علماء المغرب
ومقاومتهم للبدع والتصوف والقبورية والمواسم
مصطفى باحو
стр. 2
الطبعة الأولى
جمادى الآخرة ١٤٢٨ - يونيو ٢٠٠٧
جميع الحقوق محفوظة
الكتاب ... : علماء المغرب ومقاومتهم للبدع والتصوف والقبورية والمواسم
المؤلف: مصطفى باحو
الطبعة: الثانية، ذو القعدة ١٤٢٨ - دجنبر ٢٠٠٧
الناشر: جريدة السبيل
البريد الإلكتروني: assabil١@menara.ma
الإيداع القانوني ... : ٢٠٠٧/ ١٧٠٤
стр. 3
كلمة الناشر
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
أما بعد،
ففي زمن كثرت فيه المغالطات، واختلت فيه الموازين، وانتشرت فيه الأفكار والمفاهيم العلمانية، ومُكّن لها في الإذاعات والقنوات التلفزية الوطنية، وملئت بها المناهج والمقررات التعليمية، فحلت مصطلحات مثل الأنسنة والكونية والمواطنة محل مصطلحات الحلال والحرام والولاء والبراء ورابطة الدين ..
وفي زمن التبست فيه المفاهيم ذات المرجعية الدينية، خصوصا ما تعلق منها بمعنى الاعتدال والوسطية فأصبح نبذ المحرمات والتزام سنة النبي ﷺ عقيدة وسلوكا ومنهجا من علامات التطرف، وأضحى من شروط الاعتدال أن تسمح لنفسك بالسباحة على الشواطئ عاريا وأن تستمع للموسيقى وترقص، وأن لا تظهر عليك أمارات الغيرة على زوجتك وبناتك إن تبرجهن أو تهتكهن، وألا تمانع أو يتمعر وجهك إن هن أقمن مع غير المحارم علاقات غير شرعية أو مشبوهة، فلا محل لأي تدخل منك في حياتهن لأن زمن الحلال والحرام قد ولّى! وفصل الخطاب لا بد اليوم أن يسمع من فم رجل القانون لا عالم الدين .. !
وفي زمن تتدخل فيه الدول النصرانية في مناهج التعليم في بلدان إسلامية، وتشارك في تنظيم حقلها الديني، وتضغط بقوة المال والسياسة والمنظمات والسلاح حتى تتكيف مرجعيتها مع القوانين الدولية ويخضع علماؤها ومثقفوها لما سطره الرجل الغربي في لوائح حقوق الإنسان وإن خالف المعلوم من دين الإسلام بالضرورة ..
وفي زمن يتمكن فيه الإنسان من حيازة آلاف الكتب في قرص مدمج واحد، ويستطيع في طرفة عين أن يتصل بأعلم أهل الأرض، وأن يشاهد ويسمع لمن يريد من أهل العلم عبر العالم وعلى اختلاف المذاهب.
стр. 4
وفي زمن يطالب فيه الساسة بالانفتاح وقبول الآخر، ونبذ الانغلاق والتقوقع.
وفي زمن نسترضي فيه المد العلماني، ونستجيب فيه للضغوط الخارجية قبل الداخلية، فنلغي شرط الولي في عقد النكاح، مخالفين للسنة عامة والمذهب المالكي خاصة، منفتحين على المذهب الحنفي راجين الرفع من سقف حرية النساء.
في زمن لم يعد المذهب يقوى على تنظيم الحياة الاجتماعية ولا السياسية ولا الاقتصادية وأصبح نظام الحسبة في خبر كان.
في زمن كل هذه المتغيرات يصرّ بعض المسؤولين على الحقل الديني في المغرب على الانغلاق والتقوقع والجمود حول مسائل في مذهب البلاد محجِّرين واسعا ومضيقين رحبا، مختزلين الفقه المالكي والسلوك والعقيدة في أحكام خالفهم فيها جهابذة المذهب وكبار العلماء.
وإسهاما من الباحث الشيخ مصطفى باحو في تجلية مواقف علماء المغرب ومقاومتهم للبدع والتصوف والقبورية والمواسم، قام بجمع ما تناثر في كتبهم من فتاوى وردود ينفون بها عن العلم تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين.
ورغبة من جريدة السبيل في إثارة نقاش علمي عماده الحجة والبرهان وهدفه الرجوع بالأمة إلى السنة والقرآن، وغايته رضا الكريم الرحمن، عملت على نشر هذا الكتاب.
الثلاثاء ٣ جمادى الآخرة سنة ١٤٢٨ من هجرة النبي ﷺ
الموافق ١٩ يونيو ٢٠٠٧م
الناشر
إبراهيم بن المهدي الطالب
стр. 5
مقدمة الطبعة الثانية
بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على سيد المرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين.
فهذه هي الطبعة الثانية لهذه الرسالة، التي نالت استحسان عدد من مشايخ بلدنا وغيرها، وعدد من طلاب العلم وأهله، ولله الحمد أولا وآخرا، فهو المتفضل على عبده بنعمه المتزايدة وآلائه المترادفة.
تأتي هذه الطبعة بعد نفاد (٣٥٠٠) نسخة من الطبعة الأولى.
وقد أصلحت فيها بعض الأخطاء المطبعية التي نبهني إليها بعض الأفاضل. والله يسامحنا ويغفر لنا حوبنا وخطايانا.
وزدت في مبحث "علماء المغرب والقبورية" كلاما نفيسا من كتاب "جواهر الكمال في تراجم الرجال" لأبي عبد الله محمد بن أحمد العبدي الكانوني (المتوفى سنة ١٣٥٦هـ/١٩٣٥م)، شنع فيه غاية التشنيع على عباد القبور، وأنكر فيه الاحتفال بالأضرحة والمواسم، وبيَّن فيه أن عددا من الأضرحة بني على مواضع لم يدفن فيها أحد، بل بنيت لمجرد رؤيا منامية، وغيرها.
والحمد لله رب العالمين.
стр. 6
مقدمة الطبعة الأولى
تقديم
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.
أما بعد، فهذا هو الكتاب الثالث من سلسلة: "بحوث في المذهب المالكي"، وقد صدر من هذه السلسلة ما يلي:
١ - حكم الغناء في المذهب المالكي.
٢ - حجاب المرأة في المذهب المالكي.
ومعه حكم مصافحة الأجنبية والخلوة بها.
وقد جمعت في هذه الرسالة الصغيرة الجِرْم، الكثيرة العلم، النصوص المأثورة عن المغاربة والمالكية في رد البدع والخرافات والأباطيل، قاصدا إبطال مزاعم بعض المفترين أن رد البدع والخرافات والضلالات مذهب وافد على بلادنا، غريب عن وطننا، مباين لسماحة المذهب المالكي القائم على الاعتدال والوسطية.
فبرهنت بحمد الله بما لا يدع مجالا للشك أنه لا زال في علماء المالكية على مر الأعصار والأمصار من يرد أباطيل المتصوفة ويبطل خرافات المبتدعة، ويخالف عقائد الأشعرية.
стр. 7
فهذا الإمام ابن رشد القرطبي، أوحد أهل زمانه علما وفقها بمذهب المالكية، بل لم يأت بعده أَجَلُّ منه عند المالكية. هذا الإمام يرى وجوب هدم السقائف والقباب المبنية على القبور. وأيده في هذا علماء كثيرون، كما سيأتي بيانه.
وهذا الإمام والعلامة أبو بكر الطرطوشي ﵀ أحد أشهر علماء المالكية يقول: مذهب الصوفية بطالة وجهالة وضلالة، وما الإسلام إلا كتاب الله وسنة رسوله (١). كما سيأتي نقله عنه.
فما عسى يكون موقف الخرافيين والطرقيين من هؤلاء العلماء؟ أتراهم كانوا عملاء لجهات خارجية؟ تملي عليهم أفكارها المتشددة، الغريبة عن وسطية المذهب المالكي.
وشنع العلامة المكي الناصري رئيس المجلس العلمي بالرباط ووزير الأوقاف سابقا على المبالغين في تعظيم القبور والأضرحة وعلى المتصوفين والطرقيين، وهكذا فعل محمد كنوني المذكوري مفتي رابطة علماء المغرب، وعلامة المغرب عبد الله كنون.
فإذا كان من يقف على رأس الهرم الديني في المغرب، أعني المجلس العلمي ورابطة علماء المغرب هذا رأيهم وهذا قولهم، فما عسى يبقى من كلام؟
стр. 8
وألف العلامة أحمد بن محمد بن تاويت التطواني رسالة سماها: إخراج الخبايا في تحريم البناء على القبور والصلاة بالزوايا.
حرم فيه البناء على القبور والصلاة في المقابر والزوايا.
فلماذا عندما ينكر بعض علماء المغرب المعاصرين مظاهر المغالاة في تعظيم القبور ينبزون بأنهم وهابية أو متشددون إسلاميون، غريبون عن وسطية المذهب المالكي وسماحته؟
أليس ابن رشد مالكيا؟ أليس هؤلاء السادة مغاربة؟
وهذا الإمام الإمام الكبير أبو عبد الله القرطبي أشهر مفسري المالكية، بل ليس للمالكية تفسير أوسع وأكبر من تفسيره، يشنع على المتصوفة غاية التشنيع، ويبالغ في الإنكار عليهم، وهكذا فعل الإمام أبو بكر الطرطوشي وجماعة من المالكية، كما ستقف على نصوصهم قريبا بإذن الله.
وهذا الإمام الشاطبي ﵀، ذلك الإمام الأوحد الذي اتفق كل المالكية على الإشادة به، والمبالغة في تعظيمه، ووصفه بالألقاب الفخمة والأوصاف التي لا تطلق إلا على كبار العلماء. ويكفيه فخرا كتاب الموافقات في أصول الشريعة، الذي بسط فيه مقاصد الشريعة بسطا، لم يسبقه أحد إليه.
هذا الإمام الجليل له كتاب في أصول البدع سماه: الاعتصام، نسف فيه البدع نسفا ونقض أصولها نقضا. لا يوجد له نظير في كتب العلماء على مر الأعصار.
стр. 9
فلماذا يكون الأخذ ببعض أقوال هذا الإمام المالكي تطرفا وتشددا؟ أليس مغربيا من بلاد الأندلس؟ أم أن أقواله لا تروق طائفة من الناس يحاولون أن يفرضوا آراءهم على الجميع.
وأين السماحة والوسطية والجدال بالتي هي أحسن؟ وهم يشنون الحروب الضروس على من خالفهم في تأييد التصوف والقبورية والبدع، وتراهم يتحدثون عن السماحة مع الكفار والمشركين، بينما إذا تعلق الأمر بإخوانهم الذين خالفوهم في الرأي اتباعا لعلماء مالكية آخرين وصفوهم بألقاب شنيعة وزهَّدوا فيهم الجماهير، متسترين بلبوس المذهب تارة، والأصالة المغربية تارة، وحركوا جهات لتشديد الخناق عليهم من كل حدب وصوب، واستبشروا بغلق مقراتهم الدعوية، وتهللت وجوههم بمنع بعض الكتب العلمية المخالفة لمشاربهم، الكاشفة لتلبيسهم وبهتانهم.
وكم أتعجب من قوم إذا تعلق الأمر بكتب وجمعيات ومنظمات تحارب الله ورسوله قالوا: حرية تعبير، وكل إنسان حر فيما يقول، وإذا تعلق الأمر بكتب وآراء ومواقف ضد البدع والتصوف، تخالف ما ارتضاه هؤلاء، تنكروا لحرية التعبير، وأوهموا الرأي العام أن هذا تطرف يجب محاربته بكل الأشكال والصور. ولا يشفع لهؤلاء أن مواقفهم وآراءهم هذه قال بها علماء مالكية ومغاربة، لأن الأمر محسوم منذ البداية لصالح الخرافة والدجل والبهتان.
فلا على حقوق الإنسان حافظوا، ولا المذهب المالكي نصروا، ولا شوكة العلمانيين كسروا.
стр. 10
فليقل العلماني ما يشاء، ولتقل المنظمات النسائية العلمانية العميلة ما تشاء، وأما الإسلامي فعليه أن يحافظ على الثوابت الوطنية القائمة على التصوف والمذهب الأشعري!
أين الثوابت الوطنية عند من يجاهر بمعاداة الدين أو بعض أصوله، وقد تبجح أحد العنصريين العلمانيين الحاقدين في قناة الجزيرة قائلا: لابد أن يرحل الإسلام من المغرب كما رحلت اليهودية والمسيحية منه من قبل.
فأين أنتم يا من تزعمون المحافظة على الثوابت الوطنية؟ وأين ذهبت غيرتكم؟ بينما إذا سلم إمام تسليمتين في الصلاة قامت له الدنيا ولم تقعد، وإذا ترك إمام الدعاء عقب الصلاة اتباعا لعلماء مالكية في هذا الباب استدعي للتحقيق والتدقيق، وهدد بالفصل إن عاد لمثل هذه التصرفات المخلة بسير الشعائر الدينية!
وقد حكى ابن رشد في البيان والتحصيل (١/ ٢٦٦) عن مالك قولين في التسليمتين، فمرة قال: يسلم مرتين، ومرة قال: يسلم مرة واحدة.
فالخلاف موجود في المذهب، فلماذا كل هذا التشدد؟
وقد أحدثت الوزارة الوصية على المذهب المالكي هيئات مراقبة وصرفت ملايين الدراهم من أجل فرض آراء في المذهب المالكي لا تعدو أن تكون مستحبات، وقع الخلاف فيها بين العلماء في شتى المذاهب الإسلامية، بما فيها المذهب المالكي، بينما نرى القوم بُكْما كالأنعام، وصُموتا كالأصنام إذا تعلق الأمر بالثوابت الحقيقية للمذهب المالكي التي تكلمت عليها كل
стр. 11
كتب المالكية، وبسطت أحكامها، وفرعت فروعها، كتحكيم الشريعة وإقامة الحدود الشرعية، ووجوب الحجاب، وتحريم الربا والخمر والتبرج والعري والزنا، وغيرها.
وهذه مسائل مجمع عليها في المذهب المالكي وفي كل المذاهب الإسلامية، ولا يوجد خلاف ولو ضعيف حيال هذه الأمور، بينما المسائل التي تجعلونها ثوابت للمذهب المالكي لا تعدو أن تكون مسائل خلافية بين المالكية أنفسهم وغيرهم من المذاهب الأخرى، فالانتصار لقول منها داخل تحت دائرة المذهب وفي ظل الخلافات الفقهية.
وفي غمرة محاولة البعض لفت الانتباه عن المسائل الشرعية الكبرى في المذهب المالكي اختلقوا معارك جانبية وقضايا هامشية، وضخموها في أعين الجماهير والرأي العام، وجعلوها ذنبا لا يغتفر وخطرا محدقا بالمذهب المالكي في هذا البلد.
من تلك المسائل مثلا عدم قراءة القرآن جماعة، فالمسجد الذي لا يقرأ فيه القرآن جماعة عند الوزارة الوصية مسجد خارج عن الشرعية وعن الثوابت الوطنية، وإذا سألنا عقلاء المذهب المالكي عن حكم هذه القراءة على القول بصحتها، قالوا: الاستحباب. وضابط المستحب هو أن من فعله فله الأجر، ومن تركه فلا شيء له ولا عليه.
فكيف يعقل أن تقام الدنيا ولا تقعد لترك مستحب، بل يفصل الإمام ويحرم من مصدر رزقه الوحيد لأنه ترك مستحبا، بينما يسكتون عن إثارة
стр. 12
القضايا الرئيسة في المذهب، بل ويتغافلون عن الأئمة المشعوذين والسحرة والخرافيين الذين ملأوا أصقاع البلاد.
وقد أفتى أبو القاسم بن سراج بعدم جواز الصلاة خلف من يضرب الخط والكهانة والتنجيم ونحوها. المعيار المعرب للونشريسي المالكي (١/ ١٣٣).
علما أن الإمام مالكا أنكر قراءة القرآن جماعة، وتابعه على ذلك جماعة من المالكية منهم الإمام الشاطبي. كما سيأتي.
فلماذا لا يدندن هؤلاء الغيورون على المذهب المالكي حول حجاب المرأة وتحريم إبداء المرأة زينتها مثلا، ولا ينبسون ببنت شفة، وهو أمر مجمع عليه في المذهب، بينما تراهم يُقَعْقِعُون ويرعدون إذا تعلق الأمر بالخرافات والبدع والتصوف، جازمين أن ذلك هو المذهب الذي جرى عليه عمل المغاربة، وأن ما خالفه مذهب غريب عن وطننا، وافد على بلدنا من جهات شرقية لا علاقة للمذهب بها.
وقد أفتى أبو علي ناصر الدين وغيره من المالكية بعدم جواز إمامة من لا يحجب امرأته. المعيار المعرب للونشريسي (١/ ١٣١).
وأفتى أبو عبد الله السرقسطي بأنه لا تجوز إمامة من يخلو بالأجنبية. المعيار المعرب للونشريسي (١/ ١٥٩).
أكلُّ هذا لا يعني الوزارة الوصية؟ وهمها الأكبر هو التسليمة الثانية والسدل في الصلاة، وكم أخشى عليكم من قوله تعالى: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ
стр. 13
الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة:٨٥].
ورأيت حديثا كلاما لأحد رؤساء المجالس العلمية المغربية أفتى بفصل إمام مسجد عن عمله لأنه ترك قراءة الحزب جماعة، ولم يقتصر على التسليمة الواحدة، وقال: إن هذا العمل يتنافى وأصول المذهب المالكي. وزاد فاعتبر ذلك مخالفة لثوابت الوطن الدينية.
هكذا قال، وأظنه لا يعرف الفرق بين أصول المذهب المالكي وفروعه. وأن الخلاف في تلك المسائل خلاف يسير، وفي علماء المذهب من قال بالقول الآخر الذي اعتبره منافيا لأصول المذهب المالكي، ومخالفا لثوابت الوطن الدينية.
وأراكم تكثرون من الكلام حول الاعتدال والتسامح وترك التشدد، فإذا تعلق الأمر بترك مستحب في نظركم زمجرتم وأرعدتم، وجعلتم من الْحَبة قُبة، كما يقول المغاربة.
أيُفْصَل إمام لأنه ترك قراءة القرآن جماعة، وهي مستحبة في نظركم، بدعة في نظر إمام المذهب مالك ﵀ وعدد من أتباع مذهبه؟
وأين أنت يا شيخنا الجليل من المواسم المحدثة والقبورية الْمُسْتَشْرية في بلدك؟ ولماذا لم تتحرك غيرتك على العلمانيين الذين يعيثون في الأرض فسادا؟
стр. 14
ولماذا أصابك البُكم حيال الطرقيين الخرافيين الشَّطَّاحين باسم الذكر والدين؟ ولماذا تجاهلت المنظمات العلمانية الحاقدة المتربصة بالمؤمنين الدوائر؟
فالتعرض لهؤلاء يا شيخنا بالنقد والتحذير هي أصول المذهب المالكي حقيقة، وهي ثوابت الوطن الدينية صدقا، لا كما تتوهم أنت. فدع عنك المغالطة، وأدر ظهرك للمواربة، فلئن كان العوام يغترون بحالكم، فنحن منكم على يقين.
فهأنذا أكشف الغطاء عن تلك المزاعم، وأبين عوارها، وأهتك أستارها، وأؤكد بما لا يدع مجالا للشك أنه لا زال في علماء المغرب وعلماء المالكية عموما من يعادي المتصوفة والمبتدعة ويشنع عليهم ويحارب البدع المحدثة. فلله درّهم، وحُقَّ لكل دعاة الحق شكرهم.
وأنوه في هذه المقدمة بكتاب "جهود علماء المغرب في الدفاع عن عقيدة أهل السنة" (من الفتح الإسلامي حتى نهاية القرن الخامس) للدكتور إبراهيم التهامي. طبع مؤسسة الرسالة، فهو بحث هام في هذا الباب.
وأشير قبل نهاية هذه المقدمة إلى مسألتين:
الأولى: أن أغلب العلماء الذين نقلت كلامهم في هذه الرسالة مغاربة، سواء كانوا من بلاد المغرب العربي أو بلاد الأندلس، وبعضهم ليسوا مغاربة، لكنهم مالكية. فالحجة قائمة على أهل بلدنا في جميع الأحوال.
والمسألة الثانية: أني جمعت قديما مجموعا سميته:
стр. 15
«صفحات مشرقة من مواقف علماء مغاربة من البدع والتصوف والقبورية»
يضم ما يلي:
١) - مصنفات لعلماء مالكية مغاربة في إنكار البدع والقبورية، بقلمي.
٢) - دخول دعوة محمد بن عبد الوهاب إلى المغرب، بقلمي.
٣) - رسالة في ذم البدع وأهلها للشيخ أبي الحسن الصغير المكناسي. بتحقيقي.
٤) - إظهار الحقيقة وعلاج الخليقة للشيخ محمد المكي الناصري. بتحقيقي.
٥) - إخراج الخبايا في تحريم البناء على القبور والصلاة بالزوايا للعلامة أحمد بن محمد بن تاويت التطواني. بتحقيقي.
٦) - فتاوى العلامة محمد كنوني المذكوري مفتي رابطة علماء المغرب. بتحقيقي.
٧) - تنبيه الإخوان إلى ترك البدع والعصيان لمحمد بن علي الأندزالي السوسي. بتحقيقي.
ودفعتها للطبع لدار الإمام مالك بأبي ظبي منذ مدة طويلة.
وهذه الرسالة كالمختصر الجامع لما تضمنه ذلك المجموع مع زيادات كثيرة.
والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
سلا في ١٧ جمادى الأولى ١٤٢٨.
Katane٢٢@yahoo.fr
стр. 16
إنكار المالكية للبدع
كان مالك ﵀ من أشد الناس نهيا عن البدع والمحدثات، ومن أشد العلماء تحذيرا من مخالفة السنة، وقد صح عنه في غير ما أثر نهيه الشديد عن البدع التي أحدثها المتكلمون وغيرهم.
ولهذا قال محمد بن وضاح الأندلسي المالكي (ت٢٨٧) في البدع والنهي عنها (١١٣): وقد كان مالك يكره كل بدعة وإن كانت في خير.
وعن أشهب قال: سمعت مالكا يقول: إياكم والبدع، قيل: يا أبا عبد الله وما البدع؟ قال: أهل البدع الذين يتكلمون في أسمائه وصفاته وكلامه وعلمه وقدرته ولا يسكتون عما سكت عنه الصحابة والتابعون (١).
عن الزبير بن بكار قال: سمعت مالك بن أنس وأتاه رجل فقال: يا أبا عبد الله من أين أحرم؟ قال من ذي الحليفة، من حيث أحرم رسول الله ﷺ فقال: إني أريد أن أحرم من المسجد، فقال: لا تفعل، قال: فإني أريد أن أحرم من المسجد من عند القبر، قال: لا تفعل، فإني أخشى عليك الفتنة، فقال:
стр. 17
وأي فتنة هذه؟ إنما هي أميال أزيدها، قال: أي فتنة أعظم من أن ترى أنك سبقت إلى فضيلة قصر عنها رسول الله، إني سمعت الله يقول:
﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ
أَلِيمٌ﴾ [النور:٦٣] (١).
وقد أوردت في كتابي عقيدة الإمام مالك نقولا كثيرة عنه في ذلك. وقد طبع في مصر، ويعاد طبعه في أبي ظبي بالإمارات.
وقد ورث علماء المالكية عن الإمام مالك هذه الصرامة في رد البدع والمحدثات، بل علماء المالكية من أكثر علماء الأمة تأليفا في البدع، ومن أقدم كتبهم المصنفة في ذاك:
- الحجة على القدرية للإمام محمد بن سحنون (ت ٢٥٦هـ). كما في ترتيب المدارك وتقريب المسالك للقاضي عياض (٤/ ٢٠٧) والديباج المذهب (٢/ ١٥٧).
- الرد على أهل البدع، ثلاثة كتب. للإمام محمد بن سحنون (ت ٢٥٦هـ). نفس المصدر.
стр. 18
- الردّ على المرجئة لأبي زكريا يحيى بن عمر بن يوسف الكندي البلوي المالكي (٢٨٩هـ). ترتيب المدارك للقاضي عياض (٤/ ٣٥٧).
- الرد على القدرية لابن أبي زيد القيرواني (ت٣٩٦هـ). شجرة النور (٩٦).
وقال القاضي عياض في ترتيب المدارك وتقريب المسالك (٤/ ٤٨) في ترجمة سحنون بن سعيد التنوخي (ت ٢٤٠هـ): قال أبو بكر المالكي: وكان مع هذا رقيق القلب، غزير الدمعة، ظاهر الخشوع، متواضعا، قليل التصنع، كريم الأخلاق، حسن الأدب، سالم الصدر، شديداً على أهل البدع، لا يخاف في الله لومة لائم. انتهى.
وتأمل قوله: شديداً على أهل البدع، لتعلم مبلغ الصرامة التي كان يتعامل بها علماء المالكية ضد البدع وأهلها.
ومن علماء المالكية الذين عرفوا بالشدة على أهل البدع: أبو عمر الطلمنكي أحمد بن محمد بن عبد الله (ت٤٢٩هـ).
قال ابن الحذاء عنه: وكان فاضلاً شديداً في كتاب الله تعالى. سيفاً على أهل البدع،. ترتيب المدارك وتقريب المسالك للقاضي عياض (٨/ ٣٣).
وقال ابن بشكوال في الصلة في تاريخ علماء الأندلس (٥٢): وكان: سيفاً مجرداً على أهل الأهواء والبدع، قامعاً لهم، غيوراً على الشريعة، شديداً في ذات الله تعالى.
стр. 19
ومنهم كذلك: عبد الله بن أبي حسان اليحصبي، قال ابن فرحون في الديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب (١/ ٣٦٨) في ترجمته: وكان ابن أبي حسان غاية في الفقه بمذهب مالك، حسن البيان، عالماً بأيام العرب وأنسابها، راوية للشعر، قائلا له، وعنه أخذ الناس أخبار إفريقية وحروبها، وكان جوادا مفوها قويا على المناظرة، ذاباً عن السنة متبعا لمذهب مالك، شديداً على أهل البدع، قليل الهيبة للملوك، لا يخاف في الله لومة لائم.
وقال القاضي عياض في ترتيب المدارك (٤/ ٢٩٠) في ترجمة القاضي إسماعيل بن إسحاق (ت٢٨٢): وكان إسماعيل شديدا على أهل البدع، يرى استتابتهم، حتى ذكر أنهم تحاموا بغداد في أيامه.
وقال القاضي عياض في ترتيب المدارك كذلك (٤/ ٣٧٥) في ترجمة أبي يوسف جبلة بن حمود بن عبد الرحمن بن جبلة الصدفي (ت٢٩٩هـ): ذكر شدته على أهل البدع ومجانبته إياهم وقوته في ذات الله .
كان رحمه الله تعالى، شديداً في ذلك. لا يداري فيه أحداً. ولم يكن أحد أكثر مجاهدة منه للروافض، وشيعهم. فنجّاه الله منهم.
وذكر له أخبار عديدة في ذلك مع الروافض.
وقال القاضي عياض في ترتيب المدارك (٧/ ١٠٤) في ترجمة أبي علي بن خلدون ﵀ (ت٤٠٧): من فقهاء إفريقية وعلمائها وصلحائها، من أصحاب أبي الحسن القابسي، كان رأسا بإفريقية، جليل القدر في فقهائها،
стр. 20
مطاعاً. وكانت العامة تتبعه. وكان شديداً على أهل البدع والروافض مغرياً بهم، يستند منه أهل السنّة إلى ملجأ ووزر.
وقال ابن فرحون في الديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب (١/ ١٦٤): أحمد بن إبراهيم بن الزبير بن محمد بن إبراهيم بن الزبير الثقفي يكنى أبا جعفر، كان خاتمة المحدثين وصدور العلماء والمقرئين، نسيج وحده في حسن التعليم والصبر على التسميع، والملازمة للتدريس، كثير الخشوع والخشية، مسترسل العَبْرة، صليباً في الحق، شديداً على أهل البدع، ملازما للسنة، مهيبا جزلا معظما عند الخاصة والعامة.
وقال ابن فرحون في الديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب (٢/ ٢٢٤) في ترجمة محمد أبي عبد الله بن فرج مولى ابن الطلاع القرطبي المالكي (ت٤٩٧هـ): شيخ الفقهاء في عصره وأسد من بقي في وقته ... وكان شيخا فاضلا فصيحا، وكان قوالا بالحق، شديداً على أهل البدع، غير هيوب للأمراء.
وقال ابن بشكوال في الصلة في تاريخ علماء الأندلس (٤٠٩) في ترجمة أبي عبد الله محمد بن سعيد بن محمد بن عمر بن سعيد بن نبات الأموي القرطبي: وذكره الخولاني وقال: كان شيخا صالحا من أهل العناية بالعلم حافظاً للحديث مع الفهم، قديم الطلب، متكررا على الشيوخ، وسمع منهم، وكتب عنهم محتسباً متسننا مجانبا لأهل البدع والأهواء. سيفا مجردا عليهم.
стр. 21
في أشياء كثيرة يطول تتبعها يراجع بعضها في "جهود علماء المغرب في الدفاع عن عقيدة أهل السنة" لإبراهيم التهامي (١٢٢ - فما بعد).
ومن الكتب التي صنفها علماء مالكية في ذلك أيضا:
البدع والنهي عنها لمحمد بن وضاح الأندلسي المالكي (ت٢٨٧هـ).
وهو مطبوع عدة طبعات.
ساق فيه نصوصا كثيرة في التحذير من البدع، وبَيَّن خطورة الابتداع، وذكر ما جاء في اتباع الآثار، والنهي عن الجلوس مع أهل البدع وخلطتهم والمشي معهم، وذكر كذلك ما جاء في ليلة النصف من شعبان وعشية عرفة من البدع.
ثم تلاه أبو بكر الطرطوشي محمد بن الوليد الفهري الأندلسي المالكي المتوفى سنة (٥٢٠هـ) فألف كتابا في ذلك، سماه: الحوادث والبدع.
وهو كتاب مطبوع عدة طبعات، وقد أنكر فيه عددا من البدع والمحدثات.
فذكر منها: الألحان والتطريب في كتاب الله (٥٧).
والمحاريب (٧٢).
وزخرفة المساجد (٧٢ - ٧٣).
وكتابة القرآن في الجدران (٧٥).
والاجتماع في يوم عرفة للدعاء (٩١).
والاحتفال بليلة النصف من شعبان (٩٣ - ٩٤).
стр. 22
وصلاة الرغائب (٩٦).
وعد من البدع المحدثة: الاجتماع للتعزية.
قال (١٢٥): قال علماؤنا المالكيون: التصدي للعزاء بدعة ومكروه.
وقال بعد أن ذكر استحباب أن يُبعث إلى أهل الميت طعام (١٢٦): فأما إذا صنع أهل الميت طعاما ودعوا الناس إليه فلم ينقل فيه عن القدماء شيء، وعندي أنه بدعة ومكروه.
وقال (١٣٠): فأما المآثم فممنوعة بإحماع العلماء، قال الشافعي: وأكره المآثم، وهو اجتماع الرجال والنساء لما فيه من تجديد الحزن ... والمآثم هو الاجتماع في الصبيحة، وهو بدعة منكرة لم ينقل فيها شيء، وكذلك ما بعده من الاجتماع في الثاني والثالث والسابع والشهر والسنة، فهو طامة.
وقال (١١٣): ولا يتمسح بقبر النبي ﷺ ولا يمس، وكذلك المنبر، ولكن يدنو من القبر فيسلم على النبي ﷺ ثم يدعو مستقبل القبلة يوليه ظهره. وقيل: لا يوليه ظهره ويصلي ركعتين قبل السلام عليه. وقيل: واسع أن يسلم عليه قبل أن يركع.
وتكلم العلامة أبو عبد الله محمد بن محمد بن محمد العبدري الفاسي الشهير بابن الحاج (المتوفى سنة ٧٣٧هـ) في كتابه "المدخل إلى تنمية الأعمال بتحسين النيات والتنبيه على بعض البدع والعوائد التي انتحلت وبيان شناعتها وقبحها" على عدد من البدع والمحدثات، وأطال في الرد على من أجاز بعض ذلك.
стр. 23
منها: الاحتفال بالمولد النبوي (٢/ ٢).
وزخرفة المساجد (٢/ ٢١٤).
والمصافحة عقب الصلوات (٢/ ٢١٩)، وعبارته في ذلك: وينبغي له أن يمنع ما أحدثوه من المصافحة بعد صلاة الصبح، وبعد صلاة العصر، وبعد صلاة الجمعة، بل زاد بعضهم في هذا الوقت فعل ذلك بعد الصلوات الخمس، وذلك كله من البدع، وموضع المصافحة في الشرع إنما هو عند لقاء المسلم لأخيه، لا في أدبار الصلوات الخمس، وذلك كله من البدع، فحيث وضعها الشرع نضعها، فينهى عن ذلك ويزجر فاعله لما أتى من خلاف السنة. انتهى.
وعد من البدع كذلك: قراءة القرآن جماعة قبل الجمعة كما يفعل في المغرب اليوم (٢/ ٢٢٤ - ٢٢٥)، ومما قال في ذلك: وينبغي له أن ينهى من يقرأ الأعشار وغيرها بالجهر، والناس ينتظرون صلاة الجمعة أو غيرها من الفرائض، لأنه موضع النهي لقول رسول الله ﷺ : «لا يجهر بعضكم على بعض ... بالقرآن»، ولا يظن ظان أن هذا إنكار لقراءة القرآن، بل ذلك مندوب إليه بشرط أن يسلم من التشويش على غيره من المصلين والذاكرين والتالين والمتفكرين وكل من كان في عبادة.
وعد من البدع كذلك: التسبيح بالليل، قبل آذان الفجر، كما جرت به عادة المغاربة، ويسمى في بعض المناطق (التَّهْلال)، وهذه عبارته (٢/ ٢٤٨): وينهى المؤذنين عما أحدثوه من التسبيح بالليل، وإن كان ذكر الله تعالى حسنا
стр. 24
سرا وعلنا، لكن لا في المواضع التي تركها الشارع صلوات الله عليه وسلامه، ولم يعين فيها شيئا معلوما.
وقد رتب الشارع صلوات الله عليه وسلامه للصبح أذانا قبل طلوع الفجر وأذانا عند طلوعه، وإن كان المؤذنون في هذا الزمان يؤذنون قبل طلوع الفجر، لكنهم يفعلون ذلك على سبيل الإخفاء لتركهم رفع الصوت به حتى لا يسمع.
وهذا ضد ما شرع الأذان له، لأن الأذان إنما شرع لإعلام الناس بالوقت ...
إلى أن قال (٢/ ٢٤٩): ثم العجب من أنهم يأتون بالأذان الأول للصبح الذي قبل طلوع الفجر، ويخفون ذلك، فإذا فرغوا منه رفعوا أصواتهم بما أحدثوه من التسبيح، فإنا لله وإنا إليه راجعون. السنة تخفى وغير ما شرع يظهر.
وقال (٢/ ١٤٩): وكذلك ينبغي أن ينهاهم عما أحدثوه من صفة الصلاة والتسليم على النبي ﷺ عند طلوع الفجر، وإن كانت الصلاة والتسليم على النبي ﷺ من أكبر العبادات وأجلها فينبغي أن يسلك بها مسلكها، فلا توضع إلا في مواضعها التي جعلت لها. ألا ترى أن قراءة القرآن من أعظم العبادات، ومع ذلك لا يجوز للمكلف أن يقرأه في الركوع، ولا في السجود، ولا في الجلوس، أعني الجلوس في الصلاة، لأن ذلك ليس بمحل للتلاوة.
стр. 25
وعد من البدع: تسحير المؤذنين في رمضان، كما يفعل بمغربنا اليوم (٢/ ٢٥٣). قال ﵀: وينهى المؤذنين عما أحدثوه في شهر رمضان من التسحير، لأنه لم يكن في عهد النبي ﷺ ولا أمر به، ولم يكن من فعل من مضى، والخير كله في الاتباع لهم، كما تقدم.
وقال (٢/ ٢٥٥): اعلم أن التسحير لا أصل له في الشرع الشريف، ولأجل ذلك اختلفت فيه عوائد أهل الأقاليم فلو كان من الشرع ما اختلفت فيه عوائدهم.
ولما ذكر عادة المغاربة قال (٢/ ٢٥٥): وأما أهل الإسكندرية وأهل اليمن وبعض أهل المغرب فيسحرون بدق الأبواب على أصحاب البيوت، وينادون عليهم: قوموا كلوا. وهذا نوع آخر من البدع، نحو ما تقدم.
وقال بعدها: وأما بعض أهل المغرب فإنهم يفعلون قريبا من فعل أهل الشام، وهو أنه إذا كان وقت السحور عندهم يضربون بالنفير على المنار، ويكررونه سبع مرات، ثم بعده يضربون بالأبواق سبعا أو خمسا، فإذا قطعوا حرم الأكل إذ ذاك عندهم.
وعد من البدع: التكبير أثناء حمل الجنازة (٢/ ٢٦٣).
وذكر منها قراءة القرآن حال الدفن في المقابر، كما هو عمل المغاربة في بلدنا. قال (٣/ ٢٦٣): وينبغي أن لا يقرأ أحد إذ ذاك القرآن لوجهين: أحدهما: أن المحل محل فكرة واعتبار ونظر في المآل، وذلك يشغل عن استماع القرآن، والله تعالى يقول في كتابه العزيز: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ
стр. 26
وَأَنصِتُوا﴾، والإنصات متعذر لشغل القلب بالفكر فيما هو إليه صائر، وعليه قادم.
الوجه الثاني: أنه لم يكن من فعل من مضى، وهم السابقون والقدوة المتبعون، ونحن التابعون، فيسعنا ما وسعهم، فالخير والبركة والرحمة في اتباعهم، وفقنا الله لذلك بمنه.
وقال (٣/ ٢٦٤) بعد أن ذكر أنه لا يجوز رفع القبور أكثر من تسنيمه الذي يعرف به ويمييز: وأما تعلية البناء الكثير على نحو ما كانت الجاهلية تفعله تفخيما وتعظيما، فذلك يهدم ويزال، فإن فيه استعمال زينة الدنيا في أول منازل الآخرة وتشبيها بمن كان يعظم القبور ويعبدها، وباعتبار هذه المعاني وظاهر النهي ينبغي أن يقال: هو حرام.
وذكر من البدع كذلك الاجتماع ثلاث ليال بعد دفن الميت (٣/ ٢٧٦ - ٢٧٨)، وهو الذي يسمى عندنا بعشاء الميت.
ومما قال (٣/ ٢٧٨): وكذلك يحذر مما أحدثه بعضهم من فعل الثالث للميت وعملهم الأطعمة فيه حتى صار عندهم كأنه أمر معمول به ويشيعونه كأنه وليمة عرس، ويجمعون لأجله الجمع الكثير من الأهل والأصحاب والمعارف، فإن بقي أحد منهم ولم يأت وجدوا عليه الوجد العظيم.
ثم إنهم لم يقتصروا على ذلك حتى يقرؤوا هناك القرآن العظيم على عوائدهم المعهودة منهم، بالألحان والتطريب الخارج عن حد القراءة المشروعة بسبب الزيادة والنقصان المتفق على تحريمهما، ويأتون مع ذلك بالفقراء
стр. 27
يذكرون ويحرفون الذكر عن مواضعه على الترتيب المعروف عندهم، وبعضهم يزيد على ذلك، فيأتي بالمؤذنين يكبرون كتكبير العيد على ما مضى من عادتهم.
وقد صار هذا الحال في هذا الزمان أمرا معمولا به، حتى لو تركه أحد منهم لكثر فيه القيل والقال، فكيف لو أنكر ذلك.
ثم انضم إليه أنهم يتكلفون فيه التكليف الكثير، لأجل ما يحتاجونه من العوائد في ذلك.
ومنهم من يأتي بالواعظ إلى الرجال. ومنهم من يأتي بالواعظة إلى النساء، ويزيدون في أقوالهم وينقصون، ويحرفون بعض ذلك ويفهمون غير المراد، ويتفوهون بإطلاق أشياء لا ينبغي ذكرها على رؤوس الأشهاد، وقد تقدم ما في ذلك من الذم في أول الكتاب، وقد تقدم ما في الاجتماع للسماع، وما في السماع مما لا ينبغي، وتلك القبائح والمفاسد موجودة في الاجتماع الثالث والسابع وتمام الشهر وتمام السنة، وفي أي موضع فعل ذلك فيه، من بيت أو قبر أو غيرهما كل ذلك يمنع.
ومن أشهر علماء المالكية محاربة للبدع والمحدثات: العلامة الأصولي أبو إسحاق إبراهيم بن موسى الشاطبي (المتوفى سنة ٧٩٠هـ) في كتابه الاعتصام.
стр. 28
وهو أحسن مصنف على الإطلاق في بيان أصول البدع وقواعدها، والفرق بينها وبين المصالح المرسلة والاستحسان وغيرها مما لا تكاد تجده إلا فيه.
وقد أنكر فيه ﵀ عددا من البدع، منها: الاجتماع عشية عرفة في المسجد للدعاء (٢/ ٣٠٢ - ٣٤١).
والاجتماع للذكر (١/ ١٩) (٢/ ٦٠ - ٨٥ - ٩٣ - ٣٢١ - ٣٢٢).
والدعاء جماعة جهرا دبر الصلوات كما يفعل في بلدنا (٢/ ٢٤١ - ٢٥١ - ٢٥٩ - ٢٦٢ - ٤٦٤) وغيرها.
والاحتفال بالمولد النبوي (١/ ٤٦).
والاستشفاء والتبرك بآثار الأولياء (٢/ ٢٨٦ - ٢٨٧).
وتتبع آثار النبي ﷺ والمساجد المنسوبة إليه واتخاذها سنة (٢/ ٢٣٧ - ٢٣٨ - ٢٣٩).
والتثويب بالآذان (٢/ ٣٦٨ - ٣٧٩ - ٣٩٥) وغيرها.
وتخصيص الأيام الفاضلة بنوع من العبادة لم تشرع لها (٢/ ٢٩٤).
وتزويق المصاحف (١/ ٣٢٠ - ٣٥٢).
ودعاء الخطيب للخلفاء المتقدمين (١/ ١٩ - ٢٠).
وذكر السلاطين في خطبة الجمعة (٢/ ٣٤١).
وزخرفة المساجد (١/ ٣٥٢) (٢/ ٤١٨) (٣/ ٦٥).
وسماع الصوفية (١/ ٣٦١).
стр. 29
والغناء والرقص بالذكر في الليل (٢/ ٨٥).
وقراءة القرآن جماعة (٢/ ٣٠١ - ٣٢١ - ٣٩٦).
والمصافحة بعد صلاة الصبح والعصر (١/ ٣٥٣).
وقد شنع أبو إسحاق الشاطبي في الاعتصام (٢/ ٨٥) على الصوفية في اجتماعهم على الذكر تشنيعا عظيما، ومما قال: وذلك أنه وقع السؤال عن قوم يتسمون بالفقراء يزعمون أنهم سلكوا طريق الصوفية، فيجتمعون في بعض الليالي، ويأخذون في الذكر الجهري على صوت واحد، ثم في الغناء والرقص، إلى آخر الليل، ويحضر معهم بعض المتسمين بالفقهاء، يترسمون برسم الشيوخ الهداة إلى سلوك ذلك الطريق، هل هذا العمل صحيح في الشرع أم لا؟
فوقع الجواب: بأن ذلك كله من البدع المحدثات، المخالفة طريقة رسول الله ﷺ ، وطريقة أصحابه والتابعين لهم بإحسان، فنفع الله بذلك من شاء من خلقه.
إلى أن قال (٢/ ٩٢ - ٩٣): فهذه مجالس الذكر على الحقيقة، وهي التي حرمها الله أهل البدع من هؤلاء الفقراء الذين زعموا أنهم سلكوا طريق التصوف، فقلما تجد منهم من يحسن قراءة الفاتحة في الصلاة إلا على اللحن، فضلاً عن غيرها، ولا يعرف كيف يتعبد، ولا كيف يستنجي أو يتوضأ أو يغتسل من الجنابة. وكيف يعلمون ذلك وهم قد حُرموا مجالس الذكر التي تغشاها الرحمة، وتنزل فيها السكينة، وتحف بها الملائكة.
стр. 30
فبانطماس هذا النور عنهم ضلوا، فاقتدوا بجهال أمثالهم، وأخذوا يقرؤون الأحاديث النبوية والآيات القرآنية فينزلونها على آرائهم، لا على ما قال أهل العلم فيها. فخرجوا عن الصراط المستقيم، إلى أن يجتمعوا ويقرأ أحدهم شيئاً من القرآن يكون حسن الصوت طيب النغمة جيد التلحين تشبه قراءته الغناء المذموم، ثم يقولون: تعالوا نذكر الله، فيرفعون أصواتهم، ويُمشون ذلك الذكر مداولة، طائفة في جهة، وطائفة في جهة أخرى، على صوت واحد يشبه الغناء، ويزعمون أن هذا من مجالس الذكر المندوب إليها.
وكذبوا، فإنه لو كان حقاً لكان السلف الصالح أولى بإدراكه وفهمه والعمل به؟ وإلا فأين في الكتاب أو في السنة الاجتماع للذكر على صوت واحد جهرا عاليا، وقد قال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف:٥٥].
والمعتدون في التفسير هم الرافعون أصواتهم بالدعاء ...
إلى أن قال: وقد جاء عن السلف أيضاً النهي عن الاجتماع على الذكر، والدعاء بالهيئة التي يجتمع عليها هؤلاء المبتدعون. انتهى كلام الشاطبي.
وقال (٢/ ٣٢٢): وأما العادة فكالجهر والاجتماع في الذكر المشهور بين متصوفة الزمان، فإن بينه وبين الذكر المشروع بونا بعيدا، إذ هما كالمتضادين عادة.
стр. 31
ومن البدع التي أبطلها الشاطبي في الاعتصام (٢/ ٣٩٦ - ٤٤١ - ٤٦٦) زيادة "أصبح ولله الحمد" بعد آذان الصبح. كما يفعل المغاربة عندنا، ومما قال (٢/ ٣٩٦): وقد أحدث بالمغرب المتسمي بالمهدي (١) تثويباً عند طلوع الفجر وهو قولهم: "أصبح ولله الحمد" إشعاراً بأن الفجر قد طلع، لإلزام الطاعة، ولحضور الجماعة، وللغدو لكل ما يؤمرون به. فَمَحَّضَه هؤلاء المتأخرون تثويباً بالصلاة كالأذان. ونقل أيضاً إلى أهل المغرب الحزب المحدث بالإسكندرية، وهو المعتاد في جوامع الأندلس وغيرها، فصار ذلك كله سنة في المساجد إلى الآن، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وألف محمد بن أحمد الرهوني (المتوفى سنة ١٢٣٠هـ) رسالة في بدعة الهيللة، أي قول: لا إله إلا الله عند حمل الجنازة، كما جرت به عادة المغاربة، وأبطل قول من أجاز ذلك. والرهوني ﵀ أحد متأخري المالكية الكبار الذي وقع الاتفاق على جلالته وإمامته.
وسمى كتابه: التحصن والمنعة ممن اعتقد أن السنة بدعة (٢).
وقد أبطل فيه بدعة الهيللة مع الجنازة، ورد على من أجاز ذلك (٣).
стр. 32
وانتصر للرهوني محمد كنوني المذكوري، فقد سئل الشيخ عن الهيللة
مع الجنازة فقال: إن ذلك بدعة ابتدعها الناس وإنها لم تكن في عهد
رسول الله ﷺ ولا في عهد الخلفاء الراشدين.
ثم نقل كلام الرهوني في حاشيته على مختصر خليل في تأييد ذلك، وأحال على كتاب الرهوني المتقدم.
ثم أيد الشيخ كلام الرهوني بكلام طويل، قال ﵀ (٣١ - ٣٢): ومن تأمل كلام الشيخين المذكورين وأنصف، ظهر له أن الحق مع ما ذهب إليه الشيخ الرهوني، لأنه ليس من عمله ﷺ ولا عمل الخلفاء الراشدين.
بل ونحن نؤيد كلام الرهوني فنقول: إن الله تعالى أرشد عباده في كتابه العزيز في مثل هذه النازلة بقوله: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [النساء:٥٩] فلما رجعنا إلى كلامه تعالى وجدناه يقول: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ [الحشر:٧]، ويقول: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ [الأحزاب:٢١]، ويقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور:٦٣]، فلما بحثنا عن فعله ﷺ في مسألتنا، وجدنا أنه هو الصمت والتفكر
стр. 33
والاعتبار، ولم يثبت عنه ولا عن أصحابه فيما بلغنا، أنهم كانوا يجهرون بالذكر عند حمل الجنازة، كما بحثنا عن قوله فوجدناه يقول في الحديث الذي رواه أبو داود والترمذي، وقال حديث حسن صحيح، عن العرباض بن سارية قال: وعظنا رسول الله ﷺ موعظة بليغة وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون، فقلنا: يا رسول الله كأنها موعظة مودع فأوصنا. قال: أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبد حبشي وإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة (١).
وبهذا نقول، وهو اعتقادنا في مثل هذه المسألة مما لا دليل عليه من كتاب الله ولا من سنة رسوله ﷺ ، وإنما الاعتماد فيها على الأعراف والعادات وعلى المرائي وقول فلان وفعل فلان، مع أن قول وفعل غير المعصوم ليس بحجة كما هو واضح، اللهم وفقنا لاتباع كتابك وسنة رسولك، ووفق الأمة الإسلامية لهذا المنهاج القويم والصراط المستقيم. آمين، والحمد لله رب العالمين.
стр. 34
وممن ألف في بيان بدعية الذكر مع الجنازة: محمد بن أحمد بن عبد الله الرباطي (ت ١٣٨٣هـ)، له الصارم المسلول على مخالف سنة الرسول في الرد على من استحسن بدعة الذكر جهرا في تشييع الجنازة. كما في إسعاف الإخوان (١٥٩) لمحمد بن الفاطمي السلمي المعروف بابن الحاج.
وممن ألف في بدعة الهيللة مع الجنائز كذاك: الشيخ العلامة عبد الرحمان محمد النتيفي الجعفري الزياني (المتوفى سنة ١٣٨٥هـ)، له: القول الفائز في عدم التهليل وراء الجنائز.
مخطوط خاص.
وممن جزم ببدعية الذكر مع الجنازة العلامة ابن لب المالكي الأندلسي (المتوفى سنة ٧٨٢هـ) حيث قال: السنة في اتباع الجنائز الصمت والتفكر والاعتبار ... فهكذا كان السلف الصالح وأتباعهم، واتباعهم سنة ومخالفتهم بدعة، وذكر الله والصلاة على رسول الله ﷺ عمل صالح مرغب فيه في الجملة، لكن للشرع توقيت وتحديد في وظائف الأعمال، وتخصيص يختلف باختلاف الأحوال. المعيار المعرب للونشريسي (١/ ٣١٣ - ٣١٤).
وقال ابن لب كذلك: إن ذكر الله والصلاة على رسوله ﵇ من أفضل الأعمال، وجميعه حسن، لكن للشرع وظائف وقتها وأذكار عينها في أوقات وقتها، فَوَضْعُ وظيفةٍ موضعَ أخرى بدعة، وإقرار الوظائف في محلها سنة، وتلقي وظائف الأعمال في حمل الجنائز إنما هو الصمت والتفكر
стр. 35
والاعتبار، وتبديل هذه الوظائف بغيرها تشريع ومن البدع في الدين. المعيار المعرب للونشريسي (١/ ٣١٤).
وعد أحمد بن خالد الناصري، (المتوفى سنة ١٣١٥هـ) في تعظيم المنة في نصرة السنة (١)(٥٠) من البدع الهيللة أمام الجنازة.
وألف الفقيه محمد بن العربي عاشور الرشاي الرباطي الأندلسي المراكشي (المتوفى سنة ١٢٦١ هـ) رسالة في بدع ليلة عاشوراء بمراكش (٢).
ذكر فيه جملة من المنكرات التي تقع في حفلة ليلة عاشوراء، كتشبه الرجال بالنساء، وتشبه الرجال باليهود والنصارى، وكالمحاكاة لأناس معينين، واتخاذ الصور، والغناء، وغير ذلك.
وألف القاضي أبو العباس أحمد بن القاضي الفلاني (المتوفى سنة ١٠٢٥هـ) رسالة في ذم مناكير المآثم، مثل النياحة وضرب الخدود واجتماع النساء بدار الميت، ورفع الأصوات وغيرها، سماها: رد البدع الفاسدة (٣).
وتكلم محمد بن عبد السلام بن ناصر الدرعي الناصري (ت١٢٣٩هـ) عن عدد من بدع المتصوفة وأتباع الزاوية الناصرية، سماها: المزايا فيما حدث من البدع بأم الزوايا (٤).
стр. 36
والناصري صوفي، لكنه استنكر على إخوانه عددا من البدع والمحدثات.
ومن البدع التي نبه عليها: خروج الناس إلى المصلى في جماعات يهللون ويكبرون جماعة، وأن الواجب الذكر على الانفراد (ص ٤أ).
وكذا الدعاء جماعة عند الرجوع من المصلى (٤ب).
وزيارة القبور يوم العيد (٤ب).
والمجيء بالزكاة للزاوية (٥ب).
والذبيحة على الأشياخ بنية التقرب إليهم ولو سمى الله (٧أ).
واجتماع الرجال والنساء للحضرة (٨أ) (١).
وصرف الأحباس لغير مصارفها الشرعية (٢٧ب).
والدعاء للسلاطين في العيد والجمعة (٣٥ب).
ونبذ الحرث والتجارة (٣١ب).
وذكر أشياء كثيرة أغلبها محرمات.
وألف عبد السلام بن محمد السرغيني (ت١٣٥٤هـ) رسالة صغيرة حظ فيها على السنة وحذر من البدع ونقل كلام أئمة السلف في التحذير من
стр. 37
البدع وأهلها، ونص على جملة من مناكير المواسم وغيرها، سماها: مسامرة في الانتصار للسنة وقمع البدعة (١).
وهي عبارة عن محاضرة قيمة ألقاها بنادي المسامرات بالمدرسة العليا الإدريسية بفاس.
وساق رسالة المولى سليمان في إنكار البدع والأضرحة، وكلاما لأحمد الناصري في إنكار عدد من البدع.
وألف كذلك أحمد بن خالد الناصري، (المتوفى سنة ١٣١٥هـ) صاحب الاستقصا كتابا حافلا في إنكار البدع والمحدثات، سماه: تعظيم المنة في نصرة السنة (٢).
وسبب تأليفه للكتاب أنه قرر أن الذكر بالاسم المفرد بدعة لا تجوز فرد عليه بعض الصوفية، فرد عليهم بهذا الكتاب.
وقد نبه فيه على بدع كثيرة، منها:
الذكر الجماعي عقب الصلاة (٢٨).
ورقص الفقراء حول الميت بعد تغسيله (٤٩ ب).
والهيللة أمام الجنازة (٥٠).
وذكر من البدع كذلك: اتخاذ القبور مساجد (٦٢).
стр. 38
واتخاذ البوق والمزمار بالمآذن (٦٩).
ورواية حديث من لغا فلا جمعة له يوم الجمعة، كما جرت به العادة ببلدنا (١١١).
ومساعدة النصارى في أعيادهم ببيع الثوب والأكل لهم ونحوه (١٣٣).
وذكر أشياء أخرى ستأتي ضمن الفصل الخاص بالصوفية.
وأقتصر على نقل واحد منه، قال: سئل الشيخ أبو الحسن سيدي علي ابن هارون عن مسألة قول لا إله إلا الله محمد رسول الله عقب الصلوات، هل ذلك بدعة مستحسنة؟
فأجاب بما نصه: إن الذكر مطلوب ومندوب إليه، ومرغب فيه، والإكثار منه، وترتيبه بعد الصلوات يذكرون بصوت واحد من البدع التي ينهى عنها، لما يتطرق إليها من الزيادة في الدين ما ليس منه، ولم يكن هذا في الصدر الأول فيجب قطعه.
وفي المعيار المعرب والجامع المغرب عن فتاوى أهل إفريقية والأندلس والمغرب لأحمد بن يحيى بن محمد الونشريسي المتوفى سنة (٩١٤ هـ) التنبيه على عدد من البدع والمخالفات والمحدثات، وخصوصا محدثات المتصوفة ومن البدع التي نبه عليها:
الدعاء إثر الصلاة. (١/ ٢٨٣).
ورواية الحديث (٢/ ٤٨٥).
стр. 39
ونقل عن الشاطبي المنع من قراءة الحزب جماعة (١١/ ١١٢) (١).
وذكر عن أبي سعيد بن لب المنع من الذكر أمام الجنازة. وقد تقدم.
ونقل عن الشاطبي (١/ ٣٢٣ - ٣٢٧) المنع من قراءة القرآن في القبور.
ونقل (١١/ ١١٣) قول الشاطبي في المنع من الدعاء جماعة في أدبار الصلوات.
وعد من البدع البناء على القبور وتجصيصها وشد الرحال إلى زيارتها (١١/ ١٥٢).
والاحتفال بالسنة الميلادية (١١/ ١٥٠).
وغيرها من البدع (٢).
وأقتصر في هذا المقام على نقل ثلاثة فتاوى:
الأولى: حول حديث الإنصات الذي جرت به عادة المغاربة، واعتبروه جزءا لا يتجزأ من المذهب المالكي.
والثانية: في عدم جواز الزيادة على المشروع في العبادات، ووجوب الاقتصار على ما ورد في النصوص الثابتة في السنة المطهرة.
والثالثة: في حكم الاجتماع عند موت الميت.
стр. 40
الفتوى الأولى: نقل الونشريسي في المعيار المعرب عن أبي عبد الله محمد بن عبد المومن التازي (٢/ ٤٨٥) قوله: ومنها قول بعد الناس ما أحدث من النداء عند إرادة الخطيب أن يخطب بقوله: روى مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إذا قلت لصاحبك أنصت والإمام يخطب يوم الجمعة فقد لغوت» (١). أنصتوا رحمكم الله.
ابن الحاج (٢): والعجب من بعض الناس أنهم ينكرون على مالك رحمه الله تعالى أخذه بعمل أهل المدينة واستحسنوا هذا الفعل، واحتجوا على صحته بأنه من عمل أهل الشام وعادتهم المستمرة. انتهى.
واستمر عمل تلمسان على رواية هذا الأثر واستمر عمل فاس على تركه، وهو الصواب إن شاء الله. انتهى.
فانظر كيف يقرر هذا الإمام المالكي بأن الصواب ترك رواية حديث الإنصات يوم الجمعة، الذي تلزم به وزارة الأوقاف المغربية جميع المساجد، وتعتبر الالتزام به من أهم المهمات، والإخلال به من أسباب التوقيف والإقالة من العمل.
وقرر الإمام أبو إسحاق الشاطبي المالكي بدعية هذا العمل كذلك ...