Полный текст (3 138 стр.). Показаны 2311–2350 · переход к 2316.
стр. 2311
هَذَا قِيَاسُ الْمَذْهَبِ، وَإِذَا لَمْ يَقُمْ الْغَارِسُ بِمَا شُرِطَ عَلَيْهِ كَانَ لِرَبِّ الْأَرْضِ الْفَسْخُ.
فَإِذَا فَسَخَ الْعَامِلُ أَوْ كَانَتْ فَاسِدَةً فَلِرَبِّ الْأَرْضِ أَنْ يَتَمَلَّكَ نَصِيبَ الْغَارِسِ إذَا لَمْ يَتَّفِقَا عَلَى الْقَلْعِ. وَإِذَا تَرَكَ الْعَامِلُ الْعَمَلَ حَتَّى فَسَدَ الثَّمَرُ فَيَنْبَغِي أَنْ يَجِبَ عَلَيْهِ ضَمَانُ نَصِيبِ الْمَالِكِ، وَيَنْظُرُ كَمْ يُحْيِي لَوْ عَمِلَ بِطَرِيقِ الِاجْتِهَادِ.
كَمَا يَضْمَنُ لَوْ يَبِسَ الشَّجَرُ وَهَذَا لِأَنَّ تَرْكَهُ الْعَمَلَ مِنْ غَيْرِ فَسْخِ الْعَقْدِ حَرَامٌ وَغَرَرٌ وَهُوَ سَبَبٌ فِي عَدَمِ هَذَا الثَّمَرِ، فَيَكُونُ كَمَا لَوْ تَلِفَتْ الثَّمَرَةُ تَحْتَ الْيَدِ الْعَادِيَةِ مِثْلُ أَنْ يَغْصِبَ الشَّجَرَ غَاصِبٌ وَيُعَطِّلَهَا عَنْ السَّقْيِ حَتَّى يَفْسُدَ ثَمَرُهَا، أَمَّا الضَّمَانُ بِالْيَدِ الْعَادِيَةِ كَالضَّمَانِ بِسَبَبِ الْإِتْلَافِ لَا سِيَّمَا إذَا انْضَمَّ إلَيْهِ الْعَادِيَةِ.
وَاسْتِيلَاؤُهُ عَلَى الشَّجَرِ مَعَ عَدَمِ الْوَفَاءِ بِمَا شَرَطَهُ هَلْ هُوَ يَدٌ عَادِيَةٌ فِيهِ نَظَرٌ، لَكِنَّهُ سَبَبٌ فِي الْإِتْلَافِ، وَهَذَا فِي الْفَوَائِدِ نَظِيرُ الْمَنَافِعِ فَإِنَّ الْمَنَافِعَ لَمْ تُوجَدْ وَإِنَّمَا الْغَاصِبُ مَنَعَ مِنْ اسْتِيفَائِهَا وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْإِتْلَافَ نَوْعَانِ: إعْدَامُ مَوْجُودٍ وَتَفْوِيتٌ لِمَعْدُومٍ انْعَقَدَ سَبَبُ وُجُودِهِ وَهَذَا تَفْوِيتٌ.
وَعَلَى هَذَا فَالْعَامِلُ فِي الْمُزَارَعَةِ إذَا تَرَكَ الْعَمَلَ فَقَدْ اسْتَوْلَى عَلَى الْأَرْضِ وَفَوَّتَ نَفْعَهَا، فَيَنْبَغِي أَيْضًا ضَمَانُ إتْلَافٍ أَوْ ضَمَانُ إتْلَافٍ وَيَدٍ، لَكِنْ هَلْ يَضْمَنُ أُجْرَةَ الْمِثْلِ أَوْ يَضْمَنُ مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ فِي مِثْلِ تِلْكَ الْأَرْضِ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ الزَّرْعُ فِي مِثْلِهَا مَعْرُوفًا فَيُقَاسَ بِمِثْلِهَا.
أَمَّا عَلَى مَا ذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا فَيَنْبَغِي أَنْ يَضْمَنَ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ، وَالْأَصْوَبُ الْأَقْيَسُ بِالْمَذْهَبِ أَنْ يَضْمَنَ بِمِثْلِ مَا يَثْبُتُ، وَعَلَى هَذَا فَلَا يَكُونُ ضَمَانَ يَدٍ وَإِنَّمَا هُوَ ضَمَانُ تَعْزِيرٍ وَالْمُزَارَعَةُ أَحَلُّ مِنْ الْإِجَارَةِ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الْغُنْمِ وَالْمَغْرَمِ، وَلَا يُشْتَرَطُ كَوْنُ الْبَذْرِ مِنْ رَبِّ الْأَرْضِ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ اخْتَارَهَا طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَلَوْ كَانَ مِنْ إنْسَانٍ الْأَرْضُ وَمِنْ ثَانٍ الْعَمَلُ وَمِنْ ثَالِثٍ الْبَذْرُ وَمِنْ رَابِعٍ الْبَقَرُ صَحَّ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ.
وَإِذَا نَبَتَ الزَّرْعُ مِنْ الْحَبِّ الْمُشْتَرَكِ قُسِّمَ الزَّرْعُ عَلَى قَدْرِ مَنْفَعَةِ الْأَرْضِ وَالْحَبُّ فِي أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ، وَإِنْ شَرَطَ صَاحِبُ الْبَذْرِ أَنْ يَأْخُذَ مِثْلَ بَذْرِهِ وَيَقْتَسِمَانِ الْبَاقِيَ جَازَ
стр. 2312
كَالْمُضَارَبَةِ وَكَاقْتِسَامِهِمَا مَا يَبْقَى بَعْدَ الْكَلَفِ، وَإِذَا صَحَّتْ الْمُزَارَعَةُ فَيَلْزَمُ الْمُقْطِعَ عُشْرُ نَصِيبِهِ وَمَنْ قَالَ الْعُشْرُ كُلُّهُ عَلَى الْفَلَّاحِ فَقَدْ خَالَفَ الْإِجْمَاعَ، وَإِنْ أَلْزَمُوا الْفَلَّاحَ بِهِ فَمَسْأَلَةُ الظُّفْرِ وَالْحَقُّ ظَاهِرٌ فَيَجُوزُ لَهُ قَدْرُ مَا ظُلِمَ بِهِ وَالْمَسَّاحُ عَلَى الْمَالِكِ، وَيَتْبَعُ فِي الْكُلَفِ السُّلْطَانِيَّةِ الْعُرْفَ مَا لَمْ يَكُنْ شَرْطٌ، وَمَا طُولِبَ مِنْ الْقَرْيَةِ مِنْ الْوَظَائِفِ السُّلْطَانِيَّةِ وَنَحْوِهَا فَعَلَ قَدْرَ الْأَمْوَالِ، وَإِنْ وُضِعَتْ عَلَى الزَّرْعِ فَعَلَى رَبِّهِ، وَإِنْ مُنِعَتْ مُطْلَقًا فَالْعَادَةُ.
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُقْطِعُ عَلَى الْفَلَّاحِ شَيْئًا مَأْكُولًا. وَمَا يُؤْخَذُ مِنْ نَصِيبِ الْفَلَّاحِ لِلْقَطْعِ، وَالْعُشْرُ وَالرِّئَاسَةُ إنْ كَانَتْ لَوْ دُفِعَتْ مُقَاسَمَةً قُسِمَتْ أَوْ جَرَتْ الْعَادَةُ بِمِقْدَارٍ فَأَخَذَ قَدْرَهُ فَلَا بَأْسَ، وَهَدِيَّةُ الْفَلَّاحِ لِلْمُقْطِعِ إنَّمَا هِيَ بِسَبَبِ الْإِقْطَاعِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُحِسَّهَا لَهُ مِمَّا عِنْدَهُ أَوْ لَا يَأْخُذَهَا.
وَإِذَا فَسَدَتْ الْمُزَارَعَةُ أَوْ الْمُسَاقَاةُ أَوْ الْمُضَارَبَةُ اسْتَحَقَّ الْعَامِلُ نَصِيبَ الْمِثْلِ وَهُوَ مَا جَرَتْ الْعَادَةُ فِي مِثْلِهِ لَا أُجْرَةُ الْمِثْلِ، وَإِذَا كُنَّا نَقُولُ فِي الْغَاصِبِ إنَّ زَرْعَهُ لِرَبِّ الْأَرْضِ وَعَلَيْهِ النَّفَقَةُ، فَلَأَنْ نَقُولَ مِثْلَ ذَلِكَ فِي الْمُزَارَعَةِ الْفَاسِدَةِ إنَّ الزَّرْعَ لِرَبِّ الْأَرْضِ وَإِنْ كَانَ الْبَذْرُ لِغَيْرِهِ أَوْلَى، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[بَابُ الْإِجَارَةِ]
وَهَلْ تَنْعَقِدُ الْإِجَارَةُ بِلَفْظِ الْبَيْعِ فِيهِ وَجْهَانِ يَثْبُتَانِ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْمُعَاوَضَةَ نَوْعٌ مِنْ الْبَيْعِ أَوْ شَبَهٌ بِهِ، وَيَصِحُّ أَنْ يَسْتَأْجِرَ الدَّابَّةَ بِعَلَفِهَا وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ وَجَزَمَ بِهِ الْقَاضِي فِي التَّعْلِيقِ، وَيَصِحُّ أَنْ يَسْتَأْجِرَ لِابْنِهِ وَلَوْ جَعَلَ الْأُجْرَةَ نَفَقَتَهُ نَصَّ مَالِكٌ عَلَى جَوَازِ إجَارَةٍ لِابْنِهِ فَمِنْ أَصْحَابِهِ مَنْ جَوَّزَ ذَلِكَ تَبَعًا لِنَصِّهِ وَمِنْهُمْ مَنْ مَنَعَ بِهَا مَوْرِدَ النَّصِّ، وَلَمْ يَدُلَّ عَلَيْهَا نَصُّهُ.
وَإِذَا اسْتَأْجَرَ لَبَنَهُ فَنَقَصَ عَنْ الْعَادَةِ كَبَعِيرِ الْعَادَةِ بِبَعِيرِ الْعَادَةِ فِي الْمَنْفَعَةِ بِمَلْكِ الْمُسْتَأْجِرِ.
стр. 2313
وَأَمَّا الْأَرْشُ فَيَجُوزُ إجَارَةُ مَا قَنَاهُ مُدَّةً وَمَا قَابَضَ تَرْكُهُ رَامَاهُ وَيَجُوزُ إجَارَةُ الشَّجَرِ لِأَخْذِ ثَمَرِهِ وَالسَّمْعِ لِيَشْغَلَهُ، وَهُوَ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ فِيمَا إذَا أَجَّرَهُ كُلَّ شَهْرٍ بِدِرْهَمٍ وَمِثْلُهُ وَكُلَّمَا أَعْتَقْت عَبْدًا مِنْ عَبِيدِك فَعَلَيَّ ثَمَنُهُ، فَإِنَّهُ يَصِحُّ وَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ الْعَدَدَ وَالثَّمَنَ
وَيَجُوزُ لِلْمُؤَجِّرِ إجَارَةُ الْعَيْنِ الْمُؤَجَّرَةِ مِنْ غَيْرِ الْمُسْتَأْجِرِ فِي مُدَّةِ الْإِجَارَةِ.
وَيَقُومُ الْمُسْتَأْجِرُ الثَّانِي مَقَامَ الْمَالِكِ فِي اسْتِيفَاءِ الْأُجْرَةِ مِنْ الْمُسْتَأْجِرِ الْأَوَّلِ، وَغَلِطَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ فَأَفْتَى فِي نَحْوِ ذَلِكَ بِفَسَادِ الْإِجَارَةِ الثَّانِيَةِ ظَنًّا مِنْهُ أَنَّ هَذَا كَبَيْعِ الْمَبِيعِ، وَأَنَّهُ تَصَرُّفٌ فِيمَا لَا يَمْلِكُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ هُوَ تَصَرُّفٌ فِيمَا اسْتَحَقَّهُ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ وَيَجُوزُ إجَارَةُ الْإِقْطَاعِ. قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ:
وَمَا عَلِمْتُ أَحَدًا مِنْ عُلَمَاءِ الْإِسْلَامِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ قَالَ: إجَارَةُ الْإِقْطَاعِ لَا تَجُوزُ حَتَّى حَدَّثَ بَعْضُ أَهْلِ زَمَانِنَا فَابْتَدَعَ الْقَوْلَ بِعَدَمِ الْجَوَازِ وَيَجُوزُ لِلْمُسْتَأْجِرِ إجَارَةُ الْعَيْنِ الْمُؤَجَّرَةِ لِمَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ بِمِثْلِ الْأُجْرَةِ وَزِيَادَةٍ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ أَحْمَدَ وَالشَّافِعِيِّ، فَإِنْ شَرَطَ الْمُؤَجِّرُ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ أَنْ لَا يَسْتَوْفِيَ الْمَنْفَعَةَ إلَّا بِنَفْسِهِ أَوْ أَنْ لَا يُؤَجِّرَهَا إلَّا لِعَدْلٍ أَوْ لَا يُؤَجِّرَهَا مِنْ زَيْدٍ. قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ:
فَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ فِيمَا أَرَاهُ أَنَّهَا شُرُوطٌ صَحِيحَةٌ، لَكِنْ لَوْ تَعَذَّرَ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ الِاسْتِيفَاءُ بِنَفْسِهِ لِمَرَضٍ أَوْ تَلَفِ مَالٍ أَوْ إرَادَةِ سَفَرٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَثْبُتَ لَهُ الْفَسْخُ كَمَا لَوْ تَعَذَّرَ تَسْلِيمُ الْمَنْفَعَةِ، وَلَوْ اضْطَرَّ إلَى السُّكْنَى فِي بَيْتِ إنْسَانٍ لَا يَجِدُ سِوَاهُ، أَوْ النُّزُولِ فِي خَانٍ مَمْلُوكٍ أَوْ رَحًا لِلطَّحْنِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمَنَافِعِ وَجَبَ بَدَلُهُ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ بِلَا نِزَاعٍ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ يَجِبُ بَدَلُهُ مُحَابَاةً ظَاهِرَ الْمَذْهَبِ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَأْخُذَ الْأُجْرَةَ عَلَى تَعْلِيمِ الْفِقْهِ وَالْحَدِيثِ وَنَحْوِهِمَا إنْ كَانَ مُحْتَاجًا وَهُوَ وَجْهٌ فِي الْمَذْهَبِ، وَلَا يَصِحُّ الِاسْتِئْجَارُ عَلَى الْقِرَاءَةِ وَإِهْدَائِهَا إلَى الْمَيِّتِ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الْأَئِمَّةِ الْإِذْنُ فِي ذَلِكَ.
وَقَدْ قَالَ الْعُلَمَاءُ إنَّ الْقَارِئَ إذَا قَرَأَ لِأَجْلِ الْمَالِ فَلَا ثَوَابَ لَهُ، فَأَيُّ شَيْءٍ يُهْدَى إلَى الْمَيِّتِ وَإِنَّمَا يَصِلُ إلَى الْمَيِّتِ الْعَمَلُ الصَّالِحُ، وَالِاسْتِئْجَارُ عَلَى مُجَرَّدِ التِّلَاوَةِ لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ مِنْ الْأَئِمَّةِ، وَإِنَّمَا تَنَازَعُوا فِي الِاسْتِئْجَارِ عَلَى التَّعْلِيمِ وَلَا بَأْسَ بِجَوَازِ أَخْذِ الْأُجْرَةِ عَلَى الرُّقْيَةِ وَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ.
стр. 2314
وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَأْخُذَ الْحَاجُّ عَنْ غَيْرِهِ لِيَحُجَّ لَا أَنْ يَحُجَّ لِيَأْخُذَ فَمَنْ أَحَبَّ إبْرَارَ الْمَيِّتِ بِرُؤْيَةِ الْمَشَاعِرِ يَأْخُذُ لِيَحُجَّ وَمِثْلُهُ كُلُّ رِزْقٍ أُخِذَ عَلَى عَمَلٍ صَالِحٍ فَفَرَّقَ بَيْنَ مَنْ يَقْصِدُ الدِّينَ وَالدُّنْيَا وَسِيلَتَهُ وَعَكْسِهِ، فَالْأَشْبَهُ أَنَّ عَكْسَهُ لَيْسَ لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ، وَالْأَعْمَالُ الَّتِي يَخْتَصُّ فَاعِلُهَا أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْقُرْبَةِ هَلْ يَجُوزُ إيقَاعُهَا غَيْرَ وَجْهِ الْقُرْبَةِ.
فَمَنْ قَالَ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ لَمْ يُجِزْ الْإِجَارَةَ عَلَيْهَا لِأَنَّهَا بِالْعِوَضِ تَقَعُ غَيْرَ قُرْبَةٍ، وَإِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى لَا يَقْبَلُ مِنْ الْعَمَلِ إلَّا مَا أُرِيدَ بِهِ وَجْهُهُ، وَمِنْ جَوَّزَ الْإِجَارَةَ جَوَّزَ إيقَاعَهَا عَلَى وَجْهِ الْقُرْبَةِ، وَقَالَ تَجُوزُ الْإِجَارَةُ عَلَيْهَا لِمَا فِيهَا مِنْ نَفْعِ الْمُسْتَأْجِرِ.
وَأَمَّا مَا يُؤْخَذُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ فَلَيْسَ عِوَضًا وَأُجْرَةً بَلْ رِزْقٌ لِلْإِعَانَةِ عَلَى الطَّاعَةِ فَمَنْ عَمِلَ مِنْهُمْ لِلَّهِ أُثِيبَ وَمَا يَأْخُذُهُ رِزْقٌ لِلْإِعَانَةِ عَلَى الطَّاعَةِ. وَكَذَلِكَ الْمَالُ الْمَوْقُوفُ عَلَى أَعْمَالِ الْبِرِّ وَالْمُوصَى بِهِ وَالْمَنْذُورُ كَذَلِكَ لَيْسَ كَالْأُجْرَةِ.
وَالْجُعَلُ فِي الْإِجَارَةِ إلَى مَا لَهُ الِاخْتِصَاصُ، فَلَوْ اسْتَأْجَرَ أَرْضًا مِنْ جُنْدِيٍّ ثُمَّ غَرَسَهَا قَضْبًا وَانْتَقَلَ الْإِقْطَاعُ إلَى آخَرَ فَالْجُنْدِيُّ الثَّانِي لَا يَلْزَمُهُ حُكْمُ الْإِجَارَةِ الْأُولَى وَلَهُ أَنْ يُؤَجِّرَهَا لِمَنْ لَهُ فِيهَا الْقَضْبُ وَكَذَا لِغَيْرِهِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَيَقُومُ ذَلِكَ الْمُؤَجِّرُ فِيهَا مَقَامَ الْمُؤَجِّرِ الْأَوَّلِ، وَإِذَا وَقَعَتْ الْإِجَارَةُ بِالْأَشْهُرِ فَاَلَّذِي وَقَعَ فِي أَثْنَاءِ الشَّهْرِ فَفِيهِ عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَانِ إحْدَاهُمَا يُعْتَبَرُ ذَلِكَ الشَّهْرُ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ الْإِنْبَاتُ بِالْعَدَدِ، وَبَاقِي الشُّهُورِ بِالْأَهِلَّةِ.
وَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ فَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ الشَّهْرُ الْأَوَّلُ بِحَسَبِ تَمَامِهِ وَنُقْصَانِهِ، فَإِنْ كَانَ تَامًّا كُمِّلَ تَامًّا، وَإِنْ كَانَ نَاقِصًا كُمِّلَ نَاقِصًا، فَإِذَا وَقَعَ أَوَّلَ الْمُدَّةِ فِي عَاشِرِ الشَّهْرِ مَثَلًا كُمِّلَ ذَلِكَ الشَّهْرُ فِي عَاشِرِ الشَّهْرِ الثَّانِي إنْ كَانَ الشَّهْرُ الْأَوَّلُ نَاقِصًا وَلَيْسَ لِلْوَكِيلِ أَنْ يُطْلِقَ فِي الْإِجَارَةِ مُدَّةً طَوِيلَةً، بَلْ الْعُرْفُ كَسَنَتَيْنِ وَنَحْوِهِمَا.
وَإِذَا شَرَطَ الْوَاقِفُ أَنَّ النَّظَرَ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ أَوْ أَتَى بِلَفْظٍ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، فَأَفْتَى بَعْضُ أَصْحَابِنَا أَنَّ إجَارَتَهُ كَإِجَارَةِ النَّاظِرَ وَعَلَى مَا ذَكَرَهُ ابْنُ أَحْمَدَ أَنْ لَيْسَ كَذَلِكَ، وَهُوَ الْأَشْبَهُ وَتَنْفَسِخُ إجَارَةُ الْبَطْنِ الْأَوَّلِ إذَا انْتَقَلَ الْوَقْفُ إلَى الْبَطْنِ الثَّانِي فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ.
стр. 2315
وَصِنَاعَةُ التَّنْجِيمِ وَأَخْذِ الْأُجْرَةِ عَلَيْهَا وَبَذْلُهَا حَرَامٌ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ، وَعَلَى وُلَاةِ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ الْمَنْعُ مِنْ ذَلِكَ وَالْقِيَامُ فِي ذَلِكَ مِنْ أَفْضَلِ الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ.
وَإِذَا رَكِبَ الْمُؤَجِّرُ إلَى شَخْصٍ لِيُؤَجِّرَهُ لَمْ يَجُزْ لِغَيْرِهِ الزِّيَادَةُ عَلَيْهِ، فَكَيْفَ إذَا كَانَ الْمُسْتَأْجِرُ سَاكِنًا فِي الدَّارِ فَإِنَّهُ لَا تَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَى سَاكِنِ الدَّارِ، وَإِذَا وَقَعَتْ الْإِجَارَةُ صَحِيحَةً فَهِيَ لَازِمَةٌ مِنْ الطَّرَفَيْنِ لَيْسَ لِلْمُؤَجِّرِ الْفَسْخُ لِأَجْلِ زِيَادَةٍ حَصَلَتْ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ.
وَمَا ذَكَرَهُ بَعْضُ مُتَأَخِّرِي الْفُقَهَاءِ مِنْ التَّفْرِيقِ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ الزِّيَادَةُ بِقَدْرِ الثُّلُثِ فَتَقْبَلُ الزِّيَادَةُ أَوْ أَقَلُّ فَلَا تَقْبَلُ فَهُوَ قَوْلٌ مُبْتَدَعٌ لَا أَصْلَ لَهُ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الْأَئِمَّةِ لَا فِي الْوَقْفِ وَلَا فِي غَيْرِهِ، وَلَوْ الْتَزَمَ الْمُسْتَأْجِرُ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ لَمْ تَلْزَمْهُ اتِّفَاقًا، وَلَوْ الْتَزَمَهَا بِطِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ فِي لُزُومِهَا لَهُ قَوْلَانِ.
فَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ لَا تَلْزَمُهُ أَيْضًا بِنَاءً عَلَى أَنَّ إلْحَاقَ الزِّيَادَةِ وَالشُّرُوطِ بِالْعُقُودِ اللَّازِمَةِ لَا يَصِحُّ، وَتَلْزَمُهُ إذَا فَعَلَهَا بِطِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ مُتَبَرِّعًا بِذَلِكَ فِي الْقَوْلِ الْآخَرِ وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَأَحْمَدَ فِي الْقَوْلِ الْآخَرِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ تَلْحَقُ الزِّيَادَةُ بِالْعُقُودِ اللَّازِمَةِ.
لَكِنْ إذَا كَانَتْ الْعَادَةُ لَمْ تَجْرِ بِأَنَّ أَحَدَ هَؤُلَاءِ يُلْحِقُهَا بِطِيبِ نَفْسِهِ، وَلَكِنْ خَوْفًا مِنْ الْإِخْرَاجِ، فَحِينَئِذٍ لَا تَلْزَمُهُمْ بِالِاتِّفَاقِ بَلْ لَهُمْ اسْتِرْجَاعُهَا مِمَّنْ قَبَضَهَا مِنْهُمْ وَأُجْرَةُ الْمِثْلِ لَيْسَتْ شَيْئًا مَحْدُودًا.
وَإِنَّمَا هِيَ مَا تُسَاوِي الشَّيْءَ فِي نُفُوسِ أَهْلِ الرَّغْبَةِ، وَلَا عِبْرَةَ بِمَا يَحْدُثُ فِي أَثْنَاءِ الْمُدَّةِ مِنْ ارْتِفَاعِ الْكِرَاءِ أَوْ انْخِفَاضِهِ، وَلَوْ اسْتَأْجَرَ تُفَّاحَةً يُحْتَمَلُ الْجَوَازُ وَيَجُوزُ إجَارَةُ الْمُقَصَّبَةِ لِيَقُومَ عَلَيْهَا الْمُسْتَأْجِرُ وَيَسْقِيَهَا فَتَنْبُتُ الْعُرُوقُ الَّتِي فِيهَا بِمَنْزِلَةِ مَنْ يَسْقِي الْأَرْضَ لِيَنْبُتَ فِيهَا الْكَلَأُ بِلَا بَذْرٍ، وَإِذَا عَمِلَ الْأَجِيرُ بَعْضَ الْعَمَلِ أُعْطِي مِنْ الْأُجْرَةِ بِقَدْرِ مَا عَمِلَ، وَإِذَا مَاتَ الْمُسْتَأْجِرُ لَمْ يَلْزَمْ وَرَثَتَهُ تَعْجِيلُ الْأُجْرَةِ فِي أَصَحِّ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ.
وَهَذَا عَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ لَا يَحِلُّ الدَّيْنُ بِالْمَوْتِ ظَاهِرٌ وَكَذَا عَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ بِحُلُولِهِ فِي أَظْهَرِ قَوْلَيْهِمْ إذْ يُفَرِّقُونَ بَيْنَ الْإِجَارَةِ وَغَيْرِهَا كَمَا يُفَرِّقُونَ فِي الْأَرْضِ الْمُحْتَكَرَةِ إذَا بِيعَتْ أَوْ وُرِثَتْ فَإِنَّ الْحَكْرَ يَكُونُ عَلَى الْمُشْتَرِي وَالْوَارِثِ وَلَيْسَ لِأَصْحَابِ الْحَكْرِ
стр. 2316
أَخْذُ الْحَكْرِ مِنْ الْبَائِعِ وَمَنْ تَرِكَةِ الْمَيِّتِ فِي أَظْهَرِ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ
وَيَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ فِي أَظْهَرِ قَوْلَيْهِمْ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَأْجِرَ مَنْ يُصَلِّي مَعَهُ نَافِلَةً وَلَا فَرِيضَةً فِي جَنْبِهِ وَلَا يَمِينِهِ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ وَإِذَا تَقَايَلَا الْإِجَارَةَ أَوْ فَسَخَهَا الْمُسْتَأْجِرُ بِحَقٍّ وَكَانَ حَرَثَهَا فَلَهُ ذَلِكَ وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَقْطَعَ غِرَاسَ الْمُسْتَأْجِرِ وَزَرْعَهُ سَوَاءٌ كَانَتْ الْإِجَارَةُ صَحِيحَةً أَوْ فَاسِدَةً بَلْ إذَا بَقِيَ فَعَلَيْهِ أُجْرَةُ الْمِثْلِ.
وَتَرْكُ الْقَابِلَةِ وَنَحْوِهَا الْأُجْرَةَ لِحَاجَةِ الْمَقْبُولَةِ أَفْضَلُ مِنْ أَخْذِهَا الصَّدَقَةَ بِهَا. وَإِجَارَةِ الْمُضَافِ يُفَسَّرُ بِشَيْئَيْنِ أَنْ يُؤَجَّرَ سَنَةً أَوْ سَنَتَيْنِ، وَالثَّانِي أَنْ يُؤَجَّرَ مُدَّةً لَا يُمْكِنُ الِانْتِفَاعُ بِالْمَأْخُوذِ لِمَا اُسْتُؤْجِرَ لَهُ فِي الْمُدَّةِ فَمِنْ الْحُكَّامِ مَنْ يَرَى أَنَّ الْإِجَارَةَ لَا تَجُوزُ إلَّا إذَا أَمْكَنَ الِانْتِفَاعُ بِالْعَيْنِ عَقِبَ الْعَقْدِ، فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَسْتَأْجِرَ الْأَرْضَ لِلِازْدِرَاعِ وَنَحْوِهِ كَتَبَ فِيهَا أَنَّهُ اسْتَأْجَرَهَا مَقِيلًا وَمَرَاحًا وَمُزْدَرَعًا وَنَحْوَ ذَلِكَ لِتَكُونَ الْمَنْفَعَةُ مُمْكِنَةً حَالَةَ الْعَقْدِ وَنُصُوصُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ كَثِيرَةٌ فِي الْمَنْعِ مِنْ إجَارَةِ الْمُسْلِمِ دَارِهِ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَبَيْعِهَا لَهُمْ وَاخْتَلَفَ الْأَصْحَابُ فِي هَذَا الْمَنْعِ هَلْ هُوَ كَرَاهَةُ تَنْزِيهٍ أَوْ تَحْرِيمٍ فَأَطْلَقَ أَبُو عَلِيٍّ وَأَبُو مُوسَى وَالْآمِدِيُّ بِالْكَرَاهَةِ.
وَأَمَّا الْخَلَّالُ وَصَاحِبُهُ فَمُقْتَضَى كَلَامِهِمَا وَكَلَامِ الْقَاضِي تَحْرِيمُ ذَلِكَ، وَكَلَامُ أَحْمَدَ يَحْتَمِلُ الْأَمْرَيْنِ وَهَذَا الْخِلَافُ عِنْدَنَا وَالتَّرَدُّدُ فِي الْكَرَاهَةِ إنَّمَا مَحَلُّهُ إذَا لَمْ يَعْقِدْ الْإِجَارَةَ عَلَى الْمَنْفَعَةِ الْمُحَرَّمَةِ فَأَمَّا إنْ أَجَّرَهُ إيَّاهَا لِأَجْلِ بَيْعِ الْخَمْرِ وَاِتِّخَاذِهَا كَنِيسَةً لَمْ يَجُزْ قَوْلًا وَاحِدًا.
قَالَ أَبُو طَالِبٍ: سَأَلْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنْ الرَّجُلِ يُغَسِّلُ الْمَيِّتَ بِكِرَاءٍ؟ قَالَ: بِكِرَاءٍ،؟ وَاسْتَعْظَمَ ذَلِكَ. قُلْت: يَقُولُ أَنَا فَقِيرٌ، قَالَ: هَذَا كَسْبُ سُوءٍ.
وَوَجْهُ هَذَا النَّصِّ أَنَّ تَغْسِيلَ الْمَوْتَى مِنْ أَعْمَالِ الْبِرِّ وَالتَّكَسُّبُ بِذَلِكَ يُؤْذِنُ بِتَمَنِّي مَوْتِ الْمُسْلِمِينَ فَنَسَبَهُ إلَى الِاحْتِكَارِ قَالَ أَصْحَابُنَا يُسْتَحَبُّ أَنْ يُعْطَى الظِّئْرُ عِنْدَ الْفِطَامِ عَبْدًا أَوْ أَمَةً إذَا أَمْكَنَ لِلْخَبَرِ وَلَعَلَّ هَذَا فِي الْمُتَبَرِّعَةِ بِالرَّضَاعِ وَأَمَّا فِي الْإِجَارَةِ فَلَا يُفْتَقَرُ إلَى تَقْدِيرِ عِوَضٍ وَلَا إلَى صِيغَةٍ بَلْ مَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِأَنَّهُ إجَارَةٌ فَهُوَ إجَارَةٌ يَسْتَحِقُّ فِيهِ أُجْرَةَ الْمِثْلِ فِي أَظْهَرِ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ.
نَقَلَ أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ سَأَلَ رَجُلٌ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ وَأَنَا أَسْمَعُ عَنْ رَجُلٍ يَأْخُذُ
стр. 2317
الْأُجْرَةَ عَلَى كِتَابَةِ الْعِلْمِ فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: أَكْرَهُهُ لَا نَأْخُذُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ أَعْمَالِ الْبِرِّ أُجْرَةً وَكَانَ أَبُو عُيَيْنَةَ لَا يَرَاهُ قَالَ الْقَاضِي ظَاهِرُ هَذَا الْمَنْعُ. قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: لَعَلَّهُ مَعَ الْغِنَى وَإِلَّا فَهُوَ بَعِيدٌ قَالَ الْقَاضِي فِي التَّعْلِيقِ ": إذَا دَفَعَ إلَى دَلَّالٍ ثَوْبًا أَوْ دَارًا وَقَالَ لَهُ: بِعْ هَذَا فَمَضَى وَعَرَضَ ذَلِكَ عَلَى جَمَاعَةٍ مُشْتَرِينَ وَعَرَفَ ذَلِكَ صَاحِبُ الْمَبِيعِ فَامْتَنَعَ مِنْ الْبَيْعِ وَأَخَذَ السِّلْعَةَ ثُمَّ بَاعَهَا هُوَ مِنْ ذَلِكَ الْمُشْتَرِي أَوْ مِنْ غَيْرِهِ لَمْ تَلْزَمْهُ أُجْرَةُ الدَّلَّالِ لِلْمَبِيعِ لِأَنَّ الْأُجْرَةَ إنَّمَا جَعَلَهَا فِي مُقَابَلَةِ الْعَقْدِ وَمَا حَصَلَ لَهُ ذَلِكَ. قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: الْوَاجِبُ أَنْ يَسْتَحِقَّ مِنْ الْأُجْرَةِ بِقَدْرِ مَا عَمِلَ وَهَذِهِ مِنْ مَسَائِلِ الْجَعَلَاتِ وَتَصِحُّ إجَارَةُ الْأَرْضِ لِلزَّرْعِ بِبَعْضِ الْخَارِجِ مِنْهَا وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ وَقَوْلُ الْجُمْهُورِ قَالَ ابْنُ مَنْصُورٍ: قُلْت لِأَحْمَدَ: الرَّجُلُ يَسْتَأْجِرُ الْبَيْتَ إذَا شَاءَ أَخْرَجَهُ وَإِذَا شَاءَ خَرَجَ قَالَ قَدْ وَجَبَ فِيهِمَا إلَى أَجَلِهِ إلَّا أَنْ يُهْدَمَ الْبَيْتُ أَوْ يَغْرَقَ الدَّارُ أَوْ يَمُوتَ الْبَعِيرُ فَلَا يَنْتَفِعُ الْمُسْتَأْجِرُ بِمَا اسْتَأْجَرَ فَيَكُونُ عَلَيْهِ بِحِسَابِ مَا سَكَنَ أَوْ رَكِبَ قَالَ الْقَاضِي ظَاهِرُ هَذَا أَنَّ الشَّرْطَ الْفَاسِدَ لَا يُبْطِلُ الْإِجَارَةَ.
وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: هَذَا اشْتِرَاطُ النَّجَّارِ لَكِنَّهُ فِي جَمِيعِ الْمُدَّةِ مَعَ الْإِذْنِ فِي الِانْتِفَاعِ فَإِذَا تَرَكَ الْأَجِيرُ مَا يَلْزَمُهُ عَمَلُهُ بِلَا عُذْرٍ فَتَلِفَ مَا اُسْتُؤْجِرَ عَلَيْهِ ضَمِنَهُ وَلِلْمُسْتَأْجِرِ مُطَالَبَةُ الْمُؤَجِّرِ بِالْعِمَارَةِ وَهِيَ وَاجِبَةٌ مِنْ وَجْهَيْنِ مِنْ جِهَةِ حَقِّ أَهْلِ الْوَقْفِ وَمِنْ جِهَةِ حَقِّ الْمُسْتَأْجِرِ.
وَاِتِّخَاذُ الْحِجَامَةِ صِنَاعَةً يَتَكَسَّبُ بِهَا هُوَ مِمَّا نُهِيَ عَنْهُ عِنْدَ إمْكَانِ الِاسْتِغْنَاءِ عَنْهُ فَإِنَّهُ يُفْضِي إلَى كَثْرَةِ مُبَاشَرَةِ النَّجَاسَاتِ وَالِاعْتِنَاءِ بِهَا لَكِنْ إذَا عَمِلَ ذَلِكَ الْعَمَلَ بِالْعِوَضِ اسْتَحَقَّهُ وَإِلَّا فَلَا يَجْتَمِعُ عَلَيْهِ اسْتِعْمَالُهُ فِي مُبَاشَرَةِ النَّجَاسَةِ وَحِرْمَانُهُ أُجْرَتَهُ وَنُهِيَ عَنْ أَكْلِهِ مَعَ الِاسْتِغْنَاءِ عَنْهُ مَعَ أَنَّهُ مِلْكُهُ وَإِذَا كَانَتْ عَلَيْهِ نَفَقَةُ رَقِيقٍ أَوْ بَهَائِمَ يَحْتَاجُ إلَى نَفَقَتِهَا أَنْفَقَ عَلَيْهَا مِنْ ذَلِكَ لِئَلَّا يَفْسُدَ مَالُهُ إذَا كَانَ الرَّجُلُ مُحْتَاجًا إلَى هَذَا الْكَسْبِ لَيْسَ لَهُ مَا يُغْنِيه عَنْهُ إلَّا الْمَسْأَلَةُ لِلنَّاسِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ مِنْ مَسْأَلَةِ النَّاسِ كَمَا قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ كَسْبٌ فِيهِ دَنَاءَةٌ خَيْرٌ مِنْ مَسْأَلَةِ النَّاسِ.
стр. 2318
وَإِذَا بِيعَتْ الْعَيْنُ الْمُؤَجَّرَةُ أَوْ الْمَرْهُونَةُ وَنَحْوُهُمَا بِهِ تَعَلَّقَ حَقُّ غَيْرِ الْبَائِعِ وَهُوَ عَالِمٌ بِالْعَيْبِ فَلَمْ يَتَكَلَّمْ فَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ: لَا يَمْلِكُ الْمُطَالَبَةَ بِفَسَادِ الْبَيْعِ بَعْدَ هَذَا لِأَنَّ إخْبَارَهُ بِالْعَيْبِ وَاجِبٌ عَلَيْهِ بِالسُّنَّةِ بِقَوْلِهِ وَلَا يَحِلُّ لِمَنْ عَلِمَ ذَلِكَ إلَّا إنْ بَيَّنَهُ فَكِتْمَانُهُ تَغْرِيرٌ وَالْغَارُّ ضَامِنٌ وَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ فِيمَا إذَا رَأَى عَيْبًا فَلَمْ يَنْهَهُ وَفِي جَمِيعِ الْمَوَاضِعِ فَإِنَّ الْمَذَاهِبَ أَنَّ السُّكُوتَ لَا يَكُونُ إذْنًا فَلَا يَصِحُّ التَّصَرُّفُ لَكِنْ إذَا لَمْ يَصِحَّ يَكُونُ تَغْرِيرًا فَيَكُونُ ضَامِنًا بِحَيْثُ إنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُطَالِبَ الْمُشْتَرِيَ بِالضَّمَانِ فَإِنَّ تَرْكَ الْوَاجِبِ عِنْدَنَا كَفِعْلِ الْمُحَرَّمِ كَمَا يُقَالُ فِيمَنْ قَدَرَ عَلَى إنْجَاءِ إنْسَانٍ مِنْ هَلَاكِهِ بَلْ الضَّمَانُ هُنَا أَقْوَى.
وَظَاهِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ الْمَيْمُونِيِّ أَنَّ مَنْ بَاعَ الْعَيْنَ الْمُؤَجَّرَةَ وَلَمْ يَتَبَيَّنْ لِلْمُشْتَرِي أَنَّهَا مُسْتَأْجَرَةٌ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ الْبَيْعُ وَوَجْهُهُ أَنَّهُ بَاعَ مِلْكَهُ وَمِلْكَ غَيْرِهِ فَهِيَ مَسْأَلَةُ تَفْرِيقِ الصِّفَةِ.
[فَصْلٌ وَالْعَارِيَّةُ تَجِبُ مَعَ غِنَاءِ الْمَالِكِ]
فَصْلٌ
وَالْعَارِيَّةُ تَجِبُ مَعَ غِنَاءِ الْمَالِكِ وَهُوَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ وَهِيَ مَضْمُونَةٌ يُشْتَرَطُ ضَمَانُهَا وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ وَلَوْ سَلَّمَ شَرِيكٌ شَرِيكَهُ دَابَّةً فَتَلِفَتْ بِلَا تَعَدٍّ وَلَا تَفْرِيطٍ لَمْ يَضْمَنْ وَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ إذَا قَالَ: أَعَرْتُك دَابَّتِي لِتَعْلِفَهَا أَنَّ هَذَا يَصِحُّ لِأَنَّ أَكْثَرَ مَا فِيهِ أَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ اسْتِئْجَارِ الْعَبْدِ بِطَعَامِهِ وَكُسْوَتِهِ لَكِنْ دُخُولُ الْعِوَضِ فِيهِ يُلْحِقُهُ بِالْإِجَارَةِ إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ يَسِيرًا لَا يَبْلُغُ أُجْرَةَ الْمِثْلِ بِلَا تَعَدٍّ فَيَكُونُ حُكْمُ الْعَارِيَّةِ بَاقِيًا وَهَذَا فِي الْمَنَافِعِ نَظِيرُ الْهِبَةِ الْمَشْرُوطِ فِيهَا الثَّوَابُ فِي الْأَعْيَانِ. قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: فِي قَدِيمِ خَطِّهِ نَفَقَةُ الْعَيْنِ الْمُعَارَةِ تَجِبُ عَلَى الْمَالِكِ أَوْ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ لَا أَعْرِفُ فِيهَا نَقْلًا إلَّا أَنَّ قِيَاسَ الْمَذْهَبِ فِيمَا يَظْهَرُ لِي أَنَّهَا تَجِبُ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ لِأَنَّهُمْ قَدْ قَالُوا: إنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ مُؤْنَةُ رَدِّهَا وَضَمَانُهَا إذَا تَلِفَتْ وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ رَدُّهَا إلَى صَاحِبِهَا كَمَا أَخَذَهَا مِنْهُ سِوَى نَقْصِ الْمَنَافِعِ الْمَأْذُونِ لَهُ فِيهَا ثُمَّ إنَّهُ خَطَرَ لِي أَنَّهَا تُخَرَّجُ عَلَى الْأَوْجُهِ فِي نَفَقَةِ الدَّارِ الْمُوصَى بِمَنْفَعَتِهَا فَقَطْ أَحَدُهَا: يَجِبُ عَلَى الْمَالِكِ لَكِنْ فِيهِ نَظَرٌ، وَثَانِيهَا عَلَى الْمَالِكِ لِلنَّفْعِ، وَثَالِثُهَا فِي كَسْبِهَا فَإِنْ قِيلَ هُنَاكَ الْمَنْفَعَةُ مُسْتَحَقَّةٌ وَلَيْسَ كَذَلِكَ هُنَا فَإِنَّ مَالِكَ الرَّقَبَةِ هُوَ مَالِكُ الْمَنْفَعَةِ غَيْرَ أَنَّ الْمُسْتَعِيرَ يَنْتَفِعُ بِهَا بِطَرِيقِ الْإِبَاحَةِ وَهَذَا يُقَوِّي وُجُوبَهَا عَلَى الْمُعِيرِ وَالْأَصْلُ الْأَوَّلُ يُقَوِّي وُجُوبَهَا عَلَى الْمُسْتَعِيرِ ثُمَّ أَقُولُ: هَذَا لَا تَأْثِيرَ لَهُ فِي مَسْأَلَتِنَا فَإِنَّ الْمَنْفَعَةَ حَاصِلَةٌ فِي الْأَصْلِ
стр. 2319
وَالْفَرْعُ ثُمَّ كَوْنُهُ يَمْلِكُ انْتِزَاعَ الْمَنْفَعَةِ مِنْ يَدِهِ غَيْرُ مُؤَثِّرٍ بِدَلِيلِ مَا لَوْ كَانَ وَاهِبُ الْمَنْفَعَةِ أَبًا وَكَانَ الْمَوْهُوبُ لَهُ ابْنَهُ وَهَذِهِ فِي غَيْرِ صُورَةِ الْوَصِيَّةِ قُلْت ذَكَرَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ أَبُو الْمَعَالِي بْنُ الْمُنَجَّا فِي " شَرْحِ الْهِدَايَةِ " فَقَالَ: وَنَفَقَةُ الْعَيْنِ الْمُعَارَةِ وَاجِبَةٌ عَلَى الْمُعِيرِ وَوَافَقَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " وَقَالَ وَعَلَى الْمُسْتَعِيرِ مُؤْنَةُ رَدِّ الْمُعَارِ لَا مُؤْنَةُ عَيْنِهِ وَذَكَرَ الْحَلْوَانِيُّ فِي " التَّبْصِرَةِ " أَنَّهَا عَلَى الْمُسْتَعِيرِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 2320
[كِتَابُ السَّبْقِ]
ِ وَيَجُوزُ اللَّعِبُ بِمَا قَدْ يَكُونُ فِيهِ مَصْلَحَةٌ بِلَا مَضَرَّةٍ. وَظَاهِرُ كَلَامِ أَبِي الْعَبَّاسِ لَا يَجُوزُ الْمَعْرُوفُ بِالطَّابِ وَالْمُنَقِّلَةِ وَكُلُّ مَا أَفْضَى كَثِيرًا إلَى حُرْمَةٍ إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَصْلَحَةٌ بَلْ حُجَّةٌ لِأَنَّهُ يَكُونُ سَبَبًا لِلشَّرِّ وَالْفَسَادِ وَمَا أَلْهَى وَشَغَلَ عَنْ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ فَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ وَإِنْ لَمْ يُحَرَّمْ جِنْسُهُ كَالْبَيْعِ وَالتِّجَارَةِ وَأَمَّا سَائِرُ مَا يَتَلَهَّى بِهِ الْبَاطِلُونَ مِنْ أَنْوَاعِ اللَّهْوِ وَسَائِرِ ضُرُوبِ اللَّعِبِ مِمَّا لَا يُسْتَعَانُ بِهِ فِي حَقٍّ شَرْعِيٍّ فَكُلُّهُ حَرَامٌ.
وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَالْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ: أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ وَجِوَارٍ كُنَّ مَعَهَا يَلْعَبْنَ بِالْبَنَاتِ وَهُوَ اللَّعِبُ وَالنَّبِيُّ ﷺ يَرَاهُنَّ فَيُرَخِّصُ فِيهِ لِلصِّغَارِ مَا لَا يُرَخِّصُ فِيهِ لِلْكِبَارِ، وَالصِّرَاعُ وَالسَّبْقُ بِالْأَقْدَامِ وَنَحْوُهُمَا طَاعَةٌ إذَا قَصَدَ بِهِ نَصْرَ الْإِسْلَامِ وَأَخْذُ السَّبْقِ عَلَيْهِ أَخْذٌ بِالْحَقِّ فَالْمُغَالَبَةُ الْجَائِزَةُ تَحِلُّ بِالْعِوَضِ إذَا كَانَتْ مِمَّا يُنْتَفَعُ بِهِ فِي الدَّيْنِ كَمَا فِي مُرَاهَنَةِ أَبِي بَكْرٍ ﵁ وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ فِي الْمَذْهَبِ قُلْت، وَظَاهِرُ ذَلِكَ جَوَازُ الرِّهَانِ فِي الْعِلْمِ وِفَاقًا لِلْحَنَفِيَّةِ لِقِيَامِ الدِّينِ بِالْجِهَادِ وَالْعِلْمِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَتَجُوزُ الْمُسَابَقَةُ بِلَا مُحَلِّلَةٍ وَلَوْ أُخْرِجَ الْمُتَسَاوِي وَتَصِحُّ شُرُوطُ السَّبْقِ لِلْإِنْشَادِ وَشِرَاءِ قَوْسٍ وَكِرَاءِ حَانُوتٍ وَإِطْعَامِ الْجَمَاعَةِ لِأَنَّهُ مِمَّا يُعِينُ عَلَى الرَّمْيِ.
стр. 2321
[كِتَابُ الْغَصْبِ]
ِ قَالَ فِي " الْمُحَرَّرِ ": وَهُوَ الِاسْتِيلَاءُ عَلَى مَالِ الْغَيْرِ ظُلْمًا
قَوْلُهُ عَلَى مَالِ الْغَيْرِ ظُلْمًا يَدْخُلُ فِيهِ مَالُ الْمُسْلِمِ وَالْمُعَاهَدِ وَهُوَ الْمَالُ الْمَعْصُومُ وَيَخْرُجُ مِنْهُ اسْتِيلَاءُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَمْوَالِ أَهْلِ الْحَرْبِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِظُلْمٍ وَيَدْخُلُ فِيهِ اسْتِيلَاءُ الْمُحَارِبِينَ عَلَى مَالِ الْمُسْلِمِينَ وَلَيْسَ بِجَيِّدٍ فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْغَصْبِ الْمَذْكُورِ حُكْمُهُ هُنَا بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ إذْ لَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ بِالْإِتْلَافِ وَلَا بِالتَّلَفِ وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي وُجُوبِ رَدِّ عَيْنِهِ.
وَأَمَّا أَمْوَالُ أَهْلِ الْبَغْيِ وَأَهْلِ الْعَدْلِ فَقَدْ لَا يَرِدُ لِأَنَّ هُنَاكَ لَا يَجُوزُ الِاسْتِيلَاءُ عَلَى عَيْنِهَا وَمَتَى أُتْلِفَتْ بَعْدَ الِاسْتِيلَاءِ عَلَى عَيْنِهَا ضُمِنَتْ وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي ضَمَانِهَا بِالْإِتْلَافِ وَقْتَ الْحَرْبِ وَيَدْخُلُ فِيهِ مَا أَخَذَ الْمُلُوكُ وَالْقُطَّاعُ مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِغَيْرِ حَقٍّ مِنْ الْمُكُوسِ وَغَيْرِهَا. فَأَمَّا اسْتِيلَاءُ أَهْلِ الْحَرْبِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ فَيَدْخُلُ فِيهِ وَلَيْسَ بِجَيِّدٍ لِأَنَّهُ ظُلْمٌ فَيَحْرُمُ عَلَيْهِمْ قَتْلُ النُّفُوسِ وَأَخْذُ الْأَمْوَالِ إلَّا بِأَمْرِ اللَّهِ لَكِنْ يُقَالُ لَمَّا كَانَ الْمَأْخُوذُ مُبَاحًا بِالنِّسْبَةِ إلَيْنَا لَمْ يَصِرْ ظُلْمًا فِي حَقِّنَا وَلَا فِي حَقِّ مَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ.
فَأَمَّا مَا أُخِذَ مِنْ الْأَمْوَالِ وَالنُّفُوسِ أَوْ أُتْلِفَ مِنْهَا فِي حَالِ الْجَاهِلِيَّةِ أَقَرَّ قَرَارَهُ لِأَنَّهُ كَانَ مُبَاحًا لَكِنْ لَمَّا كَانَ الْإِسْلَامُ عُفِيَ عَنْهُ فَهُوَ عَفْوٌ بِشَرْطِ الْإِسْلَامِ وَكَذَلِكَ بِشَرْطِ الْأَمَانِ فَلَوْ تَحَاكَمَ إلَيْنَا مُسْتَأْمَنَانِ حَكَمْنَا بِالِاسْتِقْرَارِ وَإِذَا كَانَ الْمُتْلَفُ لَا يُبَاعُ مِثْلُ الثَّمَرِ وَالزَّرْعِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهِ فَهَا هُنَا لَا يَجُوزُ تَقْوِيمُهُ بِشَرْطِ الْقَطْعِ لِأَنَّهُ مُسْتَحِقٌّ لِلْإِبْقَاءِ وَقَدْ لَا يَكُونُ لَهُ قِيمَةٌ بَلْ كَالْجَنِينِ فِي الْحَيَوَانِ فَهَا هُنَا إمَّا أَنْ يُقَوَّمَ مُسْتَحِقُّ الْإِبْقَاءِ وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ كَذَلِكَ وَإِمَّا أَنْ يُقَوَّمَ مَعَ الْأَصْلِ ثُمَّ يُقَوَّمَ الْأَصْلُ بِدُونِهِ وَإِمَّا أَنْ يُنْظَرَ إلَى حَالِ كَمَالِهِ فَيُقَوَّمَ بِدُونِ نَفَقَةِ الْإِبْقَاءِ فَفِيهِ نَظَرٌ لِإِمْكَانِ تَلَفِهِ قَبْلُ وَأَمَّا إذَا جَازَ بَيْعُهُ مُسْتَحِقَّ الْإِبْقَاءِ فَيُقَوَّمُ مُسْتَحِقُّ الْإِبْقَاءِ كَمَا يُقَوَّمُ الْمَنْقُولَاتُ مَعَ جَوَازِ الْآفَاتِ عَلَيْهَا جَمِيعًا.
стр. 2322
قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: سُئِلْت عَنْ قَوْمٍ أُخِذَتْ لَهُمْ غَنَمٌ أَوْ غَيْرُهَا مِنْ الْمَالِ ثُمَّ رُدَّتْ عَلَيْهِمْ أَوْ بَعْضُهَا وَقَدْ اشْتَبَهَ مِلْكُ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ. قَالَ فَأَجَبْتُ أَنَّهُ إنْ عُرِفَ قَدْرُ الْمَالِ تَحْقِيقًا قُسِمَ الْمَوْجُودُ عَلَيْهِمْ عَلَى قَدْرِهِ وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ إلَّا عَدَدَهُ قُسِمَ عَلَى قَدْرِ الْعَدَدِ لِأَنَّ الْمَالَيْنِ إذَا اخْتَلَطَا قُسِمَا بَيْنَهُمَا وَإِنْ كَانَ كُلٌّ مِنْهُمْ يَأْخُذُ عَيْنَ مَا كَانَ لِلْآخَرِ لِأَنَّ الِاخْتِلَاطَ جَعَلَهُمْ شُرَكَاءَ لَا سِيَّمَا عَلَى أَصْلِنَا أَنَّ الشَّرِكَةَ تَصِحُّ بِالْعَقْدِ مَعَ امْتِيَازِ الْمَالَيْنِ لَكِنَّ الِاشْتِبَاهَ فِي الْغَنَمِ وَنَحْوِهَا يَقُومُ مَقَامَ الِاخْتِلَاطِ فِي الْمَائِعَاتِ وَعَلَى هَذَا فَيَنْبَغِي أَنَّهُ إذَا اشْتَرَكَا بِمَا يَتَشَابَهُ مِنْ الْحَيَوَانِ وَالثِّيَابِ أَنَّهُ يَصِحُّ كَمَا لَوْ كَانَ رَأْسُ الْمَالِ دَرَاهِمَ إذَا صَحَّحْنَاهَا بِالْعَرْضِ وَإِذَا كَانُوا شُرَكَاءَ بِالِاخْتِلَاطِ وَالِاشْتِبَاهِ فَعِنْدَ الْقَسْمِ يُقْسَمُ عَلَى قَدْرِ الْمَالَيْنِ فَإِنْ كَانَ الْمَرْدُودُ جَمِيعَ مَا لَهُمْ فَظَاهِرٌ وَإِنْ كَانَ بَعْضَهُ فَذَلِكَ الْبَعْضُ هُوَ بَعْضُ الْمُشْتَرَكِ كَمَا لَوْ رَدَّ بَعْضَ الدَّرَاهِمِ الْمُخْتَلِطَةِ بَقِيَ إنْ كَانَ حَيَوَانًا فَهَلْ تَجِبُ قِسْمَتُهُ أَعْيَانًا عِنْدَ طَلَبِ بَعْضِهِمْ قَوْلًا وَاحِدًا أَوْ يُخَرَّجَ عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي الْحَيَوَانِ الْمُشْتَرَكِ الْأَشْبَهُ خُرُوجُهُ عَلَى الْخِلَافِ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ لِأَحَدِهِمْ عَشَرَةُ رُءُوسٍ وَلِلْآخَرِ عِشْرُونَ فَمَا وُجِدَ فَلِأَحَدِهِمَا ثُلُثُهُ وَلِلْآخَرِ ثُلُثَاهُ كَمَا لَوْ وَرِثَاهُ.
لِذَلِكَ لَكِنَّ الْمَحْدُودَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ مَالَ كُلٍّ مِنْهُمَا إنْ عُرِفَ قِيمَتُهُ فَظَاهِرٌ، وَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ إلَّا عَدَدُهُ مَعَ أَنَّ غَنَمَ أَحَدِهِمَا قَدْ يَكُونُ خَيْرًا مِنْ غَنَمِ الْآخَرِ فَالْوَاجِبُ عِنْدَ تَعَذُّرِ مَعْرِفَةِ رُجْحَانِ أَحَدِهِمَا عَلَى صَاحِبِهِ التَّسْوِيَةُ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ فَضْلِ غَنَمِ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ وَلِأَنَّ الضَّرُورَةَ تُلْجِئُ إلَى التَّسْوِيَةِ وَعَلَى هَذَا فَسَوَاءٌ اخْتَلَطَ غَنَمُ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ عَمْدًا أَوْ خَطَأً يُقْسَمُ الْمَالَانِ عَلَى الْعَدَدِ إذَا لَمْ يُعْرَفْ الرُّجْحَانُ وَإِنْ عُرِفَ وَجُهِلَ قَدْرُهُ أَثْبَتَ مِنْهُ الْقَدْرَ الْمُتَيَقَّنَ وَأَسْقَطَ الزَّائِدَ الْمَشْكُوكَ فِيهِ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ وَيَضْمَنُ الْمَغْصُوبَ بِمَا نَقَصَ رَقِيقًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ وَاخْتَارَهَا طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ قَالَ فِي " الْمُحَرَّرِ " وَمَنْ قَبَضَ مَغْصُوبًا مِنْ غَاصِبِهِ وَلَمْ يَعْلَمْ فَهُوَ بِمَنْزِلَتِهِ فِي جَوَازِ تَضْمِينِهِ الْعَيْنَ وَالْمَنْفَعَةَ لَكِنَّهُ يَرْجِعُ إذَا غَرِمَ عَلَى غَاصِبٍ بِمَا لَمْ يَلْزَمْهُ ضَمَانُهُ خَاصَّةً.
قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: يَتَخَرَّجُ أَلَّا يَضْمَنَ الْغَاصِبُ مَا لَمْ يَلْتَزِمْهُ عَلَى قَوْلِنَا إنَّهُ لَا يَقْلَعُ غَرْسَهُ وَبِنَاءَهُ حَتَّى يَضْمَنَ بَعْضَهُ وَيَرْجِعَ بِهِ عَلَى الْبَائِعِ وَعَلَى ظَاهِرِ كَلَامِهِ فِي الْمَنْعِ يَضْمَنُ مُودَعُ الْمُودَعِ إذَا لَمْ يَعْلَمْ وَعَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ كَانَ الْمَغْرُورُ لَا يَضْمَنُ الْأَوَّلَ
стр. 2323
بَلْ يَضْرِبُهُمْ الْغَارُّ ابْتِدَاءً وَإِذَا مَاتَ الْحَيَوَانُ الْمَغْصُوبُ فَضَمِنَهُ الْغَاصِبُ مُجَلَّدَةً إذَا قُلْنَا يَطْهُرُ بِالدِّبَاغِ لِلْمَالِكِ وَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ وَيَتَخَرَّجُ أَنَّهُ لِلْغَاصِبِ
وَإِذَا كَانَ بَيْنَ اثْنَيْنِ مَالٌ مُشْتَرَكٌ فَغُصِبَ نَصِيبُ أَحَدِهِمَا مَشَاعًا مِنْ عَقَارٍ أَوْ مَنْقُولٍ فَأَصَحُّ قَوْلِ الْجُمْهُورِ وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ أَنَّ النِّصْفَ الْآخَرَ حَلَالٌ لَلشَّرِيكِ الْآخَرِ وَيُذْكَرُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَيُحْكَى رِوَايَةً عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ مَا يَأْخُذُهُ الظَّالِمُ يَكُونُ مِنْ النَّصِيبَيْنِ جَمِيعًا لِأَنَّ الظَّالِمَ لَيْسَ لَهُ وِلَايَةُ الْقِسْمَةِ.
وَإِنْ وَقَفَ الرَّجُلُ وَقْفًا عَلَى أَوْلَادِهِ مَثَلًا ثُمَّ بَاعَهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ قَدْ وَقَفَهُ فَهَلْ يَكُونُ سُكُوتُهُمْ عَنْ الْإِعْلَامِ تَغْرِيرًا مَعَ أَنَّهُمْ هُمْ الْمُسْتَحِقُّونَ فَهَذَا يُسْتَمَدُّ مِنْ السُّكُوتِ هَلْ هُوَ إذْنٌ وَهُوَ مَا إذَا رَأَى عَبْدَهُ أَوْ وَلَدَهُ يَتَصَرَّفُ فَقَالَ أَصْحَابُنَا لَا يَكُونُ إذْنًا لَكِنْ هَلْ يَكُونُ تَغْرِيرًا فَإِنَّ قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ فِي السِّلْعَةِ الْمَعِيبَةِ «لَا يَحِلُّ لِمَنْ يَعْلَمُ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يُبَيِّنَهُ» يَقْتَضِي وُجُوبَ الضَّمَانِ وَتَحْرِيمَ السُّكُوتِ فَيَكُونُ قَدْ فَعَلَ فِعْلًا مُحَرَّمًا تَلِفَ بِهِ مَالٌ مَعْصُومٌ فَهَذَا قَوِيٌّ جِدًّا لَكِنْ قَدْ يُقَالُ فَطَرْدُهُ أَنَّ مَنْ عَلِمَ بِالْعَيْبِ غَيْرُ الْبَائِعِ فَلَمْ يُبَيِّنْهُ فَقَدْ غَرَّ الْمُشْتَرِيَ فَيَضْمَنُ فَيُقَالُ هَذَا يَنْبَنِي أَنَّ الْغُرُورَ مِنْ الْأَجْنَبِيِّ.
وَلَوْ لَمْ يَكُنْ الْأَوْلَادُ أَوْ غَيْرُهُمْ قَدْ عُرِفَ فَإِذَا وَجَبَ الرُّجُوعُ عَلَى الْوَاقِفِ بِمَا قَبَضَهُ مِنْ الثَّمَنِ وَبِمَا ضَمِنَهُ الْمُشْتَرِي مِنْ الْأُجْرَةِ وَنَقْصِ قِيمَةِ الْبِنَاءِ وَالْغَرْسِ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَلَوْ كَانَ قَدْ مَاتَ مُعْسِرًا أَوْ هُوَ مُعْسِرًا فِي حَيَاتِهِ فَهَلْ يُؤْخَذُ مِنْ رِيعِ الْوَقْفِ الثَّمَنُ الَّذِي غَرِمَهُ الْمُشْتَرِي لَا شَكَّ أَنَّ هَذَا بَعِيدٌ فِي الظَّاهِرِ لِأَنَّ رِيعَ الْوَقْفِ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ وَهُوَ لَمْ يُقِرَّ فَلَا يُؤْخَذُ مِنْ مَالِهِ مَا يُقْضَى بِهِ دَيْنُ غَيْرِهِ لَكِنْ بِاعْتِبَارِهِ هَذَا الدَّيْنَ عَلَى الْوَاقِفِ بِسَبَبِ تَغْرِيرِهِ بِالْوَقْفِ كَانَ الْوَاقِفُ هُوَ الْآكِلَ لِرِيعِ وَقْفِهِ وَقَدْ يُتَوَجَّهُ ذَلِكَ إذَا كَانَ الْوَاقِفُ قَدْ احْتَالَ بِأَنْ وَقَفَ ثُمَّ بَاعَ، فَإِنَّ قَصْدَ الْحِيلَةَ إذَا كَانَ مُتَقَدِّمًا عَلَى الْوَقْفِ لَا يَنْفَعُ فِي الْمُحْتَالِ عَلَيْهِ الَّذِي هُوَ أَكَلُ مَالِ الْمُشْتَرِي الْمَظْلُومِ، وَلَوْ وَاطَأَ الْمَالِكُ رَجُلًا عَلَى أَنْ يَبِيعَ دَارِهِ وَيُظْهِرَ أَنَّهَا لِلْبَائِعِ لَا أَنَّهُ يَبِيعُهَا بِطَرِيقِ الْوَكَالَةِ فَهَلْ تُجْعَلُ هَذِهِ الْمُوَاطَأَةُ وَكَالَةً. وَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ فِي بَيْعِهَا لِنَفْسِهِ أَمْ يُجْعَلُ غُرُورًا فَإِنَّهُ مَا أَذِنَ فِي بَيْعٍ فَاسِدٍ لَكِنْ قَصَدَ
стр. 2324
التَّغْرِيرَ، فَهَلْ يُعَاقَبُ بِجَعْلِ الْبَيْعِ صَحِيحًا أَمْ بِضَمَانِ التَّقْرِيرِ.
وَلَوْ اشْتَرَى مَغْصُوبًا مِنْ غَاصِبِهِ رَجَعَ بِنَفَقَتِهِ وَعَمَلِهِ عَلَى بَائِعٍ غَارٍّ لَهُ، وَمَنْ زَرَعَ بِلَا إذْنِ شَرِيكِهِ وَالْعَادَةُ بِأَنَّ مَنْ زَرَعَ فِيهَا لَهُ نَصِيبٌ مَعْلُومٌ وَلِرَبِّهَا نَصِيبٌ قَسَمَ مَا زَرَعَهُ فِي نَصِيبِ شَرِيكِهِ كَذَلِكَ وَلَوْ طَلَبَ أَحَدُهُمَا مِنْ الْآخَرِ أَنْ يَزْرَعَ مَعَهُ أَوْ يُهَايِئَهُ فَأَتَى فَلِلْأَوَّلِ الزَّرْعُ فِي قَدْرِ حَقِّهِ بِلَا أُجْرَةٍ.
وَاعْتَبَرَ أَبُو الْعَبَّاسِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ إذْنَ وَلِيِّ الْأَمْرِ، وَيَضْمَنُ الْمَغْصُوبَ بِمِثْلِهِ مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا أَوْ غَيْرَهُمَا حَيْثُ أَمْكَنَ وَإِلَّا فَالْقِيمَةُ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ أَبِي مُوسَى وَقَالَهُ طَائِفَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ، وَإِذَا تَغَيَّرَ السِّعْرُ وَفُقِدَ الْمِثْلُ فَيُنْتَقَلُ إلَى الْقِيمَةِ وَقْتَ الْغَصْبِ، وَهُوَ أَرْجَحُ الْأَقْوَالِ، وَلَوْ شَقَّ ثَوْبَ شَخْصٍ خُيِّرَ مَالِكُهُ بَيْنَ تَضْمِينِ الشَّاقِّ نَقْصَهُ وَبَيْنَ شَقِّ ثَوْبِهِ، وَنَقَلَهُ إسْمَاعِيلُ عَنْ أَحْمَدَ، وَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ غُصُوبٌ وَوَدَائِعُ وَغَيْرُهَا لَا يَعْرِفُ أَرْبَابَهَا صَرَفَ فِي الْمَصَالِحِ.
وَقَالَ الْعُلَمَاءُ وَلَوْ قُصِدَتْ بِهَا جَازَ وَلَهُ الْأَكْلُ مِنْهَا وَلَوْ كَانَ عَاصِيًا إذَا تَابَ وَكَانَ فَقِيرًا، وَمَنْ تَصَرَّفَ بِوِلَايَةٍ شَرْعِيَّةٍ لَمْ يَضْمَنْ كَمَنْ مَاتَ وَلَا وَلِيَّ لَهُ وَلَا حَاكِمَ، وَلَيْسَ لِصَاحِبِهِ إذَا عَرَفَ رَدُّ الْمُعَارَضَةِ كَثُبُوتِ الْوِلَايَةِ عَلَيْهَا شَرْعًا وَمَنْ غَرِمَ مَالًا بِسَبَبِ كَذِبٍ عَلَيْهِ عِنْدَ وَلِيِّ الْأَمْرِ فَلَهُ تَضْمِينُ الْكَاذِبِ عَلَيْهِ بِمَا غَرِمَهُ وَلَوْ طَرَقَ فَحْلُ غَيْرِهِ عَلَى فَرَسِ نَفْسِهِ فَنَقَصَ الْفَحْلُ ضَمِنَهُ.
وَلَا يَجُوزُ لِوَكِيلِ بَيْتِ الْمَالِ لَا غَيْرِهِ بَيْعُ شَيْءٍ مِنْ طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ النَّافِذِ وَلَيْسَ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَحْكُمَ بِصِحَّتِهِ وَمَا لِبَيْتِ الْمَالِ مِنْ الْمُقَاسَمَةِ أَوْ الْأَرْضِ الْخَرَاجِيَّةِ لَا يُبَاعُ لِمَا فِيهِ مِنْ إضَاعَةِ حُقُوقِ الْمُسْلِمِينَ، وَمَنْ أَمَرَ رَجُلًا بِإِمْسَاكِ دَابَّةٍ ضَارِيَةٍ فَجَنَتْ عَلَيْهِ ضَمِنَهُ إنْ لَمْ يُعْلِمْهُ بِهَا، وَيَضْمَنُ جِنَايَةَ وَلَدِ الدَّابَّةِ إنْ فَرَّطَ نَحْوُ أَنْ يَعْرِفَهُ شَمُوصًا وَالدَّابَّةُ إذَا أَرْسَلَهَا صَاحِبُهَا بِاللَّيْلِ كَانَ مُفَرِّطًا فَهُوَ كَمَا إذَا أَرْسَلَهَا قُرْبَ زَرْعٍ، وَلَوْ كَانَ مَعَهَا قَائِدٌ أَوْ رَاكِبٌ أَوْ سَائِقٌ فَمَا أَفْسَدَتْ بِفَمِهَا أَوْ يَدِهَا فَهُوَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ تَفْرِيطٌ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَحْمَدَ وَمِنْ الْعُقُوبَةِ الثَّالِثَةِ إتْلَافُ الثَّوْبَيْنِ الْمُعَصْفَرَيْنِ كَمَا فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، وَإِرَاقَةُ عُمَرَ اللَّبَنَ الَّذِي شِيبَ بِالْمَاءِ لِلْبَيْعِ، وَالصَّدَقَةُ بِالْمَغْشُوشِ أَوْلَى مِنْ إتْلَافِهِ.
стр. 2325
وَمَنْ نَدِمَ وَرَدَّ الْمَغْصُوبَ بَعْدَ مَوْتِ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ كَانَ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ مُطَالَبَتُهُ بِالْأُجْرَةِ لِتَفْوِيتِهِ الِانْتِفَاعَ بِهِ فِي حَيَاتِهِ، كَمَا لَوْ مَاتَ الْغَاصِبُ فَرَدَّهُ وَارِثُهُ وَلَوْ حَبَسَ الْمَغْصُوبَ وَقْتَ حَاجَةِ مَالِكِهِ إلَيْهِ كَمُدَّةِ شَبَابِهِ ثُمَّ رَدَّهُ فِي مَشِيبِهِ فَتَفْوِيتُ تِلْكَ الْمَنْفَعَةِ ظُلْمٌ يُفْتَقَرُ إلَى جَزَاءٍ، وَمَنْ مَاتَ مُعْدِمًا يُرْجَى أَنَّ اللَّهَ يَقْضِي عَنْهُ مَا عَلَيْهِ.
وَلِلْمَظْلُومِ الِاسْتِعَانَةُ بِمَخْلُوقٍ فَإِذَا خَالَفَهُ فَالْأَوْلَى لَهُ الدُّعَاءُ عَلَى مَنْ ظَلَمَهُ، وَيَجُوزُ الدُّعَاءُ بِقَدْرِ مَا يُوجِبُهُ أَلَمُ ظُلْمِهِ لَا عَلَى مَنْ شَتَمَهُ أَوْ أَخَذَ مَالَهُ بِالْكُفْرِ وَلَوْ كَذِبَ عَلَيْهِ لَمْ يَفْتَرِ عَلَيْهِ بَلْ يَدْعُو إلَيْهِ بِمَنْ يَفْتَرِي عَلَيْهِ نَظِيرَهُ، وَكَذَا إنْ أَفْسَدَ عَلَيْهِ دِينَهُ وَمَنْ تَرَكَ دَيْنَهُ بِاخْتِيَارِهِ وَيُمَكَّنُ مِنْ اسْتِيفَائِهِ فَلَمْ يَسْتَوْفِهِ حَتَّى مَاتَ طَالَبَ بِهِ وَرَثَتَهُ فَإِنْ عَجَزَ هُوَ وَوَرَثَتُهُ فَالْمُطَالَبَةُ فِي الْأَشْبَهِ كَمَا فِي الْمَظَالِمِ لِلْخَبَرِ، وَإِذَا كَانَ لِلنَّاسِ عَلَى إنْسَانٍ دُيُونٌ أَوْ مَظَالِمُ يُقَدَّرُ مَالُهُ عَلَى أَسَاسٍ مِنْ الدُّيُونِ وَالْمَظَالِمِ كَانَ يُسَوَّغُ أَنْ يُقَالَ يُحَاسَبُ بِذَلِكَ فِيهِ بِقَدْرِ حَقِّهِ مِنْ هَذَا وَيَصْرِفُ إلَى غَرِيمِهِ كَمَا يَفْعَلُ فِي الدُّنْيَا بِالْمُدَبَّرِ الَّذِي لَهُ وَعَلَيْهِ يَسْتَوْفِي مَالَهُ وَيُوَفِّي مَا عَلَيْهِ.
وَقَدْرُ الْمُتْلَفِ إذَا لَمْ يُمْكِنْ تَحْدِيدُهُ عُمِلَ فِيهِ بِالِاجْتِهَادِ كَمَا يُفْعَلُ فِي قَدْرِ قِيمَتِهِ بِالِاجْتِهَادِ فِي مَعْرِفَةِ مِقْدَارِ ثَمَنِهِ، بَلْ قَدْ يَكُونُ بِالْخَرْصِ أَسْهَلُ وَكِلَاهُمَا يَجُوزُ مَعَ الْحَاجَةِ، وَلَوْ بَايَعَ الرَّجُلُ مُبَايَعَاتٍ يَعْتَقِدُ حِلَّهَا ثُمَّ صَارَ الْمَالُ إلَى وَارِثٍ أَوْ مُتَّهَبٍ أَوْ مُشْتَرٍ يَعْقِدُ تِلْكَ الْعُقُودَ مُحَرَّمَةً، فَالْمِثَالُ الْأَصْلِيُّ لِهَذَا اقْتِدَاءُ الْمَأْمُومِ بِصَلَاةِ إمَامٍ أَخَلَّ بِمَا هُوَ فَرْضٌ عِنْدَ الْمَأْمُومِ دُونَهُ وَالصَّحِيحُ الصِّحَّةُ، وَمَا قَبَضَهُ الْإِنْسَانُ بِعَقْدٍ مُخْتَلَفٌ فِيهِ يَعْتَقِدُ صِحَّتَهُ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ رَدُّهُ فِي أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ.
وَمَنْ كَسَبَ مَالًا حَرَامًا بِرِضَاءِ الدَّافِعِ ثُمَّ مَاتَ كَثَمَنِ الْخَمْرِ وَمَهْرِ الْبَغْيِ وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ، فَاَلَّذِي يَتَلَخَّصُ مِنْ كَلَامِ أَبِي الْعَبَّاسِ أَنَّ الْقَاضِيَ إنْ لَمْ يَعْلَمْ التَّحْرِيمَ ثُمَّ عَلِمَ جَازَ لَهُ أَكْلُهُ، وَإِنْ عَلِمَ التَّحْرِيمَ أَوَّلًا ثُمَّ تَابَ فَإِنَّهُ يَتَصَدَّقُ بِهِ، كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي حَامِلِ الْخَمْرِ، وَلِلْفَقِيرِ أَكْلُهُ وَلِوَلِيِّ الْأَمْرِ أَنْ يُعْطِيَهُ أَعْوَانَهُ وَإِنْ كَانَ هُوَ فَقِيرٌ أَخَذَ كِفَايَتَهُ، وَفِيمَا إذَا عَرَفَ رَبَّهُ هَلْ يَلْزَمُهُ رَدُّهُ إلَيْهِ أَمْ لَا قَوْلَانِ:
وَظَاهِرُ كَلَامِ أَبِي الْعَبَّاسِ أَنَّ نَفْسَ الْمُصِيبَةِ لَا يُؤَجَّرُ عَلَيْهَا، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: بَلَى إنْ صَبَرَ أُثِيبَ عَلَى صَبْرِهِ. قَالَ وَكَثِيرًا مَا يُفْهَمُ مِنْ الْأَجْرِ غُفْرَانُ الذُّنُوبِ فَيَكُونُ فِيهَا أَجْرٌ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ.
стр. 2326
[بَابُ الشُّفْعَةِ]
ِ وَتَثْبُتُ فِي كُلِّ عَقَارٍ يَقْبَلُ قِسْمَةَ الْأَخْيَارِ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ وَإِنْ لَمْ يَقْبَلْهَا فَرِوَايَتَانِ الصَّوَابُ الثُّبُوتُ وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَاخْتِيَارُ ابْنِ شُرَيْحٍ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ وَأَبُو الْوَفَاءِ مِنْ أَصْحَابِنَا، وَتَثْبُتُ شُفْعَةُ الْجِوَارِ مَعَ الشَّرِكَةِ فِي حَقٍّ مِنْ حُقُوقِ الْمِلْكِ مِنْ طَرِيقٍ أَوْ مَاءٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ.
وَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ فِي الطَّرِيقِ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ لَا يَحِلُّ الِاحْتِيَالُ لِإِسْقَاطِ الشُّفْعَةِ، وَلَا يَجِبُ عَلَى الْمُشْتَرِي أَنْ يُسَلِّمَ الشِّقْصَ الْمَشْفُوعَ بِالثَّمَنِ الَّذِي تَرَاضَيَا عَلَيْهِ فِي الْبَاطِنِ إذَا طَالَبَهُ الشَّرِيكُ. وَإِذَا حَابَى الْبَائِعُ الْمُشْتَرِيَ بِالثَّمَنِ مُحَابَاةً خَارِجَةً عَنْ الْعَادَةِ، يُتَوَجَّهُ أَنْ لَا يَكُونَ لِلْمُشْتَرِي أَخْذُهُ إلَّا بِالْقِيمَةِ أَوْ أَنْ لَا شُفْعَةَ لَهُ، فَإِنَّ الْمُحَابَاةَ بِمَنْزِلَةِ الْهِبَةِ مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ، وَلَا شُفْعَةَ فِي بَيْعِ الْخِيَارِ إذَا نَقَصَ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ قَالَ الْقَاضِي لِأَنَّ أَخْذَ الشَّفِيعِ بِالشُّفْعَةِ يُسْقِطُ حَقَّ الْبَائِعِ مِنْ الْخِيَارِ فَلَمْ يَجُزْ لَهُ الْمُطَالَبَةُ بِالشُّفْعَةِ، وَهَذَا التَّعْلِيلُ مِنْ الْقَاضِي يَقْتَضِي أَنَّ الْخِيَارَ إذَا كَانَ لِلْمُشْتَرِي وَحْدَهُ فَلِلشَّفِيعِ الْأَخْذُ كَمَا يَجُوزُ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَتَصَرَّفَ فِيهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ وَأَوْلَى مَذْهَبُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ لَا شُفْعَةَ لِكَافِرٍ عَلَى مُسْلِمٍ، وَقَدْ يُفَرَّقُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الشِّقْصُ لِمُسْلِمٍ فَلَا تَجِبُ الشُّفْعَةُ، أَوْ لِذِمِّيٍّ فَتَجِبُ، وَحِينَئِذٍ فَهَلْ الْعِبْرَةُ بِالْبَائِعِ أَوْ الْمُشْتَرِي أَوْ كِلَاهُمَا أَوْ أَحَدُهُمَا أَرْبَعُ احْتِمَالَاتٍ.
[بَابُ الْوَدِيعَةِ]
ِ وَلَوْ أَوْدَعَ الْمُودَعُ بِلَا عُذْرٍ ضَمِنَ وَالْمُودَعُ الثَّانِي لَا يَضْمَنُ إنْ جَهِلَ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ، وَكَذَا الْمُرْتَهَنُ مِنْهُ وَهُوَ وَجْهٌ فِي الْمَذْهَبِ، وَلَوْ قَالَ الْمُودَعُ: أَوْدَعَنِيهَا الْمَيِّتُ وَقَالَ هِيَ لِفُلَانٍ وَقَالَ وَرَثَتُهُ بَلْ هِيَ لَهُ وَلَيْسَتْ لِفُلَانٍ وَلَمْ تَقُمْ بَيِّنَةٌ عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ لِلْمَيِّتِ وَلَا عَلَى الْإِيدَاعِ.
قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: أَفْتَيْت أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمُودَعِ مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ لَهُ الْيَدُ،
стр. 2327
وَإِذَا تَلِفَتْ الْوَدِيعَةُ فَلِلْمُودِعِ قَبْضُ الْبَدَلِ لِأَنَّ مَنْ يَمْلِكُ قَبْضَ الْعَيْنِ يَمْلِكُ قَبْضَ الْبَدَلِ كَالْوَكِيلِ وَأَوْلَى.
فَصْلٌ وَتَحْرِيمُ الْبِئْرِ الْعَادِيَةِ وَهِيَ الَّتِي اعْتَدَتْ خَمْسِينَ ذِرَاعًا وَلَوْ تُرِكَ جَمْدًا فِي حَرٍّ شَدِيدٍ حَتَّى ذَابَ وَتَقَاطَرَ مَاؤُهُ فَقَصَدَ إنْسَانٌ إلَى ذَلِكَ الْقَطْرِ وَاسْتَلْقَاهُ فِي إنَاءٍ وَجَمَعَهُ وَشَرِبَهُ كَانَ مَضْمُونًا عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ لَوْ تَرَكَهُ لَضَاعَ ذِكْرُهُ أَوْ طَالَبَ فِي الِانْتِصَارِ وَفِيهِ نَظَرٌ.
وَمَنْ اسْتَنْقَذَ مَالَ غَيْرِهِ مِنْ الْمَهْلَكَةِ وَرَدَّهُ اسْتَحَقَّ أُجْرَةَ الْمِثْلِ وَلَوْ بِغَيْرِ شَرْطٍ فِي أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ، وَهُوَ مَنْصُوصُ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ، وَإِذَا اسْتَنْقَذَ فَرَسًا لِلْعِيرِ وَمَرِضَ الْفَرَسُ بِحَيْثُ إنَّهُ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْمَشْيِ فَيَجُوزُ بَلْ يَجِبُ فِي هَذِهِ الْحَالِ أَنْ يَبِيعَهُ الَّذِي اسْتَنْقَذَهُ وَيَحْفَظَ الثَّمَنَ لِصَاحِبِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَكِيلَهُ فِي الْبَيْعِ وَقَدْ نَصَّ الْأَئِمَّةُ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَنَظَائِرِهَا.
[فَصْلٌ فِي اللُّقَطَة]
فَصْلٌ وَتُعَرَّفُ اللُّقَطَةُ سَنَةً قَرِيبًا مِنْ الْمَكَانِ الَّذِي وَجَدَهَا فِيهِ، وَلَا يُلْتَقَطُ الطَّيْرُ وَالظِّبَاءُ وَنَحْوَهَا إذْ أَمْكَنَ صَاحِبَهَا إدْرَاكُهَا، وَلَا تُمْلَكُ لُقَطَةُ الْحَرَمِ بِحَالٍ، وَيَجِبُ تَعْرِيفُهَا أَبَدًا وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ وَاخْتَارَهَا طَائِفَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ، وَتُضْمَنُ اللُّقَطَةُ بِالْمِثْلِ كَبَدَلِ الْقَرْضِ، وَإِذَا قُلْنَا الْقِيمَةُ فَالْقِيمَةُ يَوْمَ مَلَكَهَا الْمُلْتَقِطُ قَطَعَ بِهِ ابْنُ أَبِي مُوسَى وَغَيْرُهُ خِلَافًا لِلْقَاضِي أَبِي الْبَرَكَاتِ، بَاعَ الْمُلْتَقِطُ اللُّقَطَةَ بَعْدَ الْحَوْلِ ثُمَّ جَاءَ رَبُّهَا فَالْأَشْبَهُ أَنَّ الْمَالِكَ لَا يَمْلِكُ انْتِزَاعَهَا مِنْ الْمُشْتَرِي.
стр. 2328
[كِتَابُ الْوَقْفِ]
ِ وَيَصِحُّ الْوَقْفُ بِالْقَوْلِ وَبِالْفِعْلِ الدَّالِّ عَلَيْهِ عُرْفًا كَجَعْلِ أَرْضِهِ مَسْجِدًا أَوْ أَذَّنَ لِلنَّاسِ لِصَلَاةٍ فِيهِ أَوْ أَذَّنَ فِيهِ، وَأَقَامَ وَنَقَلَهُ أَبُو طَالِبٍ وَجَعْفَرٌ وَجَمَاعَةٌ عَنْ أَحْمَدَ، أَوْ جَعَلَ أَرْضَهُ مَقْبَرَةً وَأَذِنَ بِالدَّفْنِ فِيهَا وَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ أَيْضًا، وَمَنْ قَالَ قَرْيَتِي الَّتِي بِالثَّغْرِ لِمَوَالِيَّ الَّذِينَ بِهَا وَلِأَوْلَادِهِمْ صَحَّ وَقْفًا، وَنَقَلَهُ يَعْقُوبُ بْنُ حِبَّانَ عَنْ أَحْمَدَ وَإِذَا قَالَ وَاحِدٌ أَوْ جَمَاعَةٌ: جَعَلْنَا هَذَا الْمَكَانَ مَسْجِدًا أَوْ وَقْفًا صَارَ مَسْجِدًا وَوَقْفًا بِذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يُكْمِلُوا عِمَارَتَهُ، وَإِذَا قَالَ كُلٌّ مِنْهُمْ جَعَلْت مِلْكِي لِلْمَسْجِدِ أَوْ فِي الْمَسْجِدِ وَنَحْوَ ذَلِكَ صَارَ بِذَلِكَ حَقًّا لِلْمَسْجِدِ، وَلَوْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ تَصَدَّقْت بِهَذَا الدُّهْنِ عَلَى هَذَا الْمَسْجِدِ لِيُوقَدَ فِيهِ جَازَ، وَهُوَ مِنْ بَابِ الْوَقْفِ، وَتَسْمِيَتُهُ وَقْفًا بِمَعْنَى أَنَّهُ وَقْفٌ عَلَى تِلْكَ الْجِهَةِ لَا يُنْتَفَعُ بِهِ فِي غَيْرِهَا لَا تَأْبَاهُ اللُّغَةُ وَهُوَ جَائِزٌ فِي الشَّرْعِ، وَوَقْفُ الْهَازِلِ كَوَقْفِ التَّلْجِئَةِ إنْ غَلَبَ عَلَى الْوَقْفِ شَبَهُ التَّحْرِيمِ وَمِنْ جِهَةِ أَنَّهُ لَا يَقْبَلُ الْفَسْخَ فَيَنْبَغِي أَنْ يَصِحَّ كَالْعِتْقِ وَالْإِتْلَافِ، وَإِنْ غَلَبَ عَلَيْهِ شَبَهُ التَّمْلِيكِ فَيُشْبِهُ الْهِبَةَ وَالتَّمْلِيكَ وَذَلِكَ لَا يَصِحُّ مِنْ الْهَازِلِ عَلَى الصَّحِيحِ
وَيَصِحُّ الْوَقْفُ عَلَى النَّفْسِ وَهُوَ أَحَدُ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ، وَاخْتَارَهَا طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ وَيَصِحّ الْوَقْفُ عَلَى الصُّوفِيَّةِ فَمَنْ كَانَ جَمَّاعًا لِلْمَالِ وَلَمْ يَتَخَلَّقْ بِالْأَخْلَاقِ الْمَحْمُودَةِ وَلَا تَأَدَّبَ بِالْآدَابِ الشَّرْعِيَّةِ وَغَلَبَتْ عَلَيْهِ الْآدَابُ الْوَضِيعَةُ أَوْ فَاسِقًا لَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا، وَإِنْ كَانَ قَدْ يَجُوزُ لِلْغَنِيِّ مُجَرَّدُ السُّكْنَى وَيَنْبَغِي أَنْ يُشْتَرَطَ فِي الْوَاقِفِ أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يُمْكِنُ مِنْ وَقْفِ تِلْكَ الْقَرْيَةِ، فَلَوْ أَرَادَ الْكَافِرُ أَنْ يَقِفَ مَسْجِدًا مَنَعَ مِنْهُ وَلَوْ قَالَ الْوَاقِفُ: وَقَفْتُ هَذِهِ الدَّرَاهِمَ عَلَى قَرْضِ الْمُحْتَاجِينَ لَمْ يَكُنْ جَوَازُ هَذَا بَعِيدًا وَإِذَا أَطْلَقَ وَقْفًا لِنَقْدَيْنِ وَنَحْوِهِمَا مِمَّا يُمْكِنُ الِانْتِفَاعُ بِبَدَلِهِ فَإِنَّ مَنْعَ صِحَّةِ هَذَا الْوَقْفِ فِيهِ نَظَرٌ، خُصُوصًا عَلَى أَصْلِنَا فَإِنَّهُ يَجُوزُ عِنْدَنَا بَيْعُ الْوَقْفِ إذَا تَعَطَّلَتْ مَنْفَعَتُهُ،
стр. 2329
وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ فِي الَّذِي حَبَسَ فَرَسًا عَلَيْهَا حِلْيَةٌ مُحَرَّمَةٌ. أَنَّ الْحِلْيَةَ تُبَاعُ وَيُنْفَقُ عَلَيْهَا، وَهَذَا تَصْرِيحٌ بِجَوَازِ وَقْفِ مِثْلِ هَذَا وَلَوْ وَقَفَ مَنْفَعَةً يَمْلِكُهَا كَالْعَبْدِ الْمُوصَى بِخِدْمَتِهِ، أَوْ مَنْفَعَةَ أُمِّ وَلَدِهِ فِي حَيَاتِهِ أَوْ مَنْفَعَةً بِعَيْنِ الْمُسْتَأْجَرَةِ فَعَلَى مَا ذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا لَا يَصِحُّ.
قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: وَعِنْدِي هَذَا لَيْسَ فِيهِ فِقْهٌ، فَإِنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ وَقْفِ هَذَا وَوَقْفِ الْبِنَاءِ وَالْغِرَاسِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ وَقْفِ ثَوْبٍ عَلَى الْفُقَرَاءِ يَلْبَسُونَهُ أَوْ فَرَسٍ يَرْكَبُونَهُ أَوْ رَيْحَانٍ يَشُمُّهُ أَهْلُ الْمَسْجِدِ، وَطِيبُ الْكَعْبَةِ حُكْمُهُ حُكْمُ كُسْوَتِهَا، فَعُلِمَ أَنَّ الطِّيبَ مَنْفَعَةٌ مَقْصُودَةٌ، لَكِنْ قَدْ يَطُولُ بَقَاءُ مُدَّةِ التَّطَيُّبِ وَقَدْ يُقْصَدُ وَلَا أَثَرَ لِذَلِكَ.
وَيَصِحُّ وَقْفُ الْكَلْبِ الْمُعَلَّمِ وَالْجَوَارِحِ الْمُعَلَّمَةِ وَمَا لَا يَقْدِرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ، وَأَقْرَبُ الْحُدُودِ فِي الْوُقُوفِ أَنَّهُ كُلُّ عَيْنٍ تَجُوزُ عَارِيَّتُهَا قَالَ فِي " الرِّعَايَةِ " وَإِنْ وَقَفَ نِصْفَ عَبْدٍ صَحَّ وَإِنْ لَمْ يَسْرِ إلَى بَقِيَّةٍ وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِهِ، وَإِنْ أَعْتَقَ مَا وَقَفَهُ مِنْهُ أَوْ أَعْتَقَهُ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ لَمْ يَصِحَّ عِتْقُهُ وَلَمْ يَسْرِ، وَإِنْ أَعْتَقَ مَا وَقَفَهُ مِنْهُ أَوْ أَعْتَقَهُ شَرِيكُهُ فَقَدْ صَحَّ عِتْقُ نَفْسِهِ وَلَمْ يَسْرِ إلَى الْمَوْقُوفِ.
قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: هَذَا ضَعِيفٌ وَلَا يَصِحُّ عَلَى الْأَغْنِيَاءِ عَلَى الصَّحِيحِ قَالَ فِي " الْمُحَرَّرِ ": وَلَا يَصِحُّ وَقْفُ الْمَجْهُولِ. قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: الْمَجْهُولُ نَوْعَانِ مُبْهَمٌ وَمُعَيَّنٌ مِثْلُ دَارٍ لَمْ يَرَهَا فَمَنْعُ هَذَا بَعِيدٌ، وَكَذَلِكَ هِبَتُهُ فَأَمَّا الْوَقْفُ عَلَى الْمُبْهَمِ فَهُوَ شَبِيهٌ بِالْوَصِيَّةِ لَهُ، وَفِي الْوَصِيَّةِ رِوَايَتَانِ مَنْصُوصَتَانِ مِثْلُ أَنْ يُوصِيَ لِأَحَدِ هَذَيْنِ أَوْ لِجَارِهِ مُحَمَّدٍ وَلَهُ جَارَانِ بِهَذَا الِاسْمِ، وَوَقْفُ الْمُبْهَمِ مُفَرَّعٌ عَلَى هِبَتِهِ وَبَيْعِهِ وَلَيْسَ عَنْ أَحْمَدَ فِي هَذَا مَنْعٌ وَيَصِحُّ الْوَقْفُ عَلَى أُمِّ وَلَدِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَإِنْ وَقَفَ عَلَى غَيْرِهَا عَلَى أَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهَا مُدَّةَ حَيَاتِهِ أَوْ يَكُونَ الرُّبْعُ لَهَا مُدَّةَ حَيَاتِهِ صَحَّ، فَإِنَّ اسْتِثْنَاءَ الْغَلَّةِ لِأُمِّ وَلَدِهِ كَاسْتِثْنَائِهَا لِنَفْسِهِ وَإِنْ وَقَفَ عَلَيْهَا مُطْلَقًا، فَيَنْبَغِي فِي الْحَالِ أَنَّا إذَا صَحَّحْنَا وَقْفَ الْإِنْسَانِ عَلَى نَفْسِهِ صَحَّ لِأَنَّ مِلْكَ أُمِّ وَلَدِهِ أَكْثَرُ مَا يَكُونُ بِمَنْزِلَةِ مِلْكِهِ وَإِنْ لَمْ نُصَحِّحْهُ، فَيُتَوَجَّهُ أَنْ يُقَالَ هُوَ كَالْوَقْفِ عَلَى الْعَبْدِ الْقِنِّ فَإِنَّهُ قَدْ يَخْرُجُ عَنْ مِلْكِهِ، فَيَكُونُ مِلْكًا لِعَبْدِ الْغَيْرِ.
وَأَمَّا إذَا مَاتَ السَّيِّدُ فَقَدْ تَخْرُجُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ عَلَى مَسْأَلَةِ تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ؛ لِأَنَّ الْوَقْفَ عَلَى أُمِّ الْوَلَدِ يَعُمُّ حَالَ رَقِّهَا وَعِتْقِهَا فَإِذَا لَمْ يَصِحَّ فِي أَحَدِ الْحَالَيْنِ خَرَجَ فِي الْحَالِ الْأُخْرَى وَجْهَانِ.
стр. 2330
وَإِذَا قُلْنَا: إنَّ الْوَقْفَ الْمُنْقَطِعَ الِابْتِدَاءِ يَصِحُّ فَيَجِبُ أَنْ يُقَالَ ذَلِكَ وَإِنْ قُلْنَا يَصِحُّ فَهَذَا كَذَلِكَ، وَمَأْخَذُهُ الْوَقْفُ الْمُنْقَطِعُ أَنَّ الْوَقْفَ هَلْ يَصِحُّ تَوْقِيتُهُ بِغَايَةٍ مَجْهُولَةٍ أَوْ غَيْرِ مَجْهُولَةٍ فَعَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ لَا يَزَالُ وَقْفًا لَا يَصِحُّ تَوْقِيتُهُ، وَعَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ يَعُودُ مِلْكًا يَصِحُّ تَوْقِيتُهُ، فَإِنْ غَلَبَ جَانِبُ التَّحْرِيمِ فَالتَّحْرِيمُ لَا يَتَوَقَّتُ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ شَرِيكٌ، وَإِنْ غَلَبَ جَانِبُ التَّمْلِيكِ فَتَوْقِيتُ جَمِيعِهِ قَرِيبٌ مِنْ تَوْقِيتِهِ عَلَى بَعْضِ الْبُطُونِ، كَمَا لَوْ قَالَ هَذَا وَقْفٌ عَلَى زَيْدٍ سَنَةً ثُمَّ عَلَى عَمْرٍو سَنَةً ثُمَّ عَلَى بَكْرٍ سَنَةً وَضَابِطُ الْأَقْوَالِ فِي الْوَقْفِ الْمُنْقَطِعِ إمَّا عَلَى جَمِيعِ الْوَرَثَةِ وَإِمَّا عَلَى الْعَصَبَةِ وَإِمَّا عَلَى الْمَصَالِحِ وَإِمَّا عَلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ مِنْهُمْ، وَعَلَى الْأَقْوَالِ الْأَرْبَعَةِ فَإِمَّا وَقْفٌ وَإِمَّا مِلْكٌ، فَهَذِهِ ثَمَانِيَةٌ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ فِي الْأَقَارِبِ وَهَلْ يَخْتَصُّ بِهِ فُقَرَاؤُهُمْ فَيَصِيرُ فِيهِمْ ثَمَانِيَةٌ؛ وَالثَّالِثَ عَشَرَ تَفْصِيلُ ابْنِ أَبِي مُوسَى أَنَّهُ إذَا رَجَعَ إلَى جَمِيعِ الْوَرَثَةِ يَكُونُ مِلْكًا بَيْنَهُمْ عَلَى فَرَائِضِ اللَّهِ بِخِلَافِ رُجُوعِهِ إلَى الْعُصَاةِ.
قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: وَهَذَا أَصَحُّ وَأَشْبَهُ بِكَلَامِ أَحْمَدَ وَإِذَا اشْتَرَطَ الْقَبُولَ فِي الْوَقْفِ عَلَى الْمُعَيَّنِ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَشْتَرِطَ الْمَجْلِسَ بَلْ يُلْحَقُ بِالْوَصِيَّةِ وَالْوَكَالَةِ فَيَصِحُّ مُعَجَّلًا أَوْ مُؤَجَّلًا فِي الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ فَأَخْذُ رِيعِهِ مَقْبُولٌ، وَيَنْبَغِي أَنَّهُ لَوْ رَدَّهُ بَعْدَ قَبُولِهِ كَانَ لَهُ ذَلِكَ، وَالصَّوَابُ الَّذِي عَلَيْهِ مُحَقِّقُو الْفُقَهَاءِ فِي مَسْأَلَةِ الْوَقْفِ عَلَى الْمُعَيَّنِ إذَا لَمْ يَقْبَلْ أَوْ رَدَّهُ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ كَالْوَقْفِ الْمُنْقَطِعِ الِابْتِدَاءِ بَلْ الْوَقْفُ هُنَا صَحِيحٌ قَوْلًا وَاحِدًا ثُمَّ إنْ قِيلَ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ وَإِلَّا انْتَقَلَ إلَى مَنْ بَعْدَهُ كَمَا لَوْ مَاتَ أَوْ تَعَذَّرَ اسْتِحْقَاقُهُ لِفَوَاتٍ فِيهِ إذْ الطَّبَقَةُ الثَّانِيَةُ تَتَلَقَّى مِنْ الْوَاقِفِ لَا مِنْ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ.
وَمِنْ شَرَطَ النَّظَرَ لِرَجُلٍ ثُمَّ لِغَيْرِهِ إنْ مَاتَ فَعَزَلَ نَفْسَهُ أَوْ فَسَقَ فَكَمَوْتِهِ؛ لِأَنَّ تَخْصِيصَهُ لِلْغَالِبِ وَلَا نَظَرَ لِغَيْرِ النَّاظِرِ الْخَاصِّ مَعَهُ، وَلِلْحَاكِمِ النَّظَرُ الْعَامُّ فَيُعْتَرَضُ عَلَيْهِ إنْ فَعَلَ مَا لَا يَشْرَعُ، وَلَهُ ضَمُّ أَمِينٍ إلَيْهِ مَعَ تَفْرِيطِهِ أَوْ تُهْمَتِهِ يَحْصُلُ بِهِ الْمَقْصُودُ، وَمَنْ ثَبَتَ فِسْقُهُ أَوْ أَضَرَّ فِي تَصَرُّفِهِ مُخَالِفًا لِلشِّرَاءِ الصَّحِيحِ عَالِمًا بِتَحْرِيفِهِ فَإِمَّا أَنْ يَنْعَزِلَ أَوْ يُعْزَلَ، أَوْ يُضَمَّ إلَيْهِ أَمِينٌ عَلَى الْخِلَافِ الْمَشْهُورِ، ثُمَّ إنْ صَارَ هُوَ أَوْ الْوَصِيُّ أَهْلًا عَادَ كَمَا لَوْ صَرَّحَ بِهِ، وَكَالْمَوْصُوفِ وَمَنْ شَرَطَ النَّظَرَ لِحَاكِمِ الْمُسْلِمِينَ شَمَلَ أَيَّ حَاكِمٍ كَانَ سَوَاءٌ كَانَ مَذْهَبُهُ مَذْهَبَ حَاكِمِ الْبَلَدِ زَمَنَ الْوَاقِفِ أَوْ لَا، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ لَهُ النَّظَرُ لَوْ انْفَرَدَ وَهُوَ بَاطِلٌ اتِّفَاقًا، وَلَوْ فَرَضَهُ حَاكِمٌ لَمْ يَكُنْ لِحَاكِمٍ آخَرَ نَقْضُهُ وَلَوْ وَلَّى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْحُكَّامِ شَخْصًا قَدَّمَ وَلِيُّ الْأَمْرِ أَحَقَّهُمَا.
стр. 2331
وَلَا يَجُوزُ لِوَاقِفٍ شَرْطُ النَّظَرُ لِذِي مَذْهَبٍ مُعَيَّنٍ دَائِمًا وَمَنْ وَقَفَ مَدْرَسَةً عَلَى مُدَرِّسٍ وَفُقَهَاءَ فَلِلنَّاظِرِ ثُمَّ الْحَاكِمِ تَقْدِيرُ أُعْطِيَتْهُمْ، فَلَوْ زَادَ النَّمَاءُ فَهُوَ لَهُمْ، وَالْحُكْمُ بِتَقْدِيرِ مُدَرِّسٍ أَوْ غَيْرِهِ بَاطِلٌ وَلَوْ نَفَّذَهُ حُكَّامٌ، وَإِنْ قِيلَ: إنَّ الْمُدَرِّسَ لَا يَزْدَادُ وَلَا يَنْقُصُ بِزِيَادَةِ النَّمَاءِ وَنَقْصُهُ كَانَ بَاطِلًا لِأَنَّهُ لَهُمْ، وَالْقِيَاسُ أَنْ يُسَوِّيَ بَيْنَهُمْ وَلَوْ تَعَاوَنُوا فِي الْمَنْفَعَةِ كَالْإِمَامِ وَالْجَيْشِ فِي الْمَغْنَمِ، لَكِنْ دَلَّ الْعُرْفُ عَلَى التَّفْضِيلِ وَإِنَّمَا قَدَّمَ الْقَيِّمَ لِأَنَّ مَا يَأْخُذُهُ أَجْرُهُ وَلِهَذَا يَحْرُمُ أَخْذُهُ فَوْقَ أُجْرَةِ مِثْلِهِ فَلَا شَرْطَ وَالْإِمَامُ وَالْمُؤَذِّنُ كَالْقَيِّمِ بِخِلَافِ الْمُدَرِّسِ وَالْمُتَعَبِّدِ وَالْفُقَهَاءِ فَإِنَّهُمْ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ وَإِذَا وَقَفَ عَلَى إمَامٍ وَمُؤَذِّنٍ وَقَدَّرَ لِكُلِّ وَاحِدٍ جُزْءًا مَعْلُومًا وَزَادَ الْوَقْفُ خَمْسَةَ أَمْثَالِهِ مَثَلًا جَازَ أَنْ يَصْرِفَ إلَى الْإِمَامِ وَالْمُؤَذِّنِ مِنْ الزَّائِدِ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَصْرِفٌ بَعْدَ تَمَامِ كِفَايَتِهِمَا لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا:
أَنَّ تَقْدِيرَ الْوَاقِفِ دَرَاهِمَ مُقَدَّرَةً قَدْ يُزَادُ لَهُ بِالنِّسْبَةِ مِثْلُ أَنْ يَشْتَرِطَ لَهُ عَشَرَةً، وَالْمُغَلُّ مِائَةٌ فَيُزَادُ بِهِ الْعُشْرُ، فَإِنْ كَانَ هُنَاكَ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلَى هَذَا عُمِلَ بِهَا، وَمِنْ الْمَعْلُومِ فِي الْعُرْفِ إذَا كَانَ الْوَقْفُ مَغْلَةَ مِائَةَ دِرْهَمٍ وَشَرَطَ لَهُ سِتَّةً ثُمَّ صَارَ خَمْسَمِائَةٍ فَإِنَّ الْعَادَةَ فِي مِثْلِ هَذَا أَنْ يَشْتَرِطَ أَضْعَافَ ذَلِكَ مِثْلَ خَمْسَةِ أَمْثِلَةٍ، وَلَمْ يَجُزْ عَادَةً مَنْ شَرَطَ سِتَّمِائَةٍ أَنْ يَشْتَرِطَ سِتَّةً مِنْ خَمْسِمِائَةٍ فَيُحْمَلُ كَلَامُ النَّاسِ عَلَى مَا جَرَتْ بِهِ عَادَتُهُمْ فِي خِطَابِهِمْ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْوَاقِفَ لَوْ لَمْ يَشْتَرِطْ هَذَا فَزَائِدُ الْوَقْفِ يُصْرَفُ لِلْمَصَالِحِ الَّتِي هِيَ نَظِيرُ مَصَالِحِهِ، وَمَنْ قُدِّرَ لَهُ الْوَقْفُ بِسَافِلِهِ أَكْثَرَ مِنْهُ إنْ اسْتَحَقَّهُ بِمُوجِبِ الشَّرْعِ.
وَلَوْ عَطَّلَ وَقْفَ مَسْجِدٍ سَنَةً تَسْقُطُ الْأُجْرَةُ الْمُسْتَقْبَلَةُ عَلَيْهَا وَعَلَى السَّنَةِ الْأُخْرَى لِأَنَّهُ خَيْرٌ مِنْ التَّعْطِيلِ، وَلَا يَنْقُضْ الْإِمَامُ بِسَبَبِ تَعْطِيلِ الزَّرْعِ الْعَامَ، وَمَنْ لَمْ يَقُمْ بِوَظِيفَتِهِ غَيْرُهُ فَلِمَنْ لَهُ الْوِلَايَةُ أَنْ يُوَلِّيَ مَنْ يَقُومُ بِهَا إلَى أَنْ يَتُوبَ الْأَوَّلُ وَيَلْتَزِمَ بِالْوَاجِبِ.
وَيَجِبُ أَنْ يُوَلَّى فِي الْوَظَائِفِ وَإِمَامَةِ الْمَسَاجِدِ الْأَحَقُّ شَرْعًا وَأَنْ يَعْمَلَ مَا قَدَرَ عَلَيْهِ مِنْ عَمَلِ الْوَاجِبِ، وَلَيْسَ لِلنَّاسِ أَنْ يُوَلُّوا عَلَيْهِمْ الْفَاسِقَ، وَإِنْ نَفَذَ حُكْمُهُ أَوْ صَحَّتْ الصَّلَاةُ خَلْفَهُ.
وَاتَّفَقَ الْأَئِمَّةُ عَلَى كَرَاهَةِ الصَّلَاةِ خَلْفَهُ، وَاخْتَلَفُوا فِي صِحَّتِهَا وَلَمْ يَتَنَازَعُوا أَنَّهُ
стр. 2332
لَا يَنْبَغِي تَوْلِيَتُهُ، وَلِلنَّاظِرِ إنْسَاخُ كِتَابِ الْوَقْفِ وَالسُّؤَالُ عَنْ حَالِهِ وَأَجْرِهِ وَتَسْجِيلُ كِتَابِ الْوَقْفِ مِنْ الْوَقْفِ كَالْعَادَةِ، وَيَجِبُ عِمَارَةُ الْوَقْفِ بِحَسَبِ الْبُطُونِ وَالْجَمْعُ بَيْنَ عِمَارَةِ الْوَقْفِ وَأَرْبَابِ الْوَظَائِفِ حَسَبَ الْإِمْكَانِ أَوْلَى بَلْ قَدْ يَجِبُ وَلَا يَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِشَرْطِ الْوَاقِفِ إلَّا إذَا كَانَ مُسْتَحَبًّا خَاصَّةً وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَخْذًا مِنْ قَوْلِ أَحْمَدَ فِي اعْتِبَارِ الْقُرْبَةِ فِي أَصْلِ الْجِهَةِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهَا، وَإِذَا شَرَطَ فِي اسْتِحْقَاقِ رِيعِ الْوَقْفِ الْعُزُوبَةَ فَالْمُتَأَهِّلُ أَحَقُّ مِنْ الْمُتَعَزِّبِ إذَا اسْتَوَيَا فِي سَائِرِ الصِّفَاتِ، وَلَوْ شَرَطَ لِلصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ عَلَى أَهْلِ مَدْرَسَةٍ فِي الْقُدْسِ كَانَ الْأَفْضَلُ لِأَهْلِهَا أَنْ يُصَلُّوا الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ فِي الْأَقْصَى، وَلَا يَقِفُ اسْتِحْقَاقُهُمْ عَلَى الصَّلَاةِ فِي الْمَدْرَسَةِ. وَكَانَ يُفْتِي بِهِ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَغَيْرُهُ.
وَيَجُوزُ تَغْيِيرُ شَرْطِ الْوَاقِفِ إلَى مَا هُوَ أَصْلَحُ مِنْهُ وَإِنْ اخْتَلَفَ ذَلِكَ بِاخْتِلَافِ الزَّمَانِ، حَتَّى لَوْ وَقَفَ عَلَى الْفُقَهَاءِ وَالصُّوفِيَّةِ وَاحْتَاجَ النَّاسُ إلَى الْجِهَادِ صُرِفَ إلَى الْجُنْدِ، وَإِذَا وَقَفَ عَلَى مَصَالِحِ الْحَرَمِ وَعِمَارَتِهِ فَالْقَائِمُونَ بِالْوَظَائِفِ الَّتِي يَحْتَاجُ إلَيْهَا الْمَسْجِدُ مِنْ التَّنْظِيفِ وَالْحِفْظِ وَالْفَرْشِ وَفَتْحِ الْأَبْوَابِ وَإِغْلَاقِهَا وَنَحْوِ ذَلِكَ يَجُوزُ الصَّرْفُ إلَيْهِمْ، وَقَوْلُ الْفُقَهَاءِ نُصُوصُ الْوَاقِفِ كَنُصُوصِ الشَّارِعِ، يَعْنِي فِي الْفَهْمِ وَالدَّلَالَةِ لَا فِي وُجُوبِ الْعَمَلِ.
مَعَ أَنَّ التَّحْقِيقَ أَنَّ لَفْظَ الْوَاقِفِ وَالْمُوصِي وَالنَّاذِرِ وَالْحَالِفِ وَكُلِّ عَاقِدِ يُحْمَلُ عَلَى مَذْهَبِهِ وَعَادَتِهِ فِي خِطَابِهِ وَلُغَتِهِ الَّتِي يَتَكَلَّمُ بِهَا وَافَقَ لُغَةَ الْعَرَبِ أَوْ لُغَةَ الشَّارِعِ أَوْ لَا.
وَالْعَادَةُ الْمُسْتَمِرَّةُ وَالْعُرْفُ الْمُسْتَقِرُّ فِي الْوَقْفِ يَدُلُّ عَلَى شَرْطِ الْوَاقِفِ أَكْثَرَ مِمَّا يَدُلُّ لَفْظُ الِاسْتِفَاضَةِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُوَلِّيَ فَاسِقًا فِي جِهَةٍ دِينِيَّةٍ كَمَدْرَسَةٍ وَغَيْرِهَا مُطْلَقًا لِأَنَّهُ يَجِبُ الْإِنْكَارُ عَلَيْهِ وَعُقُوبَتُهُ، فَكَيْفَ يُنَزَّلُ.
وَظَاهِرُ كَلَامِ أَبِي الْعَبَّاسِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ خِلَافُ ذَلِكَ وَإِنْ نُزِّلَ تَنْزِيلًا شَرْعِيًّا لَمْ يَجُزْ صَرْفُهُ بِلَا مُوجِبٍ شَرْعِيٍّ، وَكُلُّ مُتَصَرِّفٍ بِوِلَايَةٍ إذَا قِيلَ لَهُ: افْعَلْ مَا تَشَاءُ فَإِنَّمَا هُوَ لِمَصْلَحَةٍ شَرْعِيَّةٍ، حَتَّى لَوْ صَرَّحَ الْوَاقِفُ بِفِعْلِ مَا يَهْوَاهُ أَوْ مَا يَرَاهُ مُطْلَقًا فَهُوَ شَرْطٌ بَاطِلٌ لِمُخَالَفَتِهِ الشَّرْعَ، وَغَايَتُهُ أَنْ يَكُونَ شَرْطًا مُبَاحًا وَهُوَ بَاطِلٌ عَلَى الصَّحِيحِ الْمَشْهُورِ، حَتَّى لَوْ تَسَاوَى فِعْلَانِ عُمِلَ بِالْقُرْعَةِ، وَإِذَا قِيلَ هُنَا بِالتَّخْيِيرِ فَلَهُ وَجْهٌ وَعَلَى النَّاظِرِ بَيَانُ الْمَصْلَحَةِ فَيَعْمَلُ بِمَا ظَهَرَ وَمَعَ الِاسْتِنْبَاهِ وَإِنْ كَانَ عَالِمًا عَادِلًا سَاغَ لَهُ الِاجْتِهَادُ.
стр. 2333
قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: وَلَا أَعْلَمُ خِلَافًا أَنَّ مَنْ قَسَمَ شَيْئًا يَلْزَمُهُ أَنْ يَتَحَرَّى فِيهِ الْعَدْلَ وَيَتَّبِعَ مَا هُوَ أَرْضَى لِلَّهِ تَعَالَى وَلِرَسُولِهِ، وَسَوَاءٌ اسْتَفَادَ الْقِسْمَةَ بِوِلَايَةٍ كَالْإِمَامِ الْحَاكِمِ أَوْ بِعَقْدٍ كَالنَّاظِرِ وَالْوَصِيِّ، وَإِذَا وَقَفَ عَلَى الْفُقَرَاءِ فَأَقَارِبُ الْوَاقِفِ الْفُقَرَاءُ أَحَقُّ مِنْ الْفُقَرَاءِ الْأَجَانِبِ مَعَ التَّسَاوِي فِي الْحَاجَةِ، وَإِذَا قَدَّرَ وُجُودَ فَقِيرٍ مُضْطَرٍّ كَانَ دَفْعُ ضَرُورَتِهِ وَاجِبًا، وَإِذَا لَمْ تَنْدَفِعْ ضَرُورَتُهُ إلَّا بِتَنْقِيصِ كِفَايَةِ أَقَارِبِ الْوَاقِفِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ تَحْصُلُ لَهُمْ تَعَيَّنَ ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ لَهُ شَيْءٌ لَيْسَ لَهُ إلَّا مَا يُقَابِلُ عَمَلَهُ لَا الْعَادَةَ.
وَاعْتَبَرَ أَبُو الْعَبَّاسِ: فِي مَوْضِعٍ جَوَازَ أَخْذِ النَّاظِرِ أُجْرَةَ عَمَلِهِ مَعَ فَقْرِهِ كَوَصِيِّ الْيَتِيمِ، وَلَا يُقَدَّمُ النَّاظِرُ بِمَعْلُومِهِ بِلَا شَرْطٍ، وَمَا يَأْخُذُهُ الْفُقَهَاءُ مِنْ الْوَاقِفِ هَلْ هُوَ إجَارَةٌ أَوْ جَعَالَةٌ أَوْ كَرِزْقٍ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ فِيهِ أَقْوَالٌ، ثَالِثُهَا الْمُخْتَارُ وَالْمُكُوسُ إذَا أَقْطَعَهَا الْإِمَامُ الْحَيِّدُ فَهِيَ حَلَالٌ لَهُمْ إذَا جَهِلَ مُسْتَحَقَّهَا، وَكَذَلِكَ إذَا رَتَّبَهَا لِلْفُقَهَاءِ وَأَهْلِ الْعِلْمِ، وَاَلَّذِي يُتَوَجَّهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ أَنْ يَتَسَلَّفُوا الْأُجْرَةَ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَمْلِكُوا الْمَنْفَعَةَ الْمُسْتَقْبَلَةَ وَلَا الْأُجْرَةَ عَلَيْهَا.
وَعَلَى هَذَا فَلَهُمْ أَنْ يَطْلُبُوا الْأُجْرَةَ مِنْ الْمُسْتَأْجِرِ لِأَنَّهُ فَرَّطَ، وَلَهُمْ أَنْ يُطَالِبُوا النَّاظِرَ، وَيَدُ الْوَاقِفِ ثَابِتَةٌ عَلَى الْمُتَّصِلِ بِالْوَقْفِ مَا لَمْ تَأْتِ حُجَّةٌ تَدْفَعُ مُوجِبَهَا، كَمَعْرِفَةِ كَوْنِ الْغَارِسِ غَرَسَهَا بِمَالِهِ بِحُكْمِ إجَارَةٍ أَوْ إعَارَةٍ أَوْ غَصْبٍ.
وَمِنْ أَكْلِ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ قَوْمٌ لَهُمْ رَوَاتِبُ أَضْعَافُ حَاجَاتِهِمْ وَقَوْمٌ لَهُمْ جِهَاتٌ مَعْلُومُهَا كَثِيرٌ يَأْخُذُونَهُ وَيَسْتَشِبُّونَ يَسِيرًا، وَالنِّيَابَةُ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْأَعْمَالِ الْمَشْرُوطَةِ جَائِزَةٌ وَلَوْ عَيَّنَهُ الْوَاقِفُ إذَا كَانَ مِثْلَ مُسْتَشِيبِهِ، وَقَدْ يَكُونُ فِي ذَلِكَ مَفْسَدَةٌ رَاجِحَةٌ، كَالْأَعْمَالِ الْمَشْرُوطَةِ فِي الْإِجَارَةِ عَلَى عَمَلٍ فِي الذِّمَّةِ، وَيَسْتَحِقُّ حَمْلَ مَوْجُودٍ عِنْدَ تَأْبِيرِ النَّخْلِ أَوْ بُدُوِّ صَلَاحِ الثَّمَرِ مِنْ حِينِ مَوْتِ أَبِيهِ وَلَوْ لَمْ يَتَفَصَّلْ.
وَإِذَا زَرَعَ الْبَطْنُ الْأَوَّلُ مِنْ أَهْلِ الْوَقْفِ فِي الْأَرْضِ الْمَوْقُوفَةِ، ثُمَّ مَاتَ وَانْتَقَلَ إلَى الْبَطْنِ الثَّانِي كَانَ مُبْقًى إلَى أَوَانِ حَدِّهِ بِأَجْرِهِ.
وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: فِي مَوْضِعٍ آخَرَ تُجْعَلُ مُزَارَعَةً بَيْنَ الزَّارِعِ وَرَبِّ الْأَرْضِ لِنُمُوِّهِ مِنْ أَرْضِ أَحَدِهِمَا، وَبَذْرِ الْآخَرِ، وَكَذَا الْحُكْمُ فِي الْإِقْطَاعِ الْمَزْرُوعِ إذَا انْتَقَلَ إلَى
стр. 2334
مُقْطِعٍ آخَرَ وَالزَّرْعُ قَائِمٌ فِيهَا، وَشَجَرُ الْجَوْزِ الْمَوْقُوفِ إنْ أَدْرَكَ، وَإِنْ قَطَعَهُ فِي حَيَاةِ الْبَطْنِ الْأَوَّلِ فَهُوَ لَهُ، فَإِنْ مَاتَ وَبَقِيَ فِي الْأَرْضِ مُدَّةً حَتَّى زَادَ كَانَتْ الزِّيَادَةُ حَادِثَةً مِنْ مَنْفَعَةِ الْأَرْضِ الَّتِي لِلْبَطْنِ الثَّانِي.
وَالْأَصْلُ الَّذِي وَرِثَ الْأَوَّلُ فَإِمَّا أَنْ يَقْسِمَ الزِّيَادَةَ عَلَى قَدْرِ الْقِسْمَيْنِ، وَإِمَّا أَنْ يُعْطِيَ الْوَرَثَةَ أُجْرَةَ الْأَرْضِ إلَى الْبَطْنِ الثَّانِي، وَإِنْ غَرَسَهُ الْبَطْنُ الْأَوَّلُ مِنْ مَالِ الْوَقْفِ وَلَمْ يُدْرِكْ إلَّا بَعْدَ انْتِقَالِهِ إلَى الْبَطْنِ الثَّانِي فَهُوَ لَهُمْ، وَلَيْسَ لِوَرَثَةِ الْأَوَّلِ فِيهِ شَيْءٌ وَمَنْ وَقَفَ وَقْفًا مُسْتَقِلًّا، ثُمَّ ظَهَرَ عَلَيْهِ دَيْنٌ وَلَمْ يُمْكِنْ وَفَاءُ الدَّيْنِ إلَّا بِبَيْعِ شَيْءٍ مِنْ الْوَقْفِ وَهُوَ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ بِيعَ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ وَإِنْ كَانَ الْوَقْفُ فِي الصِّحَّةِ فَهَلْ يُبَاعُ لِوَفَاءِ الدَّيْنِ فِيهِ خِلَافٌ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ وَمَنْعُهُ قَوِيٌّ. قُلْت: وَظَاهِرُ كَلَامِ أَبِي الْعَبَّاسِ وَلَوْ كَانَ الدَّيْنُ حَادِثًا بَعْدَ الْوَقْفِ، قَالَ: وَلَيْسَ هَذَا بِأَبْلَغَ مِنْ التَّدْبِيرِ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَاعَ عَلَى الْمُدَبَّرِ فِي الدَّيْنِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَإِذَا وَقَفَ الْوَاقِفُ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ مُسْتَغْرِقٌ، وَأَثْبَتَ عِنْدَ حَاكِمٍ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِصِحَّةِ الْوَقْفِ، وَلَمْ يُعْلَمْ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ مَاتَ الْوَاقِفُ فَرَدَّ الْمَوْقُوفَ إلَى الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ وَطَلَبَ أَرْبَابَ الدُّيُونِ دِينَهُمْ وَرُفِعَتْ الْقِصَّةُ إلَى حَاكِمٍ يَرَى بُطْلَانَ هَذَا الْوَقْفِ مِنْ جِهَةِ شَرْطِ النَّظَرِ لِنَفْسِهِ وَكَوْنِهِ يَسْتَغْرِقُ الذِّمَّةَ بِالدَّيْنِ وَكَوْنِهِ لَمْ يُخْرِجْهُ مِنْ يَدِهِ، فَهَلْ يَجُوزُ نَقْضُهُ فَيُقَالُ حُكْمُ الْحَاكِمِ بِمَا قَامَتْ بِهِ الْبَيِّنَةُ وَالْقَضَاءُ بِمُوجِبِهِ وَالْإِلْزَامُ بِمُقْتَضَاهُ لَا يَمْنَعُ الْحَاكِمَ الثَّانِيَ الَّذِي عِنْدَهُ أَنَّ الْوَاقِفَ كَانَتْ ذِمَّتُهُ مَشْغُولَةً بِالدُّيُونِ حِينَ الْوَقْفِ أَنْ يَحْكُمَ بِمَذْهَبِهِ فِي بُطْلَانِ هَذَا الْوَاقِفِ وَصَرْفِ الْمَالِ إلَى الْغُرَمَاءِ الْمُسْتَحَقِّينَ لِلْوَفَاءِ فَإِنَّ الْحَاكِمَ الْأَوَّلَ فِي وُجُوهِ هَؤُلَاءِ الْخُصُومِ وَنُوَّابِهِمْ لَا يُضَمِّنُ حُكْمَهُ عَمَلَهُ بِهَذَا الْفَصْلِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ، وَإِذَا صَادَفَ حُكْمَهُ مُخْتَلَفًا فِيهِ لَمْ يَعْلَمْهُ وَلَمْ يَحْكُمْ فِيهِ جَازَ نَقْضُهُ.
وَمَنْ نَزَلَ فِي مَدْرَسَةٍ وَنَحْوِهَا اسْتَحَقَّ بِحِصَّتِهِ مِنْ الْمُغَلِّ وَمَنْ جَعَلَهُ كَالْوَلَدِ فَقَدْ أَخْطَأَ وَلِوَرَثَةِ إمَامِ مَسْجِدٍ أُجْرَةُ عَمَلِهِ فِي أَرْضِ الْمَسْجِدِ كَمَا لَوْ كَانَ الْفَلَّاحُ غَيْرَهُ، وَلَهُمْ مِنْ مُغَلِّهِ بِقَدْرِ مَا بَاشَرَ مُوَرِّثُهُمْ وَيَسْتَحِقُّ وَلَدُ الْوَلَدِ وَإِنْ لَمْ يَسْتَحِقَّ أَبُوهُ شَيْئًا وَمَنْ ظَنَّ أَنَّ الْوَقْفَ كَالْإِرْثِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَالِدُهُ أَخَذَ شَيْئًا لَمْ يَأْخُذْ هُوَ فَلَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ مِنْ الْأَئِمَّةِ وَلَمْ يَدْرِ مَا يَقُولُ.
стр. 2335
وَلِهَذَا لَوْ انْتَفَتْ الشُّرُوطُ فِي الطَّبَقَةِ الْأُولَى أَوْ بَعْضٌ لَمْ تَحْرُمْ الثَّانِيَةُ مَعَ وُجُودِ الشُّرُوطِ فِيهِمْ إجْمَاعًا وَلَا فَرْقَ وَالْأَظْهَرُ فِيمَنْ وَقَفَ عَلَى وَلَدَيْهِ نِصْفَيْنِ، ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِهِمَا وَأَوْلَادِ أَوْلَادِهِمَا وَعَقِبِهِمَا بَعْدَهُمَا بَطْنًا بَعْدَ بَطْنٍ أَنَّهُ يَنْتَقِلُ نَصِيبُ كُلٍّ إلَى وَلَدِهِ وَإِنْ لَمْ يَنْقَرِضْ جَمِيعُ الْبَطْنِ الْأَوَّلِ وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ.
وَقَوْلُ الْوَاقِفِ: مَنْ مَاتَ عَنْ وَلَدٍ فَنَصِيبُهُ لِوَلَدِهِ يَشْتَمِلُ الْأَصْلَ لَا الْعَائِدَ وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ فِي الْمَذْهَبِ، وَلَوْ قَالَ: وَقَفْت عَلَى أَوْلَادِي ثُمَّ أَوْلَادِهِمْ الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ ثُمَّ أَوْلَادِهِمْ الذُّكُورِ وَإِنْ سَفَلُوا فَإِنَّ أَحَدَ الطَّبَقَةِ الْأُولَى لَوْ كَانَتْ بِنْتًا فَمَاتَتْ وَلَهَا أَوْلَادٌ فَمَا اسْتَحَقَّتْهُ قَبْلَ مَوْتِهَا فَلَهُمْ وَلَوْ قَالَ وَمَنْ مَاتَ عَنْ غَيْرِ وَلَدٍ فَنَصِيبُهُ لِأَخَوَيْهِ ثُمَّ نَسْلِهِمْ وَعَقِبِهِمْ عَمَّنْ لَمْ يُعْقِبْ وَمَنْ أَعْقَبَ ثُمَّ انْقَطَعَ عَقِبُهُ.
وَقَوْلُ الْوَاقِفِ: وَمَنْ مَاتَ مِنْ غَيْرِ نَسْلٍ يَعُودُ مَا كَانَ جَارِيًا عَلَيْهِ عَلَى مَنْ هُوَ فِي دَرَجَتِهِ وَذَوِي طَبَقَتِهِ يُقَدَّمُ الْأَقْرَبُ إلَى الْمُتَوَفَّى فَالْأَقْرَبُ وَهُوَ حِرْمَانُ الطَّبَقَةِ السُّفْلَى فَقَطْ لَا حِرْمَانُ الْعُلْيَا وَإِذَا وُجِدَ فِي كِتَابِ الْوَقْفِ وَقَفَ عَلَى بَنِيهِ وَبَنِي بَنِيهِ وَالْأَمَارَةُ تَدُلُّ عَلَى أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ فَمَذْهَبُنَا يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يُقْرِعَ بَيْنَهُمَا كَإِقْرَارِهِ بِمَا فِي يَدِهِ لِأَحَدِ الشَّخْصَيْنِ لَا يُعْلَمُ عَيْنُهُ.
وَالثَّانِي: أَنْ يُرَجَّحَ بَنُو الْبَنِينَ وَالْوَاوُ كَمَا لَا تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ لَا تَنْفِيه فَهِيَ سَالِبَةٌ عَنْهُ نَفْيًا وَإِثْبَاتًا وَلَكِنْ تَدُلُّ عَلَى التَّشْرِيكِ وَهُوَ الْجَمْعُ الْمُطْلَقُ فَإِنْ كَانَ فِي الْوَقْفِ مَا يَدُلُّ عَلَى التَّرْتِيبِ مِثْلُ أَنْ رَتَّبَ أَوْ لَا عُمِلَ بِهِ وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُنَافِيًا لِمُقْتَضَى الْوَاوِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ التَّشْرِيكِ التَّسْوِيَةُ بَلْ يُعْطِي بِحَسَبِ الْمَصْلَحَةِ وَلَوْ طَلَبَ الْمُدَرِّسُ الْخُمُسَ فَقُلْنَا لَهُ: فَأَعْطِ الْقَيِّمَ الْخُمُسَ لِأَنَّهُ نَظِيرُ الْمُدَرِّسِ لَظَهَرَ بُطْلَانُ حُجَّتِهِ وَلَوْ وَقَفَ مَسْجِدًا وَشَرَطَ إمَامًا وَأَثْبَتَ قُرَّاءَ وَقَيِّمًا وَمُؤَذِّنًا وَعَجَزَ الْوَقْفُ عَنْ تَكْمِيلِ حَقِّ الْجَمِيعِ وَلَمْ يَرْضَ الْإِمَامُ وَالْمُؤَذِّنُ وَالْقَيِّمُ إلَّا بِأَخْذِ جَامَكِيَّةَ مِثْلِهِمْ صُرِفَ إلَى الْإِمَامِ وَالْمُؤَذِّنِ وَالْقَيِّمِ جَامَكِيَّةُ مِثْلِهِمْ مُقَدَّمَةً عَلَى الْقُرَّاءِ فَإِنَّ هَذَا هُوَ الْمَقْصُودُ الْأَصْلِيُّ وَلَوْ وَقَفَ عَلَى آلِ جَعْفَرَ وَآلِ عَلِيٍّ فَهَلْ يَسْتَوِي بَيْنَ أَفْرَادِهِمْ أَوْ يُقْسَمُ بَيْنَهُمْ نِصْفَيْنِ. قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: أَفْتَيْت أَنَا وَطَائِفَةٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُ يُقْسَمُ بَيْنَ أَعْيَانِ الطَّائِفَتَيْنِ وَأَفْتَى طَائِفَةٌ أَنَّهُ يُقْسَمُ نِصْفَيْنِ فَيَأْخُذُ آلُ جَعْفَرٍ النِّصْفَ وَإِنْ كَانُوا وَاحِدًا وَهُوَ مُقْتَضَى
стр. 2336
أَحَدِ قَوْلَيْ أَصْحَابِنَا وَلَوْ أَقَرَّ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ فِي هَذَا الْوَقْفِ إلَّا مِقْدَارًا مَعْلُومًا ثُمَّ ظَهَرَ شَرْطُ الْوَاقِفِ أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ أَكْثَرَ حُكِمَ لَهُ بِمُقْتَضَى شَرْطِ الْوَاقِفِ وَلَا يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ إقْرَارُهُ الْمُتَقَدِّمُ وَلَوْ وَقَفَ عَلَى ابْنَيْ أَخِيهِ يُوسُفَ وَأَيُّوبَ ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّ أَيُّوبَ اسْمُهُ صَالِحٌ فَشَكَّ فِيهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِأَخِيهِ ابْنَانِ سِوَاهُمَا، فَحَقُّ أَيُّوبَ ثَابِتٌ وَلَا يَضُرُّ الْغَلَطُ فِي اسْمِهِ وَإِنْ كَانُوا ثَلَاثَةَ بَنِينَ وَوَقَعَ الشَّكُّ فِي عَيْنِ الثَّالِثِ أُخْرِجَ بِالْقُرْعَةِ فِي رِوَايَةٍ عَنْ أَحْمَدَ.
وَمَنْ عَمَّرَ وَقْفًا بِالْمَعْرُوفِ لِيَأْخُذَ عِوَضَهُ فَلَهُ أَخْذُهُ مِنْ غَلَّتِهِ، وَالْيَتِيمُ مَنْ لَمْ يَبْلُغْ ثَلَاثًا لَكِنْ يُعْطَى مَنْ لَيْسَ لَهُ أَبٌ يُعْرَفُ فِي بَلَدِ الْإِسْلَامِ وَلَا يُعْطَى كَافِرٌ وَإِذَا مَاتَ شَخْصٌ مِنْ مُسْتَحَقِّي الْوَقْفِ وَجُهِلَ شَرْطُ الْوَاقِفِ صُرِفَ إلَى جَمِيعِ الْمُسْتَحَقِّينَ بِالتَّسْوِيَةِ.
وَجَوَّزَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ تَغْيِيرَ صُورَةِ الْوَقْفِ لِلْمَصْلَحَةِ كَجَعْلِ الدُّورِ حَوَانِيتَ وَالْحُكُورَةِ مَشْهُورَةً، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ بِنَاءٍ بِبِنَاءٍ وَعَرْصَةٍ بِعَرْصَةٍ أَوَّلًا وَلَوْ وَقَفَ كُرُومًا عَلَى الْفُقَرَاءِ وَيَحْصُلُ عَلَى جِيرَانِهَا ضَرَرٌ يُعَوَّضُ عَنْهَا بِمَا لَا ضَرَرَ فِيهِ عَلَى الْجِيرَانِ وَيَعُودُ الْأَوَّلُ مِلْكًا، وَالثَّانِي وَقْفًا وَمَعَ الْحَاجَةِ يَجِبُ إبْدَالُ الْوَقْفِ بِمِثْلِهِ وَبِلَا حَاجَةٍ يَجُوزُ بِخَيْرٍ مِنْهُ لِظُهُورِ الْمَصْلَحَةِ وَهُوَ قِيَاسُ الْهَدْيِ وَهُوَ وَجْهٌ فِي الْمُنَاقَلَةِ وَمَالَ إلَيْهِ أَحْمَدُ وَنَقَلَ صَالِحٌ يَنْتَقِلُ الْمَسْجِدُ لِمَنْفَعَةِ النَّاسِ.
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُبَدَّلَ الْوَقْفُ بِمِثْلِهِ لِفَوَاتِ التَّعْيِينِ بِلَا حَاجَةٍ وَمَا حَصَلَ لِلْأَسِيرِ مِنْ رِيعِ الْوَقْفِ فَإِنَّهُ يَتَسَلَّمُهُ وَيَحْفَظُهُ وَكِيلُهُ وَمَنْ يَنْتَقِل إلَيْهِ بَعْدَهُ جَمِيعًا وَمَا فَضَلَ عَنْ حَاجَةِ الْمَسْجِدِ صُرِفَ إلَى مَسْجِدٍ آخَرَ لِأَنَّ الْوَاقِفَ لَهُ غَرَضٌ فِي الْجِنْسِ وَالْجِنْسُ وَاحِدٌ.
وَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ حَضَّ النَّاسَ عَلَى إعْطَاءِ الْمُكَاتَبِ فَلَوْ صُرِفَ إلَى الْمَسْجِدِ الثَّانِي فَفَضَلَ شَيْءٌ عَنْ حَاجَتِهِ فَصَرَفَهُ فِي الْمُكَاتَبِينَ. وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: وَيَجُوزُ صَرْفُهُ فِي سَائِرِ الْمَصَالِحِ وَبِنَاءِ مَسَاكِنَ لِمُسْتَحِقِّي رَيْعِهِ الْقَائِمِينَ بِمَصَالِحِهِ وَإِنْ عَلِمَ أَنَّ وَقْفَهُ يَبْقَى دَائِمًا وَجَبَ صَرْفُهُ لِأَنَّ بَقَاءَ صَرْفِهِ بَقَاءُ فَسَادٍ، وَلَا يَجُوزُ لِغَيْرِ النَّاظِرِ صَرْفُ الْفَاضِلِ، وَإِذَا وَقَفَ مَدْرَسَةً
стр. 2337
عَلَى الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَفَقِّهَةِ الْفُلَانِيَّةِ تُرْسَمُ سُكْنَاهُمْ وَاشْتِغَالُهُمْ فِيهَا فَلَا تَخْتَصُّ السُّكْنَى بِالْمُرْتَزِقَةِ مِنْ الْمَالِ بَلْ يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَ السُّكْنَى وَالرِّزْقِ مِنْ الْمَالِ بَلْ يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَ السُّكْنَى وَالِارْتِزَاقِ لِلشَّخْصِ الْوَاحِدِ وَيَجُوزُ السُّكْنَى مِنْ غَيْرِ ارْتِزَاقٍ كَمَا يَجُوزُ الِارْتِزَاقُ مِنْ غَيْرِ سُكْنَى وَلَا يَجُوزُ قَطْعُ أَحَدِ الصِّنْفَيْنِ إلَّا بِسَبَبٍ شَرْعِيٍّ إذَا كَانَ السَّاكِنُ مُشْتَغِلًا سَوَاءٌ كَانَ يَحْضُرُ الدَّرْسَ أَمْ لَا.
وَالْأَرْزَاقُ الَّتِي يُقَدِّرُهَا الْوَاقِفُونَ ثُمَّ يَتَغَيَّرُ النَّقْدُ فِيمَا بَعْدُ نَحْوُ أَنْ يَشْتَرِطَ مِائَةَ دِرْهَمٍ نَاصِرِيَّةً ثُمَّ يَحْرُمُ التَّعَامُلُ بِهَا وَتَصِيرُ الدَّرَاهِمُ ظَاهِرِيَّةً فَإِنَّهُ يُعْطَى الْمُسْتَحَقُّ مِنْ نَقْدِ الْبَلَدِ مَا قِيمَتُهُ قِيمَةَ الْمَشْرُوطِ وَلِوَلِيِّ الْأَمْرِ أَنْ يُنَصِّبَ دِيوَانًا مُسْتَوْفِيًا لِحِسَابِ أَمْوَالِ الْأَوْقَافِ عِنْدَ الْمَصْلَحَةِ وَلَهُ أَنْ يَفْرِضَ لَهُ عَلَى عَمَلِهِ مَا يَسْتَحِقُّهُ مِثْلُهُ مِنْ كُلِّ مَالٍ يَعْمَلُ فِيهِ بِمِقْدَارِ ذَلِكَ الْمَالِ وَإِذَا قَامَ الْمُسْتَوْفِي بِمَا عَلَيْهِ مِنْ الْعَمَلِ اسْتَحَقَّ مَا فُرِضَ لَهُ.
[بَابُ الْهِبَةِ]
ِ وَإِعْطَاءُ الْمَرْءِ الْمَالَ لِيُمْدَحَ وَيُثْنَى عَلَيْهِ مَذْمُومٌ وَإِعْطَاؤُهُ لِكَفِّ الظُّلْمِ وَالشَّرِّ عَنْهُ وَلِئَلَّا يُنْسَبَ إلَى الْبُخْلِ مَشْرُوعٌ بَلْ هُوَ مَحْمُودٌ مَعَ النِّيَّةِ الصَّالِحَةِ، وَالْإِخْلَاصُ فِي الصَّدَاقَةِ أَنْ لَا يَسْأَلَ عِوَضَهَا مِنْ الْمُعْطِي وَلَا يَرْجُو بَرَكَتَهُ وَخَاطِرَهُ وَلَا غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ الْأَقْوَالِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا﴾ [الإنسان: ٩] .
وَتُصْبِحُ هِبَةُ الْمَعْدُومِ كَالثَّمَرِ وَاللَّبَنِ بِالسَّنَةِ وَاشْتِرَاطُ الْقُدْرَةِ عَلَى التَّسْلِيمِ هُنَا فِيهِ نَظَرٌ بِخِلَافِ الْبَيْعِ وَتَصِحُّ هِبَةُ الْمَجْهُولِ كَقَوْلِهِ مَا أَخَذْتَ مِنْ مَالِي فَهُوَ لَك أَوْ مَنْ وَجَدَ شَيْئًا مِنْ مَالِي فَهُوَ لَهُ.
وَفِي جَمِيعِ هَذِهِ الصُّوَرِ يَحْصُلُ الْمِلْكُ بِالْقَبْضِ وَنَحْوِهِ وَلِلْمُبِيحِ أَنْ يَرْجِعَ فِيمَا قَالَ قَبْلَ التَّمَلُّكِ وَهَذَا نَوْعُ الْهِبَةِ يَتَأَخَّرُ الْقَبُولُ فِيهِ عَنْ الْإِيجَابِ كَثِيرًا وَلَيْسَ بِإِبَاحَةٍ، وَتَجْهِيزُ الْمَرْأَةِ بِجَهَازِهَا إلَى بَيْتِ زَوْجِهَا تَمْلِيكٌ. قَالَ الْقَاضِي قِيَاسُ قَوْلِنَا فِي بَيْعِ الْمُعْطَاةِ أَنَّهُ تَمْلِكُهُ بِذَلِكَ وَأَفْتَى بِهِ بَعْضُ أَصْحَابِنَا وَأَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ وَغَيْرُهُمْ.
قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: وَيَظْهَرُ لِي صِحَّةُ هِبَةِ الصُّوفِ عَلَى الظَّهْرِ قَوْلًا وَاحِدًا وَقَاسَهُ أَبُو الْخَطَّابِ
стр. 2338
عَلَى الْبَيْعِ.
وَالصَّدَقَةُ أَفْضَلُ مِنْ الْهِبَةِ إلَّا لِقَرِيبٍ يَصِلُ بِهَا رَحِمَهُ أَوْ أَخٍ لَهُ فِي اللَّهِ تَعَالَى فَقَدْ تَكُونُ أَفْضَلَ مِنْ الصَّدَقَةِ وَمِنْ الْعَدْلِ الْوَاجِبِ مَنْ لَهُ يَدٌ أَوْ نِعْمَةٌ أَنْ يُجْزِئَهُ بِهَا وَالْهِبَةُ تَقْتَضِي عِوَضًا مَعَ الصَّرْفِ.
وَلَا يَجُوزُ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَقْبَلَ هَدِيَّةً مِنْ شَخْصٍ لِيَشْفَعَ لَهُ عِنْدَ ذِي أَمْرٍ أَوْ أَنْ يَرْفَعَ عَنْهُ مَظْلِمَةً أَوْ يُوصِلَ إلَيْهِ حَقَّهُ أَوْ يُوَلِّيَهُ لِأَنَّهُ يَسْتَحِقُّهَا، أَوْ يَسْتَخْدِمَهُ فِي الْجُنْدِ الْمُقَاتِلَةِ وَهُوَ مُسْتَحِقٌّ لِذَلِكَ.
وَيَجُوزُ لِلْمُهْدِي أَنْ يَبْذُلَ فِي ذَلِكَ مَا يَتَوَصَّلُ بِهِ إلَى أَخْذِ حَقِّهِ أَوْ دَفْعِ الظُّلْمِ عَنْهُ وَهُوَ الْمَنْقُولُ عَنْ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ الْأَكَابِرِ وَفِيهِ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ، وَنَقَلَ يَعْقُوبُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ: لَا يَنْبَغِي لِلْخَاطِبِ إذَا خَطَبَ لِقَوْمٍ أَنْ يَقْبَلَ لَهُمْ هَدِيَّةً. قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: هَذَا خَاطِبُ الرَّجُلِ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ لَا تَبْذُلُ وَإِنَّمَا الزَّوْجُ يَبْذُلُ، وَتَصِحُّ الْعُمْرَى وَيَكُونُ لِلْمُعَمِّرِ وَلِوَرَثَتِهِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُعَمِّرُ عَوْدَهَا إلَيْهِ فَيَصِحُّ الشَّرْطُ - وَهُوَ بِقَوْلِ طَائِفَةٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ.
وَلَا يَدْخُلُ الزَّوْجَانِ فِي قَوْلِهِ وَلِعَقِبِك وَإِذَا تَفَاسَخَا عَقْدَ الْهِبَةِ صَحَّ وَلَا يُفْتَقَرُ إلَى قَبْضِ الْمَوْهُوبِ وَتَكُونُ الْعَيْنُ أَمَانَةً فِي يَدِ الْمُتَّهِبِ بِخِلَافِ الْبَيْعِ فِي وَجْهٍ وَيَجِبُ التَّعْدِيلُ فِي عَطِيَّةِ أَوْلَادِهِ عَلَى حَسَبِ مِيرَاثِهِمْ وَهُوَ مَذْهَبُ أَحْمَدَ مُسْلِمًا كَانَ الْوَلَدُ أَوْ ذِمِّيًّا وَلَا يَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ أَوْلَادِهِ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَلَا يَجِبُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ سَائِرِ الْأَقَارِبِ الَّذِينَ لَا يَرِثُونَ كَالْأَعْمَامِ وَالْإِخْوَةِ مَعَ وُجُودِ الْأَبِ وَيُتَوَجَّهُ فِي الْبَنِينَ التَّسْوِيَةُ كَآبَائِهِمْ، فَإِنْ فَضَلَ حَيْثُ مَنَعْنَاهُ فَعَلَيْهِ التَّسْوِيَةُ أَوْ الرَّدُّ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عَلَى الْفَوْرِ وَإِذَا سَوَّى بَيْنَ أَوْلَادِهِ فِي الْعَطَاءِ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِي عَطِيَّةِ بَعْضِهِمْ وَالْحَدِيثُ وَالْآثَارُ تَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ التَّعْدِيلِ بَيْنَهُمْ فِي غَيْرِ التَّمْلِيكِ أَيْضًا وَهُوَ فِي مَالِهِ وَمَنْفَعَتِهِ الَّتِي مَلَّكَهُمْ وَاَلَّذِي أَبَاحَهُمْ كَالْمَسْكَنِ وَالطَّعَامِ ثُمَّ هُنَا نَوْعَانِ نَوْعٌ يَحْتَاجُونَ إلَيْهِ مِنْ النَّفَقَةِ فِي الصِّحَّةِ وَالْمَرَضِ وَنَحْوُ ذَلِكَ فَتَعْدِيلُهُ فِيهِ أَنْ يُعْطِيَ كُلَّ وَاحِدٍ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ.
وَلَا فَرْقَ بَيْنَ مُحْتَاجِ قَلِيلٍ أَوْ كَثِيرٍ، وَنَوْعٌ تَشْتَرِكُ حَاجَتُهُمْ إلَيْهِ مِنْ عَطِيَّةٍ أَوْ نَفَقَةٍ أَوْ تَزْوِيجٍ فَهَذَا لَا رَيْبَ فِي تَحْرِيمِ التَّفَاضُلِ فِيهِ وَيَنْشَأُ مِنْ بَيْنِهِمَا نَوْعٌ ثَالِثٌ وَهُوَ أَنْ يَنْفَرِدَ
стр. 2339
أَحَدُهُمَا بِحَاجَةٍ غَيْرِ مُعْتَادَةٍ مِثْلُ أَنْ يَقْضِيَ عَنْ أَحَدِهِمَا دَيْنًا وَجَبَ عَلَيْهِ مِنْ أَرْشِ جِنَايَةٍ أَوْ يُعْطِيَ عَنْهُ الْمَهْرَ أَوْ يُعْطِيَهُ نَفَقَةَ الزَّوْجَةِ وَنَحْوَ ذَلِكَ فَفِي وُجُوبِ إعْطَاءِ الْآخَرِ مِثْلَ ذَلِكَ نَظَرٌ وَتَجْهِيزُ الْبَنَاتِ بِالنِّحَلِ أَشْبَهُ وَقَدْ يُلْحَقُ بِهَذَا وَالْأَشْبَهُ أَنْ يُقَالَ فِي هَذَا أَنَّهُ يَكُونُ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ زَادَ عَلَى الْمَعْرُوفِ فَهُوَ مِنْ بَابِ النِّحَلِ وَلَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا مُحْتَاجًا دُونَ الْآخَرِ أَنْفَقَ عَلَيْهِ قَدْرَ كِفَايَتِهِ.
وَأَمَّا الزِّيَادَةُ فَمِنْ النِّحَلِ فَلَوْ كَانَ أَحَدُ الْأَوْلَادِ فَاسِقًا فَقَالَ وَالِدُهُ: لَا أُعْطِيك نَظِيرَ إخْوَتِك حَتَّى تَتُوبَ فَهَذَا حَسَنٌ يَتَعَيَّنُ اسْتِثْنَاؤُهُ وَإِذَا امْتَنَعَ مِنْ التَّوْبَةِ فَهُوَ الظَّالِمُ فَإِنْ تَابَ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يُعْطِيَهُ.
وَأَمَّا إنْ امْتَنَعَ مِنْ زِيَادَةِ الدَّيْنِ لَمْ يَجُزْ مَنْعُهُ فَلَوْ مَاتَ الْوَالِدُ قَبْلَ التَّسْوِيَةِ الْوَاجِبَةِ فَلِلْبَاقِينَ الرُّجُوعُ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَاخْتِيَارُ ابْنِ بَطَّةَ وَأَبِي حَفْصٍ وَأَمَّا الْوَلَدُ الْمُفَضَّلُ يَنْبَغِي لَهُ الرَّدُّ بَعْدَ الْمَوْتِ قَوْلًا وَاحِدًا وَهَلْ يَطِيبُ لَهُ الْإِمْسَاكُ إذَا قُلْنَا لَا يُجْبَرُ عَلَى الرَّدِّ. كَلَامُ أَحْمَدَ يَقْتَضِي رِوَايَتَيْنِ فَقَالَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْحَكَمِ وَإِذَا مَاتَ الَّذِي فَضَّلَ لَمْ أُطَيِّبْهُ لَهُ وَلَمْ أُجْبِرْ عَلَى رَدِّهِ وَظَاهِرُهُ التَّحْرِيمُ وَنُقِلَ عَنْهُ أَيْضًا.
قُلْت: فَتَرَى الَّذِي فَضَّلَ أَنْ يَرُدَّهُ قَالَ إنْ فَعَلَ فَهُوَ أَجْوَدُ وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ لَمْ أُجْبِرْهُ وَظَاهِرُهُ الِاسْتِحْبَابُ وَإِذَا قُلْنَا يَرُدُّهُ بَعْدَ الْمَوْتِ فَالْوَصِيُّ يَفْعَلُ ذَلِكَ فَلَوْ مَاتَ الثَّانِي قَبْلَ الرَّدِّ وَالْمَالُ بِحَالِهِ رَدَّهُ أَيْضًا لَكِنْ لَوْ قُسِمَتْ تَرِكَةُ الثَّانِي قَبْلَ الرَّدِّ أَوْ بِيعَتْ أَوْ وُهِبَتْ فَهَا هُنَا فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الْقِسْمَةَ وَالْقَبْضَ بِقُرْبِ الْعُقُودِ الْجَاهِلِيَّةِ وَهَذَا فِيهِ تَأْوِيلٌ.
وَكَذَلِكَ لَوْ تَصَرَّفَ الْمُفَضَّلُ فِي حَيَاةِ أَبِيهِ بِبَيْعٍ أَوْ هِبَةٍ وَاتَّصَلَ بِهِمَا الْقَبْضُ فَفِي الرَّدِّ نَظَرٌ إلَّا أَنَّ هَذَا مُتَّصِلٌ بِالْقَبْضِ فِي الْعُقُودِ الْفَاسِدَةِ وَلِلْأَبِ الرُّجُوعُ فِيمَا وَهَبَهُ لِوَلَدِهِ مَا لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حَقٌّ أَوْ رَغْبَةٌ فَلَا يَرْجِعُ بِقَدْرِ الدَّيْنِ وَقَدْرِ الرَّغْبَةِ وَيَرْجِعُ فِيمَا زَادَ.
وَعَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ فِيمَا إذَا تَصَدَّقَ عَلَى وَلَدِهِ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِيهِ رِوَايَتَانِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الصَّدَقَةَ نَوْعٌ مِنْ الْهِبَةِ أَوْ نَوْعٌ مُسْتَقِلٌّ وَعَلَى ذَلِكَ يَبْنِي مَا لَوْ حَلَفَ لَا يَهَبُ فَتَصَدَّقَ هَلْ يَجِبُ عَلَى وَجْهَيْنِ.
وَالصَّدَقَةُ أَفْضَلُ مِنْ الْهِبَةِ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي الْهَدِيَّةِ مَعْنًى تَكُونُ بِهِ أَفْضَلَ مِثْلُ الْإِهْدَاءِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَحَبَّةً لَهُ وَمِثْلُ الْإِهْدَاءِ لِقَرِيبٍ يَصِلُ بِهِ الرَّحِمَ أَوْ أَخٍ لَهُ فِي اللَّهِ
стр. 2340
فَهَذَا قَدْ يَكُونُ أَفْضَلَ مِنْ الصَّدَقَةِ وَيَرْجِعُ الْأَبُ فِيمَا أَبْرَأَ مِنْهُ ابْنَهُ مِنْ الدُّيُونِ عَلَى قِيَاسِ الْمَذْهَبِ كَمَا لِلْمَرْأَةِ عَلَى أَحَدِ الرِّوَايَتَيْنِ الرُّجُوعُ عَلَى زَوْجِهَا فِيمَا أَبْرَأَتْهُ مِنْ الصَّدَاقِ وَيَمْلِكُ الْأَبُ إسْقَاطَ دَيْنِ الِابْنِ عَنْ نَفْسِهِ.
وَلَوْ قَتَلَ ابْنَهُ عَمْدًا لَزِمَتْهُ الدِّيَةُ فِي مَالِهِ نَصَّ عَلَيْهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَكَذَا لَوْ جَنَى عَلَى طَرَفِهِ لَزِمَتْهُ دِيَتُهُ وَإِذَا أَخَذَ مِنْ مَالِ وَلَدِهِ شَيْئًا ثُمَّ انْفَسَخَ سَبَبُ اسْتِحْقَاقِهِ بِحَيْثُ وَجَبَ رَدُّهُ إلَى الَّذِي كَانَ مَالِكَهُ مِثْلُ أَنْ يَأْخُذَ صَدَاقَهَا فَتَطْلُقَ أَوْ يَأْخُذَ الثَّمَنَ ثُمَّ تُرَدُّ السِّلْعَةُ بِعَيْبٍ أَوْ يَأْخُذَ الْمَبِيعَ ثُمَّ يُفْلِسُ الْوَلَدُ بِالثَّمَنِ وَنَحْوُ ذَلِكَ فَالْأَقْوَى فِي جَمِيعِ الصُّوَرِ أَنَّ لِلْمَالِكِ الْأَوَّلِ الرُّجُوعَ عَلَى الْأَبِ وَلِلْأَبِ أَنْ يَتَمَلَّكَ مِنْ مَالِ وَلَدِهِ مَا شَاءَ مَا لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حَقٌّ كَالرَّهْنِ وَالْفَلَسِ وَإِنْ تَعَلَّقَ بِهِ رَغْبَةٌ كَالْمُدَايَنَةِ وَالْمُنَاكَحَةِ وَقُلْنَا يَجُوزُ الرُّجُوعُ فِي الْهِبَةِ فَفِي التَّمْلِيكِ نَظَرٌ.
وَلَيْسَ لِلْأَبِ الْكَافِرِ تَمَلُّكُ مَالِ وَلَدِهِ الْمُسْلِمِ لَا سِيَّمَا إذَا كَانَ الْوَلَدُ كَافِرًا فَأَسْلَمَ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِي عَطِيَّتِهِ إذَا كَانَ وَهَبَهُ فِي حَالِ الْكُفْرِ فَأَسْلَمَ الْوَلَدُ فَأَمَّا إذَا وَهَبَهُ فِي حَالِ إسْلَامِ الْوَلَدِ فَفِيهِ نَظَرٌ.
وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ فَأَمَّا الْأَبُ وَالْأُمُّ الْكَافِرَةُ فَهَلْ لَهُمَا أَنْ يَتَمَلَّكَا مَالَ الْوَلَدِ الْمُسْلِمِ أَوْ يَرْجِعَا فِي الْهِبَةِ يُتَوَجَّهُ أَنْ يَخْرُجَ فِيهِ وَجْهَانِ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي وُجُوبِ النَّفَقَةِ مَعَ اخْتِلَافِ الدِّينِ بَلْ يُقَالُ: إنْ قُلْنَا: لَا تَجِبُ النَّفَقَةُ مَعَ اخْتِلَافِ الدِّينِ فَالتَّمَلُّك أَبْعَدُ وَإِنْ قُلْنَا: تَجِبُ النَّفَقَةُ فَالْأَشْبَهُ لَيْسَ لَهُمَا التَّمَلُّكُ، وَالْأَشْبَهُ أَنَّهُ لَيْسَ لِلْأَبِ الْمُسْلِمِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ مَالِ وَلَدِهِ الْكَافِرِ شَيْئًا فَإِنَّ أَحْمَدَ عَلَّلَ الْفَرْقَ بَيْنَ الْأَبِ وَغَيْرِهِ وَبِأَنَّ الْأَبَ يَجُوزُ أَخْذُهُ مِنْ مَالِ ابْنِهِ وَمَعَ اخْتِلَافِ الدِّينِ لَا يَجُوزُ وَالْأَشْبَهُ فِي زَكَاةِ دَيْنِ الِابْنِ عَلَى الْأَبِ أَنْ يَكُونَ بِمَنْزِلَةِ الْمَالِ التَّاوِي كَالضَّالِّ فَيَخْرُجُ فِيهِ مَا خَرَجَ فِي ذَلِكَ وَهَلْ يَمْنَعُ دَيْنُ الْأَبِ وُجُوبَ الزَّكَاةِ وَالْحَجِّ وَصَدَقَةَ الْفِطْرِ وَالْكَفَّارَةَ الْمَالِيَّةَ وَشِرَاءَهُ الْعَتِيقَ. يَتَوَجَّهُ أَنَّهُ لَا يَمْنَعُ ذَلِكَ لِقُدْرَتِهِ عَلَى إسْقَاطِهِ وَيَتَوَجَّهُ أَنْ يَمْنَعَ لِأَنَّ وَفَاءَهُ قَدْ يَكُونُ خَيْرًا لَهُ وَلِوَلَدِهِ وَعُقُوبَةُ الْأُمِّ وَالْجَدِّ عَلَى مَالِ الْوَلَدِ قِيَاسُ قَوْلِهِمْ: إنَّهُ لَا يُعَاقِبُ عَلَى الدَّمِ وَالْعِرْضِ أَنْ لَا يَكُونَ عَلَيْهِمَا حَبْسٌ وَلَا ضَرْبٌ لِلِامْتِنَاعِ مِنْ الْأَدَاءِ.
وَقَوْلُهُ ﵇ «أَنْتَ وَمَالُك لِأَبِيك» يَقْتَضِي إبَاحَةَ نَفْسِهِ كَإِبَاحَةِ مَالِهِ وَهُوَ نَظِيرُ قَوْلِ مُوسَى ﵇ ﴿لا أَمْلِكُ إِلا نَفْسِي وَأَخِي﴾ [المائدة: ٢٥] .
وَهُوَ يَقْتَضِي جَوَازَ اسْتِخْدَامِهِ وَأَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْوَلَدِ خِدْمَةُ أَبِيهِ وَيُقَوِّيه
стр. 2341
جَوَازُ مَنْعِهِ مِنْ الْجِهَادِ وَالسَّفَرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فِيمَا يُفَوِّتُ انْتِفَاعَهُ بِهِ. لَكِنَّ هَذَا يَشْتَرِكُ فِيهِ الْأَبَوَانِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ خَصَّ الْأَبَ بِالْمَالِ وَأَمَّا مَنْفَعَةُ الْبَدَنِ فَيَشْتَرِكَانِ فِيهَا وَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ جَوَازُ أَنْ يُؤَجِّرَ وَلَدَهُ لِنَفْسِهِ مَعَ فَائِدَةٍ فَيَشْتَرِكَانِ فِيهَا وَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ جَوَازُ أَنْ يُؤَجِّرَهُ لِنَفْسِهِ مَعَ فَائِدَةِ الْوَلَدِ مِثْلُ أَنْ يَتَعَلَّمَ صَنْعَةً أَوْ حَاجَةَ الْأَبِ وَإِلَّا فَلَا وَيُسْتَثْنَى مَا لِلْأَبِ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْ سُرِّيَّةِ الِابْنِ إنْ لَمْ تَكُنْ أُمَّ وَلَدٍ فَإِنَّهَا تُلْحَقُ بِالزَّوْجَةِ وَنَصَّ عَلَيْهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ وَعَنْهُ أَلْحَقْنَا سُرِّيَّةَ الْعَبْدِ بِزَوْجَتِهِ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي أَنَّ السَّيِّدَ لَا يَنْتَزِعُهَا وَلَا يَبْطُلُ إبْرَاءُ الزَّوْجَةِ الزَّوْجَ بِدَعْوَاهَا السَّفَهَ وَلَوْ مَعَ بَيِّنَةِ أَنَّهَا سَفِيهَةٌ وَلَمْ يَجِبْ الْحَجْرُ وَلَوْ أَبْرَأَتْهُ وَوَلَدَتْ عِنْدَهُ وَمَالُهَا بِيَدِهَا تَتَصَرَّفُ فِيهِ لَمْ يُصَدَّقْ أَبُوهَا أَنَّهَا كَانَتْ سَفِيهَةً يَجِبُ حَجْرُهَا بِلَا بَيِّنَةٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 2342
[كِتَابُ الْوَصِيَّةِ]
ِ وَتَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِالرُّؤْيَا الصَّادِقَةِ الْمُقْتَرِنَةِ بِمَا يَدُلُّ عَلَى صِدْقِهَا إقْرَارَ كَاتِبٍ أَوْ إنْشَاءٌ لِقِصَّةِ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ الَّتِي نَقَضَهَا الصِّدِّيقُ ﵁ وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي الْكَشْفِ هَلْ هُوَ طَرِيقٌ لِلْأَحْكَامِ فَنَفَاهُ ابْنُ حَامِدٍ وَالْقَاضِي وَأَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ وَقَالَ الْقَاضِي إنَّ فِي كَلَامِ أَحْمَدَ فِي ذَمِّ الْمُتَكَلِّمِينَ عَلَى الْوَسْوَاسِ وَالْخَطَرَاتِ إشَارَةٌ إلَى هَؤُلَاءِ وَأَثْبَتَهُ طَائِفَةٌ مِنْ الصُّوفِيَّةِ وَبَعْضُ الْفُقَهَاءِ وَالْمَقْصُودُ أَنَّ التَّصَرُّفَ بِنَاءً عَلَى ذَلِكَ جَائِزٌ وَإِنْ لَمْ يَجُزْ الرُّجُوعُ إلَيْهِ فِي الْأَحْكَامِ لِأَنَّ عُمْدَةَ التَّصَرُّفِ عَلَى غَلَبَةِ الظَّنِّ بِأَيِّ طَرِيقٍ كَانَ بِخِلَافِ الْأَحْكَامِ فَإِنَّ طُرُقَهَا مَضْبُوطَةٌ.
وَقَوْلُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ مِنْ السَّلَفِ وَصِيَّةُ الصَّبِيِّ صَحِيحَةٌ إذَا أَصَابَ الْحَقَّ يَحْتَمِلُ بَادِئَ الرَّأْيِ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ إذَا أَوْصَى بِمَا يَجُوزُ لِلْبَائِعِ لَكِنَّ هَذَا فِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّ هَذَا الشَّرْطَ ثَابِتٌ فِي حَقِّ كُلِّ مُوصٍ فَلَا حَاجَةَ إلَى تَخْصِيصِ الصَّبِيِّ بِهِ وَالثَّانِي أَنَّهُ إذَا أَوْصَى بِمَا يُسْتَحَبُّ أَنْ يُوصِيَ بِهِ مِثْلُ أَنْ يُوصِيَ لِأَقَارِبِهِ الَّذِينَ لَا يَرِثُونَ فَعَلَى هَذَا فَلَوْ أَوْصَى لِبَعِيدٍ دُونَ الْقَرِيبِ الْمُحْتَاجِ لَمْ تَنْفُذُ وَصِيَّتُهُ بِخِلَافِ الْبَائِعِ لِأَنَّ الصَّبِيَّ لَمَّا كَانَ قَاصِرَ التَّصَرُّفِ فَلَا بُدَّ أَنْ يُنَظِّمَ إلَيْهِ نَظَرُ الشَّرْعِ كَمَا إذَا احْتَاجَ بَيْعُهُ إلَى إذْنِ الْوَلِيِّ وَكَذَلِكَ إحْرَامُهُ بِالْحَجِّ عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ أَصْحَابَنَا عَلَّلُوا الصِّحَّةَ بِأَنَّهُ إنْ مَاتَ كَانَ صَرْفُ مَا أَوْصَى بِهِ إلَى جِهَةِ الْقُرَبِ وَمَا يَحْصُلُ لَهُ بِهِ الثَّوَابُ أَوْلَى مَتَى صَرَفَهُ إلَى وَرَثَتِهِ وَهَذَا إنَّمَا يَتِمُّ فِي الْوَصِيَّةِ الْمُسْتَحَبَّةِ فَأَمَّا إنْ كَانَ الْمَالُ قَلِيلًا وَالْوَرَثَةُ فُقَرَاءَ فَتَرْكُ الْمَالِ أَفْضَلُ. قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ:
وَمَا أَظُنُّهُمْ قَصَدُوا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ إلَّا هَذَا وَتَنْفُذُ الْوَصِيَّةُ بِالْخَطِّ الْمَعْرُوفِ وَكَذَا الْإِقْرَارُ إذَا وُجِدَ فِي دَفْتَرِهِ وَهُوَ مَذْهَبُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَلَا تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ
стр. 2343
لِوَارِثِ بِغَيْرِ رِضَى الْوَرَثَةِ وَيَدْخُلُ وَارِثُهُ فِي الْوَصِيَّةِ الْعَامَّةِ بِالْأَوْصَافِ دُونَ الْأَعْيَانِ وَلَكِنْ نَصَّ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي الْوَصِيَّةِ أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ بِخِلَافِ هَذَا.
وَأَفْتَى أَبُو الْعَبَّاسِ لِمَنْ نَذَرَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِثِيَابِهِ وَلَهُ أَبٌ فَقِيرٌ أَنْ يَصْرِفَهَا إلَيْهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
وَلَوْ أَوْصَى بِوَقْفِ ثُلُثِهِ فَأَخَّرَ الْوَقْفَ حَتَّى نَمَا فَنَمَاؤُهُ يُصْرَفُ مَصْرِفَ نَمَاءِ الْوَقْفِ
وَلَوْ وَصَّى أَنْ يُصَلِّيَ عَنْهُ بِدَرَاهِمَ لَمْ تَنْفُذْ وَصِيَّتُهُ وَتُصْرَفُ الدَّرَاهِمُ فِي الصَّدَقَةِ وَيَخُصُّ أَهْلَ الصَّلَاةِ
وَلَوْ وَصَّى أَنْ يَشْتَرِيَ مَكَانًا مُعَيَّنًا وَيُوقِفَ عَلَى جِهَةِ بِرٍّ فَلَمْ يُبَعْ ذَلِكَ الْمَكَانَ اشْتَرَى مَكَانًا آخَرَ وَوَقَفَ عَلَى الْجِهَةِ الَّتِي وَصَّى بِهَا الْمُوصِي.
وَقَدْ ذَكَرَ الْعُلَمَاءُ فِيمَا إذَا قَالَ بِيعُوا غُلَامِي مِنْ زَيْدٍ وَتَصَدَّقُوا بِثَمَنِهِ فَامْتَنَعَ زَيْدٌ مِنْ شِرَائِهِ فَإِنَّهُ يُبَاعُ مِنْ غَيْرِهِ وَيُتَصَدَّقُ بِثَمَنِهِ
وَلَوْ وَصَّى بِمَالٍ يُنْفَقُ عَلَى وَجْهٍ مَكْرُوهٍ صُرِفَ فِي الْقُرَبِ
وَلَوْ وَصَّى أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ زَيْدٌ تَطَوُّعًا بِأَلْفٍ فَيُتَوَجَّهُ أَنَّهُ إذَا أَبَى الْمُعَيَّنُ الْحَجَّ حَجَّ عَنْهُ غَيْرُهُ.
وَكَذَا إذَا مَاتَ أَوْ مَاتَ الْفَرَسُ الْحَبِيسُ صُرِفَ مَا وَصَّى لِلنَّفَقَةِ عَلَيْهِ فِي مِثْلِهِ وَلَوْ اسْتَغْنَى الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ لِفَقْرِهِ رَدَّ الْفَضْلَ فِي مِثْلِهِ وَقَدْ يُتَوَجَّهُ فِي الْوَصِيَّةِ لِمُعَيَّنٍ يَقْصِدُ وَصْفَهُ لِفَقْرٍ إنْ عَلِمَ وَنَحْوُ ذَلِكَ إذَا أَرَادَ أَنْ يَصْرِفَ إلَى مِثْلِهِ وَلَوْ جَمَعَ كَفَنَ مَيِّتٍ فَكُفِّنَ وَفَضَلَ مِنْ ثَمَنِهِ شَيْءٌ صُرِفَ فِي تَكْفِينِ الْمَوْتَى أَوْ رُدَّ إلَى الْمُعْطِي. وَكَلَامُ أَحْمَدَ يَقْتَضِيه فِي رِوَايَةٍ وَيَقْبَلُ فِي تَفْسِيرِ الْمُوصِي مُرَادَهُ وَافَقَ ظَاهِرَ اللَّفْظِ أَوْ خَالَفَهُ.
وَفِي الْوَقْفِ يَقْبَلُ فِي الْأَلْفَاظِ الْمُجْمَلَةِ وَالْمُتَعَارِضَةِ وَلَوْ فَسَّرَهُ بِمَا يُخَالِفُ الظَّاهِرَ فَقَدْ يَحْتَمِلُ الْقَبُولَ كَمَا لَوْ قَالَ عَبْدِي أَوْ جُبَّتِي أَوْ ثَوْبِي وَقْفٌ وَفَسَّرَهُ بِمُعَيَّنٍ وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُهُ الْعُمُومَ وَهَذَا أَصْلٌ عَظِيمٌ فِي الْإِنْشَاءَاتِ الَّتِي يَسْتَقِلُّ بِهَا دُونَ الَّتِي لَا يَسْتَقِلُّ بِهَا كَالْبَيْعِ وَنَحْوِهِ.
[بَابُ تَبَرُّعَاتِ الْمَرِيضِ]
ِ لَيْسَ مَعْنَى الْمَرَضِ الْمَخُوفِ الَّذِي يَغْلِبُ عَلَى الْقَلْبِ الْمَوْتُ مِنْهُ أَوْ يَتَسَاوَى فِي الظَّنِّ جَانِبُ الْبَقَاءِ وَالْمَوْتِ لِأَنَّ أَصْحَابَنَا جَعَلُوا ضَرْبَ الْمُحَاصِّ مِنْ الْأَمْرَاضِ الْمَخُوفَةِ وَلَيْسَ الْهَلَاكُ غَالِبًا وَلَا مُسَاوِيًا لِلسَّلَامَةِ وَإِنَّمَا الْغَرَضُ أَنْ يَكُونَ سَبَبًا صَالِحًا لِلْمَوْتِ فَيُضَافُ إلَيْهِ وَيَجُوزُ حُدُوثُهُ عِنْدَهُ، وَأَقْرَبُ مَا يُقَالُ مَا يَكْثُرُ حُصُولُ الْمَوْتِ مِنْهُ فَلَا عِبْرَةَ بِمَا يَنْدُرُ وُجُودُ الْمَوْتِ مِنْهُ وَلَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْمَوْتُ مِنْهُ أَكْثَرَ مِنْ السَّلَامِ لَكِنْ يَبْقَى مَا لَيْسَ
стр. 2344
مَخُوفًا عِنْدَ أَكْثَرِ النَّاسِ وَالْمَرِيضُ قَدْ يَخَافُ مِنْهُ أَوْ هُوَ مَخُوفٌ وَالرَّجُلُ لَمْ يَلْتَفِتْ إلَى ذَلِكَ فَيُخْلَطُ مَا هُوَ مَخُوفٌ لِلْمُتَبَرِّعِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَخُوفًا عِنْدَ جُمْهُورِ النَّاسِ، ذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ الْمَوْهُوبَ لَهُ لَا يَقْبِضُ الْهِبَةَ وَيَتَصَرَّفُ فِيهَا مَعَ كَوْنِهَا مَوْقُوفَةً عَلَى الْإِجَازَةِ وَهَذَا ضَعِيفٌ وَاَلَّذِي يَنْبَغِي أَنَّ تَسْلِيمَ الْمَوْهُوبِ إلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ لَمْ يَذْهَبْ لِعِلَّةٍ حَيْثُ شَاءَ. وَإِرْسَالُ الْعَبْدِ الْمُعْتَقِ أَوْ إرْسَالُ الْمُحَابِي لَا يَجُوزُ بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يُوقَفَ أَمْرُ التَّبَرُّعَاتِ عَلَى وَجْهٍ يَتَمَكَّنُ الْوَارِثُ مِنْ رَدِّهَا بَعْدَ الْمَوْتِ إذَا شَاءَ وَلِتِلْكَ الْوَرَثَةِ أَنْ يَحْجُرُوا عَلَى الْمَرِيضِ إذَا اتَّهَمُوهُ بِأَنَّهُ تَبَرَّعَ بِمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ مِثْلُ أَنْ يَتَصَدَّقَ وَيَهَبَ وَيُحَابِيَ وَلَا يَحْسِبُ ذَلِكَ أَوْ يَخَافُونَ أَنْ يُعْطِيَ بَعْضَ الْمَالِ لِإِنْسَانٍ يَمْتَنِعُ عَطِيَّتُهُ وَنَحْوُ ذَلِكَ.
وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الْمَالُ بِيَدِ وَكِيلٍ أَوْ شَرِيكٍ أَوْ مُضَارِبٍ وَأَرَادُوا الِاحْتِيَاطَ عَلَى مَا بِيَدِهِ بِأَنْ يَجْعَلُوا مَعَهُ يَدًا أُخْرَى لَهُمْ فَالْأَظْهَرُ أَنَّهُمْ يَمْلِكُونَ ذَلِكَ أَيْضًا وَهَكَذَا يُقَالُ فِي كُلِّ عَيْنٍ تَعَلَّقَ بِهَا حَقُّ الْعَبْدِ كَالْعَبْدِ الْجَانِي وَالتَّرِكَةِ فَأَمَّا الْمُكَاتَبُ فَلِلسَّيِّدِ أَنْ يُثْبِتَ يَدَهُ عَلَى مَالِهِ فَيُمْكِنُ الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ هَذَا بِأَنَّ الْعَبْدَ قَدْ ائْتَمَنَهُ بِدُخُولِهِ مَعَهُ فِي الْكِتَابَةِ بِخِلَافِ الْمَرِيضِ وَوَكِيلِهِ فَإِنَّ الْوَرَثَةَ لَمْ يَأْتَمِنُوهُ وَدَعْوَى الْمَرِيضِ فِيمَا خَرَجَ مِنْ الْعَادَةِ يَنْبَغِي أَنْ تُعْتَبَرَ مِنْ الثُّلُثِ، وَمَنَافِعُهُ لَا تُحْسَبُ مِنْ الثُّلُثِ وَإِسْرَافُ الْمَرِيضِ فِي الْمَلَاذِّ وَالشَّهَوَاتِ ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَجَوَازُهُ مَحَلُّ وِفَاقٍ.
وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ وَلَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ يَا سَالِمُ إذَا أَعْتَقْتُ غَانِمًا فَأَنْتَ حُرٌّ وَقَالَ أَنْت حُرٌّ فِي حَالِ إعْتَاقِي إيَّاهُ ثُمَّ أَعْتَقَ غَانِمًا فِي مَرَضِهِ وَلَمْ يَحْتَمِلْهُمَا الثُّلُثُ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ وَهُوَ الْأَوْجَهُ أَنْ يُقْرِعَ بَيْنَهُمَا وَإِذَا خَرَجَتْ الْقُرْعَةُ لِسَالِمٍ عَتَقَ دُونَ غَانِمٍ نَعَمْ لَوْ قَالَ إذَا أَعْتَقْتُ سَالِمًا فَغَانِمٌ حُرٌّ أَوْ قَالَ إذَا أَعْتَقْتُ سَالِمًا فَغَانِمٌ حُرٌّ بَعْدَ حُرِّيَّتِهِ فَبِهَذَا يَعْتِقُ سَالِمٌ وَحْدَهُ لِأَنَّ عِتْقَ غَانِمٍ مُعَلَّقٌ بِوُجُودِ عِتْقِهِ لَا بِوُجُودِ إعْتَاقِهِ وَلَوْ وَصَّى لِوَارِثٍ أَوَّلًا حِينَ يُزَايِدُ عَلَى الثُّلُثِ فَأَجَازَ الْوَرَثَةُ الْوَصِيَّةَ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي صَحَّتْ الْإِجَازَةُ بِلَا نِزَاعٍ وَكَذَا قَبْلَهُ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ وَخَرَّجَهُ طَائِفَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ رِوَايَةً مِنْ سُقُوطِ الشُّفْعَةِ بِإِسْقَاطِهَا قَبْلَ الْبَيْعِ، وَإِنْ أَجَازَ الْوَارِثُ الْوَصِيَّةَ وَقَالَ: ظَنَنْت قِيمَتَهُ أَلْفًا فَبَانَتْ أَكْثَرَ قُبِلَ وَكَذَا لَوْ أَجَازَ الْوَرَثَةُ أَصْلَ الْوَصِيَّةِ.
стр. 2345
[بَابُ الْمُوصَى لَهُ]
وَتَصِحُّ الْوَصِيَّةُ لِلْحَمْلِ وَقِيَاسُ الْمَنْصُوصِ فِي الطَّلَاقِ أَنَّهَا إذَا وَضَعَتْهُ لِتِسْعَةِ أَشْهُرٍ اسْتَحَقَّ الْوَصِيَّةَ وَإِنْ كَانَتْ ذَاتَ زَوْجٍ أَوْ سَيِّدٍ يَطَأُ وَلِأَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ سِنِينَ إنْ اعْتَزَلَا وَهُوَ الصَّوَابُ وَإِنْ وَصَفَ الْمُوصَى لَهُ أَوْ الْمَوْقُوفَ عَلَيْهِ بِخِلَافِ صِفَتِهِ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ عَلَى أَوْلَادِي السُّودِ وَهُمْ بِيضٌ أَوْ الْعَشْرِ وَهُمْ اثْنَيْ عَشَرَ فَهَا هُنَا الْأَوْجَهُ إذَا عَلِمَ ذَلِكَ أَنْ يَعْتَبِرَ الْمَوْصُوفَ دُونَ الصِّفَةِ وَقَدْ يُقَالُ بِبُطْلَانِ الْوَقْفِ وَالْوَصِيَّةِ كَمَسْأَلَةِ الْإِبْهَامِ وَقَدْ يُقَالُ فِي مَسْأَلَةِ الْقَدَرِ وَيُعْطِي الْعَشَرَةَ إمَّا بِتَعْيِينِ الْوَرَثَةِ فِي الْوَصِيَّةِ بِالْقُرْعَةِ فِي الْوَقْفِ وَاَلَّذِي يَقْتَضِيه الْمَذْهَبُ أَنَّ الْغَلَطَ فِي الصِّفَةِ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الْعَقْدِ وَلَوْ وَصَّى بِفِكَاكِ الْأَسْرَى أَوْ وَقَفَ مَالًا عَلَى فِكَاكِهِمْ صُرِفَ مِنْ يَدِ الْمُوصِي وَيَدِ وَكِيلِهِ وَلِوَلِيِّهِ أَنْ يَقْتَرِضَ عَلَيْهِ ثُمَّ يُوَفِّيَهُ مِنْهُ. وَكَذَلِكَ فِي سَائِرِ الْجِهَاتِ.
وَمَنْ افْتَكَّ أَسِيرًا غَيْرَ شَرْعِيٍّ جَازَ صَرْفُ الْمَالِ إلَيْهِ وَكَذَا لَوْ اقْتَرَضَ غَيْرُ الْوَصِيِّ مَالًا فَكَّ بِهِ أَسِيرًا جَازَتْ تَوْفِيَتُهُ مِنْهُ وَمَا احْتَاجَ إلَيْهِ الْوَصِيُّ فِي افْتِكَاكِهِمْ مِنْ أُجْرَةٍ صُرِفَ مِنْ الْمَالِ وَلَوْ تَبَرَّعَ بَعْضُ أَهْلِ الثُّغُورِ بِفِدَائِهِ وَاحْتَاجَ الْأَسِيرُ إلَى نَفَقَةِ الْإِيَابِ صُرِفَ مِنْ مَالِ الْأَسْرَى وَكَذَلِكَ لَوْ اشْتَرَى مِنْ الْمَالِ الْمَوْقُوفِ عَلَى افْتِكَاكِهِمْ أَنْفَقَ مِنْهُ عَلَيْهِ إلَى بُلُوغِ مَحَلِّهِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَوْ قَالَ الْمُوصِي: أَعْتِقْ عَبْدًا نَصْرَانِيًّا فَأَعْتَقَ مُسْلِمًا أَوْ ادْفَعْ ثُلُثِي إلَى نَصْرَانِيٍّ فَدَفَعَهُ إلَى مُسْلِمٍ ضَمِنَ.
قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: وَفِيهِ نَظَرٌ. بَابُ الْمُوصَى بِهِ قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: فِي تَعَالِيقِهِ الْقَدِيمَةِ: وَيَظْهَرُ لِي أَنَّهُ لَا تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِالْحَمْلِ نَظَرًا إلَى عِلَّةِ التَّفْرِيقِ إذْ لَيْسَ التَّفْرِيقُ يَخْتَصُّ بِالْبَيْعِ بَلْ هُوَ عَامٌّ فِي كُلِّ تَفْرِيقٍ إلَّا الْعِتْقَ وَافْتِدَاءَ الْأَسْرَى، وَتَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِالنَّفَقَةِ أَبَدًا وَيَكُونُ تَمْلِيكًا لِلرَّقَبَةِ وَلَا يَسْتَحِقُّ الْوَرَثَةُ مِنْهُ شَيْئًا وَإِنْ قَصَدَ مَعَ ذَلِكَ مِلْكَ الْوَرَثَةِ لِلرَّقَبَةِ وَالِانْتِفَاعَ لِلْآخَرِ تَبْطُلْ لِامْتِنَاعِ أَنْ تَكُونَ الْمَنَافِعُ كُلُّهَا لِشَخْصٍ، وَالرَّقَبَةُ لِآخَرَ وَلَا يَسْأَلُ عَنْ تَرْجِيحِ إحْدَى الْأَمْرَيْنِ فَيَبْطُلَانِ أَمَّا إنْ وَصَّى فِي وَقْتٍ بِالرَّقَبَةِ لِشَخْصٍ وَفِي وَقْتٍ آخَرَ بِالْمَنَافِعِ لِغَيْرِهِ فَهُوَ كَمَا لَوْ وَصَّى بِعَيْنٍ لِاثْنَيْنِ فِي وَقْتَيْنِ.
стр. 2346
[بَابُ الْمُوصِي إلَيْهِ]
وَمَنْ أَوْصَى بِإِخْرَاجِ حُجَّةٍ فَوِلَايَةُ الدَّفْعِ وَالتَّعْيِينِ لِلْوَصِيِّ الْخَاصِّ إجْمَاعًا وَإِنَّمَا لِلْوَلِيِّ الْعَامِّ الِاعْتِرَاضُ عَلَيْهِ لِعَدَمِ أَهْلِيَّتِهِ أَوْ فِعْلِهِ مُحَرَّمًا وَمَا أَنْفَقَهُ وَصِيٌّ مُتَبَرِّعٌ بِالْمَعْرُوفِ فِي شُؤُونِ الْوَصِيَّةِ فَمِنْ مَالِ الْيَتِيمِ وَمَنْ ادَّعَى دَيْنًا عَلَى الْمَيِّتِ وَهُوَ مِمَّنْ يُعَامِلُ النَّاسَ نَظَرَ الْوَصِيُّ إلَى مَا يَدُلُّ عَلَى صِدْقِهِ وَدَفَعَ إلَيْهِ وَإِلَّا فَيَحْرُمُ الْإِعْطَاءُ حَتَّى يُثْبِتَ عِنْدَ الْقَاضِي غَيْرِ الْمُخَالِفِ لِلسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ نَاظِرُ الْوَقْفِ وَوَالِي بَيْتِ الْمَالِ وَكُلَّ وَالٍ عَلَى حَقِّ غَيْرِهِ إذَا تَبَيَّنَ لَهُ صِدْقُ الطَّالِبِ دَفَعَ إلَيْهِ وَذَلِكَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ إنْ أَمِنَ التَّبَعَةَ وَإِنْ خَافَ التَّبَعَةَ فَلَا.
وَلَوْ وَصَّى بِإِعْطَاءِ مُدَّعٍ بِيَمِينِهِ دَيْنًا نَفَّذَهُ الْوَصِيُّ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ لَا مِنْ الثُّلُثِ وَلَوْ قَالَ: يُدْفَعُ هَذَا إلَى يَتَامَى فُلَانٍ فَإِقْرَارٌ بِقَرِينَةٍ وَإِلَّا وَصِيَّةٌ، وَيَجِبُ عَلَى الْوَصِيِّ تَقْدِيمُ الْوَاجِبِ عَلَى الْمُتَبَرَّعِ بِهِ فَلَوْ وَصَّى بِتَبَرُّعَاتٍ لِمُعَيِّنٍ أَوْ غَيْرِ مُعَيَّنٍ فَمَنَعَ الْوَرَثَةُ بَعْضَ التَّرِكَةِ أَوْ جَحَدُوا الدَّيْنَ؛
قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: أَفْتَيْت بِأَنَّ الْوَصِيَّ يُخْرِجُ الدَّيْنَ مِمَّا قَدِرَ عَلَيْهِ مُقَدَّمًا عَلَى الْوَصِيَّةِ وَإِنْ اعْتَقَدَ أَنَّهُ نَصِيبُ الْوَصِيَّةِ وَلَيْسَ هَذَا مِثْلُ غَصْبِ الْمَشَاعِ وَإِذَا قَالَ: اصْنَعْ فِي مَالِي مَا شِئْت أَوْ هُوَ بِحُكْمِك افْعَلْ فِيهِ مَا شِئْت وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنْ أَلْفَاظِهِ وَلَهُ أَنْ لَا يُخْرِجَهُ فَلَا يَكُونُ الْإِخْرَاجُ وَاجِبًا وَلَا مُحَرَّمًا بَلْ مَوْقُوفٌ عَلَى اخْتِيَارِ الْوَصِيِّ فَلَهُ صَرْفُ الْوَصِيَّةِ فِيمَا هُوَ أَصْلَحُ مِنْ الْجِهَةِ الَّتِي عَيَّنَهَا الْوَصِيُّ.
стр. 2347
[كِتَابُ الْفَرَائِضِ]
ِ أَسْبَابُ التَّوَارُثِ رَحِمٌ وَنِكَاحٌ وَوَلَاءُ عِتْقٍ إجْمَاعًا وَذَكَرَ عِنْدَ عَدَمِ ذَلِكَ كُلِّهِ مُوَالَاتَهُ وَمُعَاقَدَتَهُ وَإِسْلَامَهُ عَلَى يَدَيْهِ وَالْتِقَاطَهُ وَكَوْنَهُمَا مِنْ أَهْلِ الدِّيوَانِ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَيَرِثُ مَوْلًى مِنْ أَسْفَلَ عِنْدَ عَدَمِ الْوَرَثَةِ وَقَالَهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ فَيُتَوَجَّهُ إلَى ذَلِكَ أَنَّهُ يُنْفِقُ عَلَى الْمُنْعِمِ وَمُنْقَطِعِ السَّبَبِ عَصَبَةُ عَصَبَةِ أُمِّهِ وَإِنْ عَدِمَتْهُ فَعَصَبَتُهَا وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَاخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ وَقَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ وَغَيْرِهِ.
وَلَا يَرِثُ غَيْرُ ثَلَاثِ جَدَّاتٍ أُمُّ الْأُمِّ وَأُمُّ الْأَبِ وَأُمُّ أَبِي الْأَبِ وَإِنْ عَلَوْنَ أُمُومَةً وَأُبُوَّةً إلَّا الْمُدْلِيَةَ بِغَيْرِ وَارِثٍ كَأُمِّ أَبِي الْأُمِّ وَإِذَا اسْتَكْمَلَتْ الْفُرُوضُ الْمَالَ سَقَطَتْ الْعَصَبَةُ وَلَوْ فِي الْحِمَارِيَّةِ وَهُوَ مَذْهَبُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَلَوْ مَاتَ مُتَوَارِثَانِ وَجُهِلَ أَوَّلُهُمَا مَوْتًا لَمْ يَرِثْ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَالْأَمْرُ بِقَتْلِ مُوَرِّثِهِ لَا يَرِثُهُ وَلَوْ الْتَقَى عَنْهُ الضَّمَانَ وَلَوْ تَزَوَّجَ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ مُضَارَّةً لِتَنْقِيصِ إرْثِ غَيْرِهَا وَأَقَرَّتْ بِهِ وَرِثَتْهُ لِأَنَّ لَهُ أَنْ يُوصِيَ بِالثُّلُثِ وَلَوْ وَصَّى بِوَصَايَا أَجْزَاءَ وَتَزَوَّجَتْ الْمَرْأَةُ بِزَوْجٍ يَأْبَى أَخْذَ النِّصْفِ فَهَذَا الْمَوْضِعُ فِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّهُ الْمَفْسَدَةُ فِي هَذَا هُوَ الْمُسْلِمُ مِنْ قَرِيبِهِ الْكَافِرِ الذِّمِّيِّ بِخِلَافِ الْعَكْسِ لِئَلَّا يَمْتَنِعَ قَرِيبُهُ مِنْ الْإِسْلَامِ وَلِوُجُودِ نَظَرِهِ وَلَا يَنْظُرُونَنَا، وَالْمُرْتَدُّ إنْ قُتِلَ فِي رِدَّتِهِ أَوْ مَاتَ عَلَيْهَا فَمَالُهُ لِوَارِثِهِ الْمُسْلِمِ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَهُوَ الْمَعْرُوفُ عَنْ الصَّحَابَةِ وَلِأَنَّ رِدَّتَهُ كَمَرَضِ مَوْتِهِ وَالزِّنْدِيقُ مُنَافِقٌ يَرِثُ وَيُورَثُ لِأَنَّهُ ﵇ لَمْ يَأْخُذْ مِنْ تَرِكَةِ مُنَافِقٍ شَيْئًا وَلَا جَعَلَهُ فَيْئًا فَعُلِمَ أَنَّ التَّوَارُثَ مَدَارُهُ عَلَى النَّظْرَةِ الظَّاهِرَةِ وَاسْمُ الْإِسْلَامِ يَجْرِي عَلَيْهِ الظَّاهِرُ إجْمَاعًا.
إذَا قَالَ السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ: أَنْت حُرٌّ مَعَ مَوْتِ أَبِيك وَرِثَهُ لِسَبْقِ الْحُرِّيَّةِ الْإِرْثَ وَإِنْ قَالَ أَنْتَ حُرٌّ عَقِبَ مَوْتِهِ أَوْ إذَا مَاتَ أَبُوك فَأَنْتَ حُرٌّ فَهَذَا يَتَخَرَّجُ عَلَى وَجْهَيْنِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ
стр. 2348
الْأَهْلِيَّةَ إذَا حَدَثَتْ مَعَ الْحُكْمِ هَلْ يَكْفِي ذَلِكَ أَمْ لَا بُدَّ مِنْ تَقَدُّمِهَا.
[فَصْلٌ الْإِخْوَةُ لَا يَحْجُبُونَ الْأُمَّ مِنْ الثُّلُثِ إلَى السُّدُسِ]
فَصْلٌ
وَالْإِخْوَةُ لَا يَحْجُبُونَ الْأُمَّ مِنْ الثُّلُثِ إلَى السُّدُسِ إلَّا إذَا كَانُوا وَارِثِينَ غَيْرَ مَحْجُوبِينَ بِالْأَبِ فَلِلْأُمِّ فِي مِثْلِ أَبَوَيْنِ وَأَخَوَيْنِ الثُّلُثِ. وَالْجَدُّ يُسْقِطُ الْإِخْوَةَ مِنْ الْأُمِّ إجْمَاعًا وَكَذَا مِنْ الْأَبَوَيْنِ أَوْ الْأَبِ وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَاخْتَارَهَا بَعْضُ أَصْحَابِهِ وَهُوَ مَذْهَبُ الصِّدِّيقِ وَغَيْرُهُ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃ وَلَوْ خَلَفَتْ الْمَرْأَةُ زَوْجًا وَبِنْتًا وَأُمًّا فَهَذِهِ الْفَرِيضَةُ تُقْسَمُ عَلَى أَحَدَ عَشَرَ لِلْبِنْتِ سِتَّةُ أَسْهُمٍ وَلِلزَّوْجِ ثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ وَلِلْأُمِّ سَهْمَانِ وَهَذَا عَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ بِالرَّدِّ كَأَبِي حَنِيفَةَ وَالْإِمَامِ أَحْمَدَ وَمَنْ لَا يَقُولُ بِالرَّدِّ كَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ يَنْقَسِمُ عِنْدَهُمْ عَلَى اثْنَيْ عَشَرَ سَهْمًا لِلْبِنْتِ سِتَّةُ أَسْهُمٍ وَلِلزَّوْجِ ثَلَاثَةٌ وَلِلْأُمِّ سَهْمَانِ وَالْبَاقِي لِبَيْتِ الْمَالِ. قُلْت: أَبُو حَنِيفَةَ لَا يَقُولُ بِالرَّدِّ عَلَى الزَّوْجَيْنِ فَلِلزَّوْجِ عِنْدَهُ الرُّبْعُ وَالثَّلَاثَةُ أَرْبَاعٍ الْبَاقِيَةِ تُقَسَّمُ أَرْبَاعًا ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهَا لِلْبِنْتِ وَرُبْعُهَا لِلْأُمِّ فَتَصِحُّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ عِنْدَهُ مِنْ سِتَّةَ عَشَرَ لِلزَّوْجِ أَرْبَعَةٌ وَلِلْبِنْتِ تِسْعَةٌ وَلِلْأُمِّ ثَلَاثَةٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَصْلٌ وَمَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ يَقْصِدُ حِرْمَانَهَا مِنْ الْمِيرَاثِ]
فَصْلٌ
وَمَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ يَقْصِدُ حِرْمَانَهَا مِنْ الْمِيرَاثِ وَرَثَتُهُ إذَا كَانَ الطَّلَاقُ رَجْعِيًّا إجْمَاعًا وَكَذَا إنْ كَانَ بَائِنًا عِنْدَ جُمْهُورِ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ وَقَضَى بِهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ وَلَمْ يُعْرَفْ أَحَدٌ مِنْ الصَّحَابَةِ ذَكَرَ خِلَافًا وَإِنَّمَا ظَهَرَ الْخِلَافُ فِي خِلَافَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ وَعَلَى قَوْلِ الْجُمْهُورِ فَهَلْ تَعْتَدُّ عِدَّةَ طَلَاقٍ أَوْ وَفَاةٍ أَوْ أَطْوَلَهُمَا فِيهَا أَقْوَالٌ أَظْهَرُهَا الثَّالِثُ وَهَلْ يُكْمَلُ لَهَا الْمَهْرُ فِيهِ قَوْلَانِ أَظْهَرُهُمَا أَنَّهُ يُكْمَلُ.
[فَصْلٌ أَقَرَّ وَاحِدٌ مِنْ الْوَرَثَةِ بِالْوَلَاءِ أَوْ النَّسَبِ وَالْبَاقُونَ لَا صَدَّقُوهُ وَلَا كَذَّبُوهُ]
فَصْلٌ وَلَوْ أَقَرَّ وَاحِدٌ مِنْ الْوَرَثَةِ بِالْوَلَاءِ أَوْ النَّسَبِ وَالْبَاقُونَ لَا صَدَّقُوهُ وَلَا كَذَّبُوهُ ثَبَتَ الْوَلَاءُ أَوْ النَّسَبُ وَهَذَا ظَاهِرُ قَوْلِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ فَإِنَّ الْإِمَامَ أَحْمَدَ قَالَ: إذَا أَقَرَّ وَحْدَهُ وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يَدْفَعُ قَوْلَهُ وَعَلَى هَذَا فَلَوْ رَدَّ هَذَا النَّسَبَ مَنْ لَهُ فِيهِ حَقٌّ قُبِلَ مِنْهُ وَارِثًا كَانَ أَوْ غَيْرَ وَارِثٍ عَلَى ظَاهِرِ كَلَامِهِ وَنِكَاحُ الْمَرِيضِ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ صَحِيحٌ وَتَرِثُ الْمَرْأَةُ فِي قَوْلَيْ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَلَا تَسْتَحِقُّ إلَّا مَهْرَ الْمِثْلِ لَا الزِّيَادَةَ عَلَيْهِ بِالِاتِّفَاقِ.
стр. 2349
[كِتَابُ الْعِتْقِ]
ِ وَمَنْ أَعْتَقَ جَارِيَةً وَنَبَّهَ يَعْتِقُهَا أَنْ تَكُونَ مُسْتَقِيمَةً لَمْ يَحْرُمْ عَلَيْهِ بَيْعُهَا إذَا كَانَتْ زَانِيَةً وَإِذَا أَعْتَقَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ نَصِيبَهُ وَهُوَ مُوسِرٌ عَتَقَ نَصِيبُهُ وَيَعْتِقُ نَصِيبَ شَرِيكِهِ بِدَفْعِ الْقِيمَةِ وَهُوَ قَوْلُ طَائِفَةٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا عَتَقَ كُلُّهُ وَاسْتَسْعَى فِي بَاقِي قِيمَتِهِ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ اخْتَارَهَا بَعْضُ أَصْحَابِهِ وَالْمَالِكُ إذَا اسْتَكْرَهَ عَبْدَهُ عَلَى الْفَاحِشَةِ عَتَقَ عَلَيْهِ وَهُوَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ فِي الْمَذْهَبِ.
وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: يُبْنَى عَلَى الْقَوْلِ بِالْعِتْقِ بِالْمَثُلَةِ وَإِذَا اسْتَكْرَهَ أَمَةَ امْرَأَتِهِ عَلَى الْفَاحِشَةِ عَتَقَتْ وَغَرِمَ مِثْلَهَا لِسَيِّدَتِهَا وَقَالَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ لِخَبَرِ سُلَيْمَةَ بْنِ الْمُحِيفِ وَكَذَا أَمَةُ غَيْرِ امْرَأَتِهِ إلَّا أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ أَمَةِ امْرَأَتِهِ وَغَيْرِهَا فَرْقٌ شَرْعِيٌّ وَإِلَّا فَمُوجِبُ الْقِيَاسِ التَّسْوِيَةُ وَلَوْ مَثَّلَ بِعَبْدِ غَيْرِهِ يَجِبُ أَنْ يَعْتِقَ عَلَيْهِ وَيَضْمَنَ قِيمَتَهُ لِسَيِّدِهِ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ الْمُسْتَكْرَهِ لِأَمَةِ امْرَأَتِهِ فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الِاسْتِكْرَاهَ تَمْثِيلٌ وَأَنَّ التَّمْثِيلَ يُوجِبُ الْعِتْقَ وَلَوْ بِعَبْدِ الْغَيْرِ وَيَدُلُّ أَيْضًا عَلَى أَنَّ مَنْ تَصَرَّفَ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ عَلَى وَجْهٍ يَمْنَعُهُ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِهِ لَهُ الْمُطَالَبَةُ بِقِيمَتِهِ. قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: مَا أَعْرِفُ لِلْحَدِيثِ وَجْهًا إلَّا هَذَا وَالْأَشْبَهُ بِالْمَذْهَبِ صِحَّةُ شَرْطِ الْخِيَارِ وَالْكِتَابَةِ وَلَوْ قِيلَ بِصِحَّةِ شَرْطِ الْخِيَارِ فِي الْكِتَابَةِ لَمْ يَبْعُدْ وَأَمَّا شَرْطُ الْخِيَارِ فِي التَّعْلِيقَاتِ فَفِيهِ نَظَرٌ وَيَجُوزُ شَرْطُ وَطْءِ الْمُكَاتَبَةِ وَنَصَّ عَلَيْهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَيُتَوَجَّهُ عَلَى هَذَا جَوَازُ وَطْئِهَا بِلَا شَرْطٍ بِإِذْنِهَا وَعَلَى قِيَاسِ هَذَا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِطَ الرَّاهِنُ وَطْءَ الْمُرْتَهِنِ وَمَنْ أَعْتَقَ مِنْ مَالِ الْفَيْءِ وَالْمَصَالِحِ يَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ: لَا وَلَاءَ عَلَيْهِ لِأَحَدٍ بِمَنْزِلَةِ عَبْدِ الْكَافِرِ إذَا أَسْلَمَ وَهَاجَرَ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ الْوَلَاءُ عَلَيْهِ لِلْمُسْلِمِينَ وَعَلَى هَذَا فَإِذَا اشْتَرَى السُّلْطَانُ رَقِيقًا وَنَقَدَ ثَمَنَهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ ثُمَّ أَعْتَقَهُ كَانَ الْمِلْكُ فِيهِ ثَابِتًا لِلْمُسْلِمِينَ
стр. 2350
اسْتِحْقَاقًا أَوْ لِكَوْنِهِ لَا وَارِثَ لَهُ فَيُوضَعُ مَالُهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ وَلَيْسَ مِيرَاثُهُ لِوَرَثَةِ السُّلْطَانِ لِأَنَّهُ اشْتَرَاهُ بِحُكْمِ الْمُلْكِ لَا بِحُكْمِ الْمِلْكِ وَلَوْ احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ اشْتَرَاهُ لِنَفْسِهِ وَأَنْ يَكُونَ اشْتَرَاهُ لِلْمُسْلِمِينَ حَرُمَ فَإِنَّهُ شِرَاءٌ لِنَفْسِهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ وَهُوَ مُمْتَنِعٌ وَلَوْ عَرَفَ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ لِنَفْسِهِ بِمَالِ الْمُسْلِمِينَ حُكِمَ بِأَنَّ الْمِلْكَ لِلْمُسْلِمِينَ لَا لَهُ لِأَنَّ لَهُ وِلَايَةَ الشِّرَاءِ لِلْمُسْلِمِينَ مِنْ بَيْتِ مَالِهِمْ فَإِذَا اشْتَرَى بِمَالِهِمْ شَيْئًا كَانَ لَهُمْ دُونَهُ وَنِيَّةُ الشِّرَاءِ لِنَفْسِهِ بِمَالِهِمْ مُحَرَّمَةٌ فَتَلْغُو وَتَصِيرُ كَأَنَّ الْعَقْدَ عَرِيَ عَنْهَا.
[فَصْلٌ وَلَا تَعْتِقُ أُمُّ الْوَلَدِ إلَّا بِمَوْتِ سَيِّدِهَا]
فَصْلٌ
وَلَا تَعْتِقُ أُمُّ الْوَلَدِ إلَّا بِمَوْتِ سَيِّدِهَا وَيَجُوزُ لِسَيِّدِهَا بَيْعُهَا وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَهَلْ لِلْخِلَافِ فِي جَوَازِ بَيْعِهَا شُبْهَةٌ، فِيهِ نِزَاعٌ وَالْأَقْوَى أَنَّ لَهُ شُبْهَةً وَيَبْنِي عَلَيْهِ لَوْ وَطِئَ مُعْتَقِدًا تَحْرِيمَهُ هَلْ يَلْحَقُهُ النَّسَبُ أَوْ يُرْجَمُ رَجْمَ الْمُحْصَنِ أَمَّا التَّعْزِيرُ فَوَاجِبٌ.
следующие страницы →