← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 96922

علماء المغرب ومقاومتهم للبدع والتصوف والقبورية والمواسم

مصطفى باحو

Полный текст (170 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

والخوارج وغيرهم: على أن تلك الفرق الضالة قد ذهب جلها، إن لم نقل كلها بما له وما عليه، ولم تكن في نظري ونظر ذوي النظر الصائب ممن مارس التاريخ وزاوله، إلا أتقى وأنقى بكثير وأبعد نظرا، وأبهى مخبرا ومنظرا من بعض الفرق الموجودة الآن، إذ ليس منهم من كان يفضل كلام المخلوق العاجز الضعيف الحادث على كلام الخالق القادر القوي القديم سبحانه، ولا من يتخذ ضرائح الأولياء والصلحاء ملجأ وكعبة وقبلة يتوجهون إليها، كما يتوجهون إلى الله تعالى، ويتطوفون بها، ويتمسحون بجدرانها، ويقبلون درابيزها وكساها كما يقبلون الحجر الأسود، ويركعون أمامها بجوارحهم وجوانحهم، ويسجدون لها بكيفية أرقى من السجود لله، معفرين خدودهم على ترابها، بل لم يكن فيهم من يتلبس بالمنكرات وهو يعتقد أنها عبادة تقربه من الله زلفى، ولا من يبيع دينه بدنيا غيره مؤخرا الصلاة عن وقتها لخدمة شيخ من المشايخ أو حضور حضرته، ولا من يتخذ طبلا ولا مزمارا ولا آلة لهو وطرب في المعابد التي أمر الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه. بل ذهب بعض علماء المغرب أبعد من هذا بكثير فهذا العلامة أحمد بن محمد بن تاويت التطواني ألف رسالة سماها: إخراج الخبايا في تحريم البناء على القبور والصلاة بالزوايا. حرم فيه البناء على القبور والصلاة في المقابر والزوايا. والرسالة بتقريظ وتأييد العلامة محمد كنون المذكوري.

стр. 107

ومما قال العلامة محمد كنون المذكوري في تقريظه: فقد راجعت ما كتبه وحرره فضيلة الفقيه العلامة سيدي أحمد بن محمد ابن تاويت التطواني في رسالته المسماة: " بإخراج الخبايا في تحريم البناء على القبور والصلاة بالزوايا". رادا فيها على من أجاز ذلك معتمدا على قول الشيخ خليل والمدونة أولا. وسكوت علماء فاس على تنبيه الناس على صحة صلاتهم بضريح المولى إدريس وغيره ثانيا. ولقد أجاد حفظه الله وأتى بالنصوص المستمدة من الينبوع الصافي السلسبيل كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ بما يشفي الغليل ويبرئ العليل، وأسمع لو نادى حيا، ولكن لا حياة لمن ينادي. ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم. إذ التقليد الأعمى سرى في أمزجتهم وعقولهم، وامتزج بدمهم ولحمهم، فلا تنفع فيهم أدلة الكتاب الكريم ولا سنة رسوله، ولا أقوال وأفعال الخلفاء الراشدين، ولا العشرة المبشرين بالجنة، ولا سائر الصحابة والتابعين وأتباعهم الذين هم خير القرون بشهادته ﷺ . هذا، وإنني كنت سئلت عن مثل ما جاء في الرسالة المذكورة من بعض النواحي، فأجبت بمثل ما أتى في هاته الرسالة، كما أنني كنت أقرر ذلك غيرما مرة سواء في الدروس أو في المجتمعات .. إلى أن قال: أما البناء على القبور سنقول فيه ما قلنا في شأن الصلاة، إذ كل ذلك مخالف للشرع. كما قاله وبينه رسول الله ﷺ وكما هو مبين

стр. 108

كذلك في الرسالة المشار إليها فلا داعية للتطويل بجلب الأولى على ذلك والاستدلال، "فماذا بعد الحق إلا الضلال". ومن الكتب المصنفة في ذلك أيضا: كتاب "حكم السنة والكتاب في وجوب هدم الزوايا والقباب" للشيخ العلامة عبد الرحمان محمد النتيفي الجعفري الزياني (المتوفى سنة ١٣٨٥هـ) الذي كان يحضر المجالس العلمية للسلطان محمد الخامس ﵀. وقد حققته قديما، ولا زال لم يطبع. ذهب فيه ﵀ إلى وجوب هدم كل ما بني على القبور والزوايا. وممن تعرض لهذه المسألة كذلك وأفتى بعدم جواز بناء الأضرحة وعدم جواز تعظيم القبور والمبالغة في تشييدها ونحوها العلامة محمد كنوني المذكوري مفتي رابطة علماء المغرب، وأيده في ذلك أمينها العام العلامة عبد الله كنون. قال ﵀: الجواب عن السؤال الثالث حول القبة التي تبنى على أضرحة الأولياء والصالحين، فذلك حرام وبدعة لم تكن في عهده ﷺ ، ولا في عهد خلفائه الراشدين ولا في عهد الصحابة والتابعين، فقد نص العلامة الشوكاني ﵀ أن بناء القبب والمساجد على القبور أمر محدث في الإسلام من قريب. اهـ. ومعلوم أن وفاته كانت سنة ١٢٥٠هـ. لما في ذلك من الإسراف وتضييع الأموال والزينة مما لا يرجع على الميت بنفع، وهذا المقام مقام خشوع

стр. 109

وخضوع، لا مقام زينة وفخر، ومما قاله الشيخ الشوكاني أيضا في رسالته المسماة (شرح الصدور في تحريم رفع القبور) ما نصه: اعلم أنه قد اتفق الناس سابقهم ولاحقهم، وأولهم وآخرهم من لدن الصحابة ﵃ إلى هذا الوقت أن رفع القبور والبناء عليها، بدعة من البدع التي ثبت النهي عنها، واشتد وعيد رسول الله ﷺ لفاعلها ولم يخالف في ذلك أحد من المسلمين أجمعين لكنه وقع للإمام يحيي بن حمزة (١) مقالة تدل على أنه لا بأس بالقباب والمشاهد على قبور الفضلاء، ولم يقل بذلك أحد غيره، ولا روي عن أحد سواه، إلى أن قال: فقد عرفت من هذا أنه لم يقل بذلك إلا الإمام يحيى، وعرفت دليله الذي استدل به، وهو استعمال المسلمين من غير نكير، ثم قال: فإذا عرفت هذا تقرر أن هذا خلاف واقع بين الإمام يحيي وبين سائر العلماء من الصحابة والتابعين ومن المتقدمين من أهل البيت ومن المتأخرين، ومن أهل المذاهب الأربعة وغيرها ومن جميع المجتهدين، أولهم وآخرهم الخ، ثم استشهد بآيات قرآنية كقوله سبحانه: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ [الحشر:٧] وكقوله: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ﴾ [آل عمران:٣١] الخ.

стр. 110

كما استدل بحديث الصحيحين عن عائشة ﵂، أن رسول الله ﷺ قال: «لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (١) ... وذكر نصوصا أخرى في النهي عن تعظيم القبور. وقال: السؤال السادس: حول الاستسقاء عند ضريح ولي كل عام في موعد محدد مع حفلة يسمونها الصدقة. الجواب عنه: أن الاستسقاء جعلت له الشريعة الإسلامية صلاة تخصه، فقد روى الأئمة أحمد والبخاري وأبو داود والنسائي، ورواه مسلم ولم يذكر الجهر بالقراءة عن عبد الله بن زيد ﵁ قال: رأيت النبي ﷺ يوم خرج يستسقي، قال: فحول إلى الناس ظهره واستقبل القبلة يدعو، ثم حول رداءه ثم صلى ركعتين جهر فيهما بالقراءة (٢) اهـ. هذه هي الصلاة المشروعة في الاستسقاء، لا أن يذهب الأحياء إلى الأموات ويقيمون عندهم الحفلات في أوقات مألوفة وأماكن معروفة، فأين الصلاة وأين الدعاء إلى الله، والالتجاء والتضرع إليه، كما وصف لنا ابن عباس في حديثه الذي رواه أبو داود والنسائي والترمذي وصححه، أن

стр. 111

رسول الله ﷺ خرج متواضعا مبتذلا متخشعا متضرعا فصلى ركعتين الخ (١)، وأين الاستغفار الذي كان يفعله الصحابة الكرام عند ذلك، لأن منع المطر لا يكون إلا عن ذنوب ومعاصي، والاستغفار يمحوها، فيزول بزوالها المانع من المطر. نعم، ثبت أن سيدنا عمر استسقى بسيدنا العباس ﵄ عند القحط، فقد روى البخاري عن أنس ﵁ أن عمر بن الخطاب كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب فقال: اللهم انا كنا نتوسل إليك بنبينا ﷺ فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبيك فاسقنا فيسقون. (٢) اهـ. وقد بينوا صفة ما دعا به العباس هذه الواقعة أنه قال: اللهم إنه لا ينزل بلاء إلا بذنب، ولم يكشف إلا بتوبة، وقد توجه بي القوم إليك لمكاني من نبيك، وهذه أيدينا إليك بالذنوب ونواصينا إليك بالتوبة، فاسقنا الغيث، قال: فأرخت السماء مثل الجبال، حتى أخصبت الأرض، وعاش الناس. ومن هنا استحب العلماء الاستسقاء بأهل الخير والصلاح وأهل بيت النبوءة، وكثرة الاستغفار، هو الذي لم يزد عليه عمر عندما خرج يستسقي مرة أخرى، حيث قرأ ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً يُرْسِلِ السَّمَاء

стр. 112

عَلَيْكُم مِّدْرَاراً﴾ [نوح: ١٠ - ١١] و ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَاراً﴾ [هود: ٥٢] الآية. فقيسوا أعمالكم يا من يقيمون الحفلات عند قبور الأموات التي تذكر الآخرة لا أفراح الدنيا، على أعمال رسولكم ﷺ ، وأعمال خلفائه الراشدين والصحابة المهتدين، فحينئذ يظهر أنكم تطلبون القحط لا القطر، حيث تركتم التوجه إلى ربكم الحي الدائم بالخضوع والخشوع، والاستغفار والخنوع إلى قبر، الله أعلم بحال صاحبه غافلين عن قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلاَ تُنظِرُونِ إِنَّ وَلِيِّيَ اللهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٤ - ١٩٦]. وقال: حكم النذر للقبور وزيارة النساء لها. الجواب عن السؤال السابع: حول النذور التي يفعلها العامة في البوادي للأولياء، والصالحين الأموات. إن النذر كما رواه النسائي (١) عنه ﷺ من طريق عمران بن حصين: نذران، فما كان من نذر في طاعة الله، فذلك لله وفيه الوفاء، وما كان من نذر في معصية الله، فذلك للشيطان ولا وفاء فيه، ويكفره ما يكفر اليمين.

стр. 113

وقال الشيخ خليل في مختصره: وإنما يلزم به ما ندب، كلله علي أو علي ضحية الخ. إلى أن قال: فاتضح أن بعد ما نذروه للأموات والقبور، وما نذروه لله الحي الدائم الشكور كبعد ما بينهما للمتأمل المنصف، والله يعصمنا من الزلل. وقال كذلك: الجواب عن السؤال الثامن: حول زيارة النساء للقباب وأضرحة الأولياء والقبور. الزيارة سيف ذو حدين، فتارة يكون مرغوبا فيها إذا كان القصد من الزائر التفكر والاعتبار بمصارع الأموات، وملاحظة أنه يجري عليه ما جرى عليهم، إذ كل نفس ذائقة الموت ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾ [الأنبياء:٣٤] كما قال الله تعالى فيحصل له بذلك الخشوع، وربما يترتب عن ذلك الرجوع إلى صراط الله المستقيم، بحيث تكون تلك الزيارة حافزة له على أفعال الخير، والابتعاد عن أفعال الشر، فهذه كما قلنا مرغوب فيها ويرشد إليها حديث بريدة عند مسلم قال: قال رسول الله ﷺ : كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها، وفي رواية: فمن أراد أن يزور القبور فليزرها، فإنها تذكره الآخرة (١) اهـ.

стр. 114

وتارة تكون حراما إذا خالطتها أمور محرمة كما يجري في زمننا، ولا سيما في أكثر المدن من خروج النساء متبرجات بزينة، متعطرات، وفيهن الكاشفات عما أمر الله به أن يستر، وخصوصا في بعض المناسبات، كأيام عاشوراء حيث تمتلئ المقابر بالغادي والرائح، والجاد والمازح، فيقع الاختلاط بين الرجال والنساء، فما شئت من غمزات وهمسات ومقدمات ومواعد، فهذه لا يقول مسلم بإباحتها، وما على الشاك في هذا إلا أن يختبر. يا ابن الكرام ألا تدنو فتبصر ما ... قد حدثوك فما راء كمن سمعا فعلى من ولاه الله أمور المسلمين أن يمنع هاته الزيارة التي لا ترضي الله ولا البشر. وقال محمد كنوني كذلك لما ذكر البدع المحرمة (٧١): ومنها البدع المحرمة كبناء القبب على القبور وزخرفتها وإيقاد الأنوار فيها حتى تبهر بمظهرها ضعاف الإيمان إلى الالتجاء إليها. قلت: وقد نص جمع من أئمة المالكية على كراهة قراءة القرآن في القبور. وقال الحطاب في مواهب الجليل في شرح مختصر الشيخ خليل (٣/ ٢٢٦) في فرع أفضل أركان الحج: ومذهب مالك كراهة القراءة على القبور، نقله سيدي ابن أبي جمرة في شرح مختصر البخاري. انتهى. ونص على المنع منها: أبو إسحاق الشاطبي، كما في المعيار (١/ ٣٢٧ - ٣٢٨). وكذا نص على بدعية قراءة "يس" حال تغسيل الميت (١/ ٣٢٧).

стр. 115

وذكر العلامة أبو عبد الله محمد بن محمد بن محمد العبدري الفاسي الشهير بابن الحاج (المتوفى سنة ٧٣٧ هـ) في كتابه "المدخل" من البدع: قراءة القرآن حال الدفن في المقابر، كما هو عمل المغاربة في بلدنا. قال (٣/ ٢٦٣): وينبغي أن لا يقرأ أحد إذ ذاك القرآن لوجهين: أحدهما: أن المحل محل فكرة واعتبار ونظر في المآل، وذلك يشغل عن استماع القرآن، والله تعالى يقول في كتابه العزيز: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا﴾، والإنصات متعذر لشغل القلب بالفكر فيما هو إليه صائر، وعليه قادم. الوجه الثاني: أنه لم يكن من فعل من مضى، وهم السابقون والقدوة المتبعون، ونحن التابعون، فيسعنا ما وسعهم، فالخير والبركة والرحمة في اتباعهم، وفقنا الله لذلك بمنه. وقال (٣/ ٢٦٤) بعد أن ذكر أنه لا يجوز رفع القبور أكثر من تسنيمه الذي يعرف به ويميز: وأما تعلية البناء الكثير على نحو ما كانت الجاهلية تفعله تفخيما وتعظيما، فذلك يهدم ويزال، فإن فيه استعمال زينة الدنيا في أول منازل الآخرة وتشبيها بمن كان يعظم القبور ويعبدها، وباعتبار هذه المعاني وظاهر النهي ينبغي أن يقال: هو حرام.

стр. 116

قال أبو عبد الله محمد بن أحمد العبدي الكانوني (المتوفى سنة ١٣٥٦ هـ/١٩٣٥ م): في كتابه جواهر الكمال في تراجم الرجال (١٣٧ - ١٣٨ - المطبعة العربية بالبيضاء): وإنما هو مقام كسائر المقامات التي تزار ويتبرك بها. وقد ابتلي الناس من هذه المقامات بداهية عمياء، إذ بينما نحن ننظر فيما دهينا به من القِبب المزخرفة على أصحابها الحقيقيين، والحال أن الفقراء والمساكين في مضيعة يموتون جوعا، والناس يتباهون في زخرفة الحيطان وتنميقها وإنفاق جلائل الأموال عليها، واتخاذها شبكة لاصطياد الحطام الدنيوي، إذ ظهر لنا ما هو أدهى وأمَرّ، ألا وهو تشييد القبب على مواضع لم يدفن فيها أحد، بل بنيت لمجرد رؤيا منامية، أو لكون الصالح الفلاني مر منها، أو جلس أو أو .. رغبة منهم في جمع الحطام، قبح الله المطامع ولا بارك في أهلها. وهذا هو السر في كثرتها، كمثل مقامات الشيخ عبد القادر الجيلاني مع أنه لم يدخل المغرب قط. وقد شيدت قبة بقبيلة عبدة حوز آسفي أواسط القرن الماضي بموضع عُرف بالمقام ادُعي أنه مقامه، بناها رجل اسمه الحاج سلام، شرَّق وزار الشيخ عبد القادر، ولما رجع بنى له هذه القبة، ليستغلها جزاء رحلته إليه. وبفاس خصص الجهلة ناحية من كلية القرويين، وسموها خلوة الشيخ عبد القادر، ويتمسحون بالماء المار محاذيا لها خارج المسجد. وبدكالة قبة الزعيم السيد محمد العياشي مع أنه لم يمت هناك. وبسوس قبة سيدنا علي بن أبي طالب يقام عليها موسم سنوي، مع أنه لم يدخل المغرب. وبالجديدة سيدي الضاوي وسيدي بوافي، ولم يتحقق هناك أحد إلا أنهما كانا مركزين للمجاهدين، بل هذا صاحبنا سيدي محمد بن الزبير الناصري الذي توفي بآسفي سنة ١٣٤٠ وهذا مقامه بدكالة بموضع يعرف "حدير" يزار ويتبرك به، وقد كان شُرع في البنيان عليه. ولم يكتف الناس بتشييد القبب على الإنس حتى تخطوا ذلك إلى الجن، فهذا مقام شمهروش الجني بجبل "غيغاية" بأحواز مراكش للناس به ولوع. ولو استرسلت في البحث لكان العدد أكثر والأمر أفظع، فإن ذلك دليل على ضعف الوازع الديني، وقلة اليقين بالله، حيث لم يقف الناس عند حد التغالي في الصالحين، ونسبة إدرار الأرزاق على الخلق إليهم، وأنهم هم المتصرفون في الكون، فلا يعطى شيء لأحد إلا من تحت أيديهم، حتى تجاوزوه إلى التغالي في المواضع الموهومة، وشد الرحلة إليها، والإفراط في تعظيمها، وشييد البنيان عليها، بإنفاق جلائل الأموال. ولعمري إنه لو كان ينزل الوحي من السماء بعد النبي سيدنا محمد بن عبد الله ﷺ لنزل فينا أكثر من الأمم الماضية لارتكابنا أقبح الأفعال وأشنعها من غير خوف من الله ولا وجل. أليس الذي ينسب إلى الولي أنه يعطي المال والولد والوظائف وكل شيء قد اتخذ مع الله إلها؟ أليس الذي تقول له احلف لي على حقي، يحلف لك ما شئت من المرات، وإذا ذكرت له الحلف بالولي الفلاني فإنه يقف حائرا، لما وقر في قلبه من ذلك الولي؟ أليس إنه خاف الولي أكثر من خوفه الله، وعظمه أشد من تعظيم الله؟ وهذا معنى الربوبية، بل يجب على من له معرفة بقدر الواجب الملقى على عاتقه في حق أمته أن يقوم بالتعليم والإرشاد، وبيان العقيدة الصحيحة، والفرق بين الرب والولي، لنخرج من هذه الهوة السحيقة والمفازة المهلكة، التي أوقعنا فيها الجهل بديننا، والخروج عن تعاليمه النقية، وقد صار سلفنا على منهاجه حتى بلغوا قمة المجد، ودانت لهم البلاد والعباد، ونشروا رواق العدالة والنور على أمم الأرض التي كانت أبعد الناس عن ذلك. وها نحن قد بدلنا العلم بالجهل، والسيادة بالعبودية، والغنى بالفقر، والعز بالذلة، فيا لله ويا للعقلاء من أمة نسيت مجدها القديم، وجهلت فخرها الصميم، وقنعت من الإسلام بالاسم فقط. المغاربة والاحتفال بمواسم الأضرحة لم تعرف ظاهرة المواسم في المغرب إلا في العصور المتأخرة مع كثرة بناء الأضرحة وانتشار الطرق الصوفية، ولما جاء عهد السلطان العلوي المولى سليمان ﵀ عاين ما كان يحدث فيها من انحراف وبدع وفسوق وفجور فكان له موقف جريء حيالها، لم يعرف في تاريخ المغرب له نظيرا، فأصدر مرسوما أبطل فيه المواسم ومنع من إقامتها (١). وأقدم مصدر نشر المرسوم هو الترجمانة الكبرى لأبي القاسم الزياني (٤٦٦ - فما بعد) (٢).

стр. 117

ومما قال المولى سليمان في مرسومه هذا: ولهذا نرثي لغفلتكم وعدم إحسانكم, ونغار من استيلاء الشيطان بالبدع على أنواعكم وأجناسكم, فألقوا لأمر الله آذانكم, وأيقظوا من نوم الغفلة أجفانكم, وطهروا من دنس البدع إيمانكم, وأخلصوا الله إسراركم وإعلانكم. واعلموا أن الله بمحض فضله أوضح لكم طرق السنة لتسلكوها, وصرح بذم اللهو والشهوات لتملكوها, وكلفكم لينظر عملكم, فاسمعوا قوله في ذلك وأطيعوه, واعرفوا فضله عليكم وعوه, واتركوا عنكم بدع المواسم التي أنتم بها متلبسون والبدع التي يزينها أهل الأهواء ويلبسون, وافترقوا أوزاعا, وانتزعوا الأديان والأموال انتزاعا, بما هو صراح كتابا وسنة وإجماعا, وتسموا فقراء, وأحدثوا في دين الله ما استوجبوا به سقرا, ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً﴾ [الكهف:١٠٣] الآية. وكل ذلك بدعة شنيعة, وفعلة فظيعة, وشيمة وضيعة, وسنة مخالفة لأحكام الشريعة, وتلبيس وضلال, وتدليس شيطاني وخبال, زينه الشيطان لأوليائه فوقتوا له أوقاتا, وأنفقوا في سبيل الطاغوت في ذلك دراهم وأقواتا, وتصدى له أهل البدع من (عساوة وجلالة) وغيرهم من ذوي البدع والضلالة، والحماقة والجهالة, وصاروا يرتقبون للهوهم الساعات, وتتزاحم على حبال الشيطان وعصيه منهم الجماعات. وكل ذلك حرام ممنوع, الإنفاق فيه إنفاق في غير مشروع.

стр. 118

فأنشدكم الله عباد الله هل فعل رسول الله ﷺ لحمزة عمه سيد الشهداء موسما, وهل فعل سيد هذه الأمة أبو بكر لسيد الإرسال, صلوات الله عليه وعلى جميع الأصحاب والآل موسما؟ وهل فعل عمر لأبي بكر موسما؟ وهل تصدى لذلك أحد من التابعين ﵃ أجمعين. ثم أنشدكم الله هل حرمت على عهد رسول الله ﷺ المساجد, أو زوقت أضرحة الصحابة والتابعين الأماجد. وكأني بكم تقولون في نحو المواسم المذكورة, وزخرفة أضرحة الصالحين وغير ذلك من أنواع الابتداع, حسبنا الاقتداء والاتباع, ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف:٢٢] الآية. وهذه المقالة قالها الجاحدون, هيهات هيهات لما توعدون, وقد رد الله مقالهم, ووبخهم وما أقالهم. فالعاقل من اقتدى بآبائه المهتدين, وأهل الصلاح والدين, (خير القرون: الحديث)، وبالضرورة إنه لن يأت آخر هذه الأمة بأهدى مما كان عليه أولها, فقد نص رسول الله صلى عليه وسلم, وعقد الدين قد سجل, ووعد الله بإكماله قد عجل، ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة:٣] الآية. قال عمر بن الخطاب ﵁: (أيها الناس قد سنت لكم السنن وفرضت لكم الفرائض وتركتم على الجادة , فلا تميلوا بالناس يمينا ولا شمالا). فليس في دين الله, ولا فيما شرع نبي الله, أن يتقرب لله بغناء وشطح, والذكر الذي أمر الله به, وحث عليه ومدح الذاكرين به, هو على الوجه

стр. 119

الذي كان يفعله ﷺ , ولم يكن على طريق الجمع ورفع الأصوات على لسان واحد, فهذه سنة السلف وطريقة صالحي الخلف, فمن قال بغير طريقهم فلا يستمع, ومن سلك غير سبيلهم فلا يتبع, ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء:١١٥] الآية ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللهِ﴾ [يوسف:١٠٨] الآية. فما لكم يا عباد الله ولهذه البدع أأمنا من مكر الله, أتلبيسا على عباد الله, أمنابذة لمن النواصي في يديه, أم غرورا بمن الرجوع بعد إليه. فتوبوا واعتبروا وغيروا المناكر واستغفروا, فقد أخذ الله بذنب المترفين من دونهم, وعاقب الجمهور لما أغضوا عن المنكر عيونهم, وساءت بالغفلة عن الله عقبى الجميع مابين العاصي والمداهن المطيع. أفيزلكم الشيطان وكتاب الله بأيديكم, أم كيف يضلكم وسنة نبيه تناديكم، فتوبوا إلى رب الأرباب, ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ [الزمر:٥٤]. الآية. ومن أراد منكم التقرب بصدقة أو وفق لمعروف إطعام أو نفقة, فعلى من ذكر الله في كتابه, ووعد فيهم بجزيل ثوابه, كذوي الضرورة الغير الخافية, والمرضى الذين لستم بأولى منهم بالعافية, ففي مثل هذا تسد الذرائع, وفيه تمثل أوامر الشرائع ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء﴾ [التوبة:٦٠] الآية. ولا يتقرب إلى مالك النواصي بالبدع والمعاصي, بل بما يتقرب به الأولياء والصالحون والأتقياء المفلحون, بكل حلال, وقيام الليالي, ومجاهدة

стр. 120

النفس في حفظ الأحوال, بالأفعال والأقوال, البطن وما حوى, والرأس وما وعى, وآيات تتلى, وسلوك الطريقة المثلى, وحج وجهاد, ورعاية السنة في المواسم والأعياد, ونصيحة تهتدى, وأمانة تؤدى, وخلق على خلق القرآن يحدى, وصلاة وصيام, واجتناب مواقع الآثام, وبيع النفس والمال من الله ﴿إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة:١١١] الآية. ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ﴾ [البقرة:١٧٧] الآية ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً﴾ [الأنعام:١٥٣] الآية. الصراط المستقيم كتاب الله وسنة رسول الله، وليس الصراط كثرة الرايات، والاجتماع للبيات، وحضور النساء والأحداث، وتغيير الأحكام الشرعية بالبدع والأحداث، والتصفيق والرقص، وغير ذلك من أوصاف الرذائل والنقص، ﴿أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ﴾ [فاطر:٨] الآية. عن المقدام بن معدي كرب سمعت رسول الله ﷺ يقول: يجاء بالرجل يوم القيامة وبين يديه راية يحملها، وأناس يتبعونه فيسأل عنهم ويسألون عنه، ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ [البقرة:١٦٦] الآية. فيجب على من ولاه الله من أمر المسلمين شيئا من السلطان والخلائف، أن يمنعوا هؤلاء الطوائف، من الحضور في المساجد وغيرها، ولا يحل لأحد يدين لله واليوم الآخر أن يحضر معهم أو يعينهم على باطلهم، فإياكم ثم إياكم والبدع، فإنها تترك مراسم الدين خالية خاوية، والسكوت على المناكر يحيل رياض الشرائع ذابلة ذاوية.

стр. 121

فمن المنقول على الملل، والمشهور في الأواخر والأوائل، أن البدع والمناكر إذا فشت في قوم أحاط بهم سوء كسبهم، وأظلم مابينهم وبين ربهم، وانقطعت عنهم الرحمات، ووقعت فيهم المثلات، وشحت السماء وسبحت النقماء، وغيض الماء، واستولت الأعداء، وانتشر الداء، وجفت الضروع، ونقصت بركة الزروع، لأن سوء الأدب مع الله يفتح أبواب الشدائد، ويسد طريق الفوائد، والأدب مع الله ثلاثة: ١ - حفظ الحرمة بالاستسلام والاتباع. ٢ - رعاية السنة من غير إخلال ولا ابتداع. ٣ - مراعاتها في الضيق والاتساع, لاما يفعله اليوم هؤلاء الفقراء، فكل ذلك كذب على الله وافتراء, ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ﴾ [آل عمران:٣١] الآية. عن العرباض بن سارية ﵁ قال: وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلام موعظة ذرفت منها العيون, ووجلت منها القلوب, فقام إليه رجل فقال: يا رسول الله كأن هذه موعظة مودع فما تعهد إلينا, فقال: أوصنا, قال: أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة لمن وليكم وإن كان عبدا حبشيا فإنه من يعش بعدي فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ, وإياكم ومحدثات الأمور, فإن كل محدثة بدعة, وكل بدعة ضلالة (١).

стр. 122

وها نحن عباد الله أرشدناكم وحذرناكم وأنذرناكم, فمن ذهب بعد لهذه المواسم, أو أحدث بدعة في شريعة نبيه أبي القاسم, فقد سعى في هلاك نفسه, وجر الوبال عليه وعلى أبناء جنسه، وتله الشيطان للجبين, وخسر الدنيا والآخرة، ذلك هو الخسران المبين، ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ [النور:٦٣] ... الآية. إلى آخر المرسوم. وممن انتصر للمرسوم وأيده من علماء المغرب: العلامة المؤرخ أحمد الناصري، حيث قال في الاستقصا (٨/ ١٢٤): ... وقد تكلم الشاطبي وغيره من العلماء فيما يقرب من هذا، وذكروا أن الغلو في التعظيم أصل من أصول الضلال، ولو لم يكن في ذلك إلا قضية الشيعة لكان كافيا، فالحاصل أن خير الأمور الوسط، ومن هنا أيضا كان السلطان المولى سليمان ﵀ قد أبطل بدعة المواسم بالمغرب، وهي لعمري جديرة بالإبطال، فسقى الله ثراه، وجعل في عليين مثواه. اهـ. وكذا انتصر له عبد السلام بن محمد السرغيني (ت١٣٥٤) في مسامرة في الانتصار للسنة وقمع البدعة. وقد تقدم. وكذا العلامة محمد كنوني المذكوري مفتي رابطة علماء المغرب في الفتاوى التي أصدرتها الرابطة، وأيده في ذلك أمينها العام العلامة عبد الله كنون. وقد قدمت كلامه هذا فيما تقدم لكن لا بأس بإعادته هنا لصلته الوثيقة بما نحن بصدده من موقف المغاربة من مواسم الأضرحة.

стр. 123

قال: السؤال السادس: حول الاستسقاء عند ضريح ولي كل عام في موعد محدد مع حفلة يسمونها الصدقة. الجواب عنه: أن الاستسقاء جعلت له الشريعة الإسلامية صلاة تخصه، فقد روى الأئمة أحمد والبخاري وأبو داود والنسائي، ورواه مسلم ولم يذكر الجهر بالقراءة عن عبد الله بن زيد ﵁ قال: رأيت النبي ﷺ يوم خرج يستسقي، قال: فحول إلى الناس ظهره واستقبل القبلة يدعو، ثم حول رداءه ثم صلى ركعتين جهر فيهما بالقراءة (١) اهـ. هذه هي الصلاة المشروعة في الاستسقاء، لا أن يذهب الأحياء إلى الأموات ويقيمون عندهم الحفلات في أوقات مألوفة وأماكن معروفة، فأين الصلاة وأين الدعاء إلى الله، والالتجاء والتضرع إليه، كما وصف لنا ابن عباس في حديثه الذي رواه أبو داود والنسائي والترمذي وصححه، أن رسول الله ﷺ خرج متواضعا مبتذلا متخشعا متضرعا فصلى ركعتين الخ (٢)، وأين الاستغفار الذي كان يفعله الصحابة الكرام عند ذلك، لأن منع المطر لا يكون إلا عن ذنوب ومعاصي، والاستغفار يمحوها، فيزول بزوالها المانع من المطر. نعم، ثبت أن سيدنا عمر استسقى بسيدنا العباس ﵄ عند القحط، فقد روى البخاري عن أنس ﵁ أن عمر بن الخطاب كان

стр. 124

إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب فقال: اللهم انا كنا نتوسل إليك بنبينا ﷺ فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبيك فاسقنا فيسقون. (١) اهـ. وقد بينوا صفة ما دعا به العباس هذه الواقعة أنه قال: اللهم إنه لا ينزل بلاء إلا بذنب، ولم يكشف إلا بتوبة، وقد توجه بي القوم إليك لمكاني من نبيك، وهذه أيدينا إليك بالذنوب ونواصينا إليك بالتوبة، فاسقنا الغيث، قال: فأرخت السماء مثل الجبال، حتى أخصبت الأرض، وعاش الناس. ومن هنا استحب العلماء الاستسقاء بأهل الخير والصلاح وأهل بيت النبوءة، وكثرة الاستغفار، هو الذي لم يزد عليه عمر عندما خرج يستسقي مرة أخرى، حيث قرأ ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَاراً﴾ [نوح: ١٠ - ١١] و ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَاراً﴾ [هود: ٥٢] الآية. فقيسوا أعمالكم يا من يقيمون الحفلات عند قبور الأموات التي تذكر الآخرة لا أفراح الدنيا، على أعمال رسولكم ﷺ ، وأعمال خلفائه الراشدين والصحابة المهتدين، فحينئذ يظهر أنكم تطلبون القحط لا القطر، حيث تركتم التوجه إلى ربكم الحي الدائم بالخضوع والخشوع، والاستغفار والخنوع إلى قبر، الله أعلم بحال صاحبه غافلين عن قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ

стр. 125

آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلاَ تُنظِرُونِ إِنَّ وَلِيِّيَ اللهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٤ - ١٩٦].

стр. 126

علماء المالكية والاحتفال بالمولد النبوي اختلف علماء المذهب في حكم الاحتفال بالمولد النبوي، علما أنه أجمع كافة العلماء والمؤرخين أن الصحابة والتابعين وأتباعهم وكذا الأئمة الأربعة لم يعرف عنهم الاحتفال بالمولد النبوي، ولا تعرف هذه البدعة إلا في القرون المتأخرة. بل أول من أحدثه هم الفاطميون العبيدون من الباطنيين، كما نقله المقريزي في خططه (١/ ٤٩٠) والقلقشندي في صبح الأعشى (٣/ ٤٩٨) والسندوبي في تاريخ الاحتفال بالمولد النبوي (٦٩) ومحمد بخيت في أحسن الكلام (٤٤) وعلي فكري في محاضراته (٨٤) وعلي محفوظ في الإبداع ... (ص١٢٦) (١). وعلى القول بجواز الاحتفال فإن ما يفعله الصوفية في هذا اليوم من الرقص والشطح باسم الذكر يعد من البهتان ومن أعظم الافتراء على الشريعة وعلى نبينا ﷺ ، ومن قال بأن هذا احتفال بالنبي ﷺ فهو من أكبر المستهزئين به ﷺ ، الساخرين بمقامه الرفيع. فكيف يعظم النبي ﷺ في يوم ميلاده بالرقص والشطح. سبحانك هذا بهتان عظيم.

стр. 127

ومن أكثر علماء المذاهب الأربعة تصنيفا وتشنيعا على هذا الاحتفال: علماء المذهب المالكي. وممن علمته تكلم في عدم جواز ذلك أو عدم جواز بعض ما يعمل في المولد: أبو الوليد سليمان بن خلف الباجي المالكي (ت ٤٧٤هـ) ألف رسالة سماها: حكم بدعة الاجتماع في مولد النبي ﷺ (١). وأبو حفص تاج الدين عمر بن علي الفاكهاني المالكي (ت٧٣١) صنف "المورد في عمل المولد" (٢). صنفه لبيان بدعية الاحتفال بالمولد النبوي. ومما قاله فيه (٨ - ٩): لا أعلم لهذا المولد أصلا في كتاب ولا سنة، ولا ينقل عمله عن أحد من علماء الأمة، الذين هم القدوة في الدين المتمسكون بآثار المتقدمين، بل هو بدعة أحدثها البطَّالون، وشهوة نفس، اغتنى بها الأَكَّالون. وقال في آخر الرسالة: هذا مع أن الشهر الذي ولد فيه ﷺ ، وهو ربيع الأول هو بعينه الشهر الذي توفي فيه، فليس الفرح بأولى من الحزن فيه.

стр. 128

وعد العلامة أبو عبد الله محمد بن محمد بن محمد العبدري الفاسي الشهير بابن الحاج (المتوفى سنة ٧٣٧) في كتابه "المدخل" الاحتفال بالمولد النبوي (٢/ ٢) من البدع. وقال الونشريسي في المعيار المعرب (٧/ ٩٩ - ١٠٠ - ١٠١): وسئل الأستاذ أبو عبد الله الحفار عن رجل حبس أصل توت على ليلة مولد سيدنا محمد ﷺ ثم مات المحبس فأراد ولده أن يتملك أصل التوت المذكور فهل له ذلك أم لا؟ فأجاب: وقفت على السؤال فوقه، وليلة المولد لم يكن السلف الصالح وهم أصحاب رسول الله ﷺ والتابعون لهم يجتمعون فيها للعبادة، ولا يفعلون فيها زيادة على سائر ليالي السنة، لأن النبي ﷺ لا يعظم إلا بالوجه الذي شرع فيه تعظيمه، وتعظيمه من أعظم القرب إلى الله، لكن يتقرب إلى الله ﷻ بما شرع، والدليل على أن السلف لم يكونوا يزيدون فيها زيادة على سائر الليالي أنهم اختلفوا فيها، فقيل إنه ﷺ ولد في رمضان، وقيل في ربيع، واختلف في أي يوم ولد فيه على أربعة أقوال، فلو كانت تلك الليلة التي ولد في صبيحتها تحدث فيها عبادة بولادة خير الخلق ﷺ لكانت معلومة مشهورة لا يقع فيها اختلاف، ولكن لم تشرع زيادة تعظيم، ألا ترى أن يوم الجمعة خير يوم طلعت عليه الشمس، وأفضل ما يفعل في اليوم الفاضل صومه، وقد نهى النبي ﷺ عن صوم يوم الجمعة مع عظيم فضله، فدل هذا على أنه لا

стр. 129

تحدث عبادة في زمان ولا في مكان إلا إن شرعت، وما لم يشرع لا يفعل، إذ لا يأتي آخر هذه الأمة بأهدى مما أتى به أولها. ولو فتح هذا الباب لجاء قوم فقالوا: يوم هجرته إلى المدينة يوم أعز الله فيه الإسلام فيجتمع فيه ويتعبد. ويقول آخرون: الليلة التي أسرى به فيها حصل له من الشرف ما لا يقدر قدره، فتحدث فيها عبادة. فلا يقف ذلك عند حد، والخير كله في اتباع السلف الصالح الذين اختارهم الله له، فما فعلوا فعلناه وما تركوا تركناه. فإذا تقرر هذا ظهر أن الاجتماع في تلك الليلة ليس بمطلوب شرعا، بل يؤمر بتركه، ووقوع التحبيس عليه مما يحمل على بقائه واستمرار ما ليس له أصل في الدين، فمحوه وإزالته مطلوب شرعا. ثم هاهنا أمر زائد في السؤال أن تلك الليلة تقام على طريقة الفقراء، وطريقة الفقراء في هذه الأوقات شنيعة من شنع الدين، لأن عهدهم في الاجتماع إنما هو الغناء والشطح، ويقررون لعوام المسلمين أن ذلك من أعظم القربات في هذه الأوقات وأنها طريقة أولياء الله، وهم قوم جهلة لا يحسن أحدهم أحكام ما يجب عليه في يومه وليلته، بل هو ممن استخلفه الشيطان على إضلال عوام المسلمين، ويزينون لهم الباطل ويضيفون إلى دين الله تعالى ما ليس منه، لأن الغناء والشطح من باب اللهو واللعب وهم يضيفونه إلى أولياء الله، وهم يكذبون في ذلك عليهم ليتوصلوا إلى أكل أموال الناس

стр. 130

بالباطل، فصار التحبيس عليهم ليقيموا بذلك طريقتهم تحبيسا على ما لا يجوز تعاطيه، فيبطل ما حبس في هذا الباب على غير طريقته، ويستحب للمحبس أن يصرف هذا الأصل من التوت إلى باب آخر من أبواب القربات الشرعية، وإن لم يقدر على ذلك فينقله لنفسه، والله تعالى يمن علينا باتباع هدي نبيه محمد ﷺ ، واتباع السلف الصالح الذين في اتباعهم النجاة، والسلام على من يقف عليه. من محمد الحفار. وقال الونشريسي في المعيار المعرب (٢/ ٤٨٩) معددا البدع: ومنها اتخاذ طعام معلوم في ميلاد النبي ﷺ وفي بعض المواسم. قال ابن الحاج (١): ولم يكن في عاشوراء لمن مضى طعام معلوم لابد من فعله. وقد كان بعض العلماء يتركون النفقة فيه قصدا لينبهوا على أن النفقة فيه ليست بواجبة، ولم يكن السلف رضوان الله عليهم يتعرضون في هذه المواسم ولا يعرفون تعظيمها إلا بكثرة العبادة والصدقة والخير واغتنام فضيلتها لا بالمأكول. وممن أكثر التشنيع على بدعة الاحتفال بالمولد النبوي من أعلام المغرب المالكية: العلامة أبو العباس القباب أحمد بن قاسم الجذامي (المتوفى بعد٧٨٠ هـ) (٢).

стр. 131

قال الونشريسي في المعيار المعرب (١٢/ ٤٨ - ٤٩): وسئل سيدي أحمد القباب عما يفعله المعلمون من وقد الشمع في مولد النبي ﷺ واجتماع الأولاد للصلاة على النبي ﷺ ويقرأ بعض الأولاد ممن هو حسن الصوت عشرا من القرآن وينشد قصيدة في مدح النبي ﷺ ويجتمع الرجال والنساء بهذا السبب. فهل ما يأخذ المعلم من الشمع جائز أم لا؟ لأن بعض الطلبة قال: إنه إجازة ولا فرق بينه وبين حق الشهور والحذاق، ولا سيما من عرف منه أنه لا يزين المسجد ولا يقرأ أحد عنده عشرا ولا ينشد مديحا ولا غيره ولا يسوق له إلا من يقرأ عنده. فقال له السائل: إن الأولاد يكلفون آباءهم بشراء الشمع ويشترونه كرها، فقال له: يلزمك هذا في حق الشهور والحذاق، والأولاد يطلبون من آبائهم فيعطونه كرها، وهذا غير معتبر، لأن الآباء قد دخلوا عليه فيلزمهم، لأنه إذا رد ولده التزم أنه يعطي حق الشهر والحذاق والشمع في المولد، ولو كانت ثم عادة أخرى لالتزمها. فهل ما قاله هذا الطالب صحيح أم لا؟ فإن كان صحيحا فهل يؤثر اجتماع الرجال والنساء إن اجتمعوا؟ أم لا يلزم هذا إلا الحاكم، لأن هذا أمر لا يقدر على تغييره إلا من له أمر؟ فأجاب بأن قال: جميع ما وصفت من محدثات البدع التي يجب قطعها، ومن قام بها أو أعان عليها أو سعى في دوامها فهو ساع في بدعة وضلالة، ويظن بجهله أنه بذلك معظم لرسول الله ﷺ قائم بمولده، وهو مخالف سنته

стр. 132

مرتكب لمنهيات نهى عنها ﷺ متظاهر بذلك، محدث في الدين ما ليس منه، ولو كان معظما له حق التعظيم لأطاع أوامره فلم يحدث في دينه ما ليس منه، ولم يتعرض لما حذر الله تعالى منه حيث قال: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور:٦٣]. وأما ما يأخذه المعلم من ذلك فإن كان إنما يعطاه على القيام بهذه البدع والقيام بتلك الأمور، فلا خفاء بقبح المأخوذ على هذا الوجه، وإن كانوا يعطونه ذلك في هذا الوقت وإن لم يفعل شيئا من هذه البدع فقد قال ابن حبيب: إنه لا يقضى للمعلم بشيء في أعياد المسلمين، وإن كان ذلك مما يستحب فعله، وقال: إن الإعطاء في أعياد النصارى مثل النيروز والمهرجان مكروه، ولا يجوز لمن فعله ولا يحل لمن قبله، لأنه من تعظيم الشرك. قال ابن رشد: كان القياس أن لا فرق بين الحذاق وما يعطى في الأعياد إذا جرت بها العادة وأنه يقضي بالجميع، وإنما فرق ابن حبيب بين ذلك لأن الحذاق بلغها الصبي بتعليم المعلم والأعياد لا فعل فيها. وإذا كان ابن حبيب يقول ألا يقضى له بالأعياد والمواسم الشرعية، فكيف بما ليس بشرعي؟ وعلى الجملة، لا شك أن الأمر أخف إذا كان لا يقوم ببدعة في ذلك الوقت. وأما ما ذكرتم عن القائل إن الصبي يطلب ذلك من أبيه حتى يعطيه كرها فكلام لا يساوي سماعه، ومن استقرأ العادة علم أن المعطي لشيء من

стр. 133

ذلك إنما يقصد به إقامة تلك البدع، وكون المعطى شمعا يعين هذا المقصد، وإذا كان كذلك كان المأخوذ إنما هو على بدعة. ومن علماء المغرب المالكية كذلك الذين أبطلوا الاحتفال بالمولد النبوي: علامة المغرب بدون منازع: أبو إسحاق إبراهيم بن موسى الشاطبي (المتوفى سنة ٧٩٠ هـ): قال الونشريسي في المعيار المعرب (٩/ ٢٥٢): وسئل الأستاذ أبو إسحاق الشاطبي، ﵀، عمن عهد بثلثه ليوقف على إقامة مولده ﷺ . فأجاب: أما الوصية بالثلث ليوقف على إقامة ليلة مولد النبي ﷺ فمعلوم أن إقامة المولد على الوصف المعهود بين الناس بدعة محدثة، وكل بدعة ضلالة، والإنفاق على إقامة البدعة لا يجوز، والوصية غير نافذة، بل يجب على القاضي فسخه ورد الثلث إلى الورثة يقتسمونه فيما بينهم، وأبعد الله الفقراء الذين يطلبون إنفاذ مثل هذه الوصية، وما ذكرتم من وجهي المنع من الإنفاذ صحيح يقتضي عدم التوقف في إبطال الوصية، ولا يكفي في ذلك منكم السكوت لأنه كالحكم بالإنفاذ عند جماعة من العلماء فاحذروا أن يكون مثل هذا في صحيفتكم، والله يقينا وإياكم الشر بفضله. وألف محمد بن الحسن الحجوي الثعالبي (المتوفى سنة ١٣٧٦ هـ) صفاء المورد بعدم القيام عند سماع المولد (١).

стр. 134

وحقيقة قيام المولد أنه عند سرد المولد الشريف والوصول لذكر وضع أمه له ﷺ ينهض جميع من حضر وقوفا على الأقدام، ويبقى الكل على تلك الحالة مدة ليست بقصيرة، أكثر من مدة الصلاة على الجنازة بكثير، والقارئ يقرأ المولد، وهم يصلون على النبي ﷺ ، كذا في صفاء المورد (ص٣). والكتاب يقع في ٤٠ صفحة، وأصل الكتاب أنه وقع نقاش بين الحجوي وعبد الهادي بن محمد التادلي المكناسي الفاسي الطنجي حول الموضوع، فألف التادلي كتابه: "إيقاظ النيام عن استحباب القيام في مولد خير الأنام". فرد عليه الحجوي، ثم رد التادلي على الحجوي بكتاب آخر سماه: إقماع المتمرد عن القيام عند سماع المولد، يوجد مخطوطا بالحسنية (١١٦١٧)، لكنه غير تام، فلم يكتب منه إلا مقدمته في ٩ صفحات فقط. وكذا رد الحجوي على بعض من رد عليه، ذكره عقب صفاء المورد (٢١٢ح)، وهو في ١٤ صفحة. وممن ألف منتصرا للحجوي: محمد العابد السودي خطيب الحرم الأندلسي (ت١٣٥٩ هـ)، له مسامرة الأعلام وتنبيه العوام بكراهة القيام بذكر مولد خير الأنام (١). وممن رد على الحجوي: محمد الرافعي الأزموري الجديدي المتوفى سنة (١٣٦٠ هـ)، يوجد بخزانة علال الفاسي (٦٧٦).

стр. 135

وممن انتصر للحجوي كذلك: محمد المصوري الفاسي، له: سوط الإفهام والإفحام بما في روض الأمنية والأماني من الإلحاد والتحريف والأوهام. طبع في الجزائر سنة: ١٣٣٩/ ١٩٢١. وهو رد على أحد المصنفين الفاسيين الذي رد على الحجوي.

стр. 136

المالكية والمذهب الأشعري كان الأئمة المتقدمون المعتبرون من أصحاب مالك على عقيدة السلف القائمة على الإثبات كعبد الرحمان بن القاسم (١) وعبد الله بن وهب، وعبد العزيز بن الماجشون (٢)، وتلاميذ تلامذته كسحنون (٣)، وأصبغ بن الفرج (٤)،

стр. 137

وأتباع مذهبه كأبي عمر ابن عبد البر، وابن أبي زيد القيرواني (١)، وأبي عمر الطلمنكي (٢)، وأبي بكر محمد بن موهب (٣)، وعبد العزيز بن يحيى الكناني (٤)، ورزين بن معاوية صاحب "تجريد الصحاح" (٥)، والأصيلي، وأبي الوليد بن الفرضي، وأبي عمرو الداني، ومكي القيسي (٦)، وابن أبي زمنين، وغيرهم. قال الذهبي في السير (١٧/ ٥٥٧) عن أبي ذر الهروي: " أخذ الكلام ورأي أبي الحسن (٧) عن القاضي أبي بكر بن الطيب، وبث ذلك بمكة وحمله عنه المغاربة إلى المغرب والأندلس (٨)، وقبل ذلك كانت علماء المغرب لا

стр. 138

يدخلون في الكلام، بل يتقنون الفقه والحديث أو العربية، ولا يخوضون في المعقولات، وعلى ذلك كان الأصيلي، وأبو الوليد بن الفرضي، وأبو عمر الطلمنكي، ومكي القيسي، وأبو عمرو الداني، وأبو عمر بن عبد البر، والعلماء" (١). انتهى. وأبو ذر الهروي المالكي مع كونه معروفا بالميل إلى المذهب الأشعري إلا أنه كثير الانتصار لعقائد السلف في أمور كثيرة. قال الذهبي في السير (١٧/ ٥٥٨) في ترجمته: وقد ألف كتابا سماه الإبانة ويقول فيه: فإن قيل فما الدليل على أن لله وجها ويدا؟ قال: قوله: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ وقوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾. فأثبت تعالى لنفسه وجها ويدا. إلى أن قال: فإن قيل: فهل تقولون إنه في كل مكان؟ قيل: معاذ الله، بل هو مستو على عرشه، كما أخبر في كتابه. إلى أن قال: وصفات ذاته التي لم يزل ولا يزال موصوفا بها: الحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر والكلام والإرادة والوجه واليدان والعينان والغضب والرضى. فهذا نص كلامه. وقال نحوه في كتاب التمهيد له، وفي كتاب الذب عن الأشعري. وقال: قد بينا دين الأمة وأهل السنة أن هذه الصفات تمر كما جاءت بغير تكييف ولا تحديد ولا تجنيس ولا تصوير. قلت (أي الذهبي): فهذا المنهج هو طريقة السلف وهو الذي أوضحه أبو الحسن وأصحابه، وهو التسليم لنصوص الكتاب والسنة، وبه قال ابن

стр. 139

الباقلاني وابن فورك والكبار إلى زمن أبي المعالي، ثم زمن الشيخ أبي حامد، فوقع اختلاف وألوان، نسأل الله العفو. انتهى. ومن أشهر المالكية معارضة لمذاهب الأشاعرة: الحافظ الكبير والإمام بدون منازع: أبو عمر بن عبد البر، وكلامه في إثبات الصفات التي ينفيها الأشعرية مشهور (١)، اقتصر منه على نقل واحد، قال ﵀ في كتاب التمهيد (٧/ ١٤٥): أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسنة والإيمان بها، وحملها على الحقيقة لا على المجاز، إلا أنهم لا يكيفون شيئا من ذلك ولا يحدون فيه صفة محصورة. اهـ وهذا الاعتقاد الذي نقله ابن عبد البر يخالف عقائد الأشعرية جملة وتفصيلا، فقد اتفق جميع الأشعرية على حمل نصوص الصفات على المجاز لا على الحقيقة، إلا صفات سبع، يؤول أمرها عند التحقيق إلى المجاز كذلك، بل عند كثير منهم مَن حمل نصوص الصفات على الحقيقة كفر، وقال آخرون: فسق فقط. وقال ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (١/ ١١٧): حدثنا إسماعيل بن عبد الرحمن ثنا إبراهيم بن بكر، قال: سمعت أبا عبد الله محمد بن أحمد بن إسحاق بن خويزمنداد المصري المالكي في كتاب الإجارات من كتابه في الخلاف: قال مالك: لا تجوز الإجارات في شيء من كتب أهل الأهواء والبدع والتنجيم، وذكر كتبا ثم قال: وكتب أهل الأهواء والبدع عند

стр. 140

أصحابنا هي كتب أصحاب الكلام من المعتزلة وغيرهم، وتفسخ الإجارة في ذلك، قال: وكذلك كتب القضاء بالنجوم وعزائم الجن وما أشبه ذلك. وقال في كتاب الشهادات في تأويل قول مالك: لا تجوز شهادة أهل البدع وأهل الأهواء قال: أهل الأهواء عند مالك وسائر أصحابنا هم أهل الكلام، فكل متكلم فهو من أهل الأهواء والبدع أشعريا كان أو غير أشعري، ولا تقبل له شهادة في الإسلام أبدا، ويهجر ويؤدب على بدعته، فإن تمادى عليها استتيب منها. قال أبو عمر: ليس في الاعتقاد كله في صفات الله وأسمائه إلا ما جاء منصوصا في كتاب الله أو صح عن رسول الله ﷺ أو أجمعت عليه الأمة، وما جاء من أخبار الآحاد في ذلك كله أو نحوه يسلم له ولا يناظر فيه. فتأمل كيف يحكي هذا الإمام عن ابن خويزمنداد المصري المالكي أن أهل الكلام أهل بدع، وأن الأشعرية منهم (١)، وقد ساق ابن عبد البر هذا الكلام ولم يرده بشيء، ولو كان لا يرتضيه لرده وأبطله. وقال ابن عبد البر في التمهيد (٧/ ١٢٩): وفيه دليل على أن الله في السماء على العرش من فوق سبع سموات، كما قالت الجماعة، وهو من حجتهم على المعتزلة والجهمية في قولهم: إن الله في كل مكان، وليس على العرش. والدليل على صحة ما قالوه أهل الحق في ذلك قول الله عز

стр. 141

وجل: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، وقوله : ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ﴾ [السجدة:٤]. وقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ﴾ [فصلت:١١]. وقوله: وذكر آيات كثيرة دالة على العلو. إلى أن قال (٧/ ١٣١): وهذه الآيات كلها واضحات في إبطال قول المعتزلة، وأما ادعاؤهم المجاز في الاستواء، وقولهم في تأويل استوى: استولى، فلا معنى له لأنه غير ظاهر في اللغة. ومعنى الاستيلاء في اللغة المغالبة، والله لا يغالبه ولا يعلوه أحد، وهو الواحد الصمد، ومن حق الكلام أن يحمل على حقيقته حتى تتفق الأمة أنه أريد به المجاز. إذ لا سبيل إلى اتباع ما أنزل إلينا من ربنا إلا على ذلك، وإنما يوجه كلام الله إلى الأشهر والأظهر من وجوهه، ما لم يمنع من ذلك ما يجب له التسليم، ولو ساغ ادعاء المجاز لكل مدع ما ثبت شيء من العبارات، وجل الله عن أن يخاطب إلا بما تفهمه العرب في معهود مخاطباتها مما يصح معناه عند السامعين. والاستواء معلوم في اللغة ومفهوم، وهو العلو والارتفاع على الشيء والاستقرار والتمكن فيه. قال أبو عبيدة في قوله تعالى: ﴿اسْتَوَى﴾ قال: علا. قال: وتقول العرب: استويت فوق الدابة، واستويت فوق البيت. وقال غيره: استوى أي: انتهى شبابه واستقر، فلم يكن في شبابه مزيد. قال أبو عمر: الاستواء الاستقرار في العلو، وبهذا خاطبنا الله . وقال: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ

стр. 142

عَلَيْهِ﴾ [الزخرف:١٣]. وقال: ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾ [هود:٤٤]. وقال: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى الْفُلْكِ﴾ [المؤمنون:٢٨] ... إلى آخر كلامه. قلت: وهذا المذهب الذي أبطله ابن عبد البر أي: تأويل استوى باستولى، هو مذهب أكثر الأشعرية. وقد أكثر الأشعرية من الاحتجاج لهذا التأويل، والرد على من خالفه. إلى أن قال (٧/ ١٣٤): ومن الحجة أيضا في أنه على العرش فوق السماوات السبع أن الموحدين أجمعين من العرب والعجم إذا كربهم أمر أو نزلت بهم شدة رفعوا وجوههم إلى السماء يستغيثون ربهم ﵎. وهذا أشهر وأعرف عند الخاصة والعامة من أن يحتاج فيه إلى أكثر من حكايته، لأنه اضطرار لم يؤنبهم عليه أحد، ولا أنكره عليهم مسلم، وقد قال ﷺ للأَمة التي أراد مولاها عتقها إن كانت مؤمنة فاختبرها رسول الله ﷺ بأن قال لها: أين الله؟ فأشارت إلى السماء. ثم قال لها: من أنا؟ قالت: رسول الله. قال: أعتقها فإنها مؤمنة. فاكتفى رسول الله ﷺ منها برفعها رأسها إلى السماء، واستغنى بذلك عما سواه. انتهى. فأثبت ﵀ علو الله على خلقه، خلافا لأكثر الأشعرية، بل صرح بعضهم بأن من موجبات الكفر اعتقاد جهة العلو! كما ستقف على ذلك في رسالتي: "عقائد الأشاعرة". وهي على وشك التمام إن شاء الله.

стр. 143

ومن المالكية المشهورين بإثبات عقيدة السلف أبو عمر الطلمنكي، قال في كتابه "الأصول": أجمع المسلمون من أهل السنة على أن الله استوى على عرشه بذاته. وقال في هذا الكتاب أيضا: أجمع أهل السنة على أنه تعالى استوى على عرشه على الحقيقة لا على المجاز، ثم ساق بسنده عن مالك قوله: الله في السماء وعلمه في كل مكان، ثم قال في هذا الكتاب: وأجمع المسلمون من أهل السنة على أن معنى قوله تعالى: (هو معكم أينما كنتم) ونحو ذلك من القرآن بأن ذلك علمه، وأن الله فوق السماوات بذاته مستو على عرشه، كيف شاء. ذكره ابن القيم في "اجتماع الجيوش الإسلامية" (٧٦) وابن تيمية في "الفتاوى" (٣/ ٢١٩). وقال أصبغ: وهو مستو على عرشه وبكل مكان علمه وإحاطته. ذكره ابن القيم في "اجتماع الجيوش" (٧٦). ومنهم كذلك: ابن أبي زيد القيرواني قال في مقدمة الرسالة (١٠): وأنه فوق عرشه المجيد بذاته وهو في كل مكان بعلمه. قال عنه الذهبي في سير أعلام النبلاء للذهبي (١٧/ ١٢): قلت: وكان ﵀ على طريقة السلف في الأصول، لا يدري الكلام، ولا يتأول. وقال ابن القيم في اجتماع الجيوش (٨٢) عن ابن أبي زيد القيرواني: وكذلك ذكر مثل هذا في نوادره وغيرها من كتبه، وذكر في كتابه المفرد في السنة تقرير العلو واستواء الرب تعالى على عرشه بذاته أتم تقرير.

стр. 144

ثم نقل عنه كلاما طويلا الشاهد منه قوله: وأنه فوق سماواته على عرشه دون أرضه، وأنه في كل مكان بعلمه ... إلى أن قال، وكل ما قدمنا ذكره فهو قول أهل السنة وأئمة الناس في الفقه والحديث على ما بيناه، وكله قول مالك، فمنه منصوص من قوله، ومنه معلوم من مذهبه. ومنهم كذلك: ابن أبي زمنين أبو عبد الله محمد بن عبد الله المالكي المتوفى سنة (٣٩٩ هـ) له كتاب "أصول السنة" قرر فيه عقيدة السلف، ومما قال فيه (٨٨): ومن قول أهل السنة أن الله خلق العرش واختصه بالعلو والارتفاع فوق جميع ما خلق ثم استوى عليه كيف شاء. انتهى. وإثبات العلو والاستواء ينافي المعتقد الأشعري من كل الوجوه، بل عد بعضهم إثباته من أصول الكفر. وقال أبو القاسم عبد الله بن خلف المقري الأندلسي المالكي في الجزء الأول من كتاب الاهتداء لأهل الحق والاقتداء من تصنيفه من شرح الملخص للشيخ أبي الحسن القابسي رحمه الله تعالى في شرح حديث النزول: في هذا الحديث دليل على أنه تعالى في السماء على العرش فوق سبع سماوات من غير مماسة ولا تكييف كما قال أهل العلم. ثم سرد نصوصا تدل على ذلك، وأبطل تأويل استوى باستولى. كذا في "اجتماع الجيوش الإسلامية" (٨٩).

стр. 145

ومن متأخري أصحاب مالك ممن أثبت لله الاستواء وفسره بالعلو، ورد من فسره بالاستيلاء: أبو الوليد بن رشد في "البيان والتحصيل" (١٦/ ٣٦٨ - ٣٦٩). وقال ابن القيم في الصواعق المرسلة (٣٥٧ - مختصره): الوجه الرابع عشر: إن الجهمية لما قالوا: إن الاستواء مجاز، صرح أهل السنة بأنه مستو بذاته على عرشه، وأكثر من صرح بذلك أئمة المالكية, فصرح به الإمام أبو محمد بن أبي زيد في ثلاثة مواضع من كتبه، أشهرها الرسالة, وفي كتاب جامع النوادر, وفي كتاب الآداب, فمن أراد الوقوف على ذلك فهذه كتبه. وصرح بذلك القاضي عبد الوهاب، وقال: إنه استوى بالذات على العرش. وصرح به القاضي أبو بكر الباقلاني، وكان مالكيا، حكاه عنه القاضي عبد الوهاب أيضا. وصرح به عبد الله القرطبي في كتاب شرح أسماء الله الحسنى، فقال: ذكر أبو بكر الحضرمي من قول الطبري يعني محمد بن جرير وأبي محمد بن أبي زيد جماعة من شيوخ الفقه والحديث, وهو ظاهر كتاب القاضي عبد الوهاب عن القاضي أبي بكر وأبي الحسن الأشعري, وحكاه القاضي عبد الوهاب عن القاضي أبي بكر نصا, وهو أنه سبحانه مستو على عرشه بذاته, وأطلقوا في بعض الأماكن فوق خلقه, قال: وهذا قول القاضي أبي بكر في تمهيد الأوائل
следующие страницы →