وسمع أصحابه بموت ولده فقالوا: الآن يضيع الشيخ فقد كان ابنه بارًا لوالديه أشد البر مطيعًا لهما لأجمل ما تكون طاعة الوالد فسمعهم الشميخ فبقى متعجبًا يتمتم: أنا أضيع؟
حتى إذا واراه التراب وقف على قبره يقول: رحمك الله يا بني، والله لقد كنت بي بارًا، ولقد كنت عليك حدبًا، وما بي إليك من وحشة، وما إلى أحد بعد الله فاقة، ولا ذهبت لنا بعز، ولا أبقيت علينا من ذلك، ولقد شغلني الحزن لك عن الحزن عليك.
يا ذر لولا هول المطلع ومحشره لتمنيت ما صرت إليه فليت شعري يا ذر ما قيل لك وماذا فعلت.
اللهم إنك وعدتني الثواب بالصبر على ذر اللهم فعلى ذر صلواتك ورحمتك، اللهم إني قد وهبت ما جعلت لي من أجر على ذر لذر صلة مني، فتجاوز عنه فإنك أرحم به مني وأكرم. فلما ذهب لينصرف قال: يا ذر قد انصرفنا وتركناك ولو أقمنا ما نفعناك.
يقول عمرو بن جرير فبقى القوم متعجبين مما ظنوا بالشيخ ومما رأوا من رضاه عن الله وتسليمه له.
من لطائف الأدب
في نداء أيوب لربه أنه لم يسأله شيئًا معينًا كالشفاء، إنما اكتفى بأن ذكر نفسه بالحاجة والضعف وذكر ربه بما هو أهله: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٣].
فهم خاطيء
ويظن بعض الناس أن الإسلام يمجد الآلام لذاتها ويكرم الأوجاع، وهذا خطأ، فعن أنس بن مالك قال: رأى رسول الله ﷺ شيخًا يهادى بين ابنيه، فقال: ما بال هذا؟ قالوا: نذر أن يمشي! فقال رسول الله ﷺ : إن الله عن تعذيب هذا لغني، وأمره أن يركب [رواه البخاري].
وعن ابن عباس أن أخت عقبة نذرت الحج ماشية، وذكر عقبة لرسول الله ﷺ أنها لا تطيق ذلك، فقال رسول الله: "إن الله لغني عن مشي أختك، فلتركب ولتَهْدِ بدنة" [رواه أبو داود].
﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ﴾ [النساء: ١٤٧].
стр. 37
وإنما يحمد الإسلام لأهل البلايا وأصحاب المتاعب رباطة جأشهم وحسن يقينهم.
لا تلعنها
فقد دخل النبي ﷺ على امرأة مريضة فوجدها تلعن الداء وتسب الحمى، فكره منها
هذا المسلك وقال لها مواسيًا: "إنها -أي الحمى- تذهب خطايا بني آدم كما يذهب الكير خبث الحديد" [رواه مسلم].
محن في طيها منح
من الخطأ أن يحسب المسلم أن تلاحق الأذى عليه آية على نسيان الله له، قال رسول الله ﷺ :"إن العبد إذا سبقت له من الله منزلة فلم يبلغها بعمل، ابتلاه الله في جسده أو ماله، أو في ولده، ثم صبر على ذلك حتى يبلغه المنزلة التي سبقت له من الله " [رواه أحمد].
هل رأيت حبيبًا يعذب حبيبة ؟!
قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٦] إنما هو سبحانه يبتلي عباده ليضع عنهم الأوزار، ويصرف عنهم عذاب النار، والصبر عطاء، فعن أبي سعيد: قال رسول ﷺ : "وما أعطى أحد عطاء خيرًا وأوسع من الصبر" [متفق عليه]. وهو علامة حب، عن أنس: قال رسول الله ﷺ : "إذا أراد الله بعبده الخير عجل له العقوبة في الدنيا، وإذا أراد الله بعبده الشر أمسك عنه بذنبه حتى يوافي به يوم القيامة" [رواه الترمذي].
ما حظي الدينار بنقش اسم الملك، حتى صبرت سبيكته على التردد على النار، فنفت عنها كل كدر، ثم صبرت على تقطيعها دنانير، ثم صبرت على ضربها على السكة، فحينئذ ظهر عليها رقم النقش (كتب في قلوبهم الإيمان).
ابتسم في مقابلة المحن
لعل قطعة الخشب كانت معذورة وهي تشكو للمسمار الذي يفلقها، ويدخل في أحشائها قائلة له: مهلا يا عزيزي المسمار كف عن الصراخ والشكوى .. ارحمني من عنفوان الاختراق.
فقال لها باسما: اعذريني فأنا مكره ومضطر من كثرة الدق على رأسي بالمطرقة.
الخطوة الأولى في مقابلة المحنة هي الابتسامة مع الصبر، فعندما يتأخر القطار لا تلعن الأقدار وارض بما حدث وحاول الابتسام.
стр. 38
الفرج بعد الشدة
حج رجل عَلوي فلما طاف بالبيت وأدى نسكه وأراد الخروج إلى "منى" أودع رحله وما كان معه بيتًا وقفل بابه، فلما عاد وجد الباب مفتوحًا والبيت فارغًا.
قال: فتحيرت ونزلت بي شدة ما رأيت مثلها فاستسلمت لأمر الله، ومضى علي ثلاثة أيام ما طعمت فيها شيئًا.
فلما كان اليوم الرابع بدأ بي الضعف وخفت على نفسي وذكرت قول جدي رسول الله ﷺ : "ماء زمزم لما شُرب له" [رواه ابن ماجه] فخرجت حتى شربت منها ورجعت لأستريح فعثرت في الطريق بشيء فأمسكته فإذا هو هميان (١) داخله ألف دينار، فجلست في الحرم وناديت: من ضاع منه شيء فليأتني بعلامة ويأخذه.
وانقضى يومي ولم يأتني أحد، فغدوت إلى الصفا والمروة في اليوم الثاني فوقفت عندهما يومي فلم يأتني أحد.
فضعفت ضعفًا شديدًا فجئت على باب "إبراهيم" فقلت قبل انصراف الناس: قد ضعفت عن النداء فمن رأيتموه يطلب شيئًا قد ضاع فأرشدوه إلي.
فلما كان وقت المغرب إذا أنا بخراساني ينشد ضالته فصحت به وقلت: صف ما ضاع منك. فأعطاني صفة الهميان بعينه وذكر وزن الدنانير وعِدتها فقلت: إن أرشدتك إليه تعطيني مائة دينار. قال: لا.
قلت: فخمسين. قال: لا.
فلم أزل أنازل إلى أن بلغت إلى دينار واحد فقال: لا، إن رده من هو عنده إيمانًا واحتسابًا وإلا فهو الضر، ثم ولى لينصرف فخفت الله وأشفقت إن يفوتني الخراساني فصحت به: ارجع، فأخرجت الهميان ودفعته له، فمضى وجلست ومالي قوة على المشي إلى بيتي.
فما غاب عني حينًا حتى عاد إلي فقال: من أي البلاد أنت ومن أي الناس أنت؟
قلت: وما عليك من أمري هل بقى لك عندي شيء؟
стр. 39
فقال: أسألك بالله لا تضجر.
فقلت: من أهل الكوفة ومن ولد"الحسين بن علي" وقصصت عليه قصتي.
فقال: يا هذا خذ هذا بأسره بارك الله لك فيه، إن الهميان ليس لي فما كان يجوز لي أن أعطيك منه شيئًا قل أو كثر، وإنما أعطانيه رجل وسألني أن أطلب بالعراق أو الحجاز رجلاً حسينيًا فقيرًا مستورًا، ولم تجتمع لي هذه الصفة في أحد إلا فيك لأمانتك وعفتك وصبرك.
صبر على الطاعة
حدث هشام بن عروهّ عن أبيه قال: دخلت على أسماء ذات النطاقين ﵂ وهي تصلي فسمعتها وهي تقرأ الآية: ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾ [الطور: ٢٧]، فاستعاذت من النار، فقمت وهي تستعيذ، فلما طال عليّ قيامي ذهبت إلى السوق ورجعت وهي ما زالت تستعيذ باكية.
فالمرأة المسلمة يجب أن تصبر على طاعة الله، وعلى قيام الليل، وتجاهد نفسها في قراءة الورد القرآني اليومي، ولا تدعي الانشغال بأمور البيت، فالقرآن زادها إلى الجنة، وكذلك طاعة الزوج، وعليها بالتوازن المحمود.
فداء بالمال
أخرج ابن إسحاق عن أسماء بنت أبي بكر ﵂ لما خرج رسول الله ﷺ وخرج معه أبو بكر، أي في الهجرة، احتمل أبو بكر ماله كله معه، خمسة آلاف أو ستة آلاف درهم، فانطلق بها معه، قالت: فدخل علينا جدي أبو قحافة وقد ذهب بصره، فقال: والله إني لأراه قد فجعكم بماله مع نفسه!! قالت: كلا يا أبت إنه قد ترك لنا خيرًا كثيرًا، قالت: وأخذت أحجارا فوضعتها في كوة البيت الذي كان أبي يضع ماله فيه، ثم وضعت عليه ثوبًا، ثم أخذت بيده فقلت: يا أبت، ضع يدك على هذا المال، قالت: فوضع يده عليه فقال: لا بأس، إذا كان قد ترك لكم هذا فقد أحسن، وفي هذا بلاع لكم، تقول أسماء: ولا والله ما ترك لنا شيئًا، ولكن أردت أن أسكت الشيخ بذلك" رواه أحمد.
إنه الصبر على ضيق المعيشة من أجل نصرة دعوة الحق.
***
стр. 40
الصدق
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩].
قال أبو سليمان: اجعل الصدق مطيتك والحق سيفك والله تعالى غاية طلبتك.
قال الثوري: عن قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾ [الزمر: ٦٠] هم الذين ادعوا محبة الله تعالى ولم يكونوا بها صادقين.
وليس صدق الوعد خلة تافهة، ولكنها محمدة ذكرها الله في مناقب النبوة: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا﴾ [مريم: ٥٤].
الصدق يهدي إلى الجنة
عن ابن مسعود عن النبي ﷺ قال: "إن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة وإن الرجل ليصدق حتى يكتب عند الله صديقًا، وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذابًا" [متفق عليه].
الصدق طمأنينة
عن الحسن بن علي ﵄ قال: حفظت من رسول الله ﷺ : "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، فإن الصدق طمأنينة، والكذب ريبة" [رواه الترمذي].
وقوله: "يريبك" بفتح الياء وضمها معناه: اترك ما تشك في حله، واعدل إلى ما لا تشك فيه.
لا تجحد نعمة ربك
خطب الحجاج بن يوسف يومًا، فأطال الخطبة، فقال أحد الحاضرين: الصلاة! فإن الوقت لا ينتظرك، والرب لا يعذرك، فأمر بحبسه، فأتاه قومه وزعموا أن الرجل مجنون، فقال الحجاج: إن أقر بالجنون خلصته من سجنه، فقال الرجل: لا يسوغ لي أن أجحد نعمة الله التي أنعم بها عليَّ، أثبت لنفسي صفة الجنون التي نزهني الله عنها، فلما رأى الحجاج صدقه خلى سبيله. فالمتأمل يرى أن صدق الرجل كان سببًا في خروجه من السجن.
стр. 41
موقف مع البخاري
روى البخاري أنه خرج يطلب الحديث من رجل فرآه قد هربت فرسه، وهو يشير إليها بردائه كأن فيه شعيرًا فجاءته فأخذها، فقال البخاري: أكان معك شعير؟ فقال الرجل: لا، ولكن أوهمتها، فقال البخاري: لا آخذ الحديث ممن يكذب على البهائم، فكان هذا مثالاً عاليًا في تحري النقل عن الصادقين، ولهذا اعتبر كتابه أصدق كتاب في الأحاديث النبوية.
أنواع الصدق
١ - صدق النية:
في يوم اليمامة أغلقت بنو حنيفة -أنصار مسيلمة الكذاب- الباب عليهم، وأحاط بهم الصحابة، فقال البراء بن مالك: يا معشر المسلمين ألقوني عليهم في الحديقة فاحتملوه على ترس على أسنة رماحهم، فاقتحم عليهم الحديقة وشد عليهم وقاتل حتى فتح باب الحديقة، فجرح يومئذ بضعة وثمانين جرحًا، ولذلك قام عليه خالد بن الوليد شهرًا يداوي جرحه.
شهيد ثار الكون من أجله:
عن أبي هريرة ﵁ -قال: أرسل رسول الله ﷺ سرية وأمر عليهم عاصم بن ثابت -وهو جد عاصم بن عمر بن الخطاب- فانطلقوا حتى إذا كانوا بين عسفان ومكة ذكروا لحي من هذيل يقال لهم بنو لحيان، فتبعوهم بقريب من مائة رام فاقتفوا آثارهم حتى أتوا منزلا نزلوه، فوجدوا فيه نوي تمر من المدينة، فقالوا: هذا تمر يثرب، فتبعوا آثارهم حتى لحقوهم، فلما انتهى عاصم وأصحابه جاء القوم فأحاطوا بهم، فقالوا: لكم العهد والميثاق إن نزلتم إلينا ألا نقتل منكم رجلاً، فقال عاصم: أما أنا فلا أنزل في ذمة كافر، اللهم أخبر عنا نبيك، فقاتلوهم حتى قتلوا عاصمًا في سبعة نفر بالنبل وبعثت قريش إلى عاصم ليأتوا بشيء من جسده يعرفونه، وكان عاصم قتل منهم عظيمًا من عظمائهم يوم بدر، فبعث الله عليه مثل الظلة من الدبر فحمته من رسلهم، فلم يقدروا منه على شيء، وفي رواية ابن إسحاق: كان عاصم بن ثابت أعطى لله عهدًا ألا يمسه مشرك ولا يمس مشركًا أبدا، فكان عمر يقول لما بلغه الخبر: يحفظ الله العبد المؤمن بعد وفاته كما حفظه في الدنيا.
стр. 42
يقول ابن الجوزي: عاصم بن ثابت بن أبي الأفلح له من اسمه نصيب، عصمه ربه وثبته فأفلح، حفظ الله فحفظه الله، ثار الكون كله من أجله يوم استشهد؛ الدبابير خرجت نهارًا تحميه، والسيل انهمر ليلاً يفديه، فما استطاع أحد من الشركين مس شعرة منه، غاظ عاصم أعداءه، لأنه في الأصل فاعل ليس مفعولاً به، والفاعل دائمًا مرفوع لا يكسره شيء.
ذو الجناحين
جعفر بن أبي طالب ﵁ أخذ اللواء بيمينه فقطعت، فأخذه بشماله فقطعت، فاحتضنه بعضديه حتى قتل وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة، فآتاه الله بذلك جناحين في الجنة يطير بهما حيث شاء، ويقال: إن رجلاً من الروم ضربه يومئذ ضربة فقطعه نصفين.
صدق مع الله فأعطاه جناحين في الجنة يطير بهما حيث يشاء.
ما لي أراك تكرهين الجنة؟
في غزة مؤتة لما رأى المسلمون كثرة الأعداء قالوا: نكتب إلى رسول الله ﷺ فنخبره بعدد عدونا؛ فإما أن يمدنا وإما أن يأمرنا بأمره فنمضي له، فشجع عبد الله بن رواحة ﵁ قومه وقال: يا قوم إن الذي تكرهون للذي خرجتم له تطلبون .. الشهادة، وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة، إنما نقاتلهم بهذا الدين الذي أكرمنا الله به، فانطلقوا فإنما هي إحدى الحسنيين: إما الظهور، وإما الشهادة. وبعد مقتل زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب ﵄ قال عبد الله بن رواحة لنفسه وقد تردد:
أقسمت يا نفس لتنزلنه ... طائعة أو لتكرهنه
ما لي أراك تكرهين الجنة ... إن أجلب الناس وشدوا الرنة
لطالما كنت مطمئنة ... هل أنت إلا نطفة في شنة
ثم أخذ سيفه فقاتل حتى قُتل.
صدق الله فصدقه
عن شداد بن الهادي: أن رجلاً من الأعراب جاء إلى النبي ﷺ فآمن به واتبعه ثم قال: أهاجر معك، فأوصى به النبي ﷺ بعض أصحابه، فلما كانت غزاة غنم النبي ﷺ -
стр. 43
سبيًا فقسم وقسم له، فأوصى أصحابه ما يقسم له، وكان يرعى ظهرهم، فلما جاء دفعوه إليه فأخذه فجاء به النبي ﷺ فقال: ما هذا؟ قال: "قسمت لك"، قال: ما على هذا اتبعتك، ولكني اتبعتك على أن أرمي إلى ها هنا، وأشار إلى حلقه، فأموت فأدخل الجنة، فقال:"إن تصدق الله يصدقك"، فلبثوا قليلاً فأُتي به النبي ﷺ يحُمل قد أصابه سهم حيث أشار فقال النبي ﷺ : أهو هو؟ قالوا: نعم، قال: "صدق الله فصدقه الله" ثم كفنه النبي ﷺ في جبته ثم قدمه فصلى عليه فكان مما ظهر من صلاته: "اللهم هذا عبدك خرج مهاجرًا في سبيلك فقتل شهيدًا أنا شهيد على ذلك" [رواه النسائي].
كل منا يتمنى الشهادة، ولكن الله لن يرزق أحدًا هذا المنزلة إلا إذا كان صادقًا في طلبها، وعمل من أجلها.
٢ - صدق الإيمان
يقول خيثمة -وكان ابنه قد استشهد يوم بدر-: لقد أخطأتني وقعة بدر وكنت والله عليها حريصًا حتى ساهمت ابني في الخروج، فخرج سهمه فرُزق الشهادة، وقد رأيت البارحة ابني في النوم في أحسن صورة يسرح في ثمار الجنة وأنهارها يقول: الحق بنا ترافقنا في الجنة، وقد كبرت سني، ورق عظمي، وأحببت لقاء ربي، فادع الله يا رسول الله أن يرزقني الشهادة ومرافقة سعد في الجنة، فدعا له رسول الله ﷺ بذلك فقتل بأحد شهيدًا.
اختبار صعب
كان ملك الروم يسمع عن صدق الصحابة، فوقع عبد الله بن حذافة السهمي ﵁ أسيرًا فذهبوا به إلى ملكهم، فقالوا: إن هذا من أصحاب محمد فأراد أن يختبره فقال: هل لك أن تتنصر وأعطيك نصف مالي؟ قال: لو أعطيتني جميع ما تملك، وجميع ما تملك العرب ما رجعت عن دين محمد طرفة عين، قال: إذًا أقتلك، قال: أنت وذاك. فأُمر به فصُلب، وقال للرماة: ارموه قريبًا من بدنه، وهو يعرض عليه ويأبى، فأنزله ودعا بقدر فصب فيه ماء حتى احترقت، ودعا بأسيرين فأمر بأحدهما فألقي فيها وهو يعرض عليه النصرانية وهو يأبى، ثم بكى عبد الله فقيل للملك: إنه بكى، فظن أنه قد جزع فقال: ردوه، وقال له: ما أبكاك؟ قال: هي نفس واحدة تلقى الساعة فتذهب، فكنت أشتهي أن
стр. 44
يكون بعدد شعري أنفس تلقى في النار في الله، فقال له الطاغية: هل لك أن تقبل رأسي وأخلي عنك، فقال له عبد الله: وعن جميع الأساري؟ قال: نعم، فقبل رأسه وقدم بالأسارى على عمر فأخبره خبره، فقال عمر: حق على كل مسلم أن يقبل رأس ابن حذافة، وأنا أبدأ، فقبل رأسه.
إنه صدق في الإيمان لا يتزعزع في الشدائد، ولا يلين للمغريات، ولا تفتنه الدنيا، ولا ينشغل بها عن دينه ودعوته، فليحذر كل مسلم مغريات وشهوات الدنيا.
٣ - صدق العمل
في معركة نهاوند في عهد سيدنا عمر بن الخطاب ﵁ جاء السائب بن الأقرع إلى سيدنا عمر بخمس الغنائم فقال له عمر: ما وراءك يا سائب؟ قال: خيرًا يا أمير المؤمنين، فتح الله عليك بأعظم الفتح، استشهد النعمان بن مقرن، فقال عمر: إنا لله وإنا إليه راجعون ثم بكى عمر ثم قال: ومن؟ قال: فلان وفلان حتى عد له أناسًا كثيرين، ثم قال السائب: والله يا أمير المؤمنين أصيب أناس لا تعرفهم فقال عمر وهو يبكي: المستضعفون من المسلمين لا يضرهم ألا يعرفهم عمر، لكن الذي أكرمهم بالشهادة يعرفهم.
أخي الحبيب لا تهتم بمعرفة الناس لك، ولا تسع إلى الشهرة وتكفيك معرفة الله لك.
٤ - صدق اللسان
كان رسول الله ﷺ يقدس الكلمة التي يقولها وذلك إشارة إلى الرجولة الكاملة، فعن عبد الله بن أبي الحمساء قال: بايعت رسول الله ببيع قبل أن يبعث، فبقيت له بقية، فوعدته أن آتيه بها في مكانه، فنسيت، ثم ذكرت بعد ثلاثة فجئت فإذا هو في مكانه فقال: "يا فتى لقد شققت عليَّ! أنا ها هنا منذ ثلاث أنتظرك" [رواه أبو داود] وكان يأتي في الموعد المضروب بينهما.
فإذا أعطيت موعدًا فلابد أن تكون صادقًا في الالتزام به حفاظًا على أوقات الآخرين ولا تعتذر إلا لضرورة ويكون الاعتذار مسبقًا.
стр. 45
الكذب على الأعداء
في معركة أجنادين، احتاج عمرو بن العاص ﵁ إلى معرفة شيء عن جيش الروم، فقرر الذهاب إلى قائد الروم على أنه رسول من قائد المسلمين إليه، ولما انتهى عمرو من مهمته، وقام ليخرج فأرسل القائد إلى حراسه أن يقتلوا عمرًا عند خروجه، وأثناء خروج عمرو ناداه رجل كان يعرفه، وحذره من غدر الروم، قائلاً: أحسنت الدخول فأحسن الخروج، ففهم عمرو، ورجع إلى القائد، وقال له: إني قد سمعت كلامك وسمعت كلامي، وإني واحد من عشرة أرسلنا عمر بن الخطاب لنكون مع عمرو بن العاص قواد جيشه، وقد أحببت أن آتيك بهم ليسمعوا كلامك، ففرح القائد بذلك، ووجدها فرصة ثمينة ليقتل عشرة من المسلمين، فقال لعمرو: اذهب وأحضرهم، وأرسل للحراس ألا يتعرضوا له بسوء، فنجا عمرو وعاد إلى جيشه سالمًا، فلما علم قائد الروم بهذه الحيلة، قال: خدعني الرجل، هذا والله أدهى العرب.
أبو سفيان
ذهب أبو سفيان بن حرب ومعه بعض القرشيين إلى الشام للتجارة، فأرسل إليهم هرقل ملك الروم يطلب حضورهم، فلما جاءوا إليه دال لهم: أيكم أقرب نسبًا بهذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟ فقال أبو سفيان: أنا أقربهم نسبًا، فقال هرقل: أدنوه مني واجعلوا أصحابه خلفه، ثم قال لهم: إني سائل هذا الرجل فإن كذبني فكذبوه، فقال أبو سفيان: لولا الحياء أن يروا علي كذبًا لكذبت، فأخذ هرقل يسأله عن صفات النبي ﷺ ونسبه وأصحابه وأبو سفيان لا يقول إلا صدقًا حياء.
أنكحك الصدق
كان لسيدنا بلال بن رباح الحبشي، مؤذن رسول الله ﷺ أخ يريد الزواج من امرأة من قبيلة مخزوم، وهي قبيلة عريقة في حسبها ونسبها، ولم تكن ترضى بمثل بلال صهرًا لها، فلما أصر أخوه على أن يخطب هذه المرأة رضخ بلال لقوله، وتوجه معه إلى أشراف مخزوم، وعرض عليهم رغبة أخيه في مصاهرتهم، وقال لهم: يا قوم، نحن من قد عرفتم، كنا عبيدًا فأعتقنا الله، وكنا ضالين فهدانا الله، وكنا فقراء فأغنانا الله، وإني أخطب منكم ابنتكم لأخي، فإن تنكحوها له فالحمد لله، وإن تردونا عن قصدنا، فسوف يغنينا الله.
стр. 46
فرحب به القوم، وأكرموا وفادته، وقبلوا شفاعته، وقالوا: مرحبا بمؤذن رسول الله ﷺ ثم زوجوه ابنتهم، فلما خرجا من عندهم أقبل عليه أخوه يلومه ويعنفه، ويقول: يا بلال، هلا ذكرت لهم مواقفنا في الإسلام، فقد أبلينا مع رسول الله بلاء حسنًا، فقال له بلال: اسكت يا هذا، فقد أنكحك الصدق.
أموت ولا أكذب
حين استعرت نيران الثورة ضد الإنجليز في الهند كان المسلمون هناك يتصدرون الصفوف الأولى للثورة، ويقضون مضاجع المستعمرين الإنجليز بشجاعتهم النادرة وإقبالهم على الاستشهاد دفاعًا عن دينهم وبلادهم.
وفي يوم من أيام عام ١٨٥٧م، ألقت السلطات الإنجليزية القبض على العالم المؤمن الشيخ رضا الله البدواني بتهمة الاشتراك في الثورة ضد الإنجليز.
وجيء بالعالم الشيخ ليحاكم أمام ضابط إنجليزي كبير، وكان هذا الضابط يكبر في الشيخ جرأته وشجاعته، فأراد أن يلتمس للشيخ مبررًا قانونيًا يطلق به سراحه فأوعز لبعض أصدقاء الشيخ أن ينصحوه بأن ينكر التهمة أمام المحاكم.
وجيء بالشيخ أمام المحكمة العسكرية فقال له الضابط الإنجليزي:
علمت أيها الشيخ أنك لم تكن مشتركًا في الثورة ضدنا، فإن كان هذا الذي سمعته حقًا، أطلقت سبيلك في الحال .. ؟
وابتسم الشيخ المؤمن وهو يجيب الضابط الإنجليزي: لا والله أيها الحاكم لا أجحد شرف المشاركة في حربكم، ووالله لو أطلقت سراحي الآن لعدت إليك بعد ساعات بنفس التهمة التي تحاكمني بها الآن.
ولم يجد الحاكم الإنجليزي بدًا من الحكم بإعدام الشيخ المؤمن رضا الله البدواني.
وسيق العالم الثائر إلى خشبة الإعدام ومشى الحاكم الإنجليزي إلى جانبه، والشيخ المؤمن لا ينفك يذكر الله ويثني عليه، حتى إذا اقترب موكب الموت من خشبة الإعدام قال الحاكم الإنجليزي للعالم المؤمن:
أيها الشيخ ما زال أمامك متسع من الوقت لتنقذ نفسك من الشنق، قل لي الآن أنك
стр. 47
لم تشارك في الثورة ضدنا فأؤجل تنفيذ الحكم، ثم أعمل على براءتك وإطلاق سراحك.
ونظر الشيخ إلى حبل المشنقة وهو يبتسم ابتسامة تهزأ بالموت ثم نظر إلى الضابط الإنجليزي وقال: أتريد أن أكذب لأنجو من الموت اليوم فيحبط عملي، فإذا مت بعد ذلك لقيت الله وقد حبط عملي كله .. ؟ لا أيها الحاكم لن أكذب أبدًا، لقد اشتركت في الثورة ضدكم لأن ديني يأمرني بذلك فافعل ما بدا لك.
وما هي إلا لحظات إلا وجسد العالم الثائر رضا الله البدواني يتأرجح في الهواء شهيدًا في سبيل الله.
***
стр. 48
المراقبة
المراقبة: هي دوام علم العبد وتيقنه باطلاع الحق على ظاهره وباطنه.
يقول إبراهيم الخواص: المراقبة هي خلوص السر والعلانية لله ، وقد حث الإسلام على المراقبة، فقال تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا﴾ [الأحزاب: ٥٢].
وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١].
وقال: ﴿فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ١١٧].
وها هو رسول الله ﷺ يراقب ربه فيقول: "إني أرى ما لا ترون، أطت السماء وحُق لها أن تئط، ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك واضع جبهته ساجدًا لله تعالى، والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيرًا، وما تلذذتم بالنساء على الفرش ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله تعالى" [الترمذي].
وسئل ذو النون: بم ينال العبد الجنة؟ قال: بخمس:
استقامة ليس فيها روغان.
واجتهاد ليس معه سهو.
ومراقبة لله في السر والعلانية.
وانتظار الموت بالتأهل له.
ومحاسبة نفسك قبل أن تحاسب.
إذا أراد المؤمن أن يتذكر مراقبة الله فعليه أن يتعبد باسم الله السميع، فلا يسمع ربه منه فحشًا ولا عصيانًا، ويتعبد باسم الله البصير، فلا يرى ربه منه معصية ولا يقع منه ما يغضبه .
من أسماء الله الحسنى: الرقيب
الرقيب: اسم من أسماء الله الحسنى ورد ذكره في حديث المصطفى الشامل للأسماء الحسنى، كما ورد ذكره في القرآن الكريم.
стр. 49
والرقيب: هو الذي لا يغفل ولا ينام، أحاط بصره بكل شيء، أدنى حفيظ وأقرب شهيد، وهو الذي من الأسرار قريب، وعند الاضطرار يجيب، وهو المطلع على الضمائر، الشاهد على الأسرار، وهو الذي يعلم ويرى ولا يخفى عليه السر والنجوى، وهو تعالى الذي يسبق علمه جميع المحدثات وتتقدم روايته جميع المكونات، الحاضر الذي لا يغيب، قال تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥].
وقال : ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤]، وقال تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ [العلق: ١٤] وقال : ﴿فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور: ٤٨] وقال تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر: ١٩]، إلى غير ذلك من الآيات.
مظاهر اسمه تعاله الرقيب
الله رقيب على السماوات وما فيهن من كواكب ونجوم، يحفظها من أن يخرج منها جرم عن موضعه الذي أقامه فيه، أو ينقص من سرعته التي أجراها بها وأداره عليها، أو ينحرف عن اتجاهه الذي وجهه إليه، لا تشغله الرقابة على كبارها عن الرقابة على صغارها، ولا يعوقه حفظ قريبها عن حفظ بعيدها، وهو سبحانه رقيب على كل شيء، ولا يخفى عليه شيء، يرقب أشعة الشمس في اختلاط ألوانها حتى لا يطغى بعضها على بعض، وحتى يظل الظاهر منها ظاهرًا والخفي منها خفيًا.
يرقب الأرض في دورتها حول نفسها أمام الشمس حتى لا تنحرف عن مدارها الذي رسمه، وحتى تحتفظ بالسرعة التي خصها بها، يرقبها في إنبات نباتها وجريان أنهارها، ويرقب الأجرام السماوية أن تقع على الأرض، إذ لو وقع أصغر جرم منها على الأرض لدكها دكًّا وصيرها هباء منثورا، ويرقب البحار أن تطغى على اليابسة إذ لو طغت عليها لأصبحت الكرة الأرضية كلها بحرا يعج عجاجه وتصطخب أمواجه، ويرقب الأجنة في بطون أمهاتها وتطورها في خلقها ونموها وتغذيتها وتمامها وخروجها من ظلمات الأرحام.
وهو يرقب القلوب في نبضاتها، وتوزيعها الدم في دورته في الأجسام وتحول الدم إلى أنسجة وخلايا.
وهو يرقب خطرات الأفكار وخلجات الأنفس وهجسات الضمائر،
стр. 50
لا يغيب عن رقابته شيء (١).
ثمار المراقبة:
١ - الورع:
كانت فاطمة بنت عبد الملك بنت خليفة، وزوجة خليفة، وأخت أربعة من الخلفاء، خرجت من بيت أبيها إلى بيت زوجها يوم زفت إليه وهي مثقلة بأثمن ما تملكه امرأة على وجه الأرض من الحلي والجوهرات، ومن فضول القول أن أشير إلى أن عروس عمر بن عبد العزيز كانت في بيت أبيها تعيش في نعمة لا تعلو عليها عيشة امرأة أخرى في الدنيا في ذلك العهد، ولو أنها استمرت في بيت زوجها تعيش كما كانت تعيش قبل ذلك لتملأ بطنها كل يوم، وفي كل ساعة بأدسم المأكولات وأندرها وأغلاها، وتنعم نفسها بكل أنواع النعيم الذي عرفه البشر، لاستطاعت ذلك .. إلا أن الخليفة الأعظم عمر بن عبد العزيز اختار -في الوقت الذي كان فيه أعظم ملوك الأرض- أن تكون نفقة بيته بضعة دراهم في اليوم، ورضيت بذلك زوجة الخليفة التي كانت بنت خليفة وأخت أربعة من الخلفاء، فكانت مغتبطة بذلك، لأنها تذوقت لذة القناعة، وتمتعت بحلاوة الاعتدال، فصارت هذه اللذة وهذه الحلاوة أطيب لها وأرضى لنفسها من كل ما كانت تعرفه قبل ذلك من صنوف البذخ وألوان الترف، بل اقترح عليها زوجها أن تترفع عن عقلية الطفولة، فتخرج عن هذه الألاعيب والسفاسف التي كانت تبهرج بها أذنيها وعنقها وشعرها ومعصميها، مما لا يسمن ولا يغني من جوع، ولو بيع لأشبع بثمنه بطون شعب برجاله ونسائه وأطفاله، فاستجابت له، واستراحت من أثقال الحلي والمجوهرات واللآليء والدرر التي حملتها معها من بيت أبيها، فبعثت بذلك كله إلى بيت مال المسلمين.
وتوفي أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز ولم يخلف لزوجته وأولاده شيئًا، فجاءها أمين بيت المال، وقال لها: إن مجوهراتك يا سيدتي لا تزال كما هي، واعتبرتها أمانة لك، وحفظتها لذلك اليوم، وقد جئت أستأذنك في إحضارها.
فأجابته بإنها وهبتها لبيت مال المسلمين طاعة لأمير المؤمنين، ثم قالت: وما كنت لأطيعه حيًا، وأعصيه ميتًا (٢).
стр. 51
٢ - السماحة:
جاء أحد جلساء أبي حنيفة إليه، وقال: إني بحاجة إلى ثوب خز يا أبا حنيفة.
فقال له: ما لونه؟ فقال: كذا وكذا.
فقال: اصبر حتى يقع لي فآخذه لك، فما إن دارت الجمعة حتى وقع له الثوب المطلوب، فمر به صاحبه، فقال له أبو حنيفة: قد وقعت لي حاجتك .. وأخرج إليه الثوب فأعجبه وقال: كم أدفع لغلامك ثمنه؟ فقال: درهمًا، فقال الرجل في استغراب: درهمًا واحدًا؟ فقال أبو حنيفة: نعم، فقال له الرجل: ما كنت أظنك تهزأ بي يا أبا حنيفة، فقال أبو حنيفة: ما هزئت بك، وإنما اشتريت هذا الثوب وآخر معه بعشرين دينارًا ذهبًا، ودرهم من الفضة، وقد بعت أحد الثوبين بعشرين دينارًا ذهبًا، وبقي عليَّ هذا بدرهم واحد، وما كنت أربح على جليسي (١).
٣ - تذكر الموت:
لقي الفضيل بن عياض رجلاً فقال له الفضيل: أيها الرجل كم عمرك؟
قال الرجل: ستون سنة.
قال الفضيل: فأنت منذ ستين سنة تسير إلى الله يوشك أن تلقاه.
قال الرجل: إنا لله وإنا إليه راجعون.
قال الفضيل: هل تعلم معنى تلك الكلمة.
قال الرجل: نعم أعلم أني لله عبد وأني إليه راجع.
قال الفضيل: يا هذا من علم أنه لله عبد، وأنه إليه راجع فليعلم أنه بين يديه موقوف، ومن علم أنه بين يديه موقوف فليعلم أنه بين يديه مسئول، ومن علم أنه بين يديه مسئول فليعد للسؤال جوابًا.
قال الرجل: فما الحيلة يرحمك الله؟
قال الفضيل: أن تتقي الله فيما بقي يغفر الله لك ما قد مضى وما قد بقي (٢).
стр. 52
٤ - الأمانة:
عن أسلم مولى عمر ﵄ قال: بينما أنا مع عمر بن الخطاب، وهو يعس بالمدينة إذ عيى، فاتكأ على جاذب جدار في جوف الليل، وإذا امرأة تقول لابنتها: يا بنتاه قومي إلى ذلك اللبن فامذقيه بالماء.
قالت: يا أماه أو ما علمت بما كان من عزمة أمير المؤمنين؟
قالت: وما كان عزمته؟
قالت: إنه أمر مناديه فنادى لا يشاب اللبن بالماء.
فقالت لها: يا بنية قومي إلى اللبن فامذقيه بالماء، فإنا بموضع لا يراك عمر ولا منادي عمر.
فقالت الصبية: والله ما كنت لأطيعه في الملأ، وأعصيه في الخلا، وعمر يسمع كل ذلك.
فقال: يا أسلم علِّم الباب واعرف الموضع، ثم مضى في عسسه فلما أصبح: قال: يا أسلم امض في الموضع فانظر من القائلة ومن المقول لها، وهل لهم من بعل؟ فأتيت الموضع فنظرت فإذا الجارية أيم لا بعل لها، فأتيت عمر فأخبرته، فدعا ولده فجمعهم فقال: هل فيكم من يحتاج إلى امرأة فأزوجه؟ ولو كان بأبيكم حركة إلى النساء ما سبقه منكم أحد إلى هذه الجارية، فقال عبد الله: لي زوجة، وقال عبد الرحمن: لي زوجة، وقال عاصم: يا أبتاه لا زوجة لي فزوجني، فبعث إلى الجارية فزوجها من عاصم فولدت له بنتًا، وولدت البنت عمر بن عبد العزيز.
وهكذا كان عمر يتفقد الرعية بنفسه، ويعس في الليل ويقوم بواجبه نحو رعيته محتسبًا عند الله تعالى أجره، كما كان لمراقبة تلك الفتاة لربها وأمانتها الأثر الجميل والخير العميم في حياتها وفي آخرتها إن شاء الله.
أمانة في البيع والشراء
حُكي عن محمد بن المنكدر ﵀ أنه كان له شقاق -جنس من الثياب- بعضها بخمسة، وبعضها بعشرة. فباع غلامه في غيبته شقة من الخمسيات بعشرة. فلما حضر ابن المنكدر، وعلم بذلك، صار يطلب المشتري طول النهار حتى وجده، وقال له: إن الغلام غلط، فباعك خمسة بعشرة.
فقال المشتري: يا هذا، قد رضيت.
стр. 53
فقال ابن المنكدر إن رضيت أنت؛ فأنا لا أرضى لك إلا ما نرضاه لأنفسنا، فاختر إحدى ثلاث خصال: إما أن تأخذ شقة من العشريات، وإما أن نرد عليك خمسة، وإما أن ترد علينا شُقتنا وتأخذ دراهمك.
فقال: أعطني خمسة، فدفعها إليه، فانصرف الأعرابي وهو يسأل، ويقول: من هذا الشيخ؟
فقيل له: هذا محمد بن المنكدر.
فقال الأعرابي: لا إله إلا الله، هذا الذي نستقي به في البوادي إذا قُحطنا.
عمر يختبر الراعي
قال عبد الله بن دينار خرجت مع عمر بن الخطاب ﵁ إلى مكة فانحدر بنا راع من الجبل، فقال له عمر ممتحنًا له: يا راعي بعني شاة من هذه الغنم.
فقال عمر: إنني مملوك.
فقال عمر: قل لسيدك أكلها الذئب (يريد أن يختبره).
فقال الراعي: فأين الله؟ فبكى عمر ثم غدا مع المملوك فاشتراه من مولاه وأعتقه، وقال له: أعتقتك في الدنيا هذه الكلمة، وأرجو أن تعتقك في الآخرة.
الغلام المعلَّم
وهذا عبد الله بن مسعود ﵁ الذي راقب الله كيف كان جزاؤه؟ يقول ابن مسعود: كنت أرعى غنمًا لعقبة بن أبي معيط فمر بي رسول الله ﷺ وأبو بكر فقال: "يا غلام هل من لبن؟ " قلت: نعم، ولكني مؤتمن، قال: فهل من شاة لا تخرج لبنًا"، فأتيته بشاة، فمسح ضرعها، فنزل لبن، فحلب في إناء فشرب وسقى أبا بكر، ثم قال للضرع: "اقلص" فقلص، ثم أتيته بعد هذا فقلت: يا رسول الله! علمني من هذا القول، فمسح رأسي وقال: "يرحمك الله إنك غليم معلَّم" رواه أحمد.
راقبوا الله في خلواتكم
إن للخلوة تأثيرات تبين في الجلوة، كم من مؤمن بالله يحترمه عند الخلوات؛ فيترك ما يشتهي حذرًا من عقابه، أو رجاء لثوابه، أو إجلالاً له، فيكون بذلك الفعل كأنه طرح عودًا هنديًا على مجمر فيفوح طيبه؛ فيستنشقه الخلائق ولا يدرون أين هو، وعلى قدر
стр. 54
المجاهدة في ترك ما يهوي تقوي محبته، أو على مقدار زيادة دفع ذلك المحبوب المتروك يزيد الطيب، ويتفاوت تفاوت العود، فترى عيون الخلق تعظم هذا الشخص وألسنتهم تمدحه ولا يعرفون لم، ولا يقدرون على وصفه لبعدهم عن حقيقة معرفته.
وقد تمتد هذه الأراييج بعد الموت على قدرها، فمنهم من يذكر بالخير مدة مديدة ثم ينسى، ومنهم من يذكر مائة سنة ثم يخفى ذكره وقبره، ومنهم أعلام يبقى ذكرها أبدا.
قال أبو الدرداء: إن العبد ليخلو بمعصية الله تعالى فيلقي الله بغضه في قلوب المؤمنين من حيث لا يشعر، فتلمحوا ما سطرته، واعرفوا ما ذكرته، ولا تهملوا خلواتكم ولا سرائركم، فإن الأعمال بالنية، والجزاء على مقدار الإخلاص.
إذا ما خلوت بريبة في ظلمة ... والنفس داعية إلى الطغيان
فاستحي من نظر الإله وقل ... لها إن الذي خلق الظلام يراني
يقول محمد بن عدي الترمذي: اجعل مراقبتك لمن لا تغيب عن نظره إليك، واجعل شكرك لمن لا تنقطع نعمه عنك، واجعل طاعتك لمن لا تستغني عنه، واجعل خضوعك لمن لا تخرج عن ملكه وسلطانه.
درس في المراقبة
يقول الإمام الغزالي: كان لأحد المشايخ تلاميذ وطلاب علم، فأراد أن يلقنهم درسًا في مراقبة الله ، فدعا بعدة طيور، وناول كل واحد منهم طائرًا وسكينًا، وقال: ليذبح كل واحد منكم طائره في موضع لا يراه فيه أحد ... فرجع كل طالب بطائره مذبوحا إلا طالبًا واحدًا، فقد رجع بطائره دون أن يذبحه.
فقال له الشيخ: ما لك لم تذبح كما ذبح أصحابك؟ فقال: لم أجد موضعا لا يراني فيه أحد .. إذ الله مطلع علي في كل مكان .. فاستحسن الشيخ منه ذلك.
إذا ما خلوت الدهر يومًا فلا تقل ... خلوت ولكن قل علي رقيب
ولا تحسبن الله يغفل ساعة ... ولا أن ما تخفيه عنه يغيب
стр. 55
التوكل
وعلى الله فتوكلوا
قال ابن القيم: التوكل نصف الدين والنصف الثاني الإنابة، فإن الدين استعانة وعبادة فالتوكل هو الاستعانة والإنابة هي العبادة، ويقول الإمام الغزالي: التوكل منزلة من منازل الدين ومقام من مقامات الموقنين، بل هو من معالي درجات المقربين.
ويقول بشر الحافي: يقول أحدهم: توكلت على الله، يكذب على الله لو توكل على الله لرضي بالمقدور.
رزقك على ربك
نحتاج إلى التوكل خاصة في قضية الرزق، فربما قبل إنسان أن يذل نفسه، ويحني رأسه، ويبذل كرامته، من أجل لقمة العيش التي يحسبها أنها في يد مخلوق مثله، إن شاء أعطاه وإن شاء منعه، فحياته وحياة أولاده في قبضته، فهو قادر في نظره أن يحيي ويميت كما قال النمرود. وقد أمر الله رسوله بالتوكل: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٩].
المتوكلون من السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة بغير حساب
لقول الرسول ﷺ : "هم الذين لا يسترقون ولا يتطيرون ولا يكتوون وعلى ربهم يتوكلون" [رواه البخاري ومسلم].
وعن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ كان يقول: "اللهم لك أسلمت وبك آمنت وعليك توكلت وإليك أنبت وبك خاصمت" [رواه مسلم].
كن كالطير
وعن عمر بن الخطاب ﵁: قال رسول الله ﷺ : "لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصًا وتروح بطانًا" [رواه الترمذي].
стр. 56
الشيطان يحزن
عن أنس ﵁: قال رسول الله ﷺ : "من قال -يعني إذا خرج من بيته- بسم الله توكلت على الله ولا حول ولا قوة إلا بالله، يقال له: هُديت ووُقيت وكُفيت فيقول الشيطان لشيطان آخر: كيف لك برجل قد هُدي وكُفي ووُقي" [رواه أبو داود].
حقيقة التوكل
التوكل: هو انطراح القلب بين يدي الرب، كانطراح الميت بين يدي الغاسل؛ يقلبه كيف يشاء، وهو ترك الاختيار.
لا تحزن ومعك الملك
كذلك من أعطاه ملك درهمًا فسرق منه، فقال له الملك: عندى أضعافه، فلا تهتم، متى جئت إلي أعطيتك من خزائني أضعافه، فإذا علم صحة قول الملك، ووثق به، واطمأن إليه، وعلم أن خزائنه مليئة بذلك، لم يحزن.
من توكل عليه تولاه ومن استغنى به أغناه.
هل أنت مؤمن ؟
قال تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٢٣] التوكل شرط في الإيمان فمن لا توكل له لا إيمان له، ولا يكون الوكيل وكيلاً إلا إذا اجتمع فيه أربع صفات أن يكون (عليمًا وقادرًا على نصرتك ورحيمًا بك وهاديًا) فهل تجد غير الله وكيلاً؟
لا تتكاسل
جاء رجل على ناقة إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، أدعها وأتوكل، فقال الرسول ﷺ :" اعقلها وتوكل" رواه الترمذي. ورفض الرسول مبدأ التهاون والكسل.
ساق التوكل
قال ابن القيم: لا تقوم عبودية الأسباب إلا على ساق التوكل، ولا يقوم ساق التوكل إلا على قدم العبودية.
يقول صاحب الظلال: إن سنة الله تجري بترتيب النتائج على الأسباب، ولكن
стр. 57
الأسباب ليست هي التي تنشئ النتائج، فالفاعل المؤثر هو الله وهو الذي يرتب النتائج على الأسباب بقدره ومشيئته، ومن ثم يطلب من العبد أن يؤدي واجبه ويبذل جهده، ثم يتوكل على الله في إحداث النتائج .. فإنه متى تعلق العبد بالأسباب فقد أُثبت جهله ونقص إيمانه ونقص عقله .. حيث إن الناظر إلى مجاري سنة الله يرى أن المشيئة ليست على قدر الأسباب .. فكم من عاقل محروم وكم من أحمق مرزوق .. ولو رزق الله كل عاقل وحرم كل أحمق لظن الناس أن العقل يرزق صاحبه، فلما رأوا خلاف ذلك علموا أن الصانع أراد أن يدلهم على نفسه، فهل علمت من هو المتوكل؟.
واعجبًا
يقول ابن الجوزي: واعجبًا يتأمل الحيوان البهيم العواقب، وأنت لا ترى إلا الحاضر، ما تكاد تهتم بمؤنة الشتاء حتى يقوى البرد، ولا بمؤنة الصيف حتى يشتد الحر، ومَنْ هذه صفته في أمور الدنيا فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلاً، هذا الطائر إذا علم أن الأنثى قد حملت، أخذ ينقل العيدان لبناء العش قبل الوضع، أفتراك ما علمت قرب رحيلك إلى القبر؟ فهلا بعثت لك فراش تقوى ﴿فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ [الروم: ٤٤].
هذا اليربوع لا يتخذ بيتًا إلا في موضع طيب مرتفع، ليسلم من سيل أو حافر ثم لا يجعله إلا عند أكمة أو صخرة، لئلا يضل إذا عاد إليه، ثم يجعل له أبوابًا ويرقق بعضها.
فهم خاطيء
جاء رجل إلى الإمام أحمد بن حنبل ﵀ وسأله عن رجل جلس في بيته وقال: لا أعمل حتى يأتيني رزقي، فقال الإمام أحمد: هذا رجل جهل العلم فقد قال النبي ﷺ : "جعل رزقي تحت ظل رمحي" [رواه البخاري].
ولقي عمر بن الخطاب ﵁ ناسًا من أهل اليمن فقال: من أنتم؟ قالوا: نحن المتوكلون، قال: بل أنتم المتواكلون، إنما المتوكل الذي يلقي حبة في الأرض ويتوكل على الله.
هكذا أُمِرَ الأنبياء
قال تعالى لنوح ﵇: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾ [هود: ٣٧] وقال يعقوب لابنه: ﴿قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا﴾ [يوسف: ٥] وقال لأبنائه:
стр. 58
﴿لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [يوسف: ٦٧] وقال الله لموسى: ﴿فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ﴾ [الدخان: ٢٣] وقال لمريم: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾ [مريم: ٢٥].
القرآن يأمر بالأخذ بالأسباب
قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ [الأنفال: ٦٠] وقال
تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ [الملك: ١٥].
سبحان الله يا شقيق !!
ورد أن شقيق البلخي ودع صديقه إبراهيم بن أدهم، لسفره في تجارة، ولم يلبث إلا مدة يسيرة ثم عاد ولقيه إبراهيم، فعجب لسرعة إيابه من رحلته، فسأله: لِمَ رجع؟ فقص عليه قصة شهدها أنه رأى طائرًا أعمى كسيحًا وجاء طائر آخر يحمل إليه الطعام ويمده به، حتى يأكل ويشبع، فقال شقيق: إن الذي رزق هذا الطائر الأعمى الكسيح في هذه الخربة لقادر على أن يرزقني، وقرر العودة، فقال له إبراهيم بن أدهم: سبحان الله يا شقيق! ولماذا رضيت لنفسك أن تكون الطائر الأعمى العاجز، ولا تكون أنت الطائر الذي يسعى ويكدح ويعود بثمره على العُمى من حوله، أما سمعت قول رسول الله ﷺ : "اليد العليا خير من اليد السفلى" [متفق عليه].
هل لك حرفة ؟!
كان عمر بن الخطاب ﵁ إذا رأى غلامًا أعجبه سأل: هل له حرفة؟ فإن قيل: لا، سقط من عينه.
هذه الأشياء لا تنافي التوكل
وكان العابد الزاهد إبراهيم الخواص إذا أراد السفر يأخذ معه إبرة وخيوطًا ومقصًا وإناء به ماء، فسأله أحد أصحابه: لم تحمل هذه الأشياء يا أبا إسحاق وأنت من الزهاد؟
فقال ابراهيم: هذه الأشياء لا تنافي التوكل؛ لأن لله تعالى علينا فرائض، والفقير لا يكون معه إلا ثوب واحد، فربما يتمزق ثوبه، فإن لم يكن معه إبرة وخيوط تظهر عورته
стр. 59
فتفسد صلاته، وإذا لم يكن معه إناء به ماء لم يستطع أن يتطهر لصلاته، وإذا لم يكن معه مقص لم يستطع أن يقص شاربه كما أمرنا الرسول ﷺ .
غزوة حنين نموذج قرآني
تُذم الأسباب إذا تعلق القلب بها وحدها ونسي مسببها، وقد ذكر القرآن لنا نموذجًا من الاعتماد على الأسباب الظاهرة وحدها، فإذا هي لا تحقق نتائجها: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ [التوبة: ٢٥].
لا تنس أن الله معك، فما تعجز عنه الأسباب المادية تكمله القدرة الإلهية، فقد قال بنو إسرائيل لموسى: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (٦٢)﴾ [الشعراء: ٦١ - ٦٢].
حدث في ليلة الهجرة
وفي الغار قال الرسول ﷺ لأبي بكر ﵁: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠] بعد أن أخذ بكل الأسباب، هيأ من يبيت في فراشه -علي بن أبي طالب- ومن يرافقه في الطريق -أبو بكر الصديق- ومن يدله على الطريق -عبد الله بن أريقط- ومن يأتي بالزاد -أسماء بنت أبي بكر- ومن يعفي آثارها بغنمه -عامر بن فهيرة-: ﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٤٠].
فلم تقتلوهم ولكن ...
وفي غزوة بدر: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: ١٧] وفي غزوة الأحزاب: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ [الأحزاب: ٩] وقال تعالى: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ [الأحزاب: ٢٥].
آلله أمرك بهذا ؟!
ولقد أخذ سيدنا إبراهيم هاجر وابنها الرضيع سيدنا إسماعيل، وسار بهما في الصحراء، حتى وصلوا إلى بيت الله الحرام، فوضعهما في هذا المكان، وليس معهما إلا قليل من التمر، وإناء به ماء، ثم تركهما وهمَّ بالانصراف، فأسرعت هاجر وراءه وهي
стр. 60
تقول: يا إبراهيم أين تذهب وتتركنا؟! وظلت تسأله وإبراهيم لا يلتفت إليها فقالت له: آلله أمرك بهذا؟ فقال: نعم. فقالت: إذًا لن يضيعنا. وهكذا توكل إبراهيم وزوجته على ربهما وفوضا الأمر إليه.
حسبنا الله ونعم الوكيل
وهذا إبراهيم ﵇ قام بتحطيم أصنام قومه، فلما علم قومه بذلك أحضروه وأمروا بإحراقه، فقال: حسبي الله ونعم الوكيل، فجاءه جبريل وقال له: ألك حاجة؟ فقال إبراهيم: أما إليك فلا، وأما إلى الله فنعم. فأمر الله تعالى النار أن تكون بردًا وسلامًا على إبراهيم.
من الرزاق ؟
قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣١) فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٣٢)﴾ [يونس: ٣١ - ٣٢].
لا تعصه وهو يرزقك
قام رسول الله ﷺ على المنبر فدعا الناس بيده هكذا، فقال: اجلسوا، وأقبل الناس، فقال بيده هكذا: اجلسوا، ثم قال:"إني رأيتكم تطلبون معايشكم، هذا رسول الله رب العالمين جبريل نفث في روعي: ألا تموت نفس حتى تستكمل رزقها، وإن أبطأ عليها فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، ولا يحملنكم استبطاء شيء على أن تأخذوه بمعصية، فإن الله لا يُدرك ما عنده إلا بطاعته" [رواه ابن ماجه والحاكم].
طرفة
يمشي الفقير وكل شيء ضده ... والناس تغلق دونه أبوابها
وتراه منقوصًا وليس بمذنب ... ويرى العداوة لا يرى أسبابها
حتى الكلاب إذا رأت رجل الغنى ... حنت إليه وحركت أذنابها
وإذا رأت يومًا فقيرًا لاغيًا ... نبحت عليه وكشرت أنيابها
стр. 61
كن معه يغنيك من خزائنه
فالله يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء، ويعز من يشاء ويذل من يشاء، بيده الخير وهو على كل شيء قدير، إن شاء الله أغنى الفقير، وأفقر الغني، وقوي الضعيف وأضعف القوي، ونصر المظلوم وأخذ الظالم، وشفي المريض ويسر على المعسر، وأعز الذليل وأذل العزيز لا ينازعه أحد في سلطانه.
لا تيأس وإن توالت عليك الخطوب
فيا أيها المظلوم والمغلوب، ويأيها الملهوف والمكروب، ويأيها المجروح والمنكوب، لا تيأس وإن توالت عليك الخطوب، وسدت في وجهك الدروب، فإن علام الغيوب، وغفار الذنوب، وستار العيوب، ومقلب القلوب سيفرج عنك الكروب، ويحقق لك المطلوب، كما كشف الضر عن أيوب، ورد يوسف إلى يعقوب ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (٨٨)﴾ [الأنبياء: ٨٧ - ٨٨].
الأرزاق الظاهرة كالأقوات والطعام، يقول تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١٨] نبهكم الله إلى كثرة نعمه عليكم وإحسانه، ولو طالبكم بشكر جميع نعمه لعجزتم عن القيام بذلك، ولو أمركم به لضعفتم وتركتم، ولو عذبكم لعذبكم وهو غير ظالم، ولكنه غفور رحيم يغفر الكثير ويجازي على اليسير.
أرزاق باطنة للقلوب كالمعارف والعلوم، ومنها نعمة الإسلام: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة: ٣] ونعمة الإيمان: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ٧] ونعمة النصر: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ [الأحزاب: ٩].
البركة من الله:
قال رسول الله ﷺ : "ما قل وكفى خير مما كثر وألهى" [صحيح الجامع].
موقف يحتاج إلى تأمل
وحدث في أحد مساجد مصر أن رجلاً كان يأكل فجاءه قط، فألقى إليه طعاما فغاب
стр. 62
عنه، ثم أعطاه مرة ثانية فأعطاه طعاما فغاب عنه، ثم أتاه فتعجب الرجل فسار خلفه فوجده يذهب بالطعام إلى أرض خراب بها قط أعمى فقال الله يرزق هذا فكيف يضيع مثلي؟
متى الراحة ؟!
وأعظم نعمة بعد الإسلام أن تشتاق إلى الجنة وتعمل لها، سئل الإمام أحمد: متى الراحة؟ قال: لا راحة إلا في الجنة.
إن لي نفسًا تواقة
قال وجاء بن حيوة وزير عمر بن عبد العزيز ﵁: كنت مع عمر بن عبد العزيز -لما كان واليا على المدينة- فأرسلني لأشتري له ثوبًا فاشريته له بخمسمائة درهم فلما نظر فيه قال: هو جيد لولا أنه رخيص الثمن، فلما صار خليفة للمسلمين بعثني لأشتري له ثوبًا فاشتريته له بخمسة دراهم فلما نظر فيه قال: هو جيد لولا أنه غالي الثمن. فبكى رجاء فقال له عمر: ما يبكيك؟ قال: تذكرت ثوبك قبل سنوات وما قلت عنه، فقال له عمر: يا رجاء إن لي نفسًا تواقة، وما حققت شيئًا إلا تاقت لما هو أعلى منه، والآن قد تاقت نفسي إلى الجنة ... فأرجو أن أكون من أهلها.
رحم الله امرأ عرف قدر نفسه
بلغ عمر ﵁ أن ابنًا له اتخذ خاتمًا، واتخذ له فصًا بألف درهم، فكتب له: بلغني أنك اشتريت فصًا لخاتمك بألف درهم فبِعْه، وأشبع بثمنه ألف جائع، واتخذ خاتمًا من حديد، واكتب عليه: رحم الله امرأ عرف قدر نفسه.
كثرة الأموال ليست دليل الكرامة على الله
قال الله تعالى على لسان الكفار ﴿وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [سبأ: ٣٥] ويقول عن سبأ: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾ [سبأ: ٣٧] وقال تعالى: ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ [التوبة: ٥٥]، ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (١٥) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (١٦) كَلَّا﴾ [الفجر: ١٥ - ١٧].
стр. 63
الابتلاء بالنعمة
قال تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ [الأنعام: ٤٤] وقال رسول الله:"إذا رأيت الله تعالى يعطى العبد من الدنيا ما يحب وهو مقيم على معاصيه فإنما ذلك منه استدراج" (رواه أحمد والطبراني)، وقال أيضا: "إن الله ليملي للظالم فإذا أخذه لم يفلته، ثم قرأ قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: ١٠٢].
قال ابن أبي حازم: كل نعمة لا تقرب من الله فهي بلية.
النعم ثلاث
يقول ابن القيم: النعم ثلاث: نعمة حاصلة يعلم بها العبد، ونعمة منتظرة يرجوها، ونعمة هو فيها لا يشعر بها، فإذا أراد الله إتمام نعمته على عبده، عرفه نعمته الحاضرة ليشكره ويوفقه لعمل يستجلب بها النعمة المنتظرة.
ويحكى أن أعرابي دخل على الرشيد فقال أمير المؤمنين: ثبت الله عليك النعم التي أنت فيها بإدامة شكرها، وحقق لك النعم التي ترجوها بحسن الظن بها، وعرفك النعم التي أنت فيها ولا تعرفها لتشكرها، فأعجبه ذلك، وقال: ما أحسن تقسيمه.
***
стр. 64
الاستقامة
الاستقامة ضد الطغيان، وهو مجاوزة الحد في كل شيء.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا﴾ [فصلت:٣٠] وقال تعالى: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [الشورى: ١٥].
وعن أبي عمرو ﵁ قال: قلت يا رسول الله: قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحدا غيرك. قال ﷺ : "قل آمنت بالله ثم استقم" [مسلم].
يقول عمر بن الخطاب ﵁: الاستقامة أن تستقيم على الأمر والنهي، ولا تروغ روغان الثعالب [متفق عليه].
وعن عبد الله بن عمرو: قال لي رسول الله: "يا عبد الله لا تكن مثل فلان كان يقوم الليل فترك قيام الليل" [متفق عليه] قل آمنت بالله: جدد إيمانك متذكرًا بقلبك ذاكرًا بلسانك.
ويقول ابن تيمية: أعظم الكرامة لزوم الاستقامة.
الاستقامة في العبادة
كان أويس القرني يقول: هذه ليلة الركوع، فيحيي الليل كله في ركعة، وإذا كانت الليلة الآتية قال: هذه ليلة السجود فيحيي الليل كله في سجدة.
وقيل: لما تاب عتبة الغلام كان لا يهنأ بالطعام والشراب.
فقالت له أمه: لو رفقت بنفسك!
قال: الرفق أطلب! دعيني أتعب قليلا وأتنعم طويلاً.
قال عبد الله بن الحسن: كان لي جارية رومية وكنت بها معجبًا، فكانت في بعض الليالي نائمة إلى جنبي فانتبهت فالتمستها فلم أجدها، فقمت إليها فإذا هي ساجدة وهي تقول: بحبك لي إلا ما غفرت لي ذنوبي.
стр. 65
فقلت لها: لا تقولي بحبك لي، ولكن قولي: بحبي لك.
فقالت: يا مولاي بحبه لي أخرجني من الشرك إلى الإسلام، وبحبه لي أيقظ عيني وكثير من خلقه نيام.
هل أنت مستقيم ومواظب على قيام الليل؟
نموذج فريد
هذا الإمام أحمد في محنته التي أرادوا فيها أن ينطق بأن القرآن مخلوق فأبى أن ينطق إلا بالحق، فأمر المعتصم أن يأتوا بالإمام أحمد في الشمس وهو صائم، وأمر بحضور الجلادين، فلما جيء بالسياط نظر إليها المعتصم وقال: ائتوني بغيرها، ثم قال للجلادين: تقدموا، فجعل يتقدم الرجل إلى الإمام أحمد ويضرب سوطين فيقول المعتصم للجلاد: شد قطع الله يديك، فلما ضربوه تسعة عشر سوطًا، قام المعتصم وقال: يا أحمد، علام تقتل نفسك، وإني والله عليك لشفيق، فجعل ينخسني بقائمة السيف، ويقول: أتريد أن تغلب هؤلاء كلهم، وجعل بعضهم يقول: ويلك الخليفة على رأسك، وقال بعضهم: يا أمير المؤمنين دمه في عنقي أقتله.
فقال المعتصم: ويحك يا أحمد ما تقول؟
فقلت: أعطوني شيئًا من كتاب الله أو سنة رسول الله أقول به.
فرجع وجلس وقال للجلاد: تقدم وأوجع قطع الله يدك، ثم قام الثانية فجعل يقول: ويحك يا أحمد أجبني، فجعلوا يقبلون علي، ويقولون: يا أحمد، إمامك على رأسك قائم، فظلوا يضربونني حتى فقدت وعيي، فقال لي رجل ممن حضر: كببناك على وجهك، وطرحناك على ظهرك، ودسناك بالأقدام.
فقلت له: ما شعرت بذلك، فلما أفقت أتوني بسويق فقالوا لي: اشرب وتقيأ، فقلت: لا أفطر، ثم جيء بي إلى دار إسحاق بن إبراهيم، فحضرت صلاة الظهر فتقدم ابن سماعة، وصلى، فلما انفتل من الصلاة قال لي: صليت والدم يسيل منك، فقلت: قد صلى عمر بن الخطاب وجرحه يثعب دمًا (١).
стр. 66
المداومة على القراءة
كان الشيخ محمد نجيب المطيعي الذي ولد عام ١٩١٧ يقرأ كل يوم خمس عشرة ساعة متصلة، لا يقطعها سوى الصلوات والطعام، وظل حتى قبل وفاته يحافظ رغم كبر سنه على اثنتي عشرة ساعة في اليوم، وإني أشهد الله أني ما سمعت أعلم من الشيخ المطيعي، كنت تستمع إليه فتشعر أنك بين يدي عالم في الله، والحديث والقرآن والفقه والأصول والحكم والأمثال والنوادر.
لقد كان يحفظ كل كتب الصحاح والأسانيد والسنن متنًا وسندًا متصلاً حتى أن الرواة ليزيد عددهم عن عشرة ويذكرهم واحدًا بعد الآخر دون أن يتلعثم، فإذا سألته عن أحد الرواة حدثك حديث العارف به كأنه يعايشه.
ومن أعظم آثاره العلمية الخالدة تكملة كتاب الجموع شرح المهذب، وهو الكتاب الذي كتب منه الإمام النووي خمسة مجلدات ثم توفاه الله، فجاء الشيخ المطيعي ليكمل الجموع إلى خمسة وعشرين مجلدًا، وكان يود لو أكمله إلى الثلاثين. وهذا الكتاب يعتبر أفضل موسوعة فقهية مقارنة في العصر الحديث (١).
الاستقامة على العفة
قال خارجة بن زياد: هويت امرأة من الحي فكنت أتبعها إذا خرجت من المسجد، فعرفت ذلك مني فقالت لي ذات ليلة: ألك حاجة؟ قلت: نعم، قالت: وما هي؟ قلت: مودتك، قالت: دع ذلك ليوم التغابن. قال: فأبكتني، والله ما عدت إلى ذلك (٢).
مناظرة بين القلب والعين
يقول ابن القيم تحت عنوان: في ذكر مناظرة بين القلب والعين ولوم كل منها صاحبه والحكم بينهما: لما كانت العين رائدًا وباعثًا وطالبًا، وهذه لها لذة الرؤية، وهذا له لذة الظفر، كانا في الهوى شريكَيْ عنان، ولما وقعا في العناء واشتركا في البلاء أقبل كل منهما يلوم صاحبه ويعاتبه، فقال القلب للعين: أنت الذي سقتني إلى موارد الهلكات، وأوقعتني في الحسرات، بمتابعتك اللحظات ونزهت طرفك في تلك الرياض،
стр. 67
وطلبت الشقاء من الحدق المراض، وخالفت أحكام الحاكمين، فمن الملوم سوى من رمى صاحبه بالسهم المسموم؟ أو ما علمت أنه ليس شيء أضر على الإنسان من العين واللسان؟!
فقالت العين: ظلمتني أولاً وآخرًا، وبؤت بإثمي ظاهرًا وباطنًا، وما أنا إلا رسولك الداعي إليك، ورائدك الدال عليك .. فأنت الملك المطاع، ونحن الجنود والأتباع، أركبتني في حاجتك خيل البريد، ثم أقبلت عليَّ بالتهديد والوعيد، فلو أمرتني أن أغلق علي بابي وأرخي عليَّ حجابي لسمعت وأطعت، ولما رعيت في الحمي ورتعت، أرسلتني لصيد قد نصبت لك حبائله وأشراكه، واستدارت حولك فخاخه وشباكه، فغدوت أسيرًا بعد أن كنت أميرًا، وأصبحت مملوكًا بعد أن كنت مليكا، هذا وقد حكم لي عليك سيد الأنام وأعدل الحكام ﵊ حيث يقول: "إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح لهما سائر الجسد، وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد، ألا وهي القلب" [مسلم].
وقال أبو هريرة: القلب ملك والأعضاء جنوده، فإن طاب الملك طابت جنوده، وإذا خبث الملك خبث جنوده، ولو أنعمت النظر لعلمت أن فساد رعيتك بفسادك، وصلاحهما ورشدها برشادك، ولكنك هلكت وأهلكت رعيتك، وحملت على العين خطيئتك، وأصل بليتك أنه خلا منك حب الله وحب ذكره وكلامه وأسمائه وصفاته، وأقبلت على غيره وأعرضت عنه، وتعوضت بحب من سواه والرغبة فيه منه.
فلما سمعت الكبد تحاورهما في الكلام وتناولهما الخصام قالت: أنتما على هلاكي تساعدتما، وعلى قتلي تعاونتما، ولقد أنصف من حكى مناظرتكما، وعلى لساني متظلمًا منكما
عاتبت قلبي لما ... رأيت جسمي نحيلا
فألزم القلب طرفي ... وقال كنت الرسولا
فقال طرفي لقلبي ... بل كنت أنت الدليلا
فقلت كُفَّا جميعا ... تركتماني قتيلا
ثم قالت: أنا أتولى الحكم بينكما، أنتما في البلية شريكا عنان، كما أنكما في اللذة والمسرة فرسا رهان، فالعين تلتذ والقلب يتمنى ويشتهي .. وإن لم تدرككما عناية مقلب
стр. 68
القلوب والأبصار، وإلا فما لك من قرة ولا للقلب من قرار، قال الشاعر:
فوالله ما أدري أنفسي ألومها ... على الحب أم عيني المشومة أم قلبي
فإن لمت قلبي قال لي العين أبصرت ... وإن لمت عيني قالت الذنب للقلب
فعيني وقلبي قد تقاسمهما دمي ... فيا رب كن لي عونًا على العين والقلب
قالت: مثلكما مثل مقُعْد بصير وأعمى يمشي دخلا بستانًا، فقال المقعد للأعمى: أنا أرى ما فيه من الثمار، ولكن لا أستطيع القيام، وقال الأعمى: أنا أستطيع القيام ولكن لا أبصر شيئًا، فقال له المقعد: تعال فاحملني فأنت تمشي وأنا أتناول، فعلى من تكون العقوبة؟ فيقول: عليهما. قالت: فكذلك أنتما.
استقامة صادقة
حكى عن عبد الواحد بن زيد، قال: كنت في مركب، فطرحتنا الريح إلى جزيرة، وإذا فيها رجل يعبد صنما، فقلنا له: يا رجل، من تعبد؟ فأومأ إلى الصنم، فقلنا: إن معنا في المركب من يسّوي مثل هذا، وليس هذا إلهًا يعبد، قال: فأنتم من تعبدون؟ قلنا: الله. قال: وما الله؟ قلنا: الذي في السماء عرشه، وفي الأرض سلطانه، وفي الأحياء والأموات قضاؤه. فقال: كيف علمتم به؟ قلنا: وجه إلينا هذا الملك نبيًا كريما فأخبر بذلك، قال: فما فعل الرسول؟ قلنا: أدى الرسالة ثم قبضه الله، قال: فما ترك عندكم علامة؟ قلنا: بلى، ترك عندنا كتاب الملك، فقال: أروني كتاب الملك، فينبغي أن تكون كتب الملوك حسانًا، فأتيناه بالمصحف، فقال: ما أعرف هذا، فقرأنا عليه سورة من القرآن، فلم نزل نقرأ ويبكي حتى ختمنا السورة.
فقال: ينبغي لصاحب هذا الكلام أن لا يعصى! ثم أسلم، وحملناه معنا وعلمناه شرائع الإسلام وسورًا من القرآن، وكنا حين جننا الليل وصلينا العشاء وأخذنا مضاجعنا، قال لنا: يا قوم! هذا الإله الذي دللتموني عليه، إذا جنه الليل ينام؟ قلنا: لا، يا عبد الله، هو عظيم قيوم لا ينام، قال: بئس العبيد أنتم، تنامون ومولاكم لا ينام، فأعجبنا كلامه، فلما قدمنا "عبادان" قلت لأصحابي: هذا قريب عهد بالإسلام، فجمعنا له دراهم وأعطيناه، فقال: ما هذا؟ قلنا: تنفقها، فقال: لا إله إلا الله! دللتموني على
стр. 69
طريق سلكتموها، أنا كنت في جزائر البحر أعبد صنمًا من دونه ولم يضيعني، أَوَ يضيعني وأنا أعرفه؟ فلما كان بعد أيام قيل لي: إنه في الموت، فأتيته، فقلت له: هل من حاجة، فقال: قضى حوائجي من جاء بكم إلى جزيرتي.
قال عبد الوأحد: فحملتني عيني، فنصت عنده، فرأيت مقابر"عبادان" روضة وفيها قبة، وفي القبة سرير عليه جارية لم ير أحسن منها، فقالت: سألتك بالله إلا ما عجلت به، فقد اشتد شوقي إليه، فانتبهت، وإذا به قد فارق الدنيا، فقمت إليه فغسلته وكفنته وواريته، فلما جن الليل نمت، فرأيته في القبة مع الجارية، وهو يقرأ: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (٢٤)﴾ [الرعد: ٢٣ - ٢٤]. (١)
المداومة على الإنفاق
قال رسول الله ﷺ : "قال رجل: لأتصدقن الليلة بصدقة، فخرج بصدقته فوضعها في يد سارق، فأصبحوا يتحدثون تُصدق الليلة على سارق، فقال: اللهم لك الحمد، على سارق! لأتصدقن الليلة بصدقة، فخرج بصدقته فوضعها في يد زانية فأصبحوا يتحدثون: تُصدق الليلة على زانية! فقال: اللهم لك الحمد، على زانية! لأتصدقن الليلة بصدقة، فخرج بصدقته فوضعها في يد غني، فأصبحوا يتحدثون: تُصدق الليلة على غني، فقال: اللهم لك الحمد، على غني، فقال: اللهم لك الحمد، على سارق، وعلى زانية، وعلى غني، فأتى فقيل له: أما صدقتك على سارق فلعله أن يستعف عن سرقته، وأما الزانية فلعلها أن تستعف عن زناها، وأما الغني فلعله أن يعتبر فينفق مما أعطاه الله" [متفق عليه].
هل تحرص على صدقة أسبوعية أو شهرية لوجه الله ولمساعدة المحتاجين؟
نتيجة الاستقامة
وفاة أثناء الذكر: كان الإمام ابن قدامة لا يكاد يسمع دعاء إلا حفظه ودعا به، ولا يسمع ذكر صلاة إلا صلاها، ولا يسمع حديثًا إلا عمل به، وكان لا يترك قيام الليل من وقت شيبوبته، وقلل الأكل في مرضه قبل موته حتى عاد كالعود، ومات وهو قاعد على أصابعه يسبح.
стр. 70
اعلم أخي القارئ أن الإمام قد دفن في يوم شديد الحر فأقبلت غمامة فأظلت الناس إلى قبره وهم يشيعون جنازته (١). فاحرص على أذكار الصباح والمساء.
وفاة أثناء الصلاة:
عن مصعب بن عبد الله قال: سمع عامر بن عبد الله المؤذن، وهو يجود بنفسه، ومنزله قريب من المسجد، فقال: خذوا بيدي، فقيك له: إنك عليل، فقال: أسمع داعي الله فلا أجيبه؟ فأخذوا بيده، فدخل في صلاة المغرب، فركع مع الإمام ركعة ثم مات (٢).
قم إلى الصلاة متى سمعت النداء مهما تكن الظروف.
وفاة شاب:
توفي منذ سنين قريبة، وبالتحديد في منطقة السالمية، وبعد صلاة الفجر من يوم الجمعة، اعتكف بالمسجد مع مجموعة من إخوانه لقراءة سورة الكهف، فانفرد بزاوية من زوايا المسجد واضعًا مصحفه على الكرسي يرتل آيات الله تعالى منتظرًا شروق الشمس حتى يصلي صلاة الضحى، وفجأة سقط رأسه على المصحف ففزع له إخوانه، وقاموا لنجدته، ولكن كان قدر الله إليه سبق.
فانظر إلى العبادات التي ختم الله بها حياة صاحبنا: صلاة الفجر جماعة بالمسجد - الدعاء بعد الصلاة والذكر - اعتكاف - قراءة سورة الكهف من القرآن - انتظار صلاة الضحى (٣).
عن يزيد بن أبي حبيب قال: لما احتضر ابن أبي السرح وهو بالرملة، وكان خرج إليها فارًا من الفتنة، فجعل يقول من الليل: أأصبحتم؟ فيقولون: لا، فلما كان عند الصبح، قال: يا هشام، إني لأجد برد الصبح فانظر، ثم قال: اللهم اجعل خاتمة عملي الصبح.
فتوضأ، ثم صلى فقرأ في الأولى بأم الكتاب والعاديات، وفي الأخرى بأم القرآن
стр. 71
وسورة، وسلم عن يمينه وذهب يسلم عن يساره فقُبض ﵁.
تأكد أخي الحببب أنه لم يرزق حسن الخاتمة إلا بسبب أنه استقام على طاعة الله في حياته.
وفاة الشافعي
عن المزني قال: دخلت على الشافعي في علته التي مات فيها فقلت: كيف أصبحت؟ فقال: أصبحت من الدنيا راحلاً، ولإخواني مفارقًا، ولكأس المنية شاربًا ولسوء أعمالي ملاقيًا وعلى الله تعالى واردًا، فلا أدري روحي تصير إلى الجنة فأهنئها، أو إلى النار فأعزيها، ثم بكى وأنشأ قائلاً:
ولما قسا قلبي وضاقت مذاهبي ... جعلت الرجا مني لعفوك سلما
تعاظمني ذنبي فلما قرنته ... بعفوك ربي كان عفوك أعظما
وما زلتَ ذا عفو عن الذنب لم تزل ... تجود وتعفو منة وتكرما
أهلا بالزوار
عن الشعبي قال: أصاب سلمان الفارسي ﵁ صرة مسك يوم فتح جلولاء فاستودعها امرأته، فلما حضرته الوفاة قال: هاتي المسك، فمرسها في ماء، ثم قال: انضحيها حولي، فإنه يأتيني زوار الآن ليس بإنس ولا جان، ففعلت، فلم يمكث بعد ذلك إلا قليلاً حتى قُبض.
عن زياد، مودى ابن عياش، قال: حدثني من دخل على حذيفة في مرضه الذي مات فيه فقال: لولا أني أرى أن هذا اليوم آخر يوم في الدنيا وأول يوم من الآخرة لم أتكلم به، اللهم إنك تعلم أني كنت أحب الفقر على الغنى، وأحب الذلة على العز، وأحب الموت على الحياة، حبيب جاء على فاقة، لا أفلح من ندم، ثم مات.
جزاء عدم الاستقامة
ها هو رجل كان له عبد يعمل في مزرعته، فيقول هذا السيد لهذا العبد: ازرع هذه القطعة برًا، وذهب وتركه، وكان هذا العبد لبيبًا عاقلاً، فما كان منه إلا أن زرع شعيرًا ولم
стр. 72
يأت ذلك الرجل إلا بعد أن استوى وحان وقت حصاده، فجاء فإذا هي قد زرعت شعيرًا، فما كان منه إلا أن قال: أنا قلت لك: ازرعها برًا لم زرعتها شعيرًا؟ قال: رجوت من الشعير أن ينتج برًا، قال: يا أحمق أو ترجو من الشعير أن ينتج برًا.
قال: يا سيدي أفتعصي الله وترجو رحمته، أفتعصي الله وترجو جنته، فذعر السيد وخاف واندهش، وتذكر أنه إلى الله قادم، فقال: تبت إلى الله، وأبت إلى الله، وأنت حر لوجه الله (١).
...
стр. 73
الخوف والرجاء
تأملات
قال ابن الجوزي: سبحان من أقام من كل موجود دليلاً على عزته، ونصب علم الهدى على باب حجته، الأكوان كلها تنطق بالدليل على وحدانيته، وكل موافق ومخالف يمشي تحت مشيئته، إن رفعت بصر الفكر تر دائرة الفلك في قبضته، وتبصر شمس النهار وبدر الدجى يجريان في بحر قدرته، والكواكب قد اصطفت كالمواكب على مناكب تسخير سطوته، هذا بعض صنعته: ﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ﴾ [الرعد: ١٣].
أما أبصرت قبور القوم ؟
يا من صحيفته بالذنوب قد خفت، وموازينه لكثرة العيوب قد حقت، يا مستوطنًا والمزعجات قد لفت، لا تغتر بأغصان المنى وإن أورقت ورفت، أما رأيت أكفًا عن مطالبها قد كفت؟ أما رأيت عرايس الأجساد إلى الألحاد زفت؟ أما عاينت سطور الأجسام في الكتب قد أدرجت، أما أبصرت قبور القوم؟ في رقاع بقاع القاع قد صفت، من عرف تصرف الأيام لم يغفل الاستعداد، إن قبر المنية ليضحك من بعد الأمنية.
شمِّر عن ساق الجد
إخواني، السنون مراحل، والشهور فراسخ، والأيام أميال، والأنفاس خطوات، والطاعات رؤوس أموال، والمعاصي قطاع الطريق، والربح الجنة، والخسران النار، لهذا الخطب شمَّر المتقون عن سوق الجد في سوق المعاملة، كلما رأوا مراكب الحياة تخطف في بحر العمر شغلهم هول ما هم فيه عن التنزه في عجائب البحر، فما كان إلا قليل حتى قدموا من السفر، فاعتنقتهم الراحة في طريق التلقي، فدخلوا بلد الوصل وقد حازوا ربح الدهر.
عن ابن مسعود ﵁ قال: حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق: "إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل
стр. 74
ذلك، ثم يرسل الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه وأجله وعمله وشقى أو سعيد، فوالذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون ما بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون ما بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها" [متفق عليه].
لا للتقصير في القصير
العمر يسير وهو يسير، فأقصروا عن التقصير في القصير، أليس الزمان يعير ثم يغير؟ وهب أنه وهب، أما ضرب الدهر؟ فاستحال الضرب.
إعراض الله
أعرض الله عن إبليس فخزي ببعده ولعنته، وعن قابيل فقلب قلبه إلى معصيته، وعن نمرود فقال: أنا أحيي الموتى ببلاهته، وعن فرعون فادعى الربوبية على جرأته، وعن هامان فأين رأيه في وزارته؟ وعن قارون فخرج على قومه في زينته، وعن بلعام فهلك، بل عام في بحر شقوته، وعن برصيصا فلم تنفعه سابق عبادته، هكذا جري تقديره من يوم "لا أبالي" في قسمته.
خف من النار
عن ابن مسعود ﵁ قال رسول الله ﷺ : "يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها" [رواه مسلم].
وعن النعمان بن بشير ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن أهون أهل النار عذابًا يوم القيامة لرجل يوضع في أخمص قدميه جمرتان يغلى منهما دماغه، ما يرى أن أحدًا أشد عذابًا منه وإنه لأهونهم عذابًا" [متفق عليه].
وعن أنس ﵁ قال: خطبنا رسول الله ﷺ خطبة ما سمعت مثلها قط، فقال: "لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيرًا" فغطي أصحاب رسول الله ﷺ وجوههم ولهم خنين (بكاء مع غنة). متفق عليه.
كيف تعرف الديك من الدجاجة ؟
قال ابن الجوزي: من نام على فراش الكسل، سال به سيل التمادي إلى وادي
стр. 75
الأسف، الرجولية قوة معجونة في طين الطبع، والأنثوية رخاوة، ولد السبع عزيز الهمة، وابن الذئب غدار، وكل إلى طبعه عائد، الجد كله حركة، والكسل كله سكون، إذا أردت أن تعرف الديك من الدجاجة حين يخرج من البيض، فعلقه بمنقاره، فإن تحرك فديك، وإلا فدجاجة. فُتُورك في السعي في طلب الفضائل دليل على تأنيث العزم.
نداءات
يا من قد بلغ أربعين سنة، وكل عمره نوم وسنة، يا متعبًا في جمع المال بدنه؟ ثم لا يدري لمن قد أخزنه؟ أعلم هذه النفس الممتحنة، إنها بكسبها مرتهنة، ألا ليعتبر المغرور بمن قد دفنه؟ كم رأى جبارا قد فارق مسكنه؟ أيا راحلين بالإقامة، يا هالكين بالسلامة، أين من أخذ صفو ما أنتم في كدره؟ أما وعظكم في سيره بسيره؟ بلى قد حمل بريد الإنذار أخبارهم، وأراكم تصفح الآثار آثارهم.
احذر الغرق
عن المقداد ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "تدني الشمس يوم القيامة من الخلق حتى تكون كمقدار ميل" -قال: أبو سليم بن عامر الراوي عن المقداد: فوالله ما أدري ما يعني بالميل أمسافة الأرض أم الميل الذي يكحل به العين- فيكون الناس على قدر أعمالهم في العرق، فمنهم من يكون إلى كعبيه، رمنهم من يكون إلى ركبتيه، ومنهم من يكون إلى حقوية، ومنهم من يلجمه العرق إلجاما وأشار بيده إلى فيه" [رواه مسلم].
إخواني
كم أخرج الموت نفسًا من دارها لم يدارها، وكم أنزل أجسادًا يجارها لم يجارها، وكم أجرى العيون كالعيون بعد قرارها.
يا معرضاً بوصال عيش ناعم ... ستصد عنه طائعاً أو كارهاً
إن الحوادث تزعج الأحرار عن ... أوطانها والطير من أوكارها
أين هؤلاء ؟!
يقول ابن الجوزي: أين من ملك المغارب والمشارق، وعمر النواحي وغرس الحدائق،