← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 96918

موسوعة الأخلاق والزهد والرقائق

ياسر عبد الرحمن

Полный текст (763 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

برماحهم فألقوه من وراء الجدار، فأدركوه قد قتل عشرة منهم. وعن ابن عمر ﵄ قال: رأيت عمار بن ياسر ﵁ يوم اليمامة على صخرة وقد أشرف يصيح يا معشر المسلمين، أمن الجنة تفرون؟ أنا عمار بن ياسر! أمن الجنة تفرون؟ أنا عمار بن ياسر! هلم إلي! وأنا أنظر إلى أذنه قد قطعت فهي تتذبذب وهو يقاتل أشد القتال. وفي غزوة الطائف أرسل الرسول ﷺ حنظلة بن الربيع ﵁ إلى أهل الطائف يعرض عليهم الإسلام، فلما ذهب حنظلة إليهم ظل يدعوهم من خارج حصنهم فلم يستجيبوا له، واعتدوا عليه، واختطفوه، وحاولوا أن يدخلوه الحصن، فلما علم الرسول بالأمر طلب من الصحابة أن يذهب أحدهم ليخلص حنظلة من أيدي الأعداء، قال: من لهولاء، وله مثل غزاتنا هذه؟ فلم يقم إلا العباس بن عبد المطلب فذهب إليهم، ولحق بحنظلة وهو في أيديهم، وقد كادوا يدخلون به الحصن، فاحتضنه واختطفه من أيديهم، ولم يخش ما يقذف به من الحجارة، ورجع العباس ومعه حنظلة فوجد النبي ﷺ ما يزال يدعو لهما بالنجاة. في وقعة الجسر أرسل رستم جيشا كثيفا وأمر عليه ذا الحاجب بهمن جاذويه، وأعطاه راية كسرى لملاقاة المسلمين في موقعة الجسر، ووصلوا إلى المسلمين وبينهم النهر وعليه الجسر، فأرسلوا: إما أن تعبروا إلينا وإما أن نعبر إليكم، فقال المسلمون لأميرهم أبي عبيد: مرهم فليعبروا هم إلينا، فقال: ما هم بأجرأ على الموت منا، ثم اقتحم إليهم فاجتمعوا في مكان ضيق هنالك فاقتتلوا قتالا شديدا لم يعهد مثله، والمسلمون في نحو عشرة آلاف، وقد جاء الفرس معهم بأفيلة كثيرة عليها الجلاجل لتذعر خيول المسلمين، فجعلوا كلما حملوا على المسلمين فرت خيولهم من الفيلة، ولا يثبت منها إلا القليل على قسر، وإذا حمل المسلمون عليهم لا تقدم خيولهم على الفيلة، ورشقهم الفرس بالنبل فنالوا منهم خلقا كثيرا، وقتل المسلمون منهم مع ذلك ستة آلاف، وقد جفلت خيول المسلمين من أصوات الأجراس المعلقة بالفيلة، وصار المسلمون لا يستطيعون الوصول إليهم والفيلة تجوس فلالهم، فترجل أبو عبيد وترجل الناس معه، وتصافحوا معهم بالسيوف، وفقد المسلمون خيلهم فأصبحوا رجالة يقاومون سلاح الفيلة والفرسان والمشاة من الفرس إلى جانب الرماة

стр. 667

الذين أضروا بالمسلمين وهم يدفعون بخيولهم نحوهم فلا تندفع، فكان موقفا صعبا أظهر المسلمون فيه من البسالة والتضحية ما يندر أن يوجد له مثيل في التاريخ، وصمدوا للفرس رغم تفوقهم عليهم في كل وسائل القتال، وكانت الفيلة أشد سلاح واجهه المسلمون، وبدأ هو بالفيل الأبيض فتعلق بحزامه وقطعه ووقع الذين عليه، وفعل المسلمون مثل ذلك فما تركوا فيلا إلا حطوا رحله وقتلوا أصحابه، ولكن الفيلة استمرت في الهجوم لأنها كانت مدربة، وهجم أبو عبيد على الفيل الأبيض، ولكن الفيل أطاح به وقتله. من الشجاعة ابتكار أساليب لمواجهة بطش الباطل. فتح مصر أرسل عمرو بن العاص إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب يستمده فأمده أمير المؤمنين بأربعة آلاف رجل على كل ألف منهم رجل يقوم مقام الألف، وهم الزبير بن العوام، والمقداد بن الأسود، وعبادة بن الصامت، ومسلمة بن مخلد، وقال عمر في كتابه له: اعلم أن معك اثني عشر ألفا، ولن تغلب اثنا عشر ألفا من قلة. وقد خرج الروم مع الأقباط لمواجهة المسلمين، وجرت بينهم معركة حامية استعمل فيها عمرو بن العاص دهاءه الحربي كما صنع خالد بن الوليد في العراق، وذلك أنه جعل جيشه ثلاثة أقسام، حيث أقام كمينا للأعداء في الجبل وأقام كمينا آخر على النيل قريبا من أم دنين، وقابل أعداءه ببقية الجيش، ولما نشب القتال بين الفريقين خرج الكمين الذي في الجبل الأحمر وانقض على الروم فاختل نظامهم وانهزموا، وقابلهم الكمين الآخر فتفرق جيشهم، وهكذا كسب المسلمون المعركة. هناك رجال في الإسلام يعد الرجل منهم بألف رجل .. هل أنت منهم؟ عبد الله بن الزبير في السادسة والعشرين من عمره، يقتل ابن الزبير ملك إفريقية "جرجير"، فقد شهد ابن الزبير فتح إفريقية أيام عثمان بن عفان تحت لواء عبد الله بن سعد بن أبي السرح، وكان الفتح على يديه.

стр. 668

سير عثمان بن عفان ابن الزبير في جماعة إلى إفريقية، سنة ست وعشرين هجريا، ليأتيه بأخبار الفتح، فسار مجدا حتى وصل إلى المسلمين هناك وأقام معهم، ولما وصل كثر الصياح والتكبير في المسلمين، فسأل جرجير ملك إفريقية عن الخبر، فقيل: قد أتاهم عسكر، ففت ذلك في عضده، ورأى عبد الله قتال المسلمين كل يوم من بكرة إلى الظهر، فلما أذن سمع منادي جرجير، يقول: من قتل عبد الله بن سعد فله مائة ألف دينار، وأزوجه ابنتي. فخاف عبد الله على نفسه، فحضر ابن الزبير عند عبد الله بن سعد وقال له: تأمر مناديا ينادي: من أتاني برأس جرجير نفلته مائة ألف وزوجته ابنته، واستعملته على بلاده، ففعل فصار "جرجير" يخاف أشد من عبد الله بن سعد، ثم إن عبد الله بن الزبير قال لعبد الله بن سعد: إن أمرنا يطول مع هؤلاء، وهم في أمداد متصلة، وبلاد هي لهم، ونحن منقطعون عن المسلمين وبلادهم، وقد رأيت أن نترك غدا جماعة صالحة من أبطال المسلمين في خيامهم متأهبين، ونقاتل نحن الروم في باقي العسكر إلى أن نجد أن ينضجروا ويملوا، فإذا رجعوا إلى خيامهم ورجع المسلمون، ركب من كان في الخيام من المسلمين ولم يشهدوا القتال، وهم مستريحون، ونقصدهم على غرة، فلعل الله ينصرنا عليهم، فأحضر ابن سعد جماعة من أعيان الصحابة واستشارهم فوافقوا على ذلك. وفي صباح الغد نفذ ابن سعد خطة ابن الزبير هذه، فأقام جميع شجعان المسلمين في خيامهم، وخيولهم عندهم مسرجة، ومضى الباقون فقاتلوا الروم إلى الظهر قتالا شديدا، وهمَّ الروم بالانصراف على العادة، لم يتركهم ابن الزبير وألح عليهم بالقتال حتى أتعبهم، ثم عاد عنهم هو والمسلمون، فكل من الطائفتين ألقى سلاحه ووقع تعبا .. عند ذلك أخذ عبد الله بن الزبير من كان مستريحًا من شجعان المسلمين، وقصد الروم، فلم يشعروا بهم حتى خالطوهم، وحملوا حملة رجل واحد وكبروا فلم يتمكن الروم من لبس سلاحهم حتى غشيهم المسلمون، ونظر عبد الله فرأى "جرجير" وقد خرج من عسكره فأخذ جماعة من المسلمين وقصده فقتله (١).

стр. 669

أضرار عدم ممارسة الرياضة يقول مؤلف كتاب "المؤمن القوي": من أضرار عدم ممارسة الرياضة: ١ - تؤدي قلة الحركة إلى زيادة الوزن الذي يصبح عبئا ثقيلا على أجهزة الجسم المختلف والمفاصل والأربطة. ٢ - ضمور العضلات ونقص حجمها مما يجعلها غير قادرة على العمل بكفاءة. ٣ - ظهور آلام الظهر والخشونة في المفاصل والعمود الفقري. ٤ - يصبح القلب أصغر حجما وأقل كفاءة، فضلا عن احتمال ظهور أمراض القلب مثل ارتفاع أو انخفاض ضغط الدم. ٥ - حدوث أمراض كثيرة مثل القرحة وعسر الهضم والقلق المزمن والتوتر. ٦ - ينقص مخزون الطاقة الكيميائية لذلك يصبح الجسم أقل مقدرة على مواجهة المتطلبات البدنية. ٧ - يقل عدد ساعات إنتاج الفرد إثر أي مجهود يقوم به. ٨ - يزداد عدد ضربات القلب وكذلك سرعة التنفس عند بذل أي مجهود بدني. ٩ - يصاب الفرد بالإجهاد والتعب لأي مجهود يبذله. ١٠ - يصبح الفرد أكثر اكتئابا وانطواء لعدم ممارسته الرياضة. ١١ - تقل قدرة الجسم على امتصاص الأكسجين عنه في الفرد الرياضي مما يعني انخفاض مستوى الكفاءة البدنية. ١٢ - تنخفض المرونة والقوة العضلية وبالتالي يقل تحمل الفرد ومقاومته عن الفرد الرياضي. ١٣ - زيادة نسبة الدهون في الجسم مما يجعلها عبئا على الجسم والأجهزة الحيوية. ١٤ - زيادة نسبة الكوليسترول في الدم، مما يصيب الفرد بتصلب الشرايين ويجعل الجسم معرضًا للمخاطر. ١٥ - تدلي البطن (الكرش) الذي يؤدي إلى مشكلات عديدة معقدة (مشكلة الهضم- آلام أسفل الظهر- تقوس المنطقة السفلية من الظهر - الضغط على

стр. 670

الحجاب الحاجز). ١٦ - مشاكل في الجهاز التنفسي مثل احتقان الرئة -انسداد الشعب الهوائية- صعوبة في التنفس. ١٧ - اختلال وظيفة كل من المثانة والأمعاء والكبد وأجهزة الجسم الحيوية. ١٨ - زيادة نسبة السكر في الدم مما يؤدي إلى إصابة الشخص بأمراض كثيرة. ١٩ - عموما يصاب الجسم بالضعف العام وعدم الشعور بالحيوية والشباب. نصائح لقوة الجسم: ١ - عمل كشف دوري عام كل سنة، يشمل تحاليل، وأشعات للاطمئنان المبكر على الحالة الصحية للجسد. ٢ - المسارعة بالعرض على الطبيب عند المرض، والالتزام بالعلاج. ٣ - عدم الاعتماد على الصيدلي في وصف العلاج، وعدم الاعتماد على نصائح المجربين في تناول الأدوية وندعوك لرفض المثل القائل: اسأل مجرب، ولا تسأل طبيبا. ٤ - عدم الإسراف في استخدام الدواء إلا بتوجيه الطبيب. ٥ - استعمال السواك وفرشاة الأسنان ثلاث مرات يوميا على الأقل. ٦ - الالتزام بأداب الإسلام في الطعام والنوم. ٧ - التعود على صيام يومين في كل أسبوع، أو ثلاثة كل شهر، والإفطار على طعام خفيف غير ثقيل. ٨ - القيام قبل صلاة الفجر، ففي ذلك فوائد صحية كثيرة، وخاصة للجهاز التنفسي، لوجود نسبة عالية من الأوزون في الجو. ٩ - لا تهمل وجبة الإفطار، وقلل في وجبة العشاء. ١٠ - عدم الإسراف في شرب الشاي والقهوة. ***

стр. 671

قادر على الكسب إن كل إنسان في مجتمع الإسلام مطالب أن يعمل، وأن يكون قادرًا على الكسب ومأمور أن يمشي في مناكب الأرض ويأكل من رزق الله. قال تعالى: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ [الملك: ١٥]. وقال تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: ١٠٥]. يقول الدكتور القرضاوي: إن الإسلام يفتح أبواب العمل أمام المسلم على مصراعيها، ليختار منها ما تؤهله له كفايته وخبرته وميوله، ولا يفرض عليه عملاً معينًا إلا إذا تعين ذلك لمصلحة المجتمع. كما لا يسد في وجهه أبواب العمل إلا إذا كان من ورائه ضرر لشخصه أو للمجتمع -ماديًا كان الضرر أو معنويًا- وكل الأعمال المحرمة في الإسلام من هذا النوع. الحث على العمل قال الرسول ﷺ يحث على التجارة: "التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين والشهداء" [الترمذي]. وقال- ﷺ في الحث على الزراعة: "ما من مسلم يزرع زرعًا، أو يغرس غرسًا فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة" [البخاري]. وحث على الصناعات والحرف فقال: "ما أكل أحد طعامًا قط ضر من أن يأكل من عمل يده" [البخاري]. وقرن الله بين العمل والجهاد، فقال تعالى: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [المزمل: ٢٠]. سُئل إبراهيم النخعي أحد أئمة التابعين عن التاجر الصدوق: أهو أحب إليك أم المتفرغ للعبادة؟ فقال: التاجر الصدوق أحب إليّ، لأنه في جهاد، يأتيه الشيطان من طريق المكيال

стр. 672

والميزان، ومن قبل الأخذ والعطاء فيجاهده. وكان الشيخ الشعراني -وهو من دعاة التصوف- يفضل الصناع على العباد؛ لأن نفع العبادة مقصور على صاحبها، أما الحرف فنفعها لعامة الناس .. وكان يقول: ما أجمل أن يجعل الخياط إبرته سبحته، وأن يجعل النجار منشره سبحته! يقول الراشد: شفعت مرة لداعية أن يقبله الأستاذ (فؤاد سزكين) طالبًا بمعهده في فرانكفورت، ومعهد تاريخ العلوم الإسلامية، فاشترط الأستاذ سزكين أن يشتغل الطالب ست عشرة ساعة يوميًا، ثم أراني الأستاذ سزكين من بُعد عددًا من الطلاب اليابانيين في معهده، وقد انكبوا على المخطوطات العربية يدرسونها ويبعثونها إلى الحياة وقد رضوا بهذا الشرط، فتأمل (١). وهذا أديسون يعمل ١٨ ساعة يوميًا فاخترع المصباح الكهربائي بعد (٩٠٠٠) تسعة آلاف تجربة .. ثم واصل هذا الكفاح عشر سنوات أخرى ينفق فيها ثلاثة ملايين دولار ليخترع بطارية السيارة بعد تجارب وصلت إلى (٥٠٠٠٠) خمسين ألف تجربة (٢). فهم خاطيء قيل لأحمد بن حنبل: ما تقول فيمن جلس في بيته أو في المسجد، وقال: لا أعمل شيئًا حتى يأتيني رزقي؟ قال أحمد: هذا رجل جهل العلم، أما سمع قول النبي: "جُعل رزقي تحت ظل رمحي". وقال عمر بن الخطاب: لا يقعدن أحدكم عن طلب الرزق ويقول: اللهم ارزقني، وقد علم أن السماء لا تمطر ذهبًا ولا فضة. إن التوكل على الله لا ينافي العمل والأخذ بالأسباب، وشعار المسلم ما قال النبي ﷺ للأعرابي الذي ترك الناق سائبة -متوكلاً على الله- فقال له: "اعقلها وتوكل" [الترمذي]. وعن الزبير بن العوام أن النبي ﷺ قال: "لأن يأخذ أحدكم حبله، فيأتي بحزمة الحطب على ظهره، فيبيعها الله بها وجهه، خير من أن يسأل الناس، أعطوه أم منعوه" [البخاري].

стр. 673

وكان داود زرادًا (يصنع الزرد والدروع)، وكان آدم حراثًا، وكان نوح نجارًا، وكان إدريس خياطًا، وكان موسى راعيًا. (الحاكم). والرجل غير القادر على الكسب لا تستطيع أن تستشيره. يقول الشافعي: لا تشاور من ليس في بيته دقيق فإنه مولَّه العقل (١). وروي أن شقيق البلخي أحد الصالحين ذهب في رحلة تجارية يضرب في الأرض، ويبتغي من فضل الله، وقبل سفره ودع صديقه الزاهد المعروف إبراهيم بن أدهم. حيث يتوقع أن يمكث في رحلته مدة طويلة، ولكن لم تمض إلا أيام قليلة حتى عاد شقيق، ورآه إبراهيم في المسجد، فقال له متعجبًا: ما الذي عجل بعودتك؟ قال شقيق: رأيت في سفري عجبا، فعدلت عن الرحلة. قال إبراهيم: خيرًا وماذا رأيت؟ قال شقيق: أويت إلى مكان خرب لأستريح فيه فوجدت به طائرًا كسيحًا أعمى، وعجبت فقلت في نفسي: كيف يعيش هذا الطائر في هذا المكان النائي، وهو لا يبصر ولا يتحرك؟ ولم ألبث إلا قليلاً حتى أقبل طائر آخر بحمل له الطعام في اليوم مرات حتى يكتفي، فقلت: إن الذي رزق هذا الطير في هذا المكان قادر على أن يرزقني، وعدت من ساعتي. فقال إبراهيم: عجبًا لك يا شقيق، ولماذا رضيت لنفسك أن تكون الطائر الأعمى الكسيح الذي يعيش على معونة غيره، ولم ترض لها أن تكون الطائر الآخر الذي يسعى على نفسه، وعلى غيره من العميان والمقعدين؟ أما علمت أن اليد العليا خير من اليد السفلى؟!! فقام شقيق إلى إبراهيم وقبل يده وقال: أنت أستاذنا يا أبا إسحاق! (٢) انتبه لا يجوز التكاسل عن العمل بحجة أخذ الصدقات لقول الرسول ﷺ : "لا تحل الصدقة لغني، ولا لذي مرة سوي" [الترمذي]. ومعنى المرة: القوي، والسوي: السليم الأعضاء.

стр. 674

وقال النبي ﷺ لمن سألاه أن يعطيهما من الزكاة: "لا حظ فيها لغني، ولا لقوي مكتسب" [أحمد]. ويقول القرضاوي: لم يجعل الرسول لمتبطل كسول حقًا في صدقات المسلمين، وذلك ليرفع القادرين إلى العمل والكسب الحلال. اجتهاد الإمام أحمد قال ابن الجهم: كان لنا جار، فأخرج لنا في يوم من الأيام كتابًا، فقال: أتعرفون هذا الخط؟ قلنا: هذا خط أحمد بن حنبل، فكيف كتب ذلك؟ قال الجار: كنا بمحلة مقيمين عند سفيان بن عيينة، ففقدنا أحمد بن حنبل أيامًا، ثم جئنا لنسأل عنه، فإذا الباب مردود عليه، فقلنا: ما خبرك؟ قال: سرقت ثيابي. فقلت: معي دنانير، فإن شئت أخذت، وإن شئت أقرضتك، فرفض، فقلت: هل تكتب لي بأجرة؟ قال: نعم، فأخرجت دينارًا، فقال لي: اشتر لي ثوبًا، واقطعه نصفين (يعني إزارًا ورداء) وجئني بورق، فكتب لي هذا. وقال ابن خزيمة: كنا مع أبي عبد الله في الكتاب، فكان النساء يبعثن إلى المعلم: ابعث إلينا بابن حنبل ليكتب جواب كتبهم، وكان نظير أجر زهيد، فكان إذا دخل إليهن لا يرفع طرفه أبدًا، ولا ينظر إلى امرأة منهن أبدًا. وروي أنه اقترض من بعض الصالحين نقودًا، وذهب إليه يردها فقال له الرجل: يا أبا عبد الله! ما دفعتها إليك أنا أنوي أن آخذها منك، فاحتفظ بهذا المال لك. فقال أحمد بن حنبل: أنا ما أخذتها إلا وأنا أنوي أن أردها عليك، فخذ مالك وشكرًا لله ثم لك. ويقول عبد الرزاق: قدم علينا أحمد بن حنبل ها هنا سنتين إلا قليلاً يطلب العلم، فقلت له: يا أبا عبد الله خذ هذا الشيء فانتفع به، فإن أرضنا ليست بأرض ولا بكسب.

стр. 675

فقال أحمد: أنا بخير، ولم يقبل منه. قال الواسطي: قدم علينا أحمد بن حنبل ومعه جماعة، فنفدت نفقاتهم فبررتهم فأخذوا، وجاءني أحمد بن حنبل بفروة، فقال: قل لمن يبيع هذه، ويجيئني بثمنها فأتسع به؟ قال: فأخذت صُرة دراهم فمضيت بها إليه، فردها، فقالت امرأتي: هذا رجل صالح، لعله لم يرضها، فضاعِفْها، فضاعَفَها، فلم يقبل، وأخذ الفروة مني وخرج. معنى العبادة الشامل قال أيوب السختياني: الزم سوقك، فإنك لا تزال كريمًا على إخوانك ما لم تحتج إليهم (١). ويقول أبو سليمان الدارانى: ليس العبادة عندنا أن تصف قدميك وغيرك يفت لك، ولكن ابدأ برغيفك فأحرزه ثم تعبد، ولا خير في قلب يتوقع قرع الباب يتوقع إنسانًا يجيئه يعطيه شيئًا. وروى أن سلمان الفارسي اشترى وسقًا من طعام، فلقيه زيد بن صوحان ومولاه سالم، فقال له زيد: يا أبا عبد الله، تفعل هذا وأنت صاحب رسول الله؟ قال: إن النفس إذا أحرزت قوتها اطمأنت وتفرغت للعبادة وشس منها الوسواس (٢). مكتب محاماة بالقاهرة يقول الأستاذ عمر التلمساني: عرض عليَّ الإمام الشهيد أن أتخذ مكتبًا في القاهرة، فلم أقبل مبررًا رفضي بأني قد أنجح في المكتب ويدر على دخلاً وفيرًا، فيقول البعض: إن الإخوان هم الذين أوجدوا لي كيانًا في عالم المهنة، وهذا ما تأباه عليَّ أخلاقي ونشأتي وتربيتي. استغل الإجازات يقول حسن البنا: جاءت الإجازة الصيفية وكان لزامًا عليَّ أن أقضيها بالمحمودية،

стр. 676

فلابد من إيجاد سبب للإقامة هناك طوال الإجازة، فعرضت على الوالد أن أذهب لأفتح دكانًا لنا هناك أعمل فيه بنفسي كساعاتي مستقل، لأتمرن تمرينًا عمليًا استقلاليًا على الصنعة، وسافرت، وفتحت الدكان، واشتغلت فعلاً بإصلاح الساعات، وكنت أجد سعادتين في هذه الحياة، سعادة الاعتماد على النفس والكسب من عمل اليد، وسعادة الاجتماع بالأخ أحمد أفندي وقضاء الوقت معه، ومع الحصافية، وقضاء الليالي معهم نذكر الله، ونتذاكر العلم في المسجد تارة، وفي المنازل تارة (١). هل تحرص على استغلال أوقات الفراغ في أعمال مفيدة؟ هكذا كانوا يروي بغية بن الوليد، يقول: دعاني إبراهيم بن أدهم إلى طعامه، فأتيته، فجلس، ثم قال: كلوا باسم الله. فلما أكلنا، قلت لرفيقه: أخبرني عن أشد شيء مر بك منذ صحبته. قال: كنا صيامًا، فلم يكن عندنا ما نفطر عليه، فأصبحنا، فقلت: هل لك يا أبا إسحاق أن نأتي الرستن (بلدة بالشام كانت بين حماة وحمص) فنكري (فنؤجر) أنفسنا مع الحصادين؟ قال: نعم، قال: فاكتراني رجل بدرهم، فقلت: وصاحبي؟ قال: لا حاجة لي فيه، أراه ضعيفًا. فما زلت بالرجل حتى اكتراه بثلثي درهم، فلما انتهينا، اشتريت من أجرتي طعامي وحاجتي، وتصدقت بالباقي، ثم قربت الزاد، فبكى إبراهيم وقال: أما نحن فاستوفينا أجورنا، فليت شعري، أوفينا صاحبه حقه أم لا؟ فغضبت، فقال: أتضمن لي أنا وفيناه، فأخذت الطعام فتصدقت به. حج هارون الرشيد ذات مرة، فسأله أحد أصحابه أن يدله على رجل يسأله، فدله على الفضيل، فذهبا إليه، فقابلهما الفضيل، وقال للرشيد: إن عمر بن عبد العزيز لما ولي الخلافة دعا أناسًا من الصالحين فقال لهم: إني قد ابتليت بهذا البلاء (يعني الحكم) فأشيروا عليَّ، فعد عمر الخلافة بلاء، وعددتها أنت وأصحابك نعمة، فبكى الرشيد، فقال له صاحب الرشيد: ارفق بأمير المؤمنين.

стр. 677

فقال الفضيل: تقتله أنت وأصحابك وأرفق به أنا (يقصد أن عدم نصحه كقتله). فقال له الرشيد: زدني يرحمك الله. فأخذ يعظه وينصحه، ثم قال له: يا حسن الوجه أنت الذي يسألك الله عن هذا الخلق يوم القيامة، فإن استطعت أن تقي هذا الوجه من النار فافعل، وإياك أن تصبح وتمسي وفي قلبك غش لأحد من رعيتك، فإن النبي ﷺ قال: "ما من والٍ يلي رعية من المسلمين فيموت وهو غاش لهم إلا حرم الله عليه الجنة" متفق عليه. فبكى هارون وقال له: أعليك دين أقضيه عنك؟ فقال: نعم، دين لربي لم يحاسبني عليه، والويل لي إن ناقشني، والويل لي إن لم ألهم حجتي. قال: إنما أعني من دين العباد. قال: إن ربي لم يأمرني بهذا، أمر لي أن أصدق وعده وأطيع أمره. فقال الرشيد: هذه ألف دينار خذها فأنفقها على عيالك، وتقو بها على عبادة ربك. فقال الفضيل: سبحان الله، أنا أدلك على طريق النجاة وأنت تكافئني بمثل هذا، سلمك الله ووفقك، ثم صمت فلم يكلمنا، فخرج الرشيد وصاحبه (١). شيخ يعمل مر رجل على أبي الدرداء وهو يزرع، فقال: أتغرس هذه وأنت شيخ كبير؟ هذه لا تطعم إلا في كذا وكذا عامًا. فقال أبو الدرداء: ما علي أن يكون لي أجرها ويأكل منها غيري (٢). ويقول البنا: حرام على الأمة التي تقرأ في كتابها من الثناء على داود ﵇ ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (١٠) أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١)﴾ [سبأ: ١٠ - ١١]. وتقرأ ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ (٨٠)﴾ [الأنبياء: ٨٠]، ثم لا يكون فيها مصنع للسلاح؟ ثم تقرأ في كتابها ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا

стр. 678

شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ (١٢) يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا (١٣)﴾ [سبأ: ١٢ - ١٣]، ثم لا يكون فيها مسبك عظيم، ولا مصنع كامل للأدوات المعدنية. ثم تقرأ ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ [الحديد: ٢٥] ثم تهمل ما عندها من هذا المعدن هذا الإهمال، وهو من أجود الأنواع، ويكفي العالم مائتي عام كما قدر الخبراء .. حرام هذا كله!! (١) الزهد والتجارة قال محمد بن الحسين لابنه: يا بني إياك والكسل والضجر، فإنهما مفتاح كل شر، إنك إن كسلت لم تؤد حقًا وإن ضجرت لم تصبر على حق (٢). وأتى رجل عبد الله بن المبارك، وهو يظن أن الزهد والتجارة لا يجتمعان قائلاً لعبد الله: أنت تأمرنا بالزهد، ونراك تأتي بالبضائع من "خراسان" إلى البلد الحرام، كيف ذا؟ فقال له عبد الله بن المبارك: يا أبا علي، إنما أفعل ذا لأصون وجهي، وأكرم عرضي، وأستعين به على طاعة ربي، لا أرى لله حقًا إلا سارعت إليه حتى أقوم به. وكان عبد الله بن المبارك لا يبخل على أحد بماله، بل كان كريمًا سخيًا ينفق على الفقراء والمساكين في كل سنة مائة ألف درهم (٣). وعاش أحمد بن حنبل عيشة فقيرة، فلم يترك له والده غير منزل ضيق، مما دفعه إلى العمل وهو طفل صغير، فكان يلتقط بقايا الزروع من الحقول بعد استئذان أهلها، وينسج الثياب ويبيعها، ويضطر في بعض الأوقات أن يؤجر نفسه ليحمل أمتعة الناس في الطريق، وكان ذلك عنده أفضل من أن يمد يده إلى غيره (٤). كن أميناً في كسبك قال بعض السلف الصالح: دخلت على مريضى وقد نزل به الموت، فجعلت ألقنه

стр. 679

الشهادة، ولسانه لا ينطق بها! فلما أفاق قلت له: يا أخي، مالي ألقنك الشهادة ولسانك لا ينطق بها؟! قال: يا أخي، لسان الميزان على لساني يمنعني من النطق بها. فقلت له: بالله أكنت تزن ناقصًا؟! قال: لا والله ولكن ما كنت أقف مدة لأختبر صحة ميزاني. فهذا حال من لا يختبر صحة ميزانه، فكيف حال من يزن ناقصًا (١). وقال علي بن أبي طالب: جعت مرة بالمدينة جوعًا شديدًا، فخرجت أطلب العمل في عوالي المدينة، فإذا أنا بامرأة قد جمعت مدرًا، فظننتها تريد بله (المدر: الطين اليابس، تريد بله: يعني الماء) فأتيتها فقاطعتها (اتفقت معها على أجرة) كل ذنوب (دلو) على تمرة، فمددت ستة عشر ذنوبًا، حتى مجلت يداي (أي تورمت من العمل) ثم أتيت الماء فأصبت منه، ثم أتيتها فقلت بكفي هكذا بين يديها (يعني بسطهما وضمهما) فعدت لي يست عشرة تمرة، فأتيت النبي ﷺ ، فأخبرته، فأكل معي منها. في هذا الخبر بيان لشدة الحال التي مر بها علي بن أبي طالب في المدينة، ونأخذ منه صورة من السلوك المشروع في مواجهة الشدائد، حيث خرج علي للعمل بيديه للكسب المشروع، ولم يجلس منتظرًا ما تجود به أيدي المحسنين. وصورة أخرى من قوة التحمل حيث قام بذلك العمل الشاق وهو يعاني من شدة الجوع مما يضعف قوته. وصورة أخرى من إيثار الأحبة والوفاء لهم، فهو مع ما به من شدة الجوع وبالرغم مما قام به من ذلك العمل الشاق فقد احتفظ بأجرته من التمر حتى لقي النبي ﷺ فأكل معه (٢). دعابة كان الأستاذ البنا يحسن إصلاح الساعات، وتجليد الكتب، فكان يفتخر بأنه عامل، وكثيرا ما كان يداعب الإخوان ويهددهم، بأنه سيتركهم، ويفتح محلاً، ويقول مبتسمًا: صنعة في اليد أمان من الفقر (٣).

стр. 680

التوازن عن أم سلمة قالت: خرج أبو بكر الصديق تاجرًا إلى بصرى (قرية بالشام) في عهد النبي ﷺ ما منع أبا بكر حبه لملازمة النبي ﷺ ولا منع النبي ﷺ حبه لقرب أبي بكر عن ذلك (أي عن الخروج) لمحبتهم في التجارة (١)، وللحرص على التوازن كان عمر يتناوب النزول على النبي ﷺ هو وجار له من الأنصار كما ثبت في البخاري ويقول القرضاوي: ورأينا كثيرًا من علماء الإسلام المشاهير أصحاب حرف، بل إنهم نسبوا إليها وعرفوا بها، ولم يعرفوا بأسمائهم ولا أسماء آبائهم، وذلك مثل البزار والزجاج والحزاز والخواص والجصاص والصبان والقطان .. إلخ (٢). بين الدنيا والآخرة قال الإمام ابن عساكر حضرت مجلس يزيد بن هارون فأملى ثلاثين حديثًا فحفظتها، فجئت إلى منزلي أعلق، فعلقت منها ثلاثة، فجاءت الجارية وقالت: مولاي: فنى الدقيق، فنسيت سبعة وعشرين وبقيت ثلاثة (٣). ...

стр. 681

سليم العقيدة العقيدة الصحيحة هي أساس الإيمان العميق، وكثرة الشبهات تؤثر سلبًا على عقيدة المسلم، تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ١٣٦] والإيمان يصنع المعجزات .. وإليك صور من سلامة العقيدة: صبر علي عقيدته لما وجد الفتي المؤمن عبد الله المزني أن صبره قد طال، وأن عمه بعيد عن الإسلام، وأن المشاهد مع رسول الله تفوته واحدًا بعد آخر، حزم أمره غير غافل عن عواقب ما أقدم عليه وأقبل على عمه، وقال: يا عم، لقد انتظرت إسلامك طويلاً حتى نفد صبري، فإن كنت ترغب في أن تسلم ويكتب الله لك السعادة، فنعم ما تصنع، وإن كانت الأخرى فأذن لي بأن أعلن إسلامي بين الناس. ما كادت كلمات الفتى تلامس أذني عمه حتى استشاط غضبًا وقال: أقسم باللات والعزى لئن أسلمت لأنزعن من يدك كل شيء كنت أعطيته لك، ولأسلمنك للفاقة، ولأتركنك فريسة للعوز والجوع، فلم يحرك هذا التهديد في الغلام المؤمن ساكنًا، ولم يفتت من عزمه شيئًا، فاستعان عمه عليه بقومه، فهبوا يرهبونه ويرغبونه، وطفقوا يهددونه ويتوعدنه، فكان يقول لهم: افعلوا ما شئتم، فأنا والله متبعٌ محمدًا، وتارك عبادة الأحجار، ومنصرف إلى عبادة الواحد القهار، وليكن منكم ومن عمى ما يكون، فما كان من عمه إلا أن جرده من كل ما أعطاه، وقطع عنه رفده، ولم يترك له غير يحاد يستر به جسده. مضى الفتي المزني مهاجرًا بدينه إلى الله ورسوله، مخلفًا وراءه مغاني الطفولة ومراتع الصبا، معرضًا عما في يد عمه من الثراء والنعمة، راغبًا فيما عند الله من الأجر والمثوبة، وجعل يحث الخطي نحو المدينة تحدوه إليها أشواق باتت تفري فؤاده فريًا. فلما غدا قريبًا من "يثرب" شق بجاده شقين، فاتزر بأحدهما وارتدى الآخر.

стр. 682

ثم مضى إلى مسجد الرسول وبات فيه ليلته تلك، فلما انبلج الفجر وقف قريبًا من باب حجرة النبي ﵊، وجعل يترقب -في لهف وشوق- طلعة الرسول الأعظم من حجرته. فما أن وقع بصره عليه حتى تهللت على خديه دموع الفرح، وشعر كان قلبه يريد أن يقفز من بين جنبيه لتحيته والسلام عليه. ولما قضيت الصلاة، قام النبي ﷺ على عادته يتصفح وجوه الناس فنظر إلى الفتى المزني، وقال: ممن أنت يا فتى؟ فانتسب له، فقال له: ما اسمك؟ فقال: عبد العزى، فقال له: بل عبد الله، ثم دنا منه وقال: انزل قريبًا منا وكن في جملة أضيافنا، فصار الناس منذ ذلك اليوم ينادونه عبد الله. ولقبه الصحابة الكرام "بذي البجادين" بعد أن رأوا بجاديه، ووقفوا على قصته. (١) الإيمان الحق أخرج ابن عساكر عن أنس ﵁ قال: "إن رسول الله ﷺ دخل المسجد والحارث بن مالك راقد، فحركه برجله وقال: ارفع رأسك فرفع رأسه، فقال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، فقال: كيف أصبحت يا حارث بن مالك؟ قال: أصبحت يا رسول الله مؤمنًا حقًا، قال: إن لكل حق حقيقة فما حقيقة ما تقول؟ قال: عزفت نفسي عن الدنيا، وأظمأت نهاري، وأسهرت ليلي، وكأني أنظر إلى عرش ربي، وكأني أنظر إلى أهل الجنة وهم يتزاورون، وإلى أهل النار يتعاوون، فقال له النبي ﷺ : أنت امرؤ نوَّر الله قلبك، عرفت فالزم" رواه البيهقي والحاكم. هل نظرت إلي حقيقة إيمانك وحاسبت نفسك قبل أن تحاسب؟ رجل من أهل خيبر جاء أن عبدًا حبشيًا لرجل من أهل خيبر كان يرعى غنمًا لهم، عمد بغنمه إلى رسول الله ﷺ فكلمه رسول الله ما شاء الله أن يكلمه، فقال الرجل: ماذا تقول وماذا تدعو إليه؟ قال: "أدعوك إلى الإسلام وأن تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله وألا تعبد إلا الله. قال العبد: وماذا يكون لي إن شهدت بذلك وآمنت بالله تعالى؟ قال رسول الله: "لك الجنة على ذلك". فأسلم العبد، وقال: يا رسول الله، إني رجل أسود اللون، قبيح الوجه،

стр. 683

منتن الريح، لا مال لي، فإن قاتلت هؤلاء حتى أقتل أدخل الجنة؟ قال: "عم"، قال: يا رسول الله، إن هذه الغنم عندي أمانة فكيف بها؟ فقال رسول الله: "أخرجها من العسكر وارمها بالحصا، فإن الله سيؤدي عنك أمانتك"، ففعل، وأعجب رسول الله كلمته، فخرجت الغنم تشد كأن سائقًا يسوقها، حتى دخلت كل شاة إلى أهلها، فعرف اليهودي أن غلامه قد أسلم، ثم تقدم العبد الأسود الصف، فأصابه سهم فقتله ولم يصل سجدة قط، فاحتمله المسلمون إلى عسكرهم فقال رسول الله: "أدخلوه الفسطاط"، فأدخلوه حتى إذا فرغ رسول الله دخل عليه ثم خرج فقال: "لقد حسن إسلام صاحبكم، وإن عنده لزوجتين من الحور العين، ولقد حسن الله وجهه، وطيب ريحه، وكثر ماله، ولقد رأيت زوجتيه من الحور العين ينزعان جبته، وينفضان التراب عن وجهه ويقولان: ترب الله من تربك، وقتل من قتلك". أي عقيدة هذه التي جعلت العبد الأسود، الذي هو قبيح، نتن الرائحة لا مال له، جعلته وليًا لله لم يسجد لله سجدة، ورزق الشهادة. (١) إبليس الملعون جاء إبليس إلى عيسى، فقال له: ألست تعلم أنه لا يصيبك إلا ما كتب الله لك؟ قال عيسي: بلى. فقال ابليس: فارم بنفسك من هذا الجبل، فإنه إن قدر لك السلامة تسلم. فقال عيسى: يا ملعون، إن الله يختبر عباده، وليس لعبد أن يختبر الله . آية ربانية تروي إحدى الأخوات المسلمات .. فتقول: قبض على زوجي وسيق إلى الاعتقال وترك وراءه أربعة من الأطفال. وذات مساء مرض ابني الصغير (بالحمي) ووقعت في ذهول ليس لي حيلة ولا صلة وثيقة بالجيران. فاستعنت بالله أدعوه وألح في الدعاء أن ينقذني ويرحم ضعفي وغربتي .. ولم تمض ساعة أو يزيد .. حتى طُرق الباب ففتحت فإذا

стр. 684

الذي أمامي طبيب .. جاء يسأل عن المريض!! وبعد أن أتم الكشف وقدم بعض الدواء الذي يكون معه عادة، نزل بعد أن أدرك حالة الأسرة وظروفها. وحين عاد الطبيب إلى منزله دق التليفون ليستعجلوا الطبيب. فتعجب الطبيب وقال: لقد عدت من عندكم لتوي الآن. وتبين للطبيب بعد ذلك أن السكن الذي كان يقصده في نفس المنزل يقع أمام التي طرق عليها الباب خطأ. فسبحان من له الكون كله يسيره حيث يشاء. فاعتبروا يا أولي الألباب؟ (١). عاقبة الخوف من الله دخل ثابت بن النعمان إحدى المزارع، وكان جائعًا متعبًا، فشدته نفسه لأن يأكل وبدأت المعدة تقرقر، فأطلق عينيه في الأشجار فرأي تفاحة، فمد يده إليها ثم أكل نصفها ثم شرب من ماء النهر بجانب المزرعة، لكن انتبه بعد ذلك من غفلته بسبب الجوع وقال لنفسه: ويحك كيف تأكل من ثمار غيرك دون استئذان، وأقسم ألا يرحل حتى يدرك صاحب المزرعة ويطلب منه أن يحلل له ما أكل من هذه التفاحة، فبحث حتى وجد داره فطرق عليه الباب، فلما خرج صاحب المزرعة استفسر عما يريد، قال ثابت: دخلت بستانك الذي بجوار النهر وأخذت هذه التفاحة وأكلت نصفها، ثم تذكرت أنها ليست لي وأريد منك أن تعذرني في أكلها، وأن تسامحني عن هذا الخطأ. فقال الرجل: لا أسامحك، ولا أسمح لك أبدًا إلا بشرط واحد. قال ثابت: وهو ثابت بن النعمان: وما هو هذا الشرط؟ قال صاحب المزرعة: أن تتزوج ابنتي. قال ثابت: أتزوجها. قال الرجل: ولكن انتبه! إن ابنتي عمياء لا تبصر، خرساء لا تتكلم، وصماء لا تسمع. وبدأ ثابت بن النعمان يفكر ويقدر ماذا يفعل؟ ثم علم أن الابتلاء بهذه المرأة وتربيتها وخدمتها خير من أن يأكل الصديد في جهنم جزاء ما أكله من التفاحة. وما الأيام وما الدنيا إلا أيام معدودات، فقبل الزواج على مضض وهو يحتسب الأجر

стр. 685

والثواب من رب العالمين. وجاء يوم الزفاف وقد غلب الهم صاحبنا، كيف أدخل على امرأة لا تتكلم ولا تبصر ولا تسمع، فاضطرب حاله وتمنى أن لو تبتلعه الأرض قبل هذه الحادثة، ولكنه توكل على الله وقال: لا حول ولا قوة إلا بالله، وإنا لله وإنا إليه راجعون، ودخل عليها يوم الزفاف، فإذا بهذه المرأة تقوم إليه وتقول له: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فلما نظر إليها تذكر ما يتخيله عن الحور العين في الجنة. قال بعد صمت: ما هذا؟ إنها تتكلم وتسمع وتبصر، فأخبرها بما قال عنها أبوها. قالت: صدق أبي ولم يكذب. قال: اصدقيني الخبر. قالت: أبي قال عني إنني خرساء لأنني لم أتكلم بكلمة حرام، ولا تكلمت مع رجل لا يحل لي، وإنني صماء لأنني صماء ما جلست في مجلس في غيبة ونميمة ولغو، وإنني عمياء لأني لم أنظر إلى أي رجل لا يحل لي. فانظر واعتبر بحال هذا الرجل التقي، وهذه المرأة التقية وكيف جمع الله بينهما. (١) يؤثرون على أنفسهم كان شيخ كريم، فقير في حاله، لكنه لا يرد سائلاً قط، ولطالما لبس الجبة أو الفروة، فلقي بردان يرتجف، فنزعها فدفعها إليه، وعاد إلى البيت بالإزار، وطالما أخذ الطعام من بين أولاده ليعطيه للسائل، وفي يوم من أيام رمضان وقد وضعت المائدة انتظارًا للأذان فجاءه سائل يقسم أنه وعياله بلا طعام، فابتغى الشيخ غفلة من امرأته وفتح له، وأعطاه الطعام كله، فلما رأت ذلك امرأته صرخت وأقسمت من الغضب أنها لا تبقي عنده، بينهما هو ساكت، ولم تمر نصف ساعة حتى قرع الباب وجاء من يحمل أطباقًا فيها ألوان الطعام والحلوى والفاكهة، فسألوا: ما الخبر؟ وإذا هو أحد الأغنياء كان قد دعا بعض الكبار فاعتذروا، فغضب وحلف ألا يأكل أحد من الطعام، وأمر بحمله كله إلى دار الشيخ الفقير الكريم.

стр. 686

أخي الحبيب: أنفق ولا تخش الفاقة، قد قال جل وعلا: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٣٩)﴾ [سبأ: ٣٩] (١). توقف مع القرآن يقول الدكتور زغلول النجار: هذا أستاذ مصري للقانون، يعمل بإحدى الجامعات الأمريكية .. يقول: كنا في حوار قانوني، وكان معنا أحد أساتذة القانون من اليهود، فبدأ يتكلم، ثم بدأ يخوض في الإسلام وتندر بالإسلام والمسلمين، فأردت أن أسكته، فسألته: هل تعلم حجم قانون المواريث في الدستور الأمريكي؟ قال: نعم، أكثر من ثمانية مجلدات. فقلت له: إذا جئتك بقانون للمواريث فيما لا يزيد علي عشرة سطور، فهل تصدق أن الإسلام دين صحيح؟ قال: لا يمكن أن يكون هذا. فأتيت له بآيات المواريث من القرآن الكريم، وقدمتها له، فجاءني بعد عدة أيام يقول لي: لا يمكن لعقل بشري أن يحصي كل علاقات القربى بهذا الشمول الذي لا ينسى أحدًا، ثم يوزع عليهم الميراث بهذا العدل الذي لا يظلم أحداً. ثم أسلم هذا الرجل. فكانت آيات المواريث وحدها سبيلاً إلي اقتناع هذا الرجل اليهودي بالإسلام (٢). ويقول أيضاً: التقيت بشاب بريطاني، كان يعمل بجامعة الملك فهد، يقول: ظللت ثلاثة عشر عامًا، وأنا أقرأ عن الإسلام، ومع ذلك ما كنت قادرًا على اتخاذ القرار بشأن إشهار إسلامي وإعلان شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، بسبب الضغوط الاجتماعية والمعيشية، والمجتمع العام، ومشاكل الحياة المختلفة. يقول: إنه في يوم تطهر وأوي إلي فراشه، ودعا ذلك الخالق العظيم أن يلهمه الصواب، وأن يشرح صدره للطريق الصحيح يقول: وإذا بمنادٍ يناديه في المنام: "يايها الذين آمَنوا آمِنوا بالله الواحد، الذي خلقكم وخلق هذا الكون وكل ما فيه" فقام من

стр. 687

منامه منتفضًا، وهو يبكي ويقول: هذه علامة من الله أنه هو الطريق الصحيح، ولم ينم حتى اتصل بالمركز الإسلامي بأوكسفورد، وأعلن إسلامه على الفور. (١) احذر المعصية ذهب رجل إلى إبراهيم بن أدهم، وقد كان من أطباء القلوب، وقال له: إني مسرف على نفسي، فأعرض على ما يكون زاجرًا لها. فقال له إبراهيم: إن قدرت على خمس خصال لن تكون من العصاة. فقال الرجل -وكان متشوقًا لسماع موعظته-: هات ما عندك يا إبراهيم. فقال: الأولى: إذا أردت أن تعصي الله فلا تأكل شيئا من رزقه، فتعجب الرجل ثم قال متسائلا: كيف تقول ذلك يا إبراهيم، والأرزاق كلها عند الله؟ فقال: إذا كنت تعلم ذلك فهل يجدر بك أن تأكل رزقه وتعصيه. قال: لا، يا إبراهيم هات الثانية. فقال إبراهيم: إذا أردت أن تعصى الله فلا تسكن بلاده، فتعجب الرجل أكثر من تعجبه السابق ثم قال: كيف تقول ذلك يا إبراهيم؟ والبلاد كلها ملك الله. فقال له: إذا كنت تعلم ذلك فهل يجدر بك أن تسكن بلاده وتعصيه؟ قال: لا، يا إبراهيم هات الثالثة. فقال إبراهيم: إذا أردت أن تعصي الله فانظر مكانًا لا يراك فيه فاعصه فيه. قال: كيف تقول ذلك يا إبراهيم؟ وهو أعلم بالسرائر ويسمع دبيب النملة على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء. فقال له إبراهيم: إذا كنت تعلم ذلك فهل يجدر بك أن تعصيه؟ قال: لا، يا إبراهيم هات الرابعة.

стр. 688

فقال إبراهيم: إذا جاءك ملك الموت ليقبض روحك فقل له: أخرني إلي أجل معدود. فقال الرجل: كيف تقول ذلك يا إبراهيم؟ والله تعالى يقول: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٤]. فقال له: إذا كنت تعلم ذلك فكيف ترجو النجاة. قال: نعم. هات الخامسة يا إبراهيم. فقال: إذا جاءتك الزبانية -وهم ملائكة جهنم- ليأخذوك إلي جهنم فلا تذهب معهم، فما كاد الرجل يستمع إلى هذه الخامسة حتى قال باكيًا: كفى يا إبراهيم، أنا أستغفر الله وأتوب إليه، ولزم العبادة حتى فارق الحياة. (١) زيادة الإيمان بالتفكر في إيران أنهار عندما تلتقي بمياه البحر ترجع مياهها عائدة إلى مجاريها التي أتت منها. ونهر الأمازون يجعل مياه المحيط الأطلسي عذبة لمئات الكيلو مترات من مصبه فيه، فلا يختلط بمياه المحيط الأطلسي. وتلتقي مياه المحيط الأطلسي بمياه البحر الأبيض، فتبقي مياه البحر الأبيض أسفل لثقلها، ولكثرة ملحها، وتعلو مياه المحيط لخفتها ... وكل في مجراه، وكذلك لا تختلط مياه البحر الأسود بمياه البحر الأبيض عندما تلتقيان، بل تشكلان بحرين متلاصقين فوق بعضهما البعض، فمياه الأسود تجري في الأعلى نحو البحر الأبيض، لأنها أخف ومياه البحر الأبيض تجري في الأسفل، متجهة نحو البحر الأسود لأنها أثقل. (٢) التجرد لله دعا الإمام البنا أحمد محمد حسنين باشا رئيس الكشافة المصرية لحضور استعراض لكشافة الإخوان المسلمين، فحضر الرجل وشاهد الاستعراض، ولاحظ وجود تشكيلة

стр. 689

من الشباب والرجال والعجائز وذوي اللحى وكان عددهم كبيرًا يتقدمهم حملة المصاحف الكبرى. فقال أحمد حسنين باشا للشيخ حسن البنا: بالله عليكم كيف جمعتم كل هؤلاء من أقصي البلاد؟ إننا في الكشافة المصرية نقدم لهم كل التسهيلات والملابس والنفقات، ومع ذلك لا يجتمعون علينا إلا بشق النفس، فماذا فعلت مع كل هؤلاء؟ فضحك الإمام البنا وقال لرئيس الكشافة المصرية: شيء يسير جدًا .. قلنا لهم: لا إله إلا الله محمد رسول الله، فجاءوا وعلى نفقتهم الخاصة .. فسكت الرجل. (١) يقول البنا: لقد آمنا إيمانًا لا جدال فيه ولا شك معه، واعتقدنا عقيدة أثبت من الرواسي، وأعمق من خفايا الضمائر، بأنه ليس هناك إلا فكرة واحدة هي التي تنقذ الدنيا المعذبة، وترشد الإنسانية الحائرة، وتهدي الناس سواء السبيل، وهي لذلك تستحق أن يضحي في سبيل إعلانها والتبشير بها وحمل الناس عليها بالأرواح والأموال، وكل رخيص وغال، هذه الفكرة هي الإسلام الحنيف الذي لا عوج فيه، ولا شر معه، ولا ضلال لمن اتبعه ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ١٨]، ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]. ففكرتنا لهذا إسلامية بحتة، علي الإسلام ترتكز، ومنه تستمد، وله تجاهد، وفي سبيل إعلاء كلمته تعمل، لا تعدل بالإسلام نظامًا، ولا ترضي سواه إمامًا، ولا تطيع لغيره أحكامًا ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥]. لا تحزن والله معك قال محمد بن أبي عمران: سأل رجلٌ حاتم الأصم: على ما بنيت أمرك هذا في التوكل على الله؟ قال: على خصال أربع: - علمت أن رزقي لن يأخذه غيري فاطمأنت به نفسي.

стр. 690

- وعلمت أن عملي لن يعمله غيري فأنا مشغول به. - وعلمت أن الموت يأتيني بغتة فأنا أبادره. - وعلمت أني لا أخلو من عين الله حيث كنت فأنا مستحيي منه. (١) وعن عبد الله بن سهل قال: سمعت حاتم الأصم يقول: اختلفت إلى شقيق ثلاثين سنة، فقال لي يومًا: أي شيء تعلمت؟ فقدت: رأيت رزقي من عند ربي فلم أشتغل إلا بربي، ورأيت الله تعالى وكل بي ملكين يكتبان عليَّ كل ما تكلمت به فلم أنطق إلا بالحق، ورأيت أن الخلق ينظرون إلى ظاهري والرب تعالي ينظر إلى باطني، فرأيت مراقبته أولي وأوجب فسقطت عني رؤية الخلق، ورأيت أن الله مستحثًا يدعو الخلق إليه فاستعددت له. (٢) صلاح الدين كان صلاح الدين سليم العقيدة، متوكلاً على الله، حذره المنجمون يومًا من أن فتح القدس سيؤدي -حسب زعمهم وتنجيمهم- إلى فقد إحدى عينيه فقال: رضيت أن أعمي وتفتح القدس، ففتحها بعد أن كانت بأيدي الفرنج أكثر من تسعين سنة، وأبطل تخرصات المنجمين. (٣) ذاك هو الله سأل رجل أحد السلف عن الله، فقال له: ألم تركب البحر؟ قال: بلي. قال: فهل حدث لك مرة أن هاجت بك الريح عاصفة؟ قال: نعم. قال: وانقطع أملك من الملاحين ووسائل النجاة؟ قال: نعم.

стр. 691

قال: فهل خطر ببالك وانفتح في نفسك أن هناك من يستطيع أن ينجيك إن شاء؟ قال: نعم. قال: فذاك هو الله. (١) التمسك بالعقيدة الصحيحة يقول سيد قطب: لقد كان رسول الله ﷺ يتشدد مع أصحابه في أمر التلقي في شأن العقيدة والمنهج، بقدر ما كان يفسح لهم في الرأي والتجربة في شئون الحياة العملية المتروكة للتجربة والمعرفة كشئون الزرع، وخطط القتال، وأمثالها في المسائل العملية البحتة التي لا علاقة لها بالتصور الاعتقادي، ولا بالنظام الاجتماعي، ولا بالارتباطات الخاصة بتنظيم حياة الإنسان .. وفرق بين هذا وذلك بيِّنٌ، فمنهج الحياة شيء، والعلوم البحتة والتجربيية والتطبيقية شيء آخر. والإسلام الذي جاء ليقود الحياة بمنهج الله، هو الإسلام الذي وجه العقل للمعرفة والانتفاع بكل إبداع مادي في نطاق منهجه للحياة. روي الإمام أحمد قال: جاء عمر إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، أني أمرت بأخ يهودي من بني قريظة، فكتب لي جوامع من التوراة. ألا أعرضها عليك؟ قال: فتغير وجه رسول الله، قال عبد الله بن ثابت: قلت له: ألا تري ما وجه رسول الله؟ قال عمر: رضيت بالله ربًا وبالإسلام دينًا، وبمحمد رسولاً. قال: فسُري عن النبي ﷺ ، وقال: "والذي نفسي بيده لو أصبح فيكم موسي ﵇ ثم اتبعتموه وتركتموني لضللتم، إنكم حظي من الأمم، وأنا حظكم من النبيين". هؤلاء هم أهل الكتاب، وهذا هو هدي رسول الله ﷺ في التلقي عنهم في أي أمر يختص بالعقيدة والتصور، أو بالشريعة والمنهج .. ولا ضير -وفق روح الإسلام وتوجيهه- من الانتفاع بجهود البشر كلهم في غير هذا من العلوم البحتة علمًا وتطبيقًا .. مع ربطها بالمنهج الإيماني: من ناحية الشعور بها، وكونها من تسخير الله للإنسان. ومن ناحية توجيهها والانتفاع بها في خير البشرية، وتوفير الأمن لها والرخاء.

стр. 692

وشكر الله على نعمة المعرفة ونعمة تسخير القوي والطاقات الكونية .. شكره بالعبادة، وشكره بتوجيه هذه المعرفة وهذا التسخير لخير البشرية. فأما التلقي عنهم في التصور الإيماني، وفي تفسير الوجود، وغاية الوجود الإنساني، وفي منهج الحياة وأنظمتها وشرائعها، وفي منهج الأخلاق والسلوك أيضًا .. أما التلقي في شيء من هذا كله فهو الذي تغير وجه رسول الله ﷺ لأيسر شيء منه. وهو الذي حذر الله الأمة المسلمة عاقبته. وهي الكفر الصراح (١). دخل في الإسلام حديثًا رئيس الأساقفة التنزاني "جون موايبوبو" الذي أقنع خمسة آلاف شخص بالدخول في الإسلام من الذين كانوا يترددون على الكنيسة، وسمي نفسه أبو بكر، وحدث أن قام بعض المتطرفين النصارى بإحراق منزله، وراح ضحية لهذا الحريق طفلاه التوءم. كما تعرض منزله لحريق آخر تم خلاله إحراق جميع الأشرطة التي سجل عليها مراحل حياته من الرهبانية إلى الإسلام، وتعرض للموت أكثر من ثلاث مرات، ومع ذلك يردد قائلا: "أنا أشعر براحة واطمئنان، لأنني أشعر -الآن- أن الله معي". (٢) أسلم بعقيدة سليمة الدبلوماسي الألماني السفير د. مراد هوفمان سفير ألمانيا في الجزائر بدأت فطرة الحق التي فطر الله الناس عليها تستيقظ داخل نفسه، وتاقت إلى الإيمان الصحيح بالله ، ولاسيما أنه يذكر حادثين مؤثرين، أحدهما: عندما كان يعمل في قنصلية بلاده في الجزائر عام ١٩٦١ .. فبينما كانت شوارع العاصمة الجزائرية تموج بطلقات الرصاص لتخمد المقاومة الجزائرية ضد المستعمر الفرنسي، فاجأت آلام المخاض زوجته، فخرج مهرولاً ليبحث عن سيارة تقل زوجته إلى المستشفي، واليأس يعصر نفسه، كيف سيجد سيارة إسعاف وسط هذا الجو الملبد بدخان البنادق وطلقاتها، وأجساد القتلى والجرحى. غير أنه يذكر أن هاتفًا كان يصرخ داخله: ثق بالله .. ثق بالله، ولم يصدق نفسه وهو يري أمامه سيارة إسعاف، وكأنما أرسلتها العناية الإلهية لإنقاذ زوجته التي كتبت لها حياة

стр. 693

جديدة من حيث لا يدري. والحادث الآخر: وقع في العام نفسه في أثناء سيره في أحد شوارع الجزائر يرافقه شخص فرنسي، إذ انطلق فجأة وابل من الرصاص نحوهما سقط رفيقه على إثره غارقًا في دمائه في حين لم يصب هو بأي أذي. وبالفعل عزم على إعلان إسلامه عام ١٩٨٠. (١) المسلم على يقين دائم بأن الله سينصره وسيدافع عنه، وسيقف معه في وقت المحن، فلا يحزن ولا يخاف. اعتراف الغرب يقول سميث أحد الباحثين الغربيين المنصفين: تكمن قوة الإسلام في قوة العقيدة التي يمنحها، فالمسلم يعتقد في إله واحد، وتتردد صدي الإعلان المؤثر عن الإيمان في الدعوة إلى الصلاة "الله أكبر". الله ينتقم لدينه تقول صحيفة "جسكياتاف كوبو" النيجيرية العدد رقم ٤٠٠٧ في الصفحة الاولى، إن واعظًا مسيحيًا من المكذبين بالقرآن وقف ساخرًا من القرآن في تحدٍ سافر فقال: "إن كان القرآن والدين الإسلامي حقًا فأنا أسأل الله ألا أرجع إلى بيتي حياً" ويشاء رب العالمين أن يثبت له أن القرآن ودينه الإسلامي الذي ارتضاه لعباده حق وصدق، حيث حدث بمجرد خروجه من الكنيسة وبينما هو في طريقة إلى بيته إذ عثر برخام قناة صغيرة حينما أراد أن يعبرها، فوقع ميتًا في القناة الصغيرة، وحينما تدخل رجل لإنقاذه مات هو الآخر في اليوم التالي مباشرة، والغريب حين حمله أتباعه وأشياعه بعد الحادث وذهبوا به إلى المستشفى، وهناك أخبرهم الطبيب بأنه مات، فلم يقتنعوا بتشخيصه، فأخذوه إلى مستشفى آخر، فأخبروهم بأنه مات بالفعل، فلم يصدقوا، وأخيرا انتهي بهم المطاف إلي مستشفى خاص بالجماعة التنصيرية، حيث أثبت الأطباء المنصرون بأنه قد مات فعلا، وبمجرد انتشار الخبر في ولاية "جونجولي" شمالي نيجيريا اعتنق سكان أربع قرى الإسلام. ...

стр. 694

صحيح العبادة لابد من تصحيح المفاهيم الخاطئة عن العبادة، ومطاردة الأفكار الضالة، ومعرفة معنى العبادة، وهي الخضوع والذل، يقال: طريق معبد، والتعبيد بمعنى التذليل، ولذا فالعبادة هي الإذعان الكلي والخضوع الكامل، والطاعة المطلقة لله ﵎. الفهم الشامل يقول البنا: قد يرى الناس الأخ المسلم في المحراب خاشعًا متبتلاً يبكي ويتذلل، وبعد قليل يكون هو بعينه واعظًا مدرسًا يقرع الآذان بزواجر الوعظ، وبعد قليل تراه نفسه رياضيًا أنيقًا يرمي بالكرة أو يدرب على العدو أو يمارس السباحة، وبعد فترة يكون هو بعينه في متجره أو معمله يزاول صناعته في أمانة وفي إخلاص. هذه مظاهر قد يراها الناس متنافرة لا يلتئم بعضها ببعض، ولو علموا أنها جميعًا يجمعها الإسلام ويأمر بها الإسلام ويحض عليها الإسلام لتحققوا فيها مظاهر الالتئام ومعاني الإنسجام (١). روح الصلاة كان الإمام حسن البنا في رحلة في صعيد مصر، وفي المساء جاء وقت العشاء، قال البنا للشيخ إسماعيل حمدي: "إحنا تعبانين وعاوزينك تصلي بنا" فتقدم الشيخ إسماعيل للصلاة ولكنه صلى بالسور القصيرة فلما انتهت الصلاة قال له حسن البنا: كيف تصلي بنا بالسور القصيرة؟ قال: لأن فضيلتكم قلت: إننا تعبانين، ولهذا رأيت أن أخفف عنكم. قال الأستاذ البنا: يا أخي سيدنا رسول الله ﷺ قال لبلال ﵁: "أرحنابها يا بلال" ولم يقل: أرحنا منها يا بلال (٢).

стр. 695

الخوف من فساد الأعمال كان أكثر كلام الحسن في خواطر القلوب، وفساد الأعمال، ووساوس النفس، والصفات الخفية الغامضة من شهوات النفس، وقد قيل له: يا أبا سعيد إنك تتكلم بكلام لا يسمع من غيرك، فمن أين أخذته؟ قال: من حذيفة بن اليمان، وقيل لحذيفة: نراك تتكلم بكلام لا يسمع من غيرك من الصحابة فمن أين أخذته؟ قال: خصني به رسول الله: كان الناس يسألونه عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن أقع فيه، وعلمت أن الخير لا يسبقني علمه (١). العلم طريق الوصول عن عكرمة عن ابن عباس ﵁ قال: لما قبض رسول الله ﷺ وأنا شاب قلت لشاب من الأنصار: يا فلان، هلم فلنسأل أصحاب رسول الله ولنتعلم منهم، فإنهم كثير. قال: العجب لك يا ابن عباس، أترى الناس يحتاجون إليك وفي الأرض من ترى من أصحاب رسول الله؟ قال: فتركت ذلك وأقبلت على المسألة، وتتبع أصحاب رسول الله، فإن كنت لآتي الرجل في الحديث يبلغني أنه سمعه من رسول الله، فأجده قائلاً (راقدًا في وقت القيلولة) فأتوسد ردائي على بابه، تسفي الريح على وجهي حتى يخرج، فإذا خرج قال: يا ابن عم رسول الله: مالك؟ فأقول: بلغني حديث عنك أنك تحدثه عن رسول الله، فأحببت أن أسمعه منك. قال: فيقول: أنا أحق أن آتيك. فكان الرجل بعد ذلك يراني وقد ذهب أصحاب رسول الله واحتاج الناس إليَّ فيقول: كنت أعقل مني (٢). قال إسماعيل بن يحيى المزني: قيل للشافعي: كيف شهوتك للعلم؟ قال: أسمع بالحرف مما لم أسمعه، فتود أعضائي أن لها أسماعًا تتنعم به مثلما تنعمت به أذناي. قيل له: فكيف حرصك عليه؟

стр. 696

قال: حرص الجموع المنوع في بلوغ لذته للمال. قيل له: فكيف طلبك له؟ قال: طلب المرأة المضلة ولدها ليس لها غيره (١). يقول البنا: نعتقد أن أحكام الإسلام وتعاليمه شاملة، تنتظم شئون الناس في الدنيا وفي الآخرة، وأن الذين يظنون أن هذه التعاليم إنما تتنارل الناحية العبادية أو الروحية دون غيرها من النواحي مخطئون في هذا الظن، فالإسلام عقيدة وعبادة، ووطن وجنسية، ودين ودولة، وروحانية وعمل، ومصحف وسيف. والقرآن الكريم ينطق بذلك كله، ويعتبره من لب الإسلام ومن صميمه ويوصي بالإحسان فيه جميعه، وإلى هذا تشير الآية الكريمة: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [القصص: ٧٧] (٢). العبادة الصحيحة كان علي بن الحسين يقول: إن قومًا عبدوا الله رهبة؛ فتلك عبادة العبيد، وآخرين عبدوه رغبة؛ فتلك عبادة التجار، وقومًا عبدوا الله شكرًا؛ فتلك عبادة الأحرار (٣). ويقول البنا: هل رأيت منشورًا عسكريًا في كتاب مقدس يتلى في الصلاة والذكر والعبادة والمناجاة كهذا المنشور الذي يبتديء بالأمر المنجز في قوله تعالى: ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ﴾ [النساء: ٧٤] ثم يبين الجزاء بعد ذلك ﴿وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء٧٤] ثم يتلو ذلك باستثارة أنبل العواطف في النفوس، وهي استنقاذ الأهل والوطن فيقول: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾ [النساء: ٧٥]. ثم يوضح لهم شرف غايتهم، ودناءة غاية عدوهم، ليبين لهم أنهم يجودون بثمن

стр. 697

غال هو الحياة، على سلعة غالية تستحقه وتربو عليه، وهي رضوان الله، على حين يقاتل غيرهم لغير غاية، فهو أضعف نفوسًا وأخزى أفئدة، فذلك قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٧٦]. ثم يندد بالذين جبنوا عن أداء الواجب، وأخذوا التكاليف السهلة وتركوا تكاليف البطولة، ويبين لهم خطأ موقفهم هذا، وأن الإقدام لن يضرهم شيئًا بل سيكسبون به الجزاء الأكبر، والإحجام لا يغنيهم شيئًا، فالموت من ورائهم لا محالة، فيقول بعد الآيات السابقة مباشرة: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٧٧) أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء: ٧٧ - ٧٨]. بربك أي منشور عسكري في هذه القوة، وفي هذا الوضع يبعث في نفس الجندي كل ما يريد القائد من همة وعزة وإيمان؟ وإذا كان قوام الحياة العسكرية في عرفهم أمرين، هما النظام والطاعة، فقد جمعهما الله في آيتين في كتابه، فقال ﵎: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف: ٤]، كما قال تعالى: ﴿فَأَوْلَى لَهُمْ (٢٠) طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ [محمد: ٢٠ - ٢١] (١). ومن أنواع العبادات: العدل عبادة مشى عمر بن الخطاب ﷺ مرة في سكك المدينة، فإذا بصبية تطيش هزالاً، تقوم مرة وتقع أخرى، فقال عمر: أي حوبتها! يا بؤسها! من يعرف هذه منكم؟ فقال ابنه عبد الله: أما تعرفها يا أمير المؤمنين؟ قال: لا. قال: هذه إحدى بناتك! قال عمر: وأي بناتي هذه؟ قال: هذه فلانة بنت عبد الله بن عمر (أي ابنته).

стр. 698

فقال عمر: ويحك وما صيَّرها إلى ما أرى؟ قال له ابنه: منعك ما عندك. فقال عمر: إنك والله ما لك عندي غير سهمك في المسلمين وسعك أو أعجزك! هذا كتاب الله بيني وبينكم (١). غض البصر عبادة قال تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور: ٣٠] مِنْ للتبعيض؛ لأن من النظر ما يباح. وكره الشعبي أن يديم الرجل النظر إلى ابنته أو أمه أو أخته، وزمانه خير من زماننا هذا!! وحرام على الرجل أن ينظر إلى ذات محرم نظر شهوة يرددها (٢). وخرج عطاء بن يسار وسليمان بن يسار حاجين من المدينة، ومعهم أصحاب لهم حتى إذا كانوا بالأبواء نزلوا منزلاً. فانطلق سليمان وأصحابه لبعض حاجاتهم، وبقي عطاء قائمًا في المنزل يصلي، فدخلت عليه امرأة من الأعراب جميلة، فلما رآها عطاء ظن أن لها حاجة، فأوجز في صلاته، ثم قال: ألك حاجة؟ قالت: نعم. قال: ما هي؟ قالت: قم فأصب مني. فقال: إليك عني لا تحرقيني ونفسك بالنار. ونظر إليها فوجدها امرأة جميلة، فجعلت تراوده عن نفسه، وتأبى إلا ما تريد. وظل عطاء يبكي ويقول: ويحك! إليك عني، واشتد بكاؤه، فلما نظرت المرأة إليه وما دخله من البكاء والجزع بكت المرأة لبكائه، فجعل يبكي والمرأة بين يديه تبكي. فبينما هو كذلك جاء سليمان من حاجته، فلما نظر إلى عطاء يبكي، والمرأة بين يديه تبكي في ناحية البيت، بكى لبكائهما لا يدري ما أبكاهما، وجعل أصحابهما يأتون رجلاً

стр. 699

رجلاً كلما أتاهما رجل فرآهما يبكيان جلس يبكي لبكائهما، لا يسألهما عن أمرهما حتى كثر البكاء وعلا الصوت. فلما رأت الأعرابية ذلك قامت فخرجت وهي نادمة تائبة (١). هل تحرص على غض البصر؟ الصبر عبادة روى ابن شداد أن صلاح الدين كان له ابن اسمه (إسماعيل)، فجاءه خبر وفاته فتجلد وصبر واحتسب، ولم يحدث أحدًا، ولم يظهر عليه شيء من الألم سوى دمعة ذرفت من عينيه، يقول ابن شداد: فانظر إلى هذا الصبر والاحتساب، وإلى أي غاية بلغ هذا الرجل، اللهم إنك ألهمته الصبر والاحتساب، ووفقته فلا تحرمه ثوابه يا أرحم الراحمين (٢). الحلم عبادة يروي ابن شداد أنه حدث أثناء الصراع بين صلاح الدين وريتشارد حول يافا أن عصى بعض عساكر صلاح الدين الأوامر، وانصرف كالمغضب حتى خُيل لمن رآه أنه قاتل جماعة من العساكر في ذلك، لما أتوه من أعمال وأقوال، ولم يزل صلاح الدين سائرًا حتى وصل إلى قيادته وحوله الأمراء يرعدون خيفة، وكل منهم يعتقد أنه مسخوط عليه، حتى ابن شداد مع عظم مكانته عند صلاح الدين، يقول ابن شداد: لم تحدثني نفسي بالدخول عليه خيفة منه حتى استدعاني، فلما دخل ابن شداد على صلاح الدين طلب منه أن يجمع الأمراء ليشاركوه في أكل كمية من فاكهة كانت قد وصلته من دمشق، فحضر الأمراء وهم خائفون، فوجدوا من بشره وانبساطه ما أحدث لهم الطمأنينة والأمن والسرور، وانصرفوا على عزم الرحيل للقتال كأن لم يحدث شيء أصلاً (٣). الصدق عبادة روى ابن عيينة عن رجل قال: كلم عمر بن عبد العزيز الوليد بن عبد الملك في شيء، فقال له: كذبت، فقال عمر: ما كذبت منذ علمت أن الكذب يشين صاحبه.

стр. 700

الورع عبادة عن وهب بن الورد قال: بلغنا أن عمر بن عبد العزيز اتخذ دارًا لطعام المساكين والفقراء وابن السبيل. وتقدم إلى أهله وقال: إياكم أن تصيبوا من هذه الدار شيئًا من طعامها، فإنما هي للفقراء والمساكين وابن السبيل. فجاء يومًا فإذا مولاة له معها صحفة فيها غرفة من لبن فقال لها: ما هذا؟ قالت: زوجتك فلانة حامل كما قد علمت، واشتهت غرفة من لبن، والمرأة إذا كانت حاملاً فاشتهت شيئًا فلم تؤت به تخوفت على ما في بطنها أن يسقط، فأخذت هذه الغرفة من هذه الدار. فأخذ عمر بيدها فتوجه بها إلى زوجته وهو عالي الصوت وهو يقول: إن لم يمسك ما في بطنها إلا طعام المساكين والفقراء فلا أمسكه الله. فدخل على زوجته فقالت له: مالك؟ - قال: تزعم هذه أنه لا يمسك ما في بطنك إلا طعام المساكين والفقراء، فإن لم يمسكه إلا ذلك فلا أمسكه الله. قالت زوجته: رديه ويحك، والله لا أذوقه. قال: فردته. هل تحرص على المال الحلال في رزقك؟ التقوى عبادة كان عمر بن عبد العزيز يقول: ليس تقوى الله بصيام النهار، وقيام الليل، والتخليط فيما بين ذلك. ولكن تقوى الله: ترك ما حرم الله، وأداء ما افترض الله، فمن رزق بعد ذلك خيرًا، فهو خير إلى خير. وقال القرشي: وحدثني محمد بن يزيد الآدمي قال: قال عمر بن عبد العزيز: معادن التقوى قلوب المؤمنين، وخير معادنها أتقاها لله ، وأتقاها لله أحسنها عقلاً. تقديم النصيحة عبادة جاء أن أبا مسلم الخولاني دخل على معاوية، فرآه يتصدر مجلسًا من مجالسه العامرة. وقد حف به رجال دولته، وقادة جيشه، ووجوه قومه، ورأى الناس يبالغون في إعظامه

стр. 701

وإجلاله، فخشي عليه من ذلك أشد الخشية، وبادره قائلاً: السلام عليك يا أجير المؤمنين. فالتفت إليه الناس وقالوا: أمير المؤمنين يا أبا مسلم، فلم يأبه لهم وقال: السلام عليك يا أجير المؤمنين. فقال الناس: أمير المؤمنين يا أبا مسلم، فلم يعرهم سمعه، ولم يرم نحوهم بطرفه وقال: السلام عليك يا أجير المؤمنين. فلما هم الناس بمراجعته؛ التفت إليهم معاوية وقال: دعوا أبا مسلم، فهو أعلم بما يقول. فمال أبو مسلم إلى معاوية وقال له: إنما مثلك بعد أن ولاك الله أمر الناس كمثل من استأجر أجيرًا وأوكل إليه أمر غنمه، وجعل له الأجر على أن يحسن رعيها، ويحفظ أبدانها، ويوفر أصوافها وألبانها، فإن هو قام بما عهد إليه حتى تكبر الصغيرة وتسمن العجفاء، وتصح السقيمة أعطاه أجره، وزاده، وأن هو لم يحسن رعيها وغفل عنها، حتى هلكت عجافها، وهزلت سمانها، وضاعت أصوافها وألبانها منع الأجر عنه، وغضب عليه وعاقبه، فاختر لنفسك ما فيه خيرك وأجرك. فرفع معاوية رأسه وكان مطرقًا إلى الأرض، وقال: جزاك الله عنا وعن الرعية خيرًا يا أبا مسلم، فما علمناك إلا ناصحًا لله ولرسوله، ولعامة المسلمين (١). طلب العلم عبادة حفظ أحمد بن حنبل القرآن الكريم، ولما بلغ أربع عشرة سنة، درس اللغة العربية، وتعلم الكتابة، وكان يحب العلم كثيرًا حتى إن أمه كانت تخاف عليه من التعب والمجهود الكبير الذي يبذله في التعلم، وقد حدث ذات يوم أنه أراد أن يخرج للمكان الذي يتعلم فيه الصبية قبل طلوع الفجر، فجذبته أمه من ثوبه، وقالت له: يا أحمد انتظر حتى يستيقظ الناس. ومضت الأيام حتى بلغ أحمد الخامسة عشرة من عمره فأراد أن يتعلم أحاديث رسول الله ﷺ من كبار العلماء والشيوخ، فلم يترك شيخًا في بغداد إلا وقد استفاد منه، ومن شيوخه: أبو يوسف، وهشيم بن مشير. وكان أحمد بن حنبل يحفظ ألف ألف حديث (٢).

стр. 702

النهي عن المنكر عبادة عن الأصمعي قال: دخل عطاء بن أبي رباح على عبد الملك بن مروان وهو جالس على سريره، وحواليه الأشراف من كل بطن، وذلك بمكة في وقت حجه في خلافته، فلما بصر به قام إليه، وأجلسه معه على السرير، وقعد بين يديه، وقال له: يا أبا محمد ما حاجتك؟ فقال: يا أمير المؤمنين اتق الله في حرم الله وحرم رسوله، فتعاهده بالعمارة، واتق الله في أولاد المهاجرين والأنصار فإنك بهم جلست هذا المجلس، واتق الله في أهل الثغور فإنهم حصن المسلمين، وتفقد أمور المسلمين فإنك وحدك المسئول عنهم، واتق الله فيمن على بابك، فلا تغفل عنهم ولا تغلق بابك دونهم. فقال له: أجل أفعل، ثم نهض وقام. فقبض عليه عبد الملك فقال: يا أبا محمد، إنما سألتنا حاجة لغيرك. وقد قضيناها، فما حاجتك أنت؟ فقال: ما لي إلى مخلوق حاجة، ثم خرج فقال عبد الملك: هذا وأبيك الشرف (١). حوار حول اللحية كان الإمام الشهيد البنا راكبًا الترام ذات مرة عائدًا إلى بيته، فحرص أحد الشباب الذين يهزأون بالسنيين والملتحين من الدعاة والوعاظ، أن يكون جلوسه إلى جانب الإمام الشهيد. وبدأ الشاب في استئذانه بسؤال محرج، ورجا الأستاذ أن يجيبه معتذرًا عن هذا السؤال! فأجاب الإمام الشهيد مرحبًا كل الترحيب بما يسأل الشاب، ووعده ألا يكون لسؤاله من أثر في نفسه غير الرضا والارتياح. فبدأ الشاب سؤاله بقوده: لماذا أطلقت لحيتك يا أستاذ؟ فأجاب الاستاذ: اسمح لي أن أقول لك بأن سؤالك ليس في موضعه، وما كان لك أن تسأل هذا السؤال، وإنما الذي من حقه هذا السؤال هو أنا: لماذا حلقت لحيتك أنت يا أخي؟ وهكذا تحول الأستاذ من موقع المدافع إلى موقف المهاجم!

стр. 703

فعجب الشاب من براعة الأستاذ في إجابته التي لم يكن يتوقعها من المشايخ والوعاظ، وأجاب الشاب: إني أحلق لحيتي لأني أعتبرها قذارة يجب التخلص منها. فقال الأستاذ: ولماذا لا تحلق بقية شعرك؟ شعر الرأس والحاجبين والشارب ما دام الشعر في نظرك قذارة؟ فأجاب الشاب: لا يا أستاذ ليس كل الشعر في مستوى واحد، فأنا أحلق شعر عانتي وإبطي بحكم الشرع الشريف باعتباره قذارة. فقال الإمام: الحمد لله .. فقد اعتبرت لحيتي من نوع شعر الرأس والشارب، وأما لحيتك فقد اعتبرتها من نوع عانتك!! وهكذا كان هذا الجواب البارع صفعة أخرى لهذا الشاب الساخر، ما كان ينتظرها، وشعر بالخزي والخجل، وقال: حقًا إنك أظرف سُني رأيته في حياتي .. لقد أردت أن أسخر منك فسخرت أنت مني. فأجابه الأستاذ قائلاً: إن الإسلام قضيته أكبر من اللحية التي تتكلم عنها، وأنتم معشر الشباب لا تفهمون من الإسلام إلا اللحية والصلاة والصيام، ولكن الإسلام رسالة عامة، تتناول الدين والدنيا، ونظام الحياة، ومنهاجها الكامل في كل شئون الحياة .. وتحدث له الأستاذ عن عظمة الإسلام وآفاقه العليا بصورة موجزة .. فأعجب الشاب من هذا التصوير الجديد (١). رد الجميل عبادة كان من نعم الله على عليَّ بن أبي طالب، وما وضع الله له، وأراد به من الخير أن قريشًا أصابتهم أزمة شديدة، وكان أبو طالب ذا عيال كثير، فقال رسول الله للعباس عمه -وكان من أيسر بني هاشم- يا عباس، إن أخاك أبا طالب كثير العيال، وقد ترى ما أصاب الناس في هذه الأزمة، فانطلق بنا فلنخفف عنه من عياله، آخذ من بنيه واحدًا وتأخذ واحدًا، فنكفيهما عنه. فقال العباس: نعم .. فانطلقا حتى أتيا أبا طالب، فقالا له: إنا نريد أن نخفف عنك من عيالك حتى ينكشف عن الناس

стр. 704

ما هم فيه، فقال لهما: إن تركتما لي عقيلاً فاصنعا ما شئتما، فأخذ رسول الله عليًّا فضمه إليه، وأخذ العباس جعفرًا ﵁ فضمه إليه، فلم يزل علي بن أبي طالب ﵁ مع رسول الله حتى بعثه الله نبيًا، فاتبعه عليّ، فأقر به وصدقه، ولم يزل جعفر عند العباس حتى أسلم واستغنى عنه. ونلاحظ أن الرسول أراد أن يرد الجميل والمعروف لعمه أبي طالب الذي كفله بعد وفاة جده عبد المطلب (١). ...

стр. 705

الانتفاع بالوقت إن الإحساس بالوقت يلدغ الذين توهموا الخلود في الأرض وربطوا مصيرهم بترابها، ولكنه إحساس مخدوع مضلل لمن مرت به الأيام والشهور والدهور وغدا وراح، وتعب واستراح، ومع ذلك فهو في غفلة عن يومه وغده، ظل يعبث ويسترسل في عبثه حتى إذا استرخت أجفانه على عينيه، ودخل ظلام الموت تيقظ بعنف، وهيهات!! لقد صحا بعد فوات الأوان. إن من الخداع أن يحسب المرء نفسه واقفا والزمن يسير، إنه خداع النظر كما يخيل لراكب القطار أن الأشياء تجري من حوله وهو جالس، والواقع أن الزمن يسير بالإنسان إلى مصيره المحتوم. صديق ودود أو عدو لدود إن عمرك رأس مالك الضخم، ولسوف تسأل عن إنفاقك منه لقول رسول الله: "لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيم أفناه؟ وعن علمه فيم فعل؟ وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه؟ وعن جسمه فيم أبلاه؟ " [رواه الترمذي]. ومن الحكم التي تغيب عن بال الناس:" الواجبات أكثر من الأوقات" الزمن لا يقف محايدا فهو إما صديق ودود أو عدو لدود. جريمة سرقة من المؤسف أن العوام لا يبالون بإضاعة أوقاتهم سدى ويضمون إلى هذه الجريمة السطو على أوقات الآخرين لإراقتها على التراب، وقد قال رسول الله ﷺ : "نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ" [رواه الترمذي]. ومن وسائل الإسلام لاستغلال الوقت الحث على مداومة العمل وإن كان قليلاً، وكراهيته للكثير المنقطع، وذلك أن استدامة العمل القليل مع اطراد الزمن وسيره المتواصل يجعل من التافه الضئيل زنة الجبال من حيث لا يشعر المرء.
следующие страницы →