وجل: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، وقوله : ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ﴾ [السجدة:٤]. وقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ﴾ [فصلت:١١]. وقوله: وذكر آيات كثيرة دالة على العلو.
إلى أن قال (٧/ ١٣١): وهذه الآيات كلها واضحات في إبطال قول المعتزلة، وأما ادعاؤهم المجاز في الاستواء، وقولهم في تأويل استوى: استولى، فلا معنى له لأنه غير ظاهر في اللغة. ومعنى الاستيلاء في اللغة المغالبة، والله لا يغالبه ولا يعلوه أحد، وهو الواحد الصمد، ومن حق الكلام أن يحمل على حقيقته حتى تتفق الأمة أنه أريد به المجاز. إذ لا سبيل إلى اتباع ما أنزل إلينا من ربنا إلا على ذلك، وإنما يوجه كلام الله إلى الأشهر والأظهر من وجوهه، ما لم يمنع من ذلك ما يجب له التسليم، ولو ساغ ادعاء المجاز لكل مدع ما ثبت شيء من العبارات، وجل الله عن أن يخاطب إلا بما تفهمه العرب في معهود مخاطباتها مما يصح معناه عند السامعين. والاستواء معلوم في اللغة ومفهوم، وهو العلو والارتفاع على الشيء والاستقرار والتمكن فيه. قال أبو عبيدة في قوله تعالى: ﴿اسْتَوَى﴾ قال: علا. قال: وتقول العرب: استويت فوق الدابة، واستويت فوق البيت. وقال غيره: استوى أي: انتهى شبابه واستقر، فلم يكن في شبابه مزيد.
قال أبو عمر: الاستواء الاستقرار في العلو، وبهذا خاطبنا الله . وقال: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ
стр. 142
عَلَيْهِ﴾ [الزخرف:١٣]. وقال: ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾ [هود:٤٤]. وقال: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى الْفُلْكِ﴾ [المؤمنون:٢٨] ... إلى آخر كلامه.
قلت: وهذا المذهب الذي أبطله ابن عبد البر أي: تأويل استوى باستولى، هو مذهب أكثر الأشعرية. وقد أكثر الأشعرية من الاحتجاج لهذا التأويل، والرد على من خالفه.
إلى أن قال (٧/ ١٣٤): ومن الحجة أيضا في أنه على العرش فوق السماوات السبع أن الموحدين أجمعين من العرب والعجم إذا كربهم أمر أو نزلت بهم شدة رفعوا وجوههم إلى السماء يستغيثون ربهم ﵎. وهذا أشهر وأعرف عند الخاصة والعامة من أن يحتاج فيه إلى أكثر من حكايته، لأنه اضطرار لم يؤنبهم عليه أحد، ولا أنكره عليهم مسلم، وقد قال ﷺ للأَمة التي أراد مولاها عتقها إن كانت مؤمنة فاختبرها رسول الله ﷺ بأن قال لها: أين الله؟ فأشارت إلى السماء. ثم قال لها: من أنا؟ قالت: رسول الله. قال: أعتقها فإنها مؤمنة. فاكتفى رسول الله ﷺ منها برفعها رأسها إلى السماء، واستغنى بذلك عما سواه. انتهى.
فأثبت ﵀ علو الله على خلقه، خلافا لأكثر الأشعرية، بل صرح بعضهم بأن من موجبات الكفر اعتقاد جهة العلو! كما ستقف على ذلك في رسالتي: "عقائد الأشاعرة". وهي على وشك التمام إن شاء الله.
стр. 143
ومن المالكية المشهورين بإثبات عقيدة السلف أبو عمر الطلمنكي، قال في كتابه "الأصول": أجمع المسلمون من أهل السنة على أن الله استوى على عرشه بذاته. وقال في هذا الكتاب أيضا: أجمع أهل السنة على أنه تعالى استوى على عرشه على الحقيقة لا على المجاز، ثم ساق بسنده عن مالك قوله: الله في السماء وعلمه في كل مكان، ثم قال في هذا الكتاب: وأجمع المسلمون من أهل السنة على أن معنى قوله تعالى: (هو معكم أينما كنتم) ونحو ذلك من القرآن بأن ذلك علمه، وأن الله فوق السماوات بذاته مستو على عرشه، كيف شاء. ذكره ابن القيم في "اجتماع الجيوش الإسلامية" (٧٦) وابن تيمية في "الفتاوى" (٣/ ٢١٩).
وقال أصبغ: وهو مستو على عرشه وبكل مكان علمه وإحاطته. ذكره ابن القيم في "اجتماع الجيوش" (٧٦).
ومنهم كذلك: ابن أبي زيد القيرواني قال في مقدمة الرسالة (١٠): وأنه فوق عرشه المجيد بذاته وهو في كل مكان بعلمه.
قال عنه الذهبي في سير أعلام النبلاء للذهبي (١٧/ ١٢): قلت: وكان ﵀ على طريقة السلف في الأصول، لا يدري الكلام، ولا يتأول.
وقال ابن القيم في اجتماع الجيوش (٨٢) عن ابن أبي زيد القيرواني: وكذلك ذكر مثل هذا في نوادره وغيرها من كتبه، وذكر في كتابه المفرد في السنة تقرير العلو واستواء الرب تعالى على عرشه بذاته أتم تقرير.
стр. 144
ثم نقل عنه كلاما طويلا الشاهد منه قوله: وأنه فوق سماواته على عرشه دون أرضه، وأنه في كل مكان بعلمه ... إلى أن قال، وكل ما قدمنا ذكره فهو قول أهل السنة وأئمة الناس في الفقه والحديث على ما بيناه، وكله قول مالك، فمنه منصوص من قوله، ومنه معلوم من مذهبه.
ومنهم كذلك: ابن أبي زمنين أبو عبد الله محمد بن عبد الله المالكي المتوفى سنة (٣٩٩ هـ) له كتاب "أصول السنة" قرر فيه عقيدة السلف، ومما قال فيه (٨٨): ومن قول أهل السنة أن الله خلق العرش واختصه بالعلو والارتفاع فوق جميع ما خلق ثم استوى عليه كيف شاء. انتهى.
وإثبات العلو والاستواء ينافي المعتقد الأشعري من كل الوجوه، بل عد بعضهم إثباته من أصول الكفر.
وقال أبو القاسم عبد الله بن خلف المقري الأندلسي المالكي في الجزء الأول من كتاب الاهتداء لأهل الحق والاقتداء من تصنيفه من شرح الملخص للشيخ أبي الحسن القابسي رحمه الله تعالى في شرح حديث النزول: في هذا الحديث دليل على أنه تعالى في السماء على العرش فوق سبع سماوات من غير مماسة ولا تكييف كما قال أهل العلم. ثم سرد نصوصا تدل على ذلك، وأبطل تأويل استوى باستولى. كذا في "اجتماع الجيوش الإسلامية" (٨٩).
стр. 145
ومن متأخري أصحاب مالك ممن أثبت لله الاستواء وفسره بالعلو، ورد من فسره بالاستيلاء: أبو الوليد بن رشد في "البيان والتحصيل" (١٦/ ٣٦٨ - ٣٦٩).
وقال ابن القيم في الصواعق المرسلة (٣٥٧ - مختصره): الوجه الرابع عشر: إن الجهمية لما قالوا: إن الاستواء مجاز، صرح أهل السنة بأنه مستو بذاته على عرشه، وأكثر من صرح بذلك أئمة المالكية, فصرح به الإمام أبو محمد بن أبي زيد في ثلاثة مواضع من كتبه، أشهرها الرسالة, وفي كتاب جامع النوادر, وفي كتاب الآداب, فمن أراد الوقوف على ذلك فهذه كتبه.
وصرح بذلك القاضي عبد الوهاب، وقال: إنه استوى بالذات على العرش.
وصرح به القاضي أبو بكر الباقلاني، وكان مالكيا، حكاه عنه القاضي عبد الوهاب أيضا.
وصرح به عبد الله القرطبي في كتاب شرح أسماء الله الحسنى، فقال: ذكر أبو بكر الحضرمي من قول الطبري يعني محمد بن جرير وأبي محمد بن أبي زيد جماعة من شيوخ الفقه والحديث, وهو ظاهر كتاب القاضي عبد الوهاب عن القاضي أبي بكر وأبي الحسن الأشعري, وحكاه القاضي عبد الوهاب عن القاضي أبي بكر نصا, وهو أنه سبحانه مستو على عرشه بذاته, وأطلقوا في بعض الأماكن فوق خلقه, قال: وهذا قول القاضي أبي بكر في تمهيد الأوائل
стр. 146
له وهو قول أبي عمر بن عبد البر والطلمنكي وغيرهما من الأندلسيين, وقول الخطابي في شعار الدين.
وقال أبو بكر محمد بن موهب المالكي في شرح رسالة ابن أبي زيد قوله: (إنه فوق عرشه المجيد بذاته) ... فتبين أن علوه على عرشه وفوقه إنما هو بذاته، إلا أنه باين من جميع خلقه بلا كيف، وهو في كل مكان من الأمكنة المخلوقة بعلمه لا بذاته ... انتهى.
ومن المغاربة الذين اشتهروا بالانتصار لمذهب السلف ومعارضة مذهب الأشاعرة: الإمام أبو عبد الله محمد بن أحمد المسناوي الدلائي الفاسي (ت ١١٣٦ هـ) ألف "جهد المقل القاصر في نصرة الشيخ عبد القادر" (١).
وقد اطلعت على نسخة الخزانة العامة، وقد قرر فيه عقيدة السلف، ورد على الأشاعرة والسبكي.
ومن علماء المغرب المتأخرين الذين عرفوا بمعارضة المذهب الأشعري: السلطان العلوي محمد بن عبد الله، وكان أحد العلماء المصنفين، وقد طبعت له عدة كتب، ولازالت أخرى في عداد المخطوطات.
قال السلطان محمد بن عبد الله في طبق الأرطاب (ص ٤١ - القرويين - ٧٤٨): وأنا في نفسي أتبع الأئمة الأربعة في أبواب العبادة، ولا نفرق بين واحد منهم فيها ... وأما في غير أبواب العبادة كالنكاح والطلاق والبيوع
стр. 147
والحبس والهبة والعتق وغير ذلك، فلا أتبع إلا مذهب مالك ﵀، لأني مالكي المذهب حنبلي الاعتقاد، مع أني أومن بأن الإمام أحمد على اعتقاد الأئمة الثلاثة، وأنهم كلهم على هدى من ربهم (١).
وكان من عادة السلطان محمد بن عبد الله افتتاح كتبه بقوله: المالكي مذهبا الحنبلي اعتقادا (٢).
وعقد فصلين في أواخر كثير من كتبه لبيان مقصوده بذلك.
فقال في كتابه الجامع الصحيح الأسانيد المستخرج من ستة مسانيد (٣)(٩٢): فصل في بيان قولي في الترجمة: المالكي مذهبا الحنبلي اعتقادا.
والأئمة ﵃ اعتقادهم واحد، فأردت أن أشرح قولي المالكي مذهبا الحنبلي اعتقادا، وأبين المقصود بذلك والمراد، لئلا يفهمه بعض الناس على غير وجهه.
وذلك أن الإمام أحمد، ثبت الله المسلمين بثبوته، سد طريق الخوض في علم الكلام، وقال: لا يفلح صاحب الكلام أبدا، ولا ترى أحدا ينظر في علم الكلام (إلا) وفي قلبه مرض، وهجر الإمام أبا عبد الله الحارث بن أسد المحاسبي البصري، وكان ممن اجتمع له علم الظاهر والباطن، وذلك لتصنيفه
стр. 148
كتابا في الرد على المبتدعة، وقال له: ويحك، ألست تحكي بدعتهم؟ ألست تحمل الناس بتصنيفك على مطالعة كلام أهل البدعة، فيدعوهم ذلك إلى الرأي والبحث.
فاختفى المحاسبي، فلما مات لم يصل عليه إلا أربعة.
وإلى ذلك ذهب الشافعي ومالك وسفيان الثوري وأهل الحديث قاطبة حتى قال الشافعي ﵁: لأن يلقى الله العبد بكل ذنب ما خلا الشرك بالله خير له من أن يلقاه بشيء من الكلام.
فلزم الناس السكوت عن الخوض في علم الكلام إلى أن نبغ الإمام الأشعري فاشتغل يرد على المعتزلة أقوالهم الفاسدة وآراءهم، ويجيب عن آرائهم الواهية.
فاتبعه المالكية على ذلك، وسموه ناصر السنة، وهو ومن اتبعه على صواب، موافقين في اعتقادهم للسنة والكتاب لا في الخوض مع الخائضين، والتصدي لذكر شبه المبطلين وتخليدها في الأوراق إلى يوم الدين.
وأما الحنابلة فأنكروا ذلك عليه وفوقوا سهام الانتقاد إليه، وقالوا له كان ينبغي لك أن تسكت كما سكت الأئمة قبلك من السلف الصالح المهتدين الذين يرون أن الخوض في علم الكلام من البدع المحدثة في الدين، أما لك فيهم أسوة؟ أفلا وسعك ما وسعهم من السكوت على تلك الهفوة؟
في الاعتقاد سهلة المرام منزهة عن التخيلات والأوهام
موافقة لاعتقاد الأئمة كما سبق مع الصالح من الأنام
стр. 149
أعاشنا الله على ملتهم ما عاشوا عليه، وأماتنا على ما ماتوا عليه بجاه النبي وآله وصحبه.
ثم عقد فصلا ثانيا لبيان أن اعتقاد الأئمة الأربعة واحد.
وقال الناصري في الاستقصا (٣/ ٦٨): وكان السلطان سيدي محمد بن عبد الله ﵀، ينهى عن قراءة كتب التوحيد المؤسسة على القواعد الكلامية المحررة على مذهب الأشعرية ﵃، وكان يحض الناس على مذهب السلف من الاكتفاء بالاعتقاد المأخوذ من ظاهر الكتاب والسنة بلا تأويل.
وقال المشرفي في الحلل البهية في ملوك الدولة العلوية (١) (ص١٥٩): وكان أيضا ينهى عن قراءة كتب التوحيد المؤسسة على القواعد الكلامية المحررة على مذهب الأشعرية (ض)، وكان يحض الناس على مذهب السلف من الاكتفاء بالاعتقاد المأخوذ من ظاهر الكتاب والسنة بلا تأويل.
وقال محمد بن عبد الله في فاتحة كتاب له غير مسمى (٢): اعلم أرشدنا الله وإياك أنه يجب على معلم صبيان المسلمين، لأنه خليفة آبائهم عليهم، أن يقتصر لمن أتاه منهم على حفظه لحزب سبح، فإن صعب عليه فليقتصر على ربعه الأخير من (والعاديات)، فإذا حفظه، فليعلمه عقيدة ابن أبي زيد، حتى يحفظها وترسخ في ذهنه فهي الأصل الأصيل.
стр. 150
وقال الأستاذ إبراهيم حركات في التيارات السياسية والفكرية بالمغرب (١١٧ - مطبعة الدار البيضاء): ومن جهة ثانية ظهرت الدعوة السلفية من قمة الحكم على يد السلطان محمد الثالث.
وقال الأستاذ حسن العبادي في الملك الصالح (٩٩ - مؤسسة بنشرة- البيضاء): ولم يقتصر سيدي محمد بن عبد الله على إعلان رأيه هذا وكفى، بل نشره في الأمة المغربية محاولا بذلك إصلاح عقيدتها بإرجاعها إلى العقيدة السلفية، فكان ينهى عن قراءة كتب التوحيد المؤسسة عل القواعد الكلامية المحررة على المذهب الأشعري، ويحض الناس ويحملهم على مذهب السلف من الاكتفاء بالاعتقاد المأخوذ من ظاهر الكتاب والسنة بلا تأويل، ولذلك افتتح جميع مؤلفاته الحديثية والفقهية بعقيدة الشيخ ابن أبي زيد القيرواني كمثال للعقيدة السلفية التي رضيها واستمسك بها (١) ... ونص في المرسوم الذي أصدره لإصلاح حالة التعليم على أن العقيدة يجب أن يكتفى فيها بعقيدة ابن أبي زيد، ومن أراد دراسة علم الكلام فليتعاطاه في داره لا في المسجد.
وقال الأستاذ أحمد العمراني في الحركة الفقهية (١/ ٣١٢ - نشر وزارة الأوقاف المغربية): فهو أول ملك علوي بل مغربي بعد سقوط الدولة الموحدية دعا إلى العودة للعقيدة السلفية التي اعتنقها المغاربة منذ الفتح الإسلامي إلى
стр. 151
نهاية عصر المرابطين مخالفا الاتجاه العقدي الذي ركزه الموحدون، وهو العقيدة الأشعرية.
ومن علماء المغرب المتأخرين الذين عرفوا باعتقاد عقيدة السلف ونبذ ما خالفها من العقائد: العلامة الفقيه عبد الله بن إدريس السنوسي الفاسي (ت ١٣٥٠هـ).
قال عبد الحفيظ الفاسي في رياض الجنة في ترجمته (٢/ ٨١): نزيل طنجة الآن العالم العلامة المحدث الأثري السلفي الرحالة المعمر أبو سالم.
وقال كذلك (٢/ ٨٢): سلفي العقيدة أثري المذهب عاملا بظاهر الكتاب والسنة، نابذا لما سواهما من الآراء والفروع المستنبطة، منفرا من التقليد، متظاهرا بمذهبه قائما بنصرته داعيا إليه، مجاهرا بذلك على الرؤوس، لا يهاب فيه ذا سلطة، شديدا على خصمائه من العلماء الجامدين، وعلى المتبدعة والمتصوفة الكاذبين، مقرعا لهم، مسفها أحلامهم، مبطلا آراءهم، مبالغا في تقريعهم، ولم يرجع عن ذلك منذ اعتقده، ولا قل من عزمه كثرة معاداتهم له، وتلك عادة من ذاق حلاوة العمل بظاهر الكتاب والسنة.
وقال (٢/ ٨٤ - ٨٥) بعد أن ذكر أن عبد الله السنوسي كان يحضر مجلس السلطان مولاي الحسن: وكان يحضر فيه جمع من أعيان علماء فاس كشيخنا العلامة المحقق أبي العباس أحمد بن الطالب بن سودة، وشيخنا العلامة الحافظ أبي سالم عبد الله الكامل الأمراني الحسني، فأعلن في ذلك الجمع بما تحمله في الشرق عن شيوخه الأعلام من الرجوع إلى الكتاب والسنة والعمل
стр. 152
بهما دون الأقيسة والآراء والفروع المستنبطة، ومن رفض التأويل في آيات وأحاديث الصفات والمتشابهات وإبقائها على ظاهرها كما وردت، ورد علم المراد بها إلى الله تعالى مع اعتقاد التنزيه، كما كان عليه سلف الأمة وغير ذلك من المسائل، فقام بينه وبين أولئك العلماء خلاف كبير من أجل ذلك، وتناظروا في مجلس السلطان، ولمزوه بالاعتزال، والتمذهب بعقائد أهل البدع والأهواء، وإنكار الولاية والكرامات، وألف فيه بعضهم المؤلفات المحشوة بالسب والسخافات الخارجة عن الأدب، مع لمزه بنزعة الاعتزال، ونقل ما قال الناس في المعتزلة والخوارج وما طعنوا به من الأقوال البعيدة عن الإنصاف في الإمام ابن حزم وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمهما الله تعالى، إلا أن مولاي الحسن لم يكن متعصبا ولا ذا أذن، فيسمع الوشايات فلم ينحز لفريق منهما، بل ألقى حبلهما على غاربهما، ولعل ذلك كان يريده باطنا ليظهر كل فريق ما عنده من العلم ويتمحص المحق من المبطل والجاهل من العالم ...
وقال (٢/ ٩٥): ولازمته مدة إقامته بفاس وتمكنت الرابطة بيني وبينه وأدركت عنده منزلة عظيمة لما كان يرى من حرصي على سماع الحديث وروايته ...
وبسبب هذا الاتصال أمكن لي أن أحقق كل ما نسب إليه من الاعتزال والبدع والأهواء، فوجدته مباينا للمعتزلة في كل شيء وبريئا من كل ما نسب إليه، بل عقيدته سالمة، على أن ما خالف فيه الفقهاء من الرجوع للكتاب والسنة، ونبذ التأويل في آيات الصفات شيء لم يبتكره، ولا اختص به من
стр. 153
دون سائر الناس، بل ذلك هو مذهب السلف الصالح من الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين ومن بعدهم من الهداة المهتدين، وأما اتهامه بإنكار الولاية والكرامات، فمعاذ الله أن يصدر منه ذلك، وإنما هو من مفترياتهم إلا أنه ينكر على المدعين الذين جعلوا التصوف حبالا وشباكا يصطادون بها أموال الناس ويدعون المقامات العالية كذبا وزورا، ويبشرون من أخذ عنهم بفضائل وأجور تغنيهم عن تحمل أعباء العبادات والعزائم الشرعية. اهـ.
وقال عنه العلامة أبو جعفر النتيفي في نظر الأكياس (٦ - مخطوط): وكان ﵀ سلفي المذهب.
وانتصر الشيخ عبد الحفيظ الفاسي في الآيات البينات في شرح وتخريج الأحاديث المسلسلات (١٥) لعقيدة السلف بكلام طويل، حاصله أن إثبات الصفات على ظاهرها هو مذهب السلف وعليه إجماع العلماء وأنه لا يستلزم التجسيم والتشبيه كما يزعم المؤولة.
ثم ذكر كلاما طويلا في أن أهل المغرب كانوا على عقيدة السلف كما جرى عليه الإمام ابن أبي زيد القيرواني في عقيدته، واستمر الحال على ذلك إلى أن ظهر محمد بن تومرت الملقب بالمهدي في صدر المائة السادسة فانتصر للعقائد الأشعرية ثم صار العلماء بعد الموحدين يحكون المذهبين مع ترجيح مذهب الأشعرية.
إلى أن قال: واستمر الحال على ذلك إلى هذا القرن حيث انتشرت مؤلفات السلف ومستقلي الفكر وزعماء الإصلاح الديني من الخلف وأهل
стр. 154
العصر بسبب كثرة المطابع، وكثر اختلاط أهل المغرب بأهل المشرق بسبب تسهيل المواصلات البرية والبحرية، وظهرت هذه النهضة الدينية المباركة الميمونة، واستقلت الأفكار وطمحت إلى الإصلاح الديني في كافة الممالك الإسلامية فأخذ المغرب حظه منها, وقامت اليوم فئة من علمائه ناصرة لمذهب السلف ومؤيدة له، وداعية إليه في مؤلفاتها ودروسها يلقنونه بحججه الناصعة وأدلته القاطعة وصار حديث الناس في أنديتهم ومحافلهم وظعنهم وإقامتهم مما يبشر بمستقبل زاهر بحول الله.
وقال في أواخر كتابه الآيات البينات (٣٠١ - ٣٠٢): ذكرنا في مبحث سير مذهب السلف في العقائد في المغرب عند الكلام على حديث الأولية أن الموحدين كانوا حملوا الناس بالسيف على مذهب المؤولة وأن الناس بعد ذهاب دولتهم، رجعوا لمذهب السلف مع تمسكهم بالمذهب الثاني، وأن العلماء صاروا يحكون القولين، وأن الحال استمر على ذلك إلى هذا القرن حسبما كل ذلك مبين في ص ١٥ - ١٦، وفاتنا أن نبين هناك أن الإمام أبا عبد الله محمد بن أحمد المسناوي الدلائي ثم الفاسي من علماء القرن الحادي عشر والثاني (١) قام بنصرة مذهب السلف وألف كتابه: جهد المقل القاصر في نصرة الشيخ عبد القادر (٢)، لطعن الناس في عقيدته الحنبلية وتتبع ما قيل فيه وفي شيخ الإسلام ابن تيمية، ونصرهما بما يعلم بالوقوف على تألفيه المذكور.
стр. 155
ولما جلس على عرش مملكة المغرب السلطان المعظم أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن إسماعيل العلوي قام في أوائل القرن الثالث عشر بنصرة هذا المذهب.
وصرح في أول كتابه الفتوحات الكبرى بكونه مالكي المذهب حنبلي العقيدة، وافتتح كتابه بعقيدة الرسالة لكونها على مذهب السلف، وعقد في آخره بابا بين فيه وجه كونه حنبلي العقيدة، ونصره، ولم يزل معلنا بذلك في مؤلفاته ورسائله ومجالسه العلمية.
وقد نقل عنه أبو القاسم الزياني أنه كان يطعن في الرحالة ابن بطوطة ويلمزه في عقيدته ويكذبه فيما ذكر في رحلته من أن شيخ الإسلام ابن تيمية كان يقرر يوما حديث النزول فنزل عن كرسيه، وقال: كنزولي هذا.
ويبرئ ابن تيمية من عقيدة التجسيم التي تفيدها هذه القضية، ويقرر أن ابن بطوطة كان يعتقد ذلك فأراد أن يظهره بنسبته إلى ابن تيمية.
ولما أفضت الخلافة إلى ولده أبي الربيع سليمان نهج منهجه في ذلك، واتصلت المكاتبة بينه وبين الأمير سعود ناصر المذهب الوهابي الحنبلي حين افتتح الحجاز، وطهره مما كان فيه من البدع، وأرسل وفدا مؤلفا من أولاده وبعض علماء حضرته، ووجه له قصيدة من إنشاء شاعر حضرته العلامة المحدث الصوفي الأديب أبي الفيض حمدون بن الحاج مجيبا له عن كتابه ومادحا له، ولمذهبهم السني السلفي، ولم يقتصر على ذلك بل تعداه إلى إنكار ما أدخله أرباب الزوايا في التصوف من البدع مع أنه كان ناصري الطريقة.
стр. 156
وأمر بقطع المواسم التي هي كعبة المبتدعة والفاسقين، وكتب رسالته المشهورة وأمر سائر خطباء إيالته بالخطبة بها على سائر المنابر، إرشادا للناس لاتباع السنن ومجانبة البدع.
ولولا مقاومة مشايخ الزوايا من أهل عصره له وبثهم الفتنة في كافة المغرب، وتعضيد من خرج عليه من قرابته وغيرهم، واشتغاله بمقابلتهم، وانكساره أمامهم، لولا كل ذلك لعمت دعوته الإصلاحية كافة المغرب، ولكن بوجودهم ذهبت مساعيه أدراج الرياح، فذهبت فكرة الإصلاح ونصرة مذهب السلف بموته.
ولما حج شيخنا أبو سالم عبد الله بن إدريس السنوسي، ورجع إلى المغرب محدثا بما تحمله عمن لقي من أهل الحديث والأثر كمحمد نذير حسين الهندي المحدث الأثري المشهور وأضرابه، ووفد على السلطان المقدس المولى الحسن رحمه الله تعالى قربه وأدناه وأمره بحضور مجالسه الحديثية، فأعلن بمحضره وجوب الرجوع للكتاب والسنة، ونبذ ما سواهما من الآراء والأقيسة، ونصر مذهب السلف في العقائد، واشتد الجدال بينه وبين من كان يحضر من العلماء في ذلك المجلس، كل فريق يؤيد مذهبه ومعتقده.
إلا أن السلطان لم يكن يعمل بأقوال العلماء فيه، ككونه معتزليا وخارجيا وبدعيا، بل كان في الحقيقة ناصرا له بما كان يخصه به من العطايا والصلات زيادة على سهمه معهم في جوائزه المعتادة.
стр. 157
وبسبب تعضيد السلطان له بعطاياه ثابر على مذهبه طول حياته، فنشره في كافة أنحاء المغرب وتلقاه عنه كثير من مستقلي الأفكار منذ أوائل هذا القرن، إلى أن توفي منتصفه رحمه الله تعالى، حسبما استوفينا الكلام على ذلك في ترجمته من المعجم (ص ٧١ ج ٢).
هكذا تقلب هذا المذهب في المغرب وهو اليوم شائع منصور بفضل القائمين به وتأييده بالأدلة الصحيحة، وسيزداد اليوم ظهورا. انتهى.
ورجح مذهب السلف في الصفات في الآيات البينات (١٧٣) وضعف تأويلهم لصفة القَدَم، ومما قال:
ولا يخفى أن كل ذلك تكلف وتقدم بين يدي الله ورسوله وغفلة عن كون النبي ﷺ وعلى آله، مع فصاحته وبيانه وإرشاده للأمة ونصحه في تبليغه يمتنع عليه أن يريد بكلامه خلاف ظاهره أو يخاطب الأمة بما يوقعها في التشبيه، وهو ما بعثه الله تعالى إلا للتوحيد وهداية البشر من الشرك.
إلى أن قال: وإذا كان الأمر كما ذكر فلا حاجة إلى تأويل شيء من المتشابهات مما ورد في القرآن والسنة الصحيحة، بل يؤمن بها كما وردت، ويرد علم المراد منها إلى الله تعالى.
стр. 158
علماء المغرب والدعوة الوهابية
من أهم أصول الدعوة الوهابية:
- اعتقاد العقيدة السلفية وتجنب العقائد المخالفة لها، ومن بينها الأشعرية.
- محاربة البدع المحدثة في الدين، ووجوب اتباع السنة.
- عدم جواز تعظيم القبور والأضرحة.
وقد تبين من خلال هذه الرسالة أن عددا من علماء المغرب قالوا بمضمون هذه الأصول قبل ظهور المذهب الوهابي، ولذلك فمن المجزوم به والمقطوع به بطلان ادعاء من زعم أن عقائد المذهب الوهابي طارئة على المغرب.
لكن أول اتصال مباشر وواضح حدث بين الدعوة الوهابية وبين المغاربة كان في عهد السلطان المولى سليمان.
قال الناصري في الاستقصا (٨/ ١٢٠): ولما استولى ابن سعود على الحرمين الشريفين بعث كتبه إلى الآفاق كالعراق والشام ومصر والمغرب, يدعو الناس إلى اتباع مذهبه, والتمسك بدعوته, ولما وصل كتابه إلى تونس
стр. 159
بعث مفتيها نسخة منه إلى علماء فاس فتصدى للجواب عنه الشيخ العلامة الأديب أبو الفيض حمدون بن الحاج (١).
قلت: وردت الرسالة من تونس سنة ١٢٢٧/ ١٨١٢ (٢).
وقد ذكر الرسالة أبو القاسم الزياني في الترجمانة (٣٩٤ - فمابعد) (٣)، وذكرتها بتمامها في بحثي: "دخول دعوة محمد بن عبد الوهاب إلى المغرب". المنشور ضمن كتابي: صفحات مشرقة.
ومما قال فيها: وإذا علم هذا فمعلوم ما جئتم به من حوادث الأمور التي أعظمت الإشراك به والتوجه إلى الموتى وسؤالهم النصر على الأعداء وقضاء الحاجات, وتفريج الكربات, التي لا يقدر عليها إلا رب الأرض والسماوات, وكذلك التقرب إليهم بالزيارة وذبح القربات, والاستعانة بهم في
стр. 160
كشف الشدائد, وجلب الفوائد, إلى غير ذلك من أنواع العبادات التي لا تصح إلا لله.
وصرف شيء من أنواع العبادات لغير الله كصرف جميعها, لأنه سبحانه أغنى الأغنياء عن الشرك، ولا يقبل من العمل إلا ما كان خالصا لوجهه, وأخبر أن المشركين يدعون الملائكة والأنبياء والصالحين ليقربوهم إلى الله زلفى, ويشفعوا لهم عنده, وأخبر أنه ﴿لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [الزمر:٣] , وقال تعالى ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس:١٨].
وأخبر أن من جعل بينه وبين الله وسائط بوسم الشفاعة فقد عبدهم وأشرك به, وإذا كانت الشفاعة كلها لله كما قال تعالى: ﴿قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً﴾ [الزمر:٤٤] فلا يشفع أحد عنده إلا بإذنه ﴿مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥]. وقال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ لَّا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً﴾ [طه:١٠٩].
وهو سبحانه لا يرضى إلا التوحيد كما قال تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء:٢٨].
فالشفاعة حق, ولا تطلب إلا من الله كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ [الجن:١٨] , وقال تعالى: ﴿وَلاَ تَدْعُ
стр. 161
مِن دُونِ اللهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِّنَ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس:١٠٦].
فإذا كان رسول الله ﷺ وهو سيد الشفعاء, وصاحب المقام المحمود, وآدم فمن دونه تحت لوائه لا يشفع إلا بإذنه, ولا يشفع ابتداء، بل يأتي فيخر لله ساجدا فيحمد أنعامه بمحامد نعمه أياما فيقول له: ارفع رأسك وسل تعط: واشفع تشفع، ثم يحد له حدائد يدخلهم الجنة, فكيف بغيره من الأنبياء والأولياء؟.
وهذا الذي ذكرناه لا يخالف فيه أحد من المسلمين, قد أجمع عليه السلف الصالح من الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة وغيرهم, ممن سلك سبيلهم ودرج على مناهجهم, وما حدث من سؤال الأنبياء والأولياء من الشفاعة بعد موتهم, وتعظيم قبورهم, ببناء القباب عليها, وإسراجها والصلاة عندها, واتخاذها أعيادا وجعل الصدقة والنذر لها.
فكل ذلك من حوادث الأمور التي أخبر بوقوعها ﷺ وحذر أمته منها, وفي الحديث عنه ﷺ أنه قال: «لا تقوم الساعة حتى يلحق حي من أمتي بالمشركين وحتى تعبد أقوام من أمتي الأوثان» (١).
وهو ﷺ حمى حماية الدين وحمى جانب التوحيد أعظم حماية ووسم كل طريق موصل إلى الشرك.
стр. 162
فنهى أن يجصص القبر ويبنى عليه، كما ثبت في صحيح مسلم من طريق جابر (١) , وثبت فيه لفظ أنه بعث علي بن أبي طالب ﵁ وأمره ألا يدع قبرا مشرفا إلا سواه ولا عاليا إلا طمسه (٢).
ولذا قال غير واحد من العلماء, يجب هدم القباب المبنية على القبور، لأنها أسست على معصية الرسول ﷺ ... إلى آخر الرسالة.
الجواب المغربي على الرسالة:
لما وصلت الرسالة إلى السلطان المولى سليمان بن محمد أمر كبير علمائه أبا الفيض حمدون بن الحاج بتحرير جواب عن هذه الرسالة وأوفد نجله إبراهيم سنة ١٢٢٦ بالجواب مع جماعة من العلماء والأعيان.
وتكلم بلسان الوفد محمد بن إبراهيم الزداغي قاضي مراكش (٣).
قال أكنسوس في الجيش العرمرم الخماسي (١/ ٢٩١ - ٢٩٢): حدثنا جماعة وافرة ممن حج مع المولى إبراهيم في تلك الحجة مثل الفقيه العلامة القاضي السيد محمد بن إبراهيم الزداغي المراكشي، والفقيه العلامة القاضي السيد العباس بن كيران الفاسي، والفقيه الشريف البركة سيدي الأمين بن
стр. 163
جعفر الحسني الرتبي، والفقيه الموقت الصادق الأمين السيد عبد الخالق الوديي حدث كل واحد منهم أنهم مارأوا من ذلك السلطان سعود، ما يخالف ما عرفوه من ظاهر الشريعة , وإنما شاهدوا منه ومن أتباعه غاية الاستقامة، والقيام بشعائر الإسلام من صلاة وطهارة وصيام، ونهي عن المناكر المحرمة، وتنقية الحرمين الشريفين من القذرات والآثام التي كانت تفعل بها جهارا بلا إنكار.
وذكروا أن حاله كحال أحد من الناس لا تميزه من غيره بزي ولا لباس ولا مركوب , وإنه لما اجتمع بالشريف الخليفة مولانا إبراهيم أظهر له التعظيم الواجب لأهل البيت الشريف , وجلس معه كجلوس هؤلاء المذكورين وغيرهم من خاصة مولانا إبراهيم , وكان الذي تولى الكلام معه هو القاضي ابن إبراهيم الزداغي.
وكان من جملة ما قال لهم إن الناس يزعمون أننا مخالفون للسنة المحمدية, فأي شيء رأيتمونا خالفنا فيه السنة، وأي شيء سمعتموه عنا قبل رؤيتكم لنا.
فقال له القاضي المذكور: بلغنا أنكم تقولون بالاستواء الذاتي المستلزم لجسمية المستوي.
стр. 164
فقال لهم: معاذ الله، إنما نقول كما قال مالك: الاستواء معلوم والكيف مجهول والسؤال عنه بدعة انتهى (١) , فهل في هذا مخالفة؟
فقالوا له: لا، وبمثل هذا نقول نحن أيضا.
ثم قال له القاضي: وبلغنا عنكم أنكم تقولون بعدم حياة النبي وإخوانه من الأنبياء ﵈ في قبورهم.
فلما سمع ذكر النبي صلى الله عليه وسلام ارتعد ورفع صوته بالصلاة والتسليم عليه, وقال: معاذ الله تعالى، بل نقول إنه ﷺ حي في قبره, وكذلك غيره من الأنبياء حياة فوق حياة الشهداء.
ثم قال له القاضي: وبلغنا أنكم تمنعون من زيارته ﷺ وزيارة الأموات قاطبة مع ثبوتها في الصحاح التي لا يمكن إنكارها.
فقال له: معاذ الله أن ننكر ما ثبت في شرعنا, وهل منعناكم أنتم منها لما عرفنا أنكم تعرفون كيفيتها وآدابها , وإنما نمنع منها العامة الذين يشركون العبودية بالألوهية ويطلبون من الأموات أن تقضي لهم أغراضهم التي لا يقضيها إلا الربوبية , وإنما سبيل الزيارة الاعتبار بحال الموتى وتذكار مصير الزائر إلى مثل ما صار إليه المزور, ثم يدعو له بالمغفرة ويستشفع به إلى الله تعالى, ويسأل الله تعالى المنفرد بالإعطاء والمنع بجاه ذلك الميت إن كان ممن يليق أن يستشفع به, هذا قول إمامنا أحمد بن حنبل ﵁.
стр. 165
ولما كان العوام في غاية البعد عن إدراك هذا المعنى منعناهم سدا للذريعة , فأي مخالفة للسنة في هذا القدر. انتهى.
هذا ما حدث به أولئك المذكورون سمعنا ذلك من بعضهم جماعة , ثم سألنا الباقي أفرادا فاتفق خبرهم على ذلك, وهذا المذكور كله ليس فيه ما ينكر, وغاية مايقال في الوهابي المذكور إنه من غلاة الحنابلة أتباع الإمام أحمد ﵁ مثل ابن تيمية وابن حزم (١) , فإن الحنابلة ﵃ لهم مسائل ينكرها غيرهم من أرباب المذاهب, ولايضرهم ذلك، وهكذا كل أهل مذهب لايقولون إلا بقول إمامهم, وينكرون غيره, فهذا أكبر أتباع الإمام أحمد ﵁، وهو الشيخ الكامل المكمل مولانا عبد القادر الجيلالي ﵁ وأرضاه, فقد ذكر في كتابه "الغنية": الطائفة الطاهرة الأشعرية التي وقع الاجماع المعتبر على معتقد السنة هو معتقدهم (٢). لما ذكر الشيخ ﵁ في الكتاب المذكور الفرق الضالة وعدهم عدا ذكر الأشعرية من جملتهم, وقال في حقهم: إنه لا تؤكل ذبيحتهم ولا تسنم قبورهم إذا ماتوا ولا يناكحون, وأطال في ذلك.
فإذا كان هذا واقعا من هذا الشيخ العظيم ولا ينقص ذلك من قدره شعرة واحدة, فإذا مدح شخص مولانا عبد القادر كما هو الواجب فهل يلام
стр. 166
المادح له, ويقال له إنك مدحت من خالف الأشعرية باعتقاده باجتهاد إمامه الأعظم, فإذن لا ملامة على الشيخ العلامة الحجة أبي الفيض سيدي حمدون في مدحه لسعود بأمر أمير المؤمنين, إذ علم أنه ليس في علماء الوقت من يحسن الجواب عن ذلك الكتاب غيره, على أنه ما مدحه على اعتقاده المخالف, إنما مدحه بأفعاله الحسنة الظاهرة من تأمين الحجاز وتنظيفه وغير ذلك مما لاينكر حسنه.
ونقل النص كذلك الناصري في الاستقصا (٨/ ٢١).
قلت: ونص الرد المغربي على رسالة محمد بن عبد الوهاب ذكره حمدون بن الحاج في ديوانه النوافح الغالية (٤٣٩) , ونقله عنه أحمد العراقي في بحثه: الرد المغربي على الرسالة المنسوبة للشيخ محمد بن عبد الوهاب, المنشور بمجلة المناهل ع ٣٠ سنة ١٩٨٤. ص ١٢٩.
ونقل فقرات منه الزياني في الترجمانة (٣٨٩) وأكنسوس في الجيش العرمرم.
والرد المغربي عبارة عن قصيدة ميمية من البسيط, تتكون من (١٩٩) بيتا, تتخللها فقرات من النثر.
وأهم مضامين الرد كما يلي:
استهلها بذكر بعض بقاع الحرمين وفضلها وشوقه لرؤيتها.
ثم أثنى على الملك سعود وعلى محاربته للبدع والمفسدين.
стр. 167
ثم عاد للثناء على الأعمال الجليلة التي قام بها العاهل السعودي ومنها: رد البدع وإحياء السنن.
ثم شرع في نقاش طويل حول الأمور المنسوبة للدعوة.
منها تكفير الجهال الذين يغلون في بعض الأنبياء والصالحين، ونص على أنه لا يجوز تكفيرهم, لأن السلف لم يكفروا من هم أشد بدعة منهم.
ومنها مسألة الاستغاثة بالنبي وبناء الأضرحة على الأولياء، وهذه المسألة خالف فيها علماء الدعوة, فجوز بناء الأضرحة لأنها تذكر بأحوال الصالحين, وفي هدمها طمس لمعالمهم وآثارهم.
وهذه حجة داحضة، بنيت على شفا جرف هار. وليس هذا محل بسط ذلك.
ثم عاد ليؤكد أن هذا منه محض النصيحة التي أمر الرسول بها.
ثم نص على أنه على اعتقاد أحمد بن حنبل من إبقاء الصفات على ظواهرها دون تأويل (١) , وأنه مذهب والده المولى محمد بن عبد الله.
ثم ذكر شبهات تثار حول الدعوة واستبعد صحتها, ككونهم يأمرون من دان بدينهم سب والديه وقطع رحمه, ونحو ذلك.
ثم ذكر أنه لما تبين له الحق من جميع ذلك أرسل وفدا فيهم نجله وفلذة كبده بالجواب.
стр. 168
وعموما فالرسالة كلها أدب واحترام ونقاش بالتي هي أحسن. وحتى المسائل التي خالف فيها اعترف لسعود برأيه وفضله, ونصح بآداب النصح ولم يسلك مسالك المخالفين للشيخ محمد بن عبد الوهاب، الذين ملؤوا ردودهم عليه سبا وشتما.
ومن علماء المغرب الذين عرفوا بالدفاع عن دعوة محمد بن عبد الوهاب: العلامة الحجوي الثعالبي محمد بن الحسن (المتوفى سنة ١٣٧٦) صاحب الفكر السامي (١).
فقد قال ﵀ في ترجمة ابن تيمية من كتابه الفكر السامي (٢/ ٣٦٤): وأفكاره في فهم حقيقة الدين الإسلامي وتجريده عن زوائد الابتداع، وإخلاص الدعوة للتوحيد الحق وترك المغالاة في تعظيم المخلوق، كي لا يلحق بالخالق، هي الأصل في مذهب الوهابية، فتواليفه ومبادئه هي الأصول التي يرجعون إليها، ومجمل مذهبهم توحيد خالص، والعمل بالكتاب والسنة الصحيحة أو الحسنة، وترك تقاليد الأوهام، واستقلال الفكر في فهم الشريعة من كتاب وسنة وقياس، واتباع السلف ونبذ المحدثات، على هذا تدور سائر كتبه، وهذا ما كان عليه السلف الصالح ﵃، فهو من المجددين ...
стр. 169
وقال في ترجمة محمد بن عبد الوهاب (٢/ ٣٧٣ - ٣٧٤): عقيدته السنة الخالصة على مذهب السلف المتمسكين بمحض القرآن والسنة لايخوض التأويل والفلسفة، ولا يدخلهما في عقيدته ...
وأعظم خلاف بينهم وبين أهل السنة هو مسألة التوسل، وتكفيرهم من يتوسل بالمخلوق، فالخلاف في الحقيقة ليس في الأصول التي يبنى عليها التكفير أو التبديع , وإنما هو في أمور ثانوية , وأهمه هذه.
ومن جملة مبادئهم التمسك بالسنة , وإلزام الناس بصلاة الجماعة , وترك الخمر , وإقامة الحد على متعاطيها ومنعها كليا في مملكتهم , بل منع شرب الدخان ونحوه مما هو من المشتبهات , ومذهب أحمد مبني على سد الذرائع كما لايخفى، ونحو هذا من التشديدات التي لا يراها المتساهلون أو المترخصون , وكل هذا لايخالف سنة ...
وإن ابن سعود توصل بنشر هذا المذهب لأمنيته، وهي الاستقلال , والتملص من سيادة الأتراك، والنفس العربية ذات شمم , فقد بدأ أولا بنشر المذهب , فجر وراءه قبائل نجد وأكثرية عظيمة من سيوف العرب , إذ العرب لاتقوم لهم دولة إلا على دعوى دينية , ولما رأى الأتراك ذلك ووقفوا على قصده , نشروا دعاية ضده في العالم الإسلامي العظيم الذي كان تابعا لهم , وشنع علماؤهم عليه بالمروق من الدين, وهدم مؤسساته، واستخفافهم بما هو معظم بالإجماع كالأضرحة , وتكفير الإسلام, واستحلال دمائه إلى غير ذلك مما تقف عليه في غير هذا , وشايعهم جمهور العلماء في تركيا والشام ومصر
стр. 170
والعراق وتونس وغيرها, وانتدبوا للرد عليه بأقلامهم , وخالفهم المولى سليمان سلطان المغرب، فارتضى مبادئه إلا ما كان من تكفير من يتوسل، واستحلال دمه، فلا أظن أنه يقول بذلك حتى مدحه شاعره وأستاذه الشيخ حمدون بن الحاج، وتوجهت القصيدة مع نجل الأمير المولى إبراهيم حين حج مما تقف على ذلك في تاريخنا لإفريقيا الشمالية منقولا عن أبي القاسم الزياني وغيره.
ثم حصحص الحق وتبين أن المسألة سياسية لا دينية، فإن أهل الدين في الحقيقة متفقون، وإنما السياسة نشرت جلبابها، وأرسلت ضبابها، وساعدت الأقلام بفصاحتها، فكانت هي الغاز الخانق، فتجسمت المسألة وهي غير جسيمة، ولعبت السياسة دورها على مسرح أفكار ذهب رشدها، فسالت الدماء باسم الدين على غير خلاف ديني، وإنما هو سياسي ...