← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 96918

موسوعة الأخلاق والزهد والرقائق

ياسر عبد الرحمن

Полный текст (763 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

وكان رجل من الصالحين يصحب إخوانه في سفر الجهاد وغيره، فيشترط عليهم أن يخدمهم، فكان إذا رأى رجلاً يريد أن يغسل ثوبه، قال له: هذا من شرطي، فيغسله. وروى أن جيشًا من المسلمين كان بينه وبين عدوه نهر، فأمرهم القائد أن يخوضوه فلبوا الأمر وخاضوا النهر، والعدو يشهدهم من بعيد، وفي وسط النهر سقط إناء أحدهم فصاح: قعبي قعبي، فقال الذي عن يمينه: قعبي قعبي، وقال الذي عن شماله: قعبي قعبي، حتى أخذ الجيش كله يردد: قعبي قعبي، فخاضوا جميعًا في جوف النهر ليبحثوا عن إناء أخيهم، فعرف العدو ذلك، فألقى الله الرعب في قلوبهم وقالوا: إذا كانوا يفعلون ذلك من أجل إناء سقط من أحدهم، فماذا يفعلون لو قتلنا منهم نفسًا. ٣ - في اللسان قال ابن المبارك: المؤمن يطلب المعاذير، والمنافق يطلب العثرات. وقال عيسى ﵇ للحواريين: كيف تصنعون إذا رأيتم أخاكم نائمًا وقد كشف الريح ثوبه عنه؟ قالوا: نستره ونغطيه. قال: بل تكشفون عورته! قالوا: سبحان الله من يفعل هذا؟ فقال: أحدكم يسمع بالكلمة في أخيه فيزيد عليها ويشيعها بأعظم منها. وقال عمر بن الخطاب ﵁: ثلاث يصفين لك ود أخيك: أن تسلم عليه إذا لقيته أولاً، وتوسع له في المجلس، وتدعوه بأحب أسمائه إليه. الدعاء للأخ في حياته وبعد مماته كان أبو الدرداء ﵁ يقول: إني لأدعو لسبعين من إخواني في سجودي أسميهم بأسمائهم. ويقول أحمد بن حنبل: ما صليت صلاة منذ أربعين سنة إلا وأنا أدعو للشافعي رحمه الله تعالى.

стр. 632

فقال له ابنه عبيد الله: أي رجل كان الشافعي حتى تدعو له كل هذا الدعاء؟ فقال الإمام أحمد: يا بني، كان الشافعي كالشمس للدنيا، وكالعافية للناس، فانظر هل لهذين من خلف؟ وعن أبي عبد الله بن الخطيب قال: كان لأبي حمدون (أحد القراء المشهورين) صحيفة مكتوب فيها ثلاثمائة من أصدقائه، قال: وكان يدعو لهم كل ليلة، فتركه ليلة فنام، فقيل له في نومه: يا أبا حمدون! لِمَ لم تسرج مصابيحك الليلة؟ قال: فقعد وأسرج وأخذ الصحيفة، فدعا لواحد واحد حتى فرغ. وقال القاضي محمد بن محمد بن إدريس الشافعي: قال لي أحمد بن حنبل: أبوك أحد الستة الذين أدعو لهم سحرًا. وكان محمد بن يوسف الأصفهاني يقول: وأين مثل الأخ الصالح أهلك يقتسمون ميراثك، ويتنعمون مما خلفت، وهو منفرد بحزنك، مهتم بما قدمت وما صرت إليه، يدعو لك في ظلمة الليل وأنت تحت أطباق الثرى. ٤ - الوفاء والإخلاص ومعنى الوفاء الثبات على الحب وإدامته إلى الموت، وبعد الموت مع أولاده وأصدقائه، فإن الحب إنما يراد للآخرة. يقال: ما تآخى اثنان في الله فتفرق بينهما إلا بذنب يرتكبه أحدهما. وكان بشر يقول: إذا قصر العبد في طاعة الله سلبه الله من يؤنسه. واعلم أنه ليس من الوفاء موافقة الأخ فيما يخالف الحق في أمر يتعلق بالدين، بل الوفاء له المخالفة. فقد كان الشافعي آخى محمد بن عبد الحكم وكان يقربه ويقبل عليه، ويقول: ما يقيمني بمصر غيره، فاعتل محمد فعاده الشافعي رحمه الله تعالى فقال: مرض الحبيب فعدته ... فمرضت من جزعي عليه وأتى الحبيب يعودني ... فبرئت من نظري إليه وظن الناس من فرط محبته أنه يفوض أمر حلقته إليه بعد وفاته، فقيل للشافعي في

стр. 633

علته التي مات فيها: إلى من نجلس بعدك يا أبا عبد الله؟ فاستشرف له محمد بن عبد الحكم، وهو عند رأسه ليوميء إليه، فقال الشافعي: سبحان الله أيشك في هذا، أبو يعقوب البويطي؟ فانكسر لها محمد، ومال أصحابه إلى البويطي مع أن محمدًا كان قد حمل عنه مذهبه كله، لكن البويطي كان أفضل وأقرب إلى الزهد والورع، فنصح الشافعي لله وللمسلمين وترك المداهنة. يفول ابن عباس: أكرم الناس عليَّ جليسي الذي يتخطى رقاب الناس إليّ، لو استطعت ألا يقع الذباب عليه لفعلت، وفي رواية: "إن الذباب ليقع عليه فيؤذيني" (١). ٥ - التخفيف وترك التكلف قال علي: شر الأصدقاء من تكلف لك، ومن أحوجك إلى مداراة، وألجأك إلى اعتذار. وقال الفضيل: إنما تقاطع الناس بالتكلف، يزور أحدهما أخاه فيتكلف له فيقطعه ذلك عنه. وقالوا: من سقطت كلفته دامت ألفته، ومن خفت مؤنته دامت مودته. وقال جعفر الصادق: أثقل إخواني علي من يتكلف لي وأتحفظ منه، وأخفهم عليَّ قلبي من أكون معه كما أكون وحدي. وقال آخر: لا تصحب إلا من يتوب عندك إذا أذنبت، ويعتذر إليك إذا أسأت، ويحمل مؤنة نفسك ويكفيك مؤنة نفسه، وهذا منتهى الكمال وهو نادر وقليل. وقال رجل للجنيد: قد عز الإخوان في هذا الزمان، أين أخ لي في الله؟ فأعرض الجنيد حتى أعاده ثلاثًا فلما أكثر قال له الجنيد: إن أردت أخًا يكفيك مؤنتك ويتحمل أذاك فهذا لعمري قليل، وإن أردت أخًا في الله تحمل أنت مؤنته وتصبر على أذاه، فعندي جماعة أعرفهم لك فسكت الرجل. وقال بعضهم: إذا عمل الرجل في بيت أخيه أربع خصال فقد تم أنسه به: أكله عنده، ودخول الخلاء، والصلاة، والنوم.

стр. 634

هل تحرص على عدم التكلف مع إخوانك؟ ٦ - أخبره بحبك عن أنس بن مالك ﵁ أن رجلاً كان عند النبي ﷺ فمر رجل به، فقال: يا رسول الله، إني لأحب هذا، فقال له النبي ﷺ : "أعلمته؟ " قال: لا، قال ﷺ :" أعلمه" فلحقه، فقال: إني أحبك في الله، فقال: أحبك الذي أحببتني له [رواه أبو داود]. وعن أبي إدريس الخولاني قال: دخلت مسجد دمشق فإذا فتى براق الثنايا (يلمع بياضًا في مقدمة أسنانه) إذ الناس معه إذا اختلفوا في شيء أسندوه إليه، وصدروا عن قوله، فسألت عنه فقيل: هذا معاذ بن جبل، فلما كان من الغد هجَّرت (بكرت) فسبقني بالتهجير، ووجدته يصلي فانتظرته حتى قضى صلاته ثم جئته من قبل وجهه فسلمت عليه ثم قلت: والله إني لأحبك فقال: ألله؟ فقلت: الله: فقال: ألله؟، فقلت: الله، فقال: ألله؟، فقلت: الله، فأخذ بحبوة ردائي فجذبني إليه (ملتقى طرفيه من الصدر) فقال: أبشر، فإنني سمعت رسول الله ﷺ يقول: قال ﵎: "وجبت محبتي للمتحابين فيَّ، والمتجالسين فيَّ، والمتزاورين فيَّ، والمتباذلين فيَّ" [موطأ مالك]. ٧ - إذا لقى الأخ أخاه فليبادر إلى مصافحته قال رسول الله ﷺ : "ما من مسلمين يلتقيان فيتصافحان إلا غفر لهما قبل أن يفترقا" [أبو داود]. إذا لقى الأخ أخاه فليطلق وجهه عند اللقاء: عن أبي ذر ﵁ قال رسول الله ﷺ : "لا تحقرن من المعروف شيئًا ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق" [رواه مسلم]. ٨ - إذا فارق الأخ أخاه فليطلب منه الدعاء في ظهر الغيب عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: أنه استأذن النبي ﷺ في العمرة فقال: "أي أخي أشركنا في دعائك ولا تنسنا" [رواه الترمذي]. ٩ - أن يكثر من زيارة أخيه عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ -قال: "إن رجلاً زار أخًا له في الله، فأرصد الله على مدرتجه (طريقه) ملكًا، فلما أتى عليه قال: أين تريد؟ قال: أريد أخًا لي في هذه القرية، قال: هل

стр. 635

لك من نعمة تربُّها، قال: لا، غير أني أحببته في الله ، قال: فإني رسول الله إليك بأن الله قد أحبك كما أحببته فيه" [رواه مسلم]. وقال محارب بن دثار سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يقول: لقد أحببت في الله ألف أخ كلهم أعرف اسمه، واسم أبيه، واسم قبيلته، وأعرف مكان داره. وقال أبو سليمان الداراني: قد يعملون بطاعة الله ، ويعاونون على أمره، ولا يكونون إخوانًا حتى يتزاوروا ويتباذلوا. وكان الإمام أحمد بن حنبل إذا بلغه عن شخص صلاح أو زهد، أو قيام بحق، أو اتباع للأمر، سأل عنه، وأحب أن يجري بينه وبينه معرفة، وأحب أن يعرف أحواله. وروى الخطيب البغدادي أنه قال: بلغني أن بعض أصحاب محمد بن غالب أبي جعفر المقرئ جاء في يوم وحل وطين، فقال له: كيف أشكر هاتين الرجلين اللتين تعبتا إليَّ في مثل هذا اليوم لتكسباني الثواب؟ ثم قام بنفسه فاستقى له الماء، وغسل رجليه!. ١٠ - أن يبدي له اهتمامًا في قضاء حوائجه عن أبي هريرة ﵁ -قال: قال رسول الله ﷺ : "من نفَّس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه" [رواه مسلم]. وكان مالك بن دينار يقول: لا يتفق اثنان في عِشرة إلا وفي أحدهما صفة من الآخر، فإن أجناس الناس كأجناس الطير .. ولا يتفق نوعان من الطير إلا لمناسبة، وفي ذات يوم رأى غرابًا مع حمامة فعجب من ذلك وقال: اتفقا وليسا من شكل واحد ثم طارا فإذا هما أعرجان، فقال: من هنا اتفقا. عن مجاهد قال: صحبت ابن عمر وأنا أريد أن أخدمه فكان يخدمني. ١١ - حفظ السر أفشى بعضهم سرًا له إلى أخيه ثم قال له: حفظت؟ فقال: بل نسيت. وقال أبو سعيد الثوري: إذا أردتَ أن تؤاخي رجلاً فأغضبه، ثم دس عليه من يسأله عنك، وعن أسرارك، فإن قال خيرًا وكتم سرك فاصحب.

стр. 636

١٢ - عدم الهجر قال إبراهيم النخعي: لا تقطع أخاك ولا تهجره عند الذنب بذنبه، فإنه يرتكبه اليوم ويتركه غدًا. وحكى عن أخوين من السلف انقلب أحدهما عن الاستقامة، فقيل لأخيه: ألا تقطعه وتهجره؟ فقال: أحوج ما كان عليَّ في هذا الوقت لما وقع في عثرته أن آخذ بيده، وأتلطف له في المعاتبة، وأدعو له بالعود إلى ما كان عليه. والقريب ينبغي ألا يهجر من أجل معصيته، حتى يقام له بواجب النصيحة، وذلك لأجل قرابته، قال الله تعالى لنبيه في عشيرته: ﴿فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٦]، ولم يقل: إني بريء منكم، مراعاة لحق القرابة ولحمة النسب، لهذا أشار أبو الدرداء لما قيل: ألا تبغض أخاك وقد فعل كذا؟ فقال: إنما أبغض عمله وإلا فهو أخي، وأخوة الدين أوكد من أخوة القرابة. وسأل الفاروق عمر ﵁ عن رجل كان قد آخاه ثم خرج إلى الشام، فقالوا له: ذاك أخو الشيطان، إنه قارف الكبائر حتى وقع في الخمر، فكتب إليه عمر: "من عمر بن الخطاب إلى فلان، سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو إليه المصير، ثم قال لأصحابه: ادعوا لأخيكم أن يقبل بقلبه ويتوب الله عليه، فلما بلغ الرجل كتاب عمر ﵁ جعل يقرؤه ويردده، ويقول: غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب، قد حذرني عقوبته ووعدني أن يغفر لي، فلم يزل يرددها على نفسه حتى بكى، ثم نزع (أي تاب) فأحسن النزع، فلما بلغ عمر خبره قال: هكذا فاصنعوا، إذا رأيتم أخًا لكم زل زلة فسددوه ووثقوه (أي افتحوا له باب الأمل والثقة) وادعوا الله له أن يتوب عليه ولا تكونوا أعوانًا للشيطان عليه. ١٣ - حسن الظن قال عمر بن الخطاب ﵁: ولا تظن بكلمة خرجت من أخيك المسلم إلا خيرًا، وأنت تجد لها في الخير محملاً.

стр. 637

وقال أبو بكر الكتاني: يحبني رجل وكان على قلبي ثقيلاً، فوهبت له شيئًا بنية أن يزول ثقله من قلبي فلم يزل، فلخوت به يومًا وقلت له: ضع رجلك على خدي فأبى، فقلت له: لابد من ذلك، ففعل ذلك فزال ما كنت أجد في باطني. وعن أبي قلابة قال: إذا بلغك عن أخيك شيء تكرهه فالتمس له العذر جهدك، فإن لم تجد له عُذرًا فقل في نفسك: لعل لأخي عذرًا لا أعلمه. وقال الربيع بن سليمان: دخلت على الشافعي وهو مريض، فقلت له: قوى الله ضعفك، فقال: لو قوى ضعفي قتلني، فقلت: والثه ما أردت إلا الخير، قال: أعلم أنك لو شتمتني لم تُرد إلا الخير. وقال أبو معاوية السود: إخواني كلهم خير مني. قيل: وكيف ذلك؟ قال: كلهم يرى لي الفضل عليه، ومن فضلني على نفسه فهو خير مني، ومهما رأى الفضل لنفسه فقد احتقر أخاه، وهذا في عموم المسلمين مذموم. هل تحسن الظن بأخيك؟ ١٣ - النصيحة روى أحد التابعين: سمعني شريح القاضي وأنا أشتكي بعض ما غمني لصديق، فأخذني من يدي وانتحى بي جانبًا، وقال: يا ابن أخي، إياك والشكوى لغير الله ، فإن من تشكو إليه لا يخلو أن يكون صديقًا فتحزنه، وإما عدوًا فيشمت بك، ثم قال: انظر إلى عيني هذه -أشار إلى إحدى عينيه-، فوالله ما أبصرت بها شخصًا ولا طريقًا منذ خمس عشرة سنة، ولكني ما أخبرت أحدًا إلا أنت في هذه الساعة، أما سمعت قول العبد الصالح: ﴿إنًّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٦]، فاجعل الله مشكاك ومحزنك عند كل نائبة تنوبك، فإنه أكرم مسئول وأقرب مدعو. وقد رأى ذات يوم رجلاً يسأل آخر شيئًا فقال له: يابن أخي من سأل إنسانًا حاجة فقد عرض نفسه على الرق، فإن قضاها له المسئول فقد استعبده بها، وإن

стр. 638

رده عنها رجع كلاهما ذليلاً (١). احرص على تقديم النصيحة لإخوانك سرًا وبرفق. نصح واثلة كان واثلة بن الأسقع واقفًا في سوق، فباع رجل ناقة له بثلاثمائة درهم، فغفل واثلة، وقد ذهب الرجل بالناقة فسعى وراءه وجعل يصيح به: يا هذا اشتريتها للحم أو للظهر؟ فقال: بل للظهر، فقال واثلة: إن بخفها نقبًا -يعني جرحًا- قد رأيته، وإنها لا تتابع السير، فعاد الرجل فردها، فنقصها البائع مائة درهم، وقال لواثلة: أفسدت عليَّ بيعي رحمك الله، فقال واثلة: إنا بايعنا رسول الله على النصح لكل مسلم (٢). وقالت أم الدرداء ﵂: من وعظ أخاه سرًا فقد زانه، ومن وعظه علانية فقد شانه. وقال سفيان: قلت لمسعر بن كدام: تحب أن يخبرك رجل بعيوبك؟ قال: أما أن يجيء إنسان فيوبخني بها فلا، وإما أن يجيء ناصحًا فنعم. ويقول أحد السلف: أخوك من عرفك العيوب، وصديقك من حذرك من الذنوب. ١٥ - قبول الدعوة زار الإمام الشهيد البنا إحدى قرى الصعيد، وأقام الإخوان احتفالاً كبيرًا في هذا اليوم، وبعد انتهاء الحفل ألح أحد الفلاحين على الإمام الشهيد أن يزوره في بيته، وكان عدد الإخوان كثيرًا، وكان هناك مواعيد ولقاءات، فقبل الإمام الشهيد أمام الإصرار الشديد على الزيارة، بشرط أن يكون وحده، وألا تتجاوز الزيارة فنجان شاي، وتوجها إلى البيت، وكانت الفرحة، وطلب الرجل من زوجته إعداد فنجان شاي بسرعة، وسُر الرجل، وجعل الإمام الشهيد يشرب الشاي، وكلما أخذ رشفة تبسم وآنس الرجل، ثم

стр. 639

عاد إلى إخوانه المنتظرين وودعه الرجل بكل حفاوة، ثم رجع إلى بيته مسرعًا، وتناول فنجان الشاي، ليحظى بسؤره وما تبقى منه، فلم يجد سوى الأثر، ولكنه وجد عجبًا، فوجيء بأن الشاي قد أضيف إليه الملح بدل السكر (١). ١٦ - مراعاة الذوقيات يقول الأستاذ عمر التلمساني: كان الإمام الشهيد البنا يتحسس في رقة ودقة كل ما يرضى الإخوان في الحدود المشروعة، في ذات يوم زاره الأخ الشاعر عمر الأميري أحد قادة الإخوان في سوريا؛ ليستأذنه في الذهاب إلى الإسكندرية مع والده في القطار الذي يغادر القاهرة غدًا في السابعة صباحًا، وذهب عمر الأميري مع والده وقبل أن يتحرك القطار بدقيقة أو دقيقتين، إذ بعمر يرى الإمام الشهيد وهو يسرع الخطى على رصيف القطار، يحمل باقة من الورود الناضرة، يقدمها تحية لوالد عمر الأميري، وكان لهذا الموقف تأثير عميق في نفس الأميري الشاعر الكبير (٢). هل تحرص على تقديم الهدية لإخوانك؟ ويقول الندوي: حدثني بعض الثقات المعمرين الذين أدركوا عهد الأشراف في الحجاز، أن تجار مكة كانوا في ذلك العهد على جانب عظيم من المواساة لزملائهم، والنظر في مصالحهم، والإخلاص والإيثار لهم، قال: كان بعض التجار إذا أتاه زبون في آخر النهار وقد باع ما يكفيه لقوت يومه وما حدده من الربح والوارد، ولم يكن زميله الجار سعيد الحظ في ذلك اليوم، قال له في لطف وهدوء: دونك هذا الدكان الذي هو بجواري! تجد عنده ما تجده عندي، وقد لاحظت قلة الزبائن عنده هذا اليوم، فهو أحق أن تشتري منه. ويتحدث الأستاذ محمد أسد النمساوي عن مدينة إسلامية عربية كبيرة (دمشق) فيذكر انطباعاته كما يلي: وقفت على ذلك الاستقرار الروحي في حياة سكانها، إن أمنهم الباطني كان يمكن أن

стр. 640

يُرى في الطريقة التي كان أصحاب الدكاكين يعامل بها بعضهم بعضًا، أولئك التجار في الحوانيت الصغيرة، أولئك الذين لا ينادون على المارة، أولئك كانوا يبدون وكأنما ليس فيهم أيما قدر من الخوف، والحسد، حتى إن صاحب دكان منهم ليترك دكانه في عهدة جاره ومزاحمه، كلما دعته حاجة إلى التغيب بعض الوقت، وما أكثر ما رأيت زبونًا يقف أمام دكان غاب عنه صاحبه يتساءل فيما بينه وبين نفسه، ما إذا كان ينتظر عودة البائع، أم ينتقل إلى الدكان المجاور، فيتقدم التاجر المجاور دائمًا -للتاجر المزاحم- ويسأل الزبون عن حاجته ويبيعه ما يطلب من البضاعة -لا بضاعته هو- بل بضاعة جاره الغائب، ويترك له الثمن على مقعده. هل في أوروبا يستطيع المرء أن يشاهد مثل هذه الصفقة (١). نقاتل أعداءنا بالحب روى أنه بعد الاتفاق على صلح الحديبية وقبل أن يدون في عقد، تمكن الصحابي الشاب أبو جندل بن سهيل بن عمرو من الفرار من سجن أبيه وقومه، حتى لحق بالمسلمين في الحديبية، ففرح به المسلمون وتلقوه وآووه، فأمسك به أبوه سهيل بن عمرو وهو المفاوض باسم قريش في هذا الصلح، وأخذ بتلابيبه وجعل يضرب وجهه بغصن شوك ويجره إليه، فصاح أبو جندل: يا معشر المسلمين أأرد إلى المشركين يفتنونني عن ديني؟ فزاد ذلك المسلمين شرًا وحزنًا، وجعلوا يبكون لكلام أبى جندل، وهنا قال رجل من الكفار واسمه حويطب بن عبد العزى لرجل آخر اسمه مُكرز بن حفص: ما رأيت قومًا قط أشد حبًا لمن دخل معهم من أصحاب محمد لحمد، وبعضهم بعضًا، أما إني أقول: لا نأخذ من محمد نصفنا بعد هذا اليوم حتى يدخلها عنوة (أي لن تنال منه شيئًا حتى يدخل مكة بالقوة) فقال مكرز: وأنا أرى ذلك. والشاهد أن مشاعر الحب والأخوة بين المسلمين في هذا الموقف هي التي جعلت اثنين من الكفار يقرران نهاية الصراع لصالح المسلمين (٢).

стр. 641

يقول البنا: الأخوة الإسلامية جعلت كل مسلم يعتقد أن كل شبر من الأرض، فيه أخ يدين بدين القرآن الكريم، قطعة من الأرض الإسلامية العامة التي يفرض الإسلام على كل أبنائه أن يعملوا لحمايتها وإسعادها، فكان من ذلك أن اتسع أفق الوطن الإسلامي، وسما عن حدود الوطنية الجغرافية والوطنية الدموية إلى وطنية المباديء السامية، والعقائد الخالصة الصحيحة، والحقائق التي جعلها الله للعالم هدى ونورًا، والإسلام حين يشعر أبناؤه بهذا المعنى، ويقرره في نفوسهم يفرض عليهم فريضة لازمة لحماية أرض الإسلام من عدوان المعتدين، وتخليصها من غصب الغاصبين، وتحصينها من مطامع المعتدين (١). ...

стр. 642

الثقة الثقة من الإيمان بمنزلة الروح من الجسد، وبه تفاضل العارفون، وفيه تنافس المتنافسون، وإليه شمر العاملون، قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ٢٤]. أنواع الثقة: ١ - الثقة في كلام الله قال تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٧] فألقت أم موسى ابنها في اليم وهو عين الثقة بالله تعالى، إذ لولا كمال ثقتها بربها لما ألقت بولدها وفلذة كبدها في تيار الماء تتلاعب به أمواجه وجريانه إلى حيث ينتهي أو يقف. إن المسلم يوقن بأن الله لن يتركه ولن يضيعه إذا ما تخلي الجميع عنه، فثقته ويقينه بما عند الله أكبر من يقينه بما في يده، لذلك تراه دائمًا هاديء البال، ساكن النفس، إذا ما ادلهمت عليه الخطوب وازدادت الغيوم، فهو يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه. وعندما فر سيدنا موسى بمن معه من فرعون فأتبعهم فرعون فأصبح البحر أمامه وفرعون خلفه، فقال له بنو إسرائيل: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١)﴾ [الشعراء: ٦١] ولكنه بيقين قال ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٦٢]. وفي الهجرة عندما اقترب المشركون من غار ثور قال أبو بكر: قلت للنبي ﷺ وأنا في الغار: لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا، فقال الرسول ﷺ :"ما ظنك يا أبا بكر باثنين الله ثالثهما" [رواه البخاري]، ونزل قوله تعالى: ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٩) إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَة

стр. 643

اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٠)﴾ [التوبة: ٣٩ - ٤٠]. لقد كان الرسول ﷺ على يقين بأن الله سينجيه من الكفار، فاستشعر معية الله . عن نيار بن مكرم الأسلمي قال: لما نزلت: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٥)﴾ [الروم: ١ - ٥]، وكانت قريش تحب ظهور فارس لأنهم وإياهم ليسوا بأهل كتاب ولا إيمان ببعث، فلما أنزل الله تعالى هذه الآية خرج أبو بكر الصديق يصيح في نواحي مكة ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ [الروم: ١ - ٤]. فقال ناس من قريش لأبي بكر: فذلك بيننا وبينكم، زعم صاحبك أن الروم ستغلب فارس في بضع سنين، أفلا نراهنك على ذلك؟ -وذلك قبل تحريم الرهان- فارتهن أبو بكر والمشركون وتواضعوا الرهان، قالوا لأبي بكر: كم تجعل البضع ثلاث سنين إلى تسع سنين؟ اقسم بيننا وبينك وسطًا ننتهي إليه، قالوا: فسموا بينهم ست سنين، قال: فمضت ست سنين قبل أن يظهروا، فأخذ المشركون رهن أبي بكر، فلما دخلت السنة السابعة ظهرت الروم على فارس، قال: فعاب المسلمون على أبي بكر تسميته ست سنين لأن الله قال: في بضع سنين ولم يقل في ست سنين، فأسلم عند ذلك ناس كثير [رواه الترمذي]. كان أبو بكر على يقين بما قاله الله ﵎، فتواعد مع الكفار على موعد محدد. الله قال هذا؟! عن أبي عبد الله مردنيش المغربي أنه أغار يومًا فغنم غنائم كثيرة، واجتمع عليه من الروم كثر من ألف فارس، فقال لأصحابه وكانوا ثلاثمائة فارس: ما ترون؟ فقالوا: نشغلهم بترك الغنائم، قال: ألم يقل الله ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال: ٦٥]، فقال أصحابه: يا رئيس، الله قال هذا؟ فقال: الله يقول هذا وتقعدون عن لقائهم؟! قال: فثبتوا فهزموا الروم.

стр. 644

المسلمون تذكروا الآية الكريمة، فَعَلَتْ همتهم وزاد يقينهم بأن النصر حليفهم، فقاتلوا بكل شجاعة وبسالة. ٢ - الثقة بالثواب قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (١٢٠) وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢١)﴾ [التوبة: ١٢٠ - ١٢١]. عن عمرة بن سمرة بن حبيب بن عبد شمس جاء إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إني سرقت جملاً لبني فلان فطهرني! فأرسل إليهم النبي ﷺ فقالوا: إنا افتقدنا جملاً لنا، فأمر به، قال ثعلبة: لأنا أنظر إليه حين قطعت يده وهو يقول: الحمد لله الذي طهرني منك، أردت أن تدخلي جسدي النار [رواه ابن ماجه]. إنه على يقين بأن الله غفر له وأجزل له الثواب، فالمسلم الذي يبذل مجهودًا لنشر دين لا بد أن يكون علي يقين بالثواب الجزيل من الله طالما أنه أخلص نيته. ٣ - الثقة في كلام الرسول ﷺ قال الكفار لأبي بكر ﵁: هل لك في صاحبك، يزعم أنه أسري به الليلة إلى بيت المقدس؟! فقال: أو قال ذلك؟ قالوا: نعم، قال: إن قال ذلك فقد صدق، فقالوا: قد صدقته أنه ذهب الليلة إلى بيت المقدس وجاء قبل أن يصبح؟! قال: نعم إني لأصدقه مما هو أبعد من ذلك، أصدقه في خبر السماء غدوه ورواحه. لم يسبقنا أبو بكر بصلاة ولا صيام، وإنما سبقنا بشيء وقر في صدره .. هذا الشيء اسمه اليقين. اسقه عسلاً عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رجلاً أتي النبي ﷺ فقال: أخي يشتكي بطنه، فقال: "سقه عسلاً"، ثم أتي الثانية فقال: "سقه عسلاً"، ثم أتي الثالثة، فقال: "سقه عسلاً"، ثم أتاه فقال: قد فعلت، فقال: "صدق الله وكذب بطن أخيك .. اسقه عسلاً"، فسقاه، فبرأ [رواه البخاري].

стр. 645

العسل شفاء من كل داء، ونحن علي يقين بما أخبر الرسول ﷺ عن رب العالمين، فاحرص على تناوله وأنت على يقين بالشفاء من مرضك إن شاء الله. شهادة رجل بشهادتين النبي ﷺ ابتاع فرسًا من أعرابي واستتبعه ليقبض ثمن فرسه، فأسرع النبي ﷺ وأبطأ الأعرابي، وطفق الرجال يتعرضون للأعرابي فيسومونه بالفرس (أي يزيدون في ثمن الفرس بعد استقرار البيع) وهم لا يشعرون أن النبي ﷺ ابتاعه حتى زاد بعضهم في السوم على ما ابتاعه به منه، فنادي الأعرابي النبي ﷺ فقال: إن كنت مبتاعا هذا الفرس وإلا بعته، فقام النبي ﷺ حين سمع نداءه فقال: "أليس قد ابتعته منك"، قال: لا والله ما بعتكه، فقال النبي ﷺ : "قد ابتعته منك" فطفق الناس يلوذون بالنبي ﷺ والأعرابي وما يتراجعان، وطفق الأعرابي يقول: هلم شاهدًا يشهد أني قد بعتكه، قال خزيمة بن ثابت: أنا أشهد أنك قد بعته، قال: فأقبل النبي ﷺ على خزيمة فقال: "بم تشهد؟ " قال: بتصديقك يا رسول الله، قال: فجعل رسول الله ﷺ شهادة خزيمة بشهادة رجلين [النسائي]. هل أنت على يقين بكلام الرسول ﷺ بأن النصر لمن يتمسكون بالإسلام؟! وعن أم عمار قالت: اشتكى عمار ﵁ فقال: لا أموت في مرضي هذا، حدثني حبيبي رسول الله ﷺ أني لا أموت إلا قتيلاً بين فئتين مؤمنتين. وجاء معاوية إلى عمار يعوده، فلما خرج من عنده قال: اللهم لا تجعل منيته بأيدينا! فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "تقتل عمار الفئة الباغية" [رواه مسلم]. ولما حضر أبا ذر الموت بكت امرأته، فقال: لا تبكي، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول لنفر أنا منهم:" ليموتن منكم رجل بفلاة من الأرض تشهده عصابة من المؤمنين"، وليس من أولئك النفر رجل إلا قد مات في قرية وجماعة من المسلمين، وأنا الذي أموت بفلاة، فأبصري الطريق وأول ركب يمر بكم فقولي: هذا أبو ذر صاحب رسول الله ﷺ ، فأعينونا على دفنه، وأقبل عبد الله بن مسعود في رهط من أهل العراق. فقالوا له: هذا أبو ذر صاحب رسول الله ﷺ فأعينونا علي دفنه، فاستهل عبد الله يبكي، ويقول: صدق رسول الله ﷺ حين قال: "تمشى وحدك وتموت وحدك وتبعث وحدك" ودفنوه.

стр. 646

وسمع أنس بن مالك ﵁ بعض الممارين في الدين يتكلمون في الحوض، فقال لقد تركت عجائز خلفي ما تصلي واحدة منهن إلا سألت الله أن يسقيها من حوض النبي ﷺ . إنهم كانوا على يقين بوجود حوض النبي ﷺ ولقد دعا رسول الله ﷺ لأنس بن مالك أكثر من مرة وكان من دعائه له: "اللهم ارزقه مالاً وولدًا، وبارك له"، وقد استجاب الله سبحانه دعاء نبيه، فكان أنس أكثر الأنصار مالا، وأوفرهم ذرية، حتى إنه رأي من أولاده وحفدته ما يزيد على المائة، وقد بارك الله له في عمره حتى عاش قرنًا كاملاً وفوقه ثلاث سنوات، وكان أنس شديد الرجاء لشفاعة النبي ﷺ له يوم القيامة، فكثيرًا ما كان يقول: إني لأرجو أن ألقي رسول الله ﷺ في يوم القيامة فأقول له: يا رسول الله، هذا خويدمك أنس. (١) لقد كان على يقين في البركة في رزقه وأولاده، لأن الرسول ﷺ دعا له بذلك. بشره بالجنة: عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: كنت مع النبي ﷺ في حائط (بستان) من حيطان المدينة، وجاء رجل فاستفتح، فقال النبي ﷺ : افتح له وبشره بالجنة، ففتحت له، فإذا أبو بكر، فبشرته بما قال النبي ﷺ ، فحمد الله، ثم جاء رجل فاستفتح، فقال النبي ﷺ : افتح له وبشره بالجنة، ففتحت له فإذا هو عمر، فأخبرته بما قال النبي ﷺ ، فحمد الله، ثم استفتح رجل، فقال لي ﷺ : افتح له وبشره بالجنة، على بلوي تصيبه، فإذا عثمان، فأخبرته بما قال رسول الله ﷺ ، فحمد الله ثم قال: الله المستعان [رواه البخاري]. وبالفعل كانت خلافة عثمان بن عفان ﵁ مليئة بالفتن، وقتل شهيدًا في نهاية حياته. ثقة عمر كان عمر بن الخطاب ﵁ يعلم من رسول الله ﷺ أنه سيُقتل، وسيلقي الله شهيدًا، قال أنس بن مالك ﵁: إن النبي ﷺ صعد أحد وأبو بكر وعمر وعثمان، فرجف بهم،

стр. 647

فقال: "اثبت أحد، فإنما عليك نبي، وصديق، وشهيدان" [رواه البخاري]. هل أنت على يقين بأن الله سيغفر للشهيد ذنوبه مع أول دفعة من دمه؟ فهل تتمني الشهادة وتعمل لها؟ ما احترق جاء رجل إلى أبي الدرداء ﵁ فقال: يا أبا الدرداء احترق بيتك. قال: ما احترق. ثم جاء آخر فقال: يا أبا الدرداء انبعثت النار حتى انتهت إلي بيتك وطفئت. قال: قد علمت أن الله لم يكن ليفعل. قال: يا أبا الدرداء! ما ندري أي كلامك أعجب؟ قولك: ما احترق، أو قولك: قد علمت أن الله لم يكن ليفعل ذلك. قال: ذاك كلمات سمعتها من رسول الله ﷺ من قالهن حين يصبح لم تصبه مصيبة حتى يمسي: "اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، عليك توكلت وأنت رب العرش الكريم، ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم، أعلم أن الله على كل شيء قدير، وأن الله قد أحاط بكل شيء علمًا، اللهم إني أعوذ بك من شر نفسي، ومن شر كل دابة أنت آخذ بناصيتها، إن ربي على صراط مستقيم" [البيهقي]. حافظ أخي على هذا الدعاء، وكن على ثقة ويقين بما قاله الرسول ﷺ . إنه سيعود عن أبي هريرة ﵁ قال: وكلني رسول الله ﷺ بحفظ زكاة رمضان، فأتاني آت فجعل يحثو من الطعام، فأخذته وقلت: والله لأرفعنك إلي رسول الله ﷺ ، قال: إني محتاج، وعلى عيال، ولي حاجة شديدة، قال: فخليت عنه فأصبحت، فقال رسول الله ﷺ : " يا أبا هريرة ما فعل أسيرك البارحة؟ " فقلت: يا رسول الله شكا حاجة شديدة وعيالاً فرحمته فخليت سبيله، قال "أما إنه قد كذبك وسيعود"، فعرفت أنه سيعود لقول رسول الله ﷺ فرصدته، فجاء يحثو من الطعام فأخذته فقلت: لأرفعنك إلي رسول الله ﷺ ، قال: دعني

стр. 648

فإني محتاج، وعلي عيال، لا أعود، فرحمته فخليت سبيله، فأصبحت، فقال لي رسول الله ﷺ "يا أبا هريرة ما فعل أسيرك البارحة؟ " قلت: يا رسول الله شكا حاجة وعيالاً فرحمته وخليت سبيله، قال: "أما إنه كذبك وسيعود"، فرصدته الثالثة. فجاء يحثو من الطعام فأخذته فقلت: لأرفعنك إلي رسول الله ﷺ وهذا آخر ثلاث مرات إنك تزعم أنك لا تعود ثم تعود! فقال: دعني فإني أعلمك كلمات ينفعك الله بها، قلت: ما هو؟ قال: إذا أويت إلي فراشك فاقرأ آية الكرسي: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] حتى تختم الآية، فإنها لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربنك شيطان حتى تصبح، فخليت سبيله فأصبحت، فقال لي رسول الله ﷺ "ما فعل أسيرك البارحة؟ " قلت: يا رسول الله زعم أنه يعلمني كلمات ينفعني الله بها فخليت سبيله، قال: "ما هي؟ " فقلت: قال لي: إذا أويت إلي فراشك فاقرأ آية الكرسي من أولها حتى تختم الآية: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] وقال لي: لا يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان، حتى تصبح. فقال النبي ﷺ "أما إنه قد صدقك وهو كذوب، تعلم من تخاطب منذ ثلاث ليال يا أبا هريرة؟ " قلت لا، قال: "ذاك شيطان" [رواه البخاري]. صدقت نبوءة الرسول ﷺ في أنه سيعود؛ ولذلك تربص به أبو هريرة، فاعلم بأن الشيطان سيعود إليك دائمًا ويوسوس لك، لتفعل المعاصي فهل تتربص به، وتنتبه لوساوسه؟ ٤ - الثقة في القيادة رأينا أعداء الإسلام يستخدمون سلاح التشكيك في القيادة في كل وقت، كما حدث بعد أن أمر الرسول بإحراق نخل يهود بني النضير، فقالوا: يا محمد، قد كنت تنهي عن الفساد وقطع الشجر، فما بالك تفعله؟ فحاك ذلك في صدور بعض المسلمين فأنزل الله: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [الحشر: ٥] (١). وكان صلح الحديبية ٦ هـ على خلاف أكثر الآراء والأهواء والرغبات، ولكن القيادة ذات الرؤية (الأبعد والأثقب) رأت إنفاذه، فكان من الجنود السمع والطاعة والالتزام

стр. 649

والانضباط، وإن كانت هناك (تساؤلات) أو (ضيق قلبي) فلا بأس بشرط ألا يكون لهما آثار بعد (القرار). وهذه الثقة في القيادة هي التي عصمت -بفضل الله- حذيفة بن اليمان في غزوة الأحزاب من خطأ (الاجتهاد الفردي)، حيث أمره الرسول بعبور الخندق واستطلاع أخبار الأحزاب وقال: "لا تحدث شيئًا"، وفي رواية "لا تذعرهم علينا"، أي لا تهيجهم ولا تثرهم، وهناك رأي أبا سفيان -قائد جيش الكفار في هذا الوقت- يكشف ظهره ويستدفيء بالنار، فهم أن يرميه بسهم، ولكنه تذكر أمر الرسول فأعاد السهم موضعه. وما أعظمه من درس! فالمسلمون في ساعة حرب، وأبو سفيان (محارب)، بل قائد المحاربين، ويستحق وقتها القتل، وهو صيد سمين سيؤثر في نفوس جيشه لو قتل .. إلخ، ولكن (المصلحة العليا) والقيادة قررت غير ذلك! (١) ٥ - الثقة في الجنود أرسل عمر بن الخطاب إلي عمرو بن العاص مددًا فيه أربعة رجال وقال له: أرسلت إليك أربعة رجال الواحد فيهم بألف. وكان خالد بن الوليد يقول لقادة الروم والفرس: "جئتكم بقوم يحبون الموت كما تحبون الحياة". ولما استعصي فتح الحديقة على المسلمين في معركة اليمامة ضد مسليمة الكذاب قال خالد للبراء بن مالك: إليهم يا فتى الأنصار، فكان على يديه بإذن الله. (٢) ٦ - الثقة في الأخوة فزع أهل الأندلس من حملات النصارى عليهم والتهامهم بلدًا بعد الآخر، فذهب الفقهاء والعلماء والأعيان إلي المعتمد بن عباد ليري لهم حلاً فعقد مجلسًا للشوري، فاقترح بعضهم الاستعانة بيوسف بن تاشفين زعيم (المرابطين) في المغرب، فاعترض بعض الحاضرين، ومنهم الرشيد بن المعتمد الذي قال لأبيه: يا أبت أتستبدل عدواً بعدو؟!

стр. 650

فقال المعتمد كلمته الرائعة المتجردة لله: والله، يا بني لا ينقص الإسلام وأنا حي؛ فألعن على مقابر المسلمين، ولأنْ أكون راعي إبل في أفريقية خير من أن أكون راعي خنازير في الأندلس (أي لو ضاع ملكي على يد يوسف وأخذني أسيرًا أرعي عنده الإبل خيرًا من ضياعه على يد الصليبيين) ثم أجمعوا رأيهم على الاستفادة بالأخوة الإسلامية، فعبر المغاربة البحر وكونوا مع الأندلسيين جيشًا عظيمًا تحت راية الإسلام، فحققوا نصرًا مبينًا في معركة الزلاقة (٩٧٤ هـ) حتى لقد جمعوا جماجم القتلي وصعدوا عليها وأذنوا للصلاة، وبعدها رجع يوسف بن تاشفين بجيشه إلى المغرب، وما أخذوا حتى الغنائم! (١). هل أنت على ثقة بإخوانك في الإسلام؟ ٧ - الثقة في نصر الله عن عدي بن حاتم ﵁ يقول: دخلت على رسول الله ﷺ فقال: "يا عدي بن حاتم أسلم تسلم ثلاث" قال: فقلت: إني على دين، فقال: "أنا أعلم بدينك منك"، وقال: "إني أعلم ما الذي يمنعك من الإسلام، تقول: إنما تبعته ضعفه الناس ومن لا قوة له، وقد رمتهم العرب، أتعرف الحيرة؟ قلت: لم أرها وقد سمعت بها، فوالذي نفسي بيده ليتمن الله هذا الأمر حتى تخرج الظعينة (المرأة في السفر) من الحرة تطوف بالبيت في غير جوار أحد، وليفتحن كنوز كسري بن هرمز"، قال: قلت: كسري بن هرمز؟ قال: "نعم، كسري بن هرمز وليبذلن المال حتى لا يقبله أحد"، قال عدي بن حاتم: فهذه الظعينة تخرج من الحيرة تطوف في غير جوار أحد، ولقد كنت فيمن فتح كنوز كسري بن هرمز، والذي نفسي بيده لتكونن الثالثة لأن رسول الله ﷺ قد قالها [رواه أحد]. إنه يقين بما أخبر به الرسول ﷺ . والرسول ﷺ أخبرنا بأن الإسلام سينتصر مهما فعل أعداء الإسلام، فلا يجوز أن يصاب المسلم بالهزيمة النفسية، ويقعد عن نصرة دين الله، فكن على يقين كامل بأن الله سينصر دينه، ولكن عليك بالأخذ بكل الأسباب الممكنة. لا تتعجل النصر وجاء خباب بن الأرت ﵁ إلى النبي ﷺ وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة، فقال

стр. 651

له: ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو لنا؟ فقال ﷺ : "كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها، فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه، فما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمن هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضر موت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون" [رواه البخاري]. وسأل رجل الشافعي فقال: يا أبا عبد الله، أيهما أفضل للرجل أن يمكن أو يبتلى؟ فقال الشافعي: لا يمكن حتى يبتلى، فمن الأخطاء الشائعة أن نظن أن النصر يأتي بدون ابتلاء. فالنصر قادم لا محالة، ولكن الله قد حدد له موعدًا لا يتقدم عنه ولا يتأخر، والمهم، أين المسلمون الذين سيستقبلون هذا النصر، ويحافظون عليه؟! وسئل عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أي المدينتين تفتح أولا: القسطنطينية أو رومية؟ فدعا عبد الله بصندوق له حِلَق، قال: فأخرج منه كتابًا، قال: فقال عبد الله: بينما نحن حول رسول الله نكتب، إذ سُئل رسول الله أي المدينتيين تفتح أولاً: قسطنطينية أو رومية؟ فقال: مدينة هرقل أولاً يعني قسطنطينية [رواه أحمد]. ورومية هي روما عاصمة إيطاليا الآن والقسطنطينية هي استانبول، ويفهم من ال سؤال أن الصحابة قد علموا قبل ذلك أن الإسلام سيفتح المدينتين، ولكن يريدون أن يعرفوا: أي المدينتين تسبق الأخرى، فأجابهم أن مدينة هرقل -القسطنطينية- ستفتح أولاً. وقد تحقق ذلك علي يد الفاتح العثماني الطموح (محمد بن مراد) ابن الثالثة والعشرين، الذي عرف في التاريخ باسم (محمد الفاتح)، وفتحت مدينة هرقل في القرن التاسع الهجري، الخامس عشر الميلادي بالتحديد عام ٨٥٧ هـ/ ١٤٥٣ م. سؤال تسمع من يقول: ماذا نفعل ونحن مجردون من الأسباب المادية؟! إنه تبرير الأذلاء وحجة الضعفاء، وكأن الأسباب المادية هي التي تأتي بالنصر. فماذا

стр. 652

كان يملك نوح ﵇ من الأسباب المادية عندما وقف أمام قومه وقال لهم: ﴿إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ﴾ [يونس: ٧١]. ونفس الموقف يتكرر مع هود ﵇ يقف وحده أمام قومه ويتحداهم قائلاً: ﴿مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ﴾ [هود: ٥٥] فإني لا أخشاكم ولا أبالي بكم، فمعي قوة لا تقهر ومعي نصير لا يغلب: ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾ [هود: ٥٦] ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها، وأنتم أيها الغلاظ الشداد ما أنتم إلا دواب من تلك الدواب التي يأخذ ربي بناصيتها، فما خوفي إذًا منكم؟ إنها حقيقة الألوهية عندما تتجلي في قلوب الصفوة المؤمنين، عندها يهتف القلب على الفور: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [يوسف: ٦٧]. ***

стр. 653

الجدية والانضباط الجدية: هي إنفاذ التكاليف الشرعية والدعوية في وقتها، مع المثابرة وتسخير الإمكانات المتاحة، والتغلب على الصعاب والعقبات، وقد حث الإسلام على الجدية والانضباط فقال تعالى: ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ [مريم: ١٢] وظهرت الجدية في حياة الرسول ﷺ من خلال ثباته على الحق وقال لعمه: "والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه" (١) وإليك مظاهر الجدية والانضباط: الجدية في طلب العلم: قال بعض الفقهاء: بقيت سنين أشتهي الهريسة لا أقدر، لأن وقت بيعها وقت سماع الدرس. وقال مسلم في صحيحه: قال يحيى بن أبي كثير: لا ينال العلم براحة الجسم، وقد قيل: من طلب الراحة ترك الراحة. ويقول عمر بن الخطاب ﵁: كنت أنا وجار لي من الأنصار وهو أوس بن خولى الأنصاري في بني أمية بن زيد، وهي من عوالي المدينة، وكنا نتناول النزول على رسول الله ﷺ ينزل يوما وأنزل يوما، فإذا نزلت جئته بخبر ذلك اليوم من الوحي وغيره، لماذا نزل فعل مثل ذلك. وحان الخليل بن أحمد الفراهيدي يقول: أثقل الساعات علي: ساعة آكل فيها. وكان عثمان الباقلاوي دائم الذكر لله تعالى، فقال: إني وقت الإفطار أحس بروحي كأنها تخرج! لأجل اشتغالي بالأكل عن الذكر. وقال عمار بن رجاء: سمعت عبيد بن يعيش يقول: أقمت ثلاثين سنة ما أكلت بيدي بالليل، كانت أختي تلقمني وأنا أكتب الحديث.

стр. 654

وكان داود الطائي يستف الفتيت، ويقول: بين سف الفتيت وأكل الخبز قراءة خمسين آية. ويخرج من نفس المشكاة قول الإمام الجليل ابن عقيل: "وأنا أقصر بغاية جهدي أوقات كلي، حتى أختار سف الكعك وتحسيه بالماء على الخبز، لأجل ما بينهما من تفاوت المضغ، توفر على مطالعة، أو تسطير فائدة لم أدركها. بل إن أحدهم ليحزن ويصيبه المرض إذا فاته شيء من العلم، فقد ذكروا لشعبة حديثا لم يسمعه، فجعل يقول: واحزناه! وكان يقول: إني لأذكر الحديث فيفوتني، فأمرض. عن عبد الرحمن بن تيمية قال عن أبيه: كان الجد إذا دخل الخلاء يقول لي: اقرأ في هذا الكتاب، وارفع صوتك حتى أسمع (١). هل تلزم نفسك بالقراءة اليومية في العلوم الشرعية وفي مجال تخصصك؟ الجدية في تحمل المسئولية كان عمر بن الخطاب ﵁ يأتي إلى مجزرة الزبير بن العوام -وكانت الوحيدة بالمدينة- ومعه الدرة، فإذا رأى رجلا اشترى لحما يومين متتابعين ضربه بالدرة، وقال له: ألا طويت بطنك لجارك وابن عمك؟! ورأى عمر سائلا يسأل، وعلى ظهره جراب مملوء طعاما، فأخذ الطعام ونثره لإبل الصدقة، ثم قال له: الآن سل ما بدا لك. واهتم الخليفة عمر بصحة الرعية، فكان يحذرهم من مغبة السمنة ومخاطرها، ويدعوهم إلى تخفيف أوزانهم لما فيه من القوة على العمل، والقدرة على أداء الواجبات، فكان يقول: أيها الناس، إياكم والبطنة عن الطعام، فإنها مكسلة عن الصلاة، مفسدة للجسم، مورثة للسقم، وإن الله يبغض الحبر السمين، ولكن عليكم بالقصد في قوتكم فإنه أدنى من الصلاح وأبعد من السرف، وأقوى على عبادة الله، ولن يهلك عبد

стр. 655

حتى يؤثر شهوته على دينه. ويذكر ابن الجوزي: أن عمر رأى رجلا عظيم البطن فقال: ما هذه؟ قال: بركة من الله، فقال: بل عذاب من الله (١). تنفيذ الأوامر استدعى أبو موسى الأشعري مجزأة بن ثور السدوسي ﵄ فقال له: أعني برجل من قومك له عقل وحزم، وقدرة على السباحة، فقال مجزأة: اجعلني ذلك الرجل أيها الأمير، فطلب منه أبو موسى الذهاب مع دليل فارسي لمعرفة منفذ لفتح تستر، ثم أوصاه أن يحفظ الطريق، وأن يعرف وضع الباب، وأن يحدد مكان الهرمزان، وأن يتثبت من شخصه، وألا يحدث أمرا غير ذلك. مضى مجزأة بن ثور تحت جنح الظلام مع الدليل الفارسي، فأدخله في نفق تحت الأرض يصل بين النهر والمدينة، فكان النفق يتسع تارة حتى يتمكن من الخوض في مائه وهو ماش على قدميه، ويضيق تارة أخرى حتى يحمله على السباحة حملا، وكان يتشعب ويتعرج مرة، ويستقيم مرة أخرى، وهكذا حتى بلغ به المنفذ الذي ينفذ منه إلى المدينة، وأراه الهرمزان قاتل أخيه، والمكان الذي يتحصن فيه، فلما رأى الهرمزان هم بأن يرديه بسهم في نحره، لكنه ما لبث أن تذكر وصية أبي موسى له بألا يحدث أمرا، فكبح جماح هذه الرغبة في نفسه، وعاد من حيث جاء قبل بزوغ الفجر. أعد أبو موسى ثلاثمائة من أشجع جند المسلمين قلبا، وأشدهم جلدا وصبرا، وأقدرهم على العوم، وأمر عليهم مجزأة بن ثور وودعهم وأوصاهم وجعل التكبير علامة على دعوة جند المسلمين لاقتحام المدينة، أمر مجزأة رجاله أن يتخففوا من ملابسهم ما استطاعوا حتى لا تحمل من الماء ما يثقلهم، وحذرهم من أن يأخذوا معهم غير سيوفهم، وأوصاهم أن يشدوها على أجسادهم تحت الثياب، ومضى بهم في الثلث الأول من الليل .. ظل مجزأة بن ثور وجنده البواسل نحوا من ساعتين يصارعون عقبات هذا النفق الخطير، فيصرعونها تارة وتصرعهم تارة أخرى، ولما بلغوا المنفذ المؤدي إلى المدينة وجد مجزأة أن النفق قد ابتلع مائتين وعشرين رجلا من رجاله وأبقى له ثمانين، وما إن وطئت أقدام مجزأة وصحبه أرض المدينة حتى جردوا سيوفهم، وانقضوا على حماة الحصن،

стр. 656

فأغمدوها في صدورهم، ثم وثبوا إلى الأبواب وفتحوها وهم يكبرون، واستشهد مجزأة وأسر الهرمزان (١). طاعة بعد الموت مر عمر بن الخطاب ﵁ بامرأة مجذومة وهي تطوف بالبيت فقال لها: يا أمة الله لو قعدت في بيتك لا تؤذين الناس، فقعدت فمر بها رجل -بعد ذلك بزمن- فقال: إن الذى نهاك قد مات فاخرجي، فقالت: والله ما كنت لأطيعه حيا وأعصيه ميتا. العزيمة لما لحق رسول الله ﷺ بالرفيق الأعلى، وآلت الخلافة إلى أبي بكر ﵁ وارتدت بنو حنيفة أصحاب مسيلمة الكذاب مع المرتدين، جهز خليفة رسول الله ﷺ جيشا لحرب مسيلمة، وإعادة قومه بني حنيفة إلى دين الله، فقال وحشي بن حرب في نفسه: هذه والله، فرصتك يا وحشي فاغتنمها، ولا تدعها تفلت من يديك. يقول: ثم خرجت مع جيوش المسلمين، وأخذت معي حربتي التي قتلت بها حمزة بن عبد المطلب، وآليت على نفسي أن أقتل بها مسيلمة أو أظفر بالشهادة، فلما اقتحم المسلمون على مسيلمة وجيشه حديقة الموت، والتحموا باعداء الله، جعلت أترصد مسيلمة فرأيته قائما والسيف في يده، ورأيت رجلا من الأنصار يتربص به مثلما أتربص به كلانا يريد قتله، فلما وقف منه موقفا أرضاه، هززت حربتي حتى إذا استقامت في يدي دفعت بها نحوه فوقعت فيه (٢). فورية التنفيذ أعد أبو موسى الأشعري ﵁ جيشا لفتح مناذر من أرض الأهواز بناء على أمر الخليفة، وجعل في الجيش الربيع بن زياد وأخاه المهاجر. ولما رأى المهاجر أخو الربيع بن زياد أن القتل قد كثر في صفوف المسلمين عزم على أن يشري (يبيع) نفسه ابتغاء مرضاة الله، فتحنط وتكفن وأوصى أخاه، فمضى

стр. 657

الربيع إلى أبي موسى وقال: إن المهاجر قد أزمع أن يشري نفسه وهو صائم، والمسلمون قد اجتمع عليهم من وطأة الحرب، وشدة الصوم ما أوهن عزائمهم، وهم يأبون الإفطار، فافعل ما ترى، فوقف أبو موسى الأشعري، ونادى في الجيش: يا معشر المسلمين، عزمت على كل صائم أن يفطر، أو يكف عن القتال، وشرب من إبريق كان معه ليشرب الناس بشربه، فلما سمع المهاجر مقالته جرع جرعة من الماء وقال: والله ما شربتها من عطش ولكنني أبررت عزمة أميري (أمضيت قسم أميري) ثم امتشق حسامه وطفق يشق به الصفوف، فلما أوغل في جيش الأعداء أطبقوا عليه من كل جانب، وتعاورته (تداولته) سيوفهم حتى خر صريعا، ثم إنهم اجتزوا رأسه ونصبوه على شرفة مطلة على ساحة القتال، فنظر إليه الربيع وقال: طوبى لك، وحسن مآب! والله لأنتقمن لك ولقتلى المسلمين إن شاء الله، فلما رأى أبو موسى ما نزل بالربيع من الجزع على أخيه، وأدرك ما ثار من الحفيظة في صدره على أعداء الله، تخلى له عن قيادة الجيش، ومضى إلى السوس يفتحها (١). إذن ننشيء له مدرسة في مغاغة مدرسة خاصة تملكها جمعية قبطية، وكان ناظر المدرسة من الإخوان، وقد خدم في هذه المدرسة ثمانية عشر عاما، ولكن الإدارة بيتت أمرا خبيثا، فقد فاجأته بالاستغناء عنه قبل انتهاء الإجازة الصيفية بقليل، وقد استوفت كل المدارس حاجتها من المدرسين والنظار، فوصل الخبر للإمام الشهيد، فقال لإخوان مغاغة وهو يبتسم بثقة وطمأنينة: لا بأس إذن ننشيء له مدرسة يكون هو ناظرها وصاحبها. فتعجب الناس؟ إذ لم يبق على بدء الدراسة إلا أقل من شهر ولا يوجد رأس مال، فوضع الإمام الشهيد خطة، وأصدر الأوامر، ووزع الأعمال، وتحقق الأمل، وأنشئت المدرسة بفضل الله وعونه (٢). تسخير الإمكانات شهد اليرموك ألف من صحابة رسول الله ﷺ من بينهم نحو من مائة شهدوا بدرا، وكان معاذ بن جبل يصحبه ابنه عبد الرحمن، وقبل أن يحتدم القتال كان معاذ بن جبل يطوف بين صفوف المسلمين يحرضهم على القتال، ويذكرهم بأيام الله، ويمنيهم بالجنة

стр. 658

ونعيمها، وكان أحد قادة الروم يرقب معاذا. فلما بدأ القوم ينادي بعضهم بعضا للنزال، خرج هذا الرومي، ينادي بالمسلمين: ليخرج إليَّ فارسكم ذاك وهو يوميء بسيفه إلى معاذ، ويتقدم معاذ بن جبل من قائده أبي عبيدة ليستأذنه بالخروج لمنازلة ذلك الرومي، فيقول له أبو عبيدة: يا معاذ، سألتك بحق رسول الله أن تلزم رايتك، فوالله إن لزومك الراية أحب إلي من قتلك لهذا العلج. وينزل معاذ عند رأي قائده، وينادي في الناس: يا معشر المسلمين، من أراد فرسا يقاتل عليه في سبيل الله فهذا فرسي، وهذا سلاحي فليأخذهما، وما كاد معاذ ينهي كلامه حتى كان عبد الرحمن يقف أمامه ويقول: يا أبتاه، إني خارج إلى هذا العلج، فإن صبرت فإن المنة لله، وإن قتلني، فالسلام عليك يا أبتاه، وإن كان لك إلى رسول الله حاجة فأوصني بها. هنالك أطرق معاذ، وبدأت تحتدم في نفسه معركة بين عاطفة الأبوة التي تغريه بمنع ولده من المخاطر، وعاطفة الإيمان التي تغريه بأن يخلي بين ولده وبين ما يريد من ابتغاء مرضاة الله. ثم لم يلبث أن يحسم الأمر، فيربت على كتف ولده وهو يقول: يا بني، دونك وما عزمت عليه، فإن رزقك الله الشهادة، ولحقت برسول الله فأقرئه مني السلام، وقل له: جزاك الله عن أمتك خيرا يا رسول الله. وينطلق عبد الرحمن بن معاذ بن جبل ﵄ نحو علج الروم، فيناوشه ويصاوله، ثم يضربه ضربة سيف كادت تجندله، لولا أن الرومي قفز بعيدا فاختل توازن عبد الرحمن، فعالجه الرومي بضربة من سيفه قطعت عمامته، وشجت رأسه، وظن الرومي أنه قتل عبد الرحمن، فتراجع عنه فانكفأ عبد الرحمن إلى المسلمين، فاستقبله أبوه معاذ بن جبل يقول له: ما بك يا بني؟ فيقول عبد الرحمن: قتلني العلج يا أبتاه، فيقول معاذ: وما الذي تريد من الدنيا يا بني، وليس بينك وبين الجنة إلا خطوات؟ عد إلى العلج فقاتله. ويتحامل عبد الرحمن على جرحه العميق وينطلق من جديد ليقاتل الرومي، لكن مشيئة الله تسبق به إلى الجنة قبل أن يصل إلى الرومي (١). هل تعمل على تسخير إمكاناتك لنصرة دين الله حتى ولو كانت التضحية بابنك؟

стр. 659

الالتزام بالعبادة ذهب الإمام الشهيد البنا إلى مؤتمر بالمنزلة - دقهلية، وبعد الفراغ من المؤتمر، والذهاب إلى النوم، توجه الإمام وفي صحبته الأستاذ عمر التلمساني إلى حجرة بها سريران، ورقد كل على سريره، وبعد دقائق قال الأستاذ: أنمت يا عمر؟ قال: لا، وتكرر السؤال وتكرر الرد، وقال الأخ عمر في نفسه إذا سأل فلن أرد، وظن الأستاذ أن الأخ قد نام، فتسلل على أطراف أصابعه، وخرج من الحجرة، وأخذ نعليه في يديه، وذهب إلى دورة المياه حافيا، حيث جدد وضوءه، ثم اتجه إلى آخر الصالة، وفرش سجادة، وأخذ يتهجد (١). هل تحافظ على قيام الليل مهما كانت الأعذار؟ قطع شجرة الرضوان بلغ عمر بن الخطاب ﵁ أن قوما يأتون شجرة الرضوان فيصلون عندها فتوعدهم، ثم أمر بقطعها فقطعت. فهذا موقف لأمير المؤمنين عمر في حماية التوحيد والقضاء على موارد الفتن، حيث قام أولئك التابعون بعمل لم يعمله الصحابة، فهو أمر مبتدع، وقد يؤدي بعد ذلك إلى عبادة، فأمر بها فقطعت. إلغاء الرحلة أعلن الإمام الشهيد عن رحلة إلى الإسماعيلية فجاء الإخوان المشتركون في الموعد المحدد، وجاء الأتوبيس، وكان عدد الإخوان أكثر من عدد المقاعد، فلما أذن الأستاذ بصعود الأتوبيس، إذ بمجموعة من الشباب تسارع وتزاحم ليحجز كل واحد مقعدا يجلس عليه، فلما رأى الأستاذ هذا المشهد ألغى الرحلة، وكان درسا عمليا في مراعاة النظام، والتدريب على الإيثار واحترام الكبار (٢). محاسبة النفس عاش محمد بن واسع حياته كلها في وجل من ذنوبه وإشفاق من العرض على ربه، فكان إذا قيل له: كيف أصبحت يا أبا عبد الله؟

стр. 660

أجاب قائلا: أصبحت قريبا أجلي، بعيدا أملي، سيئا عملي، فإذا رأى شيئا من الدهشة يبدو على ملامح سائليه قال: ما ظنكم برجل يقطع إلى الآخرة كل يوم مرحلة. هل تحاسب نفسك وتستعد للآخرة؟ الانضباط المالي يروي أحد الشعراء "دكين بن سعيد الدارمي" قال: امتدحت عمر بن عبد العزيز يوم كان واليا على المدينة، فأمر لي بخمس عشرة ناقة من كرائم الإبل، كرهت أن أمضي بهن وحدي، ولم تطب نفسي ببيعهن، وفيما أنا كذلك، قدمت علينا رفقة تبتغي السفر نحو ديارنا في نجد، فسألتهم الصحبة، فقالوا: مرحبا بك، ونحن نخرج الليلة، فأعد نفسك للخروج معنا، فمضيت إلى عمر بن عبد العزيز مودعا، فلما هممت بالانصراف قال: يا دكين إن لي نفسا تواقة، فإن عرفت أنني بلغت أكثر مما أنا فيه الآن، فأتني ولك مني البر والإحسان، فقلت: اشهد لي بذلك أيها الأمير، فقال: أشهد الله تعالى على ذلك، فقلت: ومن خلقه، فقال: هذين الشيخين اللذين في مجلسي، فأقبلت على أحدهما وقلت: بأبي أنت وأمي، قل لي ما اسمك حتى أعرفك؟ فقال: سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، فالتفت إلى الأمير وقلت: لقد ظفرت بشاهد مسموع الكلمة، ثم نظرت إلى الشيخ الآخر، وقلت: ومن أنت جعلت فداك؟ فقال: أبو يحيى مولى الأمير، فقلت: وهذا شاهد من أهله، ثم حييت وانصرفت بالنوق إلى ديار قومي، ثم دارت الأيام وتولى عمر بن عبد العزيز الخلافة، ودخلت عليه فنظر إلى مولاه أبي يحيى نظرة طويلة، ثم التفت إليه وقال: يا أمير المؤمنين إن عندي لهذا البدوي شهادة عليك، فقال عمر: أعرفها، ثم التفت إلي وقال: ادن مني يا دكين، فلما صرت بين يديه مال علي وقال: أتذكر ما قلته لك في المدينة من أن نفسي ما نالت شيئا قط إلا تاقت إلى ما هو أعلى منه، فقلت: نعم يا أمير المؤمنين، فقال: وهأنذا قد نلت ما في الدنيا وهو الملك، فنفسي تتوق إلى غاية ما في الآخرة وهو الجنة، وتسعى إلى الفوز برضوان الله تعالى، ولئن كان الملوك يجعلون الملك سبيلا لبلوغ عز الدنيا، فلأجعلنه سبيلا إلى بلوغ عز الآخرة، ثم قال: يا دكين، إني -والله- ما أخذت شيئا من مال السلمين منذ وليت هذا الأمر، وإنني لا أملك إلا ألف درهم فخذ نصفها واترك نصفها لي. فأخذت المال الذي أعطانيه، فوالله ما رأيت أعظم منه بركة (١).

стр. 661

القوة نصح الله قوم هود فأرشدهم إلى أسباب القوة الصحيحة، وكانوا عمالقة جبارين، فقال: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾ [هود: ٥٢]. وأراد نبي الله أن يزين الطاعات للناس، وأن يغريهم بأدائها، وأن يشرح لهم عظمة الإنسان عندما يفعل الخير ويراغم الشيطان ويسمو إلى الملأ الأعلى. القوة في الحق من عناصر القوة أن يكون المسلم صريحا، يواجه الناس بقلب مفتوح ومبادئ معروفة، ولا يصانع على حساب الحق بما يغض من كرامته وكرامة أنصاره، بل يجعل قوته من قوة العقيدة التي يمثلها ويعيش لها، ولا يحيد عن هذه الصراحة أبدا في تقرير حقيقة ما. وقد كره الإسلام أن يضعف الرجل أمام العصاة من الكبراء، وأن يناديهم بألفاظ التكريم، ومن فضائل القوة أن تكون قوى العزم للوصول إلى هدفك بالوسائل الصحيحة. والتردد في الأمور من صفات الضعيف، وليس من خلق المسلم، قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠]. ولو شاء الله لهزمهم بالكلام وبحفنة من التراب كما فعل الرسول ﷺ ، لكنه أراد أن يبتلي بعض الناس ببعض طبيعة الإيمان إذا تغلغل، إنه يضفي على صاحبه قوة تنطبع في سلوكه كله، إذا تكلم كان واثقا من قوله، وإذا اشتغل كان راسخا في عمله، وإذا اتجه كان واضحا في هدفه، وما دام مطمئنا إلى الفكرة التي تملأ عقله، وإلى العاطفة التي تغمر قلبه، فقلما يعرف التردد سبيلا إلى نفسه، وقلما تزحزحه العواصف العاتية عن موقفه، بل لا عليه أن يقول لمن حوله: ﴿قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣٩) مَنْ

стр. 662

يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٤٠)﴾ [الزمر: ٣٩ - ٤٠]. استحضار نية الجهاد أقبل ثابت بن قيس على الجهاد، لطلب الشهادة ودخول الجنة، ومضى به الأجل إلى حروب الردة ضد مسيلمة الكذاب ومدعى النبوة، وفيها تحنط ثابت وتكفن ووقف على رءوس الأشهاد وقال: يا معشر المسلمين، ما هكذا كنا نقاتل مع رسول الله، بئس ما عودتم أعداءكم من الجرأة عليكم، وبئس ما عودتم أنفسكم من الانخذال لهم، ثم رفع طرفه إلى السماء، وقال: اللهم إني أبرأ إليك مما جاء به هؤلاء من الشرك -يعني مسيلمة وقومه- وأبرأ إليك مما يصنع هؤلاء -يعني المسلمين- ثم هبَّ هبة الأسد الضاري كتفا لكتف مع البراء بن مالك وزيد بن الخطاب، وما زال يجالد حتى خر صريعا. قوة بدنية فائقة وهذا أبو أيوب الأنصاري يبلغ ثمانين سنة، ولم يمنعه ذلك من الخروج مع جيش المسلمين لفتح القسطنطينية تحت قيادة يزيد بن معاوية، لكن لم يمض غير وقت قليل على منازلة العدو حتى مرض أبو أيوب مرضا أقعده عن مواصلة القتال، فجاء يزيد ليعوده ويسأله: ألك حاجة يا أبا أيوب؟ فقال: اقرأ عني السلام على جنود المسلمين، وقل لهم: يوصيكم أبو أيوب أن توغلوا في أرض العدو إلى أبعد غاية، وأن تحملوه معكم، وأن تدفنوه تحت أقدامكم عند أسوار القسطنطينية. ولفظ أنفاسه المطهرة. استجاب جند المسلمين لرغبة أبي أيوب، وكروا على جند العدو الكرَّة بعد الكرة، حتى بلغوا أسوار القسطنطينية وهم يحملون أبا أيوب معهم، وهناك حفروا له قبرا وواروه فيه، ﵃ جميعا (١). قوة في الرمي أقبل وهب بن قابوس ومعه ابن أخته الحارث بن عقبة بغنم لهم من مزينة فوجدا المدينة خالية، فسألا: أين الناس؟ فقالوا: بأحد، خرج رسول الله يقاتل المشركين فقالا: لا

стр. 663

نسأل أثرا بعد عين، فأسلما ثم خرجا، فأتيا النبي بأحد، فإذا الدولة للمسلمين، فأغارا مع المسلمين في النهب، وقاتلا أشد القتال، وكانت قد انفرقت فرقة من المشركين، فقال النبي: من لهذه الفرقة؟ قال وهب: أنا، فرماهم بالنبل حتى انصرفوا، ثم رجع فانفرقت أخرى، فقال النبي: من لهذه؟ فقال المزني: أنا، فقام فذبها بالسيف حتى ولوا ورجع المزني، ثم طلعت كتيبة أخرى فقال: من يقوم لهؤلاء؟ فقال المزني: أنا، فقال: قم وأبشر بالجنة. فقام المزني مسرورا يقول: والله لا أقيل ولا أستقيل، فجعل يقوم فيها فيضرب بالسيف حتى يخرج من أقصاهم، حتى قتلوه ومثلوا به، ثم قام ابن أخته الحارث، فقاتل كنحو قتاله حتى قتل، فوقف عليهما رسول الله، وهما مقتولان فقال: "رضي الله عنك فإني عنك راض -يعني: وهبا- ثم قام على قدميه وقد ناله ما ناله من الجرح، وإن القيام ليشق عليه، فلم يزل قائما حتى وضع المزني في لحده، فكان عمر وسعد بن مالك يقولان: ما حال نموت عليها أحب إلينا من أن نلقى الله على حال المزني (١). قوة لرد الحق لأهله نهب أحد الأمراء المماليك وجنوده دارا لأحد المصريين، فذهب الناس يشكون أمرهم إلى الشيخ الدرديري فنادى فيهم: أنا معكم وغدا نجمع الشعب من كل مكان في الحارات والضواحي وبولاق ومصر القديمة وأركب معكم، وننهب بيوتهم كما نهبوا بيوتنا، ونموت شهداء أو ينصرنا الله عليهم. وبالفعل أمر بدق الطبول إيذانا بالاستعداد للقتال، وأسرع الناس نحو الأزهر ملبين للجهاد، ولما علم الأمير إبراهيم بك أرسل نائبه يعتذر للشيخ الدرديري ويطلب منه قائمة بما نهبه الأمراء لردها فوافق الشيخ (٢). الكلوب الخطير دعى الإمام الشهيد إلى حفل في مدينة الزقازيق، وكانت الإضاءة بواسطة الكلوبات، فهوى أحدها إلى الأرض محشرجا مدخنا، يكاد ينفجر، ولو انفجر لدمر السرادق، ولكان الحريق مروعا، وهرول الناس مبتعدين عن هذا الكلوب الخطر، وفي كل بساطة، وثقة،

стр. 664

وشجاعة، وهدوء، ترك الإمام المنصة، وأخرج مدية الجوالة من جيبه، وتقدم إلى الكلوب في غير هرولة، وفصله عن السقف وحمله خارج السرادق، وعاد الهدوء والأمن واستكمل الحفل على خير وجه. الجلوس المتعب أثناء محاكمة المرشد الهضيبي، وقف ليواجه الاتهامات، فأشار إليه رئيس المحكمة قائد الجناح جمال سالم أن يجلس فأبى الرجل إلا أن يظل واقفا قرابة ٦ ساعات قاصدا بذلك رفع الروح المعنوية للإخوان، كرر رئيس المحكمة عرضه، فأصر المرشد على أنه يستريح واقفا رغم تخطيه سن الستين. فلم يجد رئيس المحكمة بدا من إعلان فترة استراحة ربما ليستريح هو وهيئة المحكمة، ولما استؤنفت الجلسة وجه جمال سالم إلى المرشد كلامه قائلا: لعلك استرحت! فكان الرد البديهي أن يقول المرشد: الحمد لله كتر خيرك، لكن الرجل القائد فاجأ الجميع بما لم يكن في الحسبان، قال وكاهله ينوء بـ ٦٥ عاما ختمت بأيام عصيبة تربو على مصاعب الستين: هيه .. الظاهر لما الواحد بيقعد بيحل عليه التعب (١). نماذج للأقوياء قتل علي بن أبي طالب وهو شاب في يوم بدر شيبة بن ربيعة، واشترك في قتل الوليد بن عتبة، وقتل بعدهما في بدر: العاص بن سعيد، وعامر بن عبد الله، وطعيمة ابن عدي، وزمعة بن الأسود، ونوفل بن خويلد، وعقيل بن الأسود، والنضر بن الحارث، وعمير بن عثمان، ومسعود بن أمية، وأبا القيس بن الفاكه، وحاجب بن السائب، وعبد الله بن المنذر، والعاص بن منبه، وأوس بن معير، خمسة عشر رجلاً قتلهم علي في يوم بدر. وفي يوم أحد يقتل علي: أبا أمية بن أبي حذيفة وعبد الله بن حميد بن زهير. وفي يوم الأحزاب يقتل عمرو بن عبد ود، فارس قريش في يوم الأحزاب "كبش الكتيبة" (٢).

стр. 665

أسامة بن زيد في سن مبكرة، لم تجاوز العشرين، أمرَّ الرسول ﷺ أسامة بن زيد على جيش، بين أفراده وجنوده أبو بكر وعمر، وسرت همهمة بين نفر من المسلمين لتعاظمهم الأمر، واستكثروا على الفتى الشاب إمارة جيش فيه شيوخ الأنصار وكبار المهاجرين، فقال رسول الله: "إن تطعنوا في إمارته فقد طعنتم في إمارة أبيه من قبله، وايم الله لقد كان خليقا للإمارة، وإن كان من أحب الناس إلي، وإن هذا لن أحب الناس إلي بعده" البخاري. بعث رسول الله أسامة على جيش المسلمين إلى حيث قتل أبوه والصحابة، وأمره أن يغير على "أُبنى" بالسراة ناحية البلقاء، وقيل إلى"آبل الزيت" بالجهة نفسها وعقد له لواء في آخر يوم من صفر سنة ١١هـ، ولكن مرض الرسول مرضه الذي قبضه الله إليه فيه، فتأخر خروج الجيش حتى هلال ربيع الآخر سنة ١١ هـ، وسار أسامة بجيشه "ثلاثة آلاف" يسرع السير على طريق ذي المروءة ووادي القرى في اتجاه "أبنى" و"آبل الزيت" من نواحي مؤتة، حتى إذا توسط مواطن قضاعة توقف يسيرا، وبعث فرسانه لينهضوا الثابتين منهم على إسلامهم، ويعينهم على من ارتاب، وهرب المرتدون إلى مكان بعيد .. إلى دومة الجندل من أهداف جيش أسامة، ولا على طريقه، فما إن عادت إلى خيوله، حتى مضى بجيشه إلى "الحمقتين" فأغار عليها، وكان بها بنو الضبيب من جذام، وبنو خليل من لخم فهزم من هناك حتى "آبل" في إغارة شديدة سريعة، وسبى وحرق بالنار منازلهم وحرثهم ونخلهم، حتى صارت أعاصير من الدخان، وأجال الخيل في نواحيهم، وقضى يومه في تعبئة ما أصابوا من غنائم، ثم لم يقم وإنما كر راجعا من مساء يومه، حتى قدم وادي القرى في تسع ليال، ثم قدم المدينة سالما غانما، وقد غاب عنها خمسة وثلاثين يوما، وقيل: غاب شهرين وأياما، عاد الجيش بلا ضحايا وقال عنه المسلمون يومئذ: "ما رأينا جيشا أسلم من جيش أسامة" (١). مواقف بطولية قال محمد بن سيرين: إن المسلمين انتهوا إلى حائط قد أغلق بابه فيه رجال من المشركين، فجلس البراء ﵁ على ترس فقال: ارفعوني برماحكم فألقوني إليهم، فرفعوه

стр. 666

برماحهم فألقوه من وراء الجدار، فأدركوه قد قتل عشرة منهم. وعن ابن عمر ﵄ قال: رأيت عمار بن ياسر ﵁ يوم اليمامة على صخرة وقد أشرف يصيح يا معشر المسلمين، أمن الجنة تفرون؟ أنا عمار بن ياسر! أمن الجنة تفرون؟ أنا عمار بن ياسر! هلم إلي! وأنا أنظر إلى أذنه قد قطعت فهي تتذبذب وهو يقاتل أشد القتال. وفي غزوة الطائف أرسل الرسول ﷺ حنظلة بن الربيع ﵁ إلى أهل الطائف يعرض عليهم الإسلام، فلما ذهب حنظلة إليهم ظل يدعوهم من خارج حصنهم فلم يستجيبوا له، واعتدوا عليه، واختطفوه، وحاولوا أن يدخلوه الحصن، فلما علم الرسول بالأمر طلب من الصحابة أن يذهب أحدهم ليخلص حنظلة من أيدي الأعداء، قال: من لهولاء، وله مثل غزاتنا هذه؟ فلم يقم إلا العباس بن عبد المطلب فذهب إليهم، ولحق بحنظلة وهو في أيديهم، وقد كادوا يدخلون به الحصن، فاحتضنه واختطفه من أيديهم، ولم يخش ما يقذف به من الحجارة، ورجع العباس ومعه حنظلة فوجد النبي ﷺ ما يزال يدعو لهما بالنجاة. في وقعة الجسر أرسل رستم جيشا كثيفا وأمر عليه ذا الحاجب بهمن جاذويه، وأعطاه راية كسرى لملاقاة المسلمين في موقعة الجسر، ووصلوا إلى المسلمين وبينهم النهر وعليه الجسر، فأرسلوا: إما أن تعبروا إلينا وإما أن نعبر إليكم، فقال المسلمون لأميرهم أبي عبيد: مرهم فليعبروا هم إلينا، فقال: ما هم بأجرأ على الموت منا، ثم اقتحم إليهم فاجتمعوا في مكان ضيق هنالك فاقتتلوا قتالا شديدا لم يعهد مثله، والمسلمون في نحو عشرة آلاف، وقد جاء الفرس معهم بأفيلة كثيرة عليها الجلاجل لتذعر خيول المسلمين، فجعلوا كلما حملوا على المسلمين فرت خيولهم من الفيلة، ولا يثبت منها إلا القليل على قسر، وإذا حمل المسلمون عليهم لا تقدم خيولهم على الفيلة، ورشقهم الفرس بالنبل فنالوا منهم خلقا كثيرا، وقتل المسلمون منهم مع ذلك ستة آلاف، وقد جفلت خيول المسلمين من أصوات الأجراس المعلقة بالفيلة، وصار المسلمون لا يستطيعون الوصول إليهم والفيلة تجوس فلالهم، فترجل أبو عبيد وترجل الناس معه، وتصافحوا معهم بالسيوف، وفقد المسلمون خيلهم فأصبحوا رجالة يقاومون سلاح الفيلة والفرسان والمشاة من الفرس إلى جانب الرماة

стр. 667

الذين أضروا بالمسلمين وهم يدفعون بخيولهم نحوهم فلا تندفع، فكان موقفا صعبا أظهر المسلمون فيه من البسالة والتضحية ما يندر أن يوجد له مثيل في التاريخ، وصمدوا للفرس رغم تفوقهم عليهم في كل وسائل القتال، وكانت الفيلة أشد سلاح واجهه المسلمون، وبدأ هو بالفيل الأبيض فتعلق بحزامه وقطعه ووقع الذين عليه، وفعل المسلمون مثل ذلك فما تركوا فيلا إلا حطوا رحله وقتلوا أصحابه، ولكن الفيلة استمرت في الهجوم لأنها كانت مدربة، وهجم أبو عبيد على الفيل الأبيض، ولكن الفيل أطاح به وقتله. من الشجاعة ابتكار أساليب لمواجهة بطش الباطل. فتح مصر أرسل عمرو بن العاص إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب يستمده فأمده أمير المؤمنين بأربعة آلاف رجل على كل ألف منهم رجل يقوم مقام الألف، وهم الزبير بن العوام، والمقداد بن الأسود، وعبادة بن الصامت، ومسلمة بن مخلد، وقال عمر في كتابه له: اعلم أن معك اثني عشر ألفا، ولن تغلب اثنا عشر ألفا من قلة. وقد خرج الروم مع الأقباط لمواجهة المسلمين، وجرت بينهم معركة حامية استعمل فيها عمرو بن العاص دهاءه الحربي كما صنع خالد بن الوليد في العراق، وذلك أنه جعل جيشه ثلاثة أقسام، حيث أقام كمينا للأعداء في الجبل وأقام كمينا آخر على النيل قريبا من أم دنين، وقابل أعداءه ببقية الجيش، ولما نشب القتال بين الفريقين خرج الكمين الذي في الجبل الأحمر وانقض على الروم فاختل نظامهم وانهزموا، وقابلهم الكمين الآخر فتفرق جيشهم، وهكذا كسب المسلمون المعركة. هناك رجال في الإسلام يعد الرجل منهم بألف رجل .. هل أنت منهم؟ عبد الله بن الزبير في السادسة والعشرين من عمره، يقتل ابن الزبير ملك إفريقية "جرجير"، فقد شهد ابن الزبير فتح إفريقية أيام عثمان بن عفان تحت لواء عبد الله بن سعد بن أبي السرح، وكان الفتح على يديه.

стр. 668

سير عثمان بن عفان ابن الزبير في جماعة إلى إفريقية، سنة ست وعشرين هجريا، ليأتيه بأخبار الفتح، فسار مجدا حتى وصل إلى المسلمين هناك وأقام معهم، ولما وصل كثر الصياح والتكبير في المسلمين، فسأل جرجير ملك إفريقية عن الخبر، فقيل: قد أتاهم عسكر، ففت ذلك في عضده، ورأى عبد الله قتال المسلمين كل يوم من بكرة إلى الظهر، فلما أذن سمع منادي جرجير، يقول: من قتل عبد الله بن سعد فله مائة ألف دينار، وأزوجه ابنتي. فخاف عبد الله على نفسه، فحضر ابن الزبير عند عبد الله بن سعد وقال له: تأمر مناديا ينادي: من أتاني برأس جرجير نفلته مائة ألف وزوجته ابنته، واستعملته على بلاده، ففعل فصار "جرجير" يخاف أشد من عبد الله بن سعد، ثم إن عبد الله بن الزبير قال لعبد الله بن سعد: إن أمرنا يطول مع هؤلاء، وهم في أمداد متصلة، وبلاد هي لهم، ونحن منقطعون عن المسلمين وبلادهم، وقد رأيت أن نترك غدا جماعة صالحة من أبطال المسلمين في خيامهم متأهبين، ونقاتل نحن الروم في باقي العسكر إلى أن نجد أن ينضجروا ويملوا، فإذا رجعوا إلى خيامهم ورجع المسلمون، ركب من كان في الخيام من المسلمين ولم يشهدوا القتال، وهم مستريحون، ونقصدهم على غرة، فلعل الله ينصرنا عليهم، فأحضر ابن سعد جماعة من أعيان الصحابة واستشارهم فوافقوا على ذلك. وفي صباح الغد نفذ ابن سعد خطة ابن الزبير هذه، فأقام جميع شجعان المسلمين في خيامهم، وخيولهم عندهم مسرجة، ومضى الباقون فقاتلوا الروم إلى الظهر قتالا شديدا، وهمَّ الروم بالانصراف على العادة، لم يتركهم ابن الزبير وألح عليهم بالقتال حتى أتعبهم، ثم عاد عنهم هو والمسلمون، فكل من الطائفتين ألقى سلاحه ووقع تعبا .. عند ذلك أخذ عبد الله بن الزبير من كان مستريحًا من شجعان المسلمين، وقصد الروم، فلم يشعروا بهم حتى خالطوهم، وحملوا حملة رجل واحد وكبروا فلم يتمكن الروم من لبس سلاحهم حتى غشيهم المسلمون، ونظر عبد الله فرأى "جرجير" وقد خرج من عسكره فأخذ جماعة من المسلمين وقصده فقتله (١).

стр. 669

أضرار عدم ممارسة الرياضة يقول مؤلف كتاب "المؤمن القوي": من أضرار عدم ممارسة الرياضة: ١ - تؤدي قلة الحركة إلى زيادة الوزن الذي يصبح عبئا ثقيلا على أجهزة الجسم المختلف والمفاصل والأربطة. ٢ - ضمور العضلات ونقص حجمها مما يجعلها غير قادرة على العمل بكفاءة. ٣ - ظهور آلام الظهر والخشونة في المفاصل والعمود الفقري. ٤ - يصبح القلب أصغر حجما وأقل كفاءة، فضلا عن احتمال ظهور أمراض القلب مثل ارتفاع أو انخفاض ضغط الدم. ٥ - حدوث أمراض كثيرة مثل القرحة وعسر الهضم والقلق المزمن والتوتر. ٦ - ينقص مخزون الطاقة الكيميائية لذلك يصبح الجسم أقل مقدرة على مواجهة المتطلبات البدنية. ٧ - يقل عدد ساعات إنتاج الفرد إثر أي مجهود يقوم به. ٨ - يزداد عدد ضربات القلب وكذلك سرعة التنفس عند بذل أي مجهود بدني. ٩ - يصاب الفرد بالإجهاد والتعب لأي مجهود يبذله. ١٠ - يصبح الفرد أكثر اكتئابا وانطواء لعدم ممارسته الرياضة. ١١ - تقل قدرة الجسم على امتصاص الأكسجين عنه في الفرد الرياضي مما يعني انخفاض مستوى الكفاءة البدنية. ١٢ - تنخفض المرونة والقوة العضلية وبالتالي يقل تحمل الفرد ومقاومته عن الفرد الرياضي. ١٣ - زيادة نسبة الدهون في الجسم مما يجعلها عبئا على الجسم والأجهزة الحيوية. ١٤ - زيادة نسبة الكوليسترول في الدم، مما يصيب الفرد بتصلب الشرايين ويجعل الجسم معرضًا للمخاطر. ١٥ - تدلي البطن (الكرش) الذي يؤدي إلى مشكلات عديدة معقدة (مشكلة الهضم- آلام أسفل الظهر- تقوس المنطقة السفلية من الظهر - الضغط على

стр. 670

الحجاب الحاجز). ١٦ - مشاكل في الجهاز التنفسي مثل احتقان الرئة -انسداد الشعب الهوائية- صعوبة في التنفس. ١٧ - اختلال وظيفة كل من المثانة والأمعاء والكبد وأجهزة الجسم الحيوية. ١٨ - زيادة نسبة السكر في الدم مما يؤدي إلى إصابة الشخص بأمراض كثيرة. ١٩ - عموما يصاب الجسم بالضعف العام وعدم الشعور بالحيوية والشباب. نصائح لقوة الجسم: ١ - عمل كشف دوري عام كل سنة، يشمل تحاليل، وأشعات للاطمئنان المبكر على الحالة الصحية للجسد. ٢ - المسارعة بالعرض على الطبيب عند المرض، والالتزام بالعلاج. ٣ - عدم الاعتماد على الصيدلي في وصف العلاج، وعدم الاعتماد على نصائح المجربين في تناول الأدوية وندعوك لرفض المثل القائل: اسأل مجرب، ولا تسأل طبيبا. ٤ - عدم الإسراف في استخدام الدواء إلا بتوجيه الطبيب. ٥ - استعمال السواك وفرشاة الأسنان ثلاث مرات يوميا على الأقل. ٦ - الالتزام بأداب الإسلام في الطعام والنوم. ٧ - التعود على صيام يومين في كل أسبوع، أو ثلاثة كل شهر، والإفطار على طعام خفيف غير ثقيل. ٨ - القيام قبل صلاة الفجر، ففي ذلك فوائد صحية كثيرة، وخاصة للجهاز التنفسي، لوجود نسبة عالية من الأوزون في الجو. ٩ - لا تهمل وجبة الإفطار، وقلل في وجبة العشاء. ١٠ - عدم الإسراف في شرب الشاي والقهوة. ***
следующие страницы →