وَالْمَصْبَغَاتِ، وَالصُّوفِ مِنْ الْعَبَاءَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ: فَالنَّاسُ فِيهِ عَلَى ثَلَاثَةِ طُرُقٍ: مِنْهُمْ مَنْ يَكْرَهُ ذَلِكَ مُطْلَقًا: إمَّا لِكَوْنِهِ بِدْعَةً، وَإِمَّا لِمَا فِيهِ مِنْ إظْهَارِ الدِّينِ. وَمِنْهُمْ مَنْ اسْتَحَبَّهُ بِحَيْثُ يَلْزَمُهُ وَيَمْتَنِعُ مِنْ تَرْكِهِ، وَهُوَ حَالُ كَثِيرٍ مِمَّنْ يُنْسَبُ إلَى الْخِرْقَةِ وَاللُّبْسَةِ، وَكِلَا الْقَوْلَيْنِ وَالْفِعْلَيْنِ خَطَأٌ، وَالصَّوَابُ: أَنَّهُ جَائِزٌ: كَلُبْسِ غَيْرِ ذَلِكَ، وَأَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يُرَقِّعَ الرَّجُلُ ثَوْبَهُ لِلْحَاجَةِ، كَمَا رَقَّعَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ثَوْبَهُ، وَعَائِشَةُ، وَغَيْرُهُمَا مِنْ السَّلَفِ، وَكَمَا لَبِسَ قَوْمٌ الصُّوفَ لِلْحَاجَةِ، وَيُلْبَسُ أَيْضًا لِلتَّوَاضُعِ وَالْمَسْكَنَةِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى غَيْرِهِ، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: «مَنْ تَرَكَ جَيِّدَ اللِّبَاسِ وَهُوَ يَقْدِرُ كَسَاهُ اللَّهُ مِنْ حُلَلِ الْكَرَامَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» فَأَمَّا تَقْطِيعُ الثَّوْبِ الصَّحِيحِ وَتَرْقِيعُهُ، فَهَذَا فَسَادٌ وَشُهْرَةٌ. وَكَذَلِكَ تَعَمُّدُ صَبْغِ الثَّوْبِ لِغَيْرِ فَائِدَةٍ، أَوْ حَكُّ الثَّوْبِ لِيَظْهَرَ التَّحْتَانِيُّ، أَوْ الْمُغَالَاةُ فِي الصُّوفِ الرَّفِيعِ، وَنَحْوُ ذَلِكَ مِمَّا فِيهِ إفْسَادُ الْمَالِ وَنَقْصُ قِيمَتِهِ أَوْ فِيهِ إظْهَارُ التَّشَبُّهِ بِلِبَاسِ أَهْلِ التَّوَاضُعِ وَالْمَسْكَنَةِ مَعَ ارْتِفَاعِ قِيمَتِهِ وَسِعْرِهِ، فَإِنَّ هَذَا مِنْ النِّفَاقِ وَالتَّلْبِيسِ، فَهَذَانِ النَّوْعَانِ فِيهِمَا إرَادَةُ الْعُلُوِّ فِي الْأَرْضِ، أَوْ الْفَسَادِ، وَالدَّارُ الْآخِرَةُ لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا، مَعَ مَا فِي ذَلِكَ مِنْ النِّفَاقِ، وَأَيْضًا فَالتَّقْيِيدُ بِهَذِهِ اللُّبْسَةِ بِحَيْثُ يُكْرَهُ اللَّابِسُ غَيْرَهَا أَوْ يَكْرَهُ أَصْحَابُهُ أَنْ لَا يَلْبَسُوا غَيْرَهَا، هُوَ أَيْضًا مَنْهِيٌّ عَنْهُ، وَلَيْسَ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يُطَوِّلَ الْقَمِيصَ وَالسَّرَاوِيلَ، وَسَائِرَ اللِّبَاسِ أَسْفَلَ مِنْ الْكَعْبَيْنِ ". [بَابُ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ] ِ وَتَجِبُ الْجُمُعَةُ عَلَى مَنْ أَقَامَ فِي غَيْرِ بِنَاءٍ كَالْخِيَامِ، وَبُيُوتِ الشِّعْرِ وَنَحْوِهَا

стр. 2262

وَهُوَ أُخِذَ فِي قَوْلِ الشَّافِعِيِّ، وَحَكَى الْأَزَجِيُّ رِوَايَةً عَنْ أَحْمَدَ لَيْسَ عَلَى أَهْلِ الْبَادِيَةِ جُمُعَةٌ؛ لِأَنَّهُمْ يَنْتَقِلُونَ فَأَسْقَطَهَا عَنْهُمْ، وَعَلَّلَ بِأَنَّهُمْ غَيْرُ مُسْتَوْطِنِينَ. وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: يُشْتَرَطُ مَعَ إقَامَتِهِمْ فِي الْخِيَامِ وَنَحْوِهَا أَنْ يَكُونُوا يَزْرَعُونَ كَمَا يَزْرَعُ أَهْلُ الْقَرْيَةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَلْزَمَ الْجُمُعَةُ مُسَافِرًا لَهُ الْقَصْرُ تَبَعًا لِلْمُقِيمِينَ، وَتَنْعَقِدُ الْجُمُعَةُ بِثَلَاثَةٍ: وَاحِدٌ يَخْطُبُ وَاثْنَانِ يَسْتَمِعَانِ، وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَاتِ عَنْ أَحْمَدَ. وَقَوْلُ طَائِفَةٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ، وَقَدْ يُقَالُ بِوُجُوبِهَا عَلَى الْأَرْبَعِينَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ وُجُوبُهَا عَلَى مَنْ دُونَهُمْ، وَتَصِحُّ مِمَّنْ دُونَهُمْ؛ لِأَنَّهُ انْتِقَالٌ إلَى أَعْلَى الْفَرْضَيْنِ: كَالْمَرِيضِ، بِخِلَافِ الْمُسَافِرِ فَإِنَّ فَرْضَهُ رَكْعَتَانِ وَلَا يَكْفِي فِي الْخُطْبَةِ ذَمُّ الدُّنْيَا وَذِكْرُ الْمَوْتِ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ مُسَمَّى الْخُطْبَةِ عُرْفًا، وَلَا تَحْصُلُ بِاخْتِصَارٍ يَفُوتُ بِهِ الْمَقْصُودُ، وَيَجِبُ فِي الْخُطْبَةِ أَنْ يَشْهَدَ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَوْجَبَ أَبُو الْعَبَّاسِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ الشَّهَادَتَيْنِ، وَتَرَدَّدَ فِي وُجُوبِ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي الْخُطْبَةِ. قَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: وَيُحْتَمَلُ وَهُوَ الْأَشْبَهُ أَنْ تَجِبَ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ ﷺ فِيهَا وَلَا تَجِبُ مُفْرَدَةً، لِقَوْلِ عُمَرَ وَعَلِيٍّ: الدُّعَاءُ مَوْقُوفٌ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ حَتَّى تُصَلِّيَ عَلَى نَبِيِّك ﷺ . وَتُقَدَّمُ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ ﷺ عَلَى الدُّعَاءِ لِوُجُوبِ تَقْدِيمِهِ عَلَى النَّفْسِ، وَأَمَّا الْأَمْرُ بِتَقْوَى اللَّهِ فَالْوَاجِبُ أَمَّا مَعْنَى ذَلِكَ وَهُوَ الْأَشْبَهُ مِنْ أَنْ يُقَالَ الْوَاجِبُ لَفْظُ التَّقْوَى. وَمَنْ أَوْجَبَ لَفْظَ التَّقْوَى فَقَدْ يَحْتَجُّ بِأَنَّهَا جَاءَتْ بِهَذَا اللَّفْظِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء: ١٣١] وَلَيْسَتْ كَلِمَةٌ أَجْمَعَ لِمَا أَمَرَ اللَّهُ مِنْ كَلِمَةِ التَّقْوَى، قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤] : أَجْمَعَ النَّاسُ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي الصَّلَاةِ. وَقَدْ قِيلَ فِي الْخُطْبَةِ: وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ أَبِي الْعَبَّاسِ أَنَّهَا تَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ الِاسْتِمَاعِ، وَصَرَّحَ بِأَنَّهَا تَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ الْقِرَاءَةِ فِي الْخُطْبَةِ؛ لِأَنَّ كَلِمَةَ إذَا إنَّمَا تَقُولُهَا الْعَرَبُ فِيمَا لَا بُدَّ مِنْ وُقُوعِهِ، لَا فِيمَا يَحْتَمِلُ الْوُقُوعَ وَعَدَمَهُ؛ لِأَنَّ إذَا ظَرْفٌ لِمَا يُسْتَقْبَلُ مِنْ الزَّمَانِ يَتَضَمَّنُ مَعْنَى الشَّرْطِ غَالِبًا وَالظَّرْفُ لِلْفِعْلِ لَا بُدَّ أَنْ يَشْتَمِلَ عَلَى الْفِعْلِ وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ ظَرْفًا وَالسُّنَّةُ فِي الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أَنْ

стр. 2263

يُصَلِّيَ عَلَيْهِ سِرًّا كَالدُّعَاءِ، أَمَّا رَفْعُ الصَّوْتِ بِهَا قُدَّامَ بَعْضِ الْخُطَبَاءِ فَمَكْرُوهٌ، أَوْ مُحَرَّمٌ اتِّفَاقًا، لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: يُصَلِّي عَلَيْهِ سِرًّا، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: يَسْكُتُ، وَدُعَاءُ الْإِمَامِ بَعْدَ صُعُودِهِ لَا أَصْلَ لَهُ، وَيُكْرَهُ لِلْإِمَامِ رَفْعُ يَدَيْهِ حَالَ الدُّعَاءِ فِي الْخُطْبَةِ وَهُوَ أَصَحُّ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِنَا؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ إنَّمَا كَانَ يُشِيرُ بِأُصْبُعِهِ إذَا دَعَا. وَأَمَّا فِي الِاسْتِسْقَاءِ فَرَفَعَ يَدَيْهِ لَمَّا اسْتَسْقَى عَلَى الْمِنْبَرِ. وَيَقْرَأُ فِي أُولَى فَجْرِ الْجُمُعَةِ أَلَمْ السَّجْدَةَ، وَفِي الثَّانِيَةِ ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ﴾ [الإنسان: ١] وَيُكْرَهُ مُدَاوَمَتُهُ عَلَيْهِمَا، وَهُوَ مَنْصُوصُ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ، وَيُكْرَهُ تَحَرِّي سَجْدَةٍ غَيْرِهَا، وَالسُّنَّةُ إكْمَالُ السَّجْدَةِ، وَ ﴿هَلْ أَتَى﴾ [الإنسان: ١] . وَصَلَاةُ الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْجُمُعَةِ حَسَنَةٌ مَشْرُوعَةٌ، وَلَا يُدَاوِمُ عَلَيْهَا إلَّا لِمَصْلَحَةٍ وَيَحْرُمُ تَخَطِّي رِقَابِ النَّاسِ. وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَتَخَطَّى النَّاسَ لِيَدْخُلَ فِي الصَّفِّ إذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ يَدَيْهِ فُرْجَةٌ، لَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَلَا غَيْرَهُ؛ لِأَنَّ هَذَا مِنْ الظُّلْمِ وَالتَّعَدِّي لِحُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِذَا فَرَشَ مُصَلَّى وَلَمْ يَجْلِسْ عَلَيْهِ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ وَلِغَيْرِهِ رَفْعُهُ فِي أَظْهَرِ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ، وَإِذَا وَقَعَ الْعِيدُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَاجْتَزَى بِالْعِيدِ وَصَلَّى ظُهْرًا جَازَ إلَّا لِلْإِمَامِ وَهُوَ مَذْهَبُ أَحْمَدَ. وَأَمَّا الْقُصَّاصُ الَّذِينَ يَقُومُونَ عَلَى رُءُوسِ النَّاسِ ثُمَّ يَسْأَلُونَ فَهَؤُلَاءِ مَنْعُهُمْ مَنْ أَهَمِّ الْأُمُورِ، فَإِنَّهُمْ يَكْذِبُونَ وَيَتَخَطَّوْنَ النَّاسَ وَيَشْغَلُونَ عَمَّا يُشْرَعُ فِي الصَّلَاةِ وَالْقِرَاءَةِ وَالدُّعَاءِ لَا سِيَّمَا إنْ قَصُّوا أَوْ سَأَلُوا، وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ فَإِنَّ هَذَا مِنْ الْمُنْكَرَاتِ الشَّنِيعَةِ الَّتِي يَنْبَغِي إزَالَتُهَا بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ، وَيَنْبَغِي لِوُلَاةِ الْأُمُورِ أَنْ يَمْنَعُوا مِنْ هَذِهِ الْمُنْكَرَاتِ كُلِّهَا فَإِنَّهُمْ مُتَصَدُّونَ لِلْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ. [بَابُ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ] وَهِيَ فَرْضٌ عَمَلِيٌّ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَرِوَايَةٌ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَقَدْ يُقَالُ بِوُجُوبِهَا عَلَى النِّسَاءِ، وَمِنْ شَرْطِهَا الِاسْتِيطَانُ وَعَدَدُ الْجُمُعَةِ، وَيَفْعَلُهَا الْمُسَافِرُ وَالْعَبْدُ وَالْمَرْأَةُ تَبَعًا، وَلَا يُسْتَحَبُّ قَضَاؤُهَا لِمَنْ فَاتَتْهُ مِنْهُمْ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَيَسْتَفْتِحُ

стр. 2264

خُطْبَتَهَا بِالْحَمْدِ لِلَّهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ افْتَتَحَ خُطْبَةً بِغَيْرِهَا. وَالتَّكْبِيرُ فِي عِيدِ الْأَضْحَى مَشْرُوعٌ بِاتِّفَاقٍ، وَكَذَا مَشْرُوعٌ فِي عِيدِ الْفِطْرِ عِنْدَ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ. وَذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ ذَلِكَ مَذْهَبًا لِأَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ، وَالْمَشْهُورُ عَنْهُمْ خِلَافُهُ، وَالتَّكْبِيرُ فِيهِ هُوَ الْمَأْثُورُ عَنْ الصَّحَابَةِ ﵃، وَالتَّكْبِيرُ فِيهِ آكَدُ مِنْ جِهَةِ أَمْرِ اللَّهِ بِهِ وَالتَّكْبِيرُ أَوَّلَهُ مِنْ رُؤْيَةِ الْهِلَالِ وَآخِرَهُ انْقِضَاءُ الْعِيدِ، وَهُوَ فَرَاغُ الْإِمَامِ مِنْ الْخُطْبَةِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَالتَّكْبِيرُ فِي عِيدِ النَّحْرِ آكَدُ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ يُشْرَعُ أَدْبَارَ الصَّلَاةِ، وَأَنَّهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَعِيدُ النَّحْرِ أَفْضَلُ مِنْ عِيدِ الْفِطْرِ، وَمِنْ سَائِرِ الْأَيَّامِ. وَالِاسْتِغْفَارُ الْمَأْثُورُ عَقِيبَ الصَّلَوَاتِ، وَقَوْلُ: اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ وَمِنْك السَّلَامُ تَبَارَكْت يَا ذَا الْجَلَالِ الْإِكْرَامِ، هَلْ يُقَدَّمُ عَلَى التَّكْبِيرِ وَالتَّلْبِيَةِ أَمْ يُقَدَّمَانِ عَلَيْهِ كَمَا يُقَدَّم عَلَيْهِ سُجُودُ السَّهْوِ؟ وَبَيَّضَ لِذَلِكَ أَبُو الْعَبَّاسِ وَاَلَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُ أَحْمَدَ فِي أَكْثَرِ الْمَوَاضِعِ، وَهُوَ الَّذِي تَدُلُّ عَلَيْهِ السُّنَّةُ وَآثَارُ السَّلَفِ أَنَّ الِاجْتِمَاعَ عَلَى الصَّلَاةِ، أَوْ الْقِرَاءَةِ وَسَمَاعِهَا، أَوْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى، أَوْ دُعَائِهِ، أَوْ تَعْلِيمِ الْعِلْمِ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ نَوْعَانِ: نَوْعٌ شُرِعَ اجْتِمَاعٌ لَهُ عَلَى وَجْهِ الْمُدَاوَمَةِ، وَهُوَ قِسْمَانِ: قِسْمٌ يَدُورُ بِدَوَرَانِ الْأَوْقَاتِ: كَالْجُمُعَةِ، وَالْعِيدَيْنِ، وَالْحَجِّ، وَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، أَوْ يَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِ الْأَسْبَابِ: كَصَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ، وَالْكُسُوفِ، وَالْآيَاتِ، وَالْقُنُوتِ فِي النَّوَازِلِ. وَالْمُؤَقَّتُ فَرْضُهُ وَنَفْلُهُ إمَّا أَنْ يَعُودَ بِعَوْدِ الْيَوْمِ وَهُوَ الَّذِي يُسَمَّى عَمَلَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ: كَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَسُنَنِهَا: الرَّوَاتِبِ، وَالْوِتْرِ، وَالْأَذْكَارِ، وَالْأَدْعِيَةِ الْمَشْرُوعَةِ طَرَفَيْ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنْ اللَّيْلِ، وَإِمَّا أَنْ يَعُودَ بِعَوْدِ الْأُسْبُوعِ: كَالْجُمُعَةِ، وَصَوْمِ الِاثْنَيْنِ، وَالْخَمِيسِ، وَإِمَّا أَنْ يَعُودَ بِعَوْدِ الشَّهْرِ: كَصِيَامِ أَيَّامِ الْبِيضِ، أَوْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَالذِّكْرِ الْمَأْثُورِ عِنْدَ رُؤْيَةِ الْهِلَالِ، وَإِمَّا أَنْ يَعُودَ بِعَوْدِ الْحُلُولِ: كَصِيَامِ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَالْعِيدَيْنِ، وَالْحَجِّ. وَالْمُتَسَبَّبُ مَا لَهُ سَبَبٌ وَلَيْسَ لَهُ وَقْتٌ مَحْدُودٌ: كَصَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ، وَالْكُسُوفِ، وَقُنُوتِ النَّوَازِلِ. وَمَا لَمْ يُشْرَعْ فِيهِ الْجَمَاعَةُ: كَصَلَاةِ الِاسْتِخَارَةِ، وَصَلَاةِ التَّوْبَةِ، وَصَلَاةِ الْوُضُوءِ،

стр. 2265

وَتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا لَمْ يُذْكَرْ نَوْعُهُ فِي بَابِ صَلَاةِ التَّطَوُّعِ، وَالْأَوْقَاتِ الْمَنْهِيِّ عَنْ الصَّلَاةِ فِيهَا. وَالنَّوْعُ الثَّانِي: مَا لَمْ يُسَنَّ لَهُ الِاجْتِمَاعُ الْمُعْتَادُ الدَّائِمِ: كَالتَّعْرِيفِ فِي الْأَمْصَارِ، وَالدُّعَاءِ الْمُجْتَمَعِ عَلَيْهِ عَقِبَ الْفَجْرِ، وَالْعَصْرِ، وَالصَّلَاةِ، وَالتَّطَوُّعِ الْمُطْلَقِ فِي جَمَاعَةٍ، وَالِاجْتِمَاعِ لِسَمَاعِ الْقُرْآنِ وَتِلَاوَتِهِ، أَوْ سَمَاعِ الْعِلْمِ، وَالْحَدِيثِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَهَذِهِ الْأُمُورُ لَا يُكْرَهُ الِاجْتِمَاعُ لَهَا مُطْلَقًا، وَلَمْ يُسَنَّ مُطْلَقًا، بَلْ الْمُدَاوَمَةُ عَلَيْهَا بِدْعَةٌ فَيُسْتَحَبُّ أَحْيَانَا، وَيُبَاحُ أَحْيَانًا وَتُكْرَهُ الْمُدَاوَمَةُ عَلَيْهَا، وَهَذَا هُوَ الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي الِاجْتِمَاعِ عَلَى الدُّعَاءِ، وَالْقِرَاءَةِ، وَالذِّكْرِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَالتَّفْرِيقُ بَيْنَ السُّنَّةِ وَالْبِدْعَةِ فِي الْمُدَاوَمَةِ أَمْرٌ عَظِيمٌ يَنْبَغِي التَّفَطُّنُ لَهُ. [بَابُ صَلَاةِ الْكُسُوفِ] وَيُجْهَرُ بِالْقِرَاءَةِ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ وَلَوْ نَهَارًا، وَهُوَ مَذْهَبُ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ. وَتُصَلَّى صَلَاةُ الْكُسُوفِ لِكُلِّ آيَةٍ كَالزَّلْزَلَةِ وَغَيْرِهَا، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ، وَقَوْلُ مُحَقِّقِي أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ، وَلَا كُسُوفَ إلَّا فِي ثَامِنٍ وَعِشْرِينَ، أَوْ تَاسِعٍ وَعِشْرِينَ، وَلَا خُسُوفَ إلَّا فِي إبْدَارِ الْقَمَرِ، وَالتَّوَسُّلِ بِالنَّبِيِّ ﷺ كَمَسْأَلَةِ الْيَمِينِ بِهِ وَالتَّوَسُّلِ بِالْإِيمَانِ بِهِ، وَطَاعَتِهِ وَمَحَبَّتِهِ، وَالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَيْهِ ﷺ وَبِدُعَائِهِ وَشَفَاعَتِهِ مِمَّا هُوَ فِعْلُهُ، أَوْ أَفْعَالُ الْعِبَادِ الْمَأْمُورُ بِهَا فِي حَقِّهِ مَشْرُوعٌ إجْمَاعًا وَهُوَ مِنْ الْوَسِيلَةِ الْمَأْمُورِ بِهَا فِي قَوْلِهِ: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة: ٣٥] . وَقَصْدُ الْقَبْرِ لِلدُّعَاءِ عِنْدَهُ رَجَاءَ الْإِجَابَةِ بِدْعَةٌ لَا قُرْبَةٌ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ، وَقَوْلُ الْقَائِلِ: أَنَا فِي بَرَكَةِ فُلَانٍ وَتَحْتَ نَظَرِهِ إنْ أَرَادَ بِذَلِكَ أَنَّ نَظَرَهُ وَبَرَكَتَهُ مُسْتَقِلَّةٌ بِتَحْصِيلِ الْمَصَالِحِ، وَدَفْعِ الْمَضَارِّ، فَكَذَبَ وَإِنْ أَرَادَ أَنَّ فُلَانًا دَعَا لِي فَانْتَفَعْت بِدُعَائِهِ، أَوْ أَنَّهُ عَلَّمَنِي وَأَدَّبَنِي فَأَنَا فِي بَرَكَةِ مَا انْتَفَعْت بِهِ مِنْ تَعْلِيمِهِ وَتَأْدِيبِهِ فَصَحِيحٌ. وَإِنْ أَرَادَ بِذَلِكَ أَنَّهُ بَعْدَ مَوْتِهِ يَجْلِبُ الْمَنَافِعَ، وَيَدْفَعُ الْمَضَارَّ، أَوْ مُجَرَّدُ صَلَاحِهِ وَدِينِهِ وَقُرْبِهِ مِنْ اللَّهِ يَنْفَعُنِي مِنْ غَيْرِ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَكَذَبَ.

стр. 2266

[كِتَابُ الْجَنَائِزِ] ِ وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ فِي عِيَادَةِ الْمَرِيضِ، وَتَشْمِيتِ الْعَاطِسِ، وَابْتِدَاءِ السَّلَامِ، وَاَلَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ النَّصُّ وُجُوبُ ذَلِكَ، فَيُقَالُ هُوَ وَاجِبٌ عَلَى الْكِفَايَةِ. الْأَدْيَانُ عِنْدَ الْمَوْتِ عَلَى الْعَبْدِ لَيْسَ أَمْرًا عَامًّا لِكُلِّ أَحَدٍ، وَلَا هُوَ أَيْضًا مَنْفِيًّا عَنْ كُلِّ أَحَدٍ، بَلْ مِنْ النَّاسِ مَنْ لَا يُعْرَضُ عَلَيْهِ الْأَدْيَانُ وَمِنْهُمْ مَنْ يُعْرَضُ عَلَيْهِ وَذَلِكَ كُلُّهُ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا الَّتِي أَمَرَنَا أَنْ نَسْتَعِيذَ فِي صَلَاتِنَا مِنْهَا، وَوَقْتُ الْمَوْتِ يَكُونُ الشَّيْطَانُ أَحْرَصَ مَا يَكُونُ عَلَى إغْوَاءِ بَنِي آدَمَ. وَعَمَلُ الْقَلْبِ مِنْ التَّوَكُّلِ، وَالْخَوْفِ، وَالرَّجَاءِ، وَمَا يَتْبَعُ ذَلِكَ، وَالصَّبْرِ وَاجِبٌ بِالِاتِّفَاقِ، وَلَا يَلْزَمُ الرِّضَا بِمَرَضٍ وَفَقْرٍ وَعَاهَةٍ وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَالصَّبْرُ تُنَافِيهِ الشَّكْوَى، وَالصَّبْرُ الْجَمِيلُ تُنَافِيهِ الشَّكْوَى إلَى الْمَخْلُوقِ لَا إلَى الْخَالِقِ بَلْ هِيَ مَطْلُوبَةٌ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ﴾ [الأنعام: ٤٢] إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْآيَاتِ. وَيَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يَكُونَ خَوْفُهُ وَرَجَاؤُهُ وَاحِدًا، فَأَيُّهُمَا غَلَبَ هَلَكَ صَاحِبُهُ وَنَصَّ عَلَيْهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ؛ لِأَنَّ مَنْ غَلَبَ خَوْفُهُ وَقَعَ فِي نَوْعٍ مِنْ الْيَأْسِ، وَمَنْ غَلَبَ رَجَاؤُهُ وَقَعَ فِي نَوْعٍ مِنْ الْأَمْنِ مِنْ مَكْرِ اللَّهِ. وَتُعْتَبَرُ الْمَصْلَحَةُ فِي الْعِبَادَةِ الدِّعَائِيَّةِ، وَلَا يُشْهَدُ بِالْجَنَّةِ إلَّا لِمَنْ شَهِدَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَوْ اتَّفَقَتْ الْأُمَّةُ عَلَى الثَّنَاءِ عَلَيْهِ وَهُوَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ. وَتَوَاطُؤُ الرُّؤْيَا لِتَوَاطُؤِ الشَّهَادَاتِ، وَمَنْ ظَنَّ أَنَّ غَيْرَهُ لَا يَقُومُ بِأَمْرِ الْمَيِّتِ تَعَيَّنَ

стр. 2267

عَلَيْهِ وَقَالَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ فِي فَرْضِ الْكِفَايَةِ، وَتُسْتَحَبُّ قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ، وَلَا تَجِبُ وَهُوَ ظَاهِرُ نَقْلِ أَبِي طَالِبٍ، وَيُصَلِّي عَلَى الْجِنَازَةِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى؛ لِأَنَّهُ دُعَاءٌ، وَهُوَ وَجْهٌ فِي الْمَذْهَبِ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْقُنُوتِ. وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ، وَمَنْ صَلَّى عَلَى الْجِنَازَةِ فَلَا يُعِيدُهَا إلَّا لِسَبَبٍ مِثْلُ أَنْ يُعِيدَ غَيْرُهُ الصَّلَاةَ فَيُعِيدَهَا مَعَهُ أَوْ يَكُونَ هُوَ أَحَقَّ بِالْإِمَامَةِ مِنْ الطَّائِفَةِ الَّتِي صَلَّتْ أَوَّلًا، فَيُصَلِّي بِهِمْ وَيُصَلَّى عَلَى الْقَبْرِ إلَى شَهْرٍ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَحْمَدَ. صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ وَهِيَ عَلَى أَعْنَاقِ الرِّجَالِ وَهِيَ وَاقِفَةٌ فَهَذَا لَهُ مَأْخَذَانِ الْأَوَّلُ اسْتِقْرَارُ الْمَحَلِّ فَقَدْ يُخَرَّجُ عَلَى الصَّلَاةِ فِي السَّفِينَةِ وَعَلَى الرَّاحِلَةِ مَعَ اسْتِيفَاءِ الْفَرَائِضِ وَإِمْكَانِ الِانْتِقَالِ وَفِيهِ رِوَايَتَانِ، وَالثَّانِي اشْتِرَاطُ مُحَاذَاةِ الْمُصَلِّي لِلْجِنَازَةِ، فَلَوْ كَانَتْ أَعْلَى مِنْ رَأْسِهِ فَهَذَا قَدْ يُخَرَّجُ عَلَى عُلُوِّ الْإِمَامِ عَلَى الْمَأْمُومِ فَلَوْ وُضِعَتْ عَلَى كُرْسِيٍّ عَالٍ أَوْ مِنْبَرٍ ارْتَفَعَ الْمَحْذُورُ الْأَوَّلُ دُونَ الثَّانِي قُلْت قَالَ أَبُو الْمَعَالِي لَوْ صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ وَهِيَ مَحْمُولَةٌ عَلَى الْأَعْنَاقِ أَوْ عَلَى دَابَّةٍ أَوْ صَغِيرٍ عَلَى يَدَيْ رَجُلٍ لَمْ يَجُزْ لِأَنَّ الْجِنَازَةَ بِمَنْزِلَةِ الْإِمَامِ. وَقَالَ صَاحِبُ التَّلْخِيصِ وَجَمَاعَةٌ: يُشْتَرَطُ حُضُورُ السَّرِيرِ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي وَلَا يُصَلَّى عَلَى الْغَائِبِ عَنْ الْبَلَدِ إنْ كَانَ صُلِّيَ عَلَيْهِ وَهُوَ وَجْهٌ فِي الْمَذْهَبِ وَمُقْتَضَى اللَّفْظِ أَنَّ مَنْ هُوَ خَارِجُ السُّورِ أَوْ مَا يُقَدَّرُ سُورًا يُصَلِّي عَلَيْهِ أَمَّا الْغَائِبُ فَهُوَ الَّذِي يَكُونُ انْفِصَالُهُ عَنْ الْبَلَدِ بِمَا يُعَدُّ الذَّهَابُ إلَيْهِ نَوْعُ سَفَرٍ. وَقَالَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ: إنَّهُ يَكْفِي خَمْسُونَ خُطْوَةً وَأَقْرَبُ الْحُدُودِ مَا يَجِبُ فِيهِ الْجُمُعَةُ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاةِ فِي الْبَلَدِ فَلَا يُعَدُّ غَائِبًا عَنْهُ وَلَا يُصَلَّى كُلَّ يَوْمٍ عَلَى غَائِبٍ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ يُؤَيِّدُهُ قَوْلُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ إذَا مَاتَ رَجُلٌ صَالِحٌ صُلِّيَ عَلَيْهِ وَاحْتَجَّ بِقِصَّةِ النَّجَاشِيِّ وَمَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ النَّاسِ مِنْ أَنَّهُ كُلَّ لَيْلَةٍ يُصَلِّي عَلَى جَمِيعِ مَنْ مَاتَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ لَا رَيْبَ أَنَّهُ بِدْعَةٌ وَمَنْ مَاتَ وَكَانَ لَا يُزَكِّي وَلَا يُصَلِّي إلَّا فِي رَمَضَانَ يَنْبَغِي لِأَهْلِ الْعِلْمِ وَالدِّينِ أَنْ يَدَعُوا الصَّلَاةَ عَلَيْهِ عُقُوبَةً وَنَكَالًا لِأَمْثَالِهِ لِتَرْكِهِ ﷺ الصَّلَاةَ عَلَى الْقَاتِلِ نَفْسَهُ وَعَلَى الْغَالِّ وَالْمَدِينِ الَّذِي لَهُ وَفَاءٌ وَلَا بُدَّ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ بَعْضُ النَّاسِ وَإِنْ كَانَ مُنَافِقًا كَمَنْ عُلَمِ نِفَاقُهُ لَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ وَمَنْ لِمَ يُعْلَمْ نِفَاقَهُ صَلَّى عَلَيْهِ وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَتَرَحَّم عَلَى مَنْ مَاتَ كَافِرًا وَمَنْ مَاتَ مُظْهِرًا لِلْفِسْقِ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ

стр. 2268

الْإِيمَانِ كَأَهْلِ الْكَبَائِرِ وَمَنْ امْتَنَعَ مِنْ الصَّلَاةِ عَلَى أَحَدِهِمْ زَجْرًا لِأَمْثَالِهِ عَنْ مِثْلِ فِعْلِهِ كَانَ حَسَنًا وَلَوْ امْتَنَعَ فِي الظَّاهِرِ وَدَعَا لَهُ فِي الْبَاطِنِ لِيَجْمَعَ بَيْنَ الْمَصْلَحَتَيْنِ كَانَ أَوْلَى مِنْ تَفْوِيتِ إحْدَاهُمَا. وَتَرْكُ النَّبِيِّ ﷺ غُسْلَ الشَّهِيدِ وَالصَّلَاةَ عَلَيْهِ يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ، أَمَّا اسْتِحْبَابُ التَّرْكِ فَلَا يَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِ الْفِعْلِ وَيَتْبَعُ الْجِنَازَةَ وَلَوْ لِأَجْلِ أَهْلِهِ فَقَطْ إحْسَانًا إلَيْهِمْ لِتَأَلُّفِهِمْ أَوْ مُكَافَأَةً أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، رَوَى أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «الْمَيِّتُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي ثِيَابِهِ الَّتِي قُبِضَ فِيهَا» أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ فِي صَحِيحِهِ وَغَيْرُهُ، وَحَمَلَهُ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَلَى أَنَّ الثِّيَابَ الَّتِي يَمُوتُ فِيهَا الْعَبْدُ هِيَ مَا مَاتَ عَلَيْهِ مِنْ الْعَمَلِ سَوَاءٌ كَانَ صَالِحًا أَوْ سَيِّئًا؛ وَرَجَّحَ أَبُو الْعَبَّاسِ هَذَا بِأَنَّ الَّذِي جَاءَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ «يُبْعَثُ عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ» رَوَاهُ حَاتِمٌ فِي صَحِيحِهِ. وَقَالَ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ تُبَيِّنُ أَنَّهُمْ يُحْشَرُونَ عُرَاةً، وَيُسْتَحَبُّ الْقِيَامُ لِلْجِنَازَةِ إذَا مَرَّتْ بِهِ وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ. وَاخْتِيَارُ ابْنِ عَقِيلٍ، وَإِذَا كَانَ مَعَ الْجِنَازَةِ مُنْكَرٌ وَهُوَ عَاجِزٌ عَنْ إزَالَتِهِ تَبِعَهَا عَلَى الصَّحِيحِ، وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ وَأَنْكَرَ بِحَسَبِهِ وَيُكْرَهُ رَفْعُ الصَّوْتِ مَعَ الْجِنَازَةِ وَلَوْ بِالْقِرَاءَةِ اتِّفَاقًا وَضَرْبُ النِّسَاءِ بِالدُّفِّ مَعَ الْجِنَازَةِ مُنْكَرٌ مَنْهِيٌّ عَنْهُ وَمَنْ بَنَى فِي مَقْبَرَةِ الْمُسْلِمِينَ مَا يَخْتَصُّ بِهِ فَهُوَ عَاصٍ وَهُوَ مَذْهَبُ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ وَيَحْرُمُ الْإِسْرَاجُ عَلَى الْقُبُورِ وَاِتِّخَاذُ الْمَسَاجِدِ عَلَيْهَا وَبَيْنَهَا وَيَتَعَيَّنُ إزَالَتُهَا. قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا بَيْنَ الْعُلَمَاءِ الْمَعْرُوفِينَ وَإِذَا لَمْ يُمْكِنْهُ الْمَشْيُ إلَى الْمَسْجِدِ إلَّا عَلَى الْجَنَابَةِ فَلَهُ ذَلِكَ وَلَا يَتْرُكُ الْمَسْجِدَ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَدْعُوَ لِلْمَيِّتِ عِنْدَ الْقَبْرِ بَعْدَ الدَّفْنِ وَاقِفًا قَالَ أَحْمَدُ لَا بَأْسَ بِهِ قَدْ فَعَلَهُ عَلِيٌّ وَالْأَحْنَفُ. وَرَوَى سَعِيدٌ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «كَانَ يَقِفُ فَيَدْعُو» وَلِأَنَّهُ مُعْتَادٌ بِدَلِيلٍ قَوْله تَعَالَى فِي الْمُنَافِقِينَ ﴿وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة: ٨٤] وَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْمُفَسِّرُونَ وَتَلْقِينُ الْمَيِّتِ بَعْدَ مَوْتِهِ لَيْسَ بِوَاجِبٍ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ وَلَكِنْ مِنْ الْأَئِمَّةِ مَنْ رَخَّصَ فِيهِ كَالْإِمَامِ أَحْمَدَ وَقَدْ اسْتَحَبَّهُ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ وَأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ. وَمِنْ الْعُلَمَاءِ مَنْ يَكْرَهُهُ لِاعْتِقَادِهِ أَنَّهُ بِدْعَةٌ كَمَا يَقُولُهُ مَنْ يَقُولُهُ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ

стр. 2269

وَغَيْرِهِ فَالْأَقْوَالُ فِيهِ ثَلَاثَةٌ: الِاسْتِحْبَابُ وَالْكَرَاهَةُ وَالْإِبَاحَةُ وَهُوَ أَعْدَلُ الْأَقْوَالِ، وَغَيْرُ الْمُكَلَّفِ يُمْتَحَنُ وَيُسْأَلُ، وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ قَالَهُ أَبُو حَكِيمٍ وَغَيْرُهُ وَيُكْرَهُ دَفْنُ اثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ وَاخْتَارَهَا جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ. وَحَدِيثُ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ «ثَلَاثُ سَاعَاتٍ نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ نُصَلِّيَ فِيهِنَّ أَوْ نَقْبُرَ فِيهِنَّ مَوْتَانَا» فَسَّرَ بَعْضُهُمْ الْقَبْرَ بِأَنَّهُ الصَّلَاةُ عَلَى الْجِنَازَةِ وَهَذَا ضَعِيفٌ لِأَنَّ صَلَاةَ الْجِنَازَةِ لَا تُكْرَهُ فِي هَذَا الْوَقْتِ بِالْإِجْمَاعِ وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ تَعَمُّدُ تَأْخِيرِ الدَّفْنِ إلَى هَذِهِ الْأَوْقَاتِ، كَمَا يُكْرَهُ تَعَمُّدُ تَأْخِيرِ صَلَاةِ الْعَصْرِ إلَى اصْفِرَارِ الشَّمْسِ بِلَا عُذْرٍ. فَأَمَّا إذَا وَقَعَ الدَّفْنُ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ بِلَا تَعَمُّدٍ فَلَا يُكْرَهُ وَلَا يُسْتَحَبُّ لِلرَّجُلِ أَنْ يَحْفِرَ قَبْرَهُ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ هُوَ وَلَا أَصْحَابُهُ وَالْعَبْدُ لَا يَدْرِي أَيْنَ يَمُوتُ. وَإِذَا كَانَ مَقْصُودُ الرَّجُلِ الِاسْتِعْدَادَ لِلْمَوْتِ، فَهَذَا يَكُونُ مِنْ الْعَمَلِ الصَّالِحِ وَيُسْتَحَبُّ الْبُكَاءُ عَلَى الْمَيِّتِ رَحْمَةً لَهُ وَهُوَ أَكْمَلُ مِنْ الْفَرَحِ لِقَوْلِهِ ﷺ «هَذِهِ رَحْمَةٌ جَعَلَهَا اللَّهُ فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَالْمَيِّتُ يَتَأَذَّى بِنَوْحِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ مُطْلَقًا قَالَهُ طَائِفَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَمَا يُهَيِّجُ الْمُصِيبَةَ مِنْ إنْشَادِ الشِّعْرِ وَالْوَعْظِ فَمِنْ النَّائِحَةِ وَفِي الْفُنُونِ لِابْنِ عَقِيلٍ مَا يُوَافِقُهُ وَيَحْرُمُ الذَّبْحُ وَالتَّضْحِيَةُ عِنْدَ الْقَبْرِ وَنَقَلَ أَحْمَدُ كَرَاهَةَ الذَّبْحِ عِنْدَ الْقَبْرِ وَلِهَذَا كَرِهَ الْعُلَمَاءُ الْأَكْلَ مِنْ هَذِهِ الذَّبِيحَةِ. وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: وَإِخْرَاجُ الصَّدَقَةِ مَعَ الْجِنَازَةِ بِدْعَةٌ مَكْرُوهَةٌ وَهِيَ تُشْبِهُ الذَّبْحَ عِنْدَ الْقَبْرِ وَلَا يُشْرَعُ شَيْءٌ مِنْ الْعِبَادَاتِ عِنْدَ الْقُبُورِ الصَّدَقَةُ وَغَيْرُهَا، وَيَجُوزُ زِيَارَةُ قَبْرِ الْكَافِرِ لِلِاعْتِبَارِ وَلَا يُمْنَعُ الْكَافِرُ مِنْ زِيَارَةِ قَبْرِ أَبِيهِ الْمُسْلِمِ، وَاسْتَفَاضَتْ الْآثَارُ بِمَعْرِفَةِ الْمَيِّتِ أَهْلَهُ وَبِأَحْوَالِ أَهْلِهِ وَأَصْحَابِهِ فِي الدُّنْيَا وَأَنَّ ذَلِكَ يُعْرَضُ عَلَيْهِ وَجَاءَتْ الْآثَارُ بِأَنَّهُ يَرَى أَيْضًا وَبِأَنَّهُ يَدْرِي بِمَا يُفْعَلُ عِنْدَهُ فَيُسَرُّ بِمَا كَانَ حَسَنًا وَيَتَأَلَّمُ بِمَا كَانَ قَبِيحًا وَتَجْتَمِعُ أَرْوَاحُ الْمَوْتَى فَيَنْزِلُ الْأَعْلَى إلَى الْأَدْنَى لَا الْعَكْسُ وَلَا تَتْبَعُ النِّسَاءُ الْجَنَائِزَ وَنَقَلَ الْجَمَاعَةُ عَنْ أَحْمَدَ كَرَاهَةَ الْقُرْآنِ عَلَى الْقُبُورِ. وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ السَّلَفِ وَعَلَيْهَا قُدَمَاءُ أَصْحَابِهِ وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ الْمُعْتَبَرِينَ: إنَّ الْقِرَاءَةَ عِنْدَ الْقَبْرِ أَفْضَلُ وَلَا رَخَّصَ فِي اتِّخَاذِهِ عِيدًا كَاعْتِيَادِ الْقِرَاءَةِ عِنْدَهُ فِي وَقْتٍ مَعْلُومٍ أَوْ الذِّكْرِ أَوْ الصِّيَامِ، وَاِتِّخَاذُ الْمَصَاحِفِ عِنْدَ الْقَبْرِ بِدْعَةٌ وَلَوْ لِلْقِرَاءَةِ وَلَوْ

стр. 2270

نَفَعَ الْمَيِّتَ لَفَعَلَهُ السَّلَفُ بَلْ هُوَ عِنْدَهُمْ كَالْقِرَاءَةِ فِي الْمَسَاجِدِ وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْ الْأَئِمَّةِ الْمُعْتَبَرِينَ أَنَّ الْمَيِّتَ يُؤْجَرُ عَلَى اسْتِمَاعِهِ لِلْقُرْآنِ. وَمَنْ قَالَ: إنَّهُ يَنْتَفِعُ بِسَمَاعِهِ دُونَ مَا إذَا بَعُدَ فَقَوْلُهُ بَاطِلٌ يُخَالِفُ الْإِجْمَاعَ، وَالْقِرَاءَةَ عَلَى الْمَيِّتِ بَعْدَ مَوْتِهِ بِدْعَةٌ بِخِلَافِ الْقِرَاءَةِ عَلَى الْمُحْتَضَرِ فَإِنَّهَا تُسْتَحَبُّ بِيَاسِينَ. وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ فِي غَرْسِ الْجَرِيدَتَيْنِ نِصْفَيْنِ عَلَى الْقَبْرَيْنِ: إنَّ الشَّجَرَ وَالنَّبَاتَ يُسَبِّحُ مَا دَامَ أَخْضَرَ فَإِذَا يَبِسَ انْقَطَعَ تَسْبِيحُهُ، وَالتَّسْبِيحُ وَالْعِبَادَةُ عِنْدَ الْقَبْرِ مِمَّا تُوجِبُ تَخْفِيفَ الْعَذَابِ كَمَا يُخَفَّفُ الْعَذَابُ عَنْ الْمَيِّتِ بِمُجَاوَرَةِ الرَّجُلِ الصَّالِحِ كَمَا جَاءَتْ بِذَلِكَ الْآثَارُ الْمَعْرُوفَةُ وَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ فِي الْيَابِسِ مِنْ النَّبَاتِ مَا قَدْ يَكُونُ فِي غَيْرِهِ مِنْ الْجَامِدَاتِ مِثْلُ حُنَيْنِ الْجِذْعِ الْيَابِسِ إلَى النَّبِيِّ ﷺ وَتَسْلِيمِ الْحَجَرِ وَالْمَدَرِ عَلَيْهِ وَتَسْبِيحِ الطَّعَامِ وَهُوَ يُؤْكَلُ. وَهُوَ التَّسْبِيحُ تَسْبِيحٌ مَسْمُوعٌ لَا بِالْحَالِ، كَمَا يَقُولُهُ بَعْضُ النُّظَّارِ، وَأَمَّا هَذِهِ الْأَوْقَافُ عَلَى التُّرَبِ فَفِيهَا مِنْ الْمَصْلَحَةِ بَقَاءُ حِفْظِ الْقُرْآنِ وَتِلَاوَتِهِ وَكَوْنُ هَذِهِ الْأَمْوَالِ مَعُونَةً عَلَى ذَلِكَ وَحَاضَّةً عَلَيْهِ إذْ قَدْ يُدْرَسُ حِفْظُ الْقُرْآنِ فِي بَعْضِ الْبِلَادِ بِسَبَبِ عَدَمِ الْأَسْبَابِ الْحَامِلَةِ عَلَيْهِ وَفِيهَا مَفَاسِدُ أُخَرُ مِنْ حُصُولِ الْقِرَاءَةِ لِغَيْرِ اللَّهِ وَالتَّأَكُّلِ بِالْقُرْآنِ وَقِرَاءَتِهِ عَلَى غَيْرِ الْوَجْهِ الْمَشْرُوعِ وَاشْتِغَالِ النُّفُوسِ بِذَلِكَ عَنْ الْقِرَاءَةِ الْمَشْرُوعَةِ فَمَتَى أَمْكَنَ تَحْصِيلُ هَذِهِ الْمَصْلَحَةِ بِدُونِ ذَلِكَ الْفَسَادِ جَازَ وَالْوَجْهُ النَّهْيُ عَنْ ذَلِكَ الْمَنْعِ وَإِبْطَالِهِ وَإِنْ ظَنَّ حُصُولَ مَفْسَدَةٍ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ لَمْ يَدْفَعْ أَدْنَى الْفَسَادَيْنِ بِاحْتِمَالٍ لِأَعْلَاهُمَا وَلَمْ يَكُنْ مِنْ عَادَةِ السَّلَفِ إذَا صَلَّوْا تَطَوُّعًا أَوْ صَامُوا تَطَوُّعًا أَوْ حَجُّوا تَطَوُّعًا أَوْ قَرَءُوا الْقُرْآنَ يُهْدُونَ ثَوَابَ ذَلِكَ إلَى أَمْوَاتِ الْمُسْلِمِينَ فَلَا يَنْبَغِي الْعُدُولُ عَنْ طَرِيقِ السَّلَفِ فَإِنَّهُ أَفْضَلُ وَأَكْمَلُ. وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: الصَّحِيحُ أَنَّهُ يَنْتَفِعُ الْمَيِّتُ بِجَمِيعِ الْعِبَادَاتِ الْبَدَنِيَّةِ مِنْ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَالْقِرَاءَةِ كَمَا يَنْتَفِعُ بِالْعِبَادَاتِ الْمَالِيَّةِ مِنْ الصَّدَقَةِ وَالْعِتْقِ وَنَحْوِهِمَا بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ وَكَمَا لَوْ دَعَا لَهُ وَاسْتَغْفَرَ لَهُ وَالصَّدَقَةُ عَلَى الْمَيِّتِ أَفْضَلُ مِنْ عَمَلِ خَتْمَةٍ وَجَمْعِ النَّاسِ وَلَوْ أَوْصَى الْمَيِّتُ أَنْ يُصْرَفَ مَالٌ فِي هَذِهِ الْخَتْمَةِ وَقَصْدُهُ التَّقَرُّبُ إلَى اللَّهِ صُرِفَ إلَى مَحَاوِيجَ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ وَخَتْمَةٍ أَوْ أَكْثَرَ وَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ جَمْعِ النَّاسِ وَلَا يُسْتَحَبُّ الْقُرْبُ لِلنَّبِيِّ ﷺ بَلْ هُوَ بِدْعَةٌ هَذَا الصَّوَابُ الْمَقْطُوعُ بِهِ.

стр. 2271

قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: وَأَقْدَمُ مَنْ بَلَغَنَا أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ عَلِيُّ بْنُ الْمُوَفَّقِ أَحَدُ الشُّيُوخِ الْمَشْهُورِينَ كَانَ أَقْدَمَ مِنْ الْجُنَيْدِ وَأَدْرَكَ أَحْمَدُ طَبَقَتَهُ وَعَاصَرَهُ وَعَاشَ بَعْدَهُ وَاتَّفَقَ السَّلَفُ وَالْأَئِمَّةُ عَلَى أَنَّ مَنْ سَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ فَإِنَّهُ لَا يَتَمَسَّحُ بِالْقَبْرِ وَلَا يُقَبِّلُهُ بَلْ اتَّفَقُوا أَنَّهُ لَا يُسَلَّمُ وَلَا يُقَبَّلُ إلَّا الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ، وَالرُّكْنُ الْيَمَانِيُّ يُسْتَلَمُ وَلَا يُقَبَّلُ عَلَى الصَّحِيحِ قُلْت: بَلْ قَالَ إبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ يُسْتَحَبُّ تَقْبِيلُ حُجْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَإِذَا سَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ وَدَعَا فِي الْمَسْجِدِ وَلَمْ يَدْعُ مُسْتَقْبِلًا لِلْقَبْرِ كَمَا كَانَ الصَّحَابَةُ يَفْعَلُونَهُ وَهَذَا بِلَا نِزَاعٍ أَعْلَمُهُ وَمَا نُقِلَ عَنْ مَالِكٍ فِيمَا يُخَالِفُ ذَلِكَ مَعَ الْمَنْصُورِ فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ وَإِنَّمَا تَنَازَعُوا فِي وَقْتِ التَّسْلِيمِ هَلْ يَسْتَقْبِلُ الْقَبْرَ أَوْ الْقِبْلَةَ فَقَالَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ يَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّهُ يَسْتَقْبِلُ الْقَبْرَ وَتَغْشِيَةُ قُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَغَيْرِهِمْ لَيْسَ فِي الدِّينِ. وَالصَّوَابُ الَّذِي عَلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ أَنَّ الْخَضِرَ ﵇ مَيِّتٌ لَمْ يُدْرِكْ الْإِسْلَامَ وَعِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ﵇ لَمْ يَمُتْ بِحَيْثُ فَارَقَتْ رُوحُهُ بَدَنَهُ بَلْ هُوَ حَيٌّ مَعَ كَوْنِهِ تُوُفِّيَ وَالتَّوَفِّي الِاسْتِيفَاءُ وَهُوَ يَصْلُحُ لِتَوَفِّي النَّوْمِ وَلِتَوَفِّي الْمَوْتِ الَّذِي هُوَ فِرَاقُ الرُّوحِ الْبَدَنَ وَلَمْ يَذْكُرْ الْقَبْضَ الَّذِي هُوَ قَبْضُ الرُّوحِ وَالْبَدَنِ جَمِيعًا. وَنَهْيُ النِّسَاءِ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ هَلْ هُوَ نَهْيُ تَنْزِيهٍ أَوْ تَحْرِيمٍ؟ فِيهِ قَوْلَانِ وَظَاهِرُ كَلَامِ أَبِي الْعَبَّاسِ تَرْجِيحُ التَّحْرِيمِ لِاحْتِجَاجِهِ بِلَعْنِ النَّبِيِّ ﷺ زَائِرَاتِ الْقُبُورِ وَتَصْحِيحِهِ إيَّاهُ، وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ وَأَنَّهُ لَا يَصِحُّ ادِّعَاءُ النَّسْخِ بَلْ هُوَ بَاقٍ عَلَى حُكْمِهِ وَالْمَرْأَةُ لَا يُشْرَعُ لَهَا زِيَارَةٌ، لَا الزِّيَارَةُ الشَّرْعِيَّةُ وَلَا غَيْرُهَا اللَّهُمَّ إلَّا إذَا اجْتَازَتْ بِقَبْرٍ بِطَرِيقِهَا فَسَلَّمَتْ عَلَيْهِ وَدَعَتْ لَهُ فَهَذَا أَحْسَنُ. وَلَا يَحِلُّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تُحِدَّ فَوْقَ ثَلَاثٍ إلَّا عَلَى زَوْجِهَا وَهَذَا بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُصْلَحَ لِأَهْلِ الْمَيِّتِ طَعَامٌ يُبْعَثُ بِهِ إلَيْهِمْ وَلَا يُصْلِحُونَ هُمْ طَعَامًا لِلنَّاسِ وَهُوَ مَذْهَبُ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ وَلَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ مَقَابِرُ أَهْلِ الذِّمَّةِ مُتَمَيِّزَةً عَنْ مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ وَكُلَّمَا بَعُدَتْ كَانَ أَصْلَحَ. وَمَذْهَبُ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا أَنَّ الْعَذَابَ أَوْ النَّعِيمَ لِرُوحِ الْمَيِّتِ وَبَدَنِهِ وَأَنَّ الرُّوحَ تَبْقَى بَعْدَ مُفَارَقَةِ الْبَدَنِ مُنَعَّمَةً أَوْ مُعَذَّبَةً وَأَيْضًا تَتَّصِلُ بِالْبَدَنِ أَحْيَانَا فَيَحْصُلُ لَهُ مَعَهَا النَّعِيمُ أَوْ الْعَذَابُ وَلِأَهْلِ السُّنَّةِ قَوْلٌ آخَرُ أَنَّ النَّعِيمَ أَوْ الْعَذَابَ يَكُونُ لِلْبَدَنِ دُونَ الرُّوحِ

стр. 2272

وَعُلَمَاءُ الْكَلَامِ لَهُمْ أَقْوَالٌ شَاذَّةٌ فَلَا عِبْرَةَ بِهَا وَرُوحُ الْآدَمِيِّ مَخْلُوقَةٌ وَقَدْ حَكَى الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ أَبُو مُحَمَّدِ بْنِ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيِّ وَغَيْرُهُ. فَصْلٌ قَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ الْكِتَابِيُّ الْمُحَدِّثُ الْمَعْرُوفُ لَيْسَ مِنْ قُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ مَا يَثْبُتُ إلَّا قَبْرَ نَبِيِّنَا ﷺ وَقَالَ غَيْرُهُ وَقَبْرُ إبْرَاهِيمَ أَيْضًا. وَذَكَرَ ابْنُ سَعْدٍ فِي كِتَابِ الطَّبَقَاتِ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُرَّةَ قَالَ لَا نَعْلَمُ قَبْرَ نَبِيٍّ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ إلَّا ثَلَاثَةً قَبْرَ إسْمَاعِيلَ فَإِنَّهُ تَحْتَ الْمِيزَابِ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْبَيْتِ وَقَبْرَ هُودٍ فِي كَثِيبٍ مِنْ الرَّمْلِ تَحْتَ جَبَلٍ مِنْ جِبَالِ الْيَمَنِ عَلَيْهِ شَجَرَةٌ تَبْدُو. مَوْضِعُهُ أَشَدُّ الْأَرْضِ حَرًّا، وَقَبْرَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ - صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ -. قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: وَالْقُبَّةُ الَّتِي عَلَى الْعَبَّاسِ بِالْمَدِينَةِ يُقَالُ فِيهَا سَبْعَةٌ الْعَبَّاسُ وَالْحَسَنُ وَعَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ وَأَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ وَجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَيُقَالُ: إنَّ فَاطِمَةَ تَحْتَ الْحَائِطِ أَوْ قَرِيبٌ مِنْ ذَلِكَ وَأَنَّ رَأْسَ الْحُسَيْنِ هُنَاكَ وَأَمَّا الْقُبُورُ الْمَكْذُوبَةُ مِنْهَا الْقَبْرُ الْمُضَافُ إلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فِي دِمَشْقَ وَالنَّاسُ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ مَاتَ بِالْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ. وَمَنْ قَالَ: إنَّ بِظَاهِرِ دِمَشْقَ قَبْرَ أُمِّ حَبِيبَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ أَوْ غَيْرِهِمَا مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَدْ كَذَبَ، وَلَكِنْ بِالشَّامِ مِنْ الصَّحَابِيَّاتِ امْرَأَةٌ يُقَالُ لَهَا أُمُّ سَلَمَةَ بِنْتُ يَزِيدَ بْنِ السَّكَنِ فَهَذِهِ تُوُفِّيَتْ بِالشَّامِ فَهَذِهِ قَبْرُهَا مُحْتَمَلٌ وَأَمَّا قَبْرُ بِلَالٍ فَمُمْكِنٌ فَإِنَّهُ دُفِنَ بِبَابِ الصَّغِيرِ بِدِمَشْقَ فَيُعْلَمُ أَنَّهُ دُفِنَ هُنَاكَ وَأَمَّا الْقَطْعُ بِتَعْيِينِ قَبْرِهِ فَفِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّهُ يُقَالُ: إنَّ تِلْكَ الْقُبُورَ حُرِثَتْ. وَمِنْهَا الْقَبْرُ الْمُضَافُ إلَى أُوَيْسٍ الْقَرَنِيِّ غَرْبِي دِمَشْقَ فَإِنَّ أُوَيْسًا لَمْ يَجِئْ إلَى الشَّامِ وَإِنَّمَا ذَهَبَ إلَى الْعِرَاقِ وَمِنْهَا الْقَبْرُ الْمُضَافُ إلَى هُودٍ ﵇ بِجَامِعِ دِمَشْقَ كَذِبٌ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ فَإِنَّ هُودًا لَمْ يَجِئْ إلَى الشَّامِ بَلْ بُعِثَ بِالْيَمَنِ وَهَاجَرَ إلَى مَكَّةَ فَقِيلَ: إنَّهُ مَاتَ بِالْيَمَنِ وَقِيلَ: إنَّهُ مَاتَ بِمَكَّةَ وَإِنَّمَا ذَلِكَ قَبْرُ مُعَاوِيَةَ بْنِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ الَّذِي تَوَلَّى الْخِلَافَةَ مُدَّةً قَصِيرَةً ثُمَّ مَاتَ وَلَمْ يَعْهَدْ إلَى أَحَدٍ وَكَانَ فِيهِ دَيْنٌ وَصَلَاحٌ وَمِنْهَا

стр. 2273

قَبْرُ خَالِدٍ بِحِمْصَ يُقَالُ: إنَّهُ قَبْرُ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ أَخِي مُعَاوِيَةَ هَذَا وَلَكِنْ لَمَّا اُشْتُهِرَ أَنَّهُ خَالِدٌ. وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ الْعَامَّةِ أَنَّهُ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ هَلْ هُوَ قَبْرُهُ أَوْ قَبْرُ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ وَذَكَرَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي الِاسْتِيعَابِ أَنَّ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ تُوُفِّيَ بِحِمْصَ وَقِيلَ بِالْمَدِينَةِ سَنَةَ إحْدَى وَعِشْرِينَ أَوْ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵄ وَأَوْصَى إلَى عُمَرَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَمِنْهَا قَبْرُ أَبِي مُسْلِمٍ الْخَوْلَانِيِّ الَّذِي بِدَارِيَّا اُخْتُلِفَ فِيهِ وَمِنْهَا قَبْرُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ الَّذِي بِمِصْرَ فَإِنَّهُ كَذِبٌ قَطْعًا فَإِنَّ عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ تُوُفِّيَ بِالْمَدِينَةِ بِإِجْمَاعٍ وَدُفِنَ بِالْبَقِيعِ. وَمِنْهَا مَشْهَدُ الرَّأْسِ الَّذِي بِالْقَاهِرَةِ فَإِنَّ الْمُصَنِّفِينَ فِي مَقْتَلِ الْحُسَيْنِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الرَّأْسَ لَيْسَ بِمِصْرَ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ هَذَا كَذِبٌ وَأَصْلُهُ أَنَّهُ نُقِلَ مِنْ مَشْهَدٍ بِعَسْقَلَانَ وَذَلِكَ الْمَشْهَدُ بُنِيَ قَبْلَ هَذَا بِنَحْوٍ مِنْ سِتِّينَ سَنَةً أَوْ أَوَاخِرَ الْمِائَةِ الْخَامِسَةِ وَهَذَا بُنِيَ فِي أَثْنَاءِ الْمِائَةِ السَّادِسَةِ بَعْدَ مَقْتَلِ الْحُسَيْنِ ﵁ بِنَحْوِ ثَلَثِمِائَةِ عَامٍ، وَقَدْ بَيَّنَ كَذِبَ الْمَشْهَدِ أَبُو دِحْيَةَ فِي الْمَعْلَمِ الْمَشْهُورِ وَأَنَّ الرَّأْسَ دُفِنَ بِالْمَدِينَةِ كَمَا ذَكَرَهُ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارَ وَاَلَّذِي صَحَّ مِنْ حَمْلِ الرَّأْسِ مَا ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ أَنَّهُ حُمِلَ إلَى عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ وَجَعَلَ يَنْكُتُ بِالْقَضِيبِ عَلَى ثَنَايَاهُ وَقَدْ شَهِدَ ذَلِكَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ وَفِي رِوَايَةِ أَبُو بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيُّ وَكِلَاهُمَا كَانَ بِالْعِرَاقِ. وَقَدْ رُوِيَ بِإِسْنَادٍ مُنْقَطِعٍ أَوْ مَجْهُولٍ أَنَّهُ حُمِلَ إلَى يَزِيدَ وَجَعَلَ يَنْكُتُ بِالْقَضِيبِ عَلَى ثَنَايَاهُ وَأَنَّ أَبَا بَرْزَةَ كَانَ حَاضِرًا وَأَنْكَرَ هَذَا، وَهَذَا كَذِبٌ فَإِنَّ أَبَا بَرْزَةَ لَمْ يَكُنْ بِالشَّامِ عِنْدَ يَزِيدَ بَلْ كَانَ بِالْعِرَاقِ وَأَمَّا بَدَنُ الْحُسَيْنِ فَبِكَرْبَلَاءَ بِالِاتِّفَاقِ. قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: وَقَدْ حَدَّثَنِي طَائِفَةٌ عَنْ ابْنِ دَقِيقِ الْعِيدِ وَطَائِفَةٌ عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ خَلَفٍ الدِّمْيَاطِيِّ وَطَائِفَةٌ عَنْ أَبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الْقَسْطَلَّانِيِّ وَطَائِفَةٌ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْقُرْطُبِيِّ صَاحِبِ التَّفْسِيرِ كُلُّ هَؤُلَاءِ حَدَّثَنِي عَنْهُ مَنْ لَا أَتَّهِمُهُ. وَحَدَّثَنِي عَنْ بَعْضِهِمْ عَدَدٌ كَثِيرٌ كُلٌّ يُحَدِّثُنِي عَمَّنْ حَدَّثَهُ مِنْ هَؤُلَاءِ أَنَّهُ كَانَ يُنْكِرُ أَمْرَ

стр. 2274

هَذَا الْمَشْهَدِ وَيَقُولُ إنَّهُ كَذِبٌ وَلَيْسَ فِي قَبْرِ الْحُسَيْنِ وَلَا شَيْءٍ مِنْهُ وَاَلَّذِينَ حَدَّثُونِي عَنْ ابْنِ الْقَسْطَلَّانِيِّ ذَكَرُوا عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ إنَّمَا فِيهِ غَيْرُهُ. وَمِنْهَا قَبْرُ عَلِيٍّ ﵁ الَّذِي بِبَاطِنِ النَّجَفِ فَإِنَّ الْمَعْرُوفَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ عَلِيًّا دُفِنَ بِقَصْرِ الْإِمَارَةِ بِالْكُوفَةِ كَمَا دُفِنَ مُعَاوِيَةُ بِقَصْرِ الْإِمَارَةِ بِالشَّامِ وَدُفِنَ عَمْرٌو بِقَصْرِ الْإِمَارَةِ بِمِصْرَ خَوْفًا عَلَيْهِمْ مِنْ الْخَوَارِجِ أَنْ يَنْبُشُوا قُبُورَهُمْ وَلَكِنْ قِيلَ: إنَّ الَّذِي بِالنَّجَفِ قَبْرُ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يَذْكُرُ أَنَّهُ قَبْرُ عَلِيٍّ وَلَا يَقْصِدُ أَحَدٌ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَثِمِائَةِ سَنَةٍ. وَمِنْهَا قَبْرُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فِي الْجَزِيرَةِ وَالنَّاسُ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ مَاتَ بِمَكَّةَ عَامَ قُتِلَ ابْنُ الزُّبَيْرِ وَأَوْصَى أَنْ يُدْفَنَ بِالْحِلِّ لِكَوْنِهِ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فَدَفَنُوهُ بِأَعْلَى مَكَّةَ وَمِنْهَا قَبْرُ جَابِرٍ الَّذِي بِظَاهِرِ حَرَّانَ وَالنَّاسُ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ جَابِرًا تُوُفِّيَ بِالْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ وَهُوَ آخِرُ مَنْ مَاتَ مِنْ الصَّحَابَةِ بِهَا. وَمِنْهَا قَبْرٌ نُسِبَ إلَى أُمِّ كُلْثُومٍ وَرُقَيَّةَ بِالشَّامِ وَقَدْ اتَّفَقَ النَّاسُ أَنَّهُمَا مَاتَا فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ بِالْمَدِينَةِ تَحْتَ عُثْمَانَ وَهَذَا إنَّمَا هُوَ سَبَبُ اشْتَرَاك الْأَسْمَاءِ لَعَلَّ شَخْصًا يُسَمَّى بِاسْمِ مَنْ ذُكِرَ، تُوُفِّيَ وَدُفِنَ فِي مَوْضِعٍ مِنْ الْمَوَاضِعِ الْمَذْكُورَةِ فَظَنَّ بَعْضُ الْجُهَّالِ أَنَّهُ أَحَدٌ مِنْ الصَّحَابَةِ - رِضْوَانُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 2275

[كِتَابُ الزَّكَاةِ] ِ لَا تَجِبُ فِي دَيْنٍ مُؤَجَّلٍ أَوْ عَلَى مُعْسِرٍ أَوْ مُمَاطِلٍ أَوْ جَاحِدٍ وَمَغْصُوبٍ وَمَسْرُوقٍ وَضَالٍّ وَمَا دَفَنَهُ وَنَسِيَهُ أَوْ جَهِلَ عِنْدَ مَنْ هُوَ وَلَوْ حَصَلَ فِي يَدِهِ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ وَاخْتَارَهَا وَصَحَّحَهَا طَائِفَةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ وَقَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ. الدَّيْنُ الَّذِي لَهُ عَلَى أَبِيهِ قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَشْبَهُ عِنْدِي أَنْ يَكُونَ بِمَنْزِلَةِ الْمَالِ الضَّالِّ فَيُخَرَّجُ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ وَوَجْهُهُ ظَاهِرٌ فَإِنَّ الِابْنَ غَيْرُ مُمَكَّنٍ مِنْ الْمُطَالَبَةِ بِهِ فَقَدْ حِيلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ وَلَوْ قِيلَ لَا تَلْزَمُهُ زَكَاتُهُ بِمَنْزِلَةِ دَيْنِ الْكِتَابَةِ لَكَانَ مُتَوَجِّهًا وَدَيْنُ الْوَلَدِ هَلْ يَمْنَعُ الزَّكَاةَ عَنْ الْأَبِ لِثُبُوتِهِ فِي الذِّمَّةِ أَمْ لَا لِتَمَكُّنِهِ مِنْ إسْقَاطِهِ خَرَّجَهُ أَبُو الْعَبَّاسِ عَلَى وَجْهَيْنِ وَجَعَلَ أَصْلَهُمَا الْخِلَافَ عَلَى أَنَّ قُدْرَةَ الْمَرِيضِ عَلَى اسْتِرْجَاعِ مِلْكِهِ الْمُنْتَقِلِ عَنْهُ عَيْنًا أَوْ غَيْرَهُ هَلْ يُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ تَبَرُّعِهِ فِي الْمَرَضِ أَمْ لَا؟ وَتَجِبُ الزَّكَاةُ فِي جَمِيعِ أَجْنَاسِ الْأُجْرَةِ الْمَقْبُوضَةِ وَلَا يُعْتَبَرُ لَهَا مُضِيُّ حَوْلٍ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ وَمَنْقُولٌ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَيَصِحُّ أَنْ يَشْتَرِطَ رَبُّ الْمَالِ زَكَاةَ رَأْسِ الْمَالِ أَوْ بَعْضَهُ مِنْ الرِّبْحِ وَلَا يُقَالُ بِعَدَمِ الصِّحَّةِ وَنَقَلَهُ الْمَرْوَزِيِّ عَنْ أَحْمَدَ لِأَنَّهُ قَدْ تُحِيطُ الزَّكَاةُ بِالرِّبْحِ فَيَخْتَصُّ رَبُّ الْمَالِ بِعِلْمِهِ لِأَنَّا نَقُولُ: لَا يَمْتَنِعُ ذَلِكَ كَمَا يَخْتَصُّ بِنَفْعِهِ فِي الْمُسَاقَاةِ إذَا لَمْ يُثْمِرْ الشَّجَرُ وَبِرُكُوبِ الْفَرَسِ لِلْجِهَادِ إذَا لَمْ يَغْنَمُوا وَهَلْ يُعْتَبَرُ فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ إمْكَانُ الْأَدَاءِ. فِيهِ رِوَايَتَانِ. وَلَوْ تَلِفَ النِّصَابُ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ مِنْ الْمَالِكِ لَمْ يَضْمَنْ الزَّكَاةَ عَلَى ذَلِكَ مِنْ الرِّوَايَتَيْنِ وَاخْتَارَهُ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَدَ وَلَوْ كَانَ الْمَانِعُ مِنْ الزَّكَاةِ دُيُونٌ لَمْ يَقُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِالزَّكَاةِ لِأَنَّ عُقُوبَتَهَا أَعْظَمُ وَلَا يَحِلُّ الِاحْتِيَالُ لِإِسْقَاطِ الزَّكَاةِ وَلَا غَيْرِهَا مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى وَإِذَا كَانَتْ الْمَاشِيَةُ سَائِمَةً أَكْثَرَ الْحَوْلِ وَجَبَتْ الزَّكَاةُ فِيهَا عَلَى الصَّحِيحِ وَإِذَا

стр. 2276

نَقَلَ الزَّكَاةَ إلَى الْمُسْتَحَقِّينَ بِالْمِصْرِ الْجَامِعِ مِثْلُ أَنْ يُعْطِيَ مَنْ بِالْقَاهِرَةِ مِنْ الْعُشُورِ الَّتِي بِأَرْضِ مِصْرَ فَالصَّحِيحُ جَوَازُ ذَلِكَ فَإِنَّ سُكَّانَ الْمِصْرِ إنَّمَا يُعَانُونَ مِنْ مَزَارِعِهِمْ بِخِلَافِ النَّقْلِ مِنْ إقْلِيمٍ مَعَ حَاجَةِ أَهْلِ الْمَنْقُولِ عَنْهَا وَإِنَّمَا قَالَ السَّلَفُ: جِيرَانُ الْمَالِ أَحَقُّ بِزَكَاتِهِ وَكَرِهُوا نَقْلَ الزَّكَاةِ إلَى بَلَدِ السُّلْطَانِ وَغَيْرِهِ لِيَكْتَفِيَ كُلُّ نَاحِيَةٍ بِمَا عِنْدَهُمْ مِنْ الزَّكَاةِ وَلِهَذَا فِي كِتَابِ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ مَنْ انْتَقَلَ مِنْ مِخْلَافٍ إلَى مِخْلَافٍ فَإِنَّ صَدَقَتَهُ وَعُشْرَهُ فِي مِخْلَافِ جِيرَانِهِ وَالْمِخْلَافُ عِنْدَهُمْ كَمَا يُقَالُ الْمُعَامَلَةُ وَهُوَ مَا يَكُونُ فِيهِ الْوَالِي وَالْقَاضِي وَهُوَ الَّذِي يَسْتَخْلِفُ فِيهِ وَلِيُّ الْأَمْرِ جَابِيًا بِأَخْذِ الزَّكَاةِ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَيَرُدُّهَا عَلَى فُقَرَائِهِمْ وَلَمْ يُقَيَّدْ ذَلِكَ بِمَسِيرِ يَوْمَيْنِ، وَتَحْدِيدُ الْمَنْعِ مِنْ نَقْلِ الزَّكَاةِ بِمَسَافَةِ الْقَصْرِ لَيْسَ عَلَيْهِ دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ وَيَجُوزُ نَقْلُ الزَّكَاةِ وَمَا فِي حُكْمِهَا لِمَصْلَحَةٍ شَرْعِيَّةٍ وَإِذَا أَخَذَ السَّاعِي مِنْ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ رَجَعَ الْمَأْخُوذُ مِنْهُ عَلَى شَرِيكِهِ بِحِصَّتِهِ وَلَوْ اخْتَلَفَا فِي قِيمَةِ الْمَدْفُوعِ. قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: يُتَوَجَّهُ قَبُولُ قَوْلِ الْمُعْطِي لِأَنَّهُ كَالْأَمِينِ وَإِنْ أَخَذَ السَّاعِي أَكْثَرَ مِنْ الْوَاجِبِ ظُلْمًا بِلَا تَأْوِيلٍ مِنْ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ فَفِي رُجُوعِهِ عَلَى شَرِيكِهِ قَوْلَانِ أَظْهَرُهُمَا الرُّجُوعُ وَكَذَلِكَ فِي الْمَظَالِمِ الْمُشْتَرَكَةِ الَّتِي يَطْلُبُهَا الْوُلَاةُ مِنْ الشُّرَكَاءِ أَوْ الظَّلَمَةِ مِنْ الْبُلْدَانِ أَوْ التُّجَّارِ أَوْ الْحَجِيجِ أَوْ غَيْرِهِمْ. وَالْكُلَفُ السُّلْطَانِيَّةُ عَلَى الْأَنْفُسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَمْوَالِ يَلْزَمُهُمْ الْتِزَامَ الْعَدْلِ فِي ذَلِكَ كَمَا يَلْزَمُ فِيمَا يُؤْخَذُ بِحَقٍّ. فَمَنْ تَغَيَّبَ أَوْ امْتَنَعَ فَأَخَذَ مِنْ غَيْرِهِ حِصَّتَهُ رَجَعَ الْمَأْخُوذُ مِنْهُ عَلَى مَنْ أَدَّى عَنْهُ فِي الْأَظْهَرِ إنْ لَمْ يَتَبَرَّعْ وَلِمَنْ لَهُ الْوِلَايَةُ عَلَى الْمَالِ أَنْ يَصْرِفَ مِمَّا يَخُصُّهُ مِنْ الْكُلَفِ كَنَاظِرِ الْوَقْفِ وَالْوَصِيِّ وَالْمُضَارِبِ وَالْوَكِيلِ وَمَنْ قَامَ فِيهَا بِنِيَّةِ تَقْلِيلِ الظُّلْمِ كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَنْ صُودِرَ عَلَى أَدَاءِ مَالٍ وَأُكْرِهَ أَقَارِبُهُ أَوْ جِيرَانُهُ أَوْ أَصْدِقَاؤُهُ أَوْ شُرَكَاؤُهُ عَلَى أَنْ يُؤَدُّوهُ عَنْهُ فَلَهُمْ الرُّجُوعُ عَلَيْهِ لِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا مِنْ أَجْلِهِ وَلِأَجْلِ مَالِهِ وَالطَّالِبُ مَقْصُودُهُ مَالُهُ لَا مَالُهُمْ وَمَنْ لَمْ يَخْلُصْ مَالُ غَيْرِهِ مِنْ التَّلَفِ إلَّا بِمَا أَدَّى عَنْهُ رَجَعَ فِي أَظْهَرِ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ وَلَوْ أَخَذَ السَّاعِي فَوْقَ الْوَاجِبِ بِتَأْوِيلٍ أَوْ أَخَذَ الْقِيمَةَ فَالصَّوَابُ الْإِجْزَاءُ وَلَوْ اعْتَقَدَ الْمَأْخُوذُ مِنْهُ عَدَمَهُ وَجَعَلَهُ أَبُو الْعَبَّاسِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ كَالصَّلَاةِ خَلْفَ التَّارِكِ رُكْنًا أَوْ شَرْطًا.

стр. 2277

[فَصْلٌ الْمُعْتَبَرَ لِوُجُوبِ زَكَاةِ الْخَارِجِ مِنْ الْأَرْضِ] فَصْلٌ وَرَجَّحَ أَبُو الْعَبَّاسِ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ لِوُجُوبِ زَكَاةِ الْخَارِجِ مِنْ الْأَرْضِ الْإِدْخَارُ لَا غَيْرُ لِوُجُودِ الْمَعْنَى الْمُنَاسِبِ لِإِيجَابِ الزَّكَاةِ فِيهِ بِخِلَافِ الْكَيْلِ فَإِنَّهُ تَقْدِيرٌ مَحْضٌ فَالْوَزْنُ فِي مَعْنَاهُ قَالَ وَكَذَلِكَ الْعَدُّ كَالْجَوْزِ وَالزَّرْعُ كَالْجَوْزِ الْمُسْتَنْبَتِ فِي دِمَشْقَ وَنَحْوِهَا وَلِهَذَا تَجِبُ الزَّكَاةُ عِنْدَنَا فِي الْعَسَلِ وَهُوَ رَطْبٌ وَلَا يُوَسَّقُ لِكَوْنِهِ يَبْقَى وَيُدَّخَرُ وَنَصَّ أَبُو الْعَبَّاسِ عَلَى وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي التِّينِ لِلِادِّخَارِ وَإِنَّمَا اُعْتُبِرَ الْكَيْلُ وَالْوَزْنُ فِي الرِّبَوِيَّاتِ لِأَجْلِ التَّمَاثُلِ الْمُعْتَبَرِ فِيهَا وَهُوَ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ هَاهُنَا. وَتَسْقُطُ فِيمَا خَرَجَ مِنْ مُؤْنَةِ الزَّرْعِ وَالثَّمَرِ مِنْهُ وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ لِأَنَّ الشَّارِعَ أَسْقَطَ فِي الْخَرْصِ زَكَاةَ الثُّلُثِ أَوْ الرُّبُعِ لِأَجْلِ مَا يَخْرُجُ مِنْ الثَّمَرَةِ بِالْإِعْرَاءِ وَالضِّيَافَةِ وَإِطْعَامِ ابْنِ السَّبِيلِ وَهُوَ تَبَرُّعٌ فِيمَا يَخْرُجُ عَنْهُ لِمَصْلَحَتِهِ الَّتِي لَا تَحْصُلُ إلَّا بِهَا أَوَّلًا بِإِسْقَاطِ الزَّكَاةِ عَنْهُ وَمَا يُدِيرُهُ الْمَاءُ مِنْ النَّوَاعِيرِ وَنَحْوِهَا مِمَّا يُصْنَعُ مِنْ الْعَامِ إلَى الْعَامِ أَوْ أَثْنَاءَ الْعَامِ وَلَا يَحْتَاجُ إلَى دُولَابٍ تُدِيرُهُ الدَّوَابُّ يَجِبُ فِيهِ الْعُشْرُ لِأَنَّ مُؤْنَتَهُ خَفِيفَةٌ فَهِيَ كَحَرْثِ الْأَرْضِ وَإِصْلَاحِ طُرُقِ الْمَاءِ وَكَلَامُ أَبِي الْعَبَّاسِ فِي اقْتِضَاءِ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ يُعْطِي أَنَّ أَهْلَ الذِّمَّةِ مُنِعُوا مِنْ شِرَاءِ الْأَرْضِ الْعُشْرِيَّةِ وَلَا يَصِحُّ الْبَيْعُ وَجَزَمَ الْأَصْحَابُ بِالصِّحَّةِ وَلَكِنْ حَكَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَالْحَسَنِ أَنَّهُمْ يُمْنَعُونَ مِنْ الشِّرَاءِ، فَإِنْ اشْتَرَوْا لَمْ تَصِحَّ وَتَعْطِيلُ الْأَرْضِ الْعُشْرِيَّةِ بِاسْتِئْجَارِ الذِّمِّيِّ لَهَا أَوْ مُزَارِعَتِهِ فِيهَا كَتَعْطِيلِهِ بِالشِّرَاءِ، وَكَلَامُ أَحْمَدَ يُوَافِقُهُ فَإِنَّهُ قَالَ: لَا يُؤَجَّرُ مِنْهُ أَيْ الْأَرْضُ مِنْ الذِّمِّيِّ وَلَا يَجُوزُ بَقَاءُ أَرْضٍ بِلَا عُشْرٍ وَلَا خَرَاجٍ اتِّفَاقًا فَيُخْرِجُ مَنْ أَقْطَعَ أَرْضًا بِأَرْضِ مِصْرَ أَوْ غَيْرِهَا الْعُشْرَ قُلْت وَالْمُرَادُ مَا عَدَا أَرْضَ الذِّمِّيِّ فَإِنَّهُ لَوْ جَعَلَ دَارِهِ بُسْتَانًا أَوْ مَزْرَعَةً أَوْ رَضَخَ الْإِمَامُ لَهُ مِنْ الْغَنِيمَةِ فَإِنَّهُ لَا يَبْنِي فِيهَا نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَيُلْحَقُ بِالْمَدْفُونِ حُكْمًا الْمَوْجُودُ ظَاهِرًا فِي مَكَان جَاهِلِيٍّ أَوْ طَرِيقٍ غَيْرِ مَسْلُوكٍ. [فَصْلٌ إخْرَاجُ زَكَاةِ الْعُرُوضِ عَرْضًا] فَصْلٌ وَيَجُوزُ إخْرَاجُ زَكَاةِ الْعُرُوضِ عَرْضًا وَيَقْوَى عَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي عَيْنِ الْمَالِ.

стр. 2278

[فَصْلٌ لَا يَجُوزُ دَفْعُ زَكَاةِ الْفِطْرِ إلَّا لِمَنْ يَسْتَحِقُّ الْكَفَّارَةَ] فَصْلٌ وَيُجْزِئُهُ فِي الْفِطْرَةِ مِنْ قُوتِ بَلَدِهِ مِثْلُ الْأُرْزِ وَغَيْرِهِ وَلَوْ قَدَرَ عَلَى الْأَصْنَافِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْحَدِيثِ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ وَقَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ وَلَا يَجُوزُ دَفْعُ زَكَاةِ الْفِطْرِ إلَّا لِمَنْ يَسْتَحِقُّ الْكَفَّارَةَ وَهُوَ مَنْ يَأْخُذُ لِحَاجَتِهِ لَا فِي الرِّقَابِ وَالْمُؤَلَّفَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَيَجُوزُ دَفْعُهَا إلَى فَقِيرٍ وَاحِدٍ وَهُوَ مَذْهَبُ أَحْمَدَ وَلَا يُعْتَبَرُ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ مِلْكُ نِصَابٍ بَلْ تَجِبُ عَلَى مَنْ مَلَكَ صَاعًا فَاضِلًا عَنْ قُوتِهِ يَوْمَ الْعِيدِ وَلَيْلَتِهِ وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ، وَإِذَا كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ وَصَاحِبُهُ لَا يُطَالِبُهُ بِهِ أَدَّى صَدَقَةَ الْفِطْرِ كَمَا يُطْعِمُ عِيَالَهُ يَوْمَ الْعِيدِ وَهُوَ مَذْهَبُ أَحْمَدَ وَمَنْ عَجَزَ عَنْ صَدَقَةِ الْفِطْرِ وَقْتَ وُجُوبِهَا عَلَيْهِ ثُمَّ أَيْسَرَ فَأَدَّاهَا فَقَدْ أَحْسَنَ وَقَدْرُ الْفِطْرِ صَاعٌ مِنْ التَّمْرِ وَالشَّعِيرِ وَأَمَّا مِنْ الْبُرِّ فَنِصْفٌ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَقِيَاسُ قَوْلِ أَحْمَدَ فِي بَقِيَّةِ الْكَفَّارَاتِ. [فَصْلٌ الْمَالُ الَّذِي تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ] فَصْلٌ وَمَا سَمَّاهُ النَّاسُ دِرْهَمًا وَتَعَامَلُوا بِهِ تَكُونُ أَحْكَامُهُ أَحْكَامَ الدِّرْهَمِ مِنْ وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِيمَا يَبْلُغُ مِائَتَيْنِ مِنْهُ وَالْقَطْعُ بِسَرِقَةِ ثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ مِنْهُ إلَى غَيْر ذَلِكَ مِنْ الْأَحْكَامِ، قَلَّ مَا فِيهِ الْفِضَّةُ أَوْ كَثُرَ. وَكَذَلِكَ مَا سُمِّيَ دِينَارًا وَنُقِلَ عَنْ غَيْرِ وَاحِدِ مِنْ الصَّحَابَةِ أَنَّهُ قَالَ: زَكَاةُ الْحُلِيِّ عَارِيَّتُهُ وَلِهَذَا تَنَازَعَ أَهْلُ هَذَا الْقَوْلِ هَلْ عَلَيْهَا أَنْ تُعِيرَهُ لِمَنْ يَسْتَعِيرُهُ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ ضَرَرٌ عَلَيْهَا عَلَى وَجْهَيْنِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ وَاَلَّذِي يَنْبَغِي إذَا لَمْ تُخْرِجْ الزَّكَاةَ عَنْهُ أَنْ تُعِيرَهُ وَأَمَّا إنْ كَانَتْ تُكْرِيهِ فَفِيهِ الزَّكَاةُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ. وَكِتَابَةُ الْقُرْآنِ عَلَى الْحِيَاضَةِ وَالدِّرْهَمِ وَالدِّينَارِ مَكْرُوهَةٌ وَيَجُوزُ إخْرَاجُ الْقِيمَةِ فِي الزَّكَاةِ لِعَدَمِ الْعُدُولِ عَنْ الْحَاجَةِ وَالْمَصْلَحَةِ مِثْلُ أَنْ يَبِيعَ ثَمَرَةَ بُسْتَانِهِ أَوْ زَرْعَهُ فَهُنَا إخْرَاجُ عُشْرِ الدَّرَاهِمِ يُجْزِئُهُ وَلَا يُكَلَّفُ أَنْ يَشْتَرِيَ تَمْرًا أَوْ حِنْطَةً فَإِنَّهُ قَدْ سَاوَى الْفَقِيرَ بِنَفْسِهِ. وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ وَمِثْلُ أَنْ تَجِبَ عَلَيْهِ شَاةٌ فِي الْإِبِلِ وَلَيْسَ عِنْدَهُ شَاةٌ فَإِخْرَاجُ الْقِيمَةِ كَافٍ وَلَا يُكَلَّفُ السَّفَرَ لِشِرَاءِ شَاةٍ أَوْ أَنْ يَكُونَ الْمُسْتَحِقُّونَ طَلَبُوا الْقِيمَةَ لِكَوْنِهَا أَنْفَعَ لَهُمْ فَهَذَا جَائِزٌ، أَمَّا الْفُلُوسُ فَلَا يُجْزِئُ إخْرَاجُهَا عَنْ النَّقْدَيْنِ عَلَى الصَّحِيحِ لِأَنَّهَا وَلَوْ كَانَتْ نَافِقَةً فَلَيْسَتْ فِي الْمُعَامَلَةِ كَالدَّرَاهِمِ فِي الْعَادَةِ لِأَنَّهَا قَدْ تَكْسُدُ وَيَحْرُمُ الْمُعَامَلَةُ بِهَا وَلِأَنَّهَا أَنْقَصُ سِعْرًا. وَلِهَذَا يَكُونُ الْبَيْعُ بِالْفُلُوسِ دُونَ الْبَيْعِ بِقِيمَتِهَا مِنْ الدَّرَاهِمِ وَغَايَتُهَا أَنْ تَكُونَ

стр. 2279

بِمَنْزِلَةِ الْمُنْكَسِرَةِ مَعَ الصِّحَاحِ وَالْبَهْرَجَةِ مَعَ الْخَالِصَةِ فَإِنَّ تِلْكَ إلَى النُّحَاسِ أَقْرَبُ، وَعَلَى هَذَا إذَا أَخْرَجَ الْفُلُوسَ وَأَخْرَجَ التَّفَاوُتَ جَازَ عَلَى الْمَنْصُوصِ فِي جَوَازِ إخْرَاجِ التَّفَاوُتِ فِيمَا بَيْنَ الصَّحِيحِ وَالْمُنْكَسِرِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ جُبْرَانَ الصِّفَاتِ كَجُبْرَانِ الْمِقْدَارِ لَكِنْ يُقَالُ الْمُنْكَسِرَةُ مِنْ الْجِنْسِ وَالْفُلُوسِ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ فَيَنْتَفِي فِيهَا الْمَأْخَذُ وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ إلَّا وَجْهَانِ إلَّا إذَا خَرَجَتْ بِقِيمَتِهَا فِضَّةٌ لَا بِسِعْرِهَا فِي الْعِوَضِ. [فَصْلٌ يُعْطِيَ الزَّكَاةَ لِمَنْ لَا يَسْتَعِينُ بِهَا عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ] فَصْلٌ وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُعْطِيَ الزَّكَاةَ لِمَنْ لَا يَسْتَعِينُ بِهَا عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَرَضَهَا مَعُونَةً عَلَى طَاعَتِهِ كَمَنْ يَحْتَاجُ إلَيْهَا مِنْ الْمُؤْمِنِينَ كَالْفُقَرَاءِ وَالْغَارِمِينَ أَوْ لِمَنْ يُعَاوِنُ الْمُؤْمِنِينَ فَمَنْ لَا يُصَلِّي مِنْ أَهْلِ الْحَاجَاتِ لَا يُعْطَى شَيْئًا حَتَّى يَتُوبَ وَيَلْتَزِمَ أَدَاءَ الصَّلَاةِ وَيَجِبُ صَرْفُ الزَّكَاةِ إلَى الْأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ إنْ كَانُوا مَوْجُودِينَ وَإِلَّا صُرِفَتْ إلَى الْمَوْجُودِ مِنْهُمْ إلَى حَيْثُ يُوجَدُونَ وَبَنُو هَاشِمٍ إذَا مُنِعُوا مِنْ خُمُسِ الْخُمُسِ جَازَ لَهُمْ الْأَخْذُ مِنْ الزَّكَاةِ وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي يَعْقُوبَ وَغَيْرِهِ مِنْ أَصْحَابِنَا وَقَالَهُ أَبُو يُوسُفَ وَالْإِصْطَخْرِيُّ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ لِأَنَّهُ مَحَلُّ حَاجَةٍ وَضَرُورَةٍ وَيَجُوزُ لِبَنِي هَاشِمٍ الْأَخْذُ مِنْ زَكَاةِ الْهَاشِمِيِّينَ وَهُوَ مَحْكِيٌّ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ وَيَجُوزُ صَرْفُ الزَّكَاةِ إلَى الْوَالِدَيْنِ وَإِنْ عَلَوْا وَإِلَى الْوَالِدِ وَإِنْ سَفَلَ إذَا كَانُوا فُقَرَاءَ وَهُوَ عَاجِزٌ عَنْ نَفَقَتِهِمْ لِوُجُودِ الْمُقْتَضَى السَّالِمِ عَنْ الْمُعَارِضِ الْعَادِمِ وَهُوَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ وَكَذَا إنْ كَانُوا غَارِمِينَ أَوْ مُكَاتَبِينَ أَوْ أَبْنَاءَ السَّبِيلِ وَهُوَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ أَيْضًا وَإِذَا كَانَتْ الْأُمُّ فَقِيرَةً وَلَهَا أَوْلَادٌ صِغَارٌ لَهُمْ مَالٌ وَنَفَقَتُهَا تَضُرُّ بِهِمْ أُعْطِيت مِنْ زَكَاتِهِمْ وَاَلَّذِي يَخْدُمُهُ إذَا لَمْ تَكْفِهِ أُجْرَتُهُ أَعْطَاهُ مِنْ زَكَاتِهِ إذَا لَمْ يَسْتَعْمِلْهُ بَدَلَ خِدْمَتِهِ. وَمَنْ كَانَ فِي عِيَالِهِ قَوْمٌ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُمْ فَلَهُ أَنْ يُعْطِيَهُمْ مِنْ الزَّكَاةِ مَا يَحْتَاجُونَ إلَيْهِ مِمَّا لَمْ تَجْرِ عَادَتُهُ بِإِنْفَاقِهِ مِنْ مَالِهِ وَالْيَتِيمُ الْمُمَيِّزُ يَقْبِضُ الزَّكَاةَ لِنَفْسِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُمَيِّزًا قَبَضَهَا كَافِلَةً كَائِنًا مَنْ كَانَ وَأَمَّا إسْقَاطُ الدَّيْنِ عَنْ الْمُعْسِرِ فَلَا يُجْزِئُ عَنْ زَكَاةِ الْعَيْنِ بِلَا نِزَاعٍ لَكِنْ إذَا كَانَ لَهُ دَيْنٌ عَلَى مَنْ يَسْتَحِقُّ الزَّكَاةَ فَأَعْطَاهُ مِنْهَا وَشَارَطَهُ أَنْ

стр. 2280

يُعِيدَهَا إلَيْهِ لَمْ يَجُزْ، وَكَذَا إنْ لَمْ يَشْرِطْ لَكِنْ قَصَدَهُ الْمُعْطِي فِي الْأَظْهَرِ وَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يُسْقِطَ عَنْهُ قَدْرَ ذَلِكَ الدَّيْنِ وَيَكُونُ ذَلِكَ زَكَاةَ ذَلِكَ الدَّيْنِ فِيهِ قَوْلَانِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ أَظْهَرُهُمَا الْجَوَازُ لِأَنَّ الزَّكَاةَ مُوَاسَاةٌ وَمَنْ لَيْسَ مَعَهُ مَا يَشْتَرِي بِهِ كَثِيبًا يَشْتَغِلُ فِيهَا يَجُوزُ لَهُ الْأَخْذُ مِنْ الزَّكَاةِ مَا يَشْتَرِي لَهُ بِهِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ فِي إقَامَةِ مُؤْنَتِهِ وَإِنْ لَمْ يُنْفِقْهُ بِعَيْنِهِ فِي الْمُؤْنَةِ وَقِيلَ الرَّجُلُ يَكُونُ لَهُ الزَّرْعُ الْقَائِمُ وَلَيْسَ عِنْدَهُ مَا يَحْصُدُهُ أَيَأْخُذُ مِنْ الزَّكَاةِ؟ قَالَ نَعَمْ يَأْخُذُ وَيَأْخُذُ الْفَقِيرُ مِنْ الزَّكَاةِ مَا يَصِيرُ بِهِ غَنِيًّا وَإِنْ كَثُرَ وَهُوَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ وَالشَّافِعِيِّ. وَيَجُوزُ إعْتَاقُ الرَّقِيقِ مِنْ الزَّكَاةِ وَافْتِكَاكُ أَسْرَى الْمُسْلِمِينَ وَهُوَ مَذْهَبُ أَحْمَدَ وَيَجُوزُ لِلْإِمَامِ أَنْ يَعْتِقَ مِنْ مَالِ الْفَيْءِ وَالْمَصَالِحِ إذَا كَانَ فِي الْإِعْتَاقِ مَصْلَحَةٌ إمَّا لِمَنْفَعَةِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ لِمَنْفَعَةِ الْمُعْتِقِ أَوْ تَأْلِيفًا لِقُلُوبِ مَنْ يَحْتَاجُ إلَى تَأْلِيفِهِ وَقَدْ يَنْفُذُ الْعِتْقُ حَيْثُ لَا يَجُوزُ إذَا كَانَ فِي الرَّدِّ فَسَادٌ كَمَا فِي الْوِلَايَاتِ مِثْلُ أَنْ يَكُونَ قَدْ أَسْلَمُوا وَهُمْ لِكَافِرٍ ذِمِّيٍّ أَوْ مُعَاهِدٍ حَرْبِيٍّ وَمَنْ لَمْ يَحُجَّ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ وَهُوَ فَقِيرٌ أُعْطِيَ مَا يَحُجُّ بِهِ وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ وَيَبْرَأُ بِدَفْعِ الزَّكَاةِ إلَى وَلِيِّ الْأَمْرِ الْعَادِلِ وَإِنْ كَانَ ظَالِمًا لَا يَصْرِفُ الزَّكَاةَ فِي الْمَصَارِفِ الشَّرْعِيَّةِ فَيَنْبَغِي لِصَاحِبِهَا أَنْ لَا يَدْفَعَهَا إلَيْهِ فَإِنْ حَصَلَ لَهُ ضَرَرٌ بَعْدَ دَفْعِهَا إلَيْهِ فَإِنَّهُ يُجْزِئُ عَنْهُ إذَا أُخِذَتْ مِنْهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ وَهُمْ فِي هَذِهِ الْحَالِ ظَلَمُوا مُسْتَحِقَّهَا كَوَلِيِّ الْيَتِيمِ وَنَاظِرِ الْوَقْفِ إذَا قَبَضَا الْمَالَ وَصَرَفَاهُ فِي غَيْرِ مَصَارِفِهِ الشَّرْعِيَّةِ وَلَا تَسْقُطُ الزَّكَاةُ وَالْحَجُّ وَالدُّيُونُ وَمَظَالِمُ الْعِبَادِ عَمَّنْ مَاتَ شَهِيدًا وَإِذَا قَبَضَ مَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الزَّكَاةِ مَالًا مِنْ الزَّكَاةِ وَصَرَفَهُ فِي شِرَاءِ عَقَارٍ أَوْ نَحْوِهِ فَالنَّمَاءُ الَّذِي حَصَلَ بِعَمَلِهِ وَسَعْيِهِ يُجْعَلُ مُضَارَبَةً بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَهْلِ الزَّكَاةِ. وَإِعْطَاءُ السُّؤَالِ فَرْضُ كِفَايَةٍ إنْ صَدَقُوا وَمَنْ سَأَلَ غَيْرَهُ الدُّعَاءَ لِنَفْعِ ذَلِكَ الْغَيْرِ أَوْ نَفْعِهِمَا أُثِيبَ وَإِنْ قَصَدَ نَفْعَ نَفْسِهِ فَقَطْ نُهِيَ عَنْهُ كَسُؤَالِ الْمَالِ وَإِنْ كَانَ قَدْ لَا يَأْثَمُ قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ فِي الْفَتَاوَى الْمِصْرِيَّةِ لَا بَأْسَ بِطَلَبِ النَّاسِ الدُّعَاءَ بَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ لَكِنْ أَهْلُ الْفَضْلِ يَفُوزُونَ بِذَلِكَ إذْ الَّذِي يَطْلُبُونَ مِنْهُ الدُّعَاءَ إذَا دَعَا لَهُمْ كَانَ لَهُ مِنْ الْأَجْرِ عَلَى دُعَائِهِ أَعْظَمُ مِنْ أَجْرِهِ لَوْ دَعَا لِنَفْسِهِ وَحْدَهُ وَيَلْزَمُ عَامِلَ الزَّكَاةِ رَفْعُ حِسَابِ مَا تَوَلَّاهُ إذَا طُلِبَ مَنّهُ الْخَرَاجُ وَصِلَةُ الرَّحِمِ الْمُحْتَاجِ أَفْضَلُ مِنْ الْعِتْقِ.
следующие страницы →