وسورة، وسلم عن يمينه وذهب يسلم عن يساره فقُبض ﵁.
تأكد أخي الحببب أنه لم يرزق حسن الخاتمة إلا بسبب أنه استقام على طاعة الله في حياته.
وفاة الشافعي
عن المزني قال: دخلت على الشافعي في علته التي مات فيها فقلت: كيف أصبحت؟ فقال: أصبحت من الدنيا راحلاً، ولإخواني مفارقًا، ولكأس المنية شاربًا ولسوء أعمالي ملاقيًا وعلى الله تعالى واردًا، فلا أدري روحي تصير إلى الجنة فأهنئها، أو إلى النار فأعزيها، ثم بكى وأنشأ قائلاً:
ولما قسا قلبي وضاقت مذاهبي ... جعلت الرجا مني لعفوك سلما
تعاظمني ذنبي فلما قرنته ... بعفوك ربي كان عفوك أعظما
وما زلتَ ذا عفو عن الذنب لم تزل ... تجود وتعفو منة وتكرما
أهلا بالزوار
عن الشعبي قال: أصاب سلمان الفارسي ﵁ صرة مسك يوم فتح جلولاء فاستودعها امرأته، فلما حضرته الوفاة قال: هاتي المسك، فمرسها في ماء، ثم قال: انضحيها حولي، فإنه يأتيني زوار الآن ليس بإنس ولا جان، ففعلت، فلم يمكث بعد ذلك إلا قليلاً حتى قُبض.
عن زياد، مودى ابن عياش، قال: حدثني من دخل على حذيفة في مرضه الذي مات فيه فقال: لولا أني أرى أن هذا اليوم آخر يوم في الدنيا وأول يوم من الآخرة لم أتكلم به، اللهم إنك تعلم أني كنت أحب الفقر على الغنى، وأحب الذلة على العز، وأحب الموت على الحياة، حبيب جاء على فاقة، لا أفلح من ندم، ثم مات.
جزاء عدم الاستقامة
ها هو رجل كان له عبد يعمل في مزرعته، فيقول هذا السيد لهذا العبد: ازرع هذه القطعة برًا، وذهب وتركه، وكان هذا العبد لبيبًا عاقلاً، فما كان منه إلا أن زرع شعيرًا ولم
стр. 72
يأت ذلك الرجل إلا بعد أن استوى وحان وقت حصاده، فجاء فإذا هي قد زرعت شعيرًا، فما كان منه إلا أن قال: أنا قلت لك: ازرعها برًا لم زرعتها شعيرًا؟ قال: رجوت من الشعير أن ينتج برًا، قال: يا أحمق أو ترجو من الشعير أن ينتج برًا.
قال: يا سيدي أفتعصي الله وترجو رحمته، أفتعصي الله وترجو جنته، فذعر السيد وخاف واندهش، وتذكر أنه إلى الله قادم، فقال: تبت إلى الله، وأبت إلى الله، وأنت حر لوجه الله (١).
...
стр. 73
الخوف والرجاء
تأملات
قال ابن الجوزي: سبحان من أقام من كل موجود دليلاً على عزته، ونصب علم الهدى على باب حجته، الأكوان كلها تنطق بالدليل على وحدانيته، وكل موافق ومخالف يمشي تحت مشيئته، إن رفعت بصر الفكر تر دائرة الفلك في قبضته، وتبصر شمس النهار وبدر الدجى يجريان في بحر قدرته، والكواكب قد اصطفت كالمواكب على مناكب تسخير سطوته، هذا بعض صنعته: ﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ﴾ [الرعد: ١٣].
أما أبصرت قبور القوم ؟
يا من صحيفته بالذنوب قد خفت، وموازينه لكثرة العيوب قد حقت، يا مستوطنًا والمزعجات قد لفت، لا تغتر بأغصان المنى وإن أورقت ورفت، أما رأيت أكفًا عن مطالبها قد كفت؟ أما رأيت عرايس الأجساد إلى الألحاد زفت؟ أما عاينت سطور الأجسام في الكتب قد أدرجت، أما أبصرت قبور القوم؟ في رقاع بقاع القاع قد صفت، من عرف تصرف الأيام لم يغفل الاستعداد، إن قبر المنية ليضحك من بعد الأمنية.
شمِّر عن ساق الجد
إخواني، السنون مراحل، والشهور فراسخ، والأيام أميال، والأنفاس خطوات، والطاعات رؤوس أموال، والمعاصي قطاع الطريق، والربح الجنة، والخسران النار، لهذا الخطب شمَّر المتقون عن سوق الجد في سوق المعاملة، كلما رأوا مراكب الحياة تخطف في بحر العمر شغلهم هول ما هم فيه عن التنزه في عجائب البحر، فما كان إلا قليل حتى قدموا من السفر، فاعتنقتهم الراحة في طريق التلقي، فدخلوا بلد الوصل وقد حازوا ربح الدهر.
عن ابن مسعود ﵁ قال: حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق: "إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل
стр. 74
ذلك، ثم يرسل الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه وأجله وعمله وشقى أو سعيد، فوالذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون ما بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون ما بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها" [متفق عليه].
لا للتقصير في القصير
العمر يسير وهو يسير، فأقصروا عن التقصير في القصير، أليس الزمان يعير ثم يغير؟ وهب أنه وهب، أما ضرب الدهر؟ فاستحال الضرب.
إعراض الله
أعرض الله عن إبليس فخزي ببعده ولعنته، وعن قابيل فقلب قلبه إلى معصيته، وعن نمرود فقال: أنا أحيي الموتى ببلاهته، وعن فرعون فادعى الربوبية على جرأته، وعن هامان فأين رأيه في وزارته؟ وعن قارون فخرج على قومه في زينته، وعن بلعام فهلك، بل عام في بحر شقوته، وعن برصيصا فلم تنفعه سابق عبادته، هكذا جري تقديره من يوم "لا أبالي" في قسمته.
خف من النار
عن ابن مسعود ﵁ قال رسول الله ﷺ : "يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها" [رواه مسلم].
وعن النعمان بن بشير ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن أهون أهل النار عذابًا يوم القيامة لرجل يوضع في أخمص قدميه جمرتان يغلى منهما دماغه، ما يرى أن أحدًا أشد عذابًا منه وإنه لأهونهم عذابًا" [متفق عليه].
وعن أنس ﵁ قال: خطبنا رسول الله ﷺ خطبة ما سمعت مثلها قط، فقال: "لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيرًا" فغطي أصحاب رسول الله ﷺ وجوههم ولهم خنين (بكاء مع غنة). متفق عليه.
كيف تعرف الديك من الدجاجة ؟
قال ابن الجوزي: من نام على فراش الكسل، سال به سيل التمادي إلى وادي
стр. 75
الأسف، الرجولية قوة معجونة في طين الطبع، والأنثوية رخاوة، ولد السبع عزيز الهمة، وابن الذئب غدار، وكل إلى طبعه عائد، الجد كله حركة، والكسل كله سكون، إذا أردت أن تعرف الديك من الدجاجة حين يخرج من البيض، فعلقه بمنقاره، فإن تحرك فديك، وإلا فدجاجة. فُتُورك في السعي في طلب الفضائل دليل على تأنيث العزم.
نداءات
يا من قد بلغ أربعين سنة، وكل عمره نوم وسنة، يا متعبًا في جمع المال بدنه؟ ثم لا يدري لمن قد أخزنه؟ أعلم هذه النفس الممتحنة، إنها بكسبها مرتهنة، ألا ليعتبر المغرور بمن قد دفنه؟ كم رأى جبارا قد فارق مسكنه؟ أيا راحلين بالإقامة، يا هالكين بالسلامة، أين من أخذ صفو ما أنتم في كدره؟ أما وعظكم في سيره بسيره؟ بلى قد حمل بريد الإنذار أخبارهم، وأراكم تصفح الآثار آثارهم.
احذر الغرق
عن المقداد ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "تدني الشمس يوم القيامة من الخلق حتى تكون كمقدار ميل" -قال: أبو سليم بن عامر الراوي عن المقداد: فوالله ما أدري ما يعني بالميل أمسافة الأرض أم الميل الذي يكحل به العين- فيكون الناس على قدر أعمالهم في العرق، فمنهم من يكون إلى كعبيه، رمنهم من يكون إلى ركبتيه، ومنهم من يكون إلى حقوية، ومنهم من يلجمه العرق إلجاما وأشار بيده إلى فيه" [رواه مسلم].
إخواني
كم أخرج الموت نفسًا من دارها لم يدارها، وكم أنزل أجسادًا يجارها لم يجارها، وكم أجرى العيون كالعيون بعد قرارها.
يا معرضاً بوصال عيش ناعم ... ستصد عنه طائعاً أو كارهاً
إن الحوادث تزعج الأحرار عن ... أوطانها والطير من أوكارها
أين هؤلاء ؟!
يقول ابن الجوزي: أين من ملك المغارب والمشارق، وعمر النواحي وغرس الحدائق،
стр. 76
ونال الأماني وركب العواتق؟ صاح به من داره غراب بين ناعق، وطرقه في لهوه أقطع طارف، وزجرت عليه رعود وصواعق، وحل به ما شيب بعض المفارق، وهجره الصديق والرفيق الصادق، ونقل من جوار المخلوقين إلى جوار الخالق.
أخي ما أنت فيه الآن أحلام، ودنياك لا تصلح، وما سمعت ستراه غدًا إلى التمام، ويقع لي ولك، ويحك! أما يؤثر فيك الكلام.
اتقوا النار
عن عدي بن حاتم ﵁: قال رسول الله ﷺ :"ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان، فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه، فاتقوا النار ولو بشق تمرة" [متفق عليه].
شهادة الأرض
عن أبى هريرة ﵁: قرأ رسول الله ﷺ : ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ [الزلزلة: ٤] ثم قال: أتدرون ما أخبارها؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: فإن أخبارها أن تشهد على كل عبد أو أمة بما عمل على ظهرها تقول: عملتَ كذا وكذا في يوم كذا وكذا، فهذه أخبارها"، [رواه الترمذي].
وصايا غالية
قال أبو بكر ﵁: من استطاع أن يبكي فليبك، ومن لم يستطع فليتباك.
وقال عبد الله بن عمر ﵁: لأن أدمع دمعة من خشية الله أحب إلي من أن أتصدق بألف دينار.
وقال حذيفة ﵁: إن كان الرجل ليتكلم بالكلمة على عهد رسول الله ﷺ ، فيصير بها منافقًا، إني لأسمعها من أحدكم اليوم عشر مرات. [رواه أحمد].
وكان أصحاب رسول الله ﷺ يقولون: إنكم لتعملون أعمالاً هي أدق في أعينكم من الشعر كنا نعدها على عهد رسول الله من الكبائر.
هل دخلت الجنة ؟
ومر الحسن بشاب مستغرق في ضحكه، وهو جالس مع قوم في مجلس، فقال له
стр. 77
الحسن: يا فتى، هل مررت بالصراط؟ قال: لا، قال: فهل تدري إلى الجنة تصير أم إلى النار؟ قال: لا، قال: فما هذا الضحك؟. قال: فما رُئى ذلك الفتى بعدها ضاحكًا.
التسبيح أفضل أم الاستغفار ؟
قال ابن القيم: قلت لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى يومًا: سئل بعض أهل العلم: أيهما أنفع للعبد التسبيح أم الاستغفار؟
فقال: إذا كان الثوب نقيًا فالبخور وماء الورد أنفع له، وإذا كان دنسًا فالصابون والماء الحار أنفع له، ثم قال لي ﵀: كيف والثياب لا تزال دنسة.
خوف يدفع للعمل
قال رسول الله ﷺ : "من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل، ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة" [رواه الترمذي].
لو تعلمون ما أعلم
عن رسول الله ﷺ قال: إني أرى ما لا ترون؟ وأسمع ما لا تسمعون، أطتَّ السماء وحق لها أن تئط، ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك واضع جبهته ساجدًا لله تعالى، والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً، ولبكيتم كثيرًا، وما تلذذتم بالنساء على الفرش، ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله تعالى" [رواه الترمذي].
لم شبت يا رسول الله ؟
عن ابن عباس- ﵄ قال أبو بكر: يا رسول الله ﷺ : أراك شبت؟ فقال: "شيبتني هود والواقعة والمرسلات وعم يتساءلون وإذا الشمس كورت" [رواه الترمذي].
الرسول يبكي
يقول عبد الله بن الشخير بن عوف ﵁: رأيت رسول الله ﷺ يصلي، وفي صدره أزيز كأزيز الرحى من البكاء.
ومر رسول الله ﷺ بإخوانه وهم حول قبر يدفنون رجلاً، فبدر من بين أيديهم، ثم واجه القبر حتى بل الثرى من دموعه، وقال: أي إخواني، لمثل هذا اليوم فأعدوا.
стр. 78
يقول ابن القيم: إن أبا بكر ﵁ قال: وددت أني شعرة في جنب مؤمن.
وذكر عنه أنه كان يمسك بلسانه ويقول: هذا الذي أوردني الموارد.
وكان يبكي كثيرًا ويقول: ابكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا.
وقال قتادة: بلغني أن أبا بكر قال: ليتني خضرة تأكلني الدواب.
خوف عمر
وهذا عمر ﵁ قرأ سورة الطور حتى إذا بلغ ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ﴾ [الطور: ٧] بكى واشتد بكاؤه حتى مرض وعادوه، وقال لابنه وهو في الموت: ويحك ضع خدي على الأرض، عساه أن يرحمني، ثم قال: بل ويل أمي إن لم يغفر لي، ثلاثًا، ثم قضي.
وكان عمر بن الخطاب ﵁ في وجهه خطان أسودان من البكاء.
وقال له ابن عباس ﵄: مصَّر الله بك الأمصار، وفتح بك الفتوح، وفعل وفعل، فقال: وددت أني أنجو، لا أجر ولا وزر.
ماذا عملت فيما علمت ؟
وهذا أبو الدرداء ﵁ يقول: إن أشد ما أخاف على نفسي يوم القيامة أن يقال لي: يا أبا الدرداء، قد علمت فكيف عملت فيما علمت؟
وكان يقول: لو تعلمون ما أنتم لاقون بعد الموت ما أكلتم طعامًا على شهوة، ولا شربتم شرابًا على شهوة، ولا دخلتم بيتًا تستظلون فيه، ولخرجتم إلى الصعيد تضربون صدوركم، وتبكون على أنفسكم، ولوددت أني شجرة تعضد ثم تؤكل.
بكاء .. بكاء
وقرأ تميم الداري ﵁ ليلة سورة الجاثية، فلما أتى على هذه الآية: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [الجاثية: ٢١] جعل يرددها ويبكي حتى أصبح.
وقال رجل في مجلس عبد الله بن مسعود ﵁: ما أحب أن أكون من أصحاب اليمين، أكون من المقربين أحب إليَّ.
فقال عبد الله: لكن ههنا رجل ود لو أنه إذا مات لم يبعث؛ يعني نفسه.
стр. 79
وقفة تأمل
وقالت فاطمة بنت عبد الملك -امرأة عمر بن عبد العزيز- لمغيرة بن حكيم: يا مغيرة، إنه يكون في الناس من هو أكثر صلاة وصيامًا من عمر، وما رأيت أحدًا قط أشد فرقًا من ربه من عمر، كان إذا صلى العشاء قعد في المسجد ثم يرفع يديه، فلم يزل يبكي حتى تغلبه عيناه، ثم ينتبه، فلم يزل رافعًا يديه يبكي حتى تغلبه عيناه.
وبكى يومًا فبكت فاطمة، فبكى أهل الدار، لا يدري هؤلاء ما أبكى هؤلاء، فلما تجلى عنهم العبر، قالت له فاطمة: بأبي أنت يا أمير المؤمنين، ممن بكيت؟
قال: ذكرت يا فاطمة منصرف القوم بين يدي الله ؛ فريق في الجنة، وفريق في السعير، ثم صرخ وغشي عليه.
لماذا لا نبكي ؟
لما قدم أهل اليمن زمان أبي بكر الصديق ﵁ وسمعوا القرآن جعلوا يبكون، فقال أبو بكر: هكذا كنا ثم قست القلوب.
وهكذا عد الصديق قحط العينين وعدم جودهما بالبكاء من علامات قسوة القلب، ويصبح في قسوته كالحجارة أو أشد قسوة، وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار، وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء، وإن منها لما يهبط من خشية الله.
البكاء في النار
عن النبي- ﷺ قال عن ربه: "وعزتي وجلالي لا أجمع على عبدي أمنين ولا خوفين، إن أمنني في الدنيا أخفته يوم أجمع عبادي، وإن خافني في الدنيا أمنته يوم أجمع عبادي" [رواه ابن حبان].
وعن أنس ﵁ قال رسول ﷺ : "يرسل البكاء على أهل النار فيبكون حتى تنقطع الدموع، ثم يبكون الدم حتى يصير في وجوههم كهيئة الأخدود، ولو أرسلت فيه السفن لجرت" [رواه ابن ماجه].
أتعرف ذنب كذا
عن ابن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: يدني المؤمن يوم القيامة من ربه حتى يضع كنفه عليه فيُقره بذنوبه، فيقول: أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟
стр. 80
فيقول: رب أعرف، قال: فإني قد سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم فيعطي صحيفة حسناته" [متفق عليه].
هل تحافظ على الصلاة ؟
عن أنس ﵁ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، أصبت حدًّا فأقمه عليَّ، وحضرت الصلاة فصلى مع رسول الله ﷺ فلما قضى الصلاة قال: يا رسول الله إني أصبت حدًّا فأقم فيّ كتاب الله، قال: هل حضرت الصلاة؟ قال: نعم، قال: قد غُفر لك. [متفق عليه].
أصبت حدًّا: معصية توجب التعزير، وليس المراد الحد الشرعي الحقيقي كحد الزنا، والخمر فإن هذه الحدود لا تسقط بالصلاة ولا يجوز للإمام تركها.
نداء رباني
عن أنس ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "قال الله تعالى: يا بن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك ما كان منك ولا أبالي، يا بن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك، يا بن آدم إنك لو أتيتني بقراب الأر فخطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئًا لأتيتك بقرابها مغفرة" [رواه الترمذي].
بشريات
عن أبي هريرة ﵁: قال رسول الله ﷺ : "لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة ما طمع بجنته أحد، ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة ما قنط من جنته أحد" [رواه مسلم].
وعن أبي سعيد الخدري ﵁:قال رسول الله ﷺ : "إذا وُضعت الجنازة واحتملها الرجال على أعناقهم، فإن كانت صالحة قالت: قدموني قدموني، وإن كانت غير صالحة قالت: يا ويلها، أين تذهبون بها؟ يسمع صوتها كل شيء إلا الإنسان، لو سمعه صعق" [رواه البخاري].
وعن أبي ذر ﵁: قال رسول الله ﷺ : "يقول الله : من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها أو أزيد، ومن جاء بالسيئة فجزاء سيئة سيئة مثلها أو أغفر، ومن تقرب مني شبرًا
стр. 81
تقربت منه ذراعًا، ومن تقرب مني ذراعًا تقربت منه باعًا، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة، ومن لقيني بقراب الأرض خطيئة لا يشرك بي شيئًا لقيته بمثلها مغفرة". [رواه مسلم].
هنيئًا لك
عن أنس ﵁: أن النبي ﷺ ومعاذ رديفه على الرحل قال: يا معاذ! قال: لبيك يا
رسول الله، وسعديك. قال: يا معاذ! قال: لبيك يا رسول الله، وسعديك، قال: يا معاذ! قال: لبيك يا رسول الله وسعديك ثلاثًا، قال: ما من عبد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله صدقًا من قلبه إلا حرمه الله على النار، قال: يا رسول الله أفلا أخبر بها الناس فيستبشرون، قال: إذًا يتكلوا فأخبر بها معاذ عند موته تأثمًا (خوفًا من الإثم في كتم هذا العلم) [متفق عليه].
إنك تعبد الرحيم
عن أبي هريرة ﵁: قال رسول الله ﷺ : "لما خلق الله الخلق كتب في كتاب فهو عنده فوق العرش: إن رحمتي تغلب غضبي" [متفق عليه].
وعن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قدم رسول الله- ﷺ بسبي، فإذا امرأة من السبي تسعى إذ وجدت صبيًا في السبي فأخذته فألزقته ببطنها فأرضعته، فقال رسول الله: أترون هذه المرأة طارحة ولدها في النار؟ قلنا: لا والله، قال: "الله أرحم بعباده من هذه بولدها" [متفق عليه].
الخوف أفضل أم الرجاء ؟
كقول القائل: الخبز أفضل أم الماء؟ وجوابه أن يقال: الخبز أفضل للجائع، والماء أفضل للعطشان، فإن اجتمعا نظر إلى الأغلب، فإن كان الجوع أغلب فالخبز أفضل، وإن كان العطش أغلب فالماء أفضل، وإن استويا فهما متساويان.
قال علي لبعض ولده: يا بني خف الله خوفًا ترى أنك لو أتيته بحسنات أهل الأرض لم يتقبلها منك، وارجُ الله رجاء ترى أنك لو أتيته بسيئات أهل الأرض غفرها لك.
***
стр. 82
الخشوع
﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٢].
الخشوع في أصل اللغة: الانخفاض والانكسار. قال تعالى ﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾ [طه: ١٠٨].
وقال الراغب الأصفهاني: الخشوع: الضراعة، وأكثر ما يستعمل فيما يوجد في الجوارح، والضراعة أكثر ما تستعمل فيما يوجد في القلب ولذلك قيل فيما رُوي: إذا ضَرَعَ القلب خشعت الجوارح.
ووصف الله الأرض بالخشوع. فقال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ [فصلت: ٣٩].
وعرَّف مجاهد الخشوع فقال: الخشوع غض البصر، وخفض الجناح، وكان الرجل إذا قام إلى الصلاة يهاب الرحمن أن يشرد بصره، أو أن يحدِّث نفسه بشيء من أمر الدنيا.
وقال ابن تيمية: الخشوع يتضمن معنيين: أحدهما التواضع والذل، والثاني السكون والاطمئنان، وذلك مستلزم للين القلب المنافي للقسوة، فخشوع القلب يتضمن عبوديته لله، وطمأنينته أيضًا.
وأجمع العارفون على أن الخشوع محله القلب، وثمرته تظهر على الجوارح وفي هذا يقول الرسول ﷺ : "التثاؤب من الشيطان، فإن تثاءب أحدكم فليرُدُّه ما استطاع" [متفق عليه].
وقال بعضُ العارفين: حسن أدب الظاهر عنوان أدب الباطن.
ومما يؤكد أن الخشوع في القلوب ما فعله عمر بن الخطاب ﵁، فقد رأى رجلاً يطأطيء رقبته في الصلاة، فقال: يا صاحب الرقبة، ارفع رقبتك، ليس الخشوع في الرقاب إنما الخشوع في القلوب.
ورأت السيدة عائشة ﵂ شبابًا يمشون ويتماوتون في مشيتهم، فقالت
стр. 83
لأصحابها: من هؤلاء؟ فقالوا: نُساك.
فقالت: كان عمر بن الخطاب إذا مشى أسرع، وإذا قال أسمع، وإذا ضرب أوجع، وإذا أطعم أشبع، وكان هو الناسك حقًا.
وعن أبي نوح الأنصاري قال: وقع حريق في بيت علي بن الحسين، وهو ساجد، فجعلوا يقولون له: يا بن رسول الله النار، يا بن رسول الله النار، فما رفع رأسه حتى أطفئت، فقيل له: ما الذي ألهاك عنها؟
قال: ألهتني عنها النار الأخرى.
وكان الفضيل يقول: أفرح بالليل لمناجاة ربي، وأكره النهار للقاء الخلق.
تطلب النجاة ولكن لا من باب الطلب، تقف في الصلاة إن صلاتك عجب، الجسم حاضر والقلب في شعب، الجسد بالعراق والقلب في حلب، الفهم أعمى واللفظ لفظ العرب، أنا أعلم بك منك حب الهوى قد غلب، ومتى أسر الهوى قلبًا لم يفلح وكبت.
وبلغ من شدة حرص معاذ بن جبل على تعليم المصلين أهمية الخشوع وحضور القلب في الصلاة، أنه قال: من عرف من على يمينه ومن على شماله وهو في الصلاة متعمدًا فلا صلاة له.
ومن كلام ابن مسعود: ما دمت في صلاة فأنت تقرع باب الملك، ومن قرع الباب يفتح له.
اعتراف غربي:
يقول ألكسيس كاريل مؤلف كتاب "الإنسان ذلك المجهول" وأحد الحائزين على جائزة نوبل: "لعل الصلاة هي أعظم طاقة مولدة للنشاط عُرفت إلى يومنا هذا، وقد رأيت بوصفي طبيبًا، كثيرًا من المرضى فشلت العقاقير في علاجهم، فلما رفع الطب يده عجزًا وتسليمًا تدخلت الصلاة فأبرأتهم من عللهم. إن الصلاة كمعدن "الراديوم" مصدر للإشعاع، ومولد ذاتي للنشاط، وبالصلاة يسعى الناس إلى استزادة نشاطهم المحدود، حين يخاطبون القوة التي لا يفنى نشاطها.
إننا نربط أنفسنا حين نصلي بالقوة العظمى التي تهيمن على الكون، ونسألها ضارعين أن
стр. 84
تمنحنا قبسًا منها، نستعين به على معاناة الحياة، بل إن الضراعة وحدها كفيلة بأن تزيد قوتنا ونشاطنا، ولن تجد أحدًا ضرع إلى الله مرة إلا عادت هذه الضراعة بأحسن النتائج.
وإذا كان هذا هو أثر الصلاة بعامة، فإن الصلاة الإسلامية بخاصة أبعد غورًا وأعمق آثارًا (١).
صلاة تليق بمعبودك
يا واقفًا في صلاته بجسده والقلب غائب، ما يصلح ما بذلته من التعبد مهرًا للجنة فكيف ثمنًا للجنة. رأت فأرة جملاً فأعجبها فجرت خطامه فتبعها فلما وصل إلى باب بيتها وقف ونادى بلسان الحال، إما أن تتخذي دارًا يليق بمحبوبك أو محبوبًا يليق بدارك.
خير من هذا إشارة إما أن تصلي صلاة تليق بمعبودك أو تتخذ معبودًا يليق بصلاتك.
نماذج للخاشعين
كان سعيد بن جبير يقول: ما عرفت من على يميني ولا من على شمالي في الصلاة منذ أربعين سنة، منذ سمعت ابن عباس يقول: الخشوع في الصلاة ألا يعرف المصلي من على يمينه وشماله.
وقال سعيد بن عبيد: كان سعيد بن جبير يؤم قومه فقرأ في صلاته قوله تعالى: ﴿إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ (٧١) فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ (٧٢)﴾ [غافر: ٧١ - ٧٢] فجعل ينشج بنشيج يقطع أكباد سامعيه حتى سقط مغشيًا عليه.
وكان الربيع بن خثيم إذا سجد كأنه ثوب مطروح؛ فتجيء العصافير فتقع عليه.
ويقول عمر بن الخطاب: إن الرجل ليشيب عارضاه في الإسلام، وما أكمل الله له صلاة.
قيل: وكيف ذلك؟
فقال: لا يتم خشوعها ولا تواضعها، ولا إقباله على الله فيها.
ويقول التابعي حسن بن عطية وغيره: إن الرجلين ليكونان في الصلاة، مناكبهما جميعًا، وإن ما بين صلاتيهما كما بين السماء والأرض.
стр. 85
قالوا له: وكيف ذلك؟
قال. يكون أحدهما مقبلاً على الله بقلبه، والآخر ساهٍ غافلٌ في صلاته.
فأين نحن من هؤلاء الصالحين، فما عملنا إلا كالسراب، وقلوبنا من التقوى خراب، وذنوبنا عدد الرمال والتراب، ثم نطمع بعد ذلك في الكواعب والأتراب، هيهات هيهات لنا، فنحن قوم سكارى بغير شراب.
وعن عبد الله بن شداد قال: سمعت عمر يقرأ في صلاة الصبح سورة يوسف، فسمعت نشيجه وإني لفي آخر الصفوف، وهو يقرأ قوله تعالى: ﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٦].
وقال ابن عمر: صليت خلف عمر فسمعت حنينه من وراء ثلاثة صفوف، وكان في وجهه خطان أسودان من البكاء.
وزار القيرواني أبا جعفر القمودي فوجده يصلي، فأطال أبو جعفر صلاته، وأطال القيرواني القعود، وهو منتظر له، فلما انتهى من صلاته قال له القيرواني: يا أبا جعفر، بأقل من هذا التعب وهذا التكلف تصل إلى المقصود وتدرك المطلوب إن شاء الله.
فقال له أبو جعفر يا مسكين لو ذقت حلاوة "الله أكبر" ولذتها لما لمت من التعب من الاستكثار منها.
يقول رجل لحممة العابد -وكان من خيار- عباد الله الصالحين في عصر التابعين-:
ما أفضل عملك الذي ترجوه عند ربك؟
قال: ما أتتني صلاة قط إلا وأنا مستعد لها ومشتاق إليها، وما انصرفت من صلاة قط إلا كنت إذا انصرفت منها أشوق إليها من حيث كنت فيها، ولولا أن الله أنزل الفرائض متقطعة بين الأوقات لأحببت أن أكون ليلي ونهاري ساجدًا راكعًا لله.
أيها المصلي طهر سرك قبل الطهور، وفتش على قلبك قبل الشروع، حضور القلب أول منزل، فإذا نزلته انتقلت إلى بادية العمل، فإذا انتقلت عنها أنخت بباب المناجي، وأول قري ضيف اليقظة كشف الحجاب لعين القلب، وكيف يطمع في دخول مكة منقطع قبل الكوفة، همك في الصلاة متشبث، وقلبك بمساكنة الهوى متلوث، ومن كان متلطخًا بالأقذار لا يغلف،
стр. 86
ادخل دار الخلوة لمن تناجي وأحضر قلبك لفهم ما تتلو، ففي خلوات التلاوة تزف أبكار المعاني، إذا كانت مشاهدة مخلوق يوم ﴿اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ﴾ [يوسف: ٣١] استغرقت إحساس الناظرات ﴿وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ [يوسف: ٣١] فكيف بالباب عقلت؟ فعلقت على الباب؟.
يقول الحسن البصري: ركعتان في تفكر خير من قيام ليلة والقلب ساهٍ.
إن ناموا توسدوا أذرع الهمم، وإن قاموا فعلى أقدام القلق لما امتلأت أسماعهم بمعاتبة "كذب من ادعى محبتي فإذا جنه الليل نام عني"، خلفت أجفانهم على جفاء النوم.
طريق النصر
قبل توجه قتيبة بن مسلم إلى فتوحات الصين أرسل رجلاً إلى المسجد ينظر من فيه (أي أنه يستطلع الأحوال الإيمانية أولاً) فقال له الرجل: رأيت محمد بن واسع (وهو من التابعين) رافعًا إصبعه (يدعو)، فقال قتيبة: إصبعه تلك أحب إليَّ من ثلاثين ألف عنان (أي فرس)، وكان قتيبة يحرص على مصاحبته في الحرب لصلاحه وتقواه.
كيف تقيم الصلاة ؟
يروى عن عاصم بن يوسف أنه ذكر له عن حاتم الأصم، أنه كان يتكلم مع الناس في الزهد، والإخلاص، فقال عاصم لأصحابه: اذهبوا بنا إليه نسأله عن صلاته إن كان يكملها، وإن لم يكن يكملها نهيناه عن ذلك.
قالوا: فأتوه، وقال له عاصم: يا حاتم جئنا نسألك عن صلاتك.
فقال له حاتم: عن أي شيء تسألني، عافاك الله؟ عن معرفتها؟ أو عن تأديتها؟
فالتفت عاصم إلى أصحابه وقال لهم: زادنا حاتم ما لم نحسن أن نسأل عنه، ثم قال لحاتم، نبدأ بتأديتها.
فقال لهم: تقوم بالأمر، وتقف بالاحتساب، وتدخل بالسنة، وتكبر بالتعظيم، وتقرأ بالترتيل، وتركع بالخشوع، وتسجد بالخضوع، وترفع بالسنة، وتشهد بالإخلاص، وتسلم بالرحمة.
قال عاصم: هذه التأدية فما المعرفة؟
стр. 87
قال: إذا قمت إليها، فاعلم أن الله مقبل عليك، فأقبل على من هو مقبل عليك، واعلم بأن جهة التصديق لقلبك أنه قريب منك، قادر عليك، فإذا ركعت فلا تؤمل أن تقوم، ومثل الجنة عن يمينك، والنار عن يسارك، والصراط تحت قدميك، فإذا فعلت، فأنت مصل. فالتفت عاصم إلى أصحابه، وقال: قوموا نعي الصلاة التي مضت من أعمارنا.
أتسهو في صلاتك ؟
قيل لعامر بن قيس: أما تسهو في صلاتك؟ قال: أو حديث أحب إليَّ من القرآن حتى أشتغل به، هيهات! مناجاة الحبيب تستغرق الإحساس.
وكان مسلم بن يسار لا يلتفت في صلاته، ولقد انهدمت ناحية في المسجد فزع لها أهل السوق، فما التفت. وكان إذا دخل منزله سكت أهل بيته فإذا قام يصلي تكلموا وضحكوا علما منه أن قلبه مشغول، وكان يقول في مناجاته: إلهي متى ألقاك وأنت عني راض؟.
وعن معمر الموذن قال: صلى إلى جنبي سليمان التيمي بعد العشاء الآخرة فسمعته يقرأ قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [الملك: ١] فلما أتى قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الملك: ٢٧] وجعل يرددها حتى خف أهل المسجد وانصرفوا.
قال: فخرجت وتركته، وعدت لأذان الفجر فإذا هو في مقامه فسمعت: فإذا هو يقرأ ولم يجزها حتى أصبح.
فقيل له: يا سليمان التيمي من مثلك؟
فقال: لا تقولوا هكذا، لا أدري ما يبدو لي من ربي ، قال تعالى: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر: ٤٧].
قال القاسم بن معن: رأيت أبا حنيفة قام ليلة كاملة يصلي ويردد قوله تعالى: ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾ [القمر: ٤٦] ويبكي ويتضرع حتى أُذن لصلاة الفجر.
وعن ابن عباس قال: لأن أقرأ البقرة في ليلة وأتفكر فيها أحبُّ إليُّ من أن أقرأ القرآن هذرمة.
وكان ابن الزبير إذا قام في الصلاة كأنه عود من الخشوع.
стр. 88
وعن يحيى بن وثاب: أن ابن الزبير كان يسجد حتى تنزل العصافير على ظهره، لا تحسبه إلا جذم حائط.
ويقول أحمد بن أبي الحواري: إذا قام العبد في الصلاة قال الله: ارفعوا الحجب بيني وبين عبدي، فإذا التفت قال: ارخوها ودعوه ما رضي لنفسه.
ويقول أيضًا: إني لأقرأ القرآن في صلاتي، فانظر في آية آية، فيحار عقلي فيها، فأعجب من حفاظ القرآن كيف يهنيهم النوم ويسعهم أن يشتغلوا بشيء من الدنيا، وهم يتلون كلام الرحمن؟ أما لو فهموا ما يتلون وعرفوا حقه، وتلذذوا به واستحلوا المناجاة لذهب عنهم النوم فرحًا بما رُزقوا.
وعن مسلم بن نياق المكي قال: ركع ابن الزبير يومًا ركعة، فقرأت البقرة وآل عمران والنساء والمائدة، وما رفع رأسه.
وعن أبي بكر بن عياش قال: سمعت أبا إسحاق السبيعي يقول: ذهبت الصلاة مني وضعفت ورق عظمي، إني اليوم أقوم في الصلاة فما أقرأ إلا البقرة وآل عمران.
أسلم بسبب الصلاة
١ - المهندس الإيطالي "كلاودود راديزي" الذي صار المسلم خالد عمر، قال: كنت أسير في يوم ما في أحد الشوارع بمدينة القاهرة، فرأيت مسجدًا يسمى مسجد قايتباي، ووجدت نفسي أتوقف فجأة أمام المسجد بدون شعور، وكان ذلك وقت صلاة الجمعة، ووجدت المصلين يصلون الجمعة، فانتابني إحساس لا يمكن وصفه حيث تولدت في نفسي ومضة روحانية.
ويقول: أهم شيء جذبني إلى الإسلام الصلاة، حيث إنها علاقة مباشرة بين العبد وربه بدون وسيط، حيث شعرت بإحساس لا يمكن وصفه أثناء الصلاة.
وقال: نعم كانت لحظة سعادة لا أستطيع أن أصف مداها حينما انتهت إجراءات إشهار إسلامي .. لقد شعرت بانتمائي لأسرة الإسلام، وانضمامي كفرد إلى أسرة كنت أفتقدها من قبل، وشعرت بمعنى هذه الأسرة وأهميتها، وهذا الشعور لم أشعر به من قبل.
إنني أشعر أيضًا بمسئولية تجاه أصدقائي وأقاربي في إيطاليا .. يجب أن أدعوهم لهذا الدين
стр. 89
العظيم، ومن هذا المنطلق أشعر بحاجتي للتفقه في الإسلام حتى أستطيع أن أشرح لهم التعاليم الإسلامية، وما يدعو إليه الإسلام من آداب، والتحلي بالسلوكيات الحميدة (١).
يمشون نحو بيوت الله إذا سمعوا ... الله أكبر في شوق وفي جزل
أرواحهم خضعت لله في أدب ... قلوبهم من جل الله في وجل
نجواهم: ربنا جئناك طائعة ... نفوسنا وعصينا خادع الأمل
إذا سجى الليل قاموه وأعينهم ... من خشية الله مثل الجائد الهطل
هم الرجال فلا يلهيهم لعب ... عن الصلاة ولا أكذوبة الكسل
وإقامة الصلاة تعني أداءها في خشوع وتضرع وحضور قلب.
معنى إقامة الصلاة
قال الضحاك: عن ابن عباس قال: إقامة الصلاة: إتمام الركوع والسجود والتلاوة والخشوع والإقبال على الله.
ما أجمل وأروع السجود الباكي الخاشع لله، وخاصة في جوف الليل، ما أعظم السجدة الخاشعة الباكية يسجدها المكروب يشكو فيها بثه وحزنه إلى الله، فيشعر معها ببرد اليقين، وبزوال همه، وكربه، وانشراح صدره وتيسير أمره (٢).
وكان عبد الله بن الزبير يدخل في الصلاة فيخرج من كل شيء إليها، ولقد مرت قذيفة منجنيق بين لحيته وصدره وهو يصلي فوالله ما أحس بها ولا اهتز لها، ولا قطع من أجلها صلاته ولا تعجل ركوعه.
...
стр. 90
البكاء من خشية الله
قال تعالى: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء: ١٠٩].
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يلج النار رجل بكى من خشية الله حتى يعود اللبن في الضرع، ولا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم" [الترمذي].
قال أبو بكر الصديق ﵁: "من استطاع أن يبكي فليبك، ومن لم يستطع فليتباك".
أحمد في الزهد.
قالت عائشة ﵂: "طوبى لمن وجد في صحيفته استغفارًا كثيرًا".
عن الشعبي قال: سمعت من عبد الملك بن مروان يقول: "اللهم إن ذنوبي عظمت فجلت عن الصفة، وإنها صغيرة في جنب عفوك فاعف عني".
قال الشاعر:
وإني لآتي الذنب أعرف قدره ... وأعلم أن الله يعفو ويغفرُ
لئن عظم الناس الذنوب فإنها ... إن عظمت في رحمة الله تصغر
بكاء الرسول ﷺ -
عن ابن مسعود ﵁ قال: قال لي النبي ﷺ :"اقرأ علي القرآن" قلت: يا رسول الله أقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال: "إني أحب أن أسمعه من غيري"، فقرأت عليه سورة النساء حتى جئت إلى هذه الآية: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١] قال: "حسبك الآن" فالتفت إليه فإذا عيناه تذرفان [متفق عليه].
البكاء خوفًا من سوء الخاتمة
عن محسن بن موسى قال: كنت زميل سفيان الثوري إلى مكة فرأيته يكثر من البكاء، فقلت له: يا أبا عبد الله، بكاؤك هذا خوفًا من الذنوب؟
стр. 91
قال: فأخذ عودًا من المحمل فرمى به، فقال: إن ذنوبي أهون عليَّ من هذا، ولكن أخاف أن أسلب التوحيد.
يا رب إن عظمت ذنوبي ... كثرة فلقد علمت بأن عفوك أعظمُ
أدعوك رب كما أمرت تضرعا ... فإذا رددتَ يدي من ذا يرحم
إن كان لا يرجوك إلا محسن ... فمن الذي يرجو المسيء المجرم
ما لي إليك وسيلة إلا الرجا ... وجميل ظني ثم أني مسلم
وبكى الحسن البصري فقيل له: ما يبكيك؟
قال: أخاف أن يطرحني غدًا في النار ولا يبالي.
إليك عني
عن زيد بن أرقم ﵁ أن أبا بكر ﵁ استسقى فأتى بإناء فيه ماء وعسل، فلما أدناه من فيه -فمه- بكى، وأبكى من حوله، فسكت وما سكتوا، ثم عاد فبكى حتى ظنوا أن لا يقدروا على مساءلته، ثم مسح وجهه وأفاق، فقالوا: ما هيجك على هذا البكاء؟
قال: كنت مع النبي ﷺ ، وجعل يدفع عنه شيئًا، ويقول: "إليكِ عنى، إليكِ عني"، ولم أر معه أحدا، فقلت: يا رسول الله، أراك تدفع عنك شيئا، ولا أرى معك أحدا، قال: "هذه الدنيا تمثلت لي بما فيها، فقلت لها: إليك عني، فتنحت، وقالت: أما والله لئن انفلتَّ منى لا ينفلت مني من بعدك، فخشيت أن تكون قد لحقتني، فذاك الذي أبكاني". [الحاكم].
يا عمر الخير
جاء أعرابي إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ وقال له:
ياعمر الخير جزيت الجنه ... جهز بناتي واكسهنه
أقسم بالله لتفعلنه
فقال له عمر -مداعبًا-: فإن لم أفعل، يكون ماذا يا أعرابي؟
فقال الأعرابي: أقسم بالله لأمضينه
стр. 92
فاستمر عمر في مداعبته، وقال له: فإن مضيت، يكون ماذا يا أعرابي؟
فقال:
والله عن حالي لتسألنه ... يوم تكون السائلات هنه
والواقف المسئول بينهنه ... إما إلى نار وإما إلى جنة
فبكى عمرو قال: يا غلام أعطه قميصي لذلك اليوم (يوم القيامة) لا لشعره.
كان عمر بن الخطاب يتأثر عندما يذكره أحد بمواقف الآخرة خوفا من ربه.
كأن النار لم تخلق إلا لهم
عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف ﵄ أن عبد الرحمن بن عوف أتى بطعام وكان صائما فقال: قتل مصعب بن عمير ﵁، وهو خير مني، فلم يوجد له ما يكفن فيه إلا بردة إن غطى بها رأسه بدت رجلاه، وإن غطى بها رجلاه بدا رأسه، ثم بسط لنا من الدنيا ما بسط -أو قال أعطينا من الدنيا ما أعطينا- قد خشينا أن تكون حسناتنا عجلت لنا، ثم جعل يبكي حتى ترك الطعام [رواه البخاري].
محمد بن مسعد قال: قال يزيد بن حوشب: ما رأيت أخوف من الحسن البصري وعمر بن عبد العزيز، كان النار لم تخلق إلا لهما.
وعن حفص بن عمر قال: بكى الحسن فقيل له: ما يبكيك؟
فقال: أخاف أن يطرحني غدا في النار ولا يبالي.
إذا اشتبكت دموع في خدود ... تبين من بكى ممن تباكى
فأما من بكى فيذوب شوقا ... وينطق بالهوى من قد تباكى
وعن الاعمش قال: بكى حذيفة في صلاته، فلما فرغ التفت، فإذا رجل خلفه، فقال: لا تعلمن بهذا أحدا.
أبكي على قلة زادي
بكى أبو هريرة ﵁ عند موته فقيل له: ما يبكيك؟
قال: أما إنه ما أبكي على دنياكم هذه ولكن أبكي على بُعد سفري وقلة زادي،
стр. 93
وإني أصبحت في صعود مهبط على جنة ونار، لا أدري إلى أيهما يؤخذ بي.
وقالت أم محمد بن كعب القرظي لمحمد: يا بني، لولا أني أعرفك صغيرًا طيبًا وكبيرًا طيبًا لظننت أنك أحدثت ذنبا موبقا لما أراك تصنع بنفسك في الليل والنهار، قال: يا أماه، وما يؤمنني أن يكون الله قد اطلع عليَّ وأنا في بعض ذنوبي فمقتني فقال: اذهب لا أغفر لك؟.
دموعهم جارية
كان سعيد بن السائب الطائفي لا تكاد تجف له دمعة إنما دموعه جارية دهره، إن صلى فهو يبكي وإن طاف فهو يبكي، وإن جلس يقرأ في المصحف فهو يبكي، وإن لقيته في الطريق فهو يبكي.
وقيل لسعيد بن السائب: كيف أصبحت؟
قال: أصبحت أنتظر الموت على غير عدة.
وقال الثوري: جلست ذات يوم أحدّث ومعنا سعيد بن السائب الطائفي، فجعل سعيد يبكي حتى رحمته، فقلت: يا سعيد، ما يبكيك؟ وأنت تسمعني أذكر أهل الخير وفعالهم.
فقال: يا سفيان، وما يمنعني من البكاء إذا ذكرت مناقب أهل الخير وكنت منهم بمعزل؟!
وعن أبي معشر قال: رأيت عون بن عبد الله في مجلس أبي حازم يبكي ويمسح وجهه بدموعه، فقيل له: لم تمسح وجهك بدموعك؟
قال: بلغني أنه لا تصيب دموع الإنسان مكانا من جسده إلا حرم الله ذلك المكان على النار.
ويح نفسي !
عن عون بن عبد الله أنه كان يقول في بكائه، وذكر خطيئته: ويح نفسي! ويح نفسي! وبأي شيء لم أعص ربي؟ ويحي! إنما عصيته بنعمته عندي، ويحي من خطيئة ذهبت شهوتها وبقيت تبعتها عندي! ويحي كيف أنسى الموت ولا ينساني؟! ويحي إن حجبت
стр. 94
يوم القيامة عن ربي! ويحي كيف أغفل ولا يغفل عني؟! أم كيف تهنأ معيشتي واليوم الثقيل ورائي؟! أم كيف لا تطول حسرتي ولا أدري ما يفعل بي؟! أم كيف يشتد حبي لدار ليست بداري؟! أم كيف أجمع بها وفي غيرها قراري؟ أم كيف تعظم فيه رغبتي والقليل فيها يكفيني؟! أم كيف أوترها وقد أضرت بمن آثرها قلبي؟!
وجاء أن سلمان الفارسي ﵁ لما حضرته الوفاة بكى فقيل له: ما يبكيك؟
قال: عهدٌ عهده إلينا رسول الله، قال: "لتكن بلاغ أحدكم كزاد الراكب"، قال: فلما مات نظروا في بيته فلم يجدوا فيه إلا إكافا ووطاء ومتاعا قوّم نحوًا من عشرين درهما.
البكاء خوفا من النار
عن عبد الله بن رواحة ﵁ أنه بكى فبكت امرأته فقال: ما يبكيك؟ قالت: رأيتك بكيت فبكيت لبكائك. قال: إني أنبئت أني وارد ولم أنبأ أني صادر (أي على النار).
وكان معاذ بن جبل ﵁ إذا تهجد من الليل قال: اللهم قد نامت العيون، وغارت النجوم، وأنت حي قيوم، اللهم طلبي للجنة بطيء، وهربي من النار ضعيف، اللهم اجعل لي عندك هدى تراه إلى يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد.
وقال يحيى بن معاذ: الذي حجب الناس عن التوبة طول الأمل، وعلامة التائب إسبال الدمعة، وحب الخلوة والمحاسبة للنفس عند كل همة.
وقال يحيى بن معاذ يدعو: اللهم لا تجعلنا ممن يدعو إليك بالأبدان، ويهرب منك بالقلوب، يا أكرم الأشياء علينا لا تجعلنا أهون الأشياء عليك.
أمنية عبد الله بن عمرو
عن عبد الله بن هبيرة عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: لأن أدمع دمعة من خشية الله أحب إلي من أن أتصدق بألف دينار.
قال رجل: كنت أمشي مع سفيان بن عيينة إذ أتاه سائل فلم يكن معه ما يعطيه، فبكى، فقلت: يا أبا محمد، ما الذي أبكاك؟
قال: أي مصيبة أعظم أن يؤمل فيك رجل خيرًا فلا يصيبه (١)، الناس فريقان: فريق
стр. 95
يبكي من معاص حرم الوصول إليها، وفريق يبكي على طاعة لم يوفقه الله لها.
منتهى الخوف
كان يحيى بن معاذ الرازي يقول: كيف يفرح المؤمن في دار الدنيا إن عمل سيئة خاف أن يؤخذ بها، وإن عمل حسنة خاف ألا تقبل منه، وهو إما مسيء وإما محسن.
وعن منصور بن عمار أنه قال: خرجت ليلة من الليالي وظننت أن النهار قد أضاء، فإذا أصبح علا، وإذا أنا بصوت شاب يدعو ويبكي وهو يقول: اللهم وجلالك ما أردت بمعصيتي مخالفتك، ولكن عصيتك إذ عصيتك بجهلي، وما أنا بنكالك (عقابك) جاهل، ولا لعقوبتك متعرض، ولا بنظرك مستخف، ولكن سولت لي نفسي، وأعانني عليها شقوتي وغرني سترك المرخي علي، فقد عصيتك وخالفتك بجهلي، فمن عذابك من يستنقذني؟ ومن أيدي زبانيتك من يخلصني؟ وبحبل من أتصل إن أنت قطعت حبلك عني؟ واسوأتاه إذا قيل للمخفين: جوزوا، وقيل للمثقلين: حطوا! فيا ليت شعري مع المثقلين أحط؟! أم مع المخفين أجوز؟! ويحي كلما طال عمري كثرت ذنوبي! ويحي كلما كبرت سني كثرت خطاياي، فيا ويلي كم أتوب، وكم أعود، ولا أستحي من ربي.
من أحسن الأشياء
كان السري السقطي يقول: أحسن الأشياء خمسة:
البكاء على الذنوب.
وإصلاح العيوب.
وطاعة علام الغيوب.
وجلاء الرين (ما يغطي القلب من سواد الذنوب) عن القلوب.
وألا تكون لما تهوى ركوب.
وقال: خمسة أشياء لا يسكن في القلب معها غيرها: الخوف من الله وحده، والرجاء من الله وحده، والحب لله وحده، والحياء من الله وحده، والأنس بالله وحده.
стр. 96
عتاب للنفس
كان عون بن عبد الله يقول في بكائه وذكر خطيئته: ويح نفسي! بأي شيء لم أعص ربي؟ ويحي! إنما عصيته بنعمته عندي، ويحي من خطيئة ذهبت شهوتها وبقيت تبعتها عندي! ويحي كيف أنسى الموت ولا ينساني؟! ويحي إن حجبت يوم القيامة عن ربي! ويحي كيف أغفل ولا يغفل عني؟! أم كيف تهنئني معيشتي واليوم الثقيل ورائي؟! أم كيف لا تطول حسرتي ولا أدري ما يفعل بي؟! أم كيف يشتد حبي لدار ليست بداري، أم كيف أجمع بها وفي غيرها قراري؟! أم كيف تعظم فيها رغبتي والقليل فيها يكفيني؟! أم كيف أوثرها وقد أضرت بمن آثرها قبلي؟! أم كيف لا أبادر بعملي قبل أن يغلق باب توبتي؟!
تخيل نفسك
يقول صاحب الإحياء: تخيل نفسك وقد قرع سمعك النداء إلى العرض، فيكفيك تلك الروعة جزاء عن ذنوبك، إذ يؤخذ بناصيتك، فتقاد وفؤادك مضطرب، ولبك طائر، وفرائصك مرتعدة، وجوارحك مضطربة، ولونك متغير، والعالم عليك من شدة الهول مظلم، فقدر نفسك وأنت بهذه الصفة تتخطى الرقاب، وتخرق الصفوف، وتقاد كما تقاد الفرس، وقد رفع الخلائق إليك أبصارهم، فتوهم نفسك أنك في أيدي الموكلين بك على هذه الصفة حتى انتهى بك إلى عرش الرحمن، فرموك من أيديهم، وناداك الله بعظيم كلامه: يا ابن آدم ادن مني، فدنوت منه بقلب خافق محزون وجل، وطرف خاشع ذليل وفؤاد منكسر، وأعطيت كتابك الذي لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، فكم لك من فاحشة نسيتها فتذكرتها، وكم من طاعة غفلت عن آفاتها فانكشف لك عن مساويها، فكم لك من خجل وجبن، وكم لك من حصر وعجز، فليت شعري بأي قدم تقف بين يديه؟ وبأي لسان تجيب؟ وبأي عقل تعقل ما تقول؟ ثم تفكر في عظم حيائك إذا ذكرك ذنوبك شفاهًا، إذ يقول: يا عبدي أما استحييت مني فبارزتني بالقبيح؟ واستحييت من خلقي فأظهرت لهم الجميل؟ أكنت أهون عليك من سائر عبادي؟ استخففت بنظري إليك فلم تكترث، واستعظمت نظر غيري؟ ألم أنعم عليك؟ فماذا غرك بي؟ أظننت أني لا أراك وأنك لا تلقاني؟
стр. 97
وصية
جاء رجل إلى ابن عباس ﵁ يقال له جندب فقال له: أوصني.
فقال. أوصيك بتوحيد الله، والعمل له، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، فإن كل خير آتيه أنت بعد ذلك منك مقبول، وإلى الله مرفوع .. يا جندب إنك لن تزداد من مودتك إلا قربا، فصل صلاة مودع، وأصبح في الدنيا كأنك غريب مسافر، فإنك من أهل القبور، وابك على ذنبك، وتب من خطيئتك، ولتكن الدنيا عليك أهون من شسع نعلك، فكأن قد فارقتها، وصرت إلى عدل الله، ولن تنتفع بما خلفت، ولن ينفعك إلا عملك.
ابك لذنبك طول الليل مجتهدا ... إن البكاء معول الأحزان
لا تنس ذنبك في النهار وطوله ... إن الذنوب تحيط بالإنسان
وقفات
من لم يكن له مثل تقواهم لم يعلم ما الذي أبكاهم، ومن لم يشاهد جمال يوسف لم يعلم ما الذي ألم قلب يعقوب.
وكان الحسن يبكي كثيرًا ويقول: كنا نسلا من نسل الجنة، وذرية من أهلها، فسبانا إبليس بالخطيئة إلى الأرض فلا ينبغي لنا الفرح في الدنيا، بل يجب علينا الحزن والبكاء ما دمنا في دار السبي، حتى نعود إلى دار الكرامة التي خرجنا منها وأبعدنا عنها.
يا من كانت له معنا معاملة، وطالت بيننا وبينه المواصلة، ثم اختار الهجر والمفاصلة، إن لم يكن جميل فلتكن مجاملة، تفكر تعرف قدر ما فاتك، وابك لذنب حرمك الفوز وأفاتك، اسكب دموع أسفك فرب دم بالأسى سفك، واندب أطلال مألفك لعلك تغاث في مواقفك.
وأنَّى لابن الخطاب مثل هذا
ذهب عمر بن الخطاب ﵁ بعد وفاة الصديق يسأل زوجته أسماء بنت عميس ﵂ عن عبادته فقال لها: كيف كان أبو بكر يعبد ربه حين يخلو بنفسه؟
فأجابته قائلة: كان إذا جاء وقت السحر قام فتوضأ وصلى ثم يظل يصلي، يتلو القرآن ويبكي، ويسجد ويبكي، ويدعو ويبكي.
стр. 98
فبكى عمرو قال: وأنَّى لابن الخطاب مثل هذا؟!
وقال عبد الخالق بن عبد الله العبدي: كان عطاء إذا جن عليه الليل خرج إلى المقابر، فوقف على أهل القبور، ثم قال: يا أهل القبور متم فواموتاه! ثم يبكي ويقول: يا أهل القبور عاينتم ما عملتم فواعملاه! فلا يزال كذلك حتى يصبح.
يا هذا، المجاهدة لا يصلح لها إلا بطل، متى تغير من جنود عزمك على الإنابة قلب واحد، ثم آمن قلب الهزيمة عليك.
دعوني
دعوني على نفسي أنوح وأندب ... بدمع غزير واكف يتصبب
دعوني على نفسي أنوح لأنني ... أخاف على نفسي الضعيفة تعطب
فمن لي إذا نادى المنادي بمن عصى ... إلى أين ألجأ أم إلى أين أذهب؟!
فيا طول حزني ثم يا طول حسرتي ... إذا كنت في نار الجحيم أعذب!
وقد ظهرت تلك القبائح كلها ... وقد قرب الميزان والنار تلهب
ولكنني أرجو الإله لعله ... بحسن رجائي فيه لي يتوهب
ويدخلني دار الجنان بفضله ... فلا عمل أرجو به أتقرب
سوى حب طه الهاشمي محمد ... وأصحابه والآل من قد ترهبوا (١)
أنجح الوسائل
أنجح الوسائل لطلب الحوائج الذل، وأبلغ الأسباب في العفو البكاء، والعيّ -العجز عن الفصاحة- عن ترتيب العذر بلاغة المنكسر، وليس في المياه ماء يقلع آثار الذنوب عن ثوب القلب إلا الدموع، فإن صب الماء ولم يزل الأثر فعليك باغتراف من بحر الاعتراف، احضر نادي المجتهدين، ونادهم: طوبى لكم! قد وجدتم قلوبكم، فارحموا من لم يجد (٢).
стр. 99
ويحي !
بكيت على الذنوب أعظم جرمي ... وحق لكل من يعصى البكاء
فلو كان البكاء يرد همي ... لأسعدت الدمع معا دماء
أخي: أين الدموع السواجم قبل المنايا الهواجم؟! أين القلق الدائم إلى الذنوب العظائم؟! أيها القاعد والموت قائم، أنائم عن حديثنا أم متناوم؟ بادر بالتوبة من هفواتك، قبل فواتك، والمنايا بالنفوس فواتك (١).
ابكِ على خطيئتك
يقول ابن الجوزي: ينبغي للعاقل أن يكون على خوف من ذنوبه وإن تاب منها وبكى عليها، وإني رأيت أكثر الناس قد سكنوا إلى قبول التوبة، وكانهم قد قطعوا على ذلك، وهذا أمر غائب، ثم لو غفرت بقي الخجل من فعلها.
ويؤيد الخوف بعد التوبة أنه في الصحاح: أن الناس يأتون إلى آدم ﵇ فيقولون: اشفع لنا، فيقول: ذنبي، وإلى نوح ﵇ فيقول: ذنبي، وإلى إبراهيم وإلى موسى وإلى عيسى صلوات الله وسلامه عليهم، فهؤلاء إذا اعتبرت ذنوبهم لم يكن أكثرها ذنوبا حقيقة، ثم إن كانت فقد تابوا منها واعتذروا، وهم بعد على خوف منها، ثم إن الخجل بعد قبول التوبة لا يرتفع، وما أحسن ما قاله الفضيل بن عياض ﵀: واسوأتاه وإن عفوت!، فأف والله لمختار الذنوب ومؤثر لذة لحظة تبقي حسرة لا تزول عن قلب المؤمن وإن غفر له.
فالحذر الحذر من كل ما يوجب خجلا، وهذا أمر قلَّ أن ينظر فيه تائب أو زاهد، لأنه يرى أن العفو قد غمر الذنب بالتوبة الصادقة، وما ذكرته يوجب دوام الحذر والخجل.
...
стр. 100
قيام الليل
يقول تعالى: (﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (٤)﴾ [المزمل: ١ - ٤].
ويقول تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [السجدة: ١٦].
ويقول النبي ﷺ : "أيها الناس أفشوا السلام وأطعموا الطعام، وصلوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام" [رواه الترمذي].
ويقول أيضًا: "أفضل الصلاة دون الفريضة صلاة الليل" [رواه مسلم].
والآيات والأحاديث في ذلك كثيرة.
يا من باع الباقي بالفاني، أما ظهر لك الخسران؟ ما أطيب أيام الوصال! وما أمرَّ أيام الهجر! ما طاب عيش القوم حتى هجروا الأوطان، وسهروا الليالي بتلاوة القرآن فيبيتون لربهم سجدا وقياما (١).
يقول ابن القيم:
يحيون ليلهم بطاعة ربهم ... بتلاوة وتضرع وسؤال
وعيونهم تجري بفيض دموعهم ... مثل أنهار الوابل الهطال
في الليل رهبان وعند جهادهم ... لعدوهم من أشجع الأبطال
بوجوههم أثر السجود لربهم ... وبها أشعة نوره المتلالي
الليل مدرسة الرجال
قال أبو سليمان الداراني: لأهلُ الطاعة في ليلهم ألذ من أهل اللهو بلهوهم، ولولا
стр. 101
الليل ما أحببت البقاء في الدنيا.
كان همام بن الحارث يدعو: اللهم اشفني من النوم باليسير، وارزقني سهرا في طاعتك، قال: فكان لا ينام إلا هنيهة.
عن عاصم بن أبي بكر بن عبد العزيز بن مروان -وهو ابن أخي عمر بن عبد العزيز- قال: وفدت إلى سليمان بن عبد الملك ومعنا عمر بن عبد العزيز، فنزلت على ابنه عبد الملك، وهو عزب، فكنت معه في بيت فصلينا العشاء، وأوي كل رجل منا إلى فراشه، ثم قام عبد الملك إلى المصباح فأطفأه، ثم قام يصلي، ثم ذهب بي النوم، فاستيقظت فإذا هو في هذه الآية (﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (٢٠٥) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (٢٠٦)﴾ [الشعراء: ٢٠٥ - ٢٠٦] فيبكي ثم يرجع إليها، فإذا فرغ منها فعل مثل ذلك، حتى قلت: سيقتله البكاء، فلما رأيت ذلك قلت: لا إله إلا الله والحمد لله، كالمستيقظ من النوم، لأقطع ذلك عليه، فلما سمعني سكت فلم أسمع له حسًا، ﵀ (١).
يقول تعالى: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (١٧) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (١٨)﴾ [الذاريات: ١٧ - ١٨].
يقول سيد قطب: فهم الأيقاظ في جنح الليل والناس نيام، المتوجهون إلى ربهم بالاستغفار والاسترحام لا يطعمون الكرى إلا قليلاً، ولا يهجعون في ليلهم إلا يسيرا، يأنسون بربهم في جوف الليل فتتجافى جنوبهم عن المضاجع ويخف بهم التطلع فلا يثقلهم المنام.
قال الحسن البصري: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ [الذاريات: ١٧] كابدوا قيام الليل، فلا ينامون من الليل إلا أقله، ونشطوا فمدوا إلى السحر، حتى كان الاستغفار بسحر.
وقال قتادة: قال الأحنف بن قيس: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ [الذاريات: ١٧] كانوا لا ينامون إلا قليلا، ثم يقول: لست من أهل هذه الآية.
وقال الحسن البصري: كان الأحنف بن قيس يقول: عرضت عملي على عمل أهل الجنة فإذا قوم قد باينونا بونا بعيدا، إذ نحن قوم لا نبلغ أعمالهم، ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا
стр. 102
يَهْجَعُونَ﴾ [الذاريات: ١٧]، وعرضت عملي على عمل أهل النار، فإذا قوم لا خير فيهم، مكذبون بكتاب الله وبرسل الله، مكذبون بالبعث بعد الموت، فقد وجدت من خيرنا منزلة قوما خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: قال رجل من بني تميم لأبي: يا أبا أسامة، صفة لا أجدها فينا، ذكر الله تعالى قوما فقال: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ [الذاريات: ١٧] ونحن -والله - قليلا من الليل ما نقوم، فقال له أبي ﵁: طوبى لمن رقد إذا نعس، واتقى الله إذا استيقظ (١).
يقول المغيرة: خرجت ليلة بعد أن هجع الناس هجعة، فمررت بمالك بن أنس فإذا أنا به قائم يصلي، فلما فرغ من ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [الفاتحة: ٢] ابتدأ بـ ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ [التكاثر: ١] حتى بلغ قوله تعالى ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر: ٨]، فبكى بكاء طويلا، وجعل يرددها ويبكي وشغلني ما سمعت عنه ورأيت عن حاجتي التي خرجت إليها، فلم أزل قائما وهو يرددها ويبكي حتى طلع الفجر، فلما تبين له ركع، فصرت إلى منزلي، فتوضأت، ثم أتيت المسجد، فإذا به في مجلسه والناس حوله، فلما أصبح نظرت فإذا أنا بوجهه قد علاه النور.
ويتعجب الإمام أحمد بن حنبل من الذين يطلبون العلم وليس لهم من قيام الليل نصيب، فعن أبي عصمة البيهقي قال: بت ليلة عند أحمد بن حنبل فجاء بالماء فوضعه عندي، فلما أصبح نظر في الماء، فإذا هو كما كان على حاله لم يُتوضأ منه، فقال أحمد: سبحان الله! رجل يطلب العلم ولا يكون له ورد بالليل؟!
قال المروزي: كنت مع الإمام أحمد بن حنبل نحوا من أربعة أشهر بالعسكر، فكان لا يدع قيام الليل وقراءة النهار، وما علمت بختمة للقرآن ختمها لأنه كان يسر ذلك.
ويحكى عن أسلم بن عبد الملك عن رجل من الصالحين كان كثير الصلاة والتهجد، وكان لا يرى نائما بالليل إلا قليلا، فقال له أسلم: يا أخي، ما لي لا أراك تنام كما ينام الناس؟ فقال: إن عجائب القرآن أطرن نومي، ما أخرج من أعجوبة إلا وقعت في غيرها.
стр. 103
وعن أزهر -وكان من القوامين- أنه قال: رأيت في المنام امرأة لا تشبه نساء أهل الدنيا، فقلت لها: من أنت؟
قالت: حوراء ..
فقلت: زوجيني نفسك؟
قالت: اخطبني إلى سيدي وامهرني.
فقلت: وما مهرك؟
قالت: طول التهجد.
وقال الحسين الكرابيسي: بت مع الشافعي ليلة فكان يصلي نحو ثلث الليل، فما رأيته يزيد على خمسين آية، فإذا أكثر فمائة آية، وكان لا يمر بآية رحمة إلا سأل الله فيها، ولا بآية عذاب إلا تعوذ، وكأنما جمع له الرجاء والهيبة جميعا.
ويحكى أحمد بن أبي الحواري يقول: قال لي أبو سليمان الداراني: يا أحمد، إني محدثك بحديث فلا تحدثن به أحدا حتى أموت.
قال أحمد: وما هو؟
قال الداراني: نمت ذات ليلة عن وردي من صلاة الليل، فإذا أنا بحوراء تنبهني، وتقول: يا أبا سليمان، تنام عنا، وأنا أربى لك في الخدور منذ خمسمائة عام؟ أترقد عيناك والملك يقظان ينظر إلى المتهجدين في تهجدهم؟! بؤسا لعين آثرت لذة نوم على لذة مناجاة العزيز، قم -رحمك الله- فقد دنا الفراغ، ولقي المحبون بعضهم بعضا، فما هذا الرقاد؟
قال الداراني: فوثبت فزعا وقد عرقت استحياء من توبيخها إياي، وإن حلاوة منطقها لفي سمعي وقلبي.
يقول ثابت البناني: كابدت الصلاة عشرين سنة وتنعمت بها عشرين سنة.
وعن حماد بن سلمة قال: قرأ ثابت البناني قوله تعالى ﴿أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا﴾ [الكهف: ٣٧] وهو يصلي الليل فجعل يبكي وينتحب ويرددها.
стр. 104
يقول أحمد بن أبي الحواري: دخلت على أبي سليمان الداراني وهو يبكي فقلت له: ما يبكيك يا أبا سليمان؟
قال: يا أحمد، ولم لا أبكي؟ وإذا جن الليل ونامت العيون، وخلا كل حبيب بحبيبه وافترش أهل المحبة أقدامهم، وجرت دموعهم على خدودهم، وقطرت في محاريبهم، أشرف الجليل عليهم فنادى جبريل: بعيني من تلذذ بكلامي، فينادي فيهم: ما هذا البكاء؟ هل رأيتم حبيبا يعذب أحبابه؟ أم كيف أعذب قوما إذا جنهم الليل تملقوني؟ فبي حلفت إذا وردوا عليَّ يوم القيامة لأكشفن لهم عن وجهي الكريم حتى ينظروا إلي وأنظر إليهم (١).
نحن الذين إذا أتانا سائل ... نوليه إحسانا وحسن تكرم
ونقول في الأسحار هل من تائب ... مستغفر لينال خير المغنم
قال تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ [غافر: ٦٠].
فلماذا هذا التكبر والعناد؟ ولماذا الإصرار على الفساد؟ فمن أراد دواء القلوب فليقم بالأسحار، وليكثر من التوبة والاستغفار، وجدوا في الدعاء، فإنه من يكثر قرع الباب يوشك أن يفتح له (٢).
وقال محمد بن عبد الله الخزاعي: صلى عبد الواحد بن زيد الغداة بوضوء العتمة أربعين سنة.
الجد الجد، فما تحتمل الطريق الفتور، ضاقت أيام الموسم، فجعجعوا بالإبل.
كانت عابدة لا تنام من الليل إلا يسيرا فعوتبت في ذلك فقالت: كفى بطول الرقدة في القبور رقادا.
أيها المقصر عن طلب المزاد، كيف تدرك المعالي بغير اجتهاد؟ أين أهل السهر من أهل الرقاد؟ أين الراغبون في الهوى من الزهاد؟ رحل المتيقظون مستظهرين بكثرة الزاد،
стр. 105
كل جواد لهم يعرف الجواد، فساروا فزاروا والكسلان عاد.
وقالت أم عمرو بن المنكدر: يا بني أشتهي أراك نائما! فقال: يا أماه، إن الليل ليرد علي فيهولني فينقضي عني وما قضيت منه مأربي.
وقال سفيان: إن لله ريحا مخزونة تحت العرش تهب عند الأسحار فتحمل الأنين والاستغفار.
يا طويل النوم فاتتك مدحة ﴿تَتَجَافَى﴾ [السجدة: ١٦]، وحرمت منحة ﴿الْمُسْتَغْفِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٧]، ولست من أهل عتاب" فإذا جنه الليل نام عني" ليس في ليل الهجر منام ومتى رأيت محبا ينام؟!.
وقال عبد الرحمن رسته: سألت ابن الهدي عن الرجل يبني بأهله، أيترك الجماعة أياما؟
قال: لا، ولا صلاة واحدة، وحضرته صبيحة بُني على ابنته، فخرج فأذن، ثم مشى إلى بابها، فقال للجارية: قولي لهما يخرجان إلى الصلاة، فخرج النساء والجواري، فقلن: سبحان الله! أي شيء هذا؟
وقال أحمد بن سلمة النيسابوري الحافظ: كان هناد بن السري كثير البكاء، فرغ يوما من القراءة لنا، فتوضأ وجاء إلى المسجد فصلى إلى الزوال وأنا معه بالمسجد، ثم رجع إلى منزله فتوضأ، وجاء يصلي بنا الظهر، فأخذ يقرأ في المصحف حتى صلى المغرب، قال: فقلت لبعض جيرانه: ما أصبره على العبادة! فقال: هذه عبادته بالنهار منذ سبعين سنة، فكيف لو رأيت عبادته بالليل؟!
ويقول الحسن البصري: إن العبد ليذنب الذنب فيحرم به قيام الليل.
وقال بعض الصالحين: كم من أكلة منعت قيام ليلة، وكم من نظرة إلى ما لا يحل حرمت قراءة سورة، وإن العبد ليأكل الأكلة أو ليفعل الفعلة فيحرم بها قيام سنة.
وكان عبد العزيز بن أبي رواد إذا جن الليل يأتي فراشه فيمرر عليه يده ويقول: إنك للين، والله إن في الجنة لألين منك. ولا يزال يصلي الليل كله.
وكان للفاروق عمر جار فقال: ما رأيت أحدا من الناس كان أفضل صلاة من عمر،
стр. 106
إن ليله صلاة وإن نهاره صيام وفي حاجات الناس (١).
بل إنه ﵁ لشدة ارتباطه بالعبادة والصلاة لما دخل في غيبوبة بعد طعنه لم ينبهوه إلا بذكر الصلاة، فقال أحد الحاضرين: إنكم لن توقظوه بشيء أفزع له من الصلاة.
فقالوا: الصلاة يا أمير المؤمنين.
فقال: ها الله إذا، ولا حق (لا حظَّ) في الإسلام لمن ترك الصلاة، فصلى وإن جرحه ليسعب (يسيل) دما (٢).
وكان يهتم بأهل بيته أيضا، فقد روي أنه كان يصلي من الليل ما شاء الله أن يصلي حتى إذا كان نصف الليل أيقظ أهله للصلاة ثم يقول لهم: الصلاة، ويتلو هذه الآية: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ [طه: ١٣٢] (٣).
وكان من دعاء عامر بن عبد قيس إذا أصبح بعد تهجده: اللهم غدا الناس إلى أسواقهم، وأصبح لكل امرئ منهم حاجة، وحاجتي إليك يا رب أن تغفر لي. وكان لا يبيت كل ليلة حتى يبل عمامته بدموعه.
وعن عيسى بن عمرو قال: كان عمرو بن عتبة يخرج على فرسه ليلا فيقف على القبور، فيقول: يا أهل القبور طويت الصحف، ورفعت الأعمال، ثم يبكي، ثم يصف بين قدميه يصلي التهجد، فيرجع فيشهد صلاة الصبح.
ويقول مولى عمرو بن عتبة: رأيت ابن عتبة ليلة قائما يصلي فسمعنا زئير الأسد فهربنا وهو قائم يصلي لم ينصرف، فقلنا له بعدما ولى الأسد، وانتهى من صلاته: أما خفت الأسد؟
فقال: إني أستحي من الله أن أخاف شيئا سواه.
وعن ابن جريج قال: قال لي عطاء: قال لي طاووس بن كيسان: يا عطاء لا تنزلن حاجتك بمن أغلق دونك أبوابه، وجعل عليها حجابه، ولكن أنزلها بمن بابه مفتوح لك إلى يوم القيامة، أمرك أن تدعوه وضمن لك أن يستجيب لك.
стр. 107
وكان طاووس يفترش فراشه ويضطجع فيتقلى كما تتقلى الحب في المقلى، ثم يثب فيدرجه ويستقبل القبلة حتى الصباح ويقول: طيَّر ذكر جهنم نوم العابدين.
يا هذا، كيف تطيق السهر مع الشبع؟ كيف تزاحم أهل العزائم بمناكب الكسل؟.
قلت لليل: هل لجوفك سر ... عامر بالحديث والأسرار؟
قال: لم ألق في حياتي حديثا ... كحديث الأحباب في الأسحار
وكان زيد بن الحارث يجزئ الليل ثلاثة أجزاء: جزءا عليه، وجزءا على ابنه، وجزءا على ابنه الآخر عبد الرحمن، فكان هو يصلي ثم يقول لأحدهما: قم، فإذا تكاسل صلى جزأه، ثم يقول للآخر: قم، فإن تكاسل أيضا صلى جزأه فيصلي الليل كله.
وقال الحسن بن علي: سمعت يحيى بن معاذ يقول: الليل طويل فلا تقصره بمنامك، والنهار نقي فلا تدنسه بآثامك.
وكان علي بن بكار يفرش الفراش، فيلمسه بيده، فيقول: إنك لطيب، وإنك لبارد، والله لا أعلونك في هذه الليلة. ثم يظل يصلي إلى الصباح.
وقال أحد ضباط المباحث -الذين منَّ الله عليهم بالهداية- للإخوان: كنا نرسل بعض المخبرين للتجسس على الإخوان، إلا أننا لا نلبث نفقد الثقة فيمن نرسلهم لإحساسهم بتحولهم وتبدلهم لاحتكاكهم بالإخوان المسلمين حتى تعبنا وأعيانا الأمر، فاخترنا رجلا شريرا وقلنا، هذا سهم نضرب به الإخوان يستعصي على الكسر، ومضت الأيام، وبعد أسبوع واحد فقط، وإذا بهذا المخبر يدخل مكتبي وطلب نقله من عند الإخوان قائلا: ودوني عند الشيوعيين، عند اليهود، عند الكفرة، أما أولاد .... دول لأ، فعجبت من أمره وسألته: لماذا؟ قال: كل ليلة يقومون ويصلون، وشيخهم يقرأ القرآن لهم، الركعة تيجي ساعة، معدتش قادر أصلب طولي (١).
стр. 108
السجود
الكل يسجد لله، يقول تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [الحج: ١٨].
وما من مخلوق إلا وهو داخل في هذا السجود دون اختيار، يقول تعالى: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾ [الرحمن: ٦].
قال الشوكاني: المراد بسجودهما انقيادهما لله تعالى انقياد الساجدين من المكلفين.
احتجاج الهدهد
ولقد أظهر الهدهد الاحتجاج وهو محلق على هذه المسافة لا يمكنه سماع ما يقولون للشمس التي يعبدونها، ولكن رؤيته لهم وهم يسجدون لغير الله كانت كافية لأن يحكم عليهم بالكفر: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (٢٥)﴾ [النمل: ٢٥].
الشمس تسجد
في الصحيحين عن أبي ذر قال النبي ﷺ له حين غربت الشمس: "أتدري أين تذهب؟ " قلت: الله ورسوله أعلم، قال: "فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش، فتستأذن فيؤذن لها، ويوشك أن تسجد فلا يقبل منها، وتستأذن فلا يؤذن لها، فيقال لها: ارجعي من حيث جئت، فتطلع من مغربها، فذلك قوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [يس: ٣٨].
وأقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فلذلك أمرت الملائكة مريم بالسجود بقوله تعالى: ﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [آل عمران: ٤٣]. وقدموا السجود على الركوع، لأن السجود أفضل أركان الصلاة.
стр. 109
سجدة خير من الدنيا
يأتي زمان تكون فيه السجدة خيرًا من الدنيا وما فيها. عن أبي هريرة: قال رسول الله ﷺ : "والذي نفسي بيده، ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكما عدلا، فيكسر الصليب، ويقتل الخترير، ويضع الحرب، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد، حتى تكون السجدة الواحدة خيرا من الدنيا وما فيها" [رواه البخاري].
ولما كان السجود مظهرا من مظاهر الخضوع والذل فقد أمر الله بني إسرائيل عند دخولهم البلد الذي فتحه الله عليهم وهو قوله: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ [البقرة: ٥٨].
سجود النبي ﷺ -
وكان النبي يطيل السجود، فعن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ كان يصلي إحدى عشرة ركعة كانت تلك صلاته -تعني في الليل- فيسجد السجدة من ذلك قدر ما يقرأ أحدكم خمسين آية قبل أن يرفع رأسه، ويركع ركعتين قبيل صلاة الفجر، ثم يضطجع على شقه الأيمن حتى يأتيه المؤذن للصلاة. [رواه البخاري].
هل تذوقت حلاوة الخشوع ؟
يقول تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (١٠٨) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا (١٠٩)﴾ [الإسراء: ١٠٧ - ١٠٩] فهذا التأثر الناشيء من التفكر في عظمة الخالق الذي جعلهم يخرون على وجوههم لشدة التأثر والبكاء وهم ساجدون لله تعالى، ليس عندهم ما يتقربون به ويتذللون أكثر من هذا السجود الخاشع، فيزيدهم خشوعا إلى خشوعهم، وانكسارا إلى انكسارهم، فتزداد لديهم حلاوة الإيمان ولذة الخشوع وجمال المناجاة.
الرسول سيتعرف عليك
يعرف الرسول أمته يوم القيامة بمواضع السجود، قال رسول الله ﷺ : "ما من أمتي من أحد إلا وأنا أعرفه يوم القيامة" قالوا: وكيف تعرفهم يا رسول الله في كثرة الخلائق؟ قال: "أرأيت لو دخلت صبرة فيها خيل دهم بهم، وفيها فرس أغر محجل أما كنت تعرفه منها؟ " قالوا: بلى، قال: (فإن أمتي يومئذ غر من السجود محجلون من الوضوء" [رواه أحمد].
стр. 110
النجاة بالسجود
النجاة يوم القيامة بالسجود. فقد جاء في حديث البخاري عن قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢] يقول النبي ﷺ : "حتى إذا فرغ الله من القضاء بين العباد وأراد أن يخرج برحمته من أراد من أهل النار أمر الملائكة أن يخرجوا من النار من كان لا يشرك بالله شيئا ممن أراد الله أن يرحمه ممن يشهد أن لا إله إلا الله فيعرفونهم في النار ب أثر السجود ، تأكل النار ابن آدم إلا أثر السجود، فيخرجون من النار قد امتحشوا فيصب عليهم ماء الحياة فينبتون تحته ... ".
أكثر من السجود تصاحب النبي
ومن أراد الجنة فعليه بالسجود. عن ربيعة بن كعب الأسلمي قال: كنت أبيت مع رسول الله ﷺ فأتيته بوضوئه وحاجته، فقال لي: "سل"، فقلت: أسألك مرافقتك في الجنة، قال: "فأعني على نفسك بكثرة السجود" [رواه مسلم].
سجود المؤمنين
يقول تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ (٤٢) خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ (٤٣)﴾ [القلم: ٤٢ - ٤٣] قال النبي ﷺ : "يآتي لهم في أدنى صورة رأوه فيها فيقول لهم: فما تنتظرون؟ تتبع كل أمة ما كانت تعبد، قالوا: يا ربنا، فارقنا الناس في الدنيا أفقر ما كنا إليهم، ولم نصاحبهم، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: نعوذ بالله منك، لا نشرك بالله شيئا (مرتين أو ثلاثا) حتى إن بعضهم ليكاد أن ينقلب فيقول: وهل بينكم وبينه آية فتعرفونه بها؟ فيقولون: نعم فيكشف عن ساق فلا يبقى من كان يسجد لله من تلقاء نفسه إلا أذن الله له بالسجود، ولا يبقى من كان يسجد اتقاء ورياء إلا جعل الله ظهره طبقة واحدة، كلما أراد أن يسجد خر على قفاه" [رواه مسلم].
أثر السجود
يقول تعالى: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح: ٢٩].
يقول سيد قطب: سيماهم في وجوههم من الوضاءة والإشراق والصفاء والشفافية، ومن ذبول العبادة الحي الوضيء اللطيف، وليست هذه السيما هي النكتة المعروفة في