موسوعة الأخلاق والزهد والرقائق
(قصص تربوية من حياة الأنبياء والصحابة والتابعين والصالحين)
الجزء الأول
إعداد
ياسر عبد الرحمن
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
جميع الحقوق محفوظة
الطبعة الأولى للناشر
١٤٢٨ هـ - ٢٠٠٧ م
رقم الإيداع: ٢٤١٨١/ ٢٠٠٦
الترقيم الدولي: I.S.B.N
٨-٠٠٦-٤٤١-٩٧٧
مركز السلام للتجهيز الفني
عبد الحميد عمر
٠١٠٦٩٦٢٦٤٧
مؤسسة اقرأ
للنشر والتوزيع والترجمة
١٠ ش أحمد عمارة - بجوار حديقة الفسطاط
القاهرة ت: ٥٣٢٦٦١٠ محمول: ٠١٠٢٣٢٧٣٠٢ - ٠١٠١١٧٥٤٤٧
WWW.Iqraakotob.com
Email:info@iqraakotob.com
стр. 3
إهداء
إلى كل من علمني حرفًا من القرآن
وأرشدني إلى طريق الإيمان
إلى أمي التي سهرت على راحتي
إلى أبي الذي تعب في ترييتي
إلى زوجتي التي ساعدتني
إلى ابنتي واسأل الله أن يبارك فيها
إلى كل من كان له فضل عليَّ
ياسر عبد الرحمن
стр. 4
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 5
المقدمة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ [النساء: ١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١].
أما بعد ..
فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
وضح النبي ﷺ أن الإيمان القوي يلد الخلق القوي حتمًا، وأن انهيار الأخلاق مرده إلى ضعف الإيمان، فالرجل الذي يؤذي جيرانه يحكم الله عليه حكمًا قاسيًا فيقول الرسول ﷺ : "لا والله لا يؤمن، لا والله لا يؤمن، لا والله لا يؤمن قالوا: من ذاك يا رسول الله؟ قال: جار لا يأمن جاره بوائقه، قيل: وما بوائقه، قال:
стр. 6
شره" [رواه أحمد]، ويعلم الرسول أصحابه الإعراض عن اللغو فقال: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت" [رواه البخاري].
على أن المنتسبين للإسلام يستسهلون أداء العبادات المطلوبة، ولكنهم يعملون أعمالاً يأباها الخلق القويم، وفي هذا ورد حديث النبي ﷺ قال رجل: يا رسول الله إن فلانة يذكر من كثرة صلاتها وصيامها وصدقتها غير أنها تؤذي جيرانها بلسانها! قال: "هى في النار" ثم قال: يا رسول الله فإن فلانة يذكر من قلة صيامها وصدقتها وصلاتها وإنها تصدق بالأثوار من الأقط (الأثوار جمع ثور وهو القطعة من الأقط وهو اللبن المجفف) ولا تؤذي جيرانها بلسانها قال: "هى في الجنة" [أرواه أحمد].
ولقد سأل النبي ﷺ أصحابه يومًا فقال: "أتدرون من المفلس؟ ".
قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع.
فقال: "إن المفلس من أمتي يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا وقذف هذا وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطي هذا من حسناته وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار" [رواه مسلم].
ودائرة الأخلاق تشمل الجميع، فقد ذبحت شاة لابن عمر فلما جاء قال: أهديتم لجارنا اليهودي؟
والهدف من كتابة هذه الموسوعة هو مواجهة التدهور الأخلاقي الموجود في المجتمع.
يقول محمد الغزالي: العبادات التي شرعت في الإسلام ليست طقوسًا مبهمة بل هي تمارين متكررة؛ لتعود المرء أن يحيا بأخلاق صحيحة، فالصلاة الواجبة عندما أمر الله بها أبان الحكمة من إقامتها.
والزكاة المفروضة ليست ضريبة، ولكنها غرس لمشاعر الحنان والرأفة لقوله تعالى:
﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣]، ومن أجل ذلك وسع النبي ﷺ في دلالة كلمة الصدقة فقال ﷺ "تبسمك في وجه أخيك لك صدقة، وأمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر صدقة، وإرشادك الرجل في أرض الضلال صدقة، وبصرك للرجل الردئ البصر لك صدقة، وإماطتك الحجر والشوكة والعظم عن الطريق لك صدقة، وإفراغك من دلوك في دلو
стр. 7
أخيك لك صدقة" [رواه الترمذي].
وكذلك شرع الإسلام الصوم؛ فلم ينظر أنه حرمان مؤقت من بعض الأطعمة والأشربة، بل حرمان النفس من شهواتها المحظورة؛ ولذا قال ﷺ : "من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه" [رواه البخاري]، والقرآن الكريم يذكر ثمرة الصوم بقوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣].
وقد يحسب الإنسان أن الحج مجرد رحلة بعيدة عن المعاني الحقيقية، وهذا خطأ، والله تعالى يقول: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧].
وهذه الموسوعة تحتوي على مجموعة من الأخلاق والصفات متضمنة القصص التربوية، وقمت بمراعاة الآتي في الموسوعة:
- قمت بالتعليق بعد معظم القصص بسؤال أو نصيحة أو توجيه تربوي لننتقل من ميدان القول إلى ميدان العمل، فليس الهدف من الموسوعة سرد القصص فحسب بل الالتزام بالمفاهيم التربوية والأخلاق الإسلامية.
- الإكثار من القصص لما لها من تأثير على النفوس، ونجد أن كثيرًا من الناس يتأثر بالقصص أكثر من الموعظة المجردة، فالهدف هو اكتساب الأخلاق، فإذا تحققت فيك هذه الصفة فاحمد الله، وإن لم تتحقق فجاهد نفسك في الالتزام بها، واستعن بالله ثم بإخوانك، ولا تتعجل في الانتقال إلى الصفة الثانية حتى تتحقق الأولى، وليس شرطًا قراءة الموسوعة من أولها، بل انظر إلى الصفة التي تجد فيها تقصيرًا في نفسك، واجتهد في الالتزام بها.
يفضل قراءة صفة واحدة يوميًا أو أسبوعيًا مع نفسك وأهلك وإخوانك وأبنائك، وابحث كيف تتحقق فينا هذه الصفة عمليًا من خلال التوجيهات التربوية، وليكن شعارنا هذا الأسبوع مثلا "الصدق" أو "الأمانة".
ننبه أن ما سيأتي من كلام ونصائح وإرشادات وتوجيهات ستبقى حبرًا على ورق ما لم تتقل إلى حيز التنفيذ، وتدخل عالم الواقع.
ولا تنس أخي الحبيب الدعاء لمن كتب هذا الكتاب المتواضع بأن يكون هذا الجهد
стр. 8
في ميزان حسناته، وأن يتقبله منا خالصًا لوجهه الكريم، ونسعد بتقديم ملاحظاتكم للاستفادة منها.
وسيجد القارئ بعض القصص قد تكررت في أكثر من صفة رأينا الإبقاء عليها لأهميتها ودلالتها، وهي مع ذلك قليلة العدد لا تكاد تلاحظ.
هذا هو جهد المقل، إن يكن خيرًا فلله الحمد والفضل، فما تحرك قلمي إلا بإذنه، ولا تحرك فكري إلا برزقه، وما جمعت ورتبت إلا بعونه.
وأعتذر عما قد يكون في هذا العمل من نقص، بما قال العماد الأصفهاني: "إني رأيت أنه لا يكتب إنسان كتابًا في يومه إلا قال في غده: لو غُيّر هذا لكان أحسن، ولو زيد كذا لكان يستحسن، ولو قدِّم هذا لكان أفضل، ولو ترك هذا لكان أجمل، وهذا من أعظم العبر، وهو دليل استيلاء النقص على جملة البشر".
وما كان من توفيق فمن الله وحده، وما كان من خطأ فمني ومن الشيطان، والله ورسوله منه براء، وأعوذ بالله أن أذكركم وأنساه، وأعوذ بالله أن أكون جسرًا تعبرون عليه إلى الجنة ويلقى بي في النار، وهذا الجهد نسأل الله أن يتقبله وأن يجزي خيرًا كل من عمل فيه أو ساهم في نشره.
والله نسأل أن ينفع به كل من قرأه واطلع عليه، وأن ينفعنا بنصيحته ويفيدنا برأيه.
***
стр. 9
الإخلاص
لقد أثبتت الأيام أننا في حاجة إلى إخلاص الأعمال لله ﵎، وكان صحابة الني ﷺ يحرصون على إخلاص أعمالهم لربهم، ويجددون نياتهم في كل وقت وحين، ومن ظن أن في إخلاصه إخلاصًا فإخلاصه يحتاج إلى إخلاص، ولذا لابد أن يراقب كل منا نيته: ماذا أريد بأكلتي؟ ماذا أريد بكلمتي؟ فإن أراد بها وجه الله أمضاها وإلا تركها ثم جدد نيته.
وقد وردت الآيات والأحاديث التي تحض على الإخلاص نذكر منها قوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ [البينة: ٥].
وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر: ١١].
وقوله تعالى: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر: ٢]، إلى غير ذلك من الآيات.
ومن الأحاديث قوله ﷺ في الحديث المشهور "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرله إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه" [متفق عليه].
وقوله ﷺ : "إن الله لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم" [متفق عليه].
وسئل الني ﷺ عن الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل رياء، أيُّ ذلك في سبيل الله؟ فقال ﷺ :" من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله" [متفق عليه].
قال أبو عثمان: الإخلاص نسيان رؤية الخلق بدوام النظر إلى الخالق فقط.
قال الفضيل: ترك العمل من أجل الناس رياء، والعمل من أجل الناس شرك، والإخلاص أن يعافيك الله منهما.
فقد انكشف لأرباب القلوب ببصيرة الإيمان وأنوار القرآن أن لا وصول إلى السعادة إلا بالعلم والعبادة، فالناس كلهم هلكى إلا العالمون، والعالمون كلهم هلكى إلا
стр. 10
العاملون، والعاملون كلهم هلكى إلا المخلصون، والمخلصون على خطر عظيم.
فالعمل بغير نية عناء، والنية بغير إخلاص رياء، والإخلاص من غير تحقيق هباء، قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣].
قال بعض السلف: رب عمل صغير تعظمه النية، ورب عمل كبير تصغره النية.
وقال بعض العارفين: إني أستحب أن يكون لي في كل شيء نية حتى في أكلي وشربي ونومي ودخولي إلى الخلاء.
وقال أبو الدرداء: إني لأستجم نفسي بشيء من اللهو فيكون ذلك عونًا لي على الحق، وقال علي كرم الله وجهه: روحوا القلوب فإنها إذا أكرهت عميت.
ولقد كان معروف الكرخي -رحمه الله تعالى- يضرب نفسه ويقول: يا نفسي أخلصي تتخلصي.
وقال يعقوب المكفوف: المخلص من يكتم حسناته كما يكتم سيئاته.
وقال سليمان: طوبى لمن صحت له خطوة واحدة لا يريد بها إلا الله تعالى.
وكتب عمر بن الخطاب ﵁ إلى أبي موسى الأشعري: من خلصت نيته كفاه الله تعالى ما بينه وبين الناس وكتب بعض الأولياء إلى أخ له: أخلص النية في أعمالك يكفك القليل من العمل.
وقال أيوب السختياني: تخليص النيات على العمال أشد عليهم من جميع الأعمال.
عشرة لا ينتفع بها:
يقول ابن القيم: عشرة أشياء ضائعة لا ينتفع بها:
علم لا يعمل به.
وعمل لا إخلاص فيه ولا اقتداء.
ومال لا ينفق منه فلا يستمتع به جامعه في الدنيا ولا يقدمه أمامه في الآخرة.
وقلب فارغ من محبة الله والشوق إليه والأنس به.
وبدن معطل من طاعته وخدمته.
стр. 11
ومحبة لا تتقيد برضاء المحبوب وامتثال أوامره.
ووقت معطل عن استدراك فارط أو اغتنام به وقربة.
وفكر يجول فيما لا ينفع.
وخدمة من لا تُقربك خدمته إلى الله ولا تعود عليك بصلاح دنياك.
وخوفك ورجاؤك لمن ناصيته بيد الله وهو أسير في قبضته، ولا يملك لنفسه ضرًا ولا نفعًا ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا.
وأعظم هذه الإضاعات إضاعتان هما أصل كل إضاعة: إضاعة القلب وإضاعة الوقت، فإضاعة القلب من إيثار الدنيا على الآخرة، وإضاعة الوقت من طول الأمل، فاجتمع الفساد كله في اتباع الهوى وطول الأمل، والصلاح كله في اتباع الهدى والاستعداد للقاء، والله المستعان.
من مظاهر الإخلاص:
إخفاء الطاعات:
قال رجل لتميم الداري: ما صلاتك بالليل؟ فغضب غضبًا شديدًا، ثم قال: والله لركعة أصليها في جوف الليل في سر أحب إلي من أن أصلي الليل كله ثم أقصه على الناس.
وعن أبي بكر المروزي قال: كنت مع أبي عبد الله (يعني الإمام أحمد) نحوًا من أربعة أشهر، فكان لا يدع قيام الليل، وقراءة النهار، فما علمت بختمة ختمها .. كان يسر ذلك.
صاحب النقب:
حاصر مسلمة بن عبد الملك حصنًا فندب الناس إلى نقب منه، فما دخله أحد حتى جاء رجل من عرض الجيش فدخله وعالج الباب فكسره، ففتحه الله عليهم. فنادى مسلمة على صحب النقب، فما جاء أحد، قال: فليدخل على ساعة يأتي.
فأتى رجل فقال للحاجب: استأذن لي على الأمير.
فقال: أنت صاحب النقب؟ قال: أنا أخبركم عنه.
стр. 12
فأتى مسلمة فأخبره الحاجب فأذن له فقال له: إن صاحب النقب يأخذ عليكم ثلاثًا.
- ألا تسودوا اسمه في صحيفة الخليفة.
- ولا تأمروا له بشيء.
- ولا تسألوه من هو.
فقال مسلمة: نعم، فمن هو؟ قال الرجل: أنا هو. ثم اختفى.
فكان مسلمة لا يصلي صلاة إلا قال: اللهم اجعلني مع صاحب النقب.
ويقول عمرو بن العاص: ركعة بالليل خير من عشر بالنهار.
وُيروي أن إبراهيم النخعي كان إذا دخل عليه رجل وهو يقرأ في المصحف غطاه.
الخوف من الشهرة:
قال إبراهيم بن أدهم: ما قرت عيني يومًا في الدنيا قط، إلا مرة واحدة: بت ليلة في بعض مساجد قرى الشام، وكان بي البطن (مغص)، فجاء المؤذن وجرني برجلي حتى أخرجني من المسجد.
وإنما قرت عينه لأن الرجل لم يعرفه، ولذا عامله بعنف، وجره من رجله كأنه مجرم، وهو الذي ترك الإمارة والثروة لله تعالى.
وقال سليم بن حنطلة: بينما نحن حول أُبي بن كعب نمشي خلفه، إذ رآه عمر فعلاه بالدرة، فقال: انظر يا أمير المؤمنين ما تصنع؟ فقال عمر: إن هذه ذلة للتابع وفتنة للمتبوع. وهي لفتة عمرية نفيسة إلى ما قد تحدثه هذه المظاهر البسيطة في بدايتها من عواقب وآثار بعيدة الغور في نفسية الجماهير التابعة، والقادة المتبوعين.
وعن الحسن قال: خرج ابن مسعود يومًا من منزله فاتبعه ناس، فالتفت إليهم، فقال: علام تتبعوني؟ فوالله لو تعلمون ما أغلق عليه بابي ما اتبعني منكم رجلان.
وخرج أبو أيوب السختياني في سفر، فشيعه ناس كثيرون فقال: لولا أني أعلم أن الله يعلم من قلبي أني لهذا كاره لخشيت المقت من الله .
стр. 13
ولا يفهم من هذه الآثار الدعوة إلى الانطوائية والعزلة، فإن الذين رُويت عنهم إنما هم أئمة ودعاة مصلحون. والشهرة في ذاتها ليست مذمومة، ولكن المذموم هو طلب الشهرة والزعامة والجاه والحرص عليها.
ويقول الجنيد: إن لله عبادًا عقلوا، فلما عقلوا عملوا، فلما عملوا أخلصوا، فاستدعاهم الإخلاص إلى أبواب البر أجمع. وقال بشر الحافي: ما اتقى الله من أحب الشهرة.
ويقول أبو حامد الغزالي في باب محاسبة النفس: (ولعلك يا نفس أسكرك حب الجاه ... أو ما تتفكرين أن الجاه لا معنى له إلا ميل القلب من بعض الناس إليك، فاحسبي أن كل من على وجه الأرض سجد لك أو أطاعك، أفما تعرفين أنه بعد خمسين سنة لا تبقين أنت، ولا أحد ممن على وجه الأرض ممن عبدك وسجد لك؟ وسيأتي زمان لا يبقى ذكرك، ولا ذكر من ذكرك، كما أتى على الملوك الذين كانوا من قبلك".
ويقول وهيب بن الورد: خالطت الناس خمسين سنة، فما وجدت رجلاً غفر لي ذنبًا فيما بيني وبينه، ولا وصلني إذا قطعته، ولا ستر عليَّ عورة، ولا أمنته إذا غضب، فالاشتغال بهؤلاء حمق كبير.
وقال الشافعي: من طلب الرياسة فرت منه، وإذا تصدر الحدث فاته علم كثير (١).
فإذا قلت: أي شهرة تزيد على شهرة الأنبياء والخلفاء الراشدين وأئمة العلماء! فكيف فاتهم فضيلة الخمول؟ فاعلم أن المذموم طلب الشهرة، فأما وجودها من جهة الله سبحانه من غير تكلف من العبد فليس بمذموم. نعم فيه فتنة على الضعفاء دون الأقوياء، وهم كالغريق الضعيف إذا كان معه جماعة من الغرقى، فالأولى به أن لا يعرفه أحد منهم فإنهم يتعلقون به، فيضعف عنهم فيهلك معهم، وأما القوي فالأولى أن يعرفه الغرقى ليتعلقوا به فينجيهم ويثاب على ذلك.
وقال ابن مسعود: كونوا ينابيع العلم مصابيح الهدى، أحلاس البيوت، سرج الليل، جدد القلوب، خلقان الثياب، تعرفون في أهل السماء وتخفون في أهل الأرض.
стр. 14
اتهام النفس:
عن كنانة بن جبلة السلمي قال: قال بكر بن عبد الله: إذا رأيت من هو أكبر منك، فقل: هذا سبقني بالإيمان والعمل الصالح فهو خير مني، وإذا رأيت من هو أصغر منك فقل: سبقته إلى الذنوب والمعاصي فهو خير مني.
وعن يونس قال: سمعت محمد بن واسع يقول: لو كان يوجد للذنوب ريح ما قدرتم أن تدنوا مني، من نتن ريحي.
وقال مالك بن دينار: والله لو وقف ملك بباب المسجد وقال: يخرج شر من في السجد، لبادرتكم إليه.
وقال أيضًا: خرج أهل الدنيا من الدنيا ولم يذوقوا أطيب شيء فيها، قالوا: وما هو؟ قال: معرفة الله .
وقال له رجل: يا مرائي، قال: متى عرفت اسمي؟ ما عرف اسمي غيرك.
وقال عبد الرحمن بن مهدي ﵀: مات سفيان الثوري عندي، فلم اشتد به جعل يبكي، فقال له رجل: يا أبا عبد الله، ما أراك كثير الذنوب؟ فرفع سفيان شيئًا من الأرض، فقال: والله لذنوبي أهون عندي من ذا، إني أخاف أن أسلب الإيمان قبل أن أموت.
وها هو الإمام ابن الجوزي يبكي عند الموت فيقول له تلاميذه: يا إمام ألست قد فعلت كذا وكذا؟ فقال: والله إنني أخشى أن أكون فرطت ونافقت فيحق عليَّ قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ (٤٧) وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٤٨)﴾ [الزمر: ٤٧ - ٤٨].
سوء خاتمة المرائي:
قال منصور بن عمار ﵀: كان لي صديق مسرف على نفسه ثم تاب، وكنت أراه كثير العبادة والتهجد ففقدته أيامًا، فقيل لي: هو مريض.
فأتيت إلى داره فخرجت إلىَّ ابنته فقالت: من تريد؟ قلت: فلانًا، فاستأذنت لي، ثم دخلت فوجدته في وسط الدار، وهو مضطجع على فراشه، وقد اسود وجهه، وأذرفت عيناه، وغلظت شفتاه، فقلت له وأنا خائف منه: يا أخي أكثر من قول لا إله إلا الله ففتح
стр. 15
عينيه فنظر إلي شزرًا، وغشي عليه، فقلت له ثانيًا: يا أخي أكثر من قول لا إله إلا الله، ثم ثالثًا، ففتح عينيه وقال: يا أخي منصور، هذه كلمة قد حيل بيني وبينها فقلت: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
ثم قلت له: يا أخي، أين تلك الصلاة والصيام والتهجد والقيام؟
فقال: كان ذلك لغير الله، وكانت توبتي كاذبة، إنما كنت أفعل ذلك ليقال عني وأُذكر به، وكنت أفعل ذلك رياء للناس، فإذا خلوت إلى نفسي أغلقت الباب وأرخيت الستور، وشربت الخمور، وبارزت ربي بالمعاصي، ودمت على ذلك مدة فأصابني المرض، وأشرفت على الهلاك.
الفرق بين النسيجين:
لما أخذ دود القز ينسج الحرير أقبلت العنكبوت تتشبه وتنسج ثم نسجت وقالت: يا دودة القز لك نسج ولي نسج، ولا فرق بين النسيجين، قالت دودة القز: نسجي أردية الملوك، ونسجك شبكة الذباب، وعند مس النسيجين يتبين الفرق.
قد يتصدق اثنان: الأول بدينار واحد، والثاني بمائة دينار. ويكون الأول أسبق من الثاني وأعلى منزلة. وقد يصلي رجل ركعتين والثاني الليل كله، ويكون الأول أسبق من الثاني وأعلى منزلة فالعبرة إذن ليست بكثرة العمل ولكن بالإخلاص وعلو الهمة.
يقول الغزالي: "فالكيّس يقطع من المسافة بصحة العزيمة، وعلو الهمة، وتجريد القصد، وصحة النية، مع العمل القليل أضعاف أضعاف ما يقطعه الفارغ من ذلك، مع التعب الكثير، والسفر الشاق، فإن العزيمة والمحبة تذهب المشقة وتطيب السير والتقدم، والسبق إلى الله سبحانه إنما هو بالهمم، وصدق الرغبة، والعزيمة، فيتقدم صاحب الهمة مع سكون صاحب العمل الكثير بمراحل، فإن ساواه في همته تقدم عليه بعمله".
ولا يفهم من ذلك الاقتصار في العبادة، ولكن يجب الزيادة في العمل مع الإخلاص.
ستبعث وحدك:
يقول بعض الحكماء: خرجت من بطن أمي وحدي، ودخلت إلى قبري وحدي، وأحاسب بين يدي الله تعالى وحدي، فمالي والناس؟.
стр. 16
ويقول ابن الجوزي: واشوقاه إلى أرباب الإخلاص، واتوقاه إلى رؤية تلك الأشخاص. إني لأحضر ذكركم فأغيب وإني وقتي بتذكركم ليطيب.
ويقول عمر بن الخطاب: لو أن الحياة الدنيا من أولها إلى آخرها أوتيها رجل واحد ثم جاءه الموت، لكان بمنزلة من رأى في منامه ما يسره ثم استيقظ، فإذا ليس في يده شيء.
الإخلاص مسك:
يقول ابن الجوزي: الإخلاص مسك مصون في مسك القلب تنبه ريحه على حامله، العمل صورة والإخلاص روح، المخلص يعد طاعته لاحتقاره لها عرضًا وقلم القبول قد أثبتها في الجوهر خالصًا ... وعمل المرائي بصلة كلها قشور، المرائي يحشو جراب العمل رملاً فيثقله ولا ينفعه، ريح الرياء جيفة تتحاماها مسام القلوب، وما يخفى المرائي على مسانح الفطن.
وذات يوم قرأ عمر بن عبد العزيز قوله تعالى: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ [يونس: ٦١] فبكى بكًاء شديدًا حتى سمعه أهل الدار، فجاءت فاطمة، فجلست تبكي لبكائه، وبكى أهل الدار لبكائهما، فجاء عبد الملك فدخل عليهم وهم على تلك الحالة يبكون، فقال: يا أبتاه ... ما يبكيك؟ قال: خير يا بني، ود أبوك أنه لم يعرف الدنيا ولم تعرفه، والله يا بني لقد خشيت أنْ أهلك، والله يا بني لقد خشيت أن أكون من أهل النار.
وقال أبو بكر الصديق: يا رسول الله، كيف الصلاح بعد هذه الآية: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [النساء: ١٢٣]، فكل سوء عملناه جزينا به؟!
فقال النبي ﷺ : "غفر الله لك يا أبا بكر، قالها ثلاثًا: يا أبا بكر ألست تمرض؟ ألست تحزن؟ ألست تنصب؟ ألست يصيبك الأذى؟ ألست تصيبك اللأواء" (الشدة) قلت: نعم، قال: فما تجزون به في الدنيا" رواه أحمد.
وكان عثمان بن عفان إذا وقف على قبر يبكي حتى يبل لحيته، فقيل له: تذكر الجنة والنار فلا تبكي، وتبكي من هذا؟ فقال: إن رسول الله ﷺ قال: إن القبر أول منزل من
стр. 17
منازل الآخرة، فمن نجا منه فما بعده أيسر منه، وإن لم ينج منه فما بعده أشد منه، وقال رسول الله ﷺ : ما رأيت منظرًا إلا والقبر أفظع منه (الترمذي).
وعن ثابت البناني قال: قال مطرف بن عبد الله: ما مدحني أحد قط إلا تصاغرت إلى نفسي.
وعن ثابت عن مطرف قال: لأن يسألني ربي يوم القيامة فيقول: يا مطرف ألا فعلت؟ أحب إلي من قوله لم فعلت؟ وعنه قال أيضًا بعرفة: اللهم لا ترد الجميع من أجلي؟
وصلى علي بن أبي طالب ﵁ صلاة الفجر، ثم لبث في مجلسه حتى ارتفعت الشمس قيد رمح، وقد علاه كآبة، فقال: لقد رأيت أصحاب محمد فلم أر اليوم شيئا يشبههم، لقد كانوا يصبحون شعثًا، صفرًا، غبرًا، بين أعينهم أمثال رُكب المعزى، وقد باتوا لله سجدًا وقيامًا، يتلون كتاب الله، فإذا أصبحوا ذكروا الله، وتمادوا كما تميد الشجرة في يوم الريح، وهملت أعينهم بالدموع حتى تبل ثيابهم، والله لكأني بالقوم قد باتوا غافلين، ثم قام فما رُئى بعد ذلك ضاحكا حتى كان مقتله، ﵁ وأرضاه.
الإخلاص لربك:
يقول ابن الجوزي: عجبت لمن يتصنع للناس بالزهد يرجو بذلك قربه من قلوبهم، وينسى أن قلوبهم بيد من يعمل له، فإن رضي عمله ورآه خالصًا لفت القلوب إليه، وإن لم يره خالصًا أعرض بها عنه، ومتى نظر العامل إلى التفات القلوب إليه فقد زاحم الشرك؛ لأنه يبتغي أن يقنع بنظر من يعمل له. ومن ضرورة الإخلاص ألا يقصد التفات القلوب إليه، فذاك يحصل لا بقصده بل بكراهته، لذلك وليعلم الإنسان أن أعماله كلها يعلمها الخلق جملة، وإن لم يطلعوا عليها، فالقلوب تشهد للصالح بالصلاح، وإن لم يشاهد منه ذلك، فأما من يقصد رؤية الخلق بعمله فقد مضى العمل ضائعًا، لأنه غير مقبول عند الخالق، ولا عند الخلق، لأن قلوبهم قد التفتت عنه، فقد ضاع العمل وذهب العمر.
***
стр. 18
التوبة
التوبة واجبة من كل ذنب، فإن كانت المعصية بين العبد وبين الله تعالى لا تتعلق بحق آدمي فلها ثلاثة شروط:
أولها: الإقلاع عن المعصية.
ثانيها: أن يندم على فعلها.
ثالثها: أن يعزم أن لا يعود إليها أبدًا.
فإن فقد أحد الثلاثة لم تصح توبته. وإن كانت تتعلق بآدمي فشروطها أربعة: هذه الثلاثة وأن يبرأ من حق صاحبها، فإن كانت مالاً أو نحوه رده إليه، وإن كان حد قذف ونحوه طلب عفوه.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ [التحريم: ٨]. وقال تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٣١]، ويقول تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ [طه: ٨٢].
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الحجرات: ١١].
انتبه
يقول ابن الجوزي: يا من عمره كلما زاد نقص، يا مائلا إلى الدنيا هل سلمت من النقص؟ يا مفرطًا في عمره هل بادرت الفرص؟ يا من إذا ارتقى في منهاج الهدى ثم لاح له الهدى نكص، من لك يوم الحشر عند نشر القصص؟ عجبًا لنفس أمست بالليل هاجعة، نسيت أهوال يوم الواقعة، ولأن تقر وعظها فتصغي لها سامعة، ثم تعود الزواجر عنها ضائعة، والنفوس غدت في كرم الكريم طامعة، وليست لها في حال من الأحوال طائعة، والأقدام سعت في الهوى في طرق شاسعة، بعد أن وضحت من الهدى سبل واسعة، والهمم شرعت في مشارع الهوى متنازعة، لم تكن مواعظ للعقول لها نافعة، وقلوب تضمر التوبة إذا فزعت بزواجر رادعة، ثم تعود إلى ما لا يحل مرارًا متتابعة.
стр. 19
عباد الله
تدبروا العواقب واحذروا قوة المناقب، اخشوا عقوبة المعاقب، وخافوا سلب السالب، فإنه والله طالب غالب، أين الذين قعدوا في طلب المنى وقاموا، وداروا على دار الرحيل وحاموا؟ ما أقل ما لبثوا وما أوفى ما أقاموا! لقد وبخوا في نفوسهم في قعر قبورهم على ما أسلفوا ولاموا.
عتاب
يا من بأقذار الخطايا قد تلطخ، وبآهات البلايا قد تضمخ، يا من سمع كلام من لام ووبخ، يعقد عقد التوبة حتى إذا أمسي يفسخ، يا مطبقًا لسانه والملك يحصي وينسخ، يا من طير الهوى في صدره عشش وفرخ، كم أباد الموت ملوكًا كالجبال الشمخ، كم أزعج قواعد كانت في الكبر ترسخ، وأسكنهم ظلم اللحود ومن ورائهم برزخ، يا من قلبه من بدنه بالذنوب أوسخ، يا مبارزًا بالعظائم أتأمن أن يخسف بك أو تمسخ!!
استيقظ من نومك
أما والله لو علم الأنام ... لما خُلقوا لما هجعوا وناموا
لقد خلقوا لأمر لو رأته ... عيون قلوبهم تاهوا وهاموا
مُوت ثم قبر ثم حشر ... وتوبيخ وأهوال عظام
ليوم الحشر قد عملت رجال ... فصلُّوا من مخافته وصاموا
ونحن إذا أمرنا أو نهينا ... كأهل الكهف أيقاظ نيام
أيها العبد
لا شيء أعز عليك من عمرك وأنت تضيعه، ولا عدو لك كالشيطان وأنت تطيعه، ولا أضر من موافقة نفسك وأنت تصافيها، ولا بضاعة سوى ساعات السلامة وأنت تسرف فيها لقد مضى من عمرك الأطايب يا حاضر البدن والقلب غائب، اجتماع العيب والشيب من المصائب، أين البكا لخوف العظيم الطالب.
стр. 20
وقفة مع النفس
كيف ترجو النجاة وتلهو بأسر الملاعب، إذا أتتك الأماني بظن كاذب، الموت صعب شديد مر المشارب، يلقى شره بكأس صدور الكتائب، فانظر لنفسك وانتظر قدوم الغائب، يأتي بقهر ويرمي بسهم صائب، يا آملاً أن تبقى سليمًا من النوائب.
يا معرضًا
ابن آدم كي تظن أعمالك مشيدة، وأنت تعلم أنها مكيدة؟ وكيف تترك معاملة المولى وأنت تعلم أنها مفيدة؟ وكيف تقصر في زادك وقد تحققت أن الطريق بعيدة؟ يا معرضًا عنا إلى متى هذا الإعراض؟ يا غافلاً عن الموت والعمر لا شك في انقراض.
أين من سبقك ؟
أين من حصَّن الحصون المشيدة واحترس، وعمر الحدائق فبالغ وغرس، نصب لنفسه سري العز وجلس، وبلغ المنتهى ورأى الملتمس، وظن في نفسه البقاء ولكن خاب الظن في النفس، أزعجه والله هادم اللذات واختلس، ونازله بالقهر فأنزله عن الفرس، ووجه به إلى دار البلاء فانطمس، وتركه في ظلام ظلمة من الجهل والدنس، فالعاقل من أباد أيامه فإن العواقب في خلس.
القطار يسير
يا من يرحل في كل يوم مرحلة، وكتابه قد حوى حتى الخردلة، ما ينتفع بالنذير والنذر متصلة، ولا يصغى إلى ناصح وقد عذله، ودروعه مخرقة والسهام مرسلة، نور الهدى قد بدا ولكن ما رآه ولا تأمله، وهو يؤمل البقاء ويرى مصير من قد أمله، قد انعكف بعد الشيب على العيب، كن كيف شئت فبين يديك الحساب والزلزلة، ونعم جلدك فلابد للديدان أن تأكله، فيا عجبًا من فتور مؤمن موقن بالجزاء والمسألة استيقن.
الرسول ﷺ يستغفر
عن أبي هريرة ﵁ قال رسول الله ﷺ : "والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة" [رواه البخاري].
стр. 21
الله يفرح بك
عن أنس بن مالك خادم رسول الله ﷺ قال رسول الله ﷺ : "لله أشد فرحًا بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة، فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه فأيس منها، فأتى شجرة فاضطجع في ظلها وقد أيس من راحلته، فبينما هو كذلك إذ هو بها قائمة عنده، فأخذ بخطامها ثم قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح" [رواه مسلم].
الله ينادي عليك
عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: عن النبي ﷺ قال: "إن الله تعالى يبسط بده بالليل ليتوب مسيء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها" [رواه مسلم].
التوبة واجبة على الدوام
فإن الإنسان لا يخلو من معصية، ولو خلا عن معاصي بالجوارح لم يخل عن الهم بالذنب بقلبه، فإن خلا عن ذلك لم يخل عن وساوس الشيطان بإيراد الخواطر المذهلة عن ذكر الله، ولو خلا عنه لم يخل عن غفلة وقصور في العلم بالله وصفاته وأفعاله، وكل ذلك نقص ولا يسلم أحد من هذا النقص حتى تقول الملائكة: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك.
احذر استصغار الذنب
قال ابن مسعود ﵁: إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه في أصل جبل يخاف أن يقع عليه، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذبابة وقعت على أنفه.
وعن أنس ﵁ قال: إنكم لتعملون أعمالاً هي أدق في أعينكم من الشعر إن كنا لنعدها على عهد رسول الله ﷺ من الموبقات" [رواه البخاري].
وقال بلال بن سعد: لا تنظر إلى صغر الخطيئة ولكن انظر إلى عظمة من عصيت.
لا تفرح بالصغيرة وتجهر بها
عن أبي هريرة ﵁ قال: إن النبي ﷺ قال: "كل أمتى معافى إلا المجاهرين، وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملاً ثم يصبح وقد ستره الله عليه فيقول: يا فلان عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربه، ويصبح يكشف ستر الله عنه" [رواه مسلم].
стр. 22
طريق التوبة:
قال رسول الله ﷺ : "ما من رجل يذنب ذنبًا فيتوضأ ويحسن الوضوء ثم يصلي ركعتين ويستغفر الله إلا غفر له" [رواه أبو داود والترمذي].
احذر التسويف
يقول ابن القيم: إن أكثر أهل النار من المسوفين كرجل احتاج إلى قلع شجرة فرآها قوية لا تنقلع إلا بمشقة شديدة، فقال: أؤخرها سنة ثم أعود إليها وهو لا يعلم أن الشجرة كلما بقيت ازداد رسوخها وهو كلما طال عمره ازداد ضعفه.
راجع حساباتك
أن يرد فكرك إلى أول يوم بلغت فيه الحلم، وتفتش عما مضى من عمرك سنة سنة، وشهرًا شهرًا، ويومًا يومًا، وتنظر إلى الطاعات وإلى المعاصي وتفصل ديوان معاصيك وتتوب إلى الله وتعزم على فعل الحسنات، وينبغي أن تمحي كل سيئة بحسنة.
الرسول ﷺ يعلمنا
رسول الله ﷺ يستغفر، وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، يقول ابن حجر: يحتمل أن يكون استغفاره عن اشتغاله بالأمور المباحة من أكل وشرب عن الاشتغال بذكر الله فيرى بذلك ذنبًا إلى المقام الأعلى؛ كما يفعل المصلي بعد صلاته يشرع في الاستغفار، وهل كان هو في ذنب، فاعلم أننا نحتاج إلى التوبة والاستغفار فإن لم يكن عن توبة الذنوب، فالاستغفار للتقصير في شكره، وعبادته، والتوبة أول تشريع شرع للبشر، فعندما نسي آدم وأكل من الشجرة تاب إلى ربه.
استغفر
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله تعالى بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر الله لهم" [رواه مسلم].
استغفار يحتاج إلى استغفار
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٥]، الاستغفار
стр. 23
المطلوب هو الذي يحل عقدة الإصرار، فمن قال بلسانه: استغفر الله وقلبه مصر على المعصية فاستغفاره يحتاج إلى استغفار.
عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :"من قال: استغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه غُفرت ذنوبه وإن كان فر من الزحف" [رواه الترمذي].
أسئلة محيرة
يقول ابن القيم: هل في الدنيا شر وداء إلا وسببه الذنوب والمعاصي، فما الذي أخرج آدم من الجنة؟ وما الذي أخرج إبليس من ملكوت السماء؟ وما الذي سلط الريح على قوم عاد حتى ألقتهم موتى؟ وما الذي أرسل على قوم ثمود الصيحة حتى قطعت قلوبهم؟ وما الذي رفع قوم لوط حتى سمعت الملائكة نباح كلابهم، فجعل عاليها سافلها ثم أتبعهم حجارة من السماء؟ وما الذي أرسل على قوم شعيب سحاب العذاب؟ وما الذي أغرق فرعون وقومه؟ وما الذي خسف بقارون وداره؟
علامات التائب
منكسر القلب .. غزير الدمع .. حي الوجدان .. قلق الأحشاء .. صادق العبارة .. جم المشاعر .. جياش الفؤاد .. مشبوب الضمير .. في قلبه حرقة .. وفي وجدانه لوعة .. وفي وجهه أسى .. وفي دمعه أسرار .. إذا هدل الحمام بكى .. وإذا صاح الطير ناح .. وإذا شدا البلبل تذكر .. وإذا لمع البرق اهتز قلبه .. خوفًا ممن يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته .. يجد للطاعة حلاوة .. ويجد للعبادة طلاوة .. يجد للإيمان طعمًا .. يجد للإقبال لذة .. يكتب من الدموع قصصًا .. وينظم من الآهات أبياتًا .. ويؤلف من البكاء خطابًا .. التائب كالأم اختلس طفلها ثم اختلست طفلها من يد الأعداء أتدري كم فرحتها! .. أتقدر سعادتها؟!
والتائب كالغائص في البحر .. إذا نجا من اللجة إلى الشاطئ .. بعد أن أيس من النجاة .. ترى الذل قد علاه .. والحزن قد وهاه .. يذم نفسه على هواه .. وبذلك صار عند الله ممدوحًا .. لأنه تاب إلى الله توبة نصوحًا.
هانوا عليه فعصوه ولو عزوا عليه لعصمهم
ما خلى الله بينك وبين الذنب إلا بعد أن خذلك، وخلي بينك وبين نفسك، ولو
стр. 24
عصمك ووفقك لما وجد الذنب إليك سبيلاً، فقد أجمع العارفون بالله على أن الخذلان: أن يكلك الله إلى نفسك ويخلي بينك وبينه، والتوفيق أن لا يكلك إلى نفسك.
إلهي
لم يكن ما كان مني استهانة بحقك، ولا جهلاً بك، ولا إنكارًا لاطلاعك، ولا استهانة بوعيدك، وإنما كان من غلبة الهوى، وضعف القوة عن مقاومة مرض الشهوة وطمعًا في مغفرتك واتكالاً على عفوك، وحسن ظن بك، ورجاء لكرمك، وطمعًا في سعة حلمك ورحمتك، وغرني بك الغَرور والنفس الأمارة بالسوء وبسترك المرخي عليَّ، وأعانني جهلي ولا سبيل إلى الاعتصام إلا بك، ولا معونة على طاعتك إلا بتوفيقك.
اتهم توبتك
يقول ابن القيم: يجب أن يخاف العبد أن توبته لم تقبل، وأنه لم يبذل جهده في صحتها وأنها توبة علة، وأنه لا يشعر بها كتوبة أرباب الحوائج، أو أنه تاب محافظة على حاله فتاب للحال، لا خوفًا من ذي الجلال، أو أنه تاب للراحة من الكد في تحصيل الذنب أو اتقاء ما يخافه على عرضه وماله ومنصبه، أو لضعف داعي المعصية في قلبه، وخمود نار شهوته، أو لمنافاة المعصية لما يطلبه من العلم والرزق، ونحو ذلك من العلل التي تقدح في كون التوبة خوفًا من الله، وتعظيمًا لحرماته، وإجلالاً له، وخشية من سقوط المنزلة عنده.
ومن اتهام التوبة أيضًا ضعف العزيمة، والتفات القلب إلى الذنب الفينة بعد الفينة، وتذكر حلاوة مواقعته. ومن اتهام التوبة طمأنينته ووثوقه من نفسه بأنه قد تاب حتى كأنه أعطي منشورًا بالأمان. ومن علاماتها جمود العين واستمرار الغفلة، وأن ما يستحدث بعد التوبة أعمالاً صالحة لم تكن له قبل الخطيئة.
علامات التوبة المقبولة
- أن يكون بعد التوبة خيراً مما كان قبلها.
- أنه لا يزال الخوف مصاحبًا له لا يأمن مكر الله طرفة عين؛ فخوفه مستمر إلى أن يسمع قول الرسل لقبض روحه: ﴿أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت: ٣٠].
стр. 25
- انخلاع قلبه وتقطعه ندمًا وخوفًا، وهذا على قدر عظم الجناية وصغرها، وهذا تأويل ابن عيينة لقوله تعالى: (﴿لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ﴾ [التوبة: ١١٠]، قال: تقطعها بالتوبة، ولا ريب أن الخوف الشديد من العقوبة العظيمة يوجب انصداع القلب وانخلاعه وهذا هو تقطعه، وهذا حقيقة التوبة لأنه يتقطع قلبه حسرة وخوفًا، تقطع في الآخرة إذا حقت الحقائق وعاين ثواب المطيعين وعقاب العاصين، فلابد من تقطع القلب إما في الدنيا وإما في الآخرة، ومن موجبات التوبة الصحيحة أيضًا كسرة خاصة تحصل للقلب لا يشبهها شيء ولا تكون لغير المذنب لا تحصل بالجوع ولا بالرياضة، وإنما هي كسرة تامة، بين يدي الرب قد أحاطت به من جميع جوانبه.
يا رب: أسألك بعزك وذلي إلا رحمتني، وأسألك بقوتك وضعفي، وبغناك وفقري إليك، هذه ناصيتي الكاذبة الخاطئة بين يديك، عبيدك سواي كثير وليس لي سيد سواك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، أسألك مسألة المسكين وابتهل إليك ابتهال الخاضع الذليل، وأدعوك دعاء الخائف الضرير، سؤال من خضعت لك رقبته ورغم لك أنفه وفاضت لك عيناه، وذل لك قلبه.
حجة باطلة:
إن كان القدر حجة لك أيها الظالم الجاهل في ترك حق ربك، فهلا كان حجة لعبدك وأمتك في ترك بعض حقك؟ بل إذا أساء إليك مسيء، وجنى عليك جان واحتج بالقدر: لاشتد غضبك عليه، وتضاعف جرمه عندك، ورأيت حجته داحضة ثم تحتج على ربك به، وتراه عذرًا لنفسك؟ فمن أولى بالظلم والجهل ممن هذه حاله؟!
عجبًا لك:
الله أعطاك السمع والبصر والفؤاد، وعرفك الخير والشر، والنافع والضار، وأرسل إليك رسوله وأنزل إليك كتابه، ويسره للذكر والفهم والعمل، وأعانك بمدد من جنده الكرام يثبتونك ويحاربون عدوك، ويريدون منك ألا تميل إليه وأنت تأبى إلا مظاهرته عليهم وموالاته دونهم، طرد إبليس عن سمائه، وأخرجه من جنته وأبعده من قربه؛ إذ لم يسجد لك وأنت في صلب أبيك آدم، لكرامتك عليه فعاداه وأبعده، ثم واليت عدوه وملت إليه وصالحته، وتتظلم مع ذلك وتشتكي الطرد والإبعاد.
стр. 26
بدل بيئتك:
عن أبي سعيد الخدري أن نبي الله ﷺ قال: "كان فيمن قبلكم رجل قتل تسعة وتسعين نفسًا فسأل عن أعلم أهل الأرض فدل على راهب فأتاه فقال إنه قتل تسعة وتسعين نفسًا فهل له من توبة؟ فقال: لا، فقتله فكمل به مائة، ثم سأل عن أعلم أهل الأرض فدل على رجل عالم، فقال إنه قتل مائة نفس فهل له من توبة؟ فقال: نعم، ومن يحول بينه وبين التوبة؟ انطلق إلى أرض كذا وكذا فإنه بها أناس يعبدون الله تعالى فاعبد الله معهم ولا ترجع إلى أرضك، فإنها أرض سوء، فانطلق حتى إذا نَصَف الطريق أتاه الموت، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب فقالت ملائكة الرحمة: جاء تائبًا مقبلاً بقلبه إلى الله تعالى، وقالت ملائكة العذاب: إنه لم يعمل خيرًا قط، فأتاهم ملك في صور آدمي فجعلوه بينهم -أي حكما- فقال: قيسوا ما بين الأرضين، فإلى أيتهما كان أدنى فهو له، فقاسوا فوجودوه أدنى إلى الأرض التي أراد فقبضته ملائكة الرحمة" متفق عليه.
وفي رواية في الصحيح: "فكان إلى القرية الصالحة بشبر فجعل من أهلها" وفي رواية في الصحيح: "فأوحى الله تعالى إلى هذه أن تباعدي وإلى هذه أن تقرَّبي وقال: قيسوا بينهما، فوجدوه إلى هذه أقرب بشبر فغفر له".
توبة صادقة:
روي أنه لحق بني إسرائيل قحط على عهد موسى ﵇، فاجتمع الناس إليه فقالوا: يا كليم الله! ادع لنا ربك أن يسقينا الغيث.
فقام معهم وخرجوا إلى الصحراء وهم سبعون ألفًا أو يزيدون، فقال موسى ﵇: إلهي اسقنا غيثك وانشر علينا رحمتك وارحمنا بالأطفال الرضع والبهائم الرتع والمشايخ الركع، فما زادت السماء إلا تقشعًا والشمس إلا حرارة! فتعجب نبي الله موسى فأوحى الله إليه وقال: يا موسى فيكم عبد يبارزني بالمعاصي منذ أربعين سنة فناد في الناس حتى يخرج من بين أظهركم فيه منعتكم.
فقال موسى: إلهي وسيدي أنا عبد ضعيف وصوتي ضعيف فأين يبلغ وهم سبعون ألفًا أو يزيدون؟ فأوحى الله إليه منك النداء ومني البلاغ. فقام مناديًا وقال: يا أيها العبد العاصي الذي يبارز الله منذ أربعين سنة اخرج من بين أظهرنا فبك منعنا المطر.
فقام العبد العاصي فنظر ذات اليمين وذات الشمال فلم ير أحدًا خرج فعلم أنه
стр. 27
المطلوب وقال في نفسه: إن أنا خرجت من بين هذا الخلق افتضحت على رؤوس بني إسرائيل، وإن قعدت معهم منعوا لأجلي فأدخل رأسه في ثيابه نادمًا على فعاله وقال:
إلهي وسيدي عصيتك أربعين سنة وأمهلتني وقد أتيتك طائعًا فاقبلني، فلم يستتم الكلام حتى ارتفعت سحابة بيضاء فأمطرت كأفواه القرب.
فقال موسى: إلهي وسيدي بماذا سقيتنا وما خرج من بين أظهرنا أحد؟ فقال: يا موسى سقيتكم بالذي منعتكم. فقال موسى: إلهي أرني هذا العبد الطائع. فقال: يا موسى إني لم أفضحه وهو يعصيني أأفضحه وهو يطيعني.
توبة هارون الرشيد
حكي عن أبي يوسف ﵀ أنه أُشهد عنده أمير من عظماء جيش أمير المؤمنين هارون الرشيد، وكان من أقربائه، فلم يقبل شهادته، فشكا إلى هارون، فقال هارون: لم رددت شهادته؟
قال: لأني سمعته يومًا بين يديك يقول: أنا عبد أمير المؤمنين، فإن كان صادقًا؛ فلا شهادة للعبد، وإن كان كاذبًا؛ فلا شهادة للكاذب.
فقال هارون: إن شهدت فهل تقبل شهادتي؟ قال: لا.
فقال: ولم؟ قال: لأنك تتكبر على الله فلا تخرج إلى الجماعة، ولا تصلي مع عامة المسلمين، وهذا تكبر على الله، ولا يليق بالعبد هذا.
فتاب هارون على ذلك، واتخذ مسجدًا للعامة على بابه، وكان يخرج إليه عند كل صلاة.
توبة مالك بن دينار
روي عن مالك بن دينار أنه سئل عن سبب توبته، فقال: كنت شرطيا وكنت منهمكا على شرب الخمر، ثم إنني اشتريت جارية نفيسة، ووقعت مني أحسن موقع، فولدت لي بنتا، فشغفت بها، فلما دبت على الأرض ازدادت في قلبي حبا، وألفتني وألفتها، قال: فكنت إذا وضعت المسكر بين يدي جاءت إلي وجاذبتني عليه وهرقته على ثوبي، فلما تم لها سنتان ماتت، فأكمدني حزنها، فلما كانت ليلة النصف من شعبان، وكانت ليلة الجمعة، بت ثملا من الخمر، ولم أصل فيها العشاء الآخرة، فرأيت فيما يرى النائم كأن القيامة قد قامت، ونفخ في
стр. 28
الصور، وبعثرت القبور، وحشر الخلائق وأنا معهم، فسمعت حسًّا من ورائي، فالتفت، فإذا أنا بتنين أعظم ما يكون أسود أزرق قد فتح فاه مشرعا نحوي، فمررت بين يديه هاربا فزعا مرعوبا، فمررت في طريقي بشيخ نقي الثوب طيب الرائحة فسلمت عليه فرد السلام، فقلت: أيها الشيخ، أجرني من هذا التنين أجارك الله، فبكى الشيخ وقال لي: أنا ضعيف وهذا أقوى مني وما أقدر عليه، ولكن مر وأسرع فلعل الله أن يتيح لك ما ينجيك منه، فوليت هاربا على وجهي، فصعدت على شُرُف من شرف القيامة، فأشرفت على طبقات النيران، فنظرت إلى هولها، وكدت أهوى فيها من فزع التنين، فصاح بي صائح: ارجع فلست من أهلها، فاطمأننت إلى قوله ورجعت ورجع التنين في طلبي، فأتيت الشيخ فقلت: يا شيخ سألتك أن تجيرني من هذا التنين فلم تفعل، فبكى الشيخ وقال: أنا ضعيف ولكن سر إلى هذا الجبل، فإن فيه ودائع المسلمين، فإن كان لك فيه وديعة فستنصرك، قال: فنظرت إلى جبل مستدير من فضة، وفيه كوى مخرمة وستور معلقة فلما نظرت إلى الجبل وليت إليه هاربا والتنين من ورائي، حتى إذا اقتربت منه صاح بعض الملائكة: ارفعوا الستور فلعل لهذا البائس فيكم وديعة تجيره من عدوه، فإذا الستور قد رفعت، فرأيت أطفالاً بوجوه كالأقمار، وقرب التنين مني فتحيرت في أمري، فصاح بعض الأطفال: ويحكم، أشرفوا وإذا أنا بابنتي التي ماتت قد أشرفت على معهم، فلما رأتني بكت وقالت: أبي والله، ثم وثبت في كفة من نور كرمية السهم حتى مثلت بين يدي، فمدت يدها الشمال إلى يدي اليمنى فتعلقت بها ومدت يدها اليمنى إلى التنين فولى هاربا، ثم أجلستني وقعدت في حجري وضربت بيدها اليمنى إلى لحتي وقالت: يا أبت ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الحديد: ١٦]، فبكيت وقلت: يا بنية أخبريني عن التنين الذي أراد أن يهلكني، قالت: ذلك عملك السوء قويته فأراد أن يغرقك في نار جهنم، قلت فأخبريني عن الشيخ الذي مررت به في طريقي، فقالت: يا أبت ذلك عملك الصالح أضعفته حتى لم يكن له طاقة بعملك السوء، قلت: أي بنية! وما تصنعون في هذا الجبل؟ قالت: نحن أطفال المسلمين قد أسكنا فيه إلى أن تقوم الساعة ننتظركم تقدمون علينا فنشفع لكم، قال مالك: فانتبهت فزعًا وأصبحت فأرقت المسكر وكسرت الأنية وتبت إلى الله، وهذا كان سبب توبتي.
стр. 29
الصبر
من سنن الكون
الانتظار والمصابرة خصال تتسق مع سنن الكون، فالزرع لا ينبت ساعة البذر، بل لابد من المكث شهورًا، والجنين يظل في بطن الحامل شهورًا حتى يستوي خلقه، وقد أعلمنا الله أنه خلق العالم في ستة أيام، وما كان ليعجز أن يقيمه في طرفة عين أو أقل. ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [النحل: ١٢٧].
الصبر إذا كان في مصيبة سمي صبرًا وضده الجزع، وإذا كان في الحرب سمي شجاعة ومضاده الجبن، وإذا كان في كظم الغيظ سمي حلمًا ومضاده التذمر. وقد جمع الله أقسام الصبر في قوله تعالى: ﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ (أي المصيبة) وَالضَّرَّاءِ (أي الفقر) وَحِينَ الْبَأْسِ (أي المحاربة) أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٧].
الإيمان نصفان
يقول ابن القيم: الإيمان نصفان نصف صبر، ونصف شكر.
اصبروا على النعماء، وصابروا على الباساء والضراء، ورابطوا في دار الأعداء واتقوا إله الأرض والسماء، لعلكم تفلحون في دار البقاء.
الصبر الجميل
وقد أمر الله في كتابه الكريم بالصبر الجميل وهو الذي لا شكوى فيه ولا معه، والصفح الجميل وهو الذي لا عتاب فيه، والهجر الجميل وهو الذي لا أذى فيه.
عاقبة الصبر
نظر الله بعين الاختيار إلى آدم، فحظي بسجود ملائكته فأقامه في منزلته، وإلى إدريس فاحتال بإلهامه على جنته، وإلى نوح فنجا من الغرق بسفينته، وإلى هود فعاد على عاد شؤم مخالفته، وإلى صالح فتمخضت صخرة بناقته، وإلى إبراهيم فتبختر في حلة خلته، وإلى إسماعيل فأعان الخليل في بناء كعبته، وإلى لوط فنجاه وأهله من عشيرته، وإلى
стр. 30
شعيب فأعطاه الفصاحة في خطبته، وإلى يوسف فأراه البرهان في همته، وإلى موسى فخطر في مكالمته، وإلى داود فألان الحديد له على حدته، وإلى سليمان فراحت الريح في مملكته، وإلى أيوب فيا طوبى لركضته، وإلى يونس فسمع نداه في ظلمته، وإلى زكريا فقرن سؤاله ببشارته، وإلى عيسى فكم أقام ميتًا في حفرته.
لا يتنافي مع الصبر
الشكوى إلى الله لا تنافي الصبر، فإن يعقوب ﵇ وعد بالصبر الجميل، والنبي إذا وعد لا يخلف وقال: ﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٦] وكذلك أيوب أخبر الله عنه: أنه وجده صابرًا مع قوله: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٣]، إنما ينافي الصبر شكوى الله، لا الشكوى إلى الله، كما رأى بعضهم رجلاً يشكو إلى آخر فاقة وضرورة، فقال: يا هذا تشكو من يرحمك؟
وإذا عرتك بلية فاصبر لها ... صبر الكريم فإنه بكم أعلم
وإذا شكوت إلى ابن آدم إنما ... تشكو الرحيم إلى الذي لا يرحم
أخاطبك على قدر عقلك
يحكي عن امرأة من العابدات أنها عثرت فانقطعت إصبعها فضحكت، فقال لها
بعض من معها: أتضحكين، وقد انقطعت إصبعك؟ قالت: أخاطبك على قدر عقلك،
حلاوة أجرها أنستني مرارة ذكرها.
لئن ساءني أن نلتني بمساءة ... فقد سرني أني خطرت ببالكا
الصبر مفتاح الفرج
ولرب نازلة يضيق بها الفتى ... ذرعًا وعند الله منها المخرج
ضاقت فلما استحكمت حلقاتها ... فرجت وكنت أظنها لا تفرج
فالصبر ضرورة دنيوية كما أنه ضرورة دينية، فلا نجاح في الدنيا، ولا فلاح في الآخرة إلا بالصبر، لولا صبر الزارع على بذره ما حصد، ولولا صبر الغارس على غرسه ما مضى، ولولا صبر الطالب على درسه ما تخرج، ولولا صبر المقاتل في ساحة الوغى ما انتصر، وهكذا
стр. 31
كل الناجحين في الدنيا إنما حققوا آمالهم بالصبر، واستمرأوا المر، واستعذبوا العذاب، واستهانوا بالصعاب، ومشوا على الأشواك، وحفروا الصخور بالأظافر، ولم يبالوا بالأحجار تقف في طريقهم، والطعنات تغرس في ظهرهم، وبالشرك تنصب للإيقاع بهم، وبالكلاب تنبح من حولهم، بل مضوا في طريقهم غير وانين ولا متوقفين، متذرعين بالعزيمة، مسلحين بالصبر قد يعثرون ثم لا يلبثون أن ينهضوا، وقد يخطئون ثم يوشكون أن يصيبوا، وقد يجرحون ثم لا يلبث جرحهم أن يندمل، وقد يفشلون مرة ومرة فلا يلقون السلاح ولا يستسلمون لليأس ولا يفقدون نور الأمل، لقد عرف عشاق المجد، وخطاب المعالي، وطلاب السيادة أن الرفعة في الدنيا كالفوز في الآخرة، لا تنال إلا بركوب متن المشقات، وتجرع غصص الآلام، والصبر عن كثير مما يجب.
لا تحسب المجد تمرًا أنت آكله ... لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا
ثمن الجنة
من ظن أن طريق الإيمان مفروشة بالأزهار والرياحين، فقد جهل طبيعة الإيمان بالرسالات، وطبيعة الأعداء، يقول تعالى: ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢)﴾ [العنكبوت: ١ - ٢]،وقال أيضا: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا﴾ [البقرة: ٢١٤] الجنة إذن لابد لها من ثمن، وهي سلعة غالية، فلا مفر من الثمن، وقد دفعه أصحاب الدعوات من قبل، فلابد أن يدفعه إخوانهم من بعد.
بيان من الله
يقول تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ١٥٥].
فالبلاء هنا بلاء عام، يصيب القلوب بالخوف، والبطون بالجوع، والأموال بالنقص، والأنفس بالموت، والثمرات بالآفات، ومن لطف الله تعالى ورحمته هنا أنه جعل البلاء ﴿بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ﴾ [البقرة: ١٥٥] وتنكير شيء هنا للتقليل والتحقير، لأن ما هو أكبر وأكثر لا يطيقون، فمسهم بشيء قليل من البلاء، تخفيفًا عنهم، وقال تعالى: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ
стр. 32
أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٦] وصف الله الأذى المسموع من أهل الكتب والمشركين بالكثرة (أذى كثيرًا) وهذا يدل على أن حربًا كلامية ستعلن على أهل الإيمان.
لا لأخلاق الأطفال
الصبر من عناصر الرجولة الناضجة، فإن أثقال الحياة لا يطيقها المهازيل، والمرء إذا كان لديه متاع ثقيل يريد نقله، لم يستأجر أطفالاً أو مرضى إنما ينتقي له ذوي الكواهل الصلبة، ومن ثم كان نصيب القادة من العناء والبلاء مكافئ لما أوتوا من مواهب ولما أدوا من أعمال.
وهذا قائد أمريكي يقول: لا تسأل الله أن يخفف حملك، ولكن اسأل الله أن يقوي ظهرك، وإن خفة الحمل وفراغ اليد، وقلة المبالاة، صفات قد يظفر الأطفال منها بقسط كبير، لكن مشاغل العيش وهموم الواجب ومرارة الكفاح واستدامة السعي، هي أخلاق المجاهدين البنائين.
من أسماء الله الحسنى: الصبور
أي هو الذي لا يستعجل في معاقبة العاصين وتأديب المذنبين، وهو الذي لا تضره المعاصي، وهو الآخذ بالنواصي، وهو الذي إذا قابلته بالجفاء قابلك بالإحسان، وإذا واجهته بالعصيان أقبل عليك بالغفران، أما صبر المولى على العاصي وعدم أخذه بالعقوبة العاجلة فظاهر في قول النبي ﷺ : "ليس أحد أو ليس شىء أصبر على أذى يسمعه من الله، إنهم ليدعون له ولداً وإنه ليعافيهم ويرزقهم" فعبد الصبور لا يستعجل دفع الملمات وما أمره الله به من الطاعات.
غالب أعداءك
الصبر واجب لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ٢٠٠]، وصيغة المصابرة تفيد مفاعلة من جانبين، والمعنى هنا مغالبة الأعداء في الصبر، وذلك أننا إذا كنا نصبر على حقنا، فإن المشركين يصبرون على باطلهم، فلابد أن نغلبهم بصبرنا، وأن يكون صبرنا آكد وأقوى، ولذا حكى القرآن عن المشركين استمساكهم بالصبر على ضلالهم وشركهم وتواصيهم بذلك: ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ
стр. 33
مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾ [ص: ٦] فالصبر مع نفسك، والمصابرة: بينك وبين عدوك، والمرابطة: الثبات وإعداد العدة. وكما أن الرباط لزوم الثغر لئلا يهجم منه العدو فكذلك الرباط أيضًا، لزوم ثغر القلب، لئلا يهجم منه الشيطان فيملكه أو يخربه.
عجبًا لك
عن أبي يحيى صهيب بن سنان قال رسول الله ﷺ : "عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن؛ إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له" [رواه مسلم].
اتقي الله
عن أنس قال: مر النبي ﷺ على امرأة تبكي عند قبر فقال:"اتقي الله واصبري" فقالت: إليك عني، فإنك لم تصب بمصيبتي، ولم تعرفه فقيل لها: إنه النبي ﷺ فأتت باب النبي ﷺ فلم تجد عنده بوابين فقالت: لم أعرفك، فقال: "إنما الصبر عند الصدمة الأولى" [متفق عليه].
امرأة من أهل الجنة
عن عطاء بن أبي رباح: قال لي ابن عباس: ألا أريك امرأة من أهل الجنة؟ فقلت: بلى، قال: هذه المرأة السوداء أتت النبي- ﷺ -فقالت: إني أصرع وإني أتكشف فادع الله تعالى لي قال:"إن شئت صبرت ولك الجنة، وإن شئت دعوت الله تعالى أن يعافيك" فقالت: أصبر، فقالت: إني أتكشف فادع الله أن لا أتكشف فدعا لها. [متفق عليه].
بشرى
عن أبي سعيد وأبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا غم حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه" [متفق عليه].
وعن ابن مسعود قال: دخلت على النبى ﷺ وهو يوعك فقلت: يا رسول الله إنك توعك وعكًا شديدًا قال: "أجل إني أوعك كما يوعك رجلان منكم" قلت: ذلك أن لك أجرين؟ قال: "أجل ذلك كذلك، ما من مسلم يصيبه أذى شوكة فما فوقها إلا كفر الله بها سيئاته، وحُطت عنه ذنوبه كما تحط الشجرة ورقها" [متفق عليه].
стр. 34
لا تطلب الموت:
عن أنس قال رسول الله ﷺ : "لا يتمنين أحدكم الموت لضر أصابه، فإن كان لابد فاعلاً فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي" [متفق عليه].
انظر إلى من سبقك
عن أبي عبد الله خباب بن الأرت قال: شكونا إلى رسول الله ﷺ وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة فقلنا: ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو لنا؟ فقال: "قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل منها ثم يؤتى بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين ويمشط بأمشاط الحديد، ما دون لحمه وعظمه ما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون" [رواه البخاري].
الله يحبك
قال رسول الله ﷺ : "إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله تعالى إذا أحب قومًا ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا ومن سخط فله السخط" [رواه الترمذي].
قصة امرأة صالحة
عن أنس قال: كان ابن لأبي طلحة ﵁ يشتكي: فخرج أبو طلحة فقُبِض الصبي، فلما رجع أبو طلحة، قال: ما فعل ابني؟ قالت أم سُلَيم وهي أم الصبي: هو أسكن ما كان. فقربت له العشاء فتعشى ثم أصاب منها، فلما فرغ قالت: واروا الصبي، فلما أصبح أبو طلحة أتى رسول الله ﷺ فأخبره، فقال: أعرستم الليلة؟ قال: نعم، قال: اللهم بارك لهما، فولدت غلامًا، فقال لي أبو طلحة: أحمله حتى تأتي به النبي ﷺ وبعث معه بتمرات فقال: معه شىء؟ قال: نعم تمرات، فأخذها النبي، فمضغها ثم أخذها من فيه فجعلها في في الصبي ثم حنكه وسماه عبد الله" متفق عليه.
وفي رواية البخاري: قال ابن عيينة: فقال رجل من الأنصار: فرأيت تسعة أولاد كلهم قد قرأوا القرآن، يعني من أولاد عبد الله المولود.
عند الغضب
عن أبي هريرة قال رسول الله ﷺ :"ليس الشديد بالصُّرَعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه
стр. 35
عند الغضب" متفق عليه.
وعن سليمان بن صرد قال: كنت جالسًا مع النبي ﷺ ورجلان يستبان، وأحدهما قد احمر وجهه، وانتفخت أوداجه، فقال رسول الله ﷺ : "إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد لو قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ذهب عنه ما يجد" فقالوا له إن النبي ﷺ قال: "تعوذ بالله من الشيطان الرجيم" متفق عليه.
وعن معاذ بن أنس أن النبي ﷺ قال: "من كظم غيظًا وهو قادر على أن ينفذه، دعاه الله على رؤس الحلاثق يوم القيامة حتى يخيره من الحور العين ما شاء" [رواه الترمذي].
رد الأمانة
إذا فقد الأب ولده فإن الملك استرد عبده، وإذا قال الوالد: ولدي، قال الله: عبدي، أنا قبل غيري أولى به وأحق.
روي مالك عن القاسم بن محمد: هلكت امرأة لي فأتاني محمد بن كعب القرظي يعزيني بها فقال: إنه كان في بني إسرائيل رجل فقيه، عالم عابد مجتهد، وكانت له امرأة كان بها معجبًا، فماتت فوجد عليها وجدًا -أي حزنًا شديدًا- حتى دخل في بيت وأغلق على نفسه واحتجب، فلم يكن يدخل عليه أحد، فسمعت به امرأة من بني إسرائيل فجاءته فقالت: إن لي حاجة أستفتيه فيها، ليس يجزني إلا أن أشافهه بها، ولزمت بابه، فأخبر بها، فأذن لها فقالت: أستفتيك في أمر، قال: وما هو؟ قالت: إني استعرت من جارية لي حليًّا، فكنت ألبسه زمانًا، ثم إنها أرسلت تطلبه، أفأرده إليها؟ قال: نعم والله!! قالت: إنه قد مكث عندي زمانًا!! فقال: ذاك أحق لردك إياه! فقالت له: يرحمك الله، أفتأسف على ما أعارك الله ثم أخذه منك، وهو أحق به منك؟! فأبصر ما كان فيه، ونفعه الله بقولها.
كمال الرضا عن الله
كان للتابعي الجليل عمر بن ذر الهمداني ولد فمات، وجاء أهل بيته يبكونه أشد البكاء وينتحبون عليه أشد النحيب، ورآهم عمر فقال لهم: ما لكم. إنا والله ما ظلمنا ولا قهرنا ولا ذهب لنا بحق ولا أخطئ بنا ولا أريد غيرنا وما لنا على الله معتب.
стр. 36
وسمع أصحابه بموت ولده فقالوا: الآن يضيع الشيخ فقد كان ابنه بارًا لوالديه أشد البر مطيعًا لهما لأجمل ما تكون طاعة الوالد فسمعهم الشميخ فبقى متعجبًا يتمتم: أنا أضيع؟
حتى إذا واراه التراب وقف على قبره يقول: رحمك الله يا بني، والله لقد كنت بي بارًا، ولقد كنت عليك حدبًا، وما بي إليك من وحشة، وما إلى أحد بعد الله فاقة، ولا ذهبت لنا بعز، ولا أبقيت علينا من ذلك، ولقد شغلني الحزن لك عن الحزن عليك.
يا ذر لولا هول المطلع ومحشره لتمنيت ما صرت إليه فليت شعري يا ذر ما قيل لك وماذا فعلت.
اللهم إنك وعدتني الثواب بالصبر على ذر اللهم فعلى ذر صلواتك ورحمتك، اللهم إني قد وهبت ما جعلت لي من أجر على ذر لذر صلة مني، فتجاوز عنه فإنك أرحم به مني وأكرم. فلما ذهب لينصرف قال: يا ذر قد انصرفنا وتركناك ولو أقمنا ما نفعناك.
يقول عمرو بن جرير فبقى القوم متعجبين مما ظنوا بالشيخ ومما رأوا من رضاه عن الله وتسليمه له.
من لطائف الأدب
في نداء أيوب لربه أنه لم يسأله شيئًا معينًا كالشفاء، إنما اكتفى بأن ذكر نفسه بالحاجة والضعف وذكر ربه بما هو أهله: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٣].
فهم خاطيء
ويظن بعض الناس أن الإسلام يمجد الآلام لذاتها ويكرم الأوجاع، وهذا خطأ، فعن أنس بن مالك قال: رأى رسول الله ﷺ شيخًا يهادى بين ابنيه، فقال: ما بال هذا؟ قالوا: نذر أن يمشي! فقال رسول الله ﷺ : إن الله عن تعذيب هذا لغني، وأمره أن يركب [رواه البخاري].
وعن ابن عباس أن أخت عقبة نذرت الحج ماشية، وذكر عقبة لرسول الله ﷺ أنها لا تطيق ذلك، فقال رسول الله: "إن الله لغني عن مشي أختك، فلتركب ولتَهْدِ بدنة" [رواه أبو داود].
﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ﴾ [النساء: ١٤٧].
стр. 37
وإنما يحمد الإسلام لأهل البلايا وأصحاب المتاعب رباطة جأشهم وحسن يقينهم.
لا تلعنها
فقد دخل النبي ﷺ على امرأة مريضة فوجدها تلعن الداء وتسب الحمى، فكره منها
هذا المسلك وقال لها مواسيًا: "إنها -أي الحمى- تذهب خطايا بني آدم كما يذهب الكير خبث الحديد" [رواه مسلم].
محن في طيها منح
من الخطأ أن يحسب المسلم أن تلاحق الأذى عليه آية على نسيان الله له، قال رسول الله ﷺ :"إن العبد إذا سبقت له من الله منزلة فلم يبلغها بعمل، ابتلاه الله في جسده أو ماله، أو في ولده، ثم صبر على ذلك حتى يبلغه المنزلة التي سبقت له من الله " [رواه أحمد].
هل رأيت حبيبًا يعذب حبيبة ؟!
قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٦] إنما هو سبحانه يبتلي عباده ليضع عنهم الأوزار، ويصرف عنهم عذاب النار، والصبر عطاء، فعن أبي سعيد: قال رسول ﷺ : "وما أعطى أحد عطاء خيرًا وأوسع من الصبر" [متفق عليه]. وهو علامة حب، عن أنس: قال رسول الله ﷺ : "إذا أراد الله بعبده الخير عجل له العقوبة في الدنيا، وإذا أراد الله بعبده الشر أمسك عنه بذنبه حتى يوافي به يوم القيامة" [رواه الترمذي].
ما حظي الدينار بنقش اسم الملك، حتى صبرت سبيكته على التردد على النار، فنفت عنها كل كدر، ثم صبرت على تقطيعها دنانير، ثم صبرت على ضربها على السكة، فحينئذ ظهر عليها رقم النقش (كتب في قلوبهم الإيمان).
ابتسم في مقابلة المحن
لعل قطعة الخشب كانت معذورة وهي تشكو للمسمار الذي يفلقها، ويدخل في أحشائها قائلة له: مهلا يا عزيزي المسمار كف عن الصراخ والشكوى .. ارحمني من عنفوان الاختراق.
فقال لها باسما: اعذريني فأنا مكره ومضطر من كثرة الدق على رأسي بالمطرقة.
الخطوة الأولى في مقابلة المحنة هي الابتسامة مع الصبر، فعندما يتأخر القطار لا تلعن الأقدار وارض بما حدث وحاول الابتسام.
стр. 38
الفرج بعد الشدة
حج رجل عَلوي فلما طاف بالبيت وأدى نسكه وأراد الخروج إلى "منى" أودع رحله وما كان معه بيتًا وقفل بابه، فلما عاد وجد الباب مفتوحًا والبيت فارغًا.
قال: فتحيرت ونزلت بي شدة ما رأيت مثلها فاستسلمت لأمر الله، ومضى علي ثلاثة أيام ما طعمت فيها شيئًا.
فلما كان اليوم الرابع بدأ بي الضعف وخفت على نفسي وذكرت قول جدي رسول الله ﷺ : "ماء زمزم لما شُرب له" [رواه ابن ماجه] فخرجت حتى شربت منها ورجعت لأستريح فعثرت في الطريق بشيء فأمسكته فإذا هو هميان (١) داخله ألف دينار، فجلست في الحرم وناديت: من ضاع منه شيء فليأتني بعلامة ويأخذه.
وانقضى يومي ولم يأتني أحد، فغدوت إلى الصفا والمروة في اليوم الثاني فوقفت عندهما يومي فلم يأتني أحد.
فضعفت ضعفًا شديدًا فجئت على باب "إبراهيم" فقلت قبل انصراف الناس: قد ضعفت عن النداء فمن رأيتموه يطلب شيئًا قد ضاع فأرشدوه إلي.
فلما كان وقت المغرب إذا أنا بخراساني ينشد ضالته فصحت به وقلت: صف ما ضاع منك. فأعطاني صفة الهميان بعينه وذكر وزن الدنانير وعِدتها فقلت: إن أرشدتك إليه تعطيني مائة دينار. قال: لا.
قلت: فخمسين. قال: لا.
فلم أزل أنازل إلى أن بلغت إلى دينار واحد فقال: لا، إن رده من هو عنده إيمانًا واحتسابًا وإلا فهو الضر، ثم ولى لينصرف فخفت الله وأشفقت إن يفوتني الخراساني فصحت به: ارجع، فأخرجت الهميان ودفعته له، فمضى وجلست ومالي قوة على المشي إلى بيتي.
فما غاب عني حينًا حتى عاد إلي فقال: من أي البلاد أنت ومن أي الناس أنت؟
قلت: وما عليك من أمري هل بقى لك عندي شيء؟
стр. 39
فقال: أسألك بالله لا تضجر.
فقلت: من أهل الكوفة ومن ولد"الحسين بن علي" وقصصت عليه قصتي.
فقال: يا هذا خذ هذا بأسره بارك الله لك فيه، إن الهميان ليس لي فما كان يجوز لي أن أعطيك منه شيئًا قل أو كثر، وإنما أعطانيه رجل وسألني أن أطلب بالعراق أو الحجاز رجلاً حسينيًا فقيرًا مستورًا، ولم تجتمع لي هذه الصفة في أحد إلا فيك لأمانتك وعفتك وصبرك.
صبر على الطاعة
حدث هشام بن عروهّ عن أبيه قال: دخلت على أسماء ذات النطاقين ﵂ وهي تصلي فسمعتها وهي تقرأ الآية: ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾ [الطور: ٢٧]، فاستعاذت من النار، فقمت وهي تستعيذ، فلما طال عليّ قيامي ذهبت إلى السوق ورجعت وهي ما زالت تستعيذ باكية.
فالمرأة المسلمة يجب أن تصبر على طاعة الله، وعلى قيام الليل، وتجاهد نفسها في قراءة الورد القرآني اليومي، ولا تدعي الانشغال بأمور البيت، فالقرآن زادها إلى الجنة، وكذلك طاعة الزوج، وعليها بالتوازن المحمود.
فداء بالمال
أخرج ابن إسحاق عن أسماء بنت أبي بكر ﵂ لما خرج رسول الله ﷺ وخرج معه أبو بكر، أي في الهجرة، احتمل أبو بكر ماله كله معه، خمسة آلاف أو ستة آلاف درهم، فانطلق بها معه، قالت: فدخل علينا جدي أبو قحافة وقد ذهب بصره، فقال: والله إني لأراه قد فجعكم بماله مع نفسه!! قالت: كلا يا أبت إنه قد ترك لنا خيرًا كثيرًا، قالت: وأخذت أحجارا فوضعتها في كوة البيت الذي كان أبي يضع ماله فيه، ثم وضعت عليه ثوبًا، ثم أخذت بيده فقلت: يا أبت، ضع يدك على هذا المال، قالت: فوضع يده عليه فقال: لا بأس، إذا كان قد ترك لكم هذا فقد أحسن، وفي هذا بلاع لكم، تقول أسماء: ولا والله ما ترك لنا شيئًا، ولكن أردت أن أسكت الشيخ بذلك" رواه أحمد.
إنه الصبر على ضيق المعيشة من أجل نصرة دعوة الحق.
***
стр. 40
الصدق
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩].
قال أبو سليمان: اجعل الصدق مطيتك والحق سيفك والله تعالى غاية طلبتك.
قال الثوري: عن قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾ [الزمر: ٦٠] هم الذين ادعوا محبة الله تعالى ولم يكونوا بها صادقين.
وليس صدق الوعد خلة تافهة، ولكنها محمدة ذكرها الله في مناقب النبوة: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا﴾ [مريم: ٥٤].
الصدق يهدي إلى الجنة
عن ابن مسعود عن النبي ﷺ قال: "إن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة وإن الرجل ليصدق حتى يكتب عند الله صديقًا، وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذابًا" [متفق عليه].
الصدق طمأنينة
عن الحسن بن علي ﵄ قال: حفظت من رسول الله ﷺ : "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، فإن الصدق طمأنينة، والكذب ريبة" [رواه الترمذي].
وقوله: "يريبك" بفتح الياء وضمها معناه: اترك ما تشك في حله، واعدل إلى ما لا تشك فيه.
لا تجحد نعمة ربك
خطب الحجاج بن يوسف يومًا، فأطال الخطبة، فقال أحد الحاضرين: الصلاة! فإن الوقت لا ينتظرك، والرب لا يعذرك، فأمر بحبسه، فأتاه قومه وزعموا أن الرجل مجنون، فقال الحجاج: إن أقر بالجنون خلصته من سجنه، فقال الرجل: لا يسوغ لي أن أجحد نعمة الله التي أنعم بها عليَّ، أثبت لنفسي صفة الجنون التي نزهني الله عنها، فلما رأى الحجاج صدقه خلى سبيله. فالمتأمل يرى أن صدق الرجل كان سببًا في خروجه من السجن.