Полный текст (3 138 стр.). Показаны 2276–2315 · переход к 2281.
стр. 2276
نَقَلَ الزَّكَاةَ إلَى الْمُسْتَحَقِّينَ بِالْمِصْرِ الْجَامِعِ مِثْلُ أَنْ يُعْطِيَ مَنْ بِالْقَاهِرَةِ مِنْ الْعُشُورِ الَّتِي بِأَرْضِ مِصْرَ فَالصَّحِيحُ جَوَازُ ذَلِكَ فَإِنَّ سُكَّانَ الْمِصْرِ إنَّمَا يُعَانُونَ مِنْ مَزَارِعِهِمْ بِخِلَافِ النَّقْلِ مِنْ إقْلِيمٍ مَعَ حَاجَةِ أَهْلِ الْمَنْقُولِ عَنْهَا وَإِنَّمَا قَالَ السَّلَفُ: جِيرَانُ الْمَالِ أَحَقُّ بِزَكَاتِهِ وَكَرِهُوا نَقْلَ الزَّكَاةِ إلَى بَلَدِ السُّلْطَانِ وَغَيْرِهِ لِيَكْتَفِيَ كُلُّ نَاحِيَةٍ بِمَا عِنْدَهُمْ مِنْ الزَّكَاةِ وَلِهَذَا فِي كِتَابِ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ مَنْ انْتَقَلَ مِنْ مِخْلَافٍ إلَى مِخْلَافٍ فَإِنَّ صَدَقَتَهُ وَعُشْرَهُ فِي مِخْلَافِ جِيرَانِهِ وَالْمِخْلَافُ عِنْدَهُمْ كَمَا يُقَالُ الْمُعَامَلَةُ وَهُوَ مَا يَكُونُ فِيهِ الْوَالِي وَالْقَاضِي وَهُوَ الَّذِي يَسْتَخْلِفُ فِيهِ وَلِيُّ الْأَمْرِ جَابِيًا بِأَخْذِ الزَّكَاةِ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَيَرُدُّهَا عَلَى فُقَرَائِهِمْ وَلَمْ يُقَيَّدْ ذَلِكَ بِمَسِيرِ يَوْمَيْنِ، وَتَحْدِيدُ الْمَنْعِ مِنْ نَقْلِ الزَّكَاةِ بِمَسَافَةِ الْقَصْرِ لَيْسَ عَلَيْهِ دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ وَيَجُوزُ نَقْلُ الزَّكَاةِ وَمَا فِي حُكْمِهَا لِمَصْلَحَةٍ شَرْعِيَّةٍ وَإِذَا أَخَذَ السَّاعِي مِنْ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ رَجَعَ الْمَأْخُوذُ مِنْهُ عَلَى شَرِيكِهِ بِحِصَّتِهِ وَلَوْ اخْتَلَفَا فِي قِيمَةِ الْمَدْفُوعِ.
قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: يُتَوَجَّهُ قَبُولُ قَوْلِ الْمُعْطِي لِأَنَّهُ كَالْأَمِينِ وَإِنْ أَخَذَ السَّاعِي أَكْثَرَ مِنْ الْوَاجِبِ ظُلْمًا بِلَا تَأْوِيلٍ مِنْ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ فَفِي رُجُوعِهِ عَلَى شَرِيكِهِ قَوْلَانِ أَظْهَرُهُمَا الرُّجُوعُ وَكَذَلِكَ فِي الْمَظَالِمِ الْمُشْتَرَكَةِ الَّتِي يَطْلُبُهَا الْوُلَاةُ مِنْ الشُّرَكَاءِ أَوْ الظَّلَمَةِ مِنْ الْبُلْدَانِ أَوْ التُّجَّارِ أَوْ الْحَجِيجِ أَوْ غَيْرِهِمْ.
وَالْكُلَفُ السُّلْطَانِيَّةُ عَلَى الْأَنْفُسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَمْوَالِ يَلْزَمُهُمْ الْتِزَامَ الْعَدْلِ فِي ذَلِكَ كَمَا يَلْزَمُ فِيمَا يُؤْخَذُ بِحَقٍّ. فَمَنْ تَغَيَّبَ أَوْ امْتَنَعَ فَأَخَذَ مِنْ غَيْرِهِ حِصَّتَهُ رَجَعَ الْمَأْخُوذُ مِنْهُ عَلَى مَنْ أَدَّى عَنْهُ فِي الْأَظْهَرِ إنْ لَمْ يَتَبَرَّعْ وَلِمَنْ لَهُ الْوِلَايَةُ عَلَى الْمَالِ أَنْ يَصْرِفَ مِمَّا يَخُصُّهُ مِنْ الْكُلَفِ كَنَاظِرِ الْوَقْفِ وَالْوَصِيِّ وَالْمُضَارِبِ وَالْوَكِيلِ وَمَنْ قَامَ فِيهَا بِنِيَّةِ تَقْلِيلِ الظُّلْمِ كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَنْ صُودِرَ عَلَى أَدَاءِ مَالٍ وَأُكْرِهَ أَقَارِبُهُ أَوْ جِيرَانُهُ أَوْ أَصْدِقَاؤُهُ أَوْ شُرَكَاؤُهُ عَلَى أَنْ يُؤَدُّوهُ عَنْهُ فَلَهُمْ الرُّجُوعُ عَلَيْهِ لِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا مِنْ أَجْلِهِ وَلِأَجْلِ مَالِهِ وَالطَّالِبُ مَقْصُودُهُ مَالُهُ لَا مَالُهُمْ وَمَنْ لَمْ يَخْلُصْ مَالُ غَيْرِهِ مِنْ التَّلَفِ إلَّا بِمَا أَدَّى عَنْهُ رَجَعَ فِي أَظْهَرِ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ وَلَوْ أَخَذَ السَّاعِي فَوْقَ الْوَاجِبِ بِتَأْوِيلٍ أَوْ أَخَذَ الْقِيمَةَ فَالصَّوَابُ الْإِجْزَاءُ وَلَوْ اعْتَقَدَ الْمَأْخُوذُ مِنْهُ عَدَمَهُ وَجَعَلَهُ أَبُو الْعَبَّاسِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ كَالصَّلَاةِ خَلْفَ التَّارِكِ رُكْنًا أَوْ شَرْطًا.
стр. 2277
[فَصْلٌ الْمُعْتَبَرَ لِوُجُوبِ زَكَاةِ الْخَارِجِ مِنْ الْأَرْضِ]
فَصْلٌ
وَرَجَّحَ أَبُو الْعَبَّاسِ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ لِوُجُوبِ زَكَاةِ الْخَارِجِ مِنْ الْأَرْضِ الْإِدْخَارُ لَا غَيْرُ لِوُجُودِ الْمَعْنَى الْمُنَاسِبِ لِإِيجَابِ الزَّكَاةِ فِيهِ بِخِلَافِ الْكَيْلِ فَإِنَّهُ تَقْدِيرٌ مَحْضٌ فَالْوَزْنُ فِي مَعْنَاهُ قَالَ وَكَذَلِكَ الْعَدُّ كَالْجَوْزِ وَالزَّرْعُ كَالْجَوْزِ الْمُسْتَنْبَتِ فِي دِمَشْقَ وَنَحْوِهَا وَلِهَذَا تَجِبُ الزَّكَاةُ عِنْدَنَا فِي الْعَسَلِ وَهُوَ رَطْبٌ وَلَا يُوَسَّقُ لِكَوْنِهِ يَبْقَى وَيُدَّخَرُ وَنَصَّ أَبُو الْعَبَّاسِ عَلَى وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي التِّينِ لِلِادِّخَارِ وَإِنَّمَا اُعْتُبِرَ الْكَيْلُ وَالْوَزْنُ فِي الرِّبَوِيَّاتِ لِأَجْلِ التَّمَاثُلِ الْمُعْتَبَرِ فِيهَا وَهُوَ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ هَاهُنَا.
وَتَسْقُطُ فِيمَا خَرَجَ مِنْ مُؤْنَةِ الزَّرْعِ وَالثَّمَرِ مِنْهُ وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ لِأَنَّ الشَّارِعَ أَسْقَطَ فِي الْخَرْصِ زَكَاةَ الثُّلُثِ أَوْ الرُّبُعِ لِأَجْلِ مَا يَخْرُجُ مِنْ الثَّمَرَةِ بِالْإِعْرَاءِ وَالضِّيَافَةِ وَإِطْعَامِ ابْنِ السَّبِيلِ وَهُوَ تَبَرُّعٌ فِيمَا يَخْرُجُ عَنْهُ لِمَصْلَحَتِهِ الَّتِي لَا تَحْصُلُ إلَّا بِهَا أَوَّلًا بِإِسْقَاطِ الزَّكَاةِ عَنْهُ وَمَا يُدِيرُهُ الْمَاءُ مِنْ النَّوَاعِيرِ وَنَحْوِهَا مِمَّا يُصْنَعُ مِنْ الْعَامِ إلَى الْعَامِ أَوْ أَثْنَاءَ الْعَامِ وَلَا يَحْتَاجُ إلَى دُولَابٍ تُدِيرُهُ الدَّوَابُّ يَجِبُ فِيهِ الْعُشْرُ لِأَنَّ مُؤْنَتَهُ خَفِيفَةٌ فَهِيَ كَحَرْثِ الْأَرْضِ وَإِصْلَاحِ طُرُقِ الْمَاءِ وَكَلَامُ أَبِي الْعَبَّاسِ فِي اقْتِضَاءِ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ يُعْطِي أَنَّ أَهْلَ الذِّمَّةِ مُنِعُوا مِنْ شِرَاءِ الْأَرْضِ الْعُشْرِيَّةِ وَلَا يَصِحُّ الْبَيْعُ وَجَزَمَ الْأَصْحَابُ بِالصِّحَّةِ وَلَكِنْ حَكَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَالْحَسَنِ أَنَّهُمْ يُمْنَعُونَ مِنْ الشِّرَاءِ، فَإِنْ اشْتَرَوْا لَمْ تَصِحَّ وَتَعْطِيلُ الْأَرْضِ الْعُشْرِيَّةِ بِاسْتِئْجَارِ الذِّمِّيِّ لَهَا أَوْ مُزَارِعَتِهِ فِيهَا كَتَعْطِيلِهِ بِالشِّرَاءِ، وَكَلَامُ أَحْمَدَ يُوَافِقُهُ فَإِنَّهُ قَالَ: لَا يُؤَجَّرُ مِنْهُ أَيْ الْأَرْضُ مِنْ الذِّمِّيِّ وَلَا يَجُوزُ بَقَاءُ أَرْضٍ بِلَا عُشْرٍ وَلَا خَرَاجٍ اتِّفَاقًا فَيُخْرِجُ مَنْ أَقْطَعَ أَرْضًا بِأَرْضِ مِصْرَ أَوْ غَيْرِهَا الْعُشْرَ قُلْت وَالْمُرَادُ مَا عَدَا أَرْضَ الذِّمِّيِّ فَإِنَّهُ لَوْ جَعَلَ دَارِهِ بُسْتَانًا أَوْ مَزْرَعَةً أَوْ رَضَخَ الْإِمَامُ لَهُ مِنْ الْغَنِيمَةِ فَإِنَّهُ لَا يَبْنِي فِيهَا نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَيُلْحَقُ بِالْمَدْفُونِ حُكْمًا الْمَوْجُودُ ظَاهِرًا فِي مَكَان جَاهِلِيٍّ أَوْ طَرِيقٍ غَيْرِ مَسْلُوكٍ.
[فَصْلٌ إخْرَاجُ زَكَاةِ الْعُرُوضِ عَرْضًا]
فَصْلٌ وَيَجُوزُ إخْرَاجُ زَكَاةِ الْعُرُوضِ عَرْضًا وَيَقْوَى عَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي عَيْنِ الْمَالِ.
стр. 2278
[فَصْلٌ لَا يَجُوزُ دَفْعُ زَكَاةِ الْفِطْرِ إلَّا لِمَنْ يَسْتَحِقُّ الْكَفَّارَةَ]
فَصْلٌ
وَيُجْزِئُهُ فِي الْفِطْرَةِ مِنْ قُوتِ بَلَدِهِ مِثْلُ الْأُرْزِ وَغَيْرِهِ وَلَوْ قَدَرَ عَلَى الْأَصْنَافِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْحَدِيثِ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ وَقَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ وَلَا يَجُوزُ دَفْعُ زَكَاةِ الْفِطْرِ إلَّا لِمَنْ يَسْتَحِقُّ الْكَفَّارَةَ وَهُوَ مَنْ يَأْخُذُ لِحَاجَتِهِ لَا فِي الرِّقَابِ وَالْمُؤَلَّفَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَيَجُوزُ دَفْعُهَا إلَى فَقِيرٍ وَاحِدٍ وَهُوَ مَذْهَبُ أَحْمَدَ وَلَا يُعْتَبَرُ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ مِلْكُ نِصَابٍ بَلْ تَجِبُ عَلَى مَنْ مَلَكَ صَاعًا فَاضِلًا عَنْ قُوتِهِ يَوْمَ الْعِيدِ وَلَيْلَتِهِ وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ، وَإِذَا كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ وَصَاحِبُهُ لَا يُطَالِبُهُ بِهِ أَدَّى صَدَقَةَ الْفِطْرِ كَمَا يُطْعِمُ عِيَالَهُ يَوْمَ الْعِيدِ وَهُوَ مَذْهَبُ أَحْمَدَ وَمَنْ عَجَزَ عَنْ صَدَقَةِ الْفِطْرِ وَقْتَ وُجُوبِهَا عَلَيْهِ ثُمَّ أَيْسَرَ فَأَدَّاهَا فَقَدْ أَحْسَنَ وَقَدْرُ الْفِطْرِ صَاعٌ مِنْ التَّمْرِ وَالشَّعِيرِ وَأَمَّا مِنْ الْبُرِّ فَنِصْفٌ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَقِيَاسُ قَوْلِ أَحْمَدَ فِي بَقِيَّةِ الْكَفَّارَاتِ.
[فَصْلٌ الْمَالُ الَّذِي تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ]
فَصْلٌ وَمَا سَمَّاهُ النَّاسُ دِرْهَمًا وَتَعَامَلُوا بِهِ تَكُونُ أَحْكَامُهُ أَحْكَامَ الدِّرْهَمِ مِنْ وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِيمَا يَبْلُغُ مِائَتَيْنِ مِنْهُ وَالْقَطْعُ بِسَرِقَةِ ثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ مِنْهُ إلَى غَيْر ذَلِكَ مِنْ الْأَحْكَامِ، قَلَّ مَا فِيهِ الْفِضَّةُ أَوْ كَثُرَ.
وَكَذَلِكَ مَا سُمِّيَ دِينَارًا وَنُقِلَ عَنْ غَيْرِ وَاحِدِ مِنْ الصَّحَابَةِ أَنَّهُ قَالَ: زَكَاةُ الْحُلِيِّ عَارِيَّتُهُ وَلِهَذَا تَنَازَعَ أَهْلُ هَذَا الْقَوْلِ هَلْ عَلَيْهَا أَنْ تُعِيرَهُ لِمَنْ يَسْتَعِيرُهُ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ ضَرَرٌ عَلَيْهَا عَلَى وَجْهَيْنِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ وَاَلَّذِي يَنْبَغِي إذَا لَمْ تُخْرِجْ الزَّكَاةَ عَنْهُ أَنْ تُعِيرَهُ وَأَمَّا إنْ كَانَتْ تُكْرِيهِ فَفِيهِ الزَّكَاةُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ.
وَكِتَابَةُ الْقُرْآنِ عَلَى الْحِيَاضَةِ وَالدِّرْهَمِ وَالدِّينَارِ مَكْرُوهَةٌ وَيَجُوزُ إخْرَاجُ الْقِيمَةِ فِي الزَّكَاةِ لِعَدَمِ الْعُدُولِ عَنْ الْحَاجَةِ وَالْمَصْلَحَةِ مِثْلُ أَنْ يَبِيعَ ثَمَرَةَ بُسْتَانِهِ أَوْ زَرْعَهُ فَهُنَا إخْرَاجُ عُشْرِ الدَّرَاهِمِ يُجْزِئُهُ وَلَا يُكَلَّفُ أَنْ يَشْتَرِيَ تَمْرًا أَوْ حِنْطَةً فَإِنَّهُ قَدْ سَاوَى الْفَقِيرَ بِنَفْسِهِ.
وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ وَمِثْلُ أَنْ تَجِبَ عَلَيْهِ شَاةٌ فِي الْإِبِلِ وَلَيْسَ عِنْدَهُ شَاةٌ فَإِخْرَاجُ الْقِيمَةِ كَافٍ وَلَا يُكَلَّفُ السَّفَرَ لِشِرَاءِ شَاةٍ أَوْ أَنْ يَكُونَ الْمُسْتَحِقُّونَ طَلَبُوا الْقِيمَةَ لِكَوْنِهَا أَنْفَعَ لَهُمْ فَهَذَا جَائِزٌ، أَمَّا الْفُلُوسُ فَلَا يُجْزِئُ إخْرَاجُهَا عَنْ النَّقْدَيْنِ عَلَى الصَّحِيحِ لِأَنَّهَا وَلَوْ كَانَتْ نَافِقَةً فَلَيْسَتْ فِي الْمُعَامَلَةِ كَالدَّرَاهِمِ فِي الْعَادَةِ لِأَنَّهَا قَدْ تَكْسُدُ وَيَحْرُمُ الْمُعَامَلَةُ بِهَا وَلِأَنَّهَا أَنْقَصُ سِعْرًا.
وَلِهَذَا يَكُونُ الْبَيْعُ بِالْفُلُوسِ دُونَ الْبَيْعِ بِقِيمَتِهَا مِنْ الدَّرَاهِمِ وَغَايَتُهَا أَنْ تَكُونَ
стр. 2279
بِمَنْزِلَةِ الْمُنْكَسِرَةِ مَعَ الصِّحَاحِ وَالْبَهْرَجَةِ مَعَ الْخَالِصَةِ فَإِنَّ تِلْكَ إلَى النُّحَاسِ أَقْرَبُ، وَعَلَى هَذَا إذَا أَخْرَجَ الْفُلُوسَ وَأَخْرَجَ التَّفَاوُتَ جَازَ عَلَى الْمَنْصُوصِ فِي جَوَازِ إخْرَاجِ التَّفَاوُتِ فِيمَا بَيْنَ الصَّحِيحِ وَالْمُنْكَسِرِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ جُبْرَانَ الصِّفَاتِ كَجُبْرَانِ الْمِقْدَارِ لَكِنْ يُقَالُ الْمُنْكَسِرَةُ مِنْ الْجِنْسِ وَالْفُلُوسِ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ فَيَنْتَفِي فِيهَا الْمَأْخَذُ وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ إلَّا وَجْهَانِ إلَّا إذَا خَرَجَتْ بِقِيمَتِهَا فِضَّةٌ لَا بِسِعْرِهَا فِي الْعِوَضِ.
[فَصْلٌ يُعْطِيَ الزَّكَاةَ لِمَنْ لَا يَسْتَعِينُ بِهَا عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ]
فَصْلٌ وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُعْطِيَ الزَّكَاةَ لِمَنْ لَا يَسْتَعِينُ بِهَا عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَرَضَهَا مَعُونَةً عَلَى طَاعَتِهِ كَمَنْ يَحْتَاجُ إلَيْهَا مِنْ الْمُؤْمِنِينَ كَالْفُقَرَاءِ وَالْغَارِمِينَ أَوْ لِمَنْ يُعَاوِنُ الْمُؤْمِنِينَ فَمَنْ لَا يُصَلِّي مِنْ أَهْلِ الْحَاجَاتِ لَا يُعْطَى شَيْئًا حَتَّى يَتُوبَ وَيَلْتَزِمَ أَدَاءَ الصَّلَاةِ وَيَجِبُ صَرْفُ الزَّكَاةِ إلَى الْأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ إنْ كَانُوا مَوْجُودِينَ وَإِلَّا صُرِفَتْ إلَى الْمَوْجُودِ مِنْهُمْ إلَى حَيْثُ يُوجَدُونَ وَبَنُو هَاشِمٍ إذَا مُنِعُوا مِنْ خُمُسِ الْخُمُسِ جَازَ لَهُمْ الْأَخْذُ مِنْ الزَّكَاةِ وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي يَعْقُوبَ وَغَيْرِهِ مِنْ أَصْحَابِنَا وَقَالَهُ أَبُو يُوسُفَ وَالْإِصْطَخْرِيُّ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ لِأَنَّهُ مَحَلُّ حَاجَةٍ وَضَرُورَةٍ وَيَجُوزُ لِبَنِي هَاشِمٍ الْأَخْذُ مِنْ زَكَاةِ الْهَاشِمِيِّينَ وَهُوَ مَحْكِيٌّ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ وَيَجُوزُ صَرْفُ الزَّكَاةِ إلَى الْوَالِدَيْنِ وَإِنْ عَلَوْا وَإِلَى الْوَالِدِ وَإِنْ سَفَلَ إذَا كَانُوا فُقَرَاءَ وَهُوَ عَاجِزٌ عَنْ نَفَقَتِهِمْ لِوُجُودِ الْمُقْتَضَى السَّالِمِ عَنْ الْمُعَارِضِ الْعَادِمِ وَهُوَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ وَكَذَا إنْ كَانُوا غَارِمِينَ أَوْ مُكَاتَبِينَ أَوْ أَبْنَاءَ السَّبِيلِ وَهُوَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ أَيْضًا وَإِذَا كَانَتْ الْأُمُّ فَقِيرَةً وَلَهَا أَوْلَادٌ صِغَارٌ لَهُمْ مَالٌ وَنَفَقَتُهَا تَضُرُّ بِهِمْ أُعْطِيت مِنْ زَكَاتِهِمْ وَاَلَّذِي يَخْدُمُهُ إذَا لَمْ تَكْفِهِ أُجْرَتُهُ أَعْطَاهُ مِنْ زَكَاتِهِ إذَا لَمْ يَسْتَعْمِلْهُ بَدَلَ خِدْمَتِهِ.
وَمَنْ كَانَ فِي عِيَالِهِ قَوْمٌ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُمْ فَلَهُ أَنْ يُعْطِيَهُمْ مِنْ الزَّكَاةِ مَا يَحْتَاجُونَ إلَيْهِ مِمَّا لَمْ تَجْرِ عَادَتُهُ بِإِنْفَاقِهِ مِنْ مَالِهِ وَالْيَتِيمُ الْمُمَيِّزُ يَقْبِضُ الزَّكَاةَ لِنَفْسِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُمَيِّزًا قَبَضَهَا كَافِلَةً كَائِنًا مَنْ كَانَ وَأَمَّا إسْقَاطُ الدَّيْنِ عَنْ الْمُعْسِرِ فَلَا يُجْزِئُ عَنْ زَكَاةِ الْعَيْنِ بِلَا نِزَاعٍ لَكِنْ إذَا كَانَ لَهُ دَيْنٌ عَلَى مَنْ يَسْتَحِقُّ الزَّكَاةَ فَأَعْطَاهُ مِنْهَا وَشَارَطَهُ أَنْ
стр. 2280
يُعِيدَهَا إلَيْهِ لَمْ يَجُزْ، وَكَذَا إنْ لَمْ يَشْرِطْ لَكِنْ قَصَدَهُ الْمُعْطِي فِي الْأَظْهَرِ وَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يُسْقِطَ عَنْهُ قَدْرَ ذَلِكَ الدَّيْنِ وَيَكُونُ ذَلِكَ زَكَاةَ ذَلِكَ الدَّيْنِ فِيهِ قَوْلَانِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ أَظْهَرُهُمَا الْجَوَازُ لِأَنَّ الزَّكَاةَ مُوَاسَاةٌ وَمَنْ لَيْسَ مَعَهُ مَا يَشْتَرِي بِهِ كَثِيبًا يَشْتَغِلُ فِيهَا يَجُوزُ لَهُ الْأَخْذُ مِنْ الزَّكَاةِ مَا يَشْتَرِي لَهُ بِهِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ فِي إقَامَةِ مُؤْنَتِهِ وَإِنْ لَمْ يُنْفِقْهُ بِعَيْنِهِ فِي الْمُؤْنَةِ وَقِيلَ الرَّجُلُ يَكُونُ لَهُ الزَّرْعُ الْقَائِمُ وَلَيْسَ عِنْدَهُ مَا يَحْصُدُهُ أَيَأْخُذُ مِنْ الزَّكَاةِ؟ قَالَ نَعَمْ يَأْخُذُ وَيَأْخُذُ الْفَقِيرُ مِنْ الزَّكَاةِ مَا يَصِيرُ بِهِ غَنِيًّا وَإِنْ كَثُرَ وَهُوَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ وَالشَّافِعِيِّ.
وَيَجُوزُ إعْتَاقُ الرَّقِيقِ مِنْ الزَّكَاةِ وَافْتِكَاكُ أَسْرَى الْمُسْلِمِينَ وَهُوَ مَذْهَبُ أَحْمَدَ وَيَجُوزُ لِلْإِمَامِ أَنْ يَعْتِقَ مِنْ مَالِ الْفَيْءِ وَالْمَصَالِحِ إذَا كَانَ فِي الْإِعْتَاقِ مَصْلَحَةٌ إمَّا لِمَنْفَعَةِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ لِمَنْفَعَةِ الْمُعْتِقِ أَوْ تَأْلِيفًا لِقُلُوبِ مَنْ يَحْتَاجُ إلَى تَأْلِيفِهِ وَقَدْ يَنْفُذُ الْعِتْقُ حَيْثُ لَا يَجُوزُ إذَا كَانَ فِي الرَّدِّ فَسَادٌ كَمَا فِي الْوِلَايَاتِ مِثْلُ أَنْ يَكُونَ قَدْ أَسْلَمُوا وَهُمْ لِكَافِرٍ ذِمِّيٍّ أَوْ مُعَاهِدٍ حَرْبِيٍّ وَمَنْ لَمْ يَحُجَّ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ وَهُوَ فَقِيرٌ أُعْطِيَ مَا يَحُجُّ بِهِ وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ وَيَبْرَأُ بِدَفْعِ الزَّكَاةِ إلَى وَلِيِّ الْأَمْرِ الْعَادِلِ وَإِنْ كَانَ ظَالِمًا لَا يَصْرِفُ الزَّكَاةَ فِي الْمَصَارِفِ الشَّرْعِيَّةِ فَيَنْبَغِي لِصَاحِبِهَا أَنْ لَا يَدْفَعَهَا إلَيْهِ فَإِنْ حَصَلَ لَهُ ضَرَرٌ بَعْدَ دَفْعِهَا إلَيْهِ فَإِنَّهُ يُجْزِئُ عَنْهُ إذَا أُخِذَتْ مِنْهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ وَهُمْ فِي هَذِهِ الْحَالِ ظَلَمُوا مُسْتَحِقَّهَا كَوَلِيِّ الْيَتِيمِ وَنَاظِرِ الْوَقْفِ إذَا قَبَضَا الْمَالَ وَصَرَفَاهُ فِي غَيْرِ مَصَارِفِهِ الشَّرْعِيَّةِ وَلَا تَسْقُطُ الزَّكَاةُ وَالْحَجُّ وَالدُّيُونُ وَمَظَالِمُ الْعِبَادِ عَمَّنْ مَاتَ شَهِيدًا وَإِذَا قَبَضَ مَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الزَّكَاةِ مَالًا مِنْ الزَّكَاةِ وَصَرَفَهُ فِي شِرَاءِ عَقَارٍ أَوْ نَحْوِهِ فَالنَّمَاءُ الَّذِي حَصَلَ بِعَمَلِهِ وَسَعْيِهِ يُجْعَلُ مُضَارَبَةً بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَهْلِ الزَّكَاةِ.
وَإِعْطَاءُ السُّؤَالِ فَرْضُ كِفَايَةٍ إنْ صَدَقُوا وَمَنْ سَأَلَ غَيْرَهُ الدُّعَاءَ لِنَفْعِ ذَلِكَ الْغَيْرِ أَوْ نَفْعِهِمَا أُثِيبَ وَإِنْ قَصَدَ نَفْعَ نَفْسِهِ فَقَطْ نُهِيَ عَنْهُ كَسُؤَالِ الْمَالِ وَإِنْ كَانَ قَدْ لَا يَأْثَمُ قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ فِي الْفَتَاوَى الْمِصْرِيَّةِ لَا بَأْسَ بِطَلَبِ النَّاسِ الدُّعَاءَ بَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ لَكِنْ أَهْلُ الْفَضْلِ يَفُوزُونَ بِذَلِكَ إذْ الَّذِي يَطْلُبُونَ مِنْهُ الدُّعَاءَ إذَا دَعَا لَهُمْ كَانَ لَهُ مِنْ الْأَجْرِ عَلَى دُعَائِهِ أَعْظَمُ مِنْ أَجْرِهِ لَوْ دَعَا لِنَفْسِهِ وَحْدَهُ وَيَلْزَمُ عَامِلَ الزَّكَاةِ رَفْعُ حِسَابِ مَا تَوَلَّاهُ إذَا طُلِبَ مَنّهُ الْخَرَاجُ وَصِلَةُ الرَّحِمِ الْمُحْتَاجِ أَفْضَلُ مِنْ الْعِتْقِ.
стр. 2281
[كِتَابُ الصَّوْمِ]
ِ تَخْتَلِفُ الْمَطَالِعُ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِهَذَا، فَإِنْ اتَّفَقَتْ لَزِمَهُ الصَّوْمُ وَإِلَّا فَلَا وَهُوَ الْأَصَحُّ لِلشَّافِعِيَّةِ وَقَوْلٌ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ وَمَنْ رَأَى هِلَالَ رَمَضَانَ وَحْدَهُ وَرُدَّتْ شَهَادَتُهُ لَمْ يَلْزَمْهُ الصَّوْمُ وَلَا غَيْرَهُ وَنَقَلَهُ حَنْبَلٌ عَنْ أَحْمَدَ فِي الصَّوْمِ وَكَمَا لَا يَعْرِفُ وَلَا يُضَحِّي وَحْدَهُ وَالنِّزَاعُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَصْلٍ وَهُوَ أَنَّ الْهِلَالَ هُوَ اسْمٌ لِمَا يَطْلُعُ مِنْ السَّمَاءِ وَإِنْ لَمْ يَشْتَهِرْ وَلَمْ يَظْهَرْ أَوْ لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى هِلَالًا إلَّا بِالِاشْتِهَارِ وَالظُّهُورِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ.
وَالِاعْتِبَارُ فِيهِ قَوْلَانِ لِلْعُلَمَاءِ وَهُمَا رِوَايَتَانِ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَإِنْ نَوَى نَذْرًا أَوْ نَفْلًا ثُمَّ بَانَ مِنْ رَمَضَانَ أَجْزَأَهُ إنْ كَانَ جَاهِلًا كَمَنْ دَفَعَ وَدِيعَةَ رَجُلٍ إلَيْهِ عَلَى طَرِيقِ الشَّرْعِ ثُمَّ تَبَيَّنَ إنْ كَانَ حَقَّهُ فَإِنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى إعْطَاءٍ ثَانٍ بَلْ يَقُولُ لَهُ: الَّذِي وَصَلَ إلَيْك هُوَ حَقٌّ كَانَ لَك عِنْدِي.
وَمَنْ خَطَرَ بِقَلْبِهِ أَنَّهُ صَائِمٌ غَدًا فَقَدْ نَوَى، وَالصَّائِمُ لَمَّا يَتَعَشَّى يَتَعَشَّى عَشَاءَ مَنْ يُرِيدُ الصِّيَامَ وَلِهَذَا يُفَرَّقُ بَيْنَ عَشَاءِ لَيْلَةِ الْعِيدِ وَعَشَاءِ لَيَالِي رَمَضَانَ وَتَصِحُّ النِّيَّةُ الْمُتَرَدِّدَةُ كَقَوْلِهِ إنْ كَانَ غَدًا مِنْ رَمَضَانَ فَهُوَ فَرْضٌ وَإِلَّا فَهُوَ نَفْلٌ وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ وَيَصِحُّ صَوْمُ الْفَرْضِ بِنِيَّةٍ مِنْ النَّهَارِ إذَا لَمْ يَعْلَمْ وُجُوبَهُ بِاللَّيْلِ كَمَا إذَا شُهِدَتْ النِّيَّةُ بِالنَّهَارِ وَإِنْ حَالَ دُونَ مَنْظَرَةٍ لِهِلَالِ لَيْلَةِ الثَّلَاثِينَ غَيْمٌ أَوْ قَتَرٌ فَصَوْمُهُ جَائِزٌ لَا وَاجِبٌ وَلَا حَرَامٌ وَهُوَ قَوْلُ طَوَائِفَ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلْفِ وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالْمَنْقُولَاتُ الْكَثِيرَةُ الْمُسْتَفِيضَةُ عَنْ أَحْمَدَ إنَّمَا تَدُلُّ عَلَى هَذَا وَلَا أَصْلَ لِلْوُجُوبِ فِي كَلَامِهِ، وَلَا فِي كَلَامِ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃ وَحَكَى أَبُو الْعَبَّاسِ أَنَّهُ كَانَ يَمِيلُ أَخِيرًا إلَى أَنَّهُ لَا
стр. 2282
يُسْتَحَبُّ صَوْمُهُ وَمَنْ تَجَدَّدَ لَهُ صَوْمٌ بِسَبَبٍ كَمَا إذَا قَامَتْ الْبَيِّنَةُ بِالرُّؤْيَةِ فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ فَإِنَّهُ يُتِمُّ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ وَلَا يَلْزَمُهُ قَضَاءٌ وَإِنْ كَانَ قَدْ أَكَلَ.
وَالْمَرِيضُ إذَا خَافَ الضَّرَرَ اُسْتُحِبَّ لَهُ الْفِطْرُ وَالْمُسَافِرُ الْأَفْضَلُ لَهُ الْفِطْرُ فَإِنْ أَضْعَفَهُ عَنْ الْجِهَادِ كُرِهَ لَهُ بَلْ يَجِبُ مَنْعُهُ عَنْ وَاجِبٍ وَأَفْتَى أَبُو الْعَبَّاسِ لَمَّا نَزَلَ الْعَدُوُّ دِمَشْقَ فِي رَمَضَانَ بِالْفِطْرِ فِي رَمَضَانَ لِلتَّقَوِّي عَلَى جِهَادِ الْعَدُوِّ وَفَعَلَهُ وَقَالَ هُوَ أَوْلَى لِلسَّفَرِ.
وَيَصِحُّ صَوْمُ الْجُنُبِ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ وَإِذَا نَوَى الْمُسَافِرُ الْإِقَامَةَ فِي بَلَدٍ أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ فَلَهُ الْفِطْرُ وَإِذَا نَوَى صِيَامَ التَّطَوُّعِ بَعْدَ الزَّوَالِ فَفِي ثَوَابِهِ رِوَايَتَانِ عَنْ أَحْمَدَ وَالْأَظْهَرُ الثَّوَابُ وَإِنْ لَمْ يَنْوِ الصَّوْمَ وَلَكِنْ إذَا اشْتَهَى الْأَكْلَ وَاسْتَمَرَّ بِهِ الْجُوعُ فَهَذَا يَكُونُ جُوعُهُ مِنْ بَابِ الْمَصَائِبِ الَّتِي تُكَفَّرُ بِهَا خَطَايَاهُ وَيُثَابُ عَلَى صَبْرِهِ عَلَيْهَا وَلَا يَكُونُ مِنْ بَابِ الصَّوْمِ الَّذِي هُوَ عِبَادَةٌ يُثَابُ عَلَيْهَا ثَوَابُ الصَّوْمِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَصْلٌ لَا يُفْطِرُ الصَّائِمُ بِالِاكْتِحَالِ]
فَصْلٌ وَلَا يُفْطِرُ الصَّائِمُ بِالِاكْتِحَالِ وَالْحُقْنَةِ وَمَا يُقَطَّرُ فِي إحْلِيلِهِ وَمُدَاوَاةُ الْمَأْمُومَةِ وَالْجَائِفَةِ وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَيُفْطِرُ بِإِخْرَاجِ الدَّمِ بِالْحِجَامَةِ وَهُوَ مَذْهَبُ أَحْمَدَ وَبِالْفَصْدِ وَالتَّشْرِيطِ وَهُوَ وَجْهٌ لَنَا أَوْ بِإِرْعَافِ نَفْسِهِ وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ وَيُفْطِرُ الْحَاجِمُ إنْ مَصَّ الْقَارُورَةَ وَلَا يُفْطِرُ بِمَذْيٍ بِسَبَبِ قُبْلَةٍ أَوْ لَمْسٍ أَوْ تَكْرَارِ نَظَرٍ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَبَعْضِ أَصْحَابِنَا وَأَمَّا إذَا ذَاقَ طَعَامًا وَلَفَظَهُ أَوْ وَضَعَ فِي فِيهِ عَسَلًا وَمَجَّهُ فَلَا بَأْسَ بِهِ لِلْحَاجَةِ كَالْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ وَالْكَذِبِ وَالْغِيبَةِ وَالنَّمِيمَةِ إذَا وُجِدَتْ مِنْ الصَّائِمِ فَمَذْهَبُ الْأَئِمَّةِ أَنَّهُ لَا يُفْطِرُ وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ لَا يُعَاقَبُ عَلَى الْفِطْرِ كَمَا يُعَاقَبُ مَنْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ وَالنَّبِيُّ ﷺ حَيْثُ ذَكَرَ «رُبَّ صَائِمٍ حَظُّهُ مِنْ الصَّوْمِ الْجُوعُ وَالْعَطَشُ» لِمَا حَصَلَ مِنْ الْإِثْمِ الْمُقَاوِمِ لِلصَّوْمِ وَهَذَا أَيْضًا لَا تَنَازُعَ فِيهِ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ وَمَنْ قَالَ: إنَّهَا تُفَطِّرُ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ مَقْصُودُ الصَّوْمِ أَوْ أَنَّهَا قَدْ تَذْهَبُ بِأَجْرِ الصَّوْمِ فَقَوْلُهُ يُوَافِقُ قَوْلَ الْأَئِمَّةِ وَمَنْ قَالَ إنَّهَا تُفَطِّرُ بِمَعْنَى أَنَّهُ يُعَاقَبُ عَلَى تَرْكِ الصِّيَامِ فَهَذَا مُخَالِفٌ لِقَوْلِ الْأَئِمَّةِ.
وَإِذَا شُتِمَ الصَّائِمُ اُسْتُحِبَّ أَنْ يُجِيبَ بِقَوْلِهِ: إنِّي صَائِمٌ وَسَوَاءٌ كَانَ الصَّوْمُ فَرْضًا أَوْ نَفْلًا وَهُوَ أَحَدُ الْوُجُوهِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ وَشَمُّ الرَّوَائِحِ الطَّيِّبَةِ لَا بَأْسَ بِهِ لِلصَّائِمِ.
стр. 2283
وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَجْرِهِ شَيْءٌ» صَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ وَالْمُرَادُ بِتَفْطِيرِهِ أَنْ يُشْبِعَهُ.
وَمَنْ أَكَلَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ مُعْتَقِدًا أَنَّهُ لَيْلٌ فَبَانَ نَهَارًا فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ وَكَذَا مَنْ جَامَعَ جَاهِلًا بِالرَّفَثِ أَوْ نَاسِيًا وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ وَإِذَا أَكْرَهَ الرَّجُلُ زَوْجَتَهُ عَلَى الْجِمَاعِ فِي رَمَضَانَ يَحْمِلُ عَنْهَا مَا يَجِبُ عَلَيْهَا وَهَلْ تَجِبُ كَفَّارَةُ الْجِمَاعِ فِي رَمَضَانَ لِإِفْسَادِ الصَّوْمِ الصَّحِيحِ أَوْ لِحُرْمَةِ الزَّمَانِ فِيهِ قَوْلَانِ الصَّوَابُ الثَّانِي.
[فَصْلٌ تَبَرَّعَ إنْسَانٌ بِالصَّوْمِ عَمَّنْ لَا يُطِيقُهُ]
فَصْلٌ وَإِنْ تَبَرَّعَ إنْسَانٌ بِالصَّوْمِ عَمَّنْ لَا يُطِيقُهُ لِكِبَرِهِ وَنَحْوِهِ أَوْ عَنْ مَيِّتٍ وَهُمَا مُعْسِرَانِ تَوَجَّهَ جَوَازُهُ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى الْمُمَاثَلَةِ مِنْ الْمَالِ.
وَحَكَى الْقَاضِي فِي صَوْمِ النَّذْرِ فِي حَيَاةِ النَّاذِرِ نَحْوَ ذَلِكَ وَمَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صَوْمُ نَذْرٍ أَجْزَأَ الصَّوْمُ عَنْهُ بِلَا كَفَّارَةٍ، وَلَا يَقْضِي مُتَعَمِّدٌ بِلَا عُذْرٍ صَوْمًا وَلَا صَلَاةً وَلَا تَصِحُّ مِنْهُ. وَمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ أَمَرَ الْمُجَامِعَ فِي رَمَضَانَ بِالْقَضَاءِ فَضَعِيفٌ لِعُدُولِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ عَنْهُ، وَإِذَا شَرَعَتْ الْمَرْأَةُ فِي قَضَاءِ رَمَضَانَ وَجَبَ عَلَيْهَا إتْمَامُهُ وَلَمْ يَكُنْ لِزَوْجِهَا تَفْطِيرُهَا، وَإِنْ أَمَرَهَا أَنْ تُؤَخِّرَ الْقَضَاءَ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِيهِ كَانَ حَسَنًا لِحَدِيثِ عَائِشَةَ.
[فَصْلٌ صِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ]
فَصْلٌ يُسْتَحَبُّ صِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ لِلْأَخْبَارِ الصَّحِيحَةِ وَفِي بَعْضِهَا هُوَ كَصَوْمِ الدَّهْرِ، وَالْمُرَادُ بِذَلِكَ أَنَّ مَنْ فَعَلَ هَذَا حَصَلَ لَهُ أَجْرُ صِيَامِ الدَّهْرِ مِنْ غَيْرِ حُصُولِ الْمَفْسَدَةِ وَصِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ كَفَّارَةُ سَنَتَيْنِ.
فَلَوْ غُمَّ هِلَالُ ذِي الْحِجَّةِ أَوْ شَهِدَ بِرُؤْيَتِهِ مَنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ، إمَّا لِانْفِرَادِهِ بِالرُّؤْيَةِ أَوْ لِكَوْنِهِ مِمَّنْ لَا يَجُوزُ قَبُولُهُ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَاسْتَمَرَّ الْحَالُ عَلَى إكْمَالِ ذِي الْقَعْدَةِ فَصَوْمُ يَوْمِ التَّاسِعِ الَّذِي هُوَ يَوْمُ عَرَفَةَ مِنْ هَذَا الشَّهْرِ الْمَشْكُوكِ فِيهِ جَائِزٌ بِلَا نِزَاعٍ، قُلْت وَلَكِنْ رَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي كِتَابِهِ عَنْ النَّخَعِيِّ فِي صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ فِي الْحَضَرِ إذَا كَانَ فِيهِ اخْتِلَافٌ فَلَا يَصُومَنَّ، وَعَنْهُ قَالَ كَانُوا لَا يَرَوْنَ بِصَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ بَأْسًا إلَّا أَنْ يَتَخَوَّفُوا أَنْ يَكُونَ يَوْمَ الذَّبْحِ.
стр. 2284
وَرُوِيَ عَنْ مَسْرُوقٍ وَغَيْرِهِ مِنْ التَّابِعِينَ مِثْلُ ذَلِكَ وَكَلَامُ هَؤُلَاءِ قَدْ يُقَالُ: إنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى كَرَاهَةِ التَّنْزِيهِ دُونَ التَّحْرِيمِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا إنْ شَهِدَ بِهِلَالِ ذِي الْحِجَّةِ مَنْ يَثْبُتُ الشَّهْرُ بِهِ لَكِنْ لَمْ يَقْبَلْهُ الْحَاكِمُ إمَّا لِعُذْرٍ ظَاهِرٍ أَوْ لِتَقْصِيرٍ فِي أَمْرِهِ، فَأَقُولُ هَذِهِ الصُّورَةُ تُخَرَّجُ عَلَى الْخِلَافِ الْمَشْهُورِ فِي مَسْأَلَةِ الْمُنْفَرِدِ بِهِلَالِ شَوَّالٍ هَلْ يُفْطِرُ عَمَلًا بِرُؤْيَتِهِ أَمْ لَا يُفْطِرُ إلَّا مَعَ النَّاسِ، فِي ذَلِكَ قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ، فَعَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ لَا يُفْطِرُ الْمُنْفَرِدُ بِرُؤْيَةِ هِلَالِ شَوَّالٍ بَلْ يَصُومُ وَلَا يُفْطِرُ إلَّا مَعَ النَّاسِ، فَإِنَّهُ يَقُولُ لَا يُسْتَحَبُّ صَوْمُ يَوْمِ عَرَفَةَ لِلشَّاهِدِ الَّذِي لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ بِهِلَالِ ذِي الْحِجَّةِ.
وَمَنْ قَالَ فِي الشَّاهِدِ بِهِلَالِ شَوَّالٍ يُفْطِرُ سِرًّا قَالَ هُنَا إنَّهُ يُفْطِرُ وَلَا يَصُومُ لِأَنَّهُ يَوْمُ عِيدٍ فِي حَقِّهِ، وَلَكِنْ لَا يُضَحِّي وَلَا يَقِفُ بِعَرَفَةَ بِذَلِكَ، وَصِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ كَفَّارَةُ سَنَةٍ وَلَا يُكْرَهُ إفْرَادُهُ بِالصَّوْمِ، وَمُقْتَضَى كَلَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ يُكْرَهُ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَوَجَبَ صَوْمُهُ وَنُسِخَ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ اخْتَارَهَا بَعْضُ أَصْحَابِنَا.
وَصَوْمُ الدَّهْرِ الصَّوَابُ قَوْلُ مَنْ جَعَلَهُ تَرْكًا لِلْأَوْلَى أَوْ كَرِهَهُ، وَمَنْ صَامَ رَجَبًا مُعْتَقِدًا أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِهِ مِنْ الْأَشْهُرِ أَثِمَ وَعُزِّرَ، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ فِعْلُ عُمَرُ، وَفِي تَحْرِيمِ إفْرَادِهِ وَجْهَانِ، وَمَنْ نَذَرَ صَوْمَهُ كُلَّ سَنَةٍ أَفْطَرَ بَعْضَهُ وَقَضَاهُ وَفِي الْكَفَّارَةِ خِلَافٌ.
وَأَمَّا مَنْ صَامَ الْأَشْهُرَ الثَّلَاثَةَ «فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يَصُومُ شَهْرًا كَامِلًا إلَّا شَهْرَ رَمَضَانَ، وَكَانَ يَصُومُ أَكْثَرَ شَعْبَانَ» وَلَمْ يَصِحَّ عَنْهُ فِي رَجَبٍ شَيْءٌ، وَإِذَا أَفْطَرَ الصَّائِمُ بَعْضَ رَجَبٍ وَشَعْبَانَ كَانَ حَسَنًا، وَلَا يُكْرَهُ صَوْمُ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ شَعْبَانَ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَلَا يُكْرَهُ إفْرَادُ يَوْمِ السَّبْتِ بِالصَّوْمِ وَلَا يَجُوزُ تَخْصِيصُ صَوْمِ أَعْيَادِ الْمُشْرِكِينَ وَلَا صَوْمُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَلَا قِيَامُ لَيْلَتِهَا، قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ فِي رَدِّهِ عَلَى الرَّافِضِيِّ جَاءَتْ السُّنَّةُ بِثَوَابِهِ عَلَى مَا فَعَلَهُ وَعِقَابُهُ عَلَى مَا تَرَكَهُ وَلَوْ كَانَ بَاطِلًا كَعَدَمِهِ لَمْ يُجْبَرْ بِالنَّوَافِلِ، وَالْبَاطِلُ فِي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ ضِدُّ الصَّحِيحِ فِي عُرْفِهِمْ، وَهُوَ مَا أَبْرَأَ الذِّمَّةَ، فَقَوْلُهُمْ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ وَصَوْمُهُ لِمَنْ تَرَكَ رُكْنًا بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يُثَابُ عَلَيْهَا شَيْئًا فِي الْآخِرَةِ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣] الْإِبْطَالُ هُوَ بُطْلَانُ الثَّوَابِ، وَلَا يُسَلَّمُ بُطْلَانُ جَمِيعِهِ بَلْ قَدْ
стр. 2285
يُثَابُ عَلَى مَا فَعَلَهُ فَلَا يَكُونُ مُبْطِلًا لِعَمَلِهِ، وَأَمَّا ثَامِنُ شَوَّالٍ فَلَيْسَ عِيدًا لَا لِلْأَبْرَارِ وَلَا لِلْفُجَّارِ وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَعْتَقِدَهُ عِيدًا وَلَا يُحْدِثَ فِيهِ شَيْئًا مِنْ شَعَائِرِ الْأَعْيَادِ.
[فَصْلٌ فِي مَسَائِلِ التَّفْضِيلِ وَلَيْلَةِ الْقَدْرِ مِنْ أَفْضَلِ اللَّيَالِي]
وَهِيَ فِي الْوِتْرِ فِي الْعَشْرِ الْأَخِيرِ مِنْ رَمَضَانَ وَالْوِتْرُ قَدْ يَكُونُ بِاعْتِبَارِ الْمَاضِي فَيَطْلُبُ إحْدَى وَعِشْرِينَ وَلَيَالِيَ ثَلَاثٍ إلَى آخِرِهِ.
وَقَدْ يَكُونُ بِاعْتِبَارِ الْبَاقِي لِقَوْلِهِ ﷺ لِتَاسِعَةٍ تَبْقَى. الْحَدِيثَ، فَإِذَا كَانَ الشَّهْرُ ثَلَاثِينَ فَتَكُونُ تِلْكَ مِنْ لَيَالِي الْإِشْفَاعِ، وَلَيْلَةُ الثَّانِيَةِ وَالْعِشْرِينَ تَاسِعَةٌ تَبْقَى وَلَيْلَةُ أَرْبَعٍ سَابِعَةٌ تَبْقَى كَمَا فَسَّرَهُ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَإِنْ كَانَ تِسْعًا وَعِشْرِينَ كَانَ التَّارِيخُ بِالْبَاقِي كَالتَّارِيخِ بِالْمَاضِي.
وَيَوْمُ الْجُمُعَةِ أَفْضَلُ أَيَّامِ الْأُسْبُوعِ إجْمَاعًا، وَيَوْمُ النَّحْرِ أَفْضَلُ أَيَّامِ الْعَامِ، وَلَيْلَةُ الْإِسْرَاءِ أَفْضَلُ فِي حَقِّ النَّبِيِّ ﷺ وَلَيْلَةُ الْقَدْرِ أَفْضَلُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْأُمَّةِ.
وَخَدِيجَةُ إيثَارُهَا فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ وَنَصْرُهَا وَقِيَامُهَا فِي الدِّينِ لَمْ تُشْرِكْهَا عَائِشَةُ وَلَا غَيْرُهَا مِنْ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ، وَإِيثَارُ عَائِشَةَ فِي آخِرِ الْإِسْلَامِ وَحَمْلُ الدِّينِ وَتَبْلِيغُهُ إلَى الْأُمَّةِ وَإِدْرَاكُهَا مِنْ الْعِلْمِ لَمْ تُشْرِكْهَا فِيهِ خَدِيجَةُ وَلَا غَيْرُهَا مِمَّا تَمَيَّزَتْ بِهِ عَنْ غَيْرِهَا، وَمَرْيَمُ ابْنَةُ عِمْرَانَ، وَآسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ، مِنْ أَفْضَلِ النِّسَاءِ، وَالْفَوَاضِلُ مِنْ نِسَاءِ هَذِهِ الْأُمَّةِ كَخَدِيجَةَ وَعَائِشَةَ وَفَاطِمَةَ أَفْضَلُ مِنْهُمَا، وَالصَّوَابُ الَّذِي عَلَيْهِ عَامَّةُ الْمُسْلِمِينَ وَحُكِيَ الْإِجْمَاعُ عَلَيْهِ أَنَّهُمَا لَيْسَتَا بِنَبِيَّتَيْنِ، وَأَمَّا أَزْوَاجُهُمَا فِي الْآخِرَةِ فَقَدْ رُوِيَ فِي مَرْيَمَ أَنَّهَا زَوْجَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ وَلَا أَعْلَمُ صِحَّةَ ذَلِكَ وَلَا أَعْلَمُ مَا يَقْطَعُ بِهِ.
وَالْغَنِيُّ الشَّاكِرُ وَالْفَقِيرُ الصَّابِرُ أَفْضَلُهُمَا أَتْقَاهُمَا لِلَّهِ تَعَالَى، فَإِنْ اسْتَوَيَا فِي الدَّرَجَةِ، وَصَالِحُو الْبَشَرِ أَفْضَلُ بِاعْتِبَارِ النِّهَايَةِ، وَصَالِحُو الْمَلَكِ أَفْضَلُ بِاعْتِبَارِ الْبِدَايَةِ.
وَعَشْرُ ذِي الْحِجَّةِ أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِهِ لَيَالِيِهِ وَأَيَّامِهِ، وَقَدْ يُقَالُ لَيَالِي الْعَشْرِ الْأَخِيرِ مِنْ رَمَضَانَ أَفْضَلُ وَأَيَّامُ تِلْكَ أَفْضَلُ.
قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ، وَرَمَضَانُ أَفْضَلُ الشُّهُورِ وَيَكْفُرُ مَنْ فَضَّلَ رَجَبًا عَلَيْهِ، وَمَكَّةُ أَفْضَلُ بِقَاعِ اللَّهِ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَنَصُّ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ، قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا فَضَّلَ تُرْبَةَ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى الْكَعْبَةِ إلَّا الْقَاضِي عِيَاضٌ، وَلَمْ
стр. 2286
يَسْبِقْهُ إلَيْهِ أَحَدٌ وَلَا وَافَقَهُ وَالصَّلَاةُ وَغَيْرُهَا مِنْ الْقُرَبِ بِمَكَّةَ أَفْضَلُ، وَالْمُجَاوَرَةُ بِمَكَانٍ يَكْثُرُ فِيهِ إيمَانُهُ وَتَقْوَاهُ أَفْضَلُ حَيْثُ كَانَ وَتُضَاعَفُ السَّيِّئَةُ وَالْحَسَنَةُ بِمَكَانٍ أَوْ زَمَانٍ فَاضِلٍ وَذَكَرَهُ الْقَاضِي وَابْنُ الْجَوْزِيِّ انْتَهَى.
[بَابُ الِاعْتِكَافِ]
ِ وَمَنْ نَذَرَ الِاعْتِكَافَ فِي مَسْجِدٍ غَيْرِ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ تَعَيَّنَ مَا امْتَازَ عَلَى غَيْرِهِ بِمَزِيَّةٍ شَرْعِيَّةٍ كَقِدَمٍ وَكَثْرَةِ جَمْعٍ اخْتَارَهُ أَبُو الْعَبَّاسِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْ وَجْهَيْنِ فِي مَذْهَبِنَا، وَلَا يَجُوزُ سَفَرُ الرَّجُلِ إلَى الْمَشَاهِدِ وَالْقُبُورِ وَالْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَبَعْضِ أَصْحَابِهِ، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ مِنْ أَصْحَابِنَا وَإِنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ عِنْدَ الْحُكْمِ الَّذِي أُنْزِلَ لَهُ أَوْ مَا يُنَاسِبُهُ فَحَسَنٌ، كَقَوْلِهِ لِمَنْ دَعَاهُ إلَى ذَنْبٍ تَابَ مِنْهُ ﴿مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا﴾ [النور: ١٦] وَقَوْلُهُ عِنْدَمَا أَهَمَّهُ أَمْرٌ ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٦] .
وَالتَّحْقِيقُ فِي الصَّمْتِ أَنَّهُ إذَا طَالَ حَتَّى يَتَضَمَّنَ تَرْكَ الْكَلَامِ الْوَاجِبِ صَارَ حَرَامًا كَمَا قَالَ الصِّدِّيقُ، وَكَذَا إنْ بَعُدَ بِالصَّمْتِ عَنْ الْكَلَامِ الْمُسْتَحَبِّ.
وَالْكَلَامُ الْحَرَامُ يَجِبُ الصَّمْتُ عَنْهُ، وَفُضُولُ الْكَلَامِ يَنْبَغِي الصَّمْتُ عَنْهُ، وَلَمْ يَرَ أَبُو الْعَبَّاسِ لِمَنْ قَصَدَ الْمَسْجِدَ لِلصَّلَاةِ أَوْ غَيْرِهَا أَنْ يَنْوِيَ الِاعْتِكَافَ مُدَّةَ لُبْثِهِ.
وَالسِّيَاحَةُ فِي الْبِلَادِ لِغَيْرِ قَصْدٍ شَرْعِيٍّ كَمَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ النُّسَّاكِ أَمْرٌ مُنْهَى عَنْهُ قَالَ الْإِمَام أَحْمَدُ: لَيْسَتْ السِّيَاحَةُ مِنْ الْإِسْلَامِ فِي شَيْءٍ وَلَا مِنْ فِعْلِ النَّبِيِّينَ وَالصَّالِحِينَ.
стр. 2287
[كِتَابُ الْحَجِّ]
ِّ وَيَلْزَمُ الْإِنْسَانَ طَاعَةُ وَالِدِيهِ فِي غَيْرِ الْمَعْصِيَةِ وَإِنْ كَانَا فَاسِقَيْنِ، وَهُوَ ظَاهِرُ إطْلَاقِ أَحْمَدَ، وَهَذَا فِيمَا فِيهِ مَنْفَعَةٌ لَهُمَا وَلَا ضَرَرَ، فَإِنْ شَقَّ عَلَيْهِ وَلَمْ يَضُرَّهُ وَجَبَ وَإِلَّا فَلَا، وَإِنَّمَا لَمْ يُقَيِّدْهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ لِسُقُوطِ الْفَرَائِضِ بِالضَّرَرِ وَتَحْرُمُ فِي الْمَعْصِيَةِ وَلَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ، فَحِينَئِذٍ لَيْسَ لِلْأَبَوَيْنِ مَنْعُ وَلَدِهِمَا مِنْ الْحَجِّ الْوَاجِبِ، لَكِنْ يَسْتَطِيبُ أَنْفُسَهُمَا، فَإِنْ أَذِنَا وَإِلَّا حَجَّ وَلَيْسَ لِلزَّوْجِ مَنْعُ زَوْجَتِهِ مِنْ الْحَجِّ الْوَاجِبِ مَعَ ذِي مَحْرَمٍ، وَعَلَيْهَا أَنْ تَحُجَّ وَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ فِي ذَلِكَ، حَتَّى أَنَّ كَثِيرًا مِنْ الْعُلَمَاءِ أَوْ أَكْثَرِهِمْ يُوجِبُونَ لَهَا النَّفَقَةَ عَلَيْهِ مُدَّةَ الْحَجِّ.
وَالْحَجُّ وَاجِبٌ عَلَى الْفَوْرِ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، وَالْقَوْلُ بِوُجُوبِ الْعُمْرَةِ عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ قَوْلٌ ضَعِيفٌ جِدًّا مُخَالِفٌ لِلسُّنَّةِ الثَّابِتَةِ، وَلِهَذَا كَانَ أَصَحُّ الطَّرِيقَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ أَهْلَ مَكَّةَ لَا عُمْرَةَ عَلَيْهِمْ رِوَايَةً وَاحِدَةً، وَفِي غَيْرِهِمْ رِوَايَتَانِ، وَهِيَ طَرِيقَةُ أَبِي مُحَمَّدٍ وَطَرِيقَةُ أَبِي الْبَرَكَاتِ فِي الْعُمْرَةِ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ ثَالِثُهَا تَجِبُ عَلَى غَيْرِ أَهْلِ مَكَّةَ.
وَمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَجُّ فَتُوُفِّيَ قَبْلَهُ وَخَلَّفَ مَالًا حُجَّ عَنْهُ مِنْهُ فِي أَظْهَرِ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ، وَالتِّجَارَةُ لَيْسَتْ مُحَرَّمَةً لَكِنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَفْعَلَ مَا يَشْغَلُهُ عَنْ الْحَجِّ.
وَمَنْ أَرَادَ سُلُوكَ طَرِيقٍ يَسْتَوِي فِيهَا احْتِمَالُ السَّلَامَةِ وَالْهَلَاكِ وَجَبَ عَلَيْهِ الْكَفُّ عَنْ سُلُوكِهَا فَإِنْ لَمْ يَكْفِ فَيَكُونُ أَعَانَ عَلَى نَفْسِهِ فَلَا يَكُونُ شَهِيدًا.
وَيَجُوزُ الْخَفَارَةُ عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَيْهَا فِي الدَّفْعِ عَنْ الْمَخْفِرِ وَلَا يَجُوزُ مَعَ عَدَمِهَا كَمَا يَأْخُذُهُ السُّلْطَانُ مِنْ الرَّعَايَا. وَتَحُجُّ كُلُّ امْرَأَةٍ آمِنَةٍ مَعَ عَدَمِ مَحْرَمٍ.
стр. 2288
قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: وَهَذَا مُتَوَجِّهٌ فِي سَفَرِ كُلِّ طَاعَةٍ وَأَمَّا إمَاءُ الْمَرْأَةِ يُسَافِرْنَ مَعَهَا وَلَا يَفْتَقِرْنَ إلَى مَحْرَمٍ لِأَنَّهُ لَا مَحْرَمَ لَهُنَّ فِي الْعَادَةِ الْغَالِبَةِ، فَأَمَّا عُتَقَاؤُهَا مِنْ الْإِمَاءِ بَيَّضَ لِذَلِكَ أَبُو الْعَبَّاسِ قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ يُتَوَجَّهُ احْتِمَالُ أَنَّهُنَّ كَالْإِمَاءِ عَلَى مَا قَالَ إذْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ مَحْرَمٌ فِي الْعَادَةِ الْغَالِبَةِ، أَوْ احْتِمَالِ عَكْسِهِ لِانْقِطَاعِ التَّبَعِيَّةِ وَمِلْكِ أَنْفُسِهِنَّ بِالْعِتْقِ، بِخِلَافِ الْأَمَةِ.
وَصَحَّحَ أَبُو الْعَبَّاسِ فِي الْفَتَاوَى الْمِصْرِيَّةِ " أَنَّ الْمَرْأَةَ لَا تُسَافِرُ لِلْحَجِّ إلَّا مَعَ زَوْجٍ أَوْ ذِي مَحْرَمٍ، وَالْمَحْرَمُ زَوْجُ الْمَرْأَةِ أَوْ مَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ عَلَى التَّأْبِيدِ بِنَسَبٍ أَوْ سَبَبٍ، وَلَوْ كَانَ النَّسَبُ وَطْءَ شُبْهَةٍ لَا زِنًا وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَأَزْوَاجُ النَّبِيِّ ﷺ أُمَّهَاتُ الْمُؤْمِنِينَ فِي التَّحْرِيمِ لَا الْمَحْرَمِيَّةِ اتِّفَاقًا، وَيَجُوزُ لِلرَّجُلِ الْحَجُّ عَنْ الْمَرْأَةِ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ وَكَذَا الْعَكْسُ عَلَى قَوْلِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَخَالَفَ فِيهِ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ، وَالْحَجُّ عَلَى الْوَجْهِ الْمَشْرُوعِ أَفْضَلُ مِنْ الصَّدَقَةِ الَّتِي لَيْسَتْ وَاجِبَةً.
وَأَمَّا إنْ كَانَ لَهُ أَقَارِبُ مَحَاوِيجُ فَالصَّدَقَةُ عَلَيْهِمْ أَفْضَلُ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ هُنَاكَ قَوْمٌ مُضْطَرُّونَ إلَى نَفَقَتِهِ، فَأَمَّا إذَا كَانَ كِلَاهُمَا تَطَوُّعًا فَالْحَجُّ أَفْضَلُ لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ بَدَنِيَّةٌ مَالِيَّةٌ وَكَذَلِكَ الْأُضْحِيَّةُ وَالْعَقِيقَةُ أَفْضَلُ مِنْ الصَّدَقَةِ بِقِيمَةِ ذَلِكَ، لَكِنْ هَذَا بِشَرْطِ أَنْ يُقِيمَ الْوَاجِبَ فِي الطَّرِيقِ وَيَتْرُكَ الْمُحَرَّمَاتِ وَيُصَلِّيَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ، وَيَصْدُقُ الْحَدِيثَ وَيُؤَدِّي الْأَمَانَةَ وَلَا يَتَعَدَّى عَلَى أَحَدٍ.
[فَصْلٌ مَا يَنْعَقِدُ بِهِ الْإِحْرَامُ]
فَصْلٌ
وَيَنْعَقِدُ الْإِحْرَامُ بِنِيَّةِ النُّسُكِ مَعَ التَّلْبِيَةِ أَوْ سَوْقِ الْهَدْيِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ وَقَالَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ وَحَكَى قَوْلًا لِلشَّافِعِيَّةِ، وَيَحْرُمُ عَقِبَ فَرْضٍ إنْ كَانَ أَوْ نَفْلٍ لِأَنَّهُ لَيْسَ لِلْإِحْرَامِ صَلَاةٌ تَخُصُّهُ. وَيُسْتَحَبُّ لِلْمُحْرِمِ الِاشْتِرَاطُ إنْ كَانَ خَائِفًا وَإِلَّا فَلَا جَمْعًا بَيْنَ الْأَخْبَارِ، وَالْقِرَانُ أَفْضَلُ مِنْ التَّمَتُّعِ إنْ سَاقَ هَدْيًا وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ.
اعْتَمَرَ وَحَجَّ فِي سَفْرَتَيْنِ أَوْ اعْتَمَرَ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ فَالْإِفْرَادُ أَفْضَلُ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ
стр. 2289
الْأَرْبَعَةِ، وَمَنْ أَفْرَدَ الْعُمْرَةَ بِسَفْرَةٍ ثُمَّ قَدِمَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ فَإِنَّهُ يَتَمَتَّعُ، وَالنَّبِيُّ ﷺ حَجَّ قَارِنًا. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: لَا شَكَّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ قَارِنًا وَالتَّمَتُّعُ أَحَبُّ إلَيَّ، قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ وَعَلَى هَذَا مُتَقَدِّمُو أَصْحَابِنَا، وَلَوْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ ثُمَّ أَدْخَلَ عَلَيْهِ الْعُمْرَةَ لَمْ يَجُزْ عَلَى الصَّحِيحِ، وَيَجُوزُ الْعَكْسُ بِالِاتِّفَاقِ وَيَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ الْمُحْرِمَةِ أَنْ تُغَطِّيَ وَجْهَهَا بِمُلَاصِقٍ خَلَا النِّقَابِ وَالْبُرْقُعِ، وَيَجُوزُ عَقْدُ الرِّدَاءِ فِي الْإِحْرَامِ وَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ فِيهِ.
وَمَنْ مِيقَاتُهُ الْجُحْفَةُ كَأَهْلِ مِصْرَ وَالشَّامِ إذَا مَرُّوا عَلَى الْمَدِينَةِ فَلَهُمْ تَأْخِيرُ الْإِحْرَامِ إلَى الْجُحْفَةِ، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ الْإِحْرَامُ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ، وَيَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ لُبْسُ مَقْطُوعِ الْكَعْبَيْنِ مَعَ وُجُودِ النَّعْلِ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْمُفْرَدَاتِ وَأَبُو الْبَرَكَاتِ، وَمَنْ جَامَعَ بَعْدَ التَّحَلُّلِ الْأَوَّلِ يَعْتَمِرُ مُطْلَقًا وَعَلَيْهِ نُصُوصُ أَحْمَدَ وَيُجْزِئُ فِي فِدْيَةِ الْأَذَى رَطْلَا خُبْزٍ عِرَاقِيَّةٍ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ بِأُدْمٍ وَمِمَّا يَأْكُلُهُ أَفْضَلُ مِنْ بُرٍّ أَوْ شَعِيرٍ، وَالْمُحْرِمُ إنْ احْتَاجَ وَقَطَعَ شَعْرَهُ لِحِجَامَةٍ أَوْ غُسْلٍ لَمْ يَضُرَّهُ، وَالْقَمْلُ وَالْبَعُوضُ وَالْقُرَادُ إنْ قَرَصَهُ قَتَلَهُ مُحَابًّا وَإِلَّا فَلَا يَقْتُلُهُ، وَلَا يَجُوزُ قَتْلُ النَّحْلِ وَلَوْ بِأَخْذِ كُلِّ عَسَلِهِ، وَإِنْ لَمْ يَنْدَفِعْ ضَرَرُهُ إلَّا بِقَتْلِهِ جَازَ، وَيُسَنُّ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ وَفِي الطَّوَافِ وَتُسَنُّ الْقِرَاءَةُ فِي الطَّوَافِ لَا الْجَهْرُ بِهَا، فَأَمَّا إنْ غَلَّطَ الْمُصَلِّينَ فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ إذًا، وَجِنْسُ الْقِرَاءَةِ أَفْضَلُ مِنْ جِنْسِ الطَّوَافِ، والشَّاذِرْوَانُ لَيْسَ مِنْ الْبَيْتِ بَلْ جُعِلَ عِمَادًا لَهُ، وَلَا يُشْرَعُ تَقْبِيلُ الْمَقَامِ وَمَسْحُهُ إجْمَاعًا فَسَائِرُ الْمَقَامَاتِ أَوْلَى، وَلَا يُشْرَعُ صُعُودُ جَبَلِ الرَّحْمَةِ إجْمَاعًا.
وَتَخْتَلِفُ أَفْضَلِيَّةُ الْحَجِّ رَاكِبًا أَوْ مَاشِيًا بِحَسَبِ النَّاسِ، وَالْوُقُوفُ رَاكِبًا أَفْضَلُ وَهُوَ الْمَذْهَبُ، يُقَصِّرُ مِنْ شَعْرِهِ، إذَا حَلَّ لَا مِنْ كُلِّ شَعْرَةٍ بِعَيْنِهَا، وَالْحَلْقُ أَوْ التَّقْصِيرُ إمَّا وَاجِبٌ أَوْ مُسْتَحَبٌّ.
وَمَنْ حَكَى عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ مُبَاحٌ فَقَدْ غَلِطَ، وَلَا يُسْتَحَبُّ لِلْمُتَمَتِّعِ أَنْ يَطُوفَ طَوَافَ قُدُومٍ بَعْدَ رُجُوعِهِ مِنْ عَرَفَةَ قَبْلَ الْإِفَاضَةِ هَذَا هُوَ الصَّوَابُ وَقَالَهُ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ وَهُوَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ، وَالْمُتَمَتِّعُ يَكْفِيهِ سَعْيٌ وَاحِدٌ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ، نَقَلَهَا عَبْدُ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ كَالْقَارِنِ، وَيَحِلُّ لِلْمُحْرِمِ بَعْدَ التَّحَلُّلِ كُلُّ شَيْءٍ حَتَّى عَقْدِ النِّكَاحِ هَذَا مَنْصُوصُ أَحْمَدَ إلَّا النِّسَاءَ.
стр. 2290
وَلَيْسَ لِلْإِمَامِ الْمُقِيمِ لِلْمَنَاسِكِ التَّعْجِيلُ لِأَجْلِ مَنْ يَتَأَخَّرُ. قَالَ أَصْحَابُنَا وَإِنْ خَرَجَ إنْسَانٌ غَيْرُ حَاجٍّ فَظَاهِرُ كَلَامِ أَبِي الْعَبَّاسِ لَا يُوَدِّعُ، وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ وَابْنُ الزَّاغُونِيِّ لَا يُوَدِّعُ الْبَيْتَ ظَهْرَهُ حَتَّى يَغِيبَ.
قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: هَذَا بِدْعَةٌ مَكْرُوهَةٌ. وَيَحْرُمُ طَوَافُهُ بِغَيْرِ الْبَيْتِ الْعَتِيقِ اتِّفَاقًا، وَاتَّفَقُوا أَنَّهُ لَا يَقْبَلُهُ وَلَا يَتَمَسَّحُ بِهِ فَإِنَّهُ مِنْ الشِّرْكِ، وَالشِّرْكُ لَا يَغْفِرُهُ اللَّهُ، وَكَذَا الْخُرُوجُ مِنْ مَكَّةَ لِعُمْرَةِ تَطَوُّعٍ بِدْعَةٌ لَمْ يَفْعَلْهُ النَّبِيُّ ﷺ وَلَا أَصْحَابُهُ عَلَى عَهْدِهِ لَا فِي رَمَضَانَ وَلَا فِي غَيْرِهِ، وَلَمْ يَأْمُرْ عَائِشَةَ بِهَا بَلْ أَذِنَ لَهَا بَعْدَ الْمُرَاجَعَةِ تَطْيِيبًا لِقَلْبِهَا، وَطَوَافُهُ بِالْبَيْتِ أَفْضَلُ مِنْ الْخُرُوجِ اتِّفَاقًا وَخُرُوجُهُ عِنْدَ مَنْ لَمْ يَكْرَهْهُ عَلَى سَبِيلِ الْجَوَازِ وَاَلَّذِينَ أَوْجَبُوا الْوُضُوءَ لِلطَّوَافِ لَيْسَ مَعَهُمْ دَلِيلٌ أَصْلًا وَمَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا طَافَ تَوَضَّأَ» فَهَذَا لَا يَدُلُّ فَإِنَّهُ كَانَ يَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ، وَقَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : «مَنْ حَجَّ فَلَمْ يَرْفُثُ وَلَمْ يَفْسُقْ خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» يَدْخُلُ فِيهِ مَنْ أَتَى بِالْعُمْرَةِ وَلِهَذَا أَنْكَرَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَلَى مَنْ قَالَ: إنَّ حَجَّةَ الْمُتَمَتِّعِ حَجَّةٌ مَكِّيَّةٌ.
وَمَنْ اعْتَقَدَ أَنَّ الْحَجَّ يُسْقِطُ مَا عَلَيْهِ مِنْ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ فَإِنَّهُ يُسْتَتَابُ بَعْدَ تَعْرِيفِهِ إنْ كَانَ جَاهِلًا، فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ، وَلَا يَسْقُطُ حَقُّ الْآدَمِيِّ مِنْ مَالٍ أَوْ عَرَضٍ أَوْ دَمٍ بِالْحَجِّ إجْمَاعًا.
وَمَنْ جَرَّدَ مَعَ الْحَاجِّ أَوْ غَيْرِهِ وَجَمَعَ لَهُ مِنْ الْجُنْدِ الْمُقْطَعِينَ مَا يُعِينُهُ عَلَى كُلْفَةِ الطَّرِيقِ أُبِيحَ لَهُ أَخْذُهُ وَلَا يَنْقُصُ أَجْرُهُ، وَلَهُ أَجْرُ الْحَجِّ وَالْجِهَادِ وَلَيْسَ فِي هَذَا اخْتِلَافٌ، وَشَهْرُ السِّلَاحِ عِنْدَ قُدُومِ تَبُوكَ بِدْعَةٌ مُحَرَّمَةٌ وَمَا يَذْكُرُهُ الْجُهَّالُ مِنْ حِصَارِ تَبُوكَ كَذِبٌ لَا أَصْلَ لَهُ. وَالْمُحْصَرُ بِمَرَضٍ أَوْ ذَهَابِ نَفَقَةٍ كَالْمُحْصَرِ بِعَدُوِّ، وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ، وَمِثْلُهُ حَائِضٌ تَعَذَّرَ مَقَامُهَا وَحَرُمَ طَوَافُهَا وَرَجَعَتْ وَلَمْ تَطُفْ لِجَهْلِهَا بِوُجُوبِ طَوَافِ الزِّيَارَةِ أَوْ لِعَجْزِهَا عَنْهُ، أَوْ لِذَهَابِ الرُّفْقَةِ، وَالْمُحْصَرُ يَلْزَمُهُ دَمٌ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ وَلَا يَلْزَمُهُ قَضَاءُ حَجِّهِ إنْ كَانَ تَطَوُّعًا وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ.
[بَابُ الْهَدْيِ وَالْأُضْحِيَّةِ]
ِ وَتَجُوزُ الْأُضْحِيَّةُ بِمَا كَانَ أَصْغَرَ مِنْ الْجَذَعِ مِنْ الضَّأْنِ لِمَنْ ذَبَحَ قَبْلَ صَلَاةِ الْعِيدِ
стр. 2291
جَاهِلًا بِالْحُكْمِ وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مَا يُعْتَدُّ بِهِ فِي الْأُضْحِيَّةِ وَغَيْرِهَا، لِقِصَّةِ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ نِيَارٍ وَيُحْمَلُ قَوْلُهُ ﷺ وَلَنْ يُجْزِئَ أَحَدٌ بَعْدَك أَيْ بَعْدَ حَالِك، وَالْأَجْرُ فِي الْأُضْحِيَّةِ عَلَى قَدْرِ الْقِيمَةِ مُطْلَقًا، وَتُجْزِي الْهَتْمَاءُ الَّتِي سَقَطَ بَعْضُ أَسْنَانِهَا فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ، وَلَا تَضْحِيَةَ بِمَكَّةَ وَإِنَّمَا هُوَ الْهَدْيُ، وَإِذَا ذَبَحَ قَالَ: اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنِّي كَمَا تَقَبَّلْت مِنْ إبْرَاهِيمَ.
وَلَا يُسْتَحَبُّ أَخْذُ شَعْرِهِ بَعْدَ ذَبْحِ الْأُضْحِيَّةِ وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ، وَالتَّضْحِيَةُ عَنْ الْمَيِّتِ أَفْضَلُ مِنْ الصَّدَقَةِ بِثَمَنِهَا، وَآخِرُ وَقْتِ ذَبْحِ الْأُضْحِيَّةِ آخِرُ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَحَدُ الْقَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ.
وَلَمْ يُنْسَخْ تَحْرِيمُ الِادِّخَارِ عَامَ مَجَاعَةٍ لِأَنَّهُ سَبَبُ التَّحْرِيمِ، وَقَالَهُ طَائِفَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَمَنْ عَدِمَ مَا يُضَحَّى بِهِ وَيُعَقُّ اقْتَرَضَ وَضَحَّى وَعَقَّ مَعَ عَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى الْوَفَاءِ، وَالْأُضْحِيَّةُ مِنْ النَّفَقَةِ بِالْمَعْرُوفِ فَتُضَحِّي امْرَأَةٌ مِنْ مَالِ زَوْجِهَا عَنْ أَهْلِ الْبَيْتِ بِلَا إذْنِهِ، وَمَدِينٍ لَمْ يُطَالِبْهُ رَبُّ الدَّيْنِ وَلَا يُعْتَبَرُ التَّمْلِيكُ فِي الْعَقِيقَةِ.
стр. 2292
[كِتَابُ الْبَيْعِ]
ِ وَكُلُّ مَا عَدَّهُ النَّاسُ بَيْعًا أَوْ هِبَةً مِنْ مُتَعَاقِبٍ أَوْ مُتَرَاخٍ مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ انْعَقَدَ بِهِ الْبَيْعُ وَالْهِبَةُ وَيَجُوزُ بَيْعُ الطَّيْرِ لِقَصْدِ صَوْتِهِ إذَا جَازَ حَبْسُهُ، وَفِيهِ احْتِمَالَانِ لِابْنِ عَقِيلٍ، وَاخْتَارَ أَبُو الْعَبَّاسِ صِحَّةَ الْبَيْعِ بِغَيْرِ صِفَةٍ وَهُوَ بِالْخِيَارِ إذَا رَآهُ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ وَمَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ وَضَعَّفَهُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ، وَالْبَيْعُ بِالصِّفَةِ السَّلِيمَةِ صَحِيحٌ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَحْمَدَ.
وَإِنْ بَاعَهُ لَبَنًا مَوْصُوفًا فِي الذِّمَّةِ وَاشْتَرَطَ كَوْنَهُ مِنْ هَذِهِ الشَّاةِ أَوْ الْبَقَرَةِ صَحَّ وَيَجُوزُ بَيْعُ الْكَلَإِ وَنَحْوِهِ الْمَوْجُودِ فِي أَرْضِهِ إذَا قَصَدَ اسْتِنْبَاتَهُ، وَيَصِحُّ بَيْعُ مَا فُتِحَ عَنْوَةً أَوْ لَمْ يُقْسَمْ مِنْ أَرْضِ الشَّامِ وَمِصْرَ وَالْعِرَاقِ، وَيَكُونُ فِي يَدِ مُشْتَرِيهِ بِخَرَاجِهِ، وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ وَأَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ، وَجَوَّزَ أَحْمَدُ أَصْدَاقَهَا وَقَالَهُ أَبُو الْبَرَكَاتِ وَتَأَوَّلَهُ الْقَاضِي عَلَى نَفْعِهَا وَالْمُؤَثِّرُ بِهَا أَحَقُّ بِلَا خِلَافٍ، وَإِذَا جَعَلَهَا الْإِمَامُ فَيْئًا صَارَ ذَلِكَ حُكْمًا بَاقِيًا فِيهِمَا دَائِمًا.
وَلَا تَعُودُ إلَى الْغَانِمِينَ وَلَيْسَ غَيْرُهُمْ مُخْتَصًّا بِهَا وَمَكَّةُ الْمُشَرَّفَةُ فُتِحَتْ عَنْوَةً وَيَجُوزُ بَيْعُهَا لَا إجَارَتُهَا، فَإِنْ اسْتَأْجَرَهَا فَالْأُجْرَةُ سَاقِطَةٌ يَحْرُمُ بَذْلُهَا، وَيَصِحُّ بَيْعُ الْحَيَوَانِ الْمَذْبُوحِ مَعَ جِلْدِهِ وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ، وَكَذَا لَوْ أُفْرِدَ أَحَدُهُمَا بِالْبَيْعِ، وَيَصِحُّ بَيْعُ الْمَغْرُوسِ فِي الْأَرْضِ الَّذِي يَظْهَرُ وَرَقُهُ كَالْقَتِّ وَالْجَوْزِ وَالْقُلْقَاسِ وَالْفُجْلِ وَالْبَصَلِ وَشَبِيهِ ذَلِكَ، وَقَالَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا وَيَصِحُّ الْبَيْعُ بِالرَّقْمِ وَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ وَتَأَوَّلَهُ الْقَاضِي وَبِمَا يَنْقَطِعُ بِهِ السِّعْرُ، وَكَمَا يَبِيعُ النَّاسُ وَهُوَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ.
وَلَوْ بَاعَ وَلَمْ يُسَمِّ الثَّمَنَ صَحَّ بِثَمَنِ الْمِثْلِ كَالنِّكَاحِ، وَلَا يَصِحُّ بَيْعُ مَا قَصْدُهُ بِهِ
стр. 2293
الْحَرَامَ كَعَصِيرٍ يَتَّخِذُهُ خَمْرًا إذَا عَلِمَ ذَلِكَ كَمَذْهَبِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ، أَوْ ظَنَّ وَهُوَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ يُؤَيِّدُهُ أَنَّ الْأَصْحَابَ قَالُوا لَوْ ظَنَّ الْآجِرُ أَنَّ الْمُسْتَأْجِرَ يَسْتَأْجِرُ الدَّارَ لِمَعْصِيَةٍ كَبَيْعِ الْخَمْرِ وَنَحْوِهَا لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يُؤَجِّرَهُ تِلْكَ الدَّارَ، وَلَمْ تَصِحَّ الْإِجَارَةُ، وَالْبَيْعُ وَالْإِجَارَةُ سَوَاءٌ.
وَإِذَا جَمَعَ الْبَائِعُ بَيْنَ عَقْدَيْنِ مُخْتَلِفَيْ الْحُكْمِ بِعِوَضَيْنِ مُتَمَيِّزَيْنِ لَمْ يَكُنْ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَقْبَلَ أَحَدَهُمَا بِعِوَضِهِ، وَيَحْرُمُ الشِّرَاءُ عَلَى شِرَاءِ أَخِيهِ، وَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ كَانَ لِلْمُشْتَرِي الْأَوَّلِ مُطَالَبَةُ الْبَائِعِ بِالسِّلْعَةِ وَأَخَذَ السِّلْعَةَ أَوْ عِوَضَهَا.
وَمَنْ اسْتَوْلَى عَلَى مِلْكِ إنْسَانٍ بِلَا حَقٍّ وَمَنَعَهُ إيَّاهُ حَتَّى يَبِيعَهُ إيَّاهُ فَهُوَ كَبَيْعِ الْمُكْرَهِ بِغَيْرِ عِوَضٍ وَيُكْرَهُ أَنْ يَتَمَنَّى الْغَلَاءَ. قَالَ أَحْمَدُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَتَمَنَّى الْغَلَاء، وَمَنْ قَالَ لِآخَرَ: اشْتَرِنِي مِنْ زَيْدٍ فَإِنِّي عَبْدُهُ فَاشْتَرَاهُ فَبَانَ حُرًّا، فَإِنَّهُ يُؤَاخِذُ الْبَائِعَ وَالْمُقِرَّ بِالثَّمَنِ فَإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا أَوْ غَابَ آخَذَ الْآخَرَ بِالثَّمَنِ وَنَقَلَهُ ابْنُ الْحَكَمِ عَنْ أَحْمَدَ.
وَبَيْعُ الْأَمَانَةِ بَاطِلٌ وَيَجِبُ الْمُعَاوَضَةُ بِثَمَنِ الْمِثْلِ لِأَنَّهَا مَصْلَحَةٌ عَامَّةٌ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَا يَرْبَحُ عَلَى الْمُسْتَرْسِلِ أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِهِ، وَكَذَا الْمُضْطَرِّ الَّذِي لَا يَجِدُ حَاجَتَهُ إلَّا عِنْدَ شَخْصٍ يَنْبَغِي أَنْ يَرْبَحَ عَلَيْهِ مِثْلَ مَا يَرْبَحُ عَلَى غَيْرِهِ، وَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ بِالْقِيمَةِ الْمَعْرُوفَةِ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ، قَالَ أَبُو طَالِبٍ قِيلَ لِأَحْمَدَ إنْ رَبِحَ الرَّجُلُ فِي الْعَشَرَةِ خَمْسَةً يُكْرَهُ ذَلِكَ، قَالَ إذَا كَانَ أَجَلُهُ إلَى سَنَةٍ أَوْ أَقَلَّ بِقَدْرِ الرِّبْحِ فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَقَالَ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ مُحَمَّدٍ سَمِعْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ بَيْعُ النَّسِيئَةِ إذَا كَانَ مُقَارِبًا فَلَا بَأْسَ، وَهَذَا يَقْتَضِي كَرَاهَةَ الرِّبْحِ الْكَثِيرِ الَّذِي يَزِيدُ عَلَى قَدْرِ الْأَجَلِ لِأَنَّهُ شِبْهُ بَيْعِ الْمُضْطَرِّ، وَهَذَا يَعُمُّ بَيْعَ الْمُرَابَحَةِ وَالْمُسَاوَمَةِ.
وَمَنْ ضَمِنَ مَكَانًا لِلْبَيْعِ وَيَشْتَرِي فِيهِ وَحْدَهُ كُرِهَ الشِّرَاءُ مِنْهُ بِلَا حَقٍّ، وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ أَخْذُ زِيَادَةٍ بِلَا حَقٍّ. اتَّفَقَ أَهْلُ السُّوقِ عَلَى أَنْ لَا يَتَزَايَدُوا فِي السِّلْعَةِ وَهُمْ مُحْتَاجُونَ إلَيْهَا لِيَبِيعَهَا صَاحِبُهَا بِدُونِ قِيمَتِهَا فَإِنَّ ذَلِكَ فِيهِ مِنْ غِشِّ النَّاسِ مَا لَا يَخْفَى، وَإِنْ ثَمَّ مِنْ بُدٍّ فَلَا بَأْسَ، وَمَنْ مَلَكَ مَاءً نَابِعًا كَبِئْرٍ مَحْفُورَةٍ فِي مِلْكِهِ أَوْ عَيْنِ مَاءٍ فِي أَرْضِهِ فَلَهُ بَيْعُ الْبِئْرِ وَالْعَيْنِ جَمِيعًا، وَيَجُوزُ بَيْعُ بَعْضِهَا مُشَاعًا كَأُصْبُعٍ أَوْ أُصْبُعَيْنِ مِنْ قَنَاةٍ، وَإِنْ كَانَ أَصْلُ الْقَنَاةِ فِي أَرْضٍ مُبَاحَةٍ فَكَيْفَ إذَا كَانَ أَصْلُهَا فِي أَرْضِهِ.
قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: وَهَذَا لَا أَعْلَمُ فِيهِ نِزَاعًا، وَإِنْ كَانَتْ الْعَيْنُ يَنْبُعُ مَاؤُهَا شَيْئًا فَشَيْئًا فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَرْطِ الْمَبِيعِ أَنْ يُرَى جَمِيعُهُ، بَلْ مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ بِرُؤْيَتِهِ وَأَمَّا مَا يَتَجَدَّدُ وَمِثْلُ الْمَنَابِعِ وَنَقْعِ الْبِئْرِ فَلَا يَشْتَرِطُ أَحَدٌ رُؤْيَتَهُ فِي بَيْعٍ وَلَا إجَارَةٍ وَإِنَّمَا تَنَازَعُوا لَوْ بَاعَ
стр. 2294
الْمَاءَ دُونَ الْقَرَارِ؛ وَفِي الصِّحَّةِ قَوْلَانِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ هَلْ يُمْلَكُ وَتَنَازَعُوا إذَا بَاعَ الْأَرْضَ وَلَمْ يَذْكُرْ الْمَاءَ هَلْ يَدْخُلُ أَمْ لَا؟
فَصْلٌ
وَلَوْ قَالَ الْبَائِعُ: بِعْتُك لَوْ جِئْتَنِي بِكَذَا أَوْ إنْ رَضِيَ زَيْدٌ صَحَّ الْبَيْعُ، وَالشَّرْطُ وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ وَتَصِحُّ الشُّرُوطُ الَّتِي لَمْ تُخَالِفْ الشَّرْعَ فِي جَمِيعِ الْعُقُودِ، فَلَوْ بَاعَ جَارِيَةً وَشَرَطَ عَلَى الْمُشْتَرِي إنْ بَاعَهَا فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا بِالثَّمَنِ صَحَّ الْبَيْعُ وَالشَّرْطُ، وَنُقِلَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَعَنْ أَحْمَدَ نَحْوُ الْعِشْرِينَ نَصًّا عَلَى صِحَّةِ الشُّرُوطِ. وَأَنَّهُ يَحْرُمُ الْوَطْءُ لِنَقْصِ الْمِلْكِ.
سَأَلَ أَبُو طَالِبٍ الْإِمَامَ أَحْمَدَ عَمَّنْ اشْتَرَى أَمَةً يَشْتَرِطُ أَنْ يَتَسَرَّى بِهَا لَا لِلْخِدْمَةِ قَالَ لَا بَأْسَ بِهِ، وَهَذَا مِنْ أَحْمَدَ يَقْتَضِي أَنَّهُ إذَا شَرَطَ عَلَى الْبَائِعِ فِعْلًا أَوْ تَرْكًا فِي الْبَيْعِ مِمَّا هُوَ مَقْصُودٌ لِلْبَائِعِ أَوْ لِلْبَيْعِ نَفْسِهِ صَحَّ الْبَيْعُ وَالشَّرْطُ كَاشْتِرَاطِ الْعِتْقِ، وَكَمَا اشْتَرَطَ عُثْمَانُ لِصُهَيْبٍ وَقْفَ دَارِهِ عَلَيْهِ، وَمِثْلُ هَذَا أَنْ يَبِيعَهُ بِشَرْطِ أَنْ يُعَلِّمَهُ أَوْ لَا يُخْرِجَهُ مِنْ ذَلِكَ الْبَلَدِ أَوْ لَا يَسْتَعْمِلَهُ فِي الْعَمَلِ الْفُلَانِيِّ، أَوْ أَنْ يُزَوِّجَهُ أَوْ يُسَاوِيَهُ فِي الْمَطْعَمِ، أَوْ لَا يَبِيعَهُ أَوْ لَا يَهَبَهُ.
فَإِذَا امْتَنَعَ الْمُشْتَرِي مِنْ الْوَفَاءِ فَهَلْ يُجْبَرُ عَلَيْهِ أَوْ يَنْفَسِخُ، عَلَى وَجْهَيْنِ وَهُوَ قِيَاسُ قَوْلِنَا إذَا شَرَطَ فِي النِّكَاحِ أَنْ لَا يُسَافِرَ بِهَا أَوْ لَا يَتَزَوَّجَ إذْ لَا فَرْقَ فِي الْحَقِيقَةِ بَيْنَ الزَّوْجَةِ وَالْمَمْلُوكِ، وَإِذَا شَرَطَ الْبَائِعُ نَفْعَ الْمَبِيعِ لِغَيْرِهِ مُدَّةً مَعْلُومَةً، فَمُقْتَضَى كَلَامِ أَصْحَابِنَا جَوَازُهُ، فَإِنَّهُمْ احْتَجُّوا بِحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّهَا أَعْتَقَتْ سَفِينَةَ وَشَرَطَتْ عَلَيْهِ أَنَّهُ يَخْدُمُ النَّبِيَّ ﷺ مَا عَاشَ وَاسْتِثْنَاءُ خِدْمَةِ غَيْرِهِ فِي الْعِتْقِ كَاسْتِثْنَائِهَا فِي الْبَيْعِ، وَشَرْطُ الْبَرَاءَةِ مِنْ كُلِّ عَيْبٍ بَاطِلٌ، وَعَلَّلَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا بِأَنَّهُ خِيَارٌ يَثْبُتُ بَعْدَ الْبَيْعِ فَلَا يَسْقُطُ قَبْلَهُ كَالشُّفْعَةِ، وَمُقْتَضَى هَذَا التَّعْلِيلِ صِحَّةُ الْبَرَاءَةِ مِنْ الْعُيُوبِ بَعْدَ عَقْدِ الْبَيْعِ.
وَقَالَ الْمُخَالِفُ فِي صِحَّةِ الْبَرَاءَةِ إسْقَاطُ حَقٍّ وَصَحَّ فِي الْمَجْهُولِ كَالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ قِيلَ لَهُ وَالْجَوَابُ أَنَّا نَقُولُ بِوُجُوبِهِ، وَأَنَّهُ يَصِحُّ فِي الْمَجْهُولِ لَكِنْ بَعْدَ وُجُوبِهِ وَالصَّحِيحُ فِي مَسْأَلَةِ الْبَيْعِ بِشَرْطِ الْبَرَاءَةِ مِنْ كُلِّ عَيْبٍ، وَاَلَّذِي قَضَى بِهِ الصَّحَابَةُ وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ الْبَائِعَ إذَا لَمْ يَكُنْ عَلِمَ بِذَلِكَ الْعَيْبِ فَلَا رَدَّ لِلْمُشْتَرِي، لَكِنْ إذَا ادَّعَى أَنَّ الْبَائِعَ عَلِمَ بِذَلِكَ فَأَنْكَرَ الْبَائِعُ حَلَفَ أَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ فَإِنْ نَكَلَ قُضِيَ عَلَيْهِ.
стр. 2295
[فَصْلٌ خِيَارُ الْمَجْلِسِ فِي الْبَيْعِ]
فَصْلٌ وَيَثْبُتُ خِيَارُ الْمَجْلِسِ فِي الْبَيْعِ، وَيَثْبُتُ خِيَارُ الشَّرْطِ فِي كُلِّ الْعُقُودِ وَلَوْ طَالَتْ الْمُدَّةُ، فَإِنْ أَطْلَقَا الْخِيَارَ وَلَمْ يُوَقِّتَاهُ بِمُدَّةٍ تَوَجَّهَ أَنْ يَثْبُتَ ثَلَاثًا لِخَبَرِ حِبَّانَ بْنِ مُنْقِذٍ.
وَلِلْبَائِعِ الْفَسْخُ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ إذَا رَدَّ الثَّمَنَ وَإِلَّا فَلَا، وَنَقَلَ أَبُو طَالِبٍ عَنْ أَحْمَدَ وَكَذَا التَّمَلُّكَاتُ الْقَهْرِيَّةُ لِإِزَالَةِ الضَّرَرِ كَالْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ وَأَخْذِ الْغِرَاسِ وَالْبِنَاءِ مِنْ الْمُسْتَعِيرِ وَالْمُسْتَأْجِرِ، وَالزَّرْعِ مِنْ الْغَاصِبِ، وَيَثْبُتُ خِيَارُ الْغَبْنِ الْمُسْتَرْسَلِ إلَى الْبَائِعِ لَمْ يُمَاكِسْهُ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَحْمَدَ وَإِنْ عَلَّقَ عِتْقَ عَبْدِهِ بِبَيْعِهِ وَكَانَ قَصْدُهُ بِالتَّعْلِيقِ الْيَمِينَ دُونَ التَّبَرُّرِ بِعِتْقِهِ أَجْزَأَهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَإِنْ قَصَدَ بِهِ التَّقَرُّبَ كَانَ عِتْقُهُ مُسْتَحَقًّا كَالنَّذْرِ فَلَا يَصِحُّ بَيْعُهُ، وَيَكُونُ الْعِتْقُ مُطْلَقًا عَلَى صُورَةِ الْبَيْعِ.
وَطَرَدَ أَبُو الْعَبَّاسِ قَوْلَهُ: هَذَا فِي تَعْلِيقِ الطَّلَاقِ عَلَى الْفَسْخِ وَالْخُلْعِ، فَجَعَلَهُ مُعَلَّقًا عَلَى صُورَةِ الْفَسْخِ وَالْخُلْعِ الْمُعَلَّقِ عَلَيْهِ فَلَا يَمْتَنِعُ وُقُوعُ الطَّلَاقِ مَعَهُ، عَلَى رَأْيِ ابْنِ حَامِدٍ، حَيْثُ أَوْقَعَهُ مَعَ الْبَيْنُونَةِ بِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، فَكَذَا بِالْفَسْخِ، وَيَحْرُمُ كَتْمُ الْعَيْبِ فِي السِّلْعَةِ. وَكَذَا لَوْ أَعْلَمَهُ بِهِ وَلَمْ يُعْلِمْهُ قَدْرَ عَيْبِهِ وَيَجُوزُ عِقَابُهُ بِإِتْلَافِهِ أَوْ التَّصَدُّقِ بِهِ، وَقَدْ أَفْتَى بِهِ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، وَيَحْرُمُ تَغْرِيرُ مُشْتَرٍ بِأَنْ يَسُومَهُ كَثِيرًا لِيَبْذُلَ قَرِيبًا مِنْهُ.
وَالنَّمَاءُ الْمُتَّصِلُ فِي الْأَعْيَانِ الْمَمْلُوكَةِ الْعَائِدَةِ إلَى مَنْ انْتَقَلَ الْمِلْكُ عَنْهُ لَا يَتْبَعُ الْأَعْيَانَ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ، حَيْثُ قَالَ إذَا اشْتَرَى غَنَمًا فَنَمَتْ ثُمَّ اُسْتُحِقَّتْ فَالنَّمَاءُ لَهُ، وَهَذَا يَعُمُّ الْمُتَّصِلَ وَالْمُنْفَصِلَ، وَإِذَا اشْتَرَى شَيْئًا فَظَهَرَ بِهِ عَيْبٌ عَلَى عَيْبٍ فَلَهُ أَرْشُهُ إنْ تَعَذَّرَ رَدُّهُ وَإِلَّا فَلَا، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ، وَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ.
وَكَذَا فِي نَظَائِرِهِ كَالصَّفْقَةِ إذَا تَفَرَّقَتْ، وَالْمَذْهَبُ يُخَيِّرُ الْمُشْتَرِيَ بَيْنَ الرَّدِّ وَأَخْذِ الثَّمَنِ وَإِمْسَاكِهِ وَأَخْذِ الْأَرْشِ، فَعَلَيْهِ يُجْبَرُ الْمُشْتَرِي عَلَى الرَّدِّ وَأَخْذِ الْأَرْشِ لِتَضَرُّرِ الْبَائِعِ بِالتَّأْخِيرِ، وَإِذَا أَبَقَتْ الْجَارِيَةُ عِنْدَ الْمُشْتَرِي وَكَانَتْ مَعْرُوفَةً بِذَلِكَ قَبْلَ الْبَيْعِ، وَكَتَمَهُ الْبَائِعُ رَجَعَ الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ فِي الْأَصَحِّ.
стр. 2296
وَالْجَارُ السُّوءُ عَيْبٌ، وَإِذَا ظَهَرَ عُسْرُ الْمُشْتَرِي أَوْ مَطَلَهُ فَلِلْبَائِعِ الْفَسْخُ، وَيَمْلِكُ الْمُشْتَرِي الْمَبِيعَ بِالْعَقْدِ وَيَصِحُّ عِتْقُهُ قَبْلَ الْقَبْضِ إجْمَاعًا فِيهِمَا، وَمَنْ اشْتَرَى شَيْئًا لَمْ يَبِعْهُ قَبْلَ قَبْضِهِ سَوَاءٌ الْمَكِيلُ وَالْمَوْزُونُ وَغَيْرُهُمَا.
وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ اخْتَارَهَا ابْنُ عَقِيلٍ وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ الْعَبَّاسِ ﵄ وَسَوَاءٌ كَانَ الْمَبِيعُ مِنْ ضَمَانِ الْمُشْتَرِي أَوْ لَا وَعَلَى ذَلِكَ تَدُلُّ أُصُولُ أَحْمَدَ كَتَصَرُّفِ الْمُشْتَرِي فِي الثَّمَرَةِ قَبْلَ جَدِّهَا فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ وَهِيَ مَضْمُونَةٌ عَلَى الْبَائِعِ وَكَصِحَّةِ تَصَرُّفِ الْمُسْتَأْجِرِ فِي الْعَيْنِ الْمُؤَجَّرَةِ بِالْإِجَارَةِ وَهِيَ مَضْمُونَةٌ عَلَى الْمُؤَجِّرِ، وَيَمْتَنِعُ التَّصَرُّفُ فِي صُبْرَةِ الطَّعَامِ الْمُشْتَرَاةِ جُزَافًا عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَهِيَ اخْتِيَارُ الْخِرَقِيِّ مَعَ أَنَّهَا مِنْ ضَمَانِ الْمُشْتَرِي.
وَهَذِهِ طَرِيقَةُ الْأَكْثَرِينَ وَعِلَّةُ النَّهْيِ عَنْ الْبَيْعِ قَبْلَ الْقَبْضِ لَيْسَتْ تَوَالِي الضَّمَانَيْنِ بَلْ عَجْزُ الْمُشْتَرِي عَنْ تَسْلِيمِهِ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ قَدْ يُسَلِّمُهُ وَقَدْ لَا يُسَلِّمُهُ، لَا سِيَّمَا إذَا رَأَى الْمُشْتَرِي قَدْ رَبِحَ فَيَسْعَى فِي رَدِّ الْبَيْعِ إمَّا بِجَحْدٍ أَوْ بِاحْتِيَالٍ فِي الْفَسْخِ، وَعَلَى هَذِهِ الْعِلَّةِ تَجُوزُ التَّوْلِيَةُ فِي الْمَبِيعِ قَبْلَ قَبْضِهِ، وَهُوَ مُخَرَّجٌ مِنْ جَوَازِ بَيْعِ الدَّيْنِ.
وَيَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِيهِ بِغَيْرِ الْبَيْعِ وَيَجُوزُ بَيْعُهُ لِبَائِعِهِ وَالشَّرِكَةُ فِيهِ، وَكُلُّ مَا مُلِكَ بِعَقْدٍ سِوَى الْبَيْعِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِيهِ بِغَيْرِ الْبَيْعِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِيهِ قَبْلَ قَبْضِهِ بِالْبَيْعِ وَغَيْرِهِ لِعَدَمِ قَصْدِ الرِّبْحِ، وَإِذَا تَعَيَّنَ مِلْكُ إنْسَانٍ فِي مَوْرُوثٍ أَوْ وَصِيَّةٍ أَوْ غَنِيمَةٍ لَمْ يُعْتَبَرْ لِصِحَّةِ تَصَرُّفِهِ قَبْضُهُ بِلَا خِلَافٍ، وَيَنْتَقِلُ الضَّمَانُ إلَى الْمُشْتَرِي بِتَمَكُّنِهِ مِنْ الْقَبْضِ، وَظَاهِرُ مَذْهَبِ أَحْمَدَ الْفَرْقُ بَيْنَ تَمَكُّنِ قَبْضِهِ وَغَيْرِهِ لَيْسَ هُوَ الْفَرْقَ بَيْنَ الْمَقْبُوضِ وَغَيْرِهِ.
[بَابُ الرَّبَّا]
وَالْعِلَّةُ فِي تَحْرِيمِ رِبَا الْفَضْلِ الْكَيْلُ أَوْ الْوَزْنُ مَعَ الطُّعْمِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ، وَيَجُوزُ بَيْعُ الْمَصُوغِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ بِجِنْسِهِ مِنْ غَيْرِ اشْتِرَاطِ التَّمَاثُلِ، وَيُجْعَلُ الزَّائِدُ فِي مُقَابَلَةِ الصِّيغَةِ لَيْسَ بِرِبًا وَلَا بِجِنْسٍ بِنَفْسِهِ، فَيُبَاعُ خُبْزٌ بِهَرِيسَةٍ وَزَيْتٌ بِزَيْتُونٍ، وَسِمْسِمٌ بِشَيْرَجٍ.
وَالْمَعْمُولُ مِنْ النُّحَاسِ وَالْحَدِيدِ إذَا قُلْنَا يَجْرِي الرِّبَا فِيهِ يَجْرِي فِي
стр. 2297
مَعْمُولِهِ إذَا كَانَ يُقْصَدُ وَزْنُهُ بَعْدَ الصَّنْعَةِ كَثِيَابِ الْحَرِيرِ وَالْأَسْطَالِ وَنَحْوِهَا وَإِلَّا فَلَا، وَهُوَ ثَالِثُ أَقْوَالِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَيَحْرُمُ بَيْعُ اللَّحْمِ بِحَيَوَانٍ مِنْ جِنْسِهِ مَقْصُودًا لِلَّحْمِ.
وَيَجُوزُ بَيْعُ الْمَوْزُونَاتِ الرِّبَوِيَّةِ بِالتَّحَرِّي، وَقَالَهُ مَالِكٌ، وَمَا لَا يَخْتَلِفُ فِيهِ الْكَيْلُ وَالْوَزْنُ مِثْلُ الْأَدْهَانِ يَجُوزُ بَيْعُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ كَيْلًا وَوَزْنًا، وَعَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ، وَيَجُوزُ الْعَرَايَا فِي جَمِيعِ الْعَرَايَا وَالزُّرُوعِ، وَيَجُوزُ مَسْأَلَةٌ مِنْ عَجْوَةٍ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ وَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَظَاهِرُ مَذْهَبِ أَحْمَدَ جَوَازُ بَيْعِ السَّيْفِ الْمُحَلَّى بِجِنْسِ حِلْيَتِهِ لِأَنَّ الْحِلْيَةَ لَيْسَتْ بِمَقْصُودَةٍ.
وَيَجُوزُ بَيْعُ فِضَّةٍ لَا يَقْصِدُ غِشَّهَا بِخَالِصَةٍ مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَلَا يُشْتَرَطُ الْحُلُولُ وَالتَّقَابُضُ فِي صَرْفِ الْفُلُوسِ النَّافِقَةِ بِأَحَدِ النَّقْدَيْنِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ نَقَلَهَا أَبُو مَنْصُورٍ وَاخْتَارَهَا ابْنُ عَقِيلٍ، وَمَا جَازَ التَّفَاضُلُ فِيهِ كَالثِّيَابِ وَالْحَيَوَانِ يَجُوزُ النَّسَاءُ فِيهِ إنْ كَانَ مُتَسَاوِيًا وَإِلَّا فَلَا، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ، وَإِنْ اصْطَرَفَا دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِمَا جَازَ.
وَحَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ خِلَافًا لِمَا نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، وَيَحْرُمُ مَسْأَلَةُ التَّوَرُّقِ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ وَمَنْ بَاعَ رِبَوِيًّا نَسِيئَةً حَرُمَ أَخْذُهُ عَنْ ثَمَنِ مَا لَا يُبَاعُ نَسِيئَةً مَا لَمْ تَكُنْ حَاجَةٌ.
وَهُوَ تَوَسُّطٌ بَيْنَ الْإِمَامِ أَحْمَدَ فِي تَحْرِيمِهِ وَالشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ الْمَقْدِسِيَّ فِي حِلِّهِ، وَالتَّحْقِيقُ فِي عُقُودِ الرِّبَا إذَا لَمْ يَحْصُلُ فِيهَا الْقَبْضُ أَنْ لَا عَقْدَ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ يَقُولُ بَطَلَ الْعَقْدُ فَهُوَ بُطْلَانٌ مَا لَمْ يَتِمَّ بُطْلَانُ مَا تَمَّ، وَالْكِيمْيَاءُ بَاطِلَةٌ مُحَرَّمَةٌ وَتَحْرِيمُهَا أَشَدُّ مِنْ تَحْرِيمِ الرِّبَا، وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الْكُتُبِ الَّتِي تَشْتَمِلُ عَلَى مَعْرِفَةِ صِنَاعَتِهَا وَأَفْتَى بَعْضُ وُلَاةِ الْأُمُورِ بِإِتْلَافِهَا.
[فَصْلٌ بَيْعُ الْمَقَاثِي جُمْلَةً بِعُرُوقِهَا]
فَصْلٌ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْمَقَاثِي جُمْلَةً بِعُرُوقِهَا سَوَاءٌ بَدَا صَلَاحُهَا أَوْ لَا، وَهَذَا الْقَوْلُ لَهُ مَأْخَذَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْعُرُوقَ كَأُصُولِ الشَّجَرِ، فَبَيْعُ الْخَضْرَاوَات قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا كَبَيْعِ الشَّجَرِ بِثَمَرِهِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهِ يَجُوزُ تَبَعًا.
وَالْمَأْخَذُ الثَّانِي وَهُوَ الصَّحِيحُ أَنَّ هَذِهِ لَمْ تَدْخُلْ فِي نَهْيِ النَّبِيِّ ﷺ بَلْ يَصِحُّ الْعَقْدُ عَلَى اللُّقَطَةِ الْمَوْجُودَةِ
стр. 2298
وَاللُّقَطَةِ الْمَعْدُومَةِ إلَى أَنْ تَيْبَسَ الْمَقْثَأَةُ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ دَاعِيَةٌ إلَى ذَلِكَ.
وَيَجُوزُ بَيْعُ الْمَقَاثِي دُونَ أُصُولِهَا وَقَالَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا، وَإِذَا بَدَا صَلَاحُ بَعْضِ شَجَرَةٍ جَازَ بَيْعُهَا وَبَيْعُ ذَلِكَ الْجِنْسِ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ، وَقَوْلُ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ. وَبَقِيَّةُ الْأَجْنَاسِ الَّتِي سَاءَ حَمْلُهُ فَإِنَّ أَصْحَابَ ذَلِكَ أَوْ الزَّرْعِ الَّذِي بِجَائِحَةٍ وَلَوْ مِنْ جَرَادٍ أَوْ جَيْشٍ لَا يُمْكِنُ تَضْمِينُهُ فَمِنْ ضَمَانِ بَائِعِهِ إنْ لَمْ يُفَرِّطْ الْمُشْتَرِي، وَثَبَتَتْ الْجَائِحَةُ فِي الْمَزَارِعِ، كَمَا إذَا اكْتَرَى الْأَرْضَ بِأَلْفٍ مَثَلًا وَكَانَتْ تُسَاوِي بِالْجَائِحَةِ سَبْعَمِائَةٍ، وَبَعْضُ النَّاسِ يَظُنُّ أَنَّ هَذَا خِلَافُ مَا فِي الْمَعْنَى أَنَّ نَفْسَهُ إذَا تَلِفَ يَكُونُ مِنْ ضَمَانِ الْمُسْتَأْجِرِ مِنْ صَاحِبِ الزَّرْعِ لَا يَكُونُ كَالثَّمَرَةِ الْمُشْتَرَاةِ، فَهَذَا مَا فِيهِ خِلَافٌ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي نَفْسِ أُجْرَةِ الْأَرْضِ وَنَقْصِ قِيمَتِهَا فَيَكُونُ كَمَا لَوْ انْقَطَعَ الْمَاءُ عَنْ الرَّحَا وَنَبَتَتْ الْجَائِحَةُ فِي الْمَزَارِعِ.
وَلَوْ قَالَ فِي الْإِجَارَةِ: إنَّهُ أَجَّرَهُ إيَّاهَا مُقِيلًا أَوْ مُضِيفًا أَوْ مَرَاحًا أَوْ مَزْرُوعًا، وَثَبَتَتْ الْجَائِحَةُ فِي حَانُوتٍ أَوْ حَمَّامٍ نَقَصَ نَفْعُهُ، وَحَكَمَ بِذَلِكَ أَبُو الْفَضْلِ سُلَيْمَانُ بْنُ جَعْفَرٍ الْمَقْدِسِيُّ.
قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: لَكِنَّهُ بِخِلَافِ مَا رَأَيْته عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَقِيَاسُ أُصُولِ أَحْمَدَ وَنُصُوصِهِ إذَا عَطَّلَ نَفْعَ الْأَرْضِ بِآفَةِ انْفَسَخَتْ الْإِجَارَةُ فِيمَا بَقِيَ مِنْ الْمُدَّةِ كَاسْتِهْدَامِ الدَّارِ. وَلَوْ يَبِسَتْ الْكُرُومُ بِجَرَادٍ أَوْ غَيْرِهِ سَقَطَ مِنْ الْخَرَاجِ حَسَبَ مَا يَعْطَلُ مِنْ النَّفْعِ، وَإِذَا لَمْ يُمْكِنْ النَّفْعُ بِهِ بِبَيْعٍ أَوْ إجَارَةٍ أَوْ عِمَارَةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ الْمُطَالَبَةُ بِالْخَرَاجِ.
[بَابُ السَّلَمِ]
ِ وَلَوْ أَسْلَمَ مِقْدَارًا مَعْلُومًا إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ فِي شَيْءٍ، يَحْكُمُ أَنَّهُ إذَا حَلَّ يَأْخُذُهُ بِأَنْقَصَ مِمَّا يُسَاوِي بِقَدْرٍ مَعْلُومٍ صَحَّ كَالْبَيْعِ بِالسِّعْرِ، وَيَصِحُّ السَّلَمُ حَالًّا إنْ كَانَ الْمُسْلَمُ فِيهِ مَوْجُودًا فِي مِلْكِهِ وَإِلَّا فَلَا، وَيَجُوزُ بَيْعُ الدَّيْنِ فِي الذِّمَّةِ مِنْ الْغَرِيمِ وَغَيْرِهِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ دَيْنِ السَّلَمِ وَغَيْرِهِ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لَكِنْ بِقَدْرِ الْقِيمَةِ فَقَطْ؛ لِئَلَّا يَرْبَحَ فِيمَا لَمْ يَضْمَنْ، وَيَصِحُّ تَعْلِيقُ الْبَرَاءَةِ عَلَى شَرْطٍ، وَهُوَ عَنْ أَحْمَدَ.
стр. 2299
وَمَا قَبَضَهُ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ مِنْ دَيْنٍ مُشْتَرَكٍ بِعَقْدٍ، أَوْ مِيرَاثٍ أَوْ إتْلَافٍ أَوْ ضَرِيبَةٍ وَسَبَبُ اسْتِحْقَاقِهَا وَاحِدٌ، فَلِشَرِيكِهِ الْأَخْذُ مِنْ الْغَرِيمِ وَيُحَاصُّهُ فِيمَا قَبَضَهُ وَهُوَ مَذْهَبُ الْإِمَامِ، وَكَذَا لَوْ تَلِفَ وَلَوْ تَبَارَآهُ وَلِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ دَيْنٌ مَكْتُوبٌ فَادَّعَى اسْتِثْنَاءَهُ بِقَلْبِهِ، وَأَنَّهُ لَمْ يُبْرِئْهُ مِنْهُ قُبِلَ وَلِخَصْمِهِ تَحْلِيفُهُ.
[بَابُ الْقَرْضِ]
ِ وَيَجُوزُ قَرْضُ الْخُبْزِ وَرَدُّ مِثْلِهِ عَدَدًا بِلَا وَزْنٍ مِنْ غَيْرِ قَصْدِ الزِّيَادَةِ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَحْمَدَ، وَلَوْ أَقْرَضَهُ فِي بَلَدٍ آخَرَ جَازَ عَلَى الصَّحِيحِ، وَيَجُوزُ قَرْضُ الْمَنَافِعِ مِثْلُ أَنْ يَحْصُدَ مَعَهُ يَوْمًا وَيَحْصُدَ مَعَهُ الْآخَرُ يَوْمًا أَوْ يُسْكِنَهُ دَارًا لِيَسْكُنهُ الْآخَرُ بَدَلهَا، لَكِنَّ الْغَالِبَ عَلَى الْمَنَافِعِ أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ حَتَّى يَجِبَ رَدُّ الْمِثْلِ بِتَرَاضِيهِمَا.
وَإِذَا ظَهَرَ الْمُقْتَرِضُ مُفْلِسًا وَوَجَدَ الْمُقْرِضُ عَيْنَ مَالِهِ فَلَهُ الرُّجُوعُ بِعَيْنِ مَالِهِ بِلَا رَيْبٍ، وَالدَّيْنُ الْحَالُّ يَتَأَجَّلُ بِتَأْجِيلِهِ سَوَاءٌ كَانَ الدَّيْنُ قَرْضًا أَوْ غَيْرَهُ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَوَجْهٌ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ.
وَيَتَخَرَّجُ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ مِنْ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي صِحَّةِ إلْحَاقِ الْأَجَلِ بَعْدَ لُزُومِ الْعَقْدِ، وَلَوْ أَقْرَضَ إكَارَهُ بَذْرًا أَوْ أَمَرَهُ بِبَذْرِهِ وَأَنَّهُ فِي ذِمَّتِهِ كَمَا يَفْعَلُهُ النَّاسُ فَهُوَ فَاسِدٌ، وَلَهُ نَصِيبُ الْمِثْلِ، وَلَوْ تَلِفَ لَمْ يَضْمَنْهُ لِأَنَّهُ أَمَانَةٌ، وَلَوْ اقْتَرَضَ مِنْ رَجُلٍ قُرُوضًا مُتَفَرِّقَةً، وَوَكَّلَ الْمُقْرِضَ فِي ضَبْطِهَا أَوْ ابْتَاعَ مِنْهُ شَيْئًا وَوَكَّلَ الْبَائِعَ فِي ضَبْطِ الْمَبِيعِ حِفْظًا أَوْ كِتَابَةً فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ قَوْلُ هَذَا الْمُؤْتَمَنِ هَاهُنَا مَقْبُولًا، وَيَجِبُ عَلَى الْمُقْتَرِضِ أَنْ يُوَفِّيَ الْمُقْرِضَ فِي بَلَدِ الْقَرْضِ وَلَا يُكَلِّفَهُ مَئُونَةَ السَّفَرِ وَالْحَمْلِ.
[بَابُ الضَّمَانِ]
ِ وَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يَصِحُّ بِكُلِّ لَفْظٍ يُفْهَمُ مِنْهُ الضَّمَانُ عُرْفًا، مِثْلُ زَوِّجْهُ وَأَنَا أُؤَدِّي الصَّدَاقَ، أَوْ بِعْهُ وَأَنَا أُعْطِيك الثَّمَنَ، أَوْ اُتْرُكْهُ لَا تُطَالِبْهُ وَأَنَا أُعْطِيك الثَّمَنَ، وَلَوْ تَغَيَّبَ مَضْمُونٌ عَنْهُ قَادِرٌ فَأَمْسَكَ الضَّامِنُ وَغَرِمَ شَيْئًا أَوْ أَنْفَقَهُ فِي الْحَبْسِ رَجَعَ بِهِ عَلَى الْمَضْمُونِ عَنْهُ، وَيَصِحُّ ضَمَانُ الْمَجْهُولِ، وَمِنْهُ ضَمَانُ السُّوقِ وَهُوَ أَنْ يَضْمَنَ مَا يَلْزَمُ
стр. 2300
التَّاجِرَ مِنْ دَيْنٍ وَمَا يَقْبِضُهُ مِنْ عَيْنٍ مَضْمُونَةٍ، وَتَجُوزُ كِتَابَتُهُ، وَالشَّهَادَةُ بِهِ لَمْ يَرَ جَوَازَهَا.
وَكَذَلِكَ تَجُوزُ الشَّهَادَةُ عَلَى الْمُزَارَعَةِ لِمَنْ لَمْ يَرَ جَوَازَهَا لِأَنَّ ذَلِكَ مَحَلُّ اجْتِهَادٍ وَأَمَّا الشَّهَادَةُ عَلَى الْعُقُودِ الْمُحَرَّمَةِ عَلَى وَجْهِ الْإِعَانَةِ عَلَيْهَا فَحَرَامٌ، وَيَصِحُّ ضَمَانُ حَارِسٍ وَنَحْوِهِ وَتُجَّارِ حَرْبٍ بِمَا يَذْهَبُ مِنْ الْبَلَدِ أَوْ الْبَحْرِ وَغَايَتُهُ ضَمَانُ مَجْهُولٍ، وَمَا لَمْ يَجِبْ وَهُوَ جَائِزٌ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ.
وَمَنْ كَفَلَ إنْسَانًا فَسَلَّمَهُ إلَى الْمَكْفُولِ لَهُ وَلَا ضَرَرَ فِي تَسْلِيمِهِ بَرِئَ وَلَوْ فِي حَبْسِ الشَّرْعِ وَلَا يَلْزَمُهُ اخْتِيَارُهُ مِنْهُ إلَيْهِ عِنْدَ أَحَدِ الْأَئِمَّةِ، وَالسَّجَّانُ وَنَحْوُهُ مِمَّنْ هُوَ وَكِيلٌ عَلَى بَدَنِ الْغَرِيمِ كَالْكَفِيلِ لِلْوَجْهِ عَلَيْهِ إحْضَارُ الْخَصْمِ، فَإِنْ تَعَذَّرَ إحْضَارُهُ كَانَ كَمَا لَوْ لَمْ يَحْضُرْ الْمَكْفُولُ بِهِ يَضْمَنُ مَا عَلَيْهِ عِنْدَنَا وَعِنْدَ مَالِكٍ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ الْوَالِدُ ضَامِنًا لِوَلَدِهِ وَلَا لَهُ عِنْدَهُ مَالٌ يَجِبُ لَهُ عَلَى الْوَالِدِ مُعَاوَنَةُ صَاحِبِ الْحَقِّ عَلَى إحْضَارِ وَلَدِهِ وَنَحْوِهِ وَلَزِمَهُ ذَلِكَ.
[فَصْلٌ الْحَوَالَةُ عَلَى مَالِهِ فِي الدَّيْنِ إنْ أَذِنَ فِي الِاسْتِيفَاءِ فَقَطْ]
فَصْلٌ وَالْحَوَالَةُ عَلَى مَالِهِ فِي الدَّيْنِ، إنْ أَذِنَ فِي الِاسْتِيفَاءِ فَقَطْ وَالْمُخْتَارُ الرُّجُوعُ وَمُطَالَبَتُهُ، وَلَيْسَ لِلِابْنِ أَنْ يُحِيلَ عَلَى الْأَبِ وَلَا يُبِيحُ دَيْنَهُ إذَا جَوَّزْنَا بَيْعَ مَا عَلَى الْغَرِيمِ إلَّا بِرِضَاءِ الْأَبِ، وَكَرِهَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ أَنْ يَتَزَوَّجَ الرَّجُلُ أَوْ يَقْتَرِضَ أَوْ يَشْتَرِيَ إذَا لَمْ يُعْلِمْ الْآخَرَ بِعُسْرَتِهِ أَوَّلًا؛ لِأَنَّ ظَاهِرَ الْحَالِ أَنَّ الرَّجُلَ إنَّمَا يُعَامِلُ مَنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى الْوَفَاءِ؛ فَإِذَا كَتَمَ ذَلِكَ كَانَ غَارًّا.
[فَصْلٌ رَهْنُ الْعَبْدِ الْمُسْلِمِ مِنْ كَافِرٍ]
فَصْلٌ وَيَجُوزُ رَهْنُ الْعَبْدِ الْمُسْلِمِ مِنْ كَافِرٍ بِشَرْطِ كَوْنِهِ فِي يَدِ مُسْلِمٍ، وَاخْتَارَهُ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، وَيَجُوزُ أَنْ يَرْهَنَ الْإِنْسَانُ مَالَ نَفْسِهِ عَلَى دَمِ غَيْرِهِ كَمَا يَجُوزُ أَنْ يَضْمَنَهُ وَأَوْلَى وَهُوَ نَظِيرُ إعَارَتِهِ لِلْمُرْهِنِ، وَإِذَا اخْتَلَفَ الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ فِي قَدْرِ الدَّيْنِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُرْتَهِنِ مَا لَمْ يَدَّعِ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَةِ الرَّهْنِ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَلَا يَنْفَكُّ شَيْءٌ مِنْ الرَّهْنِ حَتَّى يَقْضِيَ جَمِيعَ الدَّيْنِ وَهُوَ مَذْهَبُ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمَدْيُونِ وَفَاءً غَيْرُ الرَّهْنِ وَجَبَ عَلَى رَبِّ الدَّيْنِ إمْهَالُهُ حَتَّى يَبِيعَهُ، فَمَتَى لَمْ يُمْكِنْ بَيْعُهُ إلَّا بِخُرُوجِهِ مِنْ الْحَبْسِ، أَوْ كَانَ فِي بَيْعِهِ وَهُوَ فِي الْحَبْسِ ضَرَرٌ عَلَيْهِ وَجَبَ إخْرَاجُهُ وَيَضْمَنُ عَلَيْهِ أَوْ يَمْشِي مَعَهُ هُوَ أَوْ وَكِيلُهُ.
стр. 2301
[بَابُ الصُّلْحِ وَحُكْمِ الْجِوَارِ]
ِ وَيَصِحُّ الصُّلْحُ عَنْ الْمُؤَجَّلِ بِبَعْضِهِ حَالًّا، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ، وَحُكِيَ قَوْلًا لِلشَّافِعِيِّ، وَيَصِحُّ عَنْ دِيَةِ الْخَطَإِ وَعَنْ قِيمَةِ الْمُتْلَفِ غَيْرِ الْمِثْلِ بِأَكْثَرَ مِنْهَا مِنْ جِنْسِهَا، وَهُوَ قِيَاسُ قَوْلِ أَحْمَدَ، وَالْغَبْنُ وَالْمَنْفَعَةُ الَّتِي لَا قِيمَةَ لَهَا عَادَةً كَالِاسْتِظْلَالِ بِجِدَارِ الْغَيْرِ وَالنَّظَرِ فِي سِرَاجِهِ لَا يَصِحُّ أَنْ يَرِدَ عَلَيْهَا عَقْدُ بَيْعٍ أَوْ إجَارَةٍ اتِّفَاقًا، وَلَوْ اتَّفَقَا عَلَى بِنَاءِ حَائِطِ بُسْتَانٍ فَبَنَى أَحَدُهُمَا فَمَا تَلِفَ مِنْ الثَّمَرَةِ بِسَبَبِ إهْمَالِ الْآخَرِ ضَمِنَ لِشَرِيكِهِ نَصِيبَهُ، وَإِذَا احْتَاجَ الْمِلْكُ الْمُشْتَرَكُ إلَى عِمَارَةٍ لَا بُدَّ مِنْهَا فَعَلَى أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ أَنْ يَعْمُرَ مَعَ شَرِيكِهِ إذَا طَلَبَ ذَلِكَ مِنْهُ فِي أَصَحِّ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ، وَيَلْزَمُ إلَّا عَلَى التَّسَتُّرِ بِمَا يَمْنَعُ مُشَارَفَةَ الْأَسْفَلِ.
وَإِنْ اسْتَوَيَا وَطَلَبَ أَحَدُهُمَا بِنَاءَ السُّتْرَةِ أُجْبِرَ الْآخَرُ مَعَهُ مَعَ الْحَاجَةِ إلَى السُّتْرَةِ وَهُوَ مَذْهَبُ أَحْمَدَ، وَلَيْسَ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي مِلْكِهِ بِمَا يُؤْذِي بِهِ جَارَهُ مِنْ بِنَاءِ حَمَّامٍ وَحَانُوتِ طَبَّاخٍ وَدَقَّاقٍ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَحْمَدَ، وَمَنْ لَمْ يَسُدَّ بِئْرَهُ سَدًّا يَمْنَعُ مِنْ التَّضَرُّرِ بِهَا ضَمِنَ مَا تَلِفَ بِهَا وَلَهُ تَعْلِيَةُ بِنَائِهِ، وَلَوْ أَفْضَى إلَى سَدِّ الْفَضَاءِ عَنْ جَارِهِ.
قُلْت: وَفِيهِ عَلَى قَاعِدَةِ أَبِي الْعَبَّاسِ نَظَرٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَيْسَ لَهُ مَنْعُهُ خَوْفًا مِنْ نَقْصِ أُجْرَةِ مِلْكِهِ بِلَا نِزَاعٍ، وَالْمُضَارَّةُ مَبْنَاهَا عَلَى الْقَصْدِ وَالْإِرَادَةِ، أَوْ عَلَى فِعْلِ ضَرَرٍ عَلَيْهِ فَمَتَى قَصَدَ الْإِضْرَارَ وَلَوْ بِالْمُنَاخِ أَوْ فَعَلَ الْإِضْرَارَ مِنْ غَيْرِ اسْتِحْقَاقٍ فَهُوَ مُضَارٌّ.
وَأَمَّا إذَا فَعَلَ الضَّرَرَ الْمُسْتَحَقَّ لِلْحَاجَةِ إلَيْهِ وَالِانْتِفَاعِ بِهِ لَا لِقَصْدِ الْأَضْرَارِ فَلَيْسَ بِمُضَارٍّ، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَدِيثِ النَّخْلَةِ الَّتِي كَانَتْ تَضُرُّ صَاحِبَ الْحَدِيقَةِ لَمَّا طَلَبَ مِنْ صَاحِبِهَا الْمُعَاوَضَةَ عَنْهَا بِعِدَّةِ طُرُقٍ فَلَمْ يَفْعَلْ، فَقَالَ إنَّمَا أَنْتَ مُضَارٌّ ثُمَّ أَمَرَ بِقَلْعِهَا، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الضِّرَارَ مُحَرَّمٌ لَا يَجُوزُ تَمْكِينُ صَاحِبِهِ مِنْهُ، وَمَنْ كَانَتْ لَهُ سَاحَةٌ تُلْقَى فِيهَا التُّرَابُ وَالْحَيَوَانَاتُ وَيَتَضَرَّرُ الْجِيرَانُ بِذَلِكَ، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَى صَاحِبِهَا أَنْ يَدْفَعَ ضَرَرَ الْجِيرَانِ إمَّا بِعِمَارَتِهَا أَوْ إعْطَائِهَا لِمَنْ يُعَمِّرُهَا، أَوْ يَمْنَعُ أَنْ يُلْقَى فِيهَا مَا يَضُرُّ بِالْجِيرَانِ، وَإِذَا كَانَ الْمَسْجِدُ مُعَدًّا لِلصَّلَاةِ فَفِي جَوَازِ الْبِنَاءِ عَلَيْهِ نِزَاعٌ بَيْنَ
стр. 2302
الْعُلَمَاءِ، وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَبْنِيَ فَوْقَ الْوَقْفِ مَا يَضُرُّ بِهِ اتِّفَاقًا، وَكَذَا إنْ لَمْ يَضُرَّ بِهِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَإِذَا كَانَ الْجِدَارُ مُخْتَصًّا بِشَخْصٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَمْنَعَ جَارَهُ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ الْجَارُ، وَلَا يَضُرُّ بِصَاحِبِ الْجِدَارِ، وَيَجِبُ عَلَى الْجَارِ تَمْكِينُ جَارِهِ مِنْ إجْرَاءِ مَائِهِ فِي أَرْضِهِ إذَا احْتَاجَ إلَى ذَلِكَ، وَلَمْ يَكُنْ عَلَى صَاحِبِ الْأَرْضِ ضَرَرٌ فِي أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ، وَحَكَمَ بِهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁، فَالسَّابَاطُ الَّذِي يَضُرُّ بِالْمَارَّةِ مِثْلُ أَنْ يَحْتَاجَ الرَّاكِبُ أَنْ يَحْنِيَ رَأْسَهُ إذَا مَرَّ هُنَاكَ، وَإِنْ غَفَلَ عَنْ نَفْسِهِ رَمَى عِمَامَتَهُ أَوْ شَجَّ رَأْسَهُ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَمُرَّ هُنَاكَ جَمَلٌ عَالٍ إلَّا كُسِرَتْ رَقَبَتُهُ، وَالْجَمَلُ الْمُحَمَّلُ لَا يَمُرُّ هُنَاكَ فَمِثْلُ هَذَا السَّابَاطِ لَا يَجُوزُ إحْدَاثُهُ عَلَى طَرِيقِ الْمَارَّةِ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ بَلْ يَجِبُ عَلَى صَاحِبِهِ إزَالَتُهُ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ كَانَ عَلَى وُلَاةِ الْأُمُورِ إلْزَامُهُ بِإِزَالَتِهِ
حَتَّى يَزُولَ الضَّرَرُ
، حَتَّى لَوْ كَانَ الطَّرِيقُ مُنْخَفِضًا ثُمَّ ارْتَفَعَ عَلَى طَوْرِ الزَّمَانِ وَجَبَ إزَالَتُهُ إذَا كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا ذَكَرَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[بَابُ الْحَجْرِ]
ِ وَإِذَا لَزِمَ الْإِنْسَانَ الدَّيْنُ بِغَيْرِ مُعَاوَضَةٍ كَالضَّمَانِ وَنَحْوِهِ، وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُ مَالٌ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ فِي الْإِعْسَارِ وَهُوَ مَذْهَبُ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ، وَمَنْ أَرَادَ سَفَرًا وَهُوَ عَاجِزٌ عَنْ وَفَاءِ دَيْنِهِ فَلِغَرِيمِهِ مَنْعُهُ حَتَّى يُقِيمَ كَفِيلًا بِدَيْنِهِ.
وَمَنْ طُولِبَ بِأَدَاءِ دَيْنٍ عَلَيْهِ فَطَلَبَ إمْهَالًا أُمْهِلَ بِقَدْرِ ذَلِكَ اتِّفَاقًا، لَكِنْ إذَا خَافَ غَرِيمُهُ مِنْهُ احْتَاطَ عَلَيْهِ بِمُلَازَمَتِهِ أَوْ بِكَفِيلٍ أَوْ بِرَسْمٍ عَلَيْهِ، وَمَنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى وَفَاءِ دَيْنِهِ وَامْتَنَعَ أُجْبِرَ عَلَى وَفَائِهِ بِالضَّرْبِ وَالْحَبْسِ، وَنَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْأَئِمَّةُ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِمْ.
قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ نِزَاعًا، لَكِنْ لَا يُزَادُ كُلُّ يَوْمٍ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ التَّعْزِيرِ إنْ قِيلَ يَقْتَدِرُ وَلِلْحَاكِمِ أَنْ يَبِيعَ عَلَيْهِ مَالَهُ وَيَقْضِي دَيْنَهُ وَلَا يَلْزَمُهُ، وَإِذَا كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ قَادِرًا عَلَى الْوَفَاءِ وَمَطَلَ صَاحِبَ الْحَقِّ حَتَّى أَخْرَجَهُ إلَى الشِّكَايَةِ فَمَا غَرِمَهُ بِسَبَبِ ذَلِكَ فَهُوَ عَلَى الظَّالِمِ الْمُبْطِلِ إذَا كَانَ غُرْمُهُ عَلَى الْوَجْهِ الْمُعْتَادِ وَمِمَّنْ عُرِفَ بِالْقُدْرَةِ فَادَّعَى إعْسَارًا وَأَمْكَنَ عَادَةً قُبِلَ وَلَيْسَ لَهُ إثْبَاتُ إعْسَارِهِ عِنْدَ غَيْرِهِ مِنْ حَبْسِهِ بِلَا إذْنِهِ وَيَقْضِي دَيْنَهُ مِنْ مَالٍ لَهُ فِيهِ شُبْهَةٌ لِأَنَّهُ لَا يَبْقَى شُبْهَةٌ بِتَرْكِ وَاجِبٍ، وَلَوْ ادَّعَتْ امْرَأَةٌ عَلَى زَوْجِهَا بِحَقِّهَا وَحَبَسَتْهُ لَمْ يَسْقُطْ مِنْ حُقُوقِهِ عَلَيْهَا شَيْءٌ قَبْلَ الْحَبْسِ، بَلْ يَسْتَحِقُّهَا عَلَيْهَا
стр. 2303
بَعْدَ الْحَبْسِ كَحَبْسِهِ فِي دَيْنِ غَيْرِهَا فَلَهُ إلْزَامُهَا مُلَازَمَةَ بَيْتِهِ، وَلَا يَدْخُلُ عَلَيْهَا أَحَدٌ بِلَا إذْنِهِ وَلَوْ خَافَ خُرُوجَهَا مِنْ مَنْزِلِهِ بِلَا إذْنِهِ أَسْكَنَهَا حَيْثُ شَاءَ، وَلَا يَجِبُ حَبْسُهُ بِمَكَانٍ مُعَيَّنٍ فَيَجُوزُ حَبْسُهُ فِي دَارِ نَفْسِهِ، بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُ مِنْ الْخُرُوجِ، وَلَوْ كَانَ قَادِرًا عَلَى أَدَاءِ الدَّيْنِ وَامْتَنَعَ وَرَأَى الْحَاكِمُ مَنْعَهُ مِنْ فُضُولِ الْأَكْلِ وَالنِّكَاحِ فَلَهُ ذَلِكَ، إذْ التَّعْزِيرُ لَا يَخْتَصُّ بِنَوْعٍ مُعَيَّنٍ، وَإِنَّمَا يَرْجِعُ فِيهِ إلَى اجْتِهَادِ الْحَاكِمِ فِي نَوْعِهِ وَقَدْرِهِ إذَا لَمْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ.
وَمَنْ ضَاقَ مَالُهُ عَنْ دُيُونِهِ صَارَ مَحْجُورًا عَلَيْهِ بِغَيْرِ حُكْمِ حَاكِمٍ بِالْحَجْرِ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ، وَمَنْ عَلَيْهِ نَفَقَةٌ وَاجِبَةٌ فَلَا يَمْلِكُ التَّبَرُّعَ بِمَا يُخِلُّ بِالنَّفَقَةِ الْوَاجِبَةِ، وَكَلَامُ أَحْمَدَ يَدُلُّ عَلَيْهِ، وَإِنْ نُوزِعَ الْمَحْجُورُ عَلَيْهِ لِحَظْرٍ فِي الرُّشْدِ فَشَهِدَ شَاهِدَانِ بِرُشْدِهِ قُبِلَ لِأَنَّهُ قَدْ يُعْلَمُ بِالِاسْتِفَاضَةِ، وَمَعَ عَدَمِ الْبَيِّنَةِ لَهُ عَلَى وَلِيِّهِ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ رُشْدَهُ، وَالْإِسْرَافُ مَا صَرَفَهُ فِي الْحَرَامِ أَوْ كَانَ صَرْفُهُ فِي مُبَاحٍ قَدْرًا زَائِدًا عَلَى الْمَصْلَحَةِ، وَلَوْ وَصَّى مَنْ فِسْقُهُ ظَاهِرٌ أَوْ لَا وَجَبَ إنْفَاذُهُ كَحَاكِمٍ فَاسِقٍ حَكَمَ بِالْعَدْلِ.
وَالْوِلَايَةُ عَلَى الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ وَالسَّفِيهِ تَكُونُ لِسَائِرِ الْأَقَارِبِ، وَمَعَ الِاسْتِقَامَةِ لَا يَحْتَاجُ إلَى الْحَاكِمِ إلَّا إذَا امْتَنَعَ مِنْ طَاعَةِ الْوَلِيِّ، وَتَكُونُ الْوِلَايَةُ لِغَيْرِ الْأَبِ وَالْجَدِّ وَالْحَاكِمِ وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَنْصُوصُ أَحْمَدَ فِي الْأُمِّ.
وَأَمَّا تَخْصِيصُ الْوِلَايَةِ بِالْأَبِ وَالْجَدِّ وَالْحَاكِمِ فَضَعِيفٌ جِدًّا، وَالْحَاكِمُ الْعَاجِزُ كَالْعَدَمِ، وَلَوْ مَاتَ مَنْ يَتَّجِرُ لِنَفْسِهِ وَلِيَتِيمِهِ بِمَالِهِ وَقَدْ اشْتَرَى شَيْئًا وَلَمْ يُعْرَفْ لِمَنْ هُوَ لَمْ يُقْسَمْ وَلَمْ يُوقَفْ الْأَمْرُ حَتَّى يَصْطَلِحَا كَمَا يَقُولُهُ الشَّافِعِيُّ، بَلْ مَذْهَبُ أَحْمَدَ أَنَّهُ يَفْرُغُ فَمَنْ فَرَغَ خَلْفَ وَاحِدٍ وَلَوْ مَاتَ الْوَصِيُّ وَجَهِلَ بَقَاءَ مَالِ وَلِيِّهِ كَانَ دَيْنًا فِي تَرِكَتِهِ، وَلِوَصِيِّ الْيَتِيمِ أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ أُجْرَةِ مِثْلِهِ أَوْ كِفَايَتِهِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُوَلِّيَ عَلَى مَالِ الْيَتِيمِ إلَّا مَنْ كَانَ قَوِيًّا خَبِيرًا بِمَا وُلِّيَ عَلَيْهِ أَمِينًا عَلَيْهِ وَالْوَاجِبُ إذَا لَمْ يَكُنْ الْوَلِيُّ بِهَذِهِ الصِّفَةِ أَنْ يُسْتَبْدَلَ بِهِ، وَلَا يَسْتَحِقُّ الْأُجْرَةَ الْمُسَمَّاةَ لَكِنْ إذَا عَمِلَ لِلْيَتَامَى اسْتَحَقَّ أُجْرَةَ الْمِثْلِ كَالْعَمَلِ فِي سَائِرِ الْعُقُودِ الْفَاسِدَةِ، وَلَا يُقْبَلُ مِنْ السَّيِّدِ دَعْوَى عَدَمِ الْإِذْنِ لِعَبْدِهِ مَعَ عِلْمِهِ بِتَصَرُّفِهِ وَلَوْ قَدْرَ صَدَقَةٍ فَتَسْلِيطُهُ عَلَيْهِ عُدْوَانٌ، وَتَرَدَّدَ أَبُو الْعَبَّاسِ فِيمَا إذَا لَمْ يُمْكِنْ لِلْوَلِيِّ خَلَاصُ حَقِّ مُوَلِّيهِ إلَّا بِرَفْعِ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ إلَى وَالٍ يَظْلِمُهُ، وَيُسْتَحَبُّ التِّجَارَةُ بِمَالِ الْيَتِيمِ لِقَوْلِ عُمَرَ وَغَيْرِهِ اتَّجِرُوا بِأَمْوَالِ الْيَتَامَى كَيْ لَا تَأْكُلَهَا الصَّدَقَةُ.
стр. 2304
[بَابُ الْوَكَالَةِ]
ِ قَالَ الْقَاضِي فِي ضِمْنِ مَسْأَلَةِ بَقَاءِ الْوَكِيلِ بِمَوْتِ الْمُوَكِّلِ: فَأَمَّا إنْ أَخْرَجَ الْمُوَكَّلَ فِيهِ عَنْ مِلْكِهِ مِثْلَ إعْتَاقِهِ الْعَبْدَ وَبَيْعِهِ فَإِنَّهُ تَنْفَسِخُ الْوَكَالَةُ بِذَلِكَ، فَفَرَّقَ بَيْنَ الْمَوْتِ وَبَيْنَ الْعِتْقِ وَالْمَبِيعِ بِأَنَّ حُكْمَ الْمِلْكِ هُنَا قَدْ زَالَ، وَهُنَاكَ السِّلْعَةُ بَعْدَ الْمَوْتِ بَاقِيَةٌ عَلَى حُكْمِ مَالِكِهَا، وَمَا قَالَهُ الْقَاضِي فِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّ الِانْتِقَالَ بِالْمَوْتِ أَقْوَى مِنْهُ بِالْبَيْعِ وَالْعِتْقِ فَإِنَّ هَذَا يُمْكِنُ الْمُوَكِّلُ الِاحْتِرَازَ عَنْهُ فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ عَزْلِهِ بِالْقَوْلِ وَذَلِكَ زَالَ الْمِلْكُ فِيهِ بِفِعْلِ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِذَا تَصَرَّفَ بِلَا إذْنٍ وَلَا مِلْكٍ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ كَانَ وَكِيلًا أَوْ مَالِكًا فَفِي صِحَّةِ تَصَرُّفِهِ وَجْهَانِ، كَمَا لَوْ تَصَرَّفَ بَعْدَ الْعَزْلِ وَلَمْ يَعْلَمْ فَلَوْ تَصَرَّفَ بِإِذْنٍ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّ الْإِذْنَ كَانَ مِنْ غَيْرِ الْمَالِكِ وَالْمَالِكُ أَذِنَ لَهُ وَلَمْ يَعْلَمْ أَوْ أَذِنَ بِنَاءً عَلَى جِهَةٍ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَمْلِكُ الْإِذْنَ بِهَا بَلْ بِغَيْرِهَا أَوْ بِنَاءً أَنَّهُ مَالِكُ شِبْرٍ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ كَانَ وَارِثًا، فَإِنْ قُلْنَا يَصِحُّ التَّصَرُّفُ فِي الْأَوَّلِ فَهَاهُنَا أَوْلَى، وَإِنْ قُلْنَا لَا يَصِحُّ هُنَاكَ فَقَدْ يُقَالُ يَصِحُّ هُنَا لِأَنَّهُ كَانَ مُبَاحًا لَهُ فِي الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ، لَكِنَّ الَّذِي اعْتَقَدَهُ ظَاهِرٌ لَيْسَ هُوَ الْبَاطِلَ، فَنَظِيرُهُ إذَا اعْتَقَدَ أَنَّهُ مُحْدِثٌ فَتَطَهَّرَ ثُمَّ تَبَيَّنَ فَسَادَ طَهَارَتِهِ، وَأَنَّهُ كَانَ مُتَطَهِّرًا قَبْلَ هَذَا، وَلَوْ وَكَّلَ شَخْصًا أَنْ يُوَكِّلَ لَهُ فُلَانًا فِي بَيْعٍ وَنَحْوِهِ، فَقَالَ الْوَكِيلُ الْأَوَّلُ لِلْوَكِيلِ الثَّانِي: بِعْ هَذَا وَلَمْ يَشْعُرْ أَنَّهُ وَكِيلُ الْمُوَكِّلِ.
قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: سُئِلْت عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَقُلْت: نِسْبَةُ أَنْوَاعِ التَّوْكِيلِ وَالْمُوَكِّلِينَ إلَى الْوَكِيلِ كَنِسْبَةِ أَنْوَاعِ التَّمْلِيكِ وَالْمُمَلِّكِينَ إلَى الْمِلْكِ، ثُمَّ لَوْ مَلَكَ شَيْئًا لَمْ يَحْتَجْ أَنْ يَتَبَيَّنَ هَلْ هُوَ وَكِيلُهُ أَوْ وَكِيلُ فُلَانٍ، وَإِنْ كَانَ الْحُكْمُ فِيهِمَا مُخْتَلِفًا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمُوَكِّلِ وَالْمُمَلِّكِ (نُقِلَ) هَاهُنَا فِي رَجُلٍ دَفَعَ إلَى رَجُلٍ ثَوْبًا يَبِيعُهُ فَبَاعَهُ وَأَخَذَ الثَّمَنَ فَوَهَبَهُ الْمُشْتَرِي مِنْ الثَّمَنِ دِرْهَمًا فَإِنَّ الضَّمَانَ عَلَى الَّذِي بَاعَ الثَّوْبَ، فَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى أَنَّ مَا حَصَلَ لِلْوَكِيلِ مِنْ زِيَادَةٍ فَهِيَ لِلْبَائِعِ وَمَا نَقَصَ فَهُوَ عَلَيْهِ، وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ النَّقْصُ قَبْلَ لُزُومِ الْعَقْدِ أَوْ بَعْدَهُ.
وَيَنْبَغِي أَنْ يُفَصَّلَ إذَا لَمْ يَلْزَمْهُ، وَالْوَكِيلُ فِي الضَّبْطِ وَالْمَعْرِفَةِ مِثْلُ مَنْ وَكَّلَ رَجُلًا فِي كِتَابَةِ مَالِهِ وَمَا عَلَيْهِ كَأَهْلِ الدِّيوَانِ فَقَوْلُهُ أَوْلَى بِالْقَبُولِ مِنْ وَكِيلِ التَّصَرُّفِ لِأَنَّهُ مُؤْتَمَنٌ عَلَى نَفْسِ الْأَخْبَارِ بِمَالِهِ وَمَا عَلَيْهِ، وَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ نَافِعَةٌ وَنَظِيرُ إقْرَارِ كِتَابِ الْأُمَرَاءِ وَأَهْلِ
стр. 2305
دِيوَانِهِمْ بِمَا عَلَيْهِمْ مِنْ الْحُقُوقِ بَعْدَ مَوْتِهِمْ، وَإِقْرَارِ كِتَابِ السُّلْطَانِ وَبَيْتِ الْمَالِ وَسَائِرِ أَهْلِ الدِّيوَانِ مِمَّا عَلَى جِهَاتِهِمْ مِنْ الْحُقُوقِ، وَمِنْ نَاظِرِ الْوَقْفِ وَعَامِلِ الصَّدَقَةِ وَالْخَرَاجِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَإِنَّ هَؤُلَاءِ لَا يَخْرُجُونَ عَنْ وَلَايَةٍ أَوْ وَكَالَةٍ، وَإِنْ اسْتَعْمَلَ الْأَمِيرُ كَاتِبًا جَابِيًا أَوْ عَامِلًا أَثِمَ بِمَا أَذْهَبَ مِنْ حُقُوقِ النَّاسِ لِتَفْرِيطِهِ.
وَمَنْ اسْتَأْمَنَهُ أَمِيرًا عَلَى مَالِهِ فَخَشِيَ مِنْ حَاشِيَتِهِ إنْ مَنَعَهُمْ مِنْ عَادَتِهِمْ الْمُتَقَدِّمَةِ لَزِمَهُ فِعْلُ مَا يُمْكِنُهُ، وَمَا هُوَ أَصْلَحُ لِلْأَمِيرِ مِنْ تَوْلِيَةِ غَيْرِهِ فَيَرْتَعُ مَعَهُمْ لَا سِيَّمَا وَلِلْأَخْذِ شُبْهَةٌ، قَالَ فِي الْمُحَرَّرِ وَإِذَا اشْتَرَى الْوَكِيلُ أَوْ الْمُضَارِبُ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِ الْمِثْلِ أَوْ بِدُونِهِ صَحَّ وَلَزِمَهُ النَّقْصُ وَالزِّيَادَةُ، وَنَصَّ عَلَيْهِ.
قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: وَكَذَلِكَ الشَّرِيكُ وَالْوَصِيُّ وَالنَّاظِرُ عَلَى الْوَقْفِ وَبَيْتِ الْمَالِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَقَالَ هَذَا ظَاهِرٌ فِيمَا إذَا فَرَّطَ وَأَمَّا إذَا احْتَاطَ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ ثُمَّ ظَهَرَ غَبْنٌ أَوْ عَيْبٌ لَمْ يُقَصِّرْ فِيهِ، فَهَذَا مَعْذُورٌ يُشْبِهُ خَطَأَ الْإِمَامِ أَوْ الْحَاكِمِ، وَيُشْبِهُ تَصَرُّفَهُ قَبْلَ عِلْمِهِ بِالْعَزْلِ وَأَبْيَنُ مِنْ هَذَا النَّاظِرُ وَالْوَصِيُّ وَالْإِمَامُ وَالْقَاضِي إذَا بَاعَ أَوْ أَجَّرَ أَوْ زَارَعَ أَوْ ضَارَبَ ثُمَّ تَبَيَّنَ الْخَطَأَ فِيهِ، مِثْلُ أَنْ يَأْمُرَ بِعِمَارَةٍ أَوْ غَرْسٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ، ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّ الْمَصْلَحَةَ كَانَتْ فِي خِلَافِهِ، وَهَذَا بَابٌ وَاسِعٌ وَكَذَلِكَ الْمُضَارِبُ وَالشَّرِيكُ فَإِنَّ عَامَّةَ مَنْ يَتَصَرَّفُ لِغَيْرِهِ بِوَكَالَةٍ أَوْ وَلَايَةٍ قَدْ يَجْتَهِدُ ثُمَّ يَظْهَرُ فَوَاتُ الْمَصْلَحَةِ أَوْ حُصُولُ الْمَفْسَدَةِ وَلَا لُزُومَ عَلَيْهِ فِيهِمَا وَتَضْمِينُ مِثْلِ هَذَا فِيهِ نَظَرٌ، وَهُوَ يُشْبِهُ بِمَا إذَا قَتَلَ فِي دَارِ الْحَرْبِ مَنْ يَظُنُّهُ حَرْبِيًّا فَبَانَ مُسْلِمًا، فَإِنَّ جِمَاعَ هَذَا أَنَّهُ مُجْتَهِدٌ مَأْمُورٌ بِعَمَلٍ اجْتَهَدَ فِيهِ، وَكَيْفَ يَجْتَمِعُ عَلَيْهِ الْأَمْرُ وَالضَّمَانُ هَذَا الضَّرْبُ هُوَ خَطَأٌ فِي الِاعْتِقَادِ وَالْقَصْدِ لَا فِي الْعَمَلِ، وَأُصُولُ الْمَذْهَبِ تَشْهَدُ لَهُ بِرِوَايَتَيْنِ، قَالَ أَبُو حَفْصٍ فِي الْمَجْمُوعِ وَإِذَا سَمَّى لَهُ ثَمَنًا فَنَقَصَ مِنْهُ نَصَّ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ إذَا أَمَرَ رَجُلًا أَنْ يَبِيعَ لَهُ شَيْئًا فَبَاعَهُ بِأَقَلَّ، قَالَ الْبَيْعُ جَائِزٌ وَهُوَ ضَامِنٌ لِمَا نَقَصَ، قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ لَعَلَّهُ لَمْ يَقْبَلْ قَوْلَهُمَا عَلَى الْمُشْتَرِي فِي تَقْدِيرِ الثَّمَنِ لِأَنَّهُمَا يَرَيَانِ فَسَادَ الْعَقْدِ، وَهُوَ يَدَّعِي صِحَّتَهُ، فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ، وَيَضْمَنُ الْوَكِيلُ النَّقْصَ، وَإِذَا وَكَّلَهُ أَوْ أَوْصَى إلَيْهِ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِمَالٍ ذَكَرَهُ فَإِنَّهُ يَصِحُّ، وَتَعْيِينُ الْمُعْطِي إلَى الْوَكِيلِ أَوْ الْوَصِيِّ هَذَا هُوَ الَّذِي ذَكَرُوهُ فِي الْوَصِيَّةِ وَالْوَكَالَةِ مِثْلُهَا، وَكَذَلِكَ لَوْ وَكَّلَهُ أَوْ أَوْصَى إلَيْهِ بِإِخْرَاجِ حُجَّةٍ عَنْهُ وَإِنْ وَكَّلَهُ أَوْ أَوْصَى إلَيْهِ أَنْ يَقِفَ عَنْهُ شَيْئًا وَلَمْ يُعَيِّنْ مَصْرِفًا فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ كَالصَّدَقَةِ فَإِنَّ الْمَصْرِفَ لِلْوَقْفِ كَالْمَصْرِفِ
стр. 2306
لِلصَّدَقَةِ، وَيَبْقَى إلَى الْوَكِيلِ وَالْوَصِيِّ تَعْيِينُ الْمَصْرِفِ وَإِنْ عَيَّنَ مَصْرِفًا مُنْقَطِعًا فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ إلَى الْوَصِيِّ تَتْمِيمُهُ بِذِكْرِ مَصْرِفٍ مُؤَبَّدٍ إلَّا أَنْ يُقَالَ الصَّدَقَةُ لَهَا جِهَةٌ مَعْلُومَةٌ بِالشَّرْعِ وَالْعُرْفِ وَهُمْ الْفُقَرَاءُ، وَإِنَّمَا النَّظَرُ لِلْوَصِيِّ فِي تَعْيِينِ أَفْرَادِ الْجِهَةِ، بِخِلَافِ الْوَقْفِ فَإِنَّهُ لَا يَتَبَيَّنُ لَهُ جِهَةٌ مُعَيَّنَةٌ شَرْعًا وَلَا عُرْفًا فَالْكَلَامُ فِي هَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ كَمَا لَوْ نَذَرَ أَنْ يَقِفَ أَوْ يَتَصَدَّقَ.
وَحَدِيثُ أَبِي طَلْحَةَ يَقْتَضِي أَنَّ مَنْ نَذَرَ الصَّدَقَةَ بِمَالٍ فَإِنَّ الْأَفْضَلَ أَنْ يَصْرِفَهُ فِي أَقْرَبِيهِ، وَإِنْ كَانَ سَهْمَ غَنِيٍّ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الصَّدَقَةَ الْمُطْلَقَةَ فِي النَّذْرِ لَيْسَتْ مَحْمُولَةً عَلَى الصَّدَقَةِ الْوَاجِبَةِ فِي الشَّرْعِ لَكِنْ عَلَى جِنْسِ الْمُسْتَحَبَّةِ شَرْعًا، وَيُتَوَجَّهُ عَلَى أَدْنَى الْوَاجِبِ أَوْ أَدْنَى التَّطَوُّعِ، فَبَيْنَ الْوَكَالَةِ وَالْإِيمَانِ مُشَابَهَاتٌ، وَالْوَكِيلُ أَمِينٌ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ وَلَوْ عُزِلَ قَبْلَ عِلْمِهِ بِالْعَزْلِ وَقُلْنَا يَنْعَزِلُ لِعَدَمِ تَفْرِيطِهِ، وَكَذَا لَا يَضْمَنُ مُشْتَرٍ الْأُجْرَةَ إذَا لَمْ يَعْلَمْ، وَهُوَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ.
وَمَنْ وُكِّلَ فِي بَيْعٍ أَوْ اسْتِئْجَارٍ أَوْ شِرَاءٍ فَإِنْ لَمْ يُسَمِّ الْمُوَكِّلَ فِي الْعَقْدِ فَضَامِنٌ، وَإِلَّا فَرِوَايَتَانِ وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ تَضْمِينُهُ، وَلَوْ تَصَرَّفَ الْوَكِيلُ فَادَّعَى الْمُوَكِّلُ أَنَّهُ عَزَلَهُ قَبْلَ التَّصَرُّفِ لَمْ يُقْبَلْ، فَلَوْ أَقَامَ بَيِّنَةً بِبَلَدٍ آخَرَ وَحَكَمَ بِهِ حَاكِمٌ فَإِنْ لَمْ يَنْعَزِلْ قَبْلَ الْعِلْمِ صَحَّ تَصَرُّفُهُ وَإِلَّا كَانَ حُكْمًا عَلَى الْغَائِبِ، وَلَوْ حَكَمَ قَبْلَ هَذَا الْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ حَاكِمٌ لَا يَرَى عَزْلَهُ قَبْلَ الْعِلْمِ، فَإِنْ كَانَ قَدْ بَلَغَهُ ذَلِكَ بَعْدَ الْحُكْمِ النَّاقِضِ لَهُ فَهُوَ مَرْدُودٌ، وَإِلَّا وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ.
قَالَ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ ": وَابْنُ عَقِيلٍ فِي " الْفُصُولِ ": وَلَوْ جَاءَ رَجُلٌ إلَى امْرَأَةٍ فَقَالَ لَهَا وَكَّلَنِي فُلَانٌ لِأُزَوِّجَك لَهُ فَرَغِبَتْ فِي ذَلِكَ وَأَذِنَتْ لِوَلِيِّهَا فِي تَزْوِيجِهَا ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ الْمُوَكِّلَ أَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ وَكَّلَهُ فِي التَّزْوِيجِ لَهُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ وَلَا يَلْزَمُهُ النِّكَاحُ وَلَا تَلْزَمُ لِلْوَكِيلِ بَلْ يَحْكُمُ بِبُطْلَانِهِ، وَيَتَفَرَّعُ عَلَى هَذَا أَنَّ الرَّجُلَ إذَا وَكَّلَ وَكِيلًا فِي أَنْ يَتَزَوَّجَ لَهُ امْرَأَةً فَتَزَوَّجَهَا فَلَا بُدَّ أَنْ يَذْكُرَ حَالَ الْعَقْدِ أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا لِفُلَانٍ، فَإِنْ أَطْلَقَ وَلَمْ يُسَمِّ الْمُوَكِّلَ لَمْ يَلْزَمْهُ النِّكَاحُ فِي حَقِّهِ وَلَا فِي حَقِّ الْمُوَكِّلِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ عَقَدَ الْعَقْدَ لِنَفْسِهِ وَنِيَّتُهُ أَنْ يَعْقِدَهُ لِغَيْرِهِ، وَإِذَا لَمْ يَذْكُرْ اسْمَ ذَلِكَ الْغَيْرِ فَقَدْ أَخَلَّ بِالْمَقْصُودِ، وَلَوْ وَكَّلَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ سِلْعَةً فَاشْتَرَاهَا لَمْ يُشْتَرَطْ فِي صِحَّةِ الْعَقْدِ ذِكْرُ فُلَانٍ، بَلْ إذَا أَطْلَقَ وَنَوَى الشِّرَاءَ لَهُ صَحَّ لِأَنَّ الْقَصْدَ مِنْهُ حُصُولُ الثَّمَنِ وَقَدْ وُجِدَ، وَإِذَا بَطَلَ عَقْدُ النِّكَاحِ فِي حَقِّهِمَا فَهَلْ يَلْزَمُ الْوَكِيلَ نِصْفُ الصَّدَاقِ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
стр. 2307
قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: فَقَدْ جَعَلَا فِيمَا إذَا لَمْ يُسَمِّ الْوَكِيلُ الْمُوَكِّلَ فِي الْعَقْدِ رِوَايَتَيْنِ وَهَذَا فِيهِ نَظَرٌ، بَلْ إذَا قَالَ: زَوَّجْتُك فُلَانَةَ فَقَالَ قَبِلْت فَقَدْ انْعَقَدَ النِّكَاحُ فِي الظَّاهِرِ لِلْوَكِيلِ، فَإِذَا قَالَ نَوَيْت أَنَّ النِّكَاحَ لِمُوَكِّلِي فَهُوَ يَدَّعِي فَسَادَ الْعَقْدِ وَأَنَّ الزَّوْجَ غَيْرُهُ فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ عَلَى الْمَرْأَةِ إلَّا أَنْ تُصَدِّقَهُ، وَلَوْ صَدَّقَتْهُ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ قَوْلًا وَاحِدًا إلَّا أَنَّ هُنَا الْإِنْكَارَ مِنْ الزَّوْجِ بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ إنْكَارِ الْوَكَالَةِ، وَلَوْ قَبِلَ مِنْهُ فَتَزَوَّجَ غَيْرَهَا ثُمَّ كَتَبَ لِزَوْجَتِهِ الْجَدِيدَةِ وَكَالَةً، وَقَالَ مَتَى رَدَّدْتهَا كَانَ طَلَاقُهَا بِيَدِك إلَى مُدَّةِ عِشْرِينَ سَنَةً، وَقَدْ طَلَّقَ الَّتِي بِيَدِهَا الْوَكَالَةُ.
فَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ قَدْ يَظُنُّ مَنْ يَظُنُّ أَنَّ الْوَكَالَةَ بِحَالِهَا، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الزَّوْجَ إذَا وَكَّلَ امْرَأَتَهُ فِي بَيْعٍ وَنَحْوِهِ ثُمَّ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا لَمْ تَبْطُلْ الْوَكَالَةُ بِالتَّطْلِيقِ كَمَا ذَكَرَهُ الْفُقَهَاءُ وَلَيْسَتْ كَتِلْكَ، وَالصَّوَابُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ أَنَّهَا تَبْطُلُ بِالتَّطْلِيقِ لِأَنَّهُ هُنَاكَ لَمْ يُرِدْ أَنْ يُطَلِّقَهَا، وَقَدْ اسْتَنَابَ غَيْرَهُ فِي ذَلِكَ، وَإِنَّمَا يُرِيدُ أَنْ يَبِيعَ مَتَاعَهُ فَيُوَكِّلُ شَخْصًا وَهُنَا الْمُرَادُ تَمْكِينُهَا هِيَ مِنْ الطَّلَاقِ لِئَلَّا تَبْقَى زَوْجَةً إلَّا بِرِضَاهَا.
وَأَمَّا بَعْدَ الْبَيْنُونَةِ فَلَا يَقْصِدُ رِضَاهَا كَيْفَ وَقَدْ طَلَّقَهَا، وَهَذَا كُلُّهُ إذَا جَعَلَ الشَّرْطَ لَازِمًا وَأَمَّا إذَا لَمْ يَجْعَلْهُ شَرْطًا لَازِمًا فَيَكُونُ كَمَا لَوْ قَالَ لَهَا ابْتِدَاءً: أَمْرُك بِيَدِك، أَوْ أَمْرُ فُلَانَةَ بِيَدِك، فَإِنَّ هَذَا لَهُ الرُّجُوعُ فِيهِ، قَالَ الْأَصْحَابُ: وَمَنْ ادَّعَى الْوَكَالَةَ فِي اسْتِيفَاءِ حَقٍّ فَصَدَّقَهُ الْغَرِيمُ لَمْ يَلْزَمْهُ الدَّفْعُ إلَيْهِ وَلَا الْيَمِينُ إنْ كَذَّبَهُ، وَاَلَّذِي يَجِبُ أَنْ يُقَالَ: إنَّ الْغَرِيمَ مَتَى غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ الْمُوَكِّلَ لَا يُنْكِرُ وَجَبَ عَلَيْهِ التَّسْلِيمُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى الَّذِي بَعَثَ النَّبِيَّ ﷺ إلَى وَكِيلِهِ وَعَلَّمَ لَهُ عَلَامَةً، فَهَلْ يَقُولُ أَحَدٌ: إنَّ ذَلِكَ الْوَكِيلَ لَمْ يَكُنْ يَجِبُ عَلَيْهِ الدَّفْعُ.
وَأَمَّا فِي الْقَضَاءِ فَإِنْ كَانَ الْمُوَكِّلُ عَدْلًا وَجَبَ الْحُكْمُ لِأَنَّ الْعَدْلَ لَا يَجْحَدُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَسْتَثْنِي، فَإِنْ دَفَعَ مِنْ عِنْدِهِ الْحَقَّ إلَى الْوَكِيلِ وَلَمْ يُصَدِّقْهُ بِأَنَّهُ وَكِيلٌ وَأَنْكَرَ صَاحِبُ الْحَقِّ الْوَكَالَةَ رَجَعَ عَلَيْهِ وِفَاقًا، وَمُجَرَّدُ التَّسْلِيمِ لَيْسَ تَصْدِيقًا وَكَذَا إنْ صَدَّقَهُ فِي أَحَدِ قَوْلَيْ أَصْحَابِنَا، بَلْ نَصِّ إمَامِنَا وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ؛ لِأَنَّهُ مَتَى لَمْ يَتَبَيَّنْ صِدْقَهُ فَقَدْ غَرَّهُ.
وَكُلُّ إقْرَارٍ كَذَبَ فِيهِ لِيَحْصُلَ بِمَا يُمْكِنُ أَسَاءَهُ وَيُجْعَلُ أُنْسًا مِثْلُ أَنْ يَقُولُ: وَكَّلْت فُلَانًا وَلَمْ تُوَكِّلْهُ فَهُوَ نَظِيرُ أَنْ يَجْحَدَ الْوَصِيَّةَ، فَهَلْ يَكُونُ جَحْدُهُ رُجُوعًا،
стр. 2308
فَفِيهِ وَجْهَانِ، وَإِذَا اشْتَرَى شَيْئًا مِنْ مُوَكِّلِهِ أَوْ مُوَلِّيهِ كَانَ الْمِلْكُ لِلْمُوَكِّلِ وَالْمَوْلَى عَلَيْهِ وَلَوْ نَوَى شِرَاءَهُ لِنَفْسِهِ لِأَنَّ لَهُ وِلَايَةَ الشِّرَاءِ وَلَيْسَ كَالْغَصْبِ لَكِنْ لَوْ نَوَى أَنْ يَقَعَ الْمِلْكُ لَهُ وَهَذِهِ نِيَّةٌ مُحَرَّمَةٌ فَتَقَعُ بَاطِلَةً، وَيَصِيرُ كَأَنَّ الْعَقْدَ عَرِيَ عَنْهَا إذَا كَانَ يُرِيدُ النَّقْدَ مِنْ مَالِ الْمَوْلَى عَلَيْهِ أَوْ الْمُوَكِّلِ، قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ فِي تَعَالِيقِهِ الْقَدِيمَةِ حَدِيثُ عُرْوَةَ فِي شِرَاءِ الشَّاةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْوَكِيلَ فِي شِرَاءٍ مَعْلُومٍ بِمَعْلُومٍ إذَا اشْتَرَى بِهِ أَكْثَرَ مِنْ الْمُقَدَّرِ جَازَ لَهُ بَيْعُ الْفَاضِلِ، وَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ وَيَغْلِبُ عَلَى ظَنِّي أَنَّهُ مَنْقُولٌ كَذَا حَسِبَهُ فِي كَفَالَةِ الْكَافِي.
قُلْت: مَا قَالَهُ أَبُو الْعَبَّاسِ مِنْ النَّقْلِ فَصَحِيحٌ، قَالَ صَاحِبُ " الْكَافِي " ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ صِحَّةُ ذَلِكَ الْحَدِيثِ عَنْ عُرْوَةَ وَلَكِنْ ذَكَرَهُ فِي وَكَالَةِ الْكَافِي فَنَسَبَ الْعِلْمَ لِأَبِي الْعَبَّاسِ فَكَتَبَ كَفَالَةَ الْكَافِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَصْلٌ الِاشْتِرَاكُ فِي مُجَرَّدِ الْمِلْكِ بِالْعَقْدِ]
ِ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا عَقَارٌ فَيُشَيِّعَانِهِ أَوْ يَتَعَاقَدُ عَلَى أَنَّ الْمَالَ الَّذِي لَهُمَا الْمَعْرُوفَ بِهِمَا بَيْنَهُمَا يَكُونُ نِصْفَيْنِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، مَعَ تَسَاوِي مِلْكِهِمَا فِيهِ فَجَوَازُهُ مُتَوَجِّهٌ، لَكِنْ يَكُونُ قِيَاسُ مَا ذَكَرُوهُ فِي الشَّرِكَةِ أَنَّهُ لَيْسَ بَيْعًا، كَمَا أَنَّ الْقِسْمَةَ لَيْسَتْ بَيْعًا وَلَا نَفَقَةً لِلْمُضَارِبِ إلَّا بِشَرْطٍ أَوْ عَادَةٍ، فَإِنْ شُرِطَتْ مُطْلَقًا فَلَهُ نَفَقَةُ مِثْلِ طَعَامِهِ وَكِسْوَتِهِ، وَقَدْ يُخَرَّجُ لَنَا أَنَّ لِلْمُضَارِبِ فِي السَّفَرِ الزِّيَادَةَ عَلَى نَفَقَةِ الْحَضَرِ كَمَا قُلْنَا فِي الْوَلِيِّ إذَا جَحَدَ الصَّبِيَّ؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ إنَّمَا احْتَاجَ إلَيْهَا لِأَجْلِ الْمَالِ.
وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ أَيْضًا يَتَوَجَّهُ فِيهَا مَا قُلْنَاهُ فِي نَفْعِهِ فِي الصَّبِيِّ إذَا أَحَجَّهُ الْوَلِيُّ هَلْ يَكُونُ الزَّائِدُ فِيهَا مِنْ مَالِ الصَّبِيِّ أَوْ مَالِ الْوَلِيِّ عَلَى الْقَوْلَيْنِ كَذَلِكَ، وَقَدْ ثَبَتَ مِنْ أَصْلِنَا صِحَّةُ الِاشْتِرَاكِ فِي الْعُقُودِ وَإِنْ تَخْتَلِطْ الْأَعْيَانُ، كَمَا تَصِحُّ الْأَقْسَامُ بِالْمُحَاسَبَةِ وَإِنْ لَمْ تَتَمَيَّزْ الْأَعْيَانُ.
وَلَوْ دَفَعَ دَابَّتَهُ أَوْ نَخْلَةً إلَى مَنْ يَقُومُ بِهِ وَلَهُ جُزْءٌ مِنْ ثَمَانِيَةٍ صَحَّ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ وَيَجُوزُ قِسْمَةُ الدَّيْنِ فِي ذِمَّةٍ أَوْ ذِمَمٍ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ، فَإِنْ تَكَافَأَتْ الذِّمَمُ فَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ فِي الْحَوَالَةِ عَلَى وَلِيٍّ وُجُوبُهَا وَلَوْ كَتَبَ
стр. 2309
رَبُّ الْمَالِ لِلْجَابِي وَالسِّمْسَارِ وَرَقَةً لِيُسَلِّمَهَا إلَى الصَّبِيِّ فِي الْمُتَسَلَّمِ مَالُهُ، وَأَمَرَهُ أَنْ لَا يُسَلِّمَهُ حَتَّى يَقْتَصَّ مِنْهُ، فَخَالَفَ ضَمِنَ لِتَفْرِيطِهِ، وَيُصَدَّقُ الصَّبِيُّ مَعَ يَمِينِهِ وَالْوَرَقَةُ شَاهِدَةٌ لَهُ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ جَارِيَةٌ بِذَلِكَ، وَتَصِحُّ شَرِكَةُ الشُّهُودِ، وَلِلشَّاهِدِ أَنْ يُقِيمَ مَقَامَهُ إنْ كَانَ الْجُعْلُ عَلَى عَمَلٍ فِي الذِّمَّةِ.
وَإِنْ كَانَ عَلَى شَهَادَتِهِ بِعَيْنِهِ فَالْأَصَحُّ جَوَازُهُ، وَلِلْحَاكِمِ أَنْ يُكْرِهَهُمْ لِأَنَّ لَهُ نَظَرًا فِي الْعَدَالَةِ وَغَيْرِهَا، وَإِنْ اشْتَرَكُوا عَلَى أَنَّ كُلَّ مَا حَصَّلَهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بَيْنَهُمْ بِحَيْثُ إذَا كَتَبَ أَحَدُهُمْ وَشَهِدَ شَارَكَهُ الْآخَرُ، وَإِنْ لَمْ يَعْمَلْ فَهِيَ شَرِكَةُ الْأَبَدَانِ تَجُوزُ بِحَيْثُ تَجُوزُ بِهِ الْوَكَالَةُ وَأَمَّا حَيْثُ لَا تَجُوزُ فَفِيهِ وَجْهَانِ، كَشَرِكَةِ الدَّلَّالِينَ.
وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى جَوَازِهَا فَقَالَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد وَقَدْ سُئِلَ عَنْ الرَّجُلِ يَأْخُذُ الثَّوْبَ لِيَبِيعَهُ فَيَدْفَعَهُ إلَى الْآخَرِ يَبِيعُهُ وَيُنَاصِفُهُ فِيمَا يَأْخُذُ مِنْ الْكِرَاءِ، لِلَّذِي بَاعَهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ يَشْتَرِكَانِ فِيمَا أَصَابَا، وَوَجْهُ صِحَّتِهَا أَنَّ بَيْعَ الدَّلَّالِ وَشِرَاءَهُ بِمَنْزِلَةِ خِيَاطَةِ الْخَيَّاطِ وَتِجَارَةِ التُّجَّارِ وَسَائِرِ الْأُجَرَاءِ الْمُشْتَرِكِينَ. وَلِكُلٍّ مِنْهُمْ أَنْ يَسْتَنِيبَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْوَكِيلِ أَنْ يُوَكِّلَ وَمَأْخَذُ مَنْ مَنَعَ أَنَّ الدَّلَالَةَ مِنْ بَابِ الْوَكَالَةِ، وَسَائِرُ الصِّنَاعَاتِ مِنْ بَابِ الْإِجَارَةِ وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، وَمَحَلُّ الْخِلَافِ فِي شَرِكَةِ الدَّلَّالِينَ الَّتِي فِيهَا عَقْدٌ.
فَأَمَّا مُجَرَّدُ النِّدَاءِ وَالْعَرْضِ وَإِحْضَارِ الدُّيُونِ فَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِهِ، وَتَسْلِيمِ الْأَمْوَالِ إلَى الدَّلَّالِينَ مَعَ الْعِلْمِ بِاشْتِرَاكِهِمْ إذْنٌ لِهُمْ وَلَوْ بَاعَ كُلُّ وَاحِدٍ مَا أَخَذَهُ وَلَمْ يُعْطِ غَيْرَهُ وَاشْتَرَكَا فِي الْكَسْبِ جَازَ فِي أَظْهَرْ الْوَجْهَيْنِ، وَمُوجِبُ الْعَقْدِ الْمُطْلَقِ التَّسَاوِي فِي الْعَمَلِ، وَأَمَّا بِإِعْطَائِهِ زِيَادَةً فِي الْأُجْرَةِ بِقَدْرِ عَمَلٍ. وَإِنْ اتَّفَقُوا عَلَى أَنْ يَشْتَرِطُوا لَهُ زِيَادَةً جَازَ، وَلَيْسَ لِوَلِيِّ الْأَمْرِ الْمَنْعُ بِمُقْتَضَى مَذْهَبِهِ فِي شَرِكَةِ الْأَبَدَانِ وَالْوُجُوهِ وَالْمُسَاقَاةِ وَالْمُزَارَعَةِ وَنَحْوِهَا مِمَّا يُشْرَعُ فِيهِ الِاجْتِهَادُ وَالرِّبْحُ الْحَاصِلُ مِنْ مَالٍ لَمْ يَأْذَنْ مَالِكُهُ فِي التِّجَارَةِ فِيهِ، فَقِيلَ هُوَ لِلْمَالِكِ فَقَطْ كَنَمَاءِ الْأَعْنَابِ، وَقِيلَ لِلْعَامِلِ فَقَطْ لِأَنَّ عَلَيْهِ الضَّمَانَ، وَقِيلَ يَتَصَدَّقَانِ بِهِ لِأَنَّهُ رِبْحٌ خَبِيثٌ.
وَقِيلَ يَكُونُ عَلَى قَدْرِ النَّفْعَيْنِ بِحَسَبِ مَعْرِفَةِ أَهْلِ الْخِبْرَةِ وَهُوَ أَصَحُّهَا، وَبِهِ حَكَمَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ إلَّا أَنْ يَتَّجِرَ بِهِ عَلَى غَيْرِ وَجْهِ الْعُدْوَانِ. مِثْلُ أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّهُ مَالُ نَفْسِهِ فَتَبَيَّنَ مَالَ غَيْرِهِ، فَهُنَا يَقْتَسِمَانِ الرِّبْحَ بِلَا رَيْبٍ.
وَذَكَرَ أَبُو الْعَبَّاسِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: أَنَّهُ إنْ كَانَ عَالِمًا بِأَنَّهُ مَالُ الْغَيْرِ فَهُنَا يُتَوَجَّهُ
стр. 2310
قَوْلُ مَنْ لَا يُعْطِهِ شَيْئًا لِأَنَّهُ حَصَلَ بِعَمَلٍ مُحَرَّمٍ، فَلَا يَكُونُ سَبَبًا لِلْإِبَاحَةِ، فَإِنْ تَابَ سَقَطَ حَقُّ اللَّهِ بِالتَّوْبَةِ وَأُبِيحَ لَهُ حِينَئِذٍ بِالْقِسْمَةِ فَأَمَّا إذَا لَمْ يَتُبْ فَفِي حِلِّهِ نَظَرٌ، وَكَذَلِكَ الْمُتَوَجَّهُ فِيمَا إذَا غَصَبَ شَيْئًا كَفَرَسٍ وَكَسَبَ بِهِ مَالًا كَالصَّيْدِ أَنْ يَجْعَلَ الْمَكْسُوبَ بَيْنَ الْغَاصِبِ وَمَالِكِ الدَّابَّةِ عَلَى قَدْرِ نَفْعِهِمَا. بِأَنْ تَقُومَ مَنْفَعَةُ الرَّاكِبِ وَمَنْفَعَةُ الْفَرَسِ ثُمَّ يُقْسَمُ الصَّيْدُ بَيْنَهُمَا، وَأَمَّا إذَا كَسَبَ الْعَبْدَ فَالْوَاجِبُ أَنْ يُعْطِيَ الْمَالِكَ أَكْثَرَ مِنْ الْأَمْرَيْنِ مِنْ كَسْبِهِ أَوْ قِيمَةِ نَفْعِهِ، وَمَنْ كَانَتْ بَيْنَهُمَا أَعْيَانٌ مُشْتَرَكَةٌ مِمَّا يُكَالُ أَوْ يُوزَنُ فَأَخَذَ أَحَدُهُمَا قَدْرَ حَقِّهِ بِإِذْنِ حَاكِمٍ جَازَ قَوْلًا وَاحِدًا وَذَلِكَ بِدُونِ إذْنِهِ عَلَى الصَّحِيحِ انْتَهَى.
[بَابُ الْمُزَارَعَةِ وَالْمُسَاقَاةِ]
وَلَوْ دَفَعَ أَرْضَهُ إلَى آخَرَ يَغْرِسُهَا بِجُزْءٍ مِنْ الْغِرَاسِ صَحَّ كَالْمُزَارَعَةِ، وَاخْتَارَهُ أَبُو حَفْصٍ الْعُكْبَرِيُّ وَالْقَاضِي فِي تَعْلِيقِهِ وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ أَحْمَدَ، وَلَوْ كَانَتْ الْأَرْضُ مَغْرُوسَةً فَعَامَلَهُ بِجُزْءٍ مِنْ غِرَاسِهَا صَحَّ وَهُوَ مُقْتَضَى مَا ذَكَرَهُ أَبُو حَفْصٍ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْغَارِسُ نَاظِرَ وَقْفٍ أَوْ غَيْرَهُ.
وَلَا يَجُوزُ لِنَاظِرٍ بَعْدَهُ نَصِيبُ الْوَقْفِ مِنْ الشَّجَرَةِ وَلِلْحَاكِمِ الْحُكْمُ بِلُزُومِهَا فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ فَقَطْ، وَالْحُكْمُ لَهُ مِنْ عِوَضِ الْمِثْلِ وَلَوْ لَمْ تَقُمْ بِهِ بَيِّنَةٌ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ، وَيَجُوزُ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِيمَا فِي يَدِهِ بِالْوَقْفِ وَغَيْرِهِ حَتَّى تَقُومَ حُجَّةٌ شَرْعِيَّةٌ بِأَنَّهُ لَيْسَ مِلْكًا لَهُ، لَكِنْ لَا يَحْكُمُ بِالْوَقْفِ حَتَّى يَثْبُتَ الْمِلْكُ وَمُقْتَضَى قَوْلِ أَبِي حَفْصٍ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُغَارِسَهُ بِجُزْءٍ مِنْ الْأَرْضِ كَمَا جَازَ النَّسْجُ بِجُزْءٍ مِنْ غَزْلِ نَفْسِهِ، فَإِنْ اشْتَرَطَا فِي الْمُغَارَسَةِ أَنْ يَكُونَ عَلَى الْغَارِسِ الْمَاءُ أَوْ بَعْضُهُ، فَالْمُتَوَجِّهُ أَنَّ الْمَاءَ كَالْغَرْسِ وَكَالْبَذْرِ سَيَجِيءُ مِثْلُهُ فِي الْمُزَارَعَاتِ. لِأَنَّ الْمَاءَ أَصْلٌ يَفْنَى وَمَتَى كَانَ مِنْ الْعَامِلِ أَصْلٌ فَإِنَّ فِيهِ رِوَايَتَانِ وَإِنْ غَارَسَهُ عَلَى أَنَّ رَبَّ الْأَرْضِ تَكُونُ لَهُ دَرَاهِمُ مُسَمَّاةٌ إلَى حِينِ إثْمَارِ الشَّجَرِ، فَإِذَا أَثْمَرَتْ كَانَا شَرِيكَيْنِ فِي الثَّمَرِ. قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: فَهَذِهِ لَا أَعْرِفُهَا مَنْقُولَةً، وَقَدْ يُقَالُ هَذَا لَا يَجُوزُ، كَمَا إذَا اشْتَرَطَ شَيْئًا مُقَدَّرًا فَإِنَّهُ قَدْ لَا يَحْصُلُ إلَّا ذَلِكَ الْمَشْرُوطُ فَيَبْقَى الْآخَرُ لَا شَيْءَ لَهُ لَكِنَّ الْأَظْهَرَ أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِمُحَرَّمٍ، وَالْمُنَاصِبُ عَلَى أَنَّ عَلَيْهِ سَقْيَ الشَّجَرِ وَالْقِيَامَ عَلَيْهَا إذَا بَاعَ نَصِيبَهُ مِنْ ذَلِكَ لِمَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ فِي الْعَمَلِ جَازَ وَصَحَّ شَرْطُهُ، كَالْمُكَاتَبِ إذَا بِيعَ عَلَى كِتَابَتِهِ
стр. 2311
هَذَا قِيَاسُ الْمَذْهَبِ، وَإِذَا لَمْ يَقُمْ الْغَارِسُ بِمَا شُرِطَ عَلَيْهِ كَانَ لِرَبِّ الْأَرْضِ الْفَسْخُ.
فَإِذَا فَسَخَ الْعَامِلُ أَوْ كَانَتْ فَاسِدَةً فَلِرَبِّ الْأَرْضِ أَنْ يَتَمَلَّكَ نَصِيبَ الْغَارِسِ إذَا لَمْ يَتَّفِقَا عَلَى الْقَلْعِ. وَإِذَا تَرَكَ الْعَامِلُ الْعَمَلَ حَتَّى فَسَدَ الثَّمَرُ فَيَنْبَغِي أَنْ يَجِبَ عَلَيْهِ ضَمَانُ نَصِيبِ الْمَالِكِ، وَيَنْظُرُ كَمْ يُحْيِي لَوْ عَمِلَ بِطَرِيقِ الِاجْتِهَادِ.
كَمَا يَضْمَنُ لَوْ يَبِسَ الشَّجَرُ وَهَذَا لِأَنَّ تَرْكَهُ الْعَمَلَ مِنْ غَيْرِ فَسْخِ الْعَقْدِ حَرَامٌ وَغَرَرٌ وَهُوَ سَبَبٌ فِي عَدَمِ هَذَا الثَّمَرِ، فَيَكُونُ كَمَا لَوْ تَلِفَتْ الثَّمَرَةُ تَحْتَ الْيَدِ الْعَادِيَةِ مِثْلُ أَنْ يَغْصِبَ الشَّجَرَ غَاصِبٌ وَيُعَطِّلَهَا عَنْ السَّقْيِ حَتَّى يَفْسُدَ ثَمَرُهَا، أَمَّا الضَّمَانُ بِالْيَدِ الْعَادِيَةِ كَالضَّمَانِ بِسَبَبِ الْإِتْلَافِ لَا سِيَّمَا إذَا انْضَمَّ إلَيْهِ الْعَادِيَةِ.
وَاسْتِيلَاؤُهُ عَلَى الشَّجَرِ مَعَ عَدَمِ الْوَفَاءِ بِمَا شَرَطَهُ هَلْ هُوَ يَدٌ عَادِيَةٌ فِيهِ نَظَرٌ، لَكِنَّهُ سَبَبٌ فِي الْإِتْلَافِ، وَهَذَا فِي الْفَوَائِدِ نَظِيرُ الْمَنَافِعِ فَإِنَّ الْمَنَافِعَ لَمْ تُوجَدْ وَإِنَّمَا الْغَاصِبُ مَنَعَ مِنْ اسْتِيفَائِهَا وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْإِتْلَافَ نَوْعَانِ: إعْدَامُ مَوْجُودٍ وَتَفْوِيتٌ لِمَعْدُومٍ انْعَقَدَ سَبَبُ وُجُودِهِ وَهَذَا تَفْوِيتٌ.
وَعَلَى هَذَا فَالْعَامِلُ فِي الْمُزَارَعَةِ إذَا تَرَكَ الْعَمَلَ فَقَدْ اسْتَوْلَى عَلَى الْأَرْضِ وَفَوَّتَ نَفْعَهَا، فَيَنْبَغِي أَيْضًا ضَمَانُ إتْلَافٍ أَوْ ضَمَانُ إتْلَافٍ وَيَدٍ، لَكِنْ هَلْ يَضْمَنُ أُجْرَةَ الْمِثْلِ أَوْ يَضْمَنُ مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ فِي مِثْلِ تِلْكَ الْأَرْضِ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ الزَّرْعُ فِي مِثْلِهَا مَعْرُوفًا فَيُقَاسَ بِمِثْلِهَا.
أَمَّا عَلَى مَا ذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا فَيَنْبَغِي أَنْ يَضْمَنَ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ، وَالْأَصْوَبُ الْأَقْيَسُ بِالْمَذْهَبِ أَنْ يَضْمَنَ بِمِثْلِ مَا يَثْبُتُ، وَعَلَى هَذَا فَلَا يَكُونُ ضَمَانَ يَدٍ وَإِنَّمَا هُوَ ضَمَانُ تَعْزِيرٍ وَالْمُزَارَعَةُ أَحَلُّ مِنْ الْإِجَارَةِ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الْغُنْمِ وَالْمَغْرَمِ، وَلَا يُشْتَرَطُ كَوْنُ الْبَذْرِ مِنْ رَبِّ الْأَرْضِ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ اخْتَارَهَا طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَلَوْ كَانَ مِنْ إنْسَانٍ الْأَرْضُ وَمِنْ ثَانٍ الْعَمَلُ وَمِنْ ثَالِثٍ الْبَذْرُ وَمِنْ رَابِعٍ الْبَقَرُ صَحَّ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ.
وَإِذَا نَبَتَ الزَّرْعُ مِنْ الْحَبِّ الْمُشْتَرَكِ قُسِّمَ الزَّرْعُ عَلَى قَدْرِ مَنْفَعَةِ الْأَرْضِ وَالْحَبُّ فِي أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ، وَإِنْ شَرَطَ صَاحِبُ الْبَذْرِ أَنْ يَأْخُذَ مِثْلَ بَذْرِهِ وَيَقْتَسِمَانِ الْبَاقِيَ جَازَ
стр. 2312
كَالْمُضَارَبَةِ وَكَاقْتِسَامِهِمَا مَا يَبْقَى بَعْدَ الْكَلَفِ، وَإِذَا صَحَّتْ الْمُزَارَعَةُ فَيَلْزَمُ الْمُقْطِعَ عُشْرُ نَصِيبِهِ وَمَنْ قَالَ الْعُشْرُ كُلُّهُ عَلَى الْفَلَّاحِ فَقَدْ خَالَفَ الْإِجْمَاعَ، وَإِنْ أَلْزَمُوا الْفَلَّاحَ بِهِ فَمَسْأَلَةُ الظُّفْرِ وَالْحَقُّ ظَاهِرٌ فَيَجُوزُ لَهُ قَدْرُ مَا ظُلِمَ بِهِ وَالْمَسَّاحُ عَلَى الْمَالِكِ، وَيَتْبَعُ فِي الْكُلَفِ السُّلْطَانِيَّةِ الْعُرْفَ مَا لَمْ يَكُنْ شَرْطٌ، وَمَا طُولِبَ مِنْ الْقَرْيَةِ مِنْ الْوَظَائِفِ السُّلْطَانِيَّةِ وَنَحْوِهَا فَعَلَ قَدْرَ الْأَمْوَالِ، وَإِنْ وُضِعَتْ عَلَى الزَّرْعِ فَعَلَى رَبِّهِ، وَإِنْ مُنِعَتْ مُطْلَقًا فَالْعَادَةُ.
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُقْطِعُ عَلَى الْفَلَّاحِ شَيْئًا مَأْكُولًا. وَمَا يُؤْخَذُ مِنْ نَصِيبِ الْفَلَّاحِ لِلْقَطْعِ، وَالْعُشْرُ وَالرِّئَاسَةُ إنْ كَانَتْ لَوْ دُفِعَتْ مُقَاسَمَةً قُسِمَتْ أَوْ جَرَتْ الْعَادَةُ بِمِقْدَارٍ فَأَخَذَ قَدْرَهُ فَلَا بَأْسَ، وَهَدِيَّةُ الْفَلَّاحِ لِلْمُقْطِعِ إنَّمَا هِيَ بِسَبَبِ الْإِقْطَاعِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُحِسَّهَا لَهُ مِمَّا عِنْدَهُ أَوْ لَا يَأْخُذَهَا.
وَإِذَا فَسَدَتْ الْمُزَارَعَةُ أَوْ الْمُسَاقَاةُ أَوْ الْمُضَارَبَةُ اسْتَحَقَّ الْعَامِلُ نَصِيبَ الْمِثْلِ وَهُوَ مَا جَرَتْ الْعَادَةُ فِي مِثْلِهِ لَا أُجْرَةُ الْمِثْلِ، وَإِذَا كُنَّا نَقُولُ فِي الْغَاصِبِ إنَّ زَرْعَهُ لِرَبِّ الْأَرْضِ وَعَلَيْهِ النَّفَقَةُ، فَلَأَنْ نَقُولَ مِثْلَ ذَلِكَ فِي الْمُزَارَعَةِ الْفَاسِدَةِ إنَّ الزَّرْعَ لِرَبِّ الْأَرْضِ وَإِنْ كَانَ الْبَذْرُ لِغَيْرِهِ أَوْلَى، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[بَابُ الْإِجَارَةِ]
وَهَلْ تَنْعَقِدُ الْإِجَارَةُ بِلَفْظِ الْبَيْعِ فِيهِ وَجْهَانِ يَثْبُتَانِ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْمُعَاوَضَةَ نَوْعٌ مِنْ الْبَيْعِ أَوْ شَبَهٌ بِهِ، وَيَصِحُّ أَنْ يَسْتَأْجِرَ الدَّابَّةَ بِعَلَفِهَا وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ وَجَزَمَ بِهِ الْقَاضِي فِي التَّعْلِيقِ، وَيَصِحُّ أَنْ يَسْتَأْجِرَ لِابْنِهِ وَلَوْ جَعَلَ الْأُجْرَةَ نَفَقَتَهُ نَصَّ مَالِكٌ عَلَى جَوَازِ إجَارَةٍ لِابْنِهِ فَمِنْ أَصْحَابِهِ مَنْ جَوَّزَ ذَلِكَ تَبَعًا لِنَصِّهِ وَمِنْهُمْ مَنْ مَنَعَ بِهَا مَوْرِدَ النَّصِّ، وَلَمْ يَدُلَّ عَلَيْهَا نَصُّهُ.
وَإِذَا اسْتَأْجَرَ لَبَنَهُ فَنَقَصَ عَنْ الْعَادَةِ كَبَعِيرِ الْعَادَةِ بِبَعِيرِ الْعَادَةِ فِي الْمَنْفَعَةِ بِمَلْكِ الْمُسْتَأْجِرِ.
стр. 2313
وَأَمَّا الْأَرْشُ فَيَجُوزُ إجَارَةُ مَا قَنَاهُ مُدَّةً وَمَا قَابَضَ تَرْكُهُ رَامَاهُ وَيَجُوزُ إجَارَةُ الشَّجَرِ لِأَخْذِ ثَمَرِهِ وَالسَّمْعِ لِيَشْغَلَهُ، وَهُوَ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ فِيمَا إذَا أَجَّرَهُ كُلَّ شَهْرٍ بِدِرْهَمٍ وَمِثْلُهُ وَكُلَّمَا أَعْتَقْت عَبْدًا مِنْ عَبِيدِك فَعَلَيَّ ثَمَنُهُ، فَإِنَّهُ يَصِحُّ وَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ الْعَدَدَ وَالثَّمَنَ
وَيَجُوزُ لِلْمُؤَجِّرِ إجَارَةُ الْعَيْنِ الْمُؤَجَّرَةِ مِنْ غَيْرِ الْمُسْتَأْجِرِ فِي مُدَّةِ الْإِجَارَةِ.
وَيَقُومُ الْمُسْتَأْجِرُ الثَّانِي مَقَامَ الْمَالِكِ فِي اسْتِيفَاءِ الْأُجْرَةِ مِنْ الْمُسْتَأْجِرِ الْأَوَّلِ، وَغَلِطَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ فَأَفْتَى فِي نَحْوِ ذَلِكَ بِفَسَادِ الْإِجَارَةِ الثَّانِيَةِ ظَنًّا مِنْهُ أَنَّ هَذَا كَبَيْعِ الْمَبِيعِ، وَأَنَّهُ تَصَرُّفٌ فِيمَا لَا يَمْلِكُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ هُوَ تَصَرُّفٌ فِيمَا اسْتَحَقَّهُ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ وَيَجُوزُ إجَارَةُ الْإِقْطَاعِ. قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ:
وَمَا عَلِمْتُ أَحَدًا مِنْ عُلَمَاءِ الْإِسْلَامِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ قَالَ: إجَارَةُ الْإِقْطَاعِ لَا تَجُوزُ حَتَّى حَدَّثَ بَعْضُ أَهْلِ زَمَانِنَا فَابْتَدَعَ الْقَوْلَ بِعَدَمِ الْجَوَازِ وَيَجُوزُ لِلْمُسْتَأْجِرِ إجَارَةُ الْعَيْنِ الْمُؤَجَّرَةِ لِمَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ بِمِثْلِ الْأُجْرَةِ وَزِيَادَةٍ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ أَحْمَدَ وَالشَّافِعِيِّ، فَإِنْ شَرَطَ الْمُؤَجِّرُ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ أَنْ لَا يَسْتَوْفِيَ الْمَنْفَعَةَ إلَّا بِنَفْسِهِ أَوْ أَنْ لَا يُؤَجِّرَهَا إلَّا لِعَدْلٍ أَوْ لَا يُؤَجِّرَهَا مِنْ زَيْدٍ. قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ:
فَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ فِيمَا أَرَاهُ أَنَّهَا شُرُوطٌ صَحِيحَةٌ، لَكِنْ لَوْ تَعَذَّرَ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ الِاسْتِيفَاءُ بِنَفْسِهِ لِمَرَضٍ أَوْ تَلَفِ مَالٍ أَوْ إرَادَةِ سَفَرٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَثْبُتَ لَهُ الْفَسْخُ كَمَا لَوْ تَعَذَّرَ تَسْلِيمُ الْمَنْفَعَةِ، وَلَوْ اضْطَرَّ إلَى السُّكْنَى فِي بَيْتِ إنْسَانٍ لَا يَجِدُ سِوَاهُ، أَوْ النُّزُولِ فِي خَانٍ مَمْلُوكٍ أَوْ رَحًا لِلطَّحْنِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمَنَافِعِ وَجَبَ بَدَلُهُ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ بِلَا نِزَاعٍ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ يَجِبُ بَدَلُهُ مُحَابَاةً ظَاهِرَ الْمَذْهَبِ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَأْخُذَ الْأُجْرَةَ عَلَى تَعْلِيمِ الْفِقْهِ وَالْحَدِيثِ وَنَحْوِهِمَا إنْ كَانَ مُحْتَاجًا وَهُوَ وَجْهٌ فِي الْمَذْهَبِ، وَلَا يَصِحُّ الِاسْتِئْجَارُ عَلَى الْقِرَاءَةِ وَإِهْدَائِهَا إلَى الْمَيِّتِ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الْأَئِمَّةِ الْإِذْنُ فِي ذَلِكَ.
وَقَدْ قَالَ الْعُلَمَاءُ إنَّ الْقَارِئَ إذَا قَرَأَ لِأَجْلِ الْمَالِ فَلَا ثَوَابَ لَهُ، فَأَيُّ شَيْءٍ يُهْدَى إلَى الْمَيِّتِ وَإِنَّمَا يَصِلُ إلَى الْمَيِّتِ الْعَمَلُ الصَّالِحُ، وَالِاسْتِئْجَارُ عَلَى مُجَرَّدِ التِّلَاوَةِ لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ مِنْ الْأَئِمَّةِ، وَإِنَّمَا تَنَازَعُوا فِي الِاسْتِئْجَارِ عَلَى التَّعْلِيمِ وَلَا بَأْسَ بِجَوَازِ أَخْذِ الْأُجْرَةِ عَلَى الرُّقْيَةِ وَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ.
стр. 2314
وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَأْخُذَ الْحَاجُّ عَنْ غَيْرِهِ لِيَحُجَّ لَا أَنْ يَحُجَّ لِيَأْخُذَ فَمَنْ أَحَبَّ إبْرَارَ الْمَيِّتِ بِرُؤْيَةِ الْمَشَاعِرِ يَأْخُذُ لِيَحُجَّ وَمِثْلُهُ كُلُّ رِزْقٍ أُخِذَ عَلَى عَمَلٍ صَالِحٍ فَفَرَّقَ بَيْنَ مَنْ يَقْصِدُ الدِّينَ وَالدُّنْيَا وَسِيلَتَهُ وَعَكْسِهِ، فَالْأَشْبَهُ أَنَّ عَكْسَهُ لَيْسَ لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ، وَالْأَعْمَالُ الَّتِي يَخْتَصُّ فَاعِلُهَا أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْقُرْبَةِ هَلْ يَجُوزُ إيقَاعُهَا غَيْرَ وَجْهِ الْقُرْبَةِ.
فَمَنْ قَالَ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ لَمْ يُجِزْ الْإِجَارَةَ عَلَيْهَا لِأَنَّهَا بِالْعِوَضِ تَقَعُ غَيْرَ قُرْبَةٍ، وَإِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى لَا يَقْبَلُ مِنْ الْعَمَلِ إلَّا مَا أُرِيدَ بِهِ وَجْهُهُ، وَمِنْ جَوَّزَ الْإِجَارَةَ جَوَّزَ إيقَاعَهَا عَلَى وَجْهِ الْقُرْبَةِ، وَقَالَ تَجُوزُ الْإِجَارَةُ عَلَيْهَا لِمَا فِيهَا مِنْ نَفْعِ الْمُسْتَأْجِرِ.
وَأَمَّا مَا يُؤْخَذُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ فَلَيْسَ عِوَضًا وَأُجْرَةً بَلْ رِزْقٌ لِلْإِعَانَةِ عَلَى الطَّاعَةِ فَمَنْ عَمِلَ مِنْهُمْ لِلَّهِ أُثِيبَ وَمَا يَأْخُذُهُ رِزْقٌ لِلْإِعَانَةِ عَلَى الطَّاعَةِ. وَكَذَلِكَ الْمَالُ الْمَوْقُوفُ عَلَى أَعْمَالِ الْبِرِّ وَالْمُوصَى بِهِ وَالْمَنْذُورُ كَذَلِكَ لَيْسَ كَالْأُجْرَةِ.
وَالْجُعَلُ فِي الْإِجَارَةِ إلَى مَا لَهُ الِاخْتِصَاصُ، فَلَوْ اسْتَأْجَرَ أَرْضًا مِنْ جُنْدِيٍّ ثُمَّ غَرَسَهَا قَضْبًا وَانْتَقَلَ الْإِقْطَاعُ إلَى آخَرَ فَالْجُنْدِيُّ الثَّانِي لَا يَلْزَمُهُ حُكْمُ الْإِجَارَةِ الْأُولَى وَلَهُ أَنْ يُؤَجِّرَهَا لِمَنْ لَهُ فِيهَا الْقَضْبُ وَكَذَا لِغَيْرِهِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَيَقُومُ ذَلِكَ الْمُؤَجِّرُ فِيهَا مَقَامَ الْمُؤَجِّرِ الْأَوَّلِ، وَإِذَا وَقَعَتْ الْإِجَارَةُ بِالْأَشْهُرِ فَاَلَّذِي وَقَعَ فِي أَثْنَاءِ الشَّهْرِ فَفِيهِ عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَانِ إحْدَاهُمَا يُعْتَبَرُ ذَلِكَ الشَّهْرُ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ الْإِنْبَاتُ بِالْعَدَدِ، وَبَاقِي الشُّهُورِ بِالْأَهِلَّةِ.
وَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ فَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ الشَّهْرُ الْأَوَّلُ بِحَسَبِ تَمَامِهِ وَنُقْصَانِهِ، فَإِنْ كَانَ تَامًّا كُمِّلَ تَامًّا، وَإِنْ كَانَ نَاقِصًا كُمِّلَ نَاقِصًا، فَإِذَا وَقَعَ أَوَّلَ الْمُدَّةِ فِي عَاشِرِ الشَّهْرِ مَثَلًا كُمِّلَ ذَلِكَ الشَّهْرُ فِي عَاشِرِ الشَّهْرِ الثَّانِي إنْ كَانَ الشَّهْرُ الْأَوَّلُ نَاقِصًا وَلَيْسَ لِلْوَكِيلِ أَنْ يُطْلِقَ فِي الْإِجَارَةِ مُدَّةً طَوِيلَةً، بَلْ الْعُرْفُ كَسَنَتَيْنِ وَنَحْوِهِمَا.
وَإِذَا شَرَطَ الْوَاقِفُ أَنَّ النَّظَرَ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ أَوْ أَتَى بِلَفْظٍ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، فَأَفْتَى بَعْضُ أَصْحَابِنَا أَنَّ إجَارَتَهُ كَإِجَارَةِ النَّاظِرَ وَعَلَى مَا ذَكَرَهُ ابْنُ أَحْمَدَ أَنْ لَيْسَ كَذَلِكَ، وَهُوَ الْأَشْبَهُ وَتَنْفَسِخُ إجَارَةُ الْبَطْنِ الْأَوَّلِ إذَا انْتَقَلَ الْوَقْفُ إلَى الْبَطْنِ الثَّانِي فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ.
стр. 2315
وَصِنَاعَةُ التَّنْجِيمِ وَأَخْذِ الْأُجْرَةِ عَلَيْهَا وَبَذْلُهَا حَرَامٌ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ، وَعَلَى وُلَاةِ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ الْمَنْعُ مِنْ ذَلِكَ وَالْقِيَامُ فِي ذَلِكَ مِنْ أَفْضَلِ الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ.
وَإِذَا رَكِبَ الْمُؤَجِّرُ إلَى شَخْصٍ لِيُؤَجِّرَهُ لَمْ يَجُزْ لِغَيْرِهِ الزِّيَادَةُ عَلَيْهِ، فَكَيْفَ إذَا كَانَ الْمُسْتَأْجِرُ سَاكِنًا فِي الدَّارِ فَإِنَّهُ لَا تَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَى سَاكِنِ الدَّارِ، وَإِذَا وَقَعَتْ الْإِجَارَةُ صَحِيحَةً فَهِيَ لَازِمَةٌ مِنْ الطَّرَفَيْنِ لَيْسَ لِلْمُؤَجِّرِ الْفَسْخُ لِأَجْلِ زِيَادَةٍ حَصَلَتْ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ.
وَمَا ذَكَرَهُ بَعْضُ مُتَأَخِّرِي الْفُقَهَاءِ مِنْ التَّفْرِيقِ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ الزِّيَادَةُ بِقَدْرِ الثُّلُثِ فَتَقْبَلُ الزِّيَادَةُ أَوْ أَقَلُّ فَلَا تَقْبَلُ فَهُوَ قَوْلٌ مُبْتَدَعٌ لَا أَصْلَ لَهُ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الْأَئِمَّةِ لَا فِي الْوَقْفِ وَلَا فِي غَيْرِهِ، وَلَوْ الْتَزَمَ الْمُسْتَأْجِرُ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ لَمْ تَلْزَمْهُ اتِّفَاقًا، وَلَوْ الْتَزَمَهَا بِطِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ فِي لُزُومِهَا لَهُ قَوْلَانِ.
فَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ لَا تَلْزَمُهُ أَيْضًا بِنَاءً عَلَى أَنَّ إلْحَاقَ الزِّيَادَةِ وَالشُّرُوطِ بِالْعُقُودِ اللَّازِمَةِ لَا يَصِحُّ، وَتَلْزَمُهُ إذَا فَعَلَهَا بِطِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ مُتَبَرِّعًا بِذَلِكَ فِي الْقَوْلِ الْآخَرِ وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَأَحْمَدَ فِي الْقَوْلِ الْآخَرِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ تَلْحَقُ الزِّيَادَةُ بِالْعُقُودِ اللَّازِمَةِ.
لَكِنْ إذَا كَانَتْ الْعَادَةُ لَمْ تَجْرِ بِأَنَّ أَحَدَ هَؤُلَاءِ يُلْحِقُهَا بِطِيبِ نَفْسِهِ، وَلَكِنْ خَوْفًا مِنْ الْإِخْرَاجِ، فَحِينَئِذٍ لَا تَلْزَمُهُمْ بِالِاتِّفَاقِ بَلْ لَهُمْ اسْتِرْجَاعُهَا مِمَّنْ قَبَضَهَا مِنْهُمْ وَأُجْرَةُ الْمِثْلِ لَيْسَتْ شَيْئًا مَحْدُودًا.
وَإِنَّمَا هِيَ مَا تُسَاوِي الشَّيْءَ فِي نُفُوسِ أَهْلِ الرَّغْبَةِ، وَلَا عِبْرَةَ بِمَا يَحْدُثُ فِي أَثْنَاءِ الْمُدَّةِ مِنْ ارْتِفَاعِ الْكِرَاءِ أَوْ انْخِفَاضِهِ، وَلَوْ اسْتَأْجَرَ تُفَّاحَةً يُحْتَمَلُ الْجَوَازُ وَيَجُوزُ إجَارَةُ الْمُقَصَّبَةِ لِيَقُومَ عَلَيْهَا الْمُسْتَأْجِرُ وَيَسْقِيَهَا فَتَنْبُتُ الْعُرُوقُ الَّتِي فِيهَا بِمَنْزِلَةِ مَنْ يَسْقِي الْأَرْضَ لِيَنْبُتَ فِيهَا الْكَلَأُ بِلَا بَذْرٍ، وَإِذَا عَمِلَ الْأَجِيرُ بَعْضَ الْعَمَلِ أُعْطِي مِنْ الْأُجْرَةِ بِقَدْرِ مَا عَمِلَ، وَإِذَا مَاتَ الْمُسْتَأْجِرُ لَمْ يَلْزَمْ وَرَثَتَهُ تَعْجِيلُ الْأُجْرَةِ فِي أَصَحِّ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ.
وَهَذَا عَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ لَا يَحِلُّ الدَّيْنُ بِالْمَوْتِ ظَاهِرٌ وَكَذَا عَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ بِحُلُولِهِ فِي أَظْهَرِ قَوْلَيْهِمْ إذْ يُفَرِّقُونَ بَيْنَ الْإِجَارَةِ وَغَيْرِهَا كَمَا يُفَرِّقُونَ فِي الْأَرْضِ الْمُحْتَكَرَةِ إذَا بِيعَتْ أَوْ وُرِثَتْ فَإِنَّ الْحَكْرَ يَكُونُ عَلَى الْمُشْتَرِي وَالْوَارِثِ وَلَيْسَ لِأَصْحَابِ الْحَكْرِ
следующие страницы →